← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ بما لم يبحه الشرع؛ كالغصب، والقمار، والربا، والسرقة، وما شاكل ذلك ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً﴾ تديرونها بينكم ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ على أن يكون التراضي غير مشوب بإكراه؛ كمن يرى تاجراً في ضيق فينتهز فرصة ضيقه وإفلاسه، ويساومه في بضاعته، بدون ثمنها المعلوم، أو بأقل مما يشتري به مثلها؛ فيقبل البائع مضطراً؛ لحاجته. ويقول المشتري في نفسه: أليس البيع عن تراض؟ أليس من حقي أن أشتري بالثمن الذي أرتضيه؟ ويستحل بذلك ما حرم الله تعالى فليس هذا بالتراضي المطلوب الذي أراده الله تعالى؛ بل هو بالغصب أشبه. وإنما التراضي: أن تكون نفس البائع راضية؛ ونفسه لن تكون راضية وهو خاسر في بيع سلعته؛ أكرهته الظروف على هذا البيع، واضطرته مطامع المشتري إليه فليتق الله من يرغب في جنته، وليتجنب الشبهات في ماله وعرضه ودينه ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضاً، أو لا تفعلوا ما يوجب قتلها. أو هو على ظاهره بمعنى الانتحار

стр. 457

﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ بأن يأكل أموال الناس بالباطل، أو يشتري بغير تراض، أو يقتل النفس التي حرم الله تعالى قتلها ﴿عُدْوَاناً﴾ منه على الغير ﴿وَظُلْماً﴾ لهم ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ ندخله ﴿نَاراً﴾ جهنم وبئس المصير

стр. 458

﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الكبائر: لا تعد، ولا تحد؛ وأكبرها: الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، والزنا، وشرب الخمر، وقول الزور، والفرار يوم الزحف. وقد قالوا: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار أي إن الصغائر إذا لازمها المذنب وأصر على إتيانها: فهي كبائر، والكبائر إذا ندم على ارتكابها، واستغفر ربه منها؛ قبله الله تعالى وغفرها له ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ⦗٩٨⦘ المراد بالسيئات: الصغائر

стр. 459

﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي ألزموا الطاعة، وتمسكوا بأهداب القناعة؛ ولا تطمحوا بأعينكم إلى ما خص الله تعالى به غيركم؛ فهو جل شأنه مالك الملك؛ يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء؛ بيده الخير كله وهو حث على عدم الحقد والحسد. وقيل: نزلت حين تمنت النساء مثل أجر الرجال ﴿وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ فإن آلاءه لا تعد، وفواضله لا تنفد؛ وهو وحده القادر على تحقيق أمانيكم، وبلوغ آمالكم

стр. 460

﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ وهم الأقرباء الذين ليست لهم فرائض مسماة؛ فيأخذون ما بقي - من الميراث - من أصحاب الفرائض

стр. 461

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ﴾ أي قائمون عليهن بالأمر والنهي والتوجيه، والزجر والتأديب، والإنفاق والرعاية؛ كما يقوم الولاة على الرعية. وذلك لأن القوامة أحوج إلى الحزم والتدبير؛ منها إلى الحنان والوجدان فصفات الرياسة والقوامة متوافرة في الرجل توافراً كاملاً؛ لأنه خلق ليكون قائداً ورائداً؛ كما أن صفات الرقة والحنان، والرحمة والوجدان؛ متوافرة في المرأة؛ لأنها خلقت لتكون زوجاً وأماً ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي هذه القوامة بسبب تفضيل الله تعالى للرجال على النساء؛ لوفور علمهم، ومزيد قوتهم، واضطلاعهم بالأعباء الجسام ﴿وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ لأن النفقة واجبة عليهم. وهذا هو سبب قوامة الرجل على المرأة، فإذا انعدمت هذه الأسباب؛ وكان الرجل خاملاً، ضعيفاً، جاهلاً، معدماً؛ فأي قوامة له على المرأة النابهة، القوية، العالمة، الغنية؟ ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ من النساء ﴿قَانِتَاتٌ﴾ مطيعاتلله تعالى ولأزواجهن ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي حافظات لعرضه وماله - حال غيبته - بما أمر الله به أن يحفظ. أو حافظات لما يجري بينهن وبين أزواجهن مما يجب كتمه، ويجمل ستره. قال: «إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه؛ ثم ينشر أحدهما سر صاحبه» ولا يخفى ما يأتيه الآن سفهاء القوم؛ حين يصبح أحدهم فيقول: صنعت في ليلة أمس كيت وكيت، وتصبح زوجته أيضاً فتقول لجارتها: لقد صنع بي أمس كيت وكيت. فيتضاحكن لتلك السفاهة الشنيعة، والبذاءة الممقوتة ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ عصيانهن ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ أي مروهن بالطاعة ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ بأن لا تناموا معهن في فراش واحد. أو كناية عن عدم إتيانهن ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ ضرباً يسيراً غير مبرح؛ ولكنه يبلغ حد الإيلام، وإلا انتفت به حكمة التأديب. انظر كيف يعلمنا الله كيف نؤدب نساءنا؟ وكيف نتدرج بهذا التأديب؛ فمن نصح يبلغ ⦗٩٩⦘ حد اللطف، إلى هجر لا يبلغ حد العنف، إلى ضرب بعيد عن القسوة؛ فإذا نفع الوعظ: حرم الهجر. وإذا تم التأديب بالهجر: حرم الضرب ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ أي إن أطعنكم بالوعظ؛ فلا تبغوا عليهن بالهجر، وإن أطعنكم بالهجر؛ فلا تبغوا عليهن بالضرب

стр. 462

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ أي إن استحكم هذا الشقاق، وخشيتم عواقبه؛ ولم تتأدب بما أدبها الله تعالى به، أو تجاوز الزوج حدود الله في تأديبها ﴿فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ ليبحثا ما بين الزوجين من خلاف ﴿إِن يُرِيدَآ﴾ الحكمان ﴿إِصْلاَحاً﴾ بين الزوجين ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَآ﴾ أي بين الحكمين؛ فيزيلا ما بين الزوجين. أو «يوفق الله بينهما» أي بين الزوجين ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً﴾ بما فعله الحكمان ﴿خَبِيراً﴾ بمكنون صدورهما ﴿﴾ حق عبادته

стр. 463

﴿وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ قرن تعالى عبادته بالإحسان بالوالدين في غير موضع من كتابه الكريم؛ لما لهما على الابن من فضل يعجزه وفاؤه ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ القريب منك ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ البعيد عنك. أو المراد بها قرابة النسب؛ وعلى كلا المعنيين فقد أوصى الله تعالى بذي القربى - جاراً كان أو غير جار - وقد أوصى جبريل الأمين الرسول الكريم صلوات الله تعالى وسلامه عليهما بالجار حتى ظن النبي أنه سيورثه؛ ومن وصيته ﵊ بالجار: «إن استقرضك أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن مرض عدته، وإن احتاج أعطيته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته، وإن مات تبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فاهد له، وإن لم تفعل فأدخلها سراً، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده» ﴿وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ وهو الذي رافقك في سفر، أو تعلم علم، أو جاورك في الصلاة. وقيل: هي امرأة الرجل تكون إلى جنبه ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المسافر المنقطع ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من العبيد والإماء ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً﴾ متكبراً ﴿فَخُوراً﴾ على الناس بجاهه وماله

стр. 464

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ من مال كثير، ورزق وفير؛ فلا يعطون منه الفقير؛ فحسبهم جهنم وبئس المصير ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ هيأنا وأعددنا ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ الذين يبخلون بما آتاهم الله ﴿عَذَاباً مُّهِيناً﴾ هذا شأن الذين يبخلون؛ أما الذين يتظاهرون بالكرم والجود - رياء ونفاقاً - فهم أسوأ حالاً ومآلاً ممن يبخلون وقد وصفهم الله تعالى بقوله:

стр. 465

﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَآءَ النَّاسِ﴾ أي مراءاة لهم ﴿وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ لأنهم لو آمنوا بربهم؛ لعملوا له لا لمخلوقاته ⦗١٠٠⦘ فهم في العطاء أسوأ من البخلاء؛ لأنهم قرناء الشيطان ﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً﴾ أي مصاحباً؛ يأمر فيطاع: يأمره بكل شر، وينهاه عن كل خير

стр. 466

﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ﴾ وزن. من الثقل ﴿ذَرَّةٍ﴾ وهي أصغر من النمل أو هو ما يذره الهواء من صغار المخلوقات؛ التي خلقها بارىء الأرض والسموات ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ ينمها ويزدها

стр. 467

﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا﴾ يوم القيامة ﴿مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ هو رسولها يشهد بما لها أو عليها ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ يا محمد ﴿عَلَى هَؤُلاءِ﴾ أي على قومك ﴿شَهِيداً﴾ بما عملوا من عناد وفساد

стр. 468

﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ﴾ أي لو يدفنون وتسوى بهم الأرض كما يفعل بالموتى ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ أي ولا يستطيعون أن يكتموا الله تعالى ما فعلوا؛ وكيف يكتمونه وأعضاءهم وجوارحهم تشهد عليهم

стр. 469

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ قيل: نزلت هذه الآية في بدء تحريم الخمر؛ حين قرأ أحدهم في صلاته «قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون» فنهوا عن الصلاة وهم سكارى ﴿وَلاَ جُنُباً﴾ أي لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي إلا مسافرين؛ فقد أبيحت لكم الصلاة بغير وضوء - عن فقدان الماء - ويجزىء حينذاك التيمم ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ﴾ جامعتموهن ﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ اقصدوا ﴿صَعِيداً﴾ هو وجه الأرض؛ تراباً كان أو حجراً أو غيرهما ﴿طَيِّباً﴾ طاهراً ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً﴾ كثير العفو ﴿غَفُوراً﴾ للمذنبين: سبحان من نهفو ويعفو دائماً ولم يزل مهما هفا العبد عفا يعطي الذي يخطى؛ ولا يمنعه جلاله من العطا لذي الخطا

стр. 470

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ﴾ هم أحبار اليهود ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ﴾ يختارونها ﴿وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ﴾ أي يريدون أن تكونوا مثلهم في الضلال، وتخطئوا طريق الحق

стр. 471

﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾ من اليهود قوم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ أي يبدلون الكلام عن معناه. قال بعضهم: أريد بالكلم التوراة. وقد أخفوا فيها ذكر محمد ﵊، وأخفوا منها آية الرجم ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ المعنى: إنهم سمعوا قوله؛ فتلقوه بالعصيان. وقد عبر تعالى عن ذلك بالقول - مع أنهم لم يقولوه - كما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ هو دعاء بمعنى: اسمع لا سمعت ﴿وَرَاعِنَا﴾ هي كلمة سب بالعبرية أو السريانية ﴿لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ أي يلوون ألسنتهم بقوله ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ وقوله ﴿رَاعِنَا﴾ التي هي في الحقيقة سب ودعاء، ويقولونها في قالب ⦗١٠١⦘ آخر، كقولهم: السام عليكم مكان «السلام عليكم» والسام: الموت

стр. 472

﴿يَاأَيُّهَآ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ من اليهود والنصارى ﴿آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا﴾ من القرآن، على رسولنا محمد ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾ من التوراة والإنجيل ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً﴾ نغيرها بالمسخ ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ نطردهم من رحمتنا أو نمسخهم قردة ﴿كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ اليهود الذين خالفوا بالصيد يوم السبت؛ وقد نهوا عنه ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾

стр. 473

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يمدحونها ويصفونها بالطاعة والتقوى؛ وهو إثم. وأريد بهم اليهود؛ حيث قالوا ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ وليست تزكية النفس بالقول ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ يأجره ويجزيه ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ هو كناية عن القلة. والفتيل: الذي يفتل بين الأصابع؛ لتفاهته وقلته

стр. 474

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ﴾ اليهود ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ﴾ الصنم، أو الكاهن، أو الساحر ﴿وَالطَّاغُوتِ﴾ كل رأس في الضلال. وقيل: الجبت والطاغوت: صنمان كانوا يعبدونهما في الجاهلية ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاءِ﴾ أي هؤلاء الناس الذين وصفهم كتاب محمد بالكفر ﴿أَهْدَى﴾ سبيلاً ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ بمحمد

стр. 475

﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ طردهم من رحمته

стр. 476

﴿أَمْ لَهُمْ﴾ أي أم لهؤلاء اليهود ﴿نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ﴾ من ملك الله؛ يعطون من أرادوا ويمنعون من شاءوا ﴿فَإِذَآ﴾ إذا كان لهم نصيب من الملك ﴿لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً﴾ النقير: النقرة في ظهر النواة؛ وهو مثل في القلة: ضربه الله تعالى لهم؛ إشارة لشدة بخلهم. وهذا كقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾

стр. 477

﴿أَمْ﴾ بل ﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ المسلمين ﴿عَلَى مَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وهو بعث الرسول محمد صلوات الله تعالى وسلامه عليه فيهم، وإنزال القرآن الكريم إليهم ﴿فَقَدْ آتَيْنَآ﴾ من قبل محمد ﴿آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إبراهيم وأبناءه ﵈ ﴿الْكِتَابَ﴾ الكتب التي أنزلت إليهم: كصحف إبراهيم، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وزبور داود ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ النبوة والعلم النافع ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً﴾ كملك سليمان - وهو من آل إبراهيم: وقيل: المراد بالملك: النبوة، والجاه، وكثرة الأتباع، والانتصار على الكفار. وذهب أكثر المفسرين - سامحهم الله - إلى أن المقصود بـ ﴿النَّاسُ﴾ في الآية: محمد، وبالفضل الذي آتاهالله: ما أباحه له من النسوة؛ ينكح منهن ما شاء بغير عد ولا حد. وقد وثقوا هذا التأويل الفاسد بعنعنة دونوها، وأسماء طنانة أوردوها، وألفاظ نمقوها، وهو قول فاسد يأثم قائله وراويه وناقله، ومعتقده فلا حول ولا قوة إلا ب الله

стр. 478

﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي من الذين أوتوا الكتاب من يهود ⦗١٠٢⦘ بني إسرائيل ﴿مَّنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي بمحمد ﵊. أو ﴿مَّنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي بالكتاب - أي كتاب منزل - وليس فيه. ما يؤمنون به من الجبت والطاغوت بل فيه نعت محمد ﵊، وأنباء بعثته ﴿وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ﴾ أي أعرض ومنع الناس عن الإيمان به

стр. 479

﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ ندخلهم ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي أحرقت ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ وذلك لأن أشد العذاب والإيلام يكون عن طريق سطح الجلد؛ فإذا ما احترق الجلد: فتر الألم، وقل العذاب. أما وقد قضى ربك بتعذيبهم، والتشديد عليهم، وعدم النظر إليهم، وطردهم من رحمته وحرمانهم من عطفه لذا فإنه تعالى قدر أن تبدل جلودهم كلما نضجت ﴿لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ الذي كفروا به، وكذبوا بحدوثه

стр. 480

﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ب الله تعالى، وملائكته وكتبه ورسله، وبعثه وجنته وناره ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ التي أمرهم الله تعالى بها وحضهم عليها؛ وماتوا على ذلك ﴿لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ مما يستقذر عادة؛ كالحيض والنفاس والأنجاس ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ أي دائماً لا تنسخه شمس

стр. 481

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ هي في ولاة الأمور؛ وتأدية الأمانة إلى أهلها: أن تضع ثقتك في محلها؛ فلا يحكمك إلا من هو أهل للحكم، ولا يليك إلا من هو أهل للولاية؛ فلا تلعب بك الأهواء، فتجعل ثقتك في غير موضعها؛ وتخون الأمانة التي وضعها الله تعالى في عنقك. والأمانات: كل ما ائتمنت عليه من مال، أو عهد، أو عقد، أو سر، أو شبه ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي نعم الشيء الذي يعظكم به؛ وهو تأدية الأمانات إلى أهلها، والحكم بين الناس بالعدل

стр. 482

﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ﴾ أي أوامره ونواهيه الواردة في القرآن ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ أي ما جاء عنه من القول السديد، والفعل الحميد ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ في هذه الآية دليل على أن أولي الأمر الواجبة طاعتهم على الأمة: يجب أن يكونوا منها - حساً ومعنى، ولحماً ودماً - ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾ هم الولاة والسلاطين؛ ما داموا قائمين بأمر الله تعالى؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي إذا اختلفتم فيما بينكم وبين أنفسكم في أمر من الأمور أو إذا تنازعتم أنتم وأولوا الأمر ﴿فَرُدُّوهُ﴾ ارجعوا في حكم هذا النزاع ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ إلى ما جاء في كتابه المستبين ﴿وَالرَّسُولِ﴾ وإلى الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه حال حياته، وإلى سنته وهديه من بعده ﴿ذلِكَ﴾ الرجوع إلى الله ورسوله فيما شجر بينكم من خلاف ﴿خَيْرٍ﴾ من رد النزاع إلى النهور والتعصب الأعمى ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ مآلاً وعاقبة

стр. 483

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن؛ وهم بعض من آمن من اليهود ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ من التوراة ⦗١٠٣⦘ والإنجيل. أو المراد بـ: ﴿الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ﴾: بعض المؤمنين أو المنافقين ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ بعض اليهود ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ وهو كل رأس في الضلال؛ من ساحر وكاهن ونحوهما ﴿وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ أي أمروا بالتحاكم إلى الله ورسوله. قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾

стр. 484

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ﴾ نحتكم ﴿إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ في كتابه ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ ليحكم في تنازعنا ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً﴾ يمنعون الناس من الاتصال بك، والإيمان بما أنزل عليك، والاحتكام إليك

стр. 485

﴿فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ﴾ نزلت بهم نازلة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بسبب ما قدموه من كفران وعصيان ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ﴾ ما أردنا في الاحتكام إلى غيرك ﴿إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ بين الناس

стр. 486

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق ﴿وَقُل لَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ازجرهم في السر ﴿قَوْلاً بَلِيغاً﴾ زجراً عنيفاً؛ ليتعظوا ويؤمنوا، ويرجعوا عن نفاقهم. أو ﴿وَقُل لَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي فيما ارتكبته أنفسهم من آثام

стр. 487

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ بارتكاب الآثام، وتعريضها للعقاب ﴿جَآءُوكَ﴾ تائبين ﴿فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ﴾ مما فرط منهم ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ هو على طريقة الالتفات؛ أي واستغفرت لهم مستشفعاً ﴿لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّاباً﴾ أي قابلاً لتوبتهم واستغفارهم؛ كيف لا. وقد تابوا وأنابوا، واستشفع لهم شفيع الأمة ومنقذها صلوات الله تعالى وسلامه عليه

стр. 488

﴿فَلاَ وَرَبِّكَ﴾ أقسم تعالى بخاتم رسله وأنبيائه ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ إيماناً حقيقياً ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فيما اختلط عليهم، واختلفوا فيه ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ﴾ أي المتحاكمون ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً﴾ ضيقاً ﴿مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ به بينهم ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ بظواهرهم وبواطنهم، بألسنتهم وقلوبهم

стр. 489

﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ فرضنا وقضينا ﴿أَنِ اقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي عرضوها للقتل بالجهاد ﴿أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ﴾ مهاجرين إلى الله ﴿مَّا فَعَلُوهُ﴾ لأن قلوبهم لم تطمئن بعد للجزاء الذي وعدتهم به ﴿إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ ممن أنار الله بصيرته، وأنقى سريرته ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ من الإقدام والاستبسال ﴿لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ لأنهم سيفوزون بالنصر والغنيمة، أو بالأجر والشهادة ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ لقلوبهم، وتحقيقاً لإيمانهم

стр. 490

﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ طريقاً واضحاً قويماً

стр. 491

﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ الصديق: المبالغ في صدق ظاهره بالمعاملة، وباطنه بالمراقبة ويطلق على خواص صحابة الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام

стр. 492

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ من الأعداء ﴿فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ﴾ أي فاخرجوا إلى العدو جماعات متفرقة: سرية بعد سرية؛ و «الثبات»: الجماعات؛ واحدها ثبة ﴿أَوِ انْفِرُواْ جَمِيعاً﴾ مجتمعين؛ حسبما تقتضيه ظروف ملاقاة العدو، وأسباب الحرب وفنونه؛ من كر وفر، وإقدام وإحجام، وتظاهر بالكثرة الغالبة، أو بالقلة الضاربة

стр. 493

﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ ليتثاقلن ويتخلفن عن الجهاد؛ ويثبطن همم المجاهدين ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ﴾ انتابتكم هزيمة ﴿قَالَ﴾ المنافق، الجبان، المتثاقل، المتخلف، المثبط ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ بالسلامة والنجاة ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ مشاهداً للقتال، وحاضراً فيه

стр. 494

﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله﴾ نصر وغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ متندماً على ما فاته من نصر وكسب ﴿يلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ بما فازوا به

стр. 495

﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ أمر صريح بالجهاد ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ يبيعون ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ أي يستبدلونها بها
следующие страницы →