Полный текст (5 331 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ اليهود ﴿أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَآءِ﴾ يرونه بأعينهم نازلاً عليهم؛ فلا تعجب من ذلك ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذلِكَ﴾ جحوداً وكفراً ﴿فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهِ جَهْرَةً﴾ نراه بأعيننا، ونمسكه بأيدينا ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ وهي نار تنزل من السماء ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ بسبب ظلمهم؛ وأي ظلم أقبح، وأي كفر أفدح؛ من طلبهم رؤية من ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ ﴿ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ﴾ عبدوه ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ وتضافرت لهم الآيات والمعجزات
⦗١٢٠⦘ ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ حجة ظاهرة
стр. 562
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ الجبل؛ تهديداً لهم حينما امتنعوا عن العمل بما في التوراة ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ أي بسبب أخذ العهد عليهم بالإيمان بموسى، والعمل بما في التوراة ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً﴾ أي ادخلوا باب إيلياء مطأطئين رؤوسكم ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّآلِّينَ﴾ لا تعتدوا بالصيد ﴿فِي﴾ يوم وقد نهيتم عن ذلك ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ عهداً قوياً وثيقاً؛ فنقضوه
стр. 563
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ فبسبب نقضهم ﴿مَّيثَاقَهُمْ﴾ الذي واثقناهم به ﴿وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللَّهِ﴾ تكذيبهم بكتبه ورسله، وآياته في الآفاق والأنفس ﴿وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَآءَ﴾ كيحيى وزكريا ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾ لنبيهم، أو للرسول ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي ذات غلاف لا تعي ما تقوله أنت ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ غطى وختم ﴿عَلَيْهَا﴾ فلا تفهم الرشد، ولا تعي الإيمان
стр. 564
﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ أي بسبب كفرهم؛ وما كان الله ليطبع على قلب مؤمن ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾ أي وبسبب قولهم ﴿عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً﴾ يقال: بهته: إذا قال عليه ما لم يفعل. وقد بهتوها ﵍: بأن نسبوا إليها الزنا؛ وقد اصطفاها ربها وفضلها على نساء العالمين
стр. 565
﴿وَقَوْلِهِمْ﴾ أي وبسبب قولهم أيضاً ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ توهموا قتله وصلبه ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ألقى الله تعالى شبهه على أحد حوارييه، وقيل: على أحد أعدائه. وذلك بعد أن أخذوه ﵊ وعذبوه عذاباً شديداً، وجروه على الشوك، ولاقى منهم عنتاً لا حد له؛ كشأن سائر أنبياء الله تعالى وأصفيائه وهم اليهود لعنهم الله، اختلفوا فيمن قتلوه ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ لأنهم افتقدوا واحداً من عدة من يعرفون مع عيسى أو واحداً منهم هم ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أي ما قتلوه مستيقنين بأنه عيسى
стр. 566
﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وهو الذي افتقدوه من عدتهم
стр. 567
﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي بعيسى ﵊ ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي قبل موت الكتابي - حين تحضره ملائكة الموت - فلا ينفعه الإيمان، أو قبل موت عيسى ﵇؛ حين ينزل قبيل الساعة لقتل الدجال، والحكم بشريعة سيد الخلق ﵊؛ كما جاء في الآثار والأحاديث الشريفة ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ﴾ عيسى ﴿عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ أي شاهداً على أهل الكتاب؛ بتكذيب من كذبه منهم، وتصديق من صدقه. ومن كذب بمحمد: فقد كذب بعيسى، لأن عيسى بشر بمحمد ووصفه لقومه
стр. 568
﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ أي فبسبب ظلم الذين هادوا ضيقنا عليهم، وحرمنا عليهم الطيبات. قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ
⦗١٢١⦘ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ ﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾ أي وذلك التضييق والتحريم بسبب صدهم ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه
стр. 569
﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ (انظر آية ٢٧٥ من سورة البقرة) ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ وهو ما يأخذونه من الرشا في الحكم ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ أعددنا وهيأنا
стр. 570
﴿لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ أي من اليهود ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ﴾ من القرآن ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ من التوراة والإنجيل
﴿وَالأَسْبَاطِ﴾ حفدة يعقوب عليه السلام
стр. 571
﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ الزبور: الكتاب ويجمع على زبر
стр. 572
﴿وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ إشارة إلى أنه تعالى أرسل للناس رسلاً في كل زمان ومكان غير من ذكرهم في القرآن ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ لا يوصف، ولا يعلم له كنه فلا ينبغي لأمثالنا أن نبحث عن كيفيته، أو نحاول الوقوف على حقيقته؛ فليس بالصوت الحادث، ولا بالأحرف المعلومة؛ فقد كلم الله موسى، وسمع موسى كلام ربه؛ ولكن كيف كان ذلك الكلام؟ وكيف كان ذلك السماع؟ فهذا مما لا ينبغي الخوض فيه والبحث وراءه؛ لأن الكلام قد حصل من قبيل الوجدان والشعور النفسي؛ كالإحساس باللذة والسرور - وهما من الأشياء التي يتذوقها الإنسان تذوقاً كاملاً - غير أنهما لا يمكن وصفهما بما توصف به المحسوسات؛ وإلا لو قلنا بخلاف ذلك لجاز لموسى - وقد سمع كلام الله تعالى - أن يصف ذلك المتكلم بالسرعة أو بالبطء، ولجاز له أيضاً أن يصف الصوت المسموع بالجهورة أو الخفوت، وما شاكل ذلك؛ وقد تعالى الله عن قول القائلين، ووصف الواصفين وهؤلاء الرسل الذين قصصناهم عليك، والذين لم نقصصهم قد أرسلناهم إلى أقوامهم
стр. 573
﴿مُّبَشِّرِينَ﴾ من أطاع بالجنة ﴿وَمُنذِرِينَ﴾ من عصى بالنار ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أي إنه بعد إرسال الرسل تنقطع حجة الناس، وتسقط معذرتهم؛ ويقال للكافرين عند دخول النار: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ﴾ هذا وقد وفينا هذا البحث في كتابنا «الفرقان»
стр. 574
﴿لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ أي لا يحزنك يا محمد حسد الحاسدين، وتكذيب المكذبين؛ فإن الله تعالى يشهد بأنك صفوته من عباده، وخيرته من خليقته، وأن ما أنزل إليك هو كلامه القديم الكريم لأنه تعالى ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وإرادته ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ بذلك أيضاً
стр. 575
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ﴾ منعوا الناس ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه
стр. 576
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ﴾ أنفسهم بكفرهم ﴿لَّمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ ﴿وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾ يوصلهم إلى الإيمان والجنة
стр. 577
﴿إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ الذي سلكوه واختاروه لأنفسهم
стр. 578
﴿يأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ بالقرآن
стр. 579
﴿يأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ أي لا تتجاوزوا الحد؛ حيث قالت اليهود عن عيسى: إنه ابن زنا. وقالت النصارى: إنه ابن الله ﴿وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ بأن توحدوه، وتمجدوه وتنزهوه عن الولد والصاحبة والشريك ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ كسائر الرسل الذين أرسلهم لهداية عباده ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ التي ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ على لسان ملائكته ﵈؟ في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ يعني برسالة منه، وبشارة من عنده ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ أي رحمة منه على من اتبعه، أو وقوة منه؛ لإحيائه الموتى وإبرائه الأكمه والأبرص، وإتيانه بالمعجزات الظاهرات. قال تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ أي بقوة منه، أو برحمة منه ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ﴾ وهو ما يزعمه النصارى من أن الإله ذو ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس ﴿انتَهُواْ﴾ إرجعوا عن ذلك القول.
⦗١٢٣⦘ ﴿خَيْراً لَّكُمْ﴾ إذ أن فيه نجاتكم ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا ولد له ولا والد ﴿سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ تنزه عن أن يكون له ولد؛ كما زعمت النصارى أن عيسى ابنه؛ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً
стр. 580
﴿لَّن يَسْتَنكِفَ﴾ أي لن يأنف ﴿الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ﴾ فكيف تستنكفون أنتم عن عبادته تعالى ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ مثلكم ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ أي يجمع سائر الخلائق يوم القيامة للحساب: مؤمنهم وكافرهم
стр. 581
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ من شرائط الإيمان: العمل الصالح ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ثواب أعمالهم ﴿وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ فوق ما يستحقونه ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ﴾ أنفوا من الإيمان، ومن عبادة الرحمن ﴿وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً﴾ جزاء كفرهم واستكبارهم ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً﴾ يدفع عنهم عذابه ﴿وَلاَ نَصِيراً﴾ يمنعهم منه
стр. 582
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ هو الرسول ﵊؛ لأنه يحمل برهان صدقه، وبرهان وجوده تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾ هو القرآن الكريم؛ وأنعم به من نور لأنه يهدي إلى الحق، وينجي من الضلال
стр. 583
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ﴾ أي بالله، أو بالقرآن؛ والاعتصام: الامتناع والوقاية ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مَّنْهُ﴾ خير ونعمة ﴿وَفَضَّلَ﴾ كبير ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ﴾ يوفقهم إلى طاعته ومحبته ﴿صِرَاطاً﴾ طريقاً ﴿مُّسْتَقِيماً﴾ موصلاً إلى مرضاته
стр. 584
﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ يسألونك يا محمد عن الكلالة ﴿قُلِ﴾ لهم ﴿اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ يجيب على سؤالكم ﴿فِي الْكَلاَلَةِ﴾ وهي ﴿إِن امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ مات؛ و ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ يرثه ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ وما بقي فلعصبته. و «الكلالة»: من لا ولد له ولا والد.
⦗١٢٤⦘ ﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ﴾ أي يرث أخته إن ماتت قبله؛ لا ولد لها ولا والد ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ﴾ نصيب ﴿الأُنْثَيَيْنِ﴾ (انظر آية ١١ من هذه السورة) ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الأحكام ﴿أَن تَضِلُّواْ﴾ أي لئلا تضلوا.
стр. 585
سورة المائدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 586
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ هو أمر بالوفاء بكل عقد. والعقد: كل اتفاق يتم بين اثنين فأكثر؛ مكتوباً كان أو غير مكتوب: فالزواج عقد، والوفاء به: حسن العشرة، وترك المضارة. والبيع عقد، والوفاء به: عدم الغش، وحسن المعاملة. والوعد - أياً كان - عقد، والوفاء به: إنجازه. ويقاس على ذلك سائر الاتفاقات التي تحمل بين طياتها حقوقاً والتزامات (انظر آية ٧٢ من سورة الأنفال) ﴿بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ وهي الإبل والبقر والغنم؛ أو هي الأنعام الوحشية؛ من الظباء والبقر والحمر ونظائرها ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تحريمه في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ غير مستحلي صيد ما يصاد منها، وأنتم محرمون. وقيل المراد بالإحلال: أجنة الأنعام التي توجد ميتة في بطونها عند ذبحها
стр. 587
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ﴾ شعائر الله: حدوده التي حددها لعباده - من إحلال الحلال، وتحريم الحرام - والمراد بها هنا: معالم الحج؛ كالطواف، والسعي، والحلق، والنحر، ونحوه. وإحلالها: تعدي حدود الله تعالى فيها، ومخالفة أوامره ﴿وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أي ولا تنتهكوا حرمات الشهر الحرام، والأشهر الحرم: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب؛ وانتهاك حرماتها: القتل فيها ﴿وَلاَ الْهَدْيَ﴾ وهو ما يهدى إلى البيت تقرباً إلى الله تعالى ﴿وَلاَ الْقَلائِدَ﴾ جمع قلادة؛ وهو ما قلد به الهدي. أي لا تنتهكوا حرمات الهدي؛ سواء كان مقلداً أو غير مقلد. وقيل: إنهم كانوا في الجاهلية يتقلدون من لحاء شجر الحرم؛ فيأمنون على أنفسهم حتى يلحقوا بأهلهم؛ فنهى الله عن التقلد بشيء من شجر الحرم
﴿وَلا آمِّينَ﴾ ولا قاصدين ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أي لا تمنعوا قاصدي البيت عن الوصول إليه، ولا تقاتلوهم؛ لأنهم ﴿يَبْتَغُونَ﴾ بذلك ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ انتهيتم من أداء مناسك الحج، وحل لكم ما حرم
⦗١ ٢ ٥⦘ عليكم - بسبب الإحرام - كالصيد والحلق ونحوهما ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يحملنكم ﴿شَنَآنُ﴾ بغض ﴿قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ﴾ أي من أجل أنهم منعوكم ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ﴾ عليهم ﴿وَتَعَاوَنُواْ﴾ جميعاً ﴿عَلَى الْبرِّ﴾ بالناس ﴿وَالتَّقْوَى﴾ وتقوى الله تعالى وخشيته ﴿وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ﴾ أي ولا تتعاونوا على ارتكاب الذنوب ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ على الناس
стр. 588
﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي ما سمي عليه بغير اسمه تعالى ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ التي ماتت من الضرب؛ من وقذه: إذا ضربه حتى استرخى وأشرف على الهلاك ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ التي تردت - أي سقطت - من مكان عال ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ التي ماتت من نطح أخرى لها ﴿وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أي ما بقي من أكله، أو ما أمسكه ليأكله ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أي يستثنى من التحريم: ما ذكيتموه؛ أي طهرتموه بالذبح قبل أن يموت من الضرب، أو السقوط، أو النطح، أو أكل السبع ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ أي على الأصنام والأوثان ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ﴾ الاستقسام: طلب ما قسم في الغيب؛ و «الأزلام» قداح كانوا يستعملونها لذلك ﴿ذلِكُمْ﴾ الذي ذكرته لكم وحرمته عليكم خروج عن أمر الله تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ إلى أكل شيء ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ مجاعة ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ أي غير مائل لذنب؛ وإنما ألجأته الضرورة القصوى
стр. 589
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ﴾ من المطاعم ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ التي تذكونها بأيديكم ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوَارِحِ﴾ أي وأحل لكم أيضاً صيد ما علمتموه ﴿مِّنَ الْجَوَارِحِ﴾ وهي سباع البهائم والطير: كالكلب، والفهد، والعقاب، والصقر، والبازي، ونحوها.
⦗١٢٦⦘ ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ المكلب: مؤدب الجوارح، ومعلم الكلاب ﴿فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ أي مما أمسكن لكم من الصيد، ولم يأكلوا منه؛ أما إذا أكلت الجوارح من الصيد؛ فلا يحل أكله؛ بل يترك لهم ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ من اليهود والنصارى؛ الذين يدينون بما نزل عليهم، ويسمون الله تعالى على ذبائحهم
стр. 590
﴿لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ كذبائحكم تماماً؛ ولا يطلق الحل إلا على الذبائح فحسب - لا على سائر الأطعمة - ألا ترون أنهم يطعمون الخنزير؛ وهو حرام عندنا وإثم كبير ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ الحرائر العفيفات ﴿مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ حل لكم زواجهن ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ حل لكم أيضاً ﴿إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن ﴿مُحْصِنِينَ﴾ متزوجين ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ زانين. والسفاح: الزنا ﴿وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ الخدن: الصديق ﴿حَبِطَ﴾ بطل
стр. 591
﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَائِطِ﴾ أي أحدث؛ وذلك أنهم كانوا يذهبون إلى الغائط لقضاء حاجتهم. والغائط: الأرض المستوية الواسعة؛ ومنه غيط، وغيطان: لما يحرث ويزرع ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ﴾ أي جامعتم
⦗١٢٧⦘ ﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ اقصدوا ﴿صَعِيداً﴾ الصعيد: وجه الأرض؛ من تراب وغيره ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ ضيق ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ يطهر أجسامكم من الأحداث والخبائث، وأرواحكم من دنس الشك والمعاصي ويؤخذ من التيمم أن الله تعالى لم يرد من الغسل والوضوء: مجرد النظافة الظاهرية - وإلا لما أجزأ التيمم: الذي هو في حقيقته يتنافى مع مظهر النظافة - وإنما أريد بذلك التطهر الباطني، والتطهر الروحي؛ وبهما يكون العبد أهلاً لمناجاة ربه وللوقوف بين يديه، وبذلك أيضاً ينظر الله تعالى إليه برحمته ومغفرته، وإنعامه وإحسانه فعلى المغتسل والمتوضىء أن ينوي تطهير روحه، قبل تطهير جوارحه؛ وأن يقصد بغسل يديه: محو ما ارتكبتا من آثام وذنوب. وبغسل وجهه: إزالة خائنة عينيه، وإثم أذنيه. وبمسح رأسه: إزاحة هواجسه ووساوسه، وطرد ما يلقي الشيطان في فكره، مما يكون سبباً في وبال أمره. وبغسل رجليه: إزالة ما علق بهما من آثار خطإ خطا إليه، وجرم مشى فيه وما أراد الله تعالى بالغسل والوضوء والتيمم: سوى تطهير ذاتكم وصفاتكم، ونقاء سركم وسريرتكم ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالوفاء والصفاء
стр. 592
﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإيمان ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ﴾ بأن تسمعوا وتطيعوا؛ فإذا وفيتم بذلك: وفى لكم ما ضمن لكم الوفاء به: من إتمام نعمته، ودخول جنته، والتمتع بدار كرامته وقيل: الميثاق: هو الذي أخذ عليهم - وهم في صلب آدم - حين قال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ﴾ والأول أولى ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بما تخفي القلوب
стр. 593
﴿يَاأَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ﴾ قائمين في سبيل مرضاته: تقصدون وجهه في سائر أعمالكم، وتبتغون فضله في جميع أموركم
﴿شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ﴾ أي يجب أن يكون العدل في الحكم، والصدق في الشهادة؛ في المكان الأول من تقديركم، وألا تحيدوا عن ذلك أبداً مهما كان المحكوم عليه أو المشهود له ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يحملنكم ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ﴾ بغض قوم ﴿عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ بينهم؛ لعداوتكم لهم، وكراهتكم إياهم ﴿اعْدِلُواْ﴾ بين الجميع - أعداء وأحباء، بعداء وأقرباء - فذلك أزكى لكم، وأطهر لنفوسكم، وهذا ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي أقرب لخشية الله تعالى، ومخافة عقابه وأهل التقوى: هم أهل الخوف من الله تعالى، والحذر من أن يخالفوه
стр. 594
﴿يَاأَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ هم يهود بني النضير. وقيل: قريش بالإيذاء والقتال ﴿فَكَفَّ﴾ منع﴾ أن تصل إليكم بسوء ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ وحده ﴿﴾ لا على غيره (انظر آية ٨١ من سورة النساء).
стр. 595
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ﴾ على الإيمان والطاعة ﴿وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ النقيب: هو الذي ينقب عن أفعال القوم ويفتش عنها ﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾ لبني إسرائيل على لسان رسله ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ بالتوفيق والمعونة ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ﴾ وداومتم عليها ﴿وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ﴾ أعطيتموها لمن أمرت باعطائها لهم ﴿وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي﴾ جميعاً ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ عظمتموهم ووقرتموهم ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ بالصدقات التي يردها لكم في الدنيا أضعافاً مضاعفة، وفي الآخرة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت لئن فعلتم ذلك ﴿لأُكَفِّرَنَّ﴾ لأمحون ﴿عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ التي ارتكبتموها ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾
﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ﴾ الميثاق ﴿مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ أخطأ طريق الصواب والحق
стр. 596
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾ أي فبنقضهم عهدهم اللعنة من الله تعالى: الطرد والمقت؛ نعوذ به تعالى من غضبه ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ جافية عن الإيمان بي، والتوفيق لطاعتي ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ وذلك بتحريفهم التوراة، وكتابة ما يرغبون فيها، ومحو ما لا يرغبون، أو تحريفهم معانيها بما يتفق وأهواءهم ﴿وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ الحظ: النصيب. أي تركوا نصيباً مما ذكروا به فلم يفعلوه ﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَآئِنَةٍ﴾ على خيانة ﴿مِنهُمُ﴾ ومن ذلك همهم ببسط أيديهم إليكم بالإيذاء والقتال ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ﴾ استكانوا ولم يبسطوا أيديهم ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ أي عن الذين هموا بكم ﴿وَاصْفَحْ﴾ عن ذنبهم هذا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ خصوصاً من أحسن لمن أساء. وقيل: هي منسوخة بقوله تعالى ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ هذا هو حال اليهود
стр. 597
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ أيضاً؛ كما أخذنا ميثاق اليهود ﴿فَنَسُواْ حَظّاً﴾ نصيباً ﴿مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ كما نسيت اليهود «تشابهت قلوبهم» ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ أي بين اليهود والنصارى، أو بين اليهود أنفسهم، أو بين النصارى بعضهم مع بعض. وعلى كلا الوجهين: فقد شاعت العداوة بين اليهود وبعضهم، وبين النصارى وبعضهم، وبين اليهود والنصارى؛ فترى اليهود وقد انقسموا إلى فرقتين متنافرتين: قرّايين وربانيين؛ وكلاهما له دين خاص، وشريعة خاصة، ونظام يخالف نظام الآخر - في العبادات والمعاملات - لا يجتمعان إلا في أمر واحد: هو كراهة المسلمين والنصارى. وترى النصارى وقد انقسموا إلى فرق متعددة: كاثوليك، وأرثوذكس، وبروتستانت؛ كل منها له شريعة خاصة ونظام خاص؛ وتراهم دائبي الخلاف في كل صغيرة وكبيرة. أما عداوة اليهود للنصارى، والنصارى لليهود، فأمر لا يحتاج إلى
⦗١٢٩⦘ برهان أو دليل؛ قال تعالى:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ وترى الأمم الغربية - وهم أبناء دين واحد - وقد تفنن بعضهم في إهلاك البعض - هلاكاً تشيب لهوله الولدان - فمن مخترع للقنبلة الذرية إلى مخترع للهيدروجينية، إلى مصمم لقنبلة الكوبالت؛ إلى ما لا نهاية له من صنوف الإيذاء والبلاء الذي لا يوصف؛ وبذلك حق عليهم الإغراء؛ فهم أبد الدهر في شحناء وبغضاء
стр. 598
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ خطاب لليهود والنصارى في عهد النبي ﴿قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ محمد ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ اسم جنس. أي ما كنتم تخفونه من كتابيكم «التوراة والإنجيل» وكان مما أخفوه وبيّنه النبي ﵊: رجم الزانيين المحصنين ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ موضح؛ وهو القرآن الكريم. اللهم أمدنا بنوره، واجعله حجة لنا لا علينا
стр. 599
﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ طريق مرضاته ﴿سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ طرق الأمن والسلامة؛ و ﴿السَّلاَمِ﴾: يشمل كل ما تحتمله هذه الكلمة من معانٍ زاخرة بأنبل الصفات والسمات؛ فالسلام: هو السلامة والسلم، والود والهدوء، والسكينة والطمأنينة، والخير والبر ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظُّلُمَاتِ﴾ وهي جمع ظلمة؛ وهي تقع على كل ضلال وخبال، وسوء وشر، وعصيان وفسوق أرأيت كيف يتعثر الإنسان في الظلمات: فلا يرى ما يعترضه من عقبات، ولا ما يصادفه من مهاوي ومهالك؟ فيقع في موارد التهلكة وسوء العاقبة. والمراد بالظلمات أيضاً: الجهل والكفر (انظر آية ١٧ من سورة البقرة) فمن أحبه الله تعالى: هداه إلى سبل السلام، وأخرجه من الظلمات ﴿إِلَى النُّورِ﴾ والنور: كل عمل يتسم بالنبل والفضل، والهدي والرشاد أرأيت كيف يهتدي الإنسان في النور إلى سلامته وأمنه، ويتوقى مواطن الخطل والزلل؛ وبالتالي يقي نفسه غضب الرب، وسوء المنقلب والمراد بالنور: الإيمان. أي يخرجهم من ظلمات الكفر، إلى نور الإيمان ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بأمره وإرادته ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ﴾ طريق ﴿مُّسْتَقِيمٍ﴾ طريق النجاة، طريق الفلاح، طريق الجنة كأنّ سائلاً سأل: ما هو القرآن؟ وما فائدته؟ وما جدوى نزوله؟ فقيل له: هو ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو تعريف عرّف به القرآن منزله تعالى؛ العالم بأسراره وأنواره، الواضع لمعالمه وأحكامه
وهذا التعريف بالقرآن؛ خير مما عرفه به الأصوليون؛ من أن القرآن: هو اللفظ العربي، المنزل
⦗١٣٠⦘ على محمد للتدبر والتذكر، المنقول متواتراً؛ وهو ما بين دفتي المصحف؛ المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة الناس.
وهو تعريف - كما ترى - جاف، خال من الروح والروعة الواجبة. وخير التعاريف به: تعريف منزله ومبدعه؛ تعالى شأنه، وعز سلطانه
стр. 600
﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ أي فمن يملك أن يدفع شيئاً أراده الله تعالى ﴿إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الذي تزعمون ألوهيته، أو بنوتهلله أن يهلك ﴿أُمُّهُ﴾ مريم التي ولدته؛ ذكرها تعالى ليعرفهم أن الله الواجب الوجود: لا يلد ولا يولد؛ فكيف تقولون عمن ولدته مريم: إنهالله، أو ابنالله؟
следующие страницы →