← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

﴿وَالنّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ هو القرآن الكريم؛ وهذا الاسم من أجلِّ أسمائه؛ إذ أن النور: يستضاء به في الظلمات، والقرآن الكريم: ينير القلوب، ويمحو الشبهات، ويهدي إلى الجنات

стр. 4377

﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ أي يوم غبن الكافر، وضعفه، وخسارته، وحسرته. أو هو يوم التناسي: أي نسيان الكافر من الرحمة والنعمة. والتغابن ⦗٦ ٩ ١⦘ يطلق على التناسي، والخسران، والضعف. وأصل الغبن: النقص في الثمن، أو رداءة المبيع في البيع. ولما كان الكافر لا يجزى عن أعماله الصالحة التي عملها في الدنيا ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ كان مثله كمثل المغبون ﴿يُكَفِّرْ﴾ يمح

стр. 4378

﴿مَآ أَصَابَ﴾ الإنسان ﴿مِن مُّصِيبَةٍ﴾ في المال أو النفس ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بإرادته وتقديره (انظر آية ١٥٦ من سورة البقرة) ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ جزاء على إيمانه. وهكذا ربك يجزي دائماً الإحسان بالإحسان: يزيد من آمن إيماناً، ومن اهتدى هداية ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى﴾ أما من ضل وغوى؛ فإنه تعالى يزيده، ضلالاً على ضلاله، وخبالاً على خباله: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾

стр. 4379

﴿فَإِن تَولَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الإيمان والطاعة

стр. 4380

﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ لا إله يعبد سواه ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قرن تعالى التوكل عليه بكلمة التوحيد: لأن الإيمان بغير توكل لا أثر له؛ إذ أن كلمة التوحيد: إيمان باللسان، والتوكل: إيمان بالقلب، ووثوق بوجوده تعالى وقدرته (انظر آية ٨١ من سورة النساء)

стр. 4381

﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ﴾ وهو ما يبدو كثيراً من نشوز بعض الأزواج وجهلهن، وعقوق بعض الأولاد وطيشهم ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ أي فاحذروا عداوتهم. والحذر: الاحتراز، والاستعداد، والتأهب. والاحتراز من الأعداء: دفعهم، والتأهب للقائهم وقتالهم. أما الحذر والاحتراز من الأحباء: فهو إزالة أسباب العداء. كيف لا؛ والزوج: قد أوصى بها الرب، وهي الصاحب بالجنب. وقد أمرنا ببسط المودة لها، والرحمة بها أما الأولاد: فهم فلذات الأكباد؛ وزينة الحياة الدنيا وقد أمرنا إلهنا، وهدانا إلى دفع أعدائنا بالإحسان: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ فمن باب أولى يكون دفع الأزواج والأبناء؛ وهم من خير الأحباء فوجب ألا يكون دفع عداوتهم، والحذر منهم: إلا بالإحسان إليهم، ومزيد برهم والعطف عليهم؛ فينقلب بغضهم محبة، وعداوتهم مودة يدل على ذلك قول الحكيم العليم ﴿وَإِن تَعْفُواْ﴾ عنهم ﴿وَتَصْفَحُواْ﴾ عن عداوتهم ﴿وَتَغْفِرُواْ﴾ ذنوبهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لكم ولهم ﴿رَّحِيمٌ﴾ بكم وبهم هذا وقد سار جل الناس، وأغلب المفسرين على وتيرة واحدة في فهم هذه الآية بأوسع معاني العداء: حتى لقد زعم بعض المفسرين أن «من» بيانية، لا تبعيضية؛ فتبلبلت الخواطر، وحل الإزعاج مكان الطمأنينة؛ ونظر كل والد إلى أولاده بعين الارتياب، وكل زوج إلى زوجته بعين التوجس والاحتياط ألم يقل الله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ ألم نر بعض شرار الأبناء يقتلون

стр. 4382

آباءهم، وبعض الفاجرات يكدن لأزواجهن؛ بما يصل إلى حد الإيقاع بهم ظلماً، أو دس السم في طعامهم؟ ألم يناد نوح ابنه للنجاة؛ فأبى إلا اتباع الطغاة؟ وامرأة نوح، وامرأة لوط؛ ألم تكونا من أعداء زوجيهما وأعداء الله؟ كل هذا ساعد على فهم هذه الآية ذلك الفهم الخاطىء؛ الذي لا يحتمله كتاب الله تعالى ولا يرتضيه سبحانه لمعاني كلامه المجيد فقد أنزل تعالى كتابه لتهدأ النفوس لا لتنزعج، ولتطمئن القلوب لا لترتاع والشر كما يأتي من شرار الأبناء: فقد يأتي من شرار الآباء وكما يأتي من شرار الزوجات: فإنه قد يأتي من شرار الأمهات ولكنا لو تفهمنا هذه الآية بالعقل السليم، وعلى ضوء المنطق المستقيم، وعلى هدى الكتاب الكريم: لوجدنا أنها بعيدة كل البعد عن هذا الفهم، وهذا الزعم. وكيف يثير الحكيم العليم العداوة بين الآباء والأبناء، والأزواج والزوجات؛ ويفرض وجود العداوة بينهم فرضاً لا مرية فيه، ووجوب الحيطة والحذر منهم؛ وهو جل شأنه القائل ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ فالأساس السكن والتراحم، لا العداء والبغضاء وقد بان لنا من ذلك أن العداء المشار إليه في الآية ليس بالعداء الحقيقي الذي يكون بين الألداء يقول الله تعالى وهو أصدق القائلين ﴿لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فالذي يلهي عن ذكر الله تعالى هو العدو المبين؛ الواجب الحيطة، المستوجب الحذر فهل معنى ذلك أن الأبناء من الأعداء المستوجبين للحيطة والحذر؟ ويقول جل شأنه أيضاً: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ والمزين هو الشيطان الواجب مخالفته، المفروض محاربته؛ فهل معنى ذلك أن قربان الزوجة إثم؛ لأنه من الشهوات؟ وحب البنين جرم؛ لأنه مما زينه الشيطان؟ وإنما أراد الله تعالى بهذه الآية الشريفة: أن من الأولاد والأزواج من يفعل بكم ما يفعله الأعداء: من تعويقكم عن الذكر والطاعات أليس الولد مجبنة مبخلة كما يقولون؟ وأي جرم أشد من الجبن، وأي إثم أحط من البخل؟ وقد أريد بهذه الآية الكريمة: الاحتياط من الانشغال عن الطاعات بالملذات، والحذر من الاشتغال بحب الأولاد عن حب الله تعالى والحرص على العبادات وأي عدو أعدى من المخلوق الذي يشغل عن الخالق، والمرزوق الذي يصرف عن الرازق؟

стр. 4383

وكن وسطاً في حبك، وسطاً في ميلك هداك الله تعالى إلى صراطه المستقيم ومن قبل زعم المفسرون أن سليمان - وهو من خيرة الأنبياء - قتل بضعة آلاف من الخيل لأنها عطلته عن صلاة العصر؛ عند قوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ وهي فرية على سليمان ﵇ افتراها اليهود الأفاكون الملاعين وهذا لا يمنع من وقوع بعض الهنات، من الأبناء والزوجات؛ وهو الذي أشار إليه المولى جل وعلا بقوله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. وقد أشار المولى الكريم إلى المعنى الذي أشرنا إليه آنفاً وعضدناه بشتى الحجج والآيات بقوله :

стр. 4384

﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي بلاء ومحنة؛ يوقعونكم في الإثم من حيث لا تشعرون

стр. 4385

﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ خافوه، واعملوا بأوامره ﴿وَاسْمَعُواْ﴾ نصح القرآن ﴿وَأَطِيعُواْ﴾ داعي الرحمن ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾ وأي خير ينال الإنسان: أسمى من الإحسان؟ وأي خير يحتسبه المؤمن عند ربه: أفضل من الإنفاق؟ فأنفق أيها المؤمن - جهد طاقتك، ووسع مالك - فذلك خير لك في دنياك، وسعادة دائمة لك في أخراك ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ الشح: اللؤم، وأن تكون النفس كزة حريصة على المنع. أما البخل: فهو المنع نفسه. والمراد هنا: بخل النفس بالزكاة والصدقة، بدليل قوله تعالى:

стр. 4386

﴿إِن تُقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ عبر تعالى عن المتصدق بالمقرض؛ وذلك إثباتاً لحقه في الوفاء له بالأجر. وجعل تعالى نفسه مقترضاً: ليطمئن المقرض إلى رد ما بذله إليه. لأنه كلما كان الملتزم مليئاً: كان الوفاء محققاً؛ فما بالك والمقترض ملك الملوك، وأغنى الأغنياء؛ وقد وعد بالوفاء وفوق الوفاء؛ فقال تعالى: ﴿يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ وينميه ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم؛ زيادة على مضاعفة أجوركم ومن ذلك نعلم أن الصدقة: ترضي الرب، وتمحو الذنب ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ﴾ كثير المجازاة على الطاعات ﴿حَلِيمٌ﴾ يعفو عن السيئات

стр. 4387

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ما خفي، وما ظهر؛ وهو ﴿الْعَزِيزُ﴾ في ملكه: يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه

стр. 4388

سورة الطلاق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4389

﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي مستقبلات لها. والمراد ألا تطلق المرأة إلا في طهر لم تجامع فيه، ثم تخلى ⦗٦٩٤⦘ حتى تنقضي عدتها ﴿وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ﴾ اضبطوها؛ فلا تزيدوا عليها، ولا تنقصوا منها ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ حتى تنقضي عدتهن ﴿وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ هي الزنا: تخرج من بيتها لحتفها تخرج لترجم؛ إذ ما فائدة إحصاء العدة مع زناها؟ فربما علقت من الزاني بها ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾ الأوامر هي ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ التي لا يجوز تجاوزها ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بتعريضها للعقاب ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أيها المطلق ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الطلاق ﴿أَمْراً﴾ أي لعل الله - وهو مقلب القلوب - يقلب قلبك من بغضها إلى محبتها، ومن طلاقها إلى رجعتها؛ فتراجعها وهي في بيتك، وتحت كنفك

стр. 4390

﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي قاربن انقضاء عدتهن ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ راجعوهن؛ إن أردتم ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ بغير قصد إلحاق الضرر بهن بتلك المراجعة ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ على المراجعة، أو الطلاق. هذا وقد أجمع الفقهاء على وقوع الطلاق بمجرد إرادته والنطق به. وقد جرى العمل على ذلك في صدر الإسلام؛ وبذلك يكون المراد بالإشهاد: الإشهاد على المراجعة دون الطلاق. وقد خالف الشيعة الإجماع، وزعموا أن الطلاق بدون إشهاد: لغو، لا يقع، ولا يعتد به. وقد رأى بعض مفكري هذا العصر: منع وقوع الطلاق إلا أمام القاضي؛ وهو رأي فاسد يأباه صريح القرآن، وما سار عليه السلف الصالح من الأمة؛ فالطلاق يقع - بلا قيد ولا شرط - متى رغب الزوج في إيقاعه؛ ولا تستطيع قوة على ظهر الأرض منعه من هذا الحق الذي جعله الله تعالى متنفساً للزوجين (انظر مبحث الطلاق بآخر الكتاب) ﴿وَأَقِيمُواْ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ أي أدوا الشهادة لوجهه تعالى؛ لا من أجل المطلق أو المطلقة ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ أي تلك الأحكام يتعظ بها وينتفع ﴿مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ القيامة، وما فيها من حساب وجزاء ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في أموره ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ من كرب الدنيا والآخرة

стр. 4391

﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ أي من حيث لا يخطر بباله. أو المراد ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في معاملة أزواجه، ويتبع ما أمره الله تعالى به؛ في طلاقهن. أو إمساكهن ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ بأن يقيم له اعواجاجها إذا أمسكها، أو يبدله خيراً منها إذا طلقها «ويرزقه» مهراً ونفقة ﴿مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ عن الصادق المصدوق صلوات الله تعالى وسلامه عليه «إني لأعرف آية لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم؛ وهي: ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب» ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي كافيه. قال: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خماصاً وتروح بطاناً» (انظر آية ٨١ من سورة النساء) ⦗٦٩٥⦘ ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ منفذ أمره ومراده ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ شرعه؛ كالطلاق، والعدة ونحوهما ﴿قَدْراً﴾ زمناً لازماً؛ لا يجوز نقصانه

стр. 4392

﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ لكبر سنهن ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي إن شككتم في عدتهن، أو إن شككتم فيما ينزل منهن: أهو حيض، أم استحاضة؟ ﴿وَاللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ لصغرهن؛ فعدتهن ثلاثة أشهر أيضاً ﴿وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ﴾ النساء الحوامل ﴿أَجَلُهُنَّ﴾ انتهاء عدتهن ﴿أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أن يلدن؛ ولو بعد الطلاق بدقائق معدودات ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في أموره كلها ﴿يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ فيهون عليه كل شيء أراده: زواجاً، أو طلاقاً، أو غير ذلك

стр. 4393

﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ﴾ يمح ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ في الآخرة

стр. 4394

﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ أي مثل سكناكم، أو مكاناً من نفس مسكنكم ﴿مِّن وُجْدِكُمْ﴾ أي وسعكم، وقدر طاقتكم ﴿وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ﴾ في المسكن ﴿لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ وليفتدين أنفسهن منكم ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي أنفقوا عليهن مدة الرضاع ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي ليكن أمركم بينكم بالمعروف: في شأن النساء، وإرضاع الأولاد؛ فلا يأمر أحدكم بظلم المرضع المطلقة، وهضم حقوقها، والنيل منها؛ ومن كان متكلماً فليقل خيراً أو ليصمت. أو هو أمر للآباء والأمهات بأن يفعلوا ما يجب عليهم بما يليق بالسنة، وتقتضيه المروءَة؛ فيبذل الأب أعلى ما يستطيع، وتقبل الأم أدنى ما تستطيع؛ وذلك لأنهما شريكان في الرضيع ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ﴾ أي تشددتم؛ كأن تتغالى الأم في زيادة النفقة، أو يتغالى الأب في الشح بها ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ هذا منتهى العتاب للأم على المعاسرة؛ أي فستقبل امرأة أخرى أن ترضع الصغير؛ وهي ليست له بأم

стр. 4395

﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ أي لينفق ذو غني من غناه، الذي وسع به عليه الله ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي ضيق عليه ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا﴾ أي ما أعطاها من الرزق ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ هو وعد من الله تعالى بالتيسير على من أنفق قدر طاقته ووسعه. كأن سائلاً سأل: ذاك الموسع عليه قد أنفق من سعته؛ فما بال من ضيق عليه يؤمر بالإنفاق؟ فجاءت الإجابة على هذا السؤال، من لدن ذي الجلال: إن الإنفاق ما هو إلا علاج للإملاق ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ (انظر الآيات ٢٦ ٧ - ٢٧٤ من سورة البقرة)

стр. 4396

﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ﴾ وكم من قرية ﴿عَتَتْ﴾ تمردت ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً﴾ منكراً عظيماً

стр. 4397

﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أي ذاقت الهلاك؛ الذي هو عاقبة أمرها ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ أي خسراناً وهلاكاً

стр. 4398

﴿يأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ يا ذوي العقول ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً﴾ هو القرآن الكريم ﴿رَّسُولاً﴾ أي ⦗٦٩٦⦘ وأرسل إليكم رسولاً. ويجوز أن يكون المعنى ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً﴾ أي شرفاً عظيماً:

стр. 4399

«رسولاً» من لدنه ﴿لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ من الكفر إلى الإيمان، ومن الجهل إلى العلم (انظر آية ١٧ من سورة البقرة) ﴿قَدْ أَحْسَنَ﴾ في الجنة ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾

стр. 4400

﴿يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ﴾ بالوحي والأرزاق، والإحياء والإفناء ﴿بَيْنَهُنَّ﴾ أي بين السموات والأرض

стр. 4401

سورة التحريم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4402

﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قيل: إنه شرب عسلاً عند زينب بنت جحش؛ فأدرك أمهات المؤمنين - من الغيرة - ما يدرك سائر النساء من البشر: فتواطأت عائشة وحفصة على أن يقولا له: إنا نشم منك ريح المغافير - وهو صمغ كريه الرائحة يغش به العسل - فلما سمع منهما ذلك: حرم العسل على نفسه؛ فنزلت هذه الآية. وقيل: حرم على نفسه مارية أم ولده إبراهيم مرضاة لحفصة

стр. 4403

﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي شرع لكم ما تتحللون به من أيمانكم؛ وهو الكفارة ﴿وَاللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ يتولاكم برعايته وتدبيره وإرشاده

стр. 4404

﴿وَإِذَ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ حفصة ﴿حَدِيثاً﴾ هو تحريم العسل؛ أو مارية القبطية ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أي أخبرت بهذا الحديث عائشة رضي الله تعالى عنها ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي أطلعه على هذا الإنباء ﴿عَرَّفَ﴾ النبي حفصة ﴿بَعْضَهُ﴾ عرف بعض الذي أفشته من سره ﵊ ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ فلم يعرفها أنه قد اطلع عليه. وقيل «عرف» بمعنى عاتب، وآخذ

стр. 4405

﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾ قيل: المعنى: هلا تتوبا إلى الله ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي مالت إلى ما كرهه النبي؛ من اجتناب العسل، أو تحريم مارية ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ أي تتعاونا على إيذائه، وحب ما يكره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ﴾ أي وليه وناصره ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ أيضاً ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي والصالحون من المؤمنين ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ أي والملائكة - على كثرتهم وقوتهم - بعد نصر الله تعالى له أعواناً

стр. 4406

﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ بسبب ما بدا منكن ﴿أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ لا يتظاهرن عليه، ولا يتآمرن، ولا يفشين سره لغيره ﴿مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ﴾ مطيعات ﴿سَائِحَاتٍ﴾ صائمات والسائح: الصائم الملازم للمساجد ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ حسبما يريد، وكيفما شاء (انظر آية ١٢ ٥ من سورة البقرة)

стр. 4407

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ ⦗ ٦ ٩٧⦘ آمَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ أي اعملوا الأعمال الصالحة، وائتمروا بالأوامر، واجتنبوا النواهي، وأمروا أهليكم بها، وألزموهم الطاعة والعبادة؛ لتتقوا بذلك النار؛ التي ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ الكافرون والمخالفون ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ وذلك لأن جهنم من قوتها وشدتها: تذيب الحجارة ﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ﴾ هم خزنتها ﵈؛ وعدتهم تسعة عشر ﴿غِلاَظٌ﴾ على أهل النار ﴿شِدَادٌ﴾ أقوياء؛ لا يمنعهم مانع، ولا يدفعهم دافع ﴿لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ به من البطش والتنكيل بالكافرين

стр. 4408

﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ أي توبة صادقة خالصة. والتوبة النصوح: أن يتوب عن الذنب؛ فلا يعود إليه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي الاستغفار باللسان، والندم بالجنان، والإقلاع بالأركان ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ إن تبتم ﴿أَن يُكَفِّرَ﴾ يمحو ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أمامهم ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ حواليهم (انظر آية ١٢ من سورة الحديد) ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ﴾ بإدخالنا الجنة

стр. 4409

﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بالسيف والسنان ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ بالحجة والبيان ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ شدد عليهم بالحدود

стр. 4410

﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ في الدين والمعاشرة؛ فقد كانت امرأة نوح تقول لقومه: إنه مجنون؛ وكانت امرأة لوط تدعو قومه إلى إذاية أضيافه (انظر آية ٤٦ من سورة هود) ﴿فَلَمْ يُغْنِينَا﴾ أي لم يدفع نوح ولوط ﴿عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ﴾ من عذابه ﴿شَيْئاً﴾ ولم ينفعهما أن كان زوجاهما من الأنبياء، ومن خيرة خلق الله تعالى، وأقربهم لديه

стр. 4411

﴿وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ حفظته ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ أي نفخ جبريل في فرجها بأمرنا ﴿مِن رُّوحِنَا﴾ المخلوقة لنا؛ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ يهبها لمن يشاء إحياءه، أو المراد: نفخنا في فرجها بواسطة روحنا؛ الذي هو جبريل. وقد تأول قوم الفرج هنا: بالخرق، أو الفتق في درع مريم؛ وهو ليس بشيء. وإنما ألجأهم إلى هذا التأويل: خشية أن يقول قائل: إنما كانت ولادتها لعيسى عن الطريق المعهود لسائر من يولد من البشر ﴿وَصَدَّقَتْ﴾ آمنت ﴿بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا﴾ شرائعه، وأحكامه، وأوامره، ونواهيه. أو المراد «بكلمات ربها» عيسى ﵇؛ لأنه كلمة الله؛ يؤيده قراءة من قرأ «بكلمة ربها» ﴿وَكُتُبِهِ﴾ أي وآمنت بكتبه. يعني التوراة والإنجيل، وما أنزل من قبل ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ المطيعين العابدين.

стр. 4412

سورة الملك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4413

﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى وتقدس عن صفات المخلوقين ﴿الَّذِي بِيَدِهِ﴾ أي تحت تصرفه، وطوع إرادته، ورهن مشيئته ﴿الْمُلْكُ﴾ السلطان والقدرة

стр. 4414

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ﴾ في الدنيا ﴿وَالْحَيَاةَ﴾ في الآخرة؛ أو خلقهما في الدنيا؛ لأن إيجاد الحياة في النطفة: إحياء لما يتخلق منها ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليختبركم ويمتحنكم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ فيجزيه في الدنيا، ويحييه فيها حياة طيبة، ويكرمه في الأخرى وينعمه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القادر على الإكرام، وعلى الانتقام ﴿الْغَفُورُ﴾ لمن تاب وأناب

стр. 4415

﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً﴾ مطابقة؛ بعضها فوق بعض ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ أي في مخلوقاته: صغيرها وكبيرها، حقيرها وجليلها، نفيسها وخسيسها ﴿مِن تَفَاوُتِ﴾ التفاوت: عدم التناسب والتناسق ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ أي رده إلى مصنوعات الله تعالى ﴿هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ أي هل ترى من عيب أو خلل. والفطر: الشق
следующие страницы →