← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ بطلت

стр. 632

﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ غيركم: مؤمنين، طائعين، صالحين ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ لإيمانهم ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ لمعرفتهم به، ومزيد فضله عليهم وحب المؤمن لربه: يجب أن يكون متميزاً عن سائر الحب؛ فلا يجوز أن يكون كحب الولد؛ إذ هو كاسبه، ولا كحب الوالد؛ إذ هو واهبه، ولا كحب المال؛ إذ هو مكسبه، ولا كحب الزوج؛ إذ هو هاديها وراعيها، ولا كحب سائر الأهل - مهما كانوا نافعين قادرين، ومهما كانوا أحباء محبين - بل يجب ألا يشاركه تعالى في الحب مخلوق - مهما سما قدره، وعلت منزلته - ولا يجوز أن يتعلق حبه تعالى بسبب من الأسباب؛ لئلا يزول ذلك الحب بزوال هذا السبب بمعنى أنه يحبه لأنه يحفظ عليه أهله، أو ولده، أو ماله. بل يجب أن يكون حبهلله لذات الله فإنه تعالى إن شاء وهب، وإن شاء سلب؛ وإن شاء أعطى، وإن شاء منع؛ لا يسأل تعالى عما يفعل وهم يسألون والحبلله إن كان مبنياً على خوف عذابه، أو رجاء ثوابه؛ فإنه لا يخالف الشرع؛ قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ لكنه على كل حال ليس بالحب الذي يناسب ذات الله المقدسة وقد ذهب بعض الصوفية إلى أكثر من هذا؛ فقال: إن حبه تعالى لا يجوز أن يكون رغبة في جنته، أو خوفاً من ناره؛ بل يجب أن يكون مجرداً عن كل غرض، أو شبهة الغرض؛ بل يكون حبه تعالى: هو الغاية، وهو الوسيلة، وهو المقصد، وهو المطلب فإذا ما وصل العبد إلى هذه المرتبة: كان صديقاً؛ بل وفوق مرتبة الصديقين واعلم أيها المؤمن - هديت وكفيت - أن محبة الله تعالى ورضاءه لا يتوافران إلا برضاء الناس ومحبتهم؛ فاحرص على رضاء مخلوقاته وحبهم - حتى العجماوات منها - فيرضى عنك الجميع ويحبونك، ويرضى عنك الله تعالى ويحبك وما من إنسان يحبه مولاه: إلا أحبه كل مخلوق، وتيسر له كل صعب، وهان عليه كل عسير واعلم أن مخلوقات الله تعالى بمثابة عياله؛ فمن أكرمهم: أكرمهالله، ومن أعزهم: أعزه، ومن غفر لهم: غفر له ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. واعلم - هداك الله وعافاك - أنه ما من لقمة تطعمها، ولا نفقة تنفقها؛ إلا كان لك بها أجر: لو علمته لأطعمت الفقراء سائر طعامك وما طعمته، ولو تحققته لأنفقت عليهم نفقة عيالك وما بخلت به ⦗١٣٨⦘ واعلم - علم اليقين - أن الله تعالى معطيك بذلك ما تريد فوق ما تريد - في الحياة الدنيا - ومعطيك في الآخرة ما لم تتوهمه، وما لم يخطر ببالك وأن عطاءه تعالى ليس كعطائك - مهما بذلت - وأن مثوبته ليست كمثوبتك - مهما بالغت - فاعمل بذلك لدنياك وآخرتك؛ إني لك من الناصحين (انظر آية ٢٢ من سورة المجادلة) ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ﴾ من علامة حب الله تعالى للمؤمن، وحب المؤمن لربه: أن يكون لين الجانب متواضعاً لإخوانه المؤمنين، قوي الشكيمة متسربلاً بالعزة والكبرياء حيال الكافرين والمنافقين؛ لا يراعى أحداً لسعته أو لبطشه. أقدار الناس عنده تتسامى بإيمانهم وتقواهم، لا بقوتهم وغناهم من خلصائه وأوليائه

стр. 633

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ﴾ ناصركم ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ جعل تعالى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: شرطاً من شرائط الإيمان؛ فلينظر هذا وليعتبر

стр. 634

﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ﴾ أي أذن مؤذنكم بها ﴿اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً﴾ هذه صفة الكافرين؛ وصفهم الله تعالى بها في كتابه الكريم؛ ومن عجب أن هذه الصفة قد أصبحت من سمات كثير ممن تسموا بالمؤمنين: يراك أحدهم وقد شرعت في طاعة مولاك بإقامة الصلاة - التي أمرك بأدائها - فيغرب في الضحك، ويمعن في السخرية، وي٠جتمع حولك مع أمثاله من الفاسقين الضالين؛ فيجعلون من صلاتك سبباً للضحك عليك، والسخرية بك ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾

стр. 635

﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ﴾ هل تكرهون ﴿مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ من القرآن ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ﴾ على النبيين أي ثواباً. والمثوبة - وإن كانت مختصة بالإحسان - لكنها وضعت هنا موضع العقوبة؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾

стр. 636

﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾ طرده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ وأي شر أشر من لعن الله تعالى وغضبه؟ بل أي درك ينحط فيه إنسان - بعد اللعن والغضب - أحط من المسخ؟ ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ وأي حيوان أقبح شكلاً، وأخبث منظراً، وأكره رائحة، وأزرى خلقاً وهيئة من القردة والخنازير؟ هذا وصف بني إسرائيل من ناحية الخلق؛ أما وصفهم من ناحية الخلق: فشأنه لا يقل بحال عن الخلق؛ فقد وصفهم الله تعالى بقوله ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ والمراد بالطاغوت: الطغيان المادي أو هو كل رأس في الضلال؛ هذه الصفات، وتلك السمات؛ ساقها الله تعالى وصفاً لليهود ﴿أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ في الدنيا: بما ضرب عليهم من الذلة والمسكنة، وفي الآخرة: بما أعده الله تعالى ⦗١٣٩⦘ لهم من عذاب النار وبئس المصير ﴿وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ عن طريق الصواب والحق

стр. 637

﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ الحرام والرشوة. والسحت: الحرام. أو هو ما خبث من المكاسب فلزم عنه العار ﴿لَوْلاَ﴾ هلا ﴿يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ﴾ الزهاد فيهم ﴿وَالأَحْبَارُ﴾ العلماء ﴿عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ﴾ الكذب والزور

стр. 638

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي شحيحة بخيلة؛ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ دعاء عليهم بتقييد أيديهم عن عمل الخير؛ ليحرموا من ثوابه ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ غل اليد وبسطها: كناية عن البخل والجود. قال تعالى ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ومن أكرم من الله؟ ومن أبسط يداً منه تعالى؟ ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي بين اليهود والنصارى وبين سائر المسلمين؛ لأنه تعالى قال قبل ذلك: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ﴾ أو هو بين اليهود أنفسهم؛ فكل فرقة منهم تخالف الأخرى؛ ولقوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ فهم متباغضون أبد الدهر، متنافرون طول العمر؛ شتت الله تعالى شملهم، وفرق جمعهم ﴿لَكَفَّرْنَا﴾ محونا

стр. 639

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن الطاعات مفتاح لسائر السعادات، وأن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ﴾ طائفة ﴿مُّقْتَصِدَةٌ﴾ تعمل بالعدل والخير؛ ولا تقول إلا الحق. وأصل القصد: الاستقامة؛ وهو ضد الإفراط؛ والمقصود بهم الطائفة التي قالت في عيسى: إنه رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه؛ ولم تقل: إنه ابنالله، أو إنه ابن زنا؛ صلوات الله تعالى وسلامه عليه ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ أي ساء الذي يعملونه؛ لأن أعمالهم كلها سيئة

стр. 640

﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ يحفظك من مكرهم وكيدهم؛ فلا يتمكن أحد من قتلك أو خداعك؛ وقد كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يحرسون الرسول، فلما نزلت ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قال: «انصرفوا عني فقد عصمني الله من الجن والإنس؛ فلا أحتاج إلى من يحرسني» أما عصمته - صلوات الله تعالى وسلامه عليه - من الشيطان: فهي عصمة مصاحبة له منذ ولد عندما تداعى إيوان كسرى، وخبت نيران الفرس؛ وعندما شق جبريل الأمين عن صدره الشريف؛ فنزع منه حظ الشيطان من بني الإنسان؛ فكان معجزة الله تعالى بين البشر، وسيد ولد آدم ولا فخر

стр. 641

﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي لستم على دين، ولا على نظام، أو لستم على حق ⦗١٤٠⦘ ﴿حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ بأن تعملوا بما فيها. وفي التوراة والإنجيل نعت محمد، والتبشير بمجيئه؛ فالإيمان به إذن: إقامة للتوراة والإنجيل، وعمل بما فيهما (انظر آية ١٥٧ من سورة الأعراف) ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم﴾ أي من اليهود والنصارى ﴿مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ من القرآن ﴿طُغْيَاناً﴾ على طغيانهم ﴿وَكُفْراً﴾ على كفرهم ﴿فَلاَ تَأْسَ﴾ لا تحزن

стр. 642

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ب الله تعالى؛ وهم قوم محمد ﵊ ﴿وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾ اليهود: قوم موسى ﵇ ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ جنس من أهل الكتاب. وصبأ: إذا رجع. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون النجوم. وقيل: قوم كانوا على دين نوح ﵇؛ وأبوا اتباع دين آخر ﴿وَالنَّصَارَى﴾ قوم عيسى ﵇ ﴿مَنْ آمَنَ﴾ من هؤلاء جميعاً ﴿بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً﴾ في دنياه ﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من العذاب ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يوم القيامة؛ إذ هم ناجون بإيمانهم ب الله واليوم الآخر، وبالعمل الصالح :

стр. 643

﴿وَحَسِبُواْ﴾ أي ظن بنو إسرائيل ﴿أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي ألا يتنزل بهم عذاب بسبب تكذيبهم ﴿فَعَمُواْ﴾ عن رؤية الحق ﴿وَصَمُّواْ﴾ عن سماعه؛ وذلك لأنهم لم ينتفعوا بما رأوا ولا بما سمعوا؛ فكانوا كالأعمى والأصم ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ رفع عنهم العذاب، ومهد لهم سبيل المتاب، ولن يتوب إنسان، قبل أن يتوب عليه المنان قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾ لكن بني إسرائيل هم هم؛ طول العمر، وأبد الدهر؛ فبعد أن عموا وصموا، وبعد أن رفع ربهم عنهم العذاب، ﴿ثُمَّ﴾ مهد لهم سبل المتاب ﴿عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ فمجازيهم به

стр. 644

﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وكيف يكون إلهاً من ولدته مريم؟ ومن صفاته تعالى أنه لا يلد ولا يولد ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ﴾ أن يدخلها، أو يشم ريحها ﴿وَمَأْوَاهُ﴾ مرجعه ﴿النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿مِنْ أَنصَارٍ﴾ يمنعونهم من عذابالله، أو ينصرونهم من دونه؛ و

стр. 645

﴿لَّقَدْ كَفَرَ﴾ أيضاً ﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ وهم النصارى حيث يقولون: إن الله ذو ثلاثة أقانيم ﴿وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ﴾ يرجعوا ⦗١٤١⦘ ﴿عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ﴾ بهذا القول ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الدنيا بالخزي، وفي الآخرة بالنار

стр. 646

﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الذي ألهته النصارى ورمته اليهود ﴿إِلاَّ رَسُولٌ﴾ من عند الله ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مضت ﴿مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أمثاله ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ مبالغة في الصدق ﴿كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ كما تأكل سائر المخلوقات؛ وفي هذا القول إشارة لطيفة إلى أن من يأكل الطعام؛ لا بد أن يكون في حاجة إلى إخراجه ومن يكن هذا حاله؛ فكيف يعبد؟ أو كيف يتوهم أنه إله؟ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ﴾ الدالة على فساد حكمهم، وخطل رأيهم ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يصرفون عن عبادتي؛ رغم ظهور الآيات الدالة على وحدانيتي؟

стр. 647

﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ الغلو: مجاوزة الحد؛ من إفراط. أو تفريط: فقد قالت النصارى عن عيسى: إنه إله، وإنه ابن الله. وقالت اليهود عنه: إنه ابن زنا قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ﴾ يعني بهم اليهود ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ﴾ بافترائهم على المسيح وأمه؛ وهو عبد الله وكلمته، وأمه صديقة ﴿وَأَضَلُّواْ كَثِيراً﴾ من الناس؛ بصرفهم عن الإيمان ﴿وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ عن الطريق المستوي الواضح المستقيم

стр. 648

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أي لعنوا على لسان داود في الزبور، وعلى لسان عيسى في الإنجيل

стр. 649

﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ﴾ لا ينهى بعضهم بعضاً ﴿عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ بل تصيب الطائعين والعاصين معاً؛ لأن الطائعين لم يكونوا ينهون مرتكبي المنكر عن منكرهم؛ فيصيبهم ما يصيبهم

стр. 650

﴿تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ﴾ أي من اليهود ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يصادقون مشركي العرب وعبدة الأوثان؛ ليستعينوا بهم على المسلمين ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ لدنياهم وآخرتهم ⦗١٤٢⦘ ﴿أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بسبب مصاحبتهم للكافرين، وموالاتهم لهم، وعدائهم للمسلمين وعدم تناهيهم عما يعملونه من المنكر

стр. 651

﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ إذ أن موالاة الكافرين كفر

стр. 652

﴿لَتَجِدَنَّ﴾ يا محمد ﴿للَّهِ﴾ بك ﴿الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ ب الله من عبدة الأوثان ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى﴾ قيل: نزلت في نفر من نصارى الحبشة؛ وفدوا على رسولالله فقرأ عليهم القرآن وآمنوا به؛ ولما رجعوا إلى الحبشة أخبروا النجاشي بذلك فآمن وظل على إيمانه حتى مات مسلماً. وقيل: إنهم قوم كانوا على ملة عيسى ﵇؛ فلما بعث محمد آمنوا به وصدقوه. والظاهر أن المراد: عموم النصارى ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن عبادة الله تعالى

стр. 653

﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ خشوعاً وتأثراً ﴿مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ وذلك أنهم عرفوا من الإنجيل أن مجيء محمد ﵊ حق، وأن نزول القرآن عليه حق (انظر آية ١٥٨ من سورة الأعراف) ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي مع أمة محمد ﵊؛ الذين هم شهداء على سائر الأمم

стр. 654

﴿فَأَثَابَهُمُ﴾ جزاهم

стр. 655

﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ اليمين اللغو: أن يحلف على شيء يرى أنه كذلك، وليس كما ظن، أو هو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف؛ كقول الإنسان: لا والله، وبلى والله ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وتحريرها: إعتاقها من الرق؛ كفارة لليمين (انظر آية ١٧٧ من سورة البقرة)

стр. 656

﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ و «الخمر»: كل ما خامر العقل؛ وقد جاء في الحديث الشريف أنها أم الكبائر وقد تعددت في زماننا هذا أنواعها وألوانها؛ لشدة رغبة العصاة فيها، وانكبابهم عليها؛ قال: «يأتي على أمتي زمان يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها» وقد صدق الحديث على هذه الفترة من الزمن؛ وها هم الآن يشربونها بأسماء عدة؛ ليس من بينها لفظ «الخمر» ويشربون بعضه للتداوي؛ وهو من أفتك أنواع الخمور وأفحشها؛ كأصناف حديد الكينا وغيرها؛ مما لا يتورع بعض العلماء والفقهاء عن شربه؛ متسترين بأنها تحمل اسماً غير اسم الخمر، وغاب عنهم أن الله تعالى مطلع على خفاياهم، وعالم سرهم ونجواهم ومن دواعي الحسرة والأسف أننا نجد بعض الأمم الغربية - الغير الإسلامية - تحارب الخمور بكل الوسائل وكافة السبل؛ وتحظر صنعها وبيعها وحملها؛ في حين أننا في مصر لا نكون عصريين ومتحضرين إذا لم نشربها ونعرف سائر أنواعها وأصنافها. ومن عجب أنها في مصر - زعيمة الدول العربية - تباع جهاراً وعلى مقربة من المساجد، وبتصريح رسمي من الحكومة المسلمة - التي دينها الرسمي الإسلام - فحتى متى نظل في هذه الأدران، راضين عن هذا الكفران؟ ونحن نرجو ونلحف في الرجاء: أن تقوم حكومتنا الرشيدة المسلمة برفع هذا الإصر، ومحو هذا العار؛ لنكون أهلاً لما بوأنا الله تعالى من زعامة، وما اختصنا به من كرامة والخمر: يحد شاربها ويستتاب. وقد جاء في البخاري: «أن النبي حد شارب الخمر، وأمر أن يضربوه بالنعال» وهذا قاطع بوجوب امتهان شارب الخمر وتسفيهه والإزراء به والخمر من أولى مهامها أن تجعل شاربها يحيا حياة هي دون مستوى الحياة الإنسانية المهذبة؛ فيتسلط عليه الجانب الحيواني، على الجانب العقلي والروحي، الكامن في أعماقه وهي فوق هذا تهبط بالقوى ⦗١٤٤⦘ العقلية إلى مستوى لا يرتضيه لنفسه إنسان يريد أن يعيش موقراً بين أقرانه؛ مكرماً بين أنداده؛ لأنها تؤثر تأثيراً مباشراً على جهازه العصبي؛ فتغير من إحساساته وانفعالاته تغييراً كبيراً يجعله أقل قدرة على ضبط أقواله وأفعاله؛ فيسهل انقياده إلى حيث يرضى الشيطان، ويغضب الرحمن «والميسر»: القمار؛ ويدخل تحته سائر ضروب اللعب وأوراق اليانصيب «اللوترية» و «الأنصاب»: الأصنام والأحجار التي كانوا ينصبونها للعبادة من دون الله تعالى «والأزلام»: قداح أو سهام؛ كان أهل الجاهلية يستقسمون بها؛ قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ﴾ والاستقسام بها: طلب معرفة ما قسم للإنسان في الغيب. والرجس: القذر؛ وهو كل ما يستوجب العذاب والعقاب

стр. 657

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ يدفعكم إلى شرب الخمر، وإغوائكم على لعب القمار ﴿أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ بعد أن ألف الله تعالى بين قلوبكم بالإيمان ﴿وَالْبَغْضَآءَ﴾ بعد أن جعلكم الله تعالى إخواناً أحباء ولكن الشيطان - ودأبه دائماً إذاية بني الإنسان - أراد بدفعكم إلى هذه المناكير أن يعادي بعضكم بعضاً، ويبغض بعضكم بعضاً، وكيف لا يتعادى من سلبت عقله الخمر، وأطاحت برشده ولبه؟ أو كيف لا يتعادى المقامرون؛ وقد سلب بعضهم مال البعض الآخر ظلماً وزوراً؟ قد أراد الشيطان بذلك أيضاً أن ﴿يَصُدَّكُمْ﴾ يمنعكم ويحول بينكم وبين ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ تذكره وعبادته ﴿وَعَنِ الصَّلاَةِ﴾ وكيف يذكر الله تعالى أو يصلي له من لا عقل له؟ أو كيف يعبد الله من شغله القمار عن أهله وولده، بل عن أكله وشربه؟ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿مُّنتَهُونَ﴾ راجعون عن طاعة الشيطان، إلى طاعة الرحمن؟ ومنصرفون عن العصيان، وعائدون إلى حظيرة الإيمان؟ (انظر آية ٢١٩ من سورة البقرة)

стр. 658

﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الطاعة ﴿جُنَاحٌ﴾ إثم ﴿فِيمَا طَعِمُواْ﴾ ذاقوا. قال أكثر المفسرين: إنها نزلت حين تحرج قوم عند نزول تحريم الخمر وهي لا تزال في بطونهم. والذي أراه في معنى الآية:

стр. 659

﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ أي أكلوا وشربوا من المباحات ﴿إِذَا مَا اتَّقَواْ﴾ الله تعالى وخافوه، وتناولوا هذا المطعوم من حله، وأدوا حق التنعم به، وأطعموا منه البائس والفقير؛ يدل عليه قوله جل شأنه ﴿وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ وأي صالحات أسمى، ولا أنمى من إطعام الطعام؛ فبه يدخل المؤمن جنة ربه، ويحظى بقربه ومزيد حبه وليس للمانع سوى النيران وغضب الرحمن واذكر إن شئت قول الحكيم العليم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ وقول الجبار القهار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ ⦗١٤٥⦘ ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ ربهم؛ فلم ينالوا ما طعموه وأطعموه إلا من حله؛ لا يشوبه نهب ولا سلب، ولا خداع ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ ربهم؛ فلم يدركهم العجب بكرمهم، ولم يراءوا بجودهم ﴿وَّأَحْسَنُواْ﴾ العمل خالصاً لوجهه الكريم؛ غير مبتغين أجراً ولا شكوراً ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾

стр. 660

﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ ليختبرنكم ﴿اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ﴾ يسوقه إليكم؛ بحيث إنه ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ بالإمساك؛ كصغار الوحش، وضعاف الطير وفراخه وبيضه تناله ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾؛ وذلك الابتلاء ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ علم ظهور؛ إذ هو جل شأنه عالم بما كان وسيكون ﴿مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ أي من يخشاه؛ مع أنه غائب عنه لا يراه ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلِكَ﴾ فاصطاد ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لاستهانته بأوامر الله تعالى، وارتكابه ما نهى عنه، واستحلاله ما حرم والتكاليف: امتحان من الله تعالى لعبيده؛ وقد تكون المغفرة، وقد يكون التعذيب: بقدر تسلط الطبيعة البشرية على النفس وعدم تسلطها؛ فكلما كان تسلط الطبيعة قاسياً ومستحكماً على النفس؛ كانت مغفرة الله تعالى أدنى من المذنب - طالما أقلع عن ذنبه، ولجأ إلى ربه - وكلما كان ارتكاب الإثم واقعاً تحت الاختيار المحض، والرغبة المطلقة: كان الذنب أقبح، والجرم أفدح وكانت العقوبة أشد - لاستهانة النفس بوعد خالقها ووعيده - لذا توعد الله تعالى من اصطاد في الإحرام، بالتعذيب والإيلام وإلا فأي دافع يدفع المحرم إلى الصيد؟ وأي حافز له إلى ذلك غير المخالفة لأوامر الله تعالى، وعدم الاعتداد بنواهيه لذلك وجبت له الجحيم، وحق عليه العذاب الأليم

стр. 661

﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ محرمون بالحج أو العمرة ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً﴾ قتله، ناسياً إحرامه، أما متعمد القتل مع تذكر الإحرام ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿فَجَزَآءٌ﴾ أن جزاء على قتل الصيد ﴿مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أي يذبح ما يماثلها في الشكل والعد: نظيره في الخلق، وقدره في الجسم؛ فإن قتل نعامة: أهدى ناقة - للتماثل ولقرب الشبه بين الإثنين في الخلقة - وإن قتل حماراً وحشياً: أهدى بقرة، وإن قتل ظبياً: أهدى شاة، وهكذا. و ﴿النَّعَمِ﴾: واحد الأنعام؛ وهو المال الراعية؛ وأكثر ما يقع على الإبل ﴿هَدْياً﴾ الهدي: ما يهدى إلى الحرم ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ﴾ لمحو ما ارتكبه من قتل الصيد وهو محرم ﴿طَعَامُ﴾ إطعام ﴿مَسَاكِينَ﴾ وذلك يأن يقوم ثمن المثل؛ ويطعم به المساكين ﴿أَو عَدْلُ ذلِكَ﴾ أي ما يعادل ذلك الإطعام ويماثله من الأيام ﴿صِيَاماً﴾ يصومه قاتل الصيد المتعمد؛ عن كل صاع يومين ﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ ثقل جزائه ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا﴾ عما مضى قبل التحريم ⦗١٤٦⦘ ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى ما نهى عنه ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ في الآخرة

стр. 662

﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ ما اصطدتموه من سمك وحيوان؛ محلين أو محرمين و ﴿الْبَحْرِ﴾: سائر البحار والأنهار ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما قذفه على ساحله: حياً أو ميتاً؛ ما دام صالحاً للأكل ﴿مَتَاعاً لَّكُمْ﴾ تتمتعون بأكله ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ السائرين من أرض إلى أرض

стр. 663

﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ﴾ يقوم به أمر دينهم؛ بالحج إليه. ودنياهم؛ بأمن من يدخله. وهي قوام أن لا قوام لهم؛ من ملك يجمع كلمتهم، أو رئيس يحجز قويهم عن ضعيفهم، ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم جعل تعالى ﴿الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ كذلك؛ يمتنع فيه القتل والعدوان، والأشهر الحرم: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب ﴿وَالْهَدْيَ﴾ وهو ما يهدى إلى الحرم من الأنعام ﴿وَالْقَلاَئِدَ﴾ جمع قلادة؛ وهي ما يعلق بأعناق الأنعام المهداة إلى الحرم؛ جميع ذلك جعله الله تعالى حراماً لا يعتدى عليه؛ وذلك لتهذيب النفوس التي أشربت حب الفتك والعدوان، ولتأهيلها لتلقي الأوامر والنواهي، وإعدادها لقبول الزجر عن المخالفات والعصيان؛ فكان جميع ذلك بمثابة الرئيس الذي يقوم به أمر أتباعه، وينتظم عقدهم، ويسلس قيادهم

стр. 664

﴿اعْلَمُواْ﴾ أيها الناس ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ﴾ لمن عصاه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لمن أطاعه

стр. 665

﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ فمحاسبكم عليه

стр. 666

﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ﴾ الحرام ﴿وَالطَّيِّبُ﴾ الحلال، وكيف يستويان و ﴿الْخَبِيثُ﴾ موصل إلى النار و ﴿الطَّيِّبِ﴾ موصل إلى الجنة؟ ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ واتركوا الحرام - مهما كثر - فإنه منعدم البركة، محقق المحق واحرصوا على الحلال - مهما قل - ففيه الخير كل الخير، وفيه النماء والبركة ﴿يأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ يا ذوي العقول

стр. 667

﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ ⦗١٤٧⦘ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وهي الأشياء التي لا يستفاد بها علم، ولا يبتغى من ورائها نفع. وقد كانوا يسألونه ﵊؛ مستهزئين به تارة، وممتحنين له أخرى. روى البخاري ومسلم رضي الله تعالى عنهما في «صحيحيهما» قال رجل لرسول الله: يا نبي الله من أبي؟ قال: «أبوك فلان» فنزلت. والإساءة المتوقعة والمعنية بقوله جل شأنه ﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ هي أن يكون السائل ابن زنا، أو منتسباً لغير أبيه. وروي أيضاً أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت. فقالوا: أفي كل عام؟ قال: «والذي نفسي بيده لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما أطقتموها، ولو لم تطيقوها لكفرتم» فأنزل الله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. وعلى كل فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فالآية الكريمة نزلت للنهي عن كل سؤال لا فائدة من ورائه، ولا حاجة إلى استقصائه. وقد كان هدي الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: السؤال للفهم والعلم؛ فقد سألوه صلوات الله تعالى وسلامه عليه عما فيه خير دنياهم وآخرتهم رجاء النفع لا الضرر، والاستفادة لا التعنت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾. وقيل: كان السؤال عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. وخير ما يقال في هذه الآية الكريمة: إن المراد بالنهي: سؤال الآيات، واقتراح المعجزات؛ وفي إبدائها إساءة بالغة لمنكريها. قال تعالى عندما سأله بنو إسرائيل أن ينزل عليهم مائدة من السماء: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا﴾ أي عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها ﴿حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي لا تسألوا معجزة، ولا تقترحوا آية؛ إلا إذا نزل القرآن؛ ففيه كل تبيان وبرهان، وفيه ما يغنيكم عن كل سؤال، وعن كل آية، وعن كل معجزة؛ قال الإمام البوصيري رضي الله تعالى عنه: دامت لدينا ففاقت كل معجزة من النبيين إذ جاءت ولم تدم ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي عن المسألة التي سلفت منكم

стр. 668

﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ أي سأل قوم - ممن كان قبلكم - مثل سؤالكم هذه الآيات واقترحوا مثل ما اقترحتموه من المعجزات ﴿ثُمَّ أَصْبَحُواْ﴾ بعد إجابة سؤالهم ﴿بِهَا كَافِرِينَ﴾ وذلك كما فعل بنو إسرائيل عند اقتراحهم استبدال الطعام، وإنزال المائدة، أو كقوم صالح الذين سألوا الآية؛ فلما جاءتهم الناقة عقروها

стр. 669

﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ وهي الناقة يبحر أذنها ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ وهي ابنة السائبة؛ وحكمها حكم أمها ﴿وَلاَ سَآئِبَةٍ﴾ كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث: سيبت فلم تركب، ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت؛ فإذا ماتت: أكلها الرجال والنساء جميعاً، وبحرت أذن بنتها الأخيرة فصارت ﴿بَحِيرَةٍ﴾ ﴿وَلاَ وَصِيلَةٍ﴾ الوصيلة التي كانت في الجاهلية: هي الشاة تلد سبعة أبطن - عناقين عناقين - فإن ولدت في الثامنة جدياً ذبحوه لآلهتهم، وإن ولدت جدياً وعناقاً، قالوا: وصلت أخاها؛ فلا يذبحون أخاها من أجلها، ⦗١٤٨⦘ ولا تشرب لبنها النساء؛ وكان للرجال وحدهم، وجرت مجرى السائبة ﴿وَلاَ حَامٍ﴾ كانوا في الجاهلية إذا نتج من صلب الفحل عشرة أبطن؛ قالوا: قد حمى ظهره. فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى

стр. 670

﴿قَالُواْ حَسْبُنَا﴾ كافينا ﴿مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ﴾ من عبادات وعادات
следующие страницы →