Полный текст (5 331 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾ أي فبنقضهم عهدهم اللعنة من الله تعالى: الطرد والمقت؛ نعوذ به تعالى من غضبه ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ جافية عن الإيمان بي، والتوفيق لطاعتي ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ وذلك بتحريفهم التوراة، وكتابة ما يرغبون فيها، ومحو ما لا يرغبون، أو تحريفهم معانيها بما يتفق وأهواءهم ﴿وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ الحظ: النصيب. أي تركوا نصيباً مما ذكروا به فلم يفعلوه ﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَآئِنَةٍ﴾ على خيانة ﴿مِنهُمُ﴾ ومن ذلك همهم ببسط أيديهم إليكم بالإيذاء والقتال ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ﴾ استكانوا ولم يبسطوا أيديهم ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ أي عن الذين هموا بكم ﴿وَاصْفَحْ﴾ عن ذنبهم هذا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ خصوصاً من أحسن لمن أساء. وقيل: هي منسوخة بقوله تعالى ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ هذا هو حال اليهود
стр. 597
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ أيضاً؛ كما أخذنا ميثاق اليهود ﴿فَنَسُواْ حَظّاً﴾ نصيباً ﴿مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ كما نسيت اليهود «تشابهت قلوبهم» ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ أي بين اليهود والنصارى، أو بين اليهود أنفسهم، أو بين النصارى بعضهم مع بعض. وعلى كلا الوجهين: فقد شاعت العداوة بين اليهود وبعضهم، وبين النصارى وبعضهم، وبين اليهود والنصارى؛ فترى اليهود وقد انقسموا إلى فرقتين متنافرتين: قرّايين وربانيين؛ وكلاهما له دين خاص، وشريعة خاصة، ونظام يخالف نظام الآخر - في العبادات والمعاملات - لا يجتمعان إلا في أمر واحد: هو كراهة المسلمين والنصارى. وترى النصارى وقد انقسموا إلى فرق متعددة: كاثوليك، وأرثوذكس، وبروتستانت؛ كل منها له شريعة خاصة ونظام خاص؛ وتراهم دائبي الخلاف في كل صغيرة وكبيرة. أما عداوة اليهود للنصارى، والنصارى لليهود، فأمر لا يحتاج إلى
⦗١٢٩⦘ برهان أو دليل؛ قال تعالى:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ وترى الأمم الغربية - وهم أبناء دين واحد - وقد تفنن بعضهم في إهلاك البعض - هلاكاً تشيب لهوله الولدان - فمن مخترع للقنبلة الذرية إلى مخترع للهيدروجينية، إلى مصمم لقنبلة الكوبالت؛ إلى ما لا نهاية له من صنوف الإيذاء والبلاء الذي لا يوصف؛ وبذلك حق عليهم الإغراء؛ فهم أبد الدهر في شحناء وبغضاء
стр. 598
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ خطاب لليهود والنصارى في عهد النبي ﴿قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ محمد ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ اسم جنس. أي ما كنتم تخفونه من كتابيكم «التوراة والإنجيل» وكان مما أخفوه وبيّنه النبي ﵊: رجم الزانيين المحصنين ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ موضح؛ وهو القرآن الكريم. اللهم أمدنا بنوره، واجعله حجة لنا لا علينا
стр. 599
﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ طريق مرضاته ﴿سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ طرق الأمن والسلامة؛ و ﴿السَّلاَمِ﴾: يشمل كل ما تحتمله هذه الكلمة من معانٍ زاخرة بأنبل الصفات والسمات؛ فالسلام: هو السلامة والسلم، والود والهدوء، والسكينة والطمأنينة، والخير والبر ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظُّلُمَاتِ﴾ وهي جمع ظلمة؛ وهي تقع على كل ضلال وخبال، وسوء وشر، وعصيان وفسوق أرأيت كيف يتعثر الإنسان في الظلمات: فلا يرى ما يعترضه من عقبات، ولا ما يصادفه من مهاوي ومهالك؟ فيقع في موارد التهلكة وسوء العاقبة. والمراد بالظلمات أيضاً: الجهل والكفر (انظر آية ١٧ من سورة البقرة) فمن أحبه الله تعالى: هداه إلى سبل السلام، وأخرجه من الظلمات ﴿إِلَى النُّورِ﴾ والنور: كل عمل يتسم بالنبل والفضل، والهدي والرشاد أرأيت كيف يهتدي الإنسان في النور إلى سلامته وأمنه، ويتوقى مواطن الخطل والزلل؛ وبالتالي يقي نفسه غضب الرب، وسوء المنقلب والمراد بالنور: الإيمان. أي يخرجهم من ظلمات الكفر، إلى نور الإيمان ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بأمره وإرادته ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ﴾ طريق ﴿مُّسْتَقِيمٍ﴾ طريق النجاة، طريق الفلاح، طريق الجنة كأنّ سائلاً سأل: ما هو القرآن؟ وما فائدته؟ وما جدوى نزوله؟ فقيل له: هو ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو تعريف عرّف به القرآن منزله تعالى؛ العالم بأسراره وأنواره، الواضع لمعالمه وأحكامه
وهذا التعريف بالقرآن؛ خير مما عرفه به الأصوليون؛ من أن القرآن: هو اللفظ العربي، المنزل
⦗١٣٠⦘ على محمد للتدبر والتذكر، المنقول متواتراً؛ وهو ما بين دفتي المصحف؛ المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة الناس.
وهو تعريف - كما ترى - جاف، خال من الروح والروعة الواجبة. وخير التعاريف به: تعريف منزله ومبدعه؛ تعالى شأنه، وعز سلطانه
стр. 600
﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ أي فمن يملك أن يدفع شيئاً أراده الله تعالى ﴿إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الذي تزعمون ألوهيته، أو بنوتهلله أن يهلك ﴿أُمُّهُ﴾ مريم التي ولدته؛ ذكرها تعالى ليعرفهم أن الله الواجب الوجود: لا يلد ولا يولد؛ فكيف تقولون عمن ولدته مريم: إنهالله، أو ابنالله؟
стр. 601
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى﴾ تبجحاً منهم ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ قالوا ذلك حين دعاهم النبي للإيمان، وحذرهم غضب الله تعالى وعقابه ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: إذا كنتم صادقين في أنكم أبناء الله وأحباؤه ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾ وذلك أنهم قالوا: ﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ ﴿بَلْ أَنتُمْ﴾ في الحقيقة ﴿بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ كسائر البشر ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ بأن يوفقه للإيمان والطاعة ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ بأن يتخلى عن هدايته؛ لتمسكه بالكفر وعناده
стр. 602
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ محمد ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ طرق الهداية ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مَّنَ الرُّسُلِ﴾ أي على فتور من إرسال الرسل، وانقطاع الوحي ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ أي أرسلناه لئلا تقولوا ﴿مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ محمد ﴿بَشِيرٍ﴾ لمن آمن منكم وأطاع بالجنة ﴿نَذِيرٍ﴾ لمن كفر وعصى بالنار
стр. 603
﴿وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً﴾
أي مالكين؛ بعد أن كنتم مملوكين لفرعون وقومه ﴿وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ﴾ خلصهم من الذل، وفضلهم على الكل؛ فازدادوا كفراً وعتواً وأنجاهم من البلوى، وأطعمهم المن والسلوى؛ فأبوا الطعام الأعلى، وطلبوا الطعام الأدنى وأنزل عليهم مائدة من السماء؛ فكفروا بما هنالك، وأوقعوا أنفسهم في المهالك؛ فأعد لهم ربهم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين
стр. 604
﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ أرض بيت المقدس ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي كتب في لوحه المحفوظ أن تسكنوها وتقيموا فيها ﴿وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي لا ترجعوا مدبرين منهزمين
стр. 605
﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ أقوياء أشداء شجعاناً. وقيل: سفلة لا خلاق لهم. وقال بعض المفسرين: إنهم من بقايا قوم عاد، وأنهم ضخام الأجسام، عظام الأجساد؛ حتى أن أحدهم ليحمل الإثني عشر نفساً في أحد أكمامه. وهو قول غير صحيح، وإنما قصه القصاصون الأفاكون؛ وزينوه بروايات
⦗١٣١⦘ لا أصل لها، وعنعنات لا وجود لها
стр. 606
﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ الله تعالى ويخشونه ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بالإيمان والشجاعة والإقدام ﴿ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي ادخلوا على هؤلاء الجبارين باب المدينة ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ﴾ عليهم؛ وبدأتموهم بالهجوم والقتال ﴿فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ أنظر كيف يعلمنا الله الخطط الحربية الحكيمة الموفقة: يعلمنا أن نتبع خطة الهجوم، خطة الاستبسال، خطة بيع النفس في سبيله جل شأنه وهي قاعدة معروفة متبعة؛ يعلمها كل ذي لب، ويتبعها كل ذي قلب: «اطلب الموت توهب لك الحياة» وإذا فكرت أيها المؤمن جلياً، ونظرت ملياً في هذه الخطة؛ لأنبأك التاريخ عن إصابتها وسدادها؛ فهناك سعدبن أبي وقاص، وقد قام بجيشه الصغير؛ فاكتسح به دولة الفرس اكتساحاً، وجعلها أثراً بعد عين؛ وقد كانت في أوج عظمتها وقوتها وهناك أيضاً طارقبن زياد؛ وقد فتح الأندلس فتحاً سجله له التاريخ بمداد الفخار والإكبار ولم تكن تلكم الفتوح والانتصارات: لكثرة في العدد، أو زيادة في المدد؛ وإنما هي الخطة التي وضعها القائد الأعلى، والمرشد الأعظم، وحث عليها عباده (انظر آية ٢٥١ من سورة البقرة)
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ من هذا نعلم أن التوكل من لوازم الإيمان؛ وأن الإيمان بلا توكل: إيمان مشوب بالشك والشرك؛ إذ أن الإيمان به تعالى يستوجب حتماً الإيمان بقدرته وقوته، والوثوق بمعونته ومن آمن ب الله تعالى ولم يؤمن بصفاته العلية السنية؛ فهو من عداد الكافرين (انظر آية ٨١ من سورة النساء)
стр. 607
﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا﴾ فازدادوا بذلك جبناً على جبنهم، وخوراً على خورهم، ورفضوا التوكل علىالله، وأبوا الاستماع إلى نصح الناصحين؛ الذين يخافون ربهم، وقد أنعم الله عليهم ﴿فَاذْهَبْ﴾ يا موسى ﴿أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ أضاف بنو إسرائيل إلى جبنهم وضعفهم وحقارتهم: كفراً بربهم لا يعدله كفر، وتحدياً يستأهل ما أعده الله تعالى لهم من عذاب بئيس إذ قالوا لنبيهم الكريم؛ الذي بعثه الله تعالى إليهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾
стр. 608
﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ﴾ من دنياي ﴿إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي﴾ ولا نصلح أن نلقى بمفردنا الجبابرة فنخرجهم من بيت المقدس ﴿فَافْرُقْ﴾ فافصل واحكم ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ الكافرين؛ الذين خرجوا عن طاعتك
стр. 609
﴿قَالَ﴾ الله تعالى لموسى ﴿فَإِنَّهَا﴾ أي الأرض المقدسة ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ لا يدخلونها ولا يتمتعون بخيراتها؛ بل ﴿يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ سائرين على وجوههم؛ لا يبلغون مقصداً، ولا يحوزون مأملاً؛ عقوبة لهم على عصيانهم وجبنهم، وعدم
⦗١٣٢⦘ استماعهم لكلام ربهم ونصح نبيهم ﴿فَلاَ تَأْسَ﴾ لا تحزن ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ الكافرين العاصين
стр. 610
﴿وَاتْلُ﴾ يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ﴾ على هؤلاء اليهود؛ الذين هموا أن يبسطوا إليكم أيديهم بالبطش والأذى ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ هابيل وقابيل ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً﴾ لله ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا﴾ هابيل ﴿قَالَ﴾ قابيل - الذي لم يتقبل قربانه - لهابيل الذي تقبل منه ﴿لأَقْتُلَنَّكَ﴾ حسداً منه له ﴿قَالَ﴾ هابيل ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين يخشونه
стр. 611
﴿لَئِن بَسَطتَ﴾ مددت ﴿إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ فلن أقابلك بمثل بغيك؛ و ﴿مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ﴾ لأني لست شريراً مثلك ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ *
стр. 612
إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ﴾ ترجع ﴿بِإِثْمِي﴾ إثم قتلي ﴿وَإِثْمِكَ﴾ الذي ارتكبته من قبل؛ ولم يتقبل قربانك بسببه أو المراد «بإثمي»: آثامي تلقى عليك «وإثمك» الذي ارتكبته بقتلي.
قال «يؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف؛ فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه» يعضده قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾
стр. 613
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ زينت له، وتابعته وطاوعته
стр. 614
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ﴾ يحفر فيها برجله ومنقاره ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ جسده؛ والسوأة: كل ما يسوء الإنسان ظهوره
стр. 615
﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ﴾ القتل الذي حصل بين ابني آدم ﴿كَتَبْنَا﴾ حكمنا وقضينا ﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وعلى غيرهم أيضاً ﴿للَّهِ﴾ أي بغير أن يكون ذلك القتل قصاصاً من المقتول الذي قتل نفساً ظلماً ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ﴾ أي وبغير أن يكون القتل بسبب إفساد المقتول في الأرض، وقطعه للطريق، وسلبه أموال الناس وإفساده للأمن ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ أي لأنه بفعلته هذه سن القتل، وجعل كل الناس عرضة له، ولأن عقوبته في الآخرة لا تنقص عن عقوبة من قتل الناس جميعاً؛ ألا ترى أن جزاءه جهنم، وأنه خالد فيها، وأن غضب الله تعالى محيط به، ولعنته منصبة عليه، وأنه تعالى أعد له عذاباً عظيماً مهيناً؟ فأي شقاء وأي عذاب بقي لمن قتل الناس جميعاً بعد هذا الشقاء، وفوق هذا العذاب؟ (انظر آية ٩٣ من سورة النساء) ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي أنقذها من هلاك محدق: كغرق، أو حرق، أو دفع عدو ظالم، أو غير ذلك ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ لأنه سن بينهم النجدة، والتضحية، والأمن. وقيل: إن الكف عن القتل: هو الإحياء.
بعد ذلك بين الله تعالى لنا الأسباب الموجبة للقتل، والتي استثناها في الآية السابقة بقوله جل شأنه: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ﴾ قال تعالى:
стр. 616
﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بمحاربة المسلمين،
⦗١ ٣٣ ⦘ ومخالفة ما أمر الله تعالى به، وإتيان ما نهى عنه ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً﴾ وهم قطاع الطريق؛ الذين يعيثون في الأرض، وينتهكون الحرمات، ويفسدون الأمن؛ فجزاء أمثال هؤلاء ﴿أَن يُقَتَّلُواْ﴾ إن كان إثمهم القتل فقط ﴿أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾ إن كان إثمهم القتل وسلب المال ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ﴾ إن كان إثمهم سلب المال «السرقة بالإكراه» وطريقة ذلك أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى - يده للسرقة، ورجله لإخافة الطريق - فإن لم يتب تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ﴾ إن كان إثمهم التخويف فقط؛ والنفي: أن يطرد من موطنه قسراً حتى يلحق بأرض العدو، أو هو نفيه من بلده إلى بلد آخر يسجن فيها حتى تبدو توبته، وتظهر إنابته؛ ويقلع عن معصية الله إيذاء عباده الآمنين (انظر آية ٣٨ من هذه السورة) ﴿ذلِكَ﴾ الجزاء المتقدم ﴿لَهُمْ خِزْيٌ﴾ ذل وفضيحة ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ يعلق بهم وبأبنائهم وذراريهم
стр. 617
﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ﴾ عن محاربة الله تعالى ورسوله، وعادوا إلى حظيرة الإيمان ﴿مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾ فأولئك ليس لكم عليهم من سبيل؛ لأن الإيمان يجبُّ ما قبله. أما إذا كان الساعي في الأرض بالفساد من المؤمنين: فعليه القود والقصاص. وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: يعفى من حق الله تعالى، ويؤخذ بحق الناس
стр. 618
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ﴾ خافوه، واخشوا عقابه ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ الوسيلة: هي القربة، والعمل الصالح
стр. 619
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ يسرق السارق - حين يسرق - وهو آمن مطمئن؛ لا يخشى شيئاً: اللهم سوى ذلك السجن الذي يطعم ويكسى ويعالج فيه؛ فيقضي مدة العقوبة التي فرضها عليه القانون الوضعي، ويخرج من هذا السجن وهو إلى الإجرام أميل، وعلى الشر أقدر يدل على هذا أن تعداد الجرائم يزداد يوماً عن يوم، وعاماً عن عام، وذلك لقصور العقل البشري وعجزه عن الوصول للشفاء النافع، والدواء الناجع أما عقوبة قطع يد السارق فالذي وضعها الرحيم الرحمن، الذي هو أعلم بالإنسان من الإنسان؛ وها هي ذي بلاد الحجاز - رغم فقر أهلها وعوزهم - فلا تكاد تسمع بوقوع سرقة فيها؛ حتى أن الإنسان ليقع منه الدرهم فيتذكره فيعود إليه فيجده في موضعه بعد أيام؛ حيث لا يجسر أحد أن ينظر إليه، فضلاً عن أن يمد يده لأخذه وما ذلك إلا بفضل انتشار الأحكام الدينية؛ جزى الله تعالى القائمين بها خير الجزاء وها هي ذي أوروبا وأمريكا تناديان بوجوب تغيير هذه القوانين الوضعية؛ حيث لم تعد صالحة لردع النفوس الشريرة؛ بدليل ازدياد الجرائم؛ فللَّه ما أحلى هذا الدين، وأجمل تعاليمه وشرائعه ﴿جَزَآءً بِمَا كَسَبَا﴾ من إثم السرقة
⦗١٣٤⦘ ﴿نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ﴾ النكال: العبرة للغير. أي ذلك القطع عبرة منالله: يعتبر بها الغير؛ فيتجنب أسبابها
стр. 620
﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ رجع إلى الله من بعد ارتكاب السرقة، واعترف بها ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أعماله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ يقبل توبته؛ بعد توقيع الحد عليه
стр. 621
﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ خاطب الله تعالى سائر النبيين بأسمائهم؛ فقال: «يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا داود، يا عيسى، يا زكريا، يا يحيى» ولم يخاطب الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه إلا بقوله: «يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر» وفي هذا من رفعة شأنه ﵊ ما لا يخفى
стр. 622
﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ الحرام والرشوة ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل
стр. 623
﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ جمع رباني نسبة إلى الرب؛ وهم العلماء والحكماء. وقيل: هم الرهبان ﴿وَالأَحْبَارُ﴾ العلماء ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ﴾ حفظوا، واستودعوا علمه ﴿مِن كِتَابِ اللَّهِ﴾ وهو التوراة ﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ أي لا تخافوهم خوفاً ينسيكم أوامري؛ فأنا أحق بالخشية منهم؛ لأني أنفع وأضر، وهم لا يستطيعون جلب نفع لأنفسهم، ولا دفع ضر عنها. وهذا نهي عن التزلف والتملق، ووجوب نهي العاصي عن عصيانه، والطاغي عن طغيانه
стр. 624
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ﴾ أي في التوراة ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ تقتل
⦗١٣٥⦘ ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ تفقأ ﴿وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ﴾ يجدع ﴿وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ﴾ تقطع ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ تقلع ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ فيقتص لكل عضو بمثله إذا أمكن.
لو أن المجرم المعتاد للإجرام، والذي أشربت نفسه حب الأذى والضرر؛ علم أنه لو فقأ عيناً فقئت عينه، أو كسر سناً كسرت سنه؛ لما جسر على الأذى: ولا قوي على الفتك ولو أن أعصى العصاة، وأعتى العتاة؛ حينما يضع يده على عصاه؛ ليوقع الضرر بعبادالله: علم أنه إنما يضرب نفسه، ويقتطع من جوارحه: لانقلبت شروره خيرات، وسيئاته حسنات؛ ولكان مندفعاً إلى الخير - إن لم يكن بطبيعته وفطرته - فبرعبه ورهبته غير ما في هذه العقوبات الرادعة من شفاء للقلوب المكلومة، والنفوس الموتورة؛ التي يتولد منها - بسبب عدم إنزال العقاب الصارم، بالمجرم الظالم - سلسلة جرائم وأخذ ثارات؛ يتزلزل لها الأمن وتنزعج منها العدالة أرشد الله تعالى الناس، لما يصلح الناس ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي تجاوز عن حقه في الاقتصاص من المعتدي ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ أي إن ذلك التجاوز تكفير لبعض ذنوب المعتدى عليه، أو هو كفارة للمعتدي نفسه؛ لأن العفو كالاقتصاص؛ فلا يجوز للمعتدى عليه أن يطالبه بالقصاص بعد التصدق والعفو
стр. 625
﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أتبعنا ﴿عَلَى آثَارِهِم﴾ أي آثار النبيين الذين تقدموا عيسى ﵇ ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما تقدمه ﴿مِنَ التَوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى﴾ من الله ﴿وَنُورٌ﴾ لمن اتبعه ﴿وَمُصَدِّقاً﴾ أي الإنجيل جاء مصدقاً ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ تقدمه
стр. 626
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ ولكنهم لم يحكموا بما فيه؛ بل حكموا تبعاً لأهوائهم ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ومن عجب أن تنزل التوراة لليهود فلا يعملون بها، ويحرفونها عن مواضعها، وينزل الإنجيل للنصارى فلا يعملون بما فيه، بل يكون دأبهم تغييره ومخالفته، وينزل القرآن الكريم على المسلمين فيجعلون ديدنهم التشدق بحروفه، ومراعاة وقوفه. والإفراط في الغن إفراطاً أخل بنطقه، والتزيد في المد تزيداً أخل بمعناه؛ وتركوا العمل بما فيه؛ ولم ينزله منزله تعالى إلا لذلك ولكنه الشيطان زيّن لهم تافه الأمور، وصرفهم عن لب القرآن
стр. 627
﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿الْكِتَابِ﴾ القرآن ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما تقدمه ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ كالتوراة والإنجيل ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ رقيباً وحافظاً وأميناً ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ الشرعة: الشريعة. والمنهاج: الطريق البيِّن الواضح ﴿وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ﴾ ليختبركم ﴿فِي مَآ آتَاكُم﴾ من الشرائع والتكاليف؛ فيعلم - علم ظهور - المطيع منكم والعاصي، والبر والفاجر
⦗١٣٦⦘ ﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ ابتدروها وسابقوا نحوها؛ قبل الفوات بالوفاة ﴿إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ويجزي كلاً بما عمل بين اليهود - وقد احتكموا إلى الرسول ﵊ في بعض مجرميهم - وقيل: إن سادة اليهود وكبراءهم ذهبوا إليه وقالوا له: إنا إن أسلمنا أسلم سائر اليهود، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فاقض لنا عليهم ونحن نسلم لك ونؤمن بك. فأبى اتباعهم، وأنزل الله تعالى عليه هذه الآية ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ﴾ يضلوك ﴿عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ من الأحكام في كتابه المبين ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أعرضوا عنك، وانصرفوا عن تصديقك
стр. 628
﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم﴾ بالعقوبة في الدنيا؛ كالجلاء، والجزية، والأسر، والقتل ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ التي أتوها؛ ومنها الإعراض والتولي وسيصيبهم في الآخرة بالعقوبة الكاملة المدمرة
стр. 629
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ﴾ أي أصدقاء توالونهم من دون المؤمنين ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ يستدل من ذلك أن موالاة الكفار كفر؛ ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي من جنسهم، ومن جماعتهم فاحذر - يا رعاك الله - أن توالي الكافرين؛ فتكون من الظالمين (انظر آية ٢٨ من سورة آل عمران)
стр. 630
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شك ونفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي يسارعون في ولايتهم وصداقتهم ﴿يَقُولُونَ﴾ إنما نواليهم لأننا ﴿نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ أي مصيبة، أو حادثة تدور بالحال التي يكونون عليها ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ بالنصر ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ بنزول العذاب ﴿فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من النفاق والمكر بالمؤمنين
стр. 631
﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ بطلت
стр. 632
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ غيركم: مؤمنين، طائعين، صالحين ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ لإيمانهم ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ لمعرفتهم به، ومزيد فضله عليهم
وحب المؤمن لربه: يجب أن يكون متميزاً عن سائر الحب؛ فلا يجوز أن يكون كحب الولد؛ إذ هو كاسبه، ولا كحب الوالد؛ إذ هو واهبه، ولا كحب المال؛ إذ هو مكسبه، ولا كحب الزوج؛ إذ هو هاديها وراعيها، ولا كحب سائر الأهل - مهما كانوا نافعين قادرين، ومهما كانوا أحباء محبين - بل يجب ألا يشاركه تعالى في الحب مخلوق - مهما سما قدره، وعلت منزلته - ولا يجوز أن يتعلق حبه تعالى بسبب من الأسباب؛ لئلا يزول ذلك الحب بزوال هذا السبب بمعنى أنه يحبه لأنه يحفظ عليه أهله، أو ولده، أو ماله. بل يجب أن يكون حبهلله لذات الله فإنه تعالى إن شاء وهب، وإن شاء سلب؛ وإن شاء أعطى، وإن شاء منع؛ لا يسأل تعالى عما يفعل وهم يسألون
والحبلله إن كان مبنياً على خوف عذابه، أو رجاء ثوابه؛ فإنه لا يخالف الشرع؛ قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ لكنه على كل حال ليس بالحب الذي يناسب ذات الله المقدسة وقد ذهب بعض الصوفية إلى أكثر من هذا؛ فقال: إن حبه تعالى لا يجوز أن يكون رغبة في جنته، أو خوفاً من ناره؛ بل يجب أن يكون مجرداً عن كل غرض، أو شبهة الغرض؛ بل يكون حبه تعالى: هو الغاية، وهو الوسيلة، وهو المقصد، وهو المطلب فإذا ما وصل العبد إلى هذه المرتبة: كان صديقاً؛ بل وفوق مرتبة الصديقين واعلم أيها المؤمن - هديت وكفيت - أن محبة الله تعالى ورضاءه لا يتوافران إلا برضاء الناس ومحبتهم؛ فاحرص على رضاء مخلوقاته وحبهم - حتى العجماوات منها - فيرضى عنك الجميع ويحبونك، ويرضى عنك الله تعالى ويحبك
وما من إنسان يحبه مولاه: إلا أحبه كل مخلوق، وتيسر له كل صعب، وهان عليه كل عسير
واعلم أن مخلوقات الله تعالى بمثابة عياله؛ فمن أكرمهم: أكرمهالله، ومن أعزهم: أعزه، ومن غفر لهم: غفر له ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
واعلم - هداك الله وعافاك - أنه ما من لقمة تطعمها، ولا نفقة تنفقها؛ إلا كان لك بها أجر: لو علمته لأطعمت الفقراء سائر طعامك وما طعمته، ولو تحققته لأنفقت عليهم نفقة عيالك وما بخلت به
⦗١٣٨⦘ واعلم - علم اليقين - أن الله تعالى معطيك بذلك ما تريد فوق ما تريد - في الحياة الدنيا - ومعطيك في الآخرة ما لم تتوهمه، وما لم يخطر ببالك وأن عطاءه تعالى ليس كعطائك - مهما بذلت - وأن مثوبته ليست كمثوبتك - مهما بالغت - فاعمل بذلك لدنياك وآخرتك؛ إني لك من الناصحين (انظر آية ٢٢ من سورة المجادلة) ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ﴾ من علامة حب الله تعالى للمؤمن، وحب المؤمن لربه: أن يكون لين الجانب متواضعاً لإخوانه المؤمنين، قوي الشكيمة متسربلاً بالعزة والكبرياء حيال الكافرين والمنافقين؛ لا يراعى أحداً لسعته أو لبطشه. أقدار الناس عنده تتسامى بإيمانهم وتقواهم، لا بقوتهم وغناهم من خلصائه وأوليائه
стр. 633
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ﴾ ناصركم ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ جعل تعالى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: شرطاً من شرائط الإيمان؛ فلينظر هذا وليعتبر
стр. 634
﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ﴾ أي أذن مؤذنكم بها ﴿اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً﴾ هذه صفة الكافرين؛ وصفهم الله تعالى بها في كتابه الكريم؛ ومن عجب أن هذه الصفة قد أصبحت من سمات كثير ممن تسموا بالمؤمنين: يراك أحدهم وقد شرعت في طاعة مولاك بإقامة الصلاة - التي أمرك بأدائها - فيغرب في الضحك، ويمعن في السخرية، وي٠جتمع حولك مع أمثاله من الفاسقين الضالين؛ فيجعلون من صلاتك سبباً للضحك عليك، والسخرية بك ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾
стр. 635
﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ﴾ هل تكرهون ﴿مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ من القرآن ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ﴾ على النبيين أي ثواباً. والمثوبة - وإن كانت مختصة بالإحسان - لكنها وضعت هنا موضع العقوبة؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
следующие страницы →