Полный текст (5 331 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ لما كان الله تعالى بمنه وكرمه يثيب على الإيمان والعمل الصالح؛ شبه هذا الثواب، والنجاة من العذاب بالتجارة؛ فمن قدم عملاً صالحاً: لقي جزاء رابحاً، ومن قدم إحساناً: لقي جناناً، ومن أرضى مولاه: أرضاه ربه وكرمه ونعمه فلا تجارة أنجح من هذه التجارة، ولا فوز أربح من هذا الفوز
стр. 4342
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما يصلحكم، وما ينجيكم
стр. 4343
﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ جنات الإقامة؛ من عدن بالمكان: إذا أقام فيه
стр. 4344
﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي ويمن عليكم بخصلة أخرى تحبونها؛ وهي النصر، والفتح القريب ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يا محمد - في الدنيا - بالنصر والفتح القريب، وفي الآخرة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
стр. 4345
﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ وهم أنصار عيسى ﵇، وحواري الرجل: خاصته وأنصاره ﴿فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ غالبين.
стр. 4346
سورة الجمعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4347
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ أي يقدسه، وينزهه كل شيء فيهما: من ملك، وإنس، وجن، وحيوان، ونبات، وجماد. (انظر آية ٤٤ من سورة الإسراء) ﴿الْمَلِكِ﴾ المالك؛ الذي لا ملك سواه، ولا سلطان لمن عداه، ولا سعادة لمن عاداه ﴿الْقُدُّوسِ﴾ المنزه عن النقائص ﴿الْعَزِيزِ﴾ الغالب الذي لا يغلب ﴿الْحَكِيمِ﴾ في صنعه
стр. 4348
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ﴾ الذين لا يقرأون؛ لأن أمة العرب كانوا لا يقرأون ولا يكتبون من بين سائر الأمم. وقيل: «الأميين» نسبة إلى أم القرى مكة زادها الله تعالى شرفاً ﴿رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ أي من بني جلدتهم، ومن جنسهم، أمياً مثلهم: وهو محمد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام
⦗٦٨٦⦘ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ المنزلة من لدنه؛ بواسطة ملائكته ﵈ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهرهم من دنس الشرك، وخبائث الجاهلية ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الأحكام، وما يليق بذوي الأفهام ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ﴾ إرساله إليهم ﴿لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ فقد كانوا يئدون بناتهم خشية الإملاق؛ فعرفهم أن خالقهم قد تكفل بأرزاقهم ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ وكانوا يرثون النساء ويعضلوهن؛ فنهاهم عن ذلك، وأمرهم بإكرامهن ﴿لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ وكانوا يصنعون أصنامهم بأيديهم، ثم يعبدونها. فقبح عملهم، وسفه أحلامهم ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾
стр. 4349
﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ أي ويعلم آخرين منهم؛ وهم سائر الأمة من بعده؛ فهو ﵊ المعلم الأول لأمته إلى يوم القيامة، ولله در القائل:
لم يوفق موفق قط إلا
جاءه عن طريقه التوفيق
﴿لَمَّا﴾ لم ﴿يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ في السابقة والفضل وهل يستوي من تمتع بصحبة الرسول، وفاز بطلعته؛ بمن لم يره؟ والمعنى: لم يلحقوا بهم، وسيلحقون بهم في الجنة، أو سيلحقون بهم إذا اهتدوا بهديهم، وساروا على طريقتهم ﴿ذَلِكَ﴾ الفضل الذي أسبغه الله تعالى على من فاز بصحبة النبي ورؤيته؛ فذلك
стр. 4350
﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ يخص به من شاء من عباده
стр. 4351
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ﴾ أي كلفوا علمها والعمل بما فيها ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ لم يعملوا بما كلفوا به ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ الذي لا يفهم شيئاً ﴿يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ إذا حمل كتباً عظاماً؛ فلا ينتفع بما في هذه الكتب؛ فكذلك هؤلاء اليهود «حملوا التوراة» فكانوا «كمثل الحمار» إذا حمل أسفاراً ﴿قُلْ﴾ يا محمد لليهود
стр. 4352
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ﴾ أحباء له تعالى ﴿فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ﴾ أي إن كنتم أولياء الله وأحباءه - كما تزعمون - فتمنوا على الله أن يميتكم، وينقلكم إلى جواره في دار كرامته
стр. 4353
﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً﴾ لأن الكافر والعاصي لا يتمنيان الموت ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ﴾ من الكفر والمعاصي؛ لما ينتظرهم من العقاب على ما قدمت أيديهم (انظر آية ٤٢ من سورة الزمر) في الدنيا؛ فيجازيكم عليه ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ﴾ إذا أذن لها
стр. 4354
﴿مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ في المساجد (انظر آية ٢٧ من سورة الحج).
⦗٦٨٧⦘ ﴿وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾ اتركوا التجارة الخاسرة، واسعوا إلى التجارة الرابحة
стр. 4355
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ امشوا فيها؛ وهو أمر إباحة، لا أمر إلزام ﴿وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾
رزقه؛ بالسعي في مصالحكم، أو أريد بفضل الله: العلم
стр. 4356
﴿انفَضُّواْ﴾ تفرقوا من عندك، وعن الاستماع إلى نصحك ﴿انفَضُّواْ﴾ أي إلى التجارة أو اللهو ﴿وَتَرَكُوكَ قَآئِماً﴾ وقد كان الرسول ﵊ يخطب يوم الجمعة؛ فقدم دحية بن خليفة بتجارة من الشام؛ فقاموا إليه وتركوا النبي قائماً وحده؛ ولم يبق معه غير اثني عشر رجلاً من صحابته ﵊ ﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ﴾ من الأجر والثواب ﴿خَيْرٌ﴾ مما انصرفتم إليه ﴿مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ لأن الصلاة: مرضات لله، والله جل شأنه يملك الدنيا والآخرة، ويملك خزائن الأرض والسموات. فإن شاء أبكاكم، وإن شاء أضحككم ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ وإن شاء أعطاكم، وإن شاء منعكم ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ولا رازق سواه أصلاً وإن قيل: فلان يرزق عياله؛ فقد أريد أنه يسعى عليهم من فضل الله
стр. 4357
سورة المنافقون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4358
﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ يا محمد ﴿قَالُواْ﴾ نفاقاً ورياء ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ شهد المنافقون بذلك أو لم يشهدوا ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يقولون
стр. 4359
﴿اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أي اتخذوا شهادتهم للرسول بالرسالة: وقاية لهم من القتل والأسر (انظر آية ١٦ من سورة المجادلة) ﴿فَصَدُّواْ﴾ منعوا الناس ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه القويم ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ من نفاقهم وكذبهم. وقد لحقهم السوء - في حياتهم - بانكشاف سترهم، وانفضاح أمرهم، وسيلحقهم - بعد موتهم - فيما يلقونه من العذاب في قبورهم، وفي الجحيم بعد بعثهم
стр. 4360
﴿ذَلِكَ﴾ السوء الذي وقع منهم ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿آمَنُواّ﴾ أي نطقوا بكلمة الشهادة؛ كسائر من يدخل في الإيمان
⦗٦٨٨⦘ ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ ظهر كفرهم بما أبدوه من نفاقهم. أو قالوا كلمة الإيمان للمؤمنين ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ غطى عليها؛ فلا تقبل الإيمان؛ بسبب نفاقهم، وكفرهم بعد إيمانهم. فالطبع على قلوبهم: كان عقوبة لهم؛ لأن كفرهم سابق على طبع الله تعالى وتغطيته على قلوبهم؛ و ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾
стр. 4361
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ أي إذا رأيت هؤلاء المنافقين ﴿تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ لأنهم أصحاء أقوياء ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ لأنهم بلغاء فصحاء ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ لخلوهم من الفائدة، وحرمانهم من النفع
﴿خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ لأنهم أجرام خالية من الإيمان ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ لأنهم جبناء ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ حقيقة ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾ لأنهم يشيعون الذعر في صفوف الجنود، أكثر مما يشيعه الأعداء المحاربون ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ لعنهم وطردهم من رحمته ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يصرفون عن الحق مع وضوحه؟
стр. 4362
﴿لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ﴾ تكبراً ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ يعرضون ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان
стр. 4363
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ للأغنياء ﴿لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ من فقراء المؤمنين؛ الذين يمتون إليهم بالرحم والقرابات ﴿حَتَّى يَنفَضُّواْ﴾ يتفرقوا عن الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه ﴿وَلِلَّهِ﴾ وحده ﴿خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ يعطي منها من شاء، ويمنع من شاء ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ لعمى قلوبهم ﴿لاَ يَفْقَهُونَ﴾ هذه الحقيقة البديهية؛ ومن غفلتهم أيضاً أنهم
стр. 4364
﴿يَقُولُونَ لَئِن﴾ من غزوة بني المصطلق ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ﴾ الأعظم، والأقوى؛ يعنون بذلك أنفسهم؛ لغناهم وتكبرهم ﴿مِنْهَا﴾ أي من المدينة ﴿الأَذَلَّ﴾ الأضعف. عنوا بذلك المؤمنين؛ لفقرهم وتواضعهم ﴿وَلِلَّهِ﴾ وحده ﴿الْعِزَّةُ﴾ الغلبة والقوة؛ يهبهما لمن شاء من عباده ﴿وَلِرَسُولِهِ﴾ أيضاً العزة؛ يضفيها على أتباعه ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وليست لكم؛ لأن العزة لا تكون إلالله وبالله؛ وأنتم عنه بعداء
стр. 4365
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ﴾ لا تشغلكم ﴿أَمْوَالُكُمْ﴾ وجمعها والحرص عليها ﴿وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ﴾
وفرط الرغبة في إسعادهم؛ مضحين في سبيل ذلك بأوامر ربكم، وبما فرضه عليكم من الإنفاق والبذل؛ ناسين وعده بالإخلاف والأجر؛ فلا يلهكم الإنشغال بذلك ﴿عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ تذكره، وخشيته؛ وإطعام الفقير في سبيله، وإنفاق المال على حبه ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ فيتلهى بجمع المال، وحفظه للعيال ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ لأموالهم ولآخرتهم؛ بل ولأولادهم أيضاً فكم قد رأينا من أبناء الأغنياء، من أضاع ما جمعه الآباء؛ فيما يغضب الله تعالى من الملذات والشهوات. وبعد ذلك صاروا عالة على المجتمع: يتكففون الناس، ولا يجدون قوت يومهم وما ذاك إلا من سوء نيات آبائهم، وبعدهم عن مرضات ربهم وكم قد رأينا من أبناء الفقراء: من أضحوا - بين عشية وضحاها - سادة؛ بل قادة وما ذاك إلا من اتباع آبائهم لدينهم، واستماعهم لنصح ربهم وتذكر هداك الله قول الحكيم العليم ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ فاحرص - كفيت ووقيت - على إرضاء مولاك؛ فيقيك الضر والفقر، ويحفظ عليك دينك وبدنك وعيالك؛ ويقيهم المذلة من بعدك، ويحسن دنياك وآخرتك فيا سعادة من جعل ماله ذخراً له عند ربه، وجعل الله تعالى ذخراً لولده من بعده
стр. 4366
﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ كما أمركم ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي أسبابه ومقدماته ﴿فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلا﴾ هلا ﴿أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ كما أمرت ﴿وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما قصر أحد في الزكاة والحج، إلا سأل الرجعة عند الموت. نعوذ ب الله تعالى من ذلك
стр. 4367
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من خير أو شر؛ فيجزيكم عليه.
стр. 4368
سورة التغابن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4369
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ أي كل شيء فيهما: من ملك، وإنسان، وحيوان، وجماد (انظر آية ٤٤ من سورة الإسراء) ﴿لَهُ﴾ وحده ﴿الْمُلْكُ﴾ والملكوت، وهو وحده المتصرف فيه؛ لا شريك له ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ على كل حال
стр. 4370
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ من نفس واحدة
⦗٦٩٠⦘ ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ﴾ بخالقه، منكر لرازقه ﴿وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾ به، موحد له ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فمعاقبكم على الكفران، ومثيبكم على الإيمان.
وقد ذهب قوم - غفر الله تعالى لهم - إلى أن الله تعالى خلق هذا كافراً، وخلق هذا مؤمناً؛ وبذلك يكون - أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين - قد ألزم الكافر بالكفر، وألزم المؤمن بالإيمان؛ وهذا المعنى - رغم فساده وإفساده - فإنه يتنافى مع قول العزيز الجليل ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فأذع - أيها المؤمن اللبيب - فساد هذا المعنى، وقبحه، وتمسك بما نقول: تحظ بالقبول وتذكر قول الحميد المجيد ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
قال عليبن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «أتظن أن الذي نهاك دهاك؟ إنما دهاك أسفلك وأعلاك؛ وربك بريء من ذاك وإذا كانت المعصية حتماً؛ فالعقوبة عليها ظلماً»
стр. 4371
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ لا يستطيع إنسان - بالغاً ما بلغ من الكفر والعناد - أن يرى في تصوير الآدمي نقصاً أو اعوجاجاً؛ وإن الإنسان لو تأمل في يده - مثلاً - ورأى أنها كيف تنقسم إلى خمسة أصابع، وكيف أن كل أصبع من هذه الأصابع ينقسم إلى عدة مفاصل: لما وسعه إلا أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين وأين اليد وحسنها؛ من الوجه ودقة تصويره، وبديع تنسيقه؟ حقاً إن دقة هذا الصنع، وإحكام هذا الوضع؛ ليشهدان لمبدعهما بالقدرة والوحدانية والربوبية.
فنعم الخالق، ونعم المصور ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ المرجع؛ فيثيب الطائع، ويعذب العاصي
стр. 4372
﴿وَاللَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بما في القلوب
стр. 4373
﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ الوبال: الهلاك. أي ذاقوا الهلاك؛ الذي هو عاقبة بغيهم، وعقوبة كفرهم
стр. 4374
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات الواضحات، والآيات الظاهرات ﴿فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ يا للعجب؛ ينكرون رسالة البشر، ويؤمنون بربوبية الحجر ﴿فَكَفَرُواْ﴾ بالمعجزات والآيات ﴿وَتَوَلَّواْ﴾ انصرفوا عن الإيمان ﴿وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ عنهم وعن إيمانهم ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن سائر المخلوقات ﴿حَمِيدٌ﴾ محمود في كل أفعاله
стр. 4375
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾ يعادوا للحساب والجزاء يوم القيامة أي تجزون عليه: إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر
стр. 4376
﴿وَالنّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ هو القرآن الكريم؛ وهذا الاسم من أجلِّ أسمائه؛ إذ أن النور: يستضاء به في الظلمات، والقرآن الكريم: ينير القلوب، ويمحو الشبهات، ويهدي إلى الجنات
стр. 4377
﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ أي يوم غبن الكافر، وضعفه، وخسارته، وحسرته. أو هو يوم التناسي: أي نسيان الكافر من الرحمة والنعمة. والتغابن
⦗٦ ٩ ١⦘ يطلق على التناسي، والخسران، والضعف. وأصل الغبن: النقص في الثمن، أو رداءة المبيع في البيع. ولما كان الكافر لا يجزى عن أعماله الصالحة التي عملها في الدنيا ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ كان مثله كمثل المغبون ﴿يُكَفِّرْ﴾ يمح
стр. 4378
﴿مَآ أَصَابَ﴾ الإنسان ﴿مِن مُّصِيبَةٍ﴾ في المال أو النفس ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بإرادته وتقديره (انظر آية ١٥٦ من سورة البقرة) ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ جزاء على إيمانه.
وهكذا ربك يجزي دائماً الإحسان بالإحسان: يزيد من آمن إيماناً، ومن اهتدى هداية ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى﴾ أما من ضل وغوى؛ فإنه تعالى يزيده، ضلالاً على ضلاله، وخبالاً على خباله: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾
стр. 4379
﴿فَإِن تَولَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الإيمان والطاعة
стр. 4380
﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ لا إله يعبد سواه ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قرن تعالى التوكل عليه بكلمة التوحيد: لأن الإيمان بغير توكل لا أثر له؛ إذ أن كلمة التوحيد: إيمان باللسان، والتوكل: إيمان بالقلب، ووثوق بوجوده تعالى وقدرته (انظر آية ٨١ من سورة النساء)
следующие страницы →