Полный текст (5 331 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ﴾ الحرام ﴿وَالطَّيِّبُ﴾ الحلال، وكيف يستويان و ﴿الْخَبِيثُ﴾ موصل إلى النار و ﴿الطَّيِّبِ﴾ موصل إلى الجنة؟ ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ واتركوا الحرام - مهما كثر - فإنه منعدم البركة، محقق المحق واحرصوا على الحلال - مهما قل - ففيه الخير كل الخير، وفيه النماء والبركة ﴿يأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ يا ذوي العقول
стр. 667
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ
⦗١٤٧⦘ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وهي الأشياء التي لا يستفاد بها علم، ولا يبتغى من ورائها نفع. وقد كانوا يسألونه ﵊؛ مستهزئين به تارة، وممتحنين له أخرى. روى البخاري ومسلم رضي الله تعالى عنهما في «صحيحيهما» قال رجل لرسول الله: يا نبي الله من أبي؟ قال: «أبوك فلان» فنزلت. والإساءة المتوقعة والمعنية بقوله جل شأنه ﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ هي أن يكون السائل ابن زنا، أو منتسباً لغير أبيه.
وروي أيضاً أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت. فقالوا: أفي كل عام؟ قال: «والذي نفسي بيده لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما أطقتموها، ولو لم تطيقوها لكفرتم» فأنزل الله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. وعلى كل فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فالآية الكريمة نزلت للنهي عن كل سؤال لا فائدة من ورائه، ولا حاجة إلى استقصائه. وقد كان هدي الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: السؤال للفهم والعلم؛ فقد سألوه صلوات الله تعالى وسلامه عليه عما فيه خير دنياهم وآخرتهم رجاء النفع لا الضرر، والاستفادة لا التعنت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾.
وقيل: كان السؤال عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.
وخير ما يقال في هذه الآية الكريمة: إن المراد بالنهي: سؤال الآيات، واقتراح المعجزات؛ وفي إبدائها إساءة بالغة لمنكريها. قال تعالى عندما سأله بنو إسرائيل أن ينزل عليهم مائدة من السماء: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا﴾ أي عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها ﴿حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي لا تسألوا معجزة، ولا تقترحوا آية؛ إلا إذا نزل القرآن؛ ففيه كل تبيان وبرهان، وفيه ما يغنيكم عن كل سؤال، وعن كل آية، وعن كل معجزة؛ قال الإمام البوصيري رضي الله تعالى عنه:
دامت لدينا ففاقت كل معجزة
من النبيين إذ جاءت ولم تدم ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي عن المسألة التي سلفت منكم
стр. 668
﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ أي سأل قوم - ممن كان قبلكم - مثل سؤالكم هذه الآيات واقترحوا مثل ما اقترحتموه من المعجزات ﴿ثُمَّ أَصْبَحُواْ﴾ بعد إجابة سؤالهم ﴿بِهَا كَافِرِينَ﴾ وذلك كما فعل بنو إسرائيل عند اقتراحهم استبدال الطعام، وإنزال المائدة، أو كقوم صالح الذين سألوا الآية؛ فلما جاءتهم الناقة عقروها
стр. 669
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ وهي الناقة يبحر أذنها ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ وهي ابنة السائبة؛ وحكمها حكم أمها ﴿وَلاَ سَآئِبَةٍ﴾ كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث: سيبت فلم تركب، ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت؛ فإذا ماتت: أكلها الرجال والنساء جميعاً، وبحرت أذن بنتها الأخيرة فصارت ﴿بَحِيرَةٍ﴾ ﴿وَلاَ وَصِيلَةٍ﴾ الوصيلة التي كانت في الجاهلية: هي الشاة تلد سبعة أبطن - عناقين عناقين - فإن ولدت في الثامنة جدياً ذبحوه لآلهتهم، وإن ولدت جدياً وعناقاً، قالوا: وصلت أخاها؛ فلا يذبحون أخاها من أجلها،
⦗١٤٨⦘ ولا تشرب لبنها النساء؛ وكان للرجال وحدهم، وجرت مجرى السائبة ﴿وَلاَ حَامٍ﴾ كانوا في الجاهلية إذا نتج من صلب الفحل عشرة أبطن؛ قالوا: قد حمى ظهره. فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى
стр. 670
﴿قَالُواْ حَسْبُنَا﴾ كافينا ﴿مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ﴾ من عبادات وعادات
стр. 671
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ فقوموها على الإيمان، وروضوها على الطاعة، واعملوا على خلاصها من عقاب الله تعالى، وأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقد فعلتم ما أمرتم به، وقمتم بما وجب عليكم. وهو كقوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾
стр. 672
﴿يِاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾
أي ليشهد بينكم ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي حضرت أسبابه ومقدماته؛ كاشتداد المرض، والنزع ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ مشهود لهما بالتقى والورع والصلاح ﴿مِّنْكُمْ﴾ من دينكم وملتكم ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي من غير دينكم وملتكم - إذا لم يوجد الأولان - وذلك لأن الوقت وقت ضرورة ملحة؛ وليس في الإمكان أن نطلب ممن يعالج سكرات الموت أن ينتظر حتى يعثر على المؤمنين الأتقياء الصلحاء وقالوا بعدم جواز شهادة غير المسلم على المسلم؛ إلا في الوصية - بشرط أن تكون في حال السفر - وقيل: ﴿مِّنْكُمْ﴾ أي من أقاربكم؛ لأنهم أعلم بأحوال الميت ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي من الأجانب المؤمنين ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ سافرتم فيها ﴿فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ أي فمتم بعد أن أديتم إلى الشاهدين ما تملكون، وأوصيتم بما تريدون؛ فإن قاما بما استودعاه، وأديا ما ائتمنا عليه، وارتاح ورثة المتوفى لتصرفهما؛ فقد تم أمر الله.
أما إذا توهم الورثة كذبهما أو خيانتهما؛ فما عليكم إلا أن ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ تمسكونهما ﴿مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ﴾ وقد كانوا يجلسون للحكومة بعد صلاة العصر ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ يحلف الشاهدان به تعالى ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ إن شككتم فيهما؛ ويقولان: ﴿لاَ نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي بالحق الذي استودعناه وائتمنا عليه، أو لا نشتري بالحلف ب الله ﴿ثَمَناً﴾ عوضاً؛ ولا نبيع أخرانا بدنيانا ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المتوفى، أو صاحب المصلحة المقسم له ﴿ذَا قُرْبَى﴾ يهمنا أمره ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الثِمِينَ﴾ المستوجبين للعقاب إذا كتمنا الشهادة
стр. 673
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّآ إِثْماً﴾ بأن كذبا في الشهادة، ولم يؤدياها على وجهها ﴿فَآخَرَانِ﴾ من أولياء الميت؛ أو من الموصى إليهم ﴿يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا﴾ في الحلف ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ أي استحق عليهم الإثم؛ وهم المجنى عليهم من أهل الميت وعشيرته ووارثيه ﴿الأَوْلَيَانِ﴾ الأحقان بالشهادة لقرابتهما، أو لمعرفتهما ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ يحلفان به ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ﴾
⦗١٤٩⦘ أولى وأصدق ﴿مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ وأنهما قد كذبا فيما قالا، وخانا الأمانة؛ وأن ما وجد لديهما هو من مال المتوفى لا من مالهما ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَآ﴾ عليهما في ذلك ﴿إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ إن كنا معتدين، أو كاذبين
стр. 674
﴿ذلِكَ﴾ الذي مر ذكره؛ من ترتيب الشهادة، ودفعها عند الارتياب ووقوع الإثم ﴿أَدْنَى﴾ أقرب ﴿أَن يَأْتُواْ﴾ أي الشهداء ﴿بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَآ﴾ الصحيح؛ كما حملوها بلا خيانة فيها
﴿أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ فيفتضحوا بظهور كذبهم الذين أرسلهم لهداية خلقه
стр. 675
﴿فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ﴾ أي بماذا أجابكم أقوامكم
стр. 676
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ بالإمامة والرسالة ﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ بالطهارة، والاصطفاء على نساء العالمين ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ﴾ قويتك ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل ﵇ ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ﴾ صغيراً ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ المهد: فراش الطفل ﴿وَكَهْلاً﴾ الكهل: الذي جاوز الثلاثين ووخطه الشيب ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ﴾ الكتابة ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ العلم النافع ﴿وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ﴾ وهو الذي ولد أعمى ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى﴾ من القبور أحياء ﴿بِإِذْنِي﴾ قيل: أخرج سامبن نوح، ورجلين، وامرأة، وجارية؛ وتكلم معهم خلق كثير. وقال بعض المحدثين: المراد بالموتى: موتى القلوب والنفوس. وهو قول هراء لا يلتفت إليه عاقل؛ وذلك لأن إحياء موتى القلوب متيسر لمن عنده أدنى معرفة ب الله تعالى؛ فكيف يكون معجزة لنبي؟ والمعجزة من صفاتها وخصائصها عدم توفرها لغير نبي مؤيد من الله تعالى ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ﴾ منعت ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ﴾ أي اليهود حين هموا بقتلك ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات والحجج الظاهرات
стр. 677
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ وحي إلهام. والحواريون: الخواص والأصفياء؛ وهم أنصار عيسى عليه السلام
стр. 678
﴿قَالَ اتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي لا تمتحنوا ربكم باقتراح الآيات والمعجزات؛ خشية أن يصيبكم عذابه - إذا كذبتموني بعد نزولها - قال تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ (
انظر آية ١٠صلى الله عليه وسلّم من هذه السورة)
стр. 679
﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ بأنها منزلة من السماء، وليست من صنع البشر ﴿وَنَعْلَمَ﴾ بذلك ﴿أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ في ادعائك النبوة
стр. 680
﴿تَكُونُ لَنَا﴾ يوم نزولها ﴿عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً﴾ علامة دالة على صدقي، وعلى وجودك
стр. 681
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ كما اقترحتم ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ أي بعد نزولها
стр. 682
﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ أنزهك عما لا يليق بك (انظر آية ﷺ من سورة الإسراء) ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾ ما يصح لي ولا يجوز ﴿أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ فكيف بادعاء الألوهية؟
⦗١٥٠⦘ وسؤاله تعالى لعيسى يوم القيامة ليس سؤال استفهام؛ بل هو لإقامة الحجة على هؤلاء الكفرة الفجرة الذين عبدوا من دون الله مخلوقات الله؛ واتخذوا عبيده آلهة؛ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ﴾ أي قلت للناس ذلك القول ﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ لأنك علام الغيوب ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ أي ما أكنه في صدري؛ فكيف بالذي أقوله بلساني؟
стр. 683
﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أي كنت مشاهداً لأعمالهم، مراقباً لأفعالهم؛ مدة إقامتي بينهم في هذه الحياة ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ أمتني، أو توفيت مدة إقامتي في الدنيا ورفعتني إليك ﴿كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ المراقب لأعمالهم وأفعالهم
стр. 684
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ في الدنيا؛ في عبادة الله تعالى والإنابة إليه ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ بساتين ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ أي خلوداً مؤبداً؛ لا غاية له، ولا انتهاء لأمده ﴿﵃﴾ فأرضاهم ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ فرضي عنهم (انظر آيتي ٥٤ من هذه السورة، و٢٢ من سورة المجادلة)
стр. 685
﴿للَّهِ﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً؛ لم يشركه أحد في خلقهم، ولا يشركه أحد في عبادتهم ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أراده ﴿قَدِيرٌ﴾ على فعله.
стр. 686
سورة الأنعام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 687
﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ الليل والنهار؛ فإنهما آيتان من آيات الله تعالى. أو المراد كل ظلمة، وكل نور، أو هو ظلمة الكفر ونور الإيمان، وظلمة الجهل ونور العلم؛ جعل الظلمات ليستدل بها على ما عداها؛ فلولا ظلمة الليل ما عرفنا نور النهار، ولولا الكفر ما عرف الإيمان، ولولا الجهل ما عرف العلم. (انظر آية ١ ٧ من سورة البقرة) ﴿ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بعد هذه الدلالات على وجود الله تعالى ووحدانيته ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي يجعلون له عدلاً؛ وهو المثل، والشبيه، والنظير؛ وهو تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
стр. 688
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أي خلق أصلكم آدم ﵇ ﴿مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً﴾ لكل مخلوق من مخلوقاته لا يتجاوزه ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ﴾ هو أجل القيامة ووقتها ﴿ثُمَّ أَنتُمْ﴾ بعد كل ذلك ﴿تَمْتَرُونَ﴾ تشكون في القيامة، وتجادلون في الله
стр. 689
﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ الخالق البارىء المصور ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وأين أنتم من السموات وما فيها؟ ﴿أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا﴾؟ ﴿وَفِي الأَرْضِ﴾ وهو ذلك الكوكب الصغير الحقير؛ بالنسبة لملك الله تعالى وملكوته ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ ما تسرونه في أنفسكم وتحتفظون به في صدوركم ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ ما تعملون
стр. 690
﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ﴾ معجزة وبرهان
⦗١٥١⦘ ﴿إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ لا يأبهون بها، ولا يلتفتون إليها؛ وأي معجزة أكبر أو أجل من القرآن؟ وأي برهان أقوى من رسالة محمد ﵊؟ ذلك اليتيم الذي آواه الله، والضال الذي هداه، والعائل الذي أغناه والأمي الذي أخرس بفصاحة ما جاء به البلغاء والفصحاء، وتحدى بآياته أساطين البيان
стр. 691
﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ﴾ القرآن الكريم، أو محمد عليه أفضل الصلاة السلام ﴿لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤونَ﴾ أي سوف يأتيهم العذاب الذي يدلهم على صدق ما كذبوا به؛ وصحة ما سخروا منه
стр. 692
﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ القرن: الأمة، أو أهل الزمان الواحد ﴿مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي جعلنا لهم مكانة فيها، وقوة وسعة ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءَ عَلَيْهِم مَّدْرَاراً﴾ أي جعلنا السماء تدر عليهم بالمطر؛ وهو كناية عن بسط الرزق، وسعة القوت؛ لأن المطر مصدر الرخاء والنماء ﴿وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ لكنهم طغوا وبغوا ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً﴾ أمة
стр. 693
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ﴾ أي لو أنزلنا عليك من السماء كلاماً مكتوباً في ورق ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ ورأوه بأعينهم؛ لما آمنوا، والذي نراه ونلمسه ﴿إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ سحر واضح بيِّن
стр. 694
﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ﴾ هلا ﴿أُنزِلَ عَلَيْهِ﴾ أي على محمد ﴿مُلْكُ﴾ من السماء؛ يمشي معه ويؤيده، ويصدق أمامنا بما جاء به ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً﴾ كما يقترحون ﴿لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ بهلاكهم واستئصالهم ﴿ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ﴾ لا يؤجلون، ولا يمهلون
стр. 695
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي الرسول إليهم ﴿مَلَكاً﴾ من السماء ﴿لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً﴾ أي جعلناه على صورة رجل؛ ليستطيعوا رؤيته، ويقووا على مواجهته؛ لأنه لا قوة ولا طاقة للبشر على رؤية الملك على حقيقته؛ ولأن كل نوع يميل إلى نوعه، وكل جنس يألف لجنسه؛ والإنسان عن الإنسان أفهم، وطباعه بطباعه آنس؛ والإنسان لا يقوى على رؤية عفريت أو شيطان، فكيف برؤية الملك الذي يهلك قرية بصيحة، ويفني أمة برجفة؟ وقد كان جبريل ﵊ ينزل لنبينا صلوات الله تعالى وسلامه عليه على صورة رجل؛ ليأنس إليه، ويطمئن إلى مخاطبته؛ ولم يره على صورته الحقيقية غير مرتين: مرة عند غار حراء؛ رآه ساداً للأفق، حاجباً للشمس؛ فغشي على النبي من عظمة ما رأى ورآه مرة أخرى عندما أسري به في السموات العلى
﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى﴾ فتعالى الخالق المبدع المصور؛ الذي هدانا برسول من أنفسنا، نأنس إليه، ونلتمس غنى الدارين من يديه ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم﴾
⦗١٥٢⦘ لخلطنا عليهم ﴿مَّا يَلْبِسُونَ﴾ على أنفسهم؛ بأن يقولوا على الملك الذي أنزلناه في صورة رجل ﴿مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾
стр. 696
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ مثل ما استهزىء بك ﴿فَحَاقَ﴾ فنزل ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤونَ﴾ أي جزاءه من العقاب والتعذيب ﴿كِتَابَ﴾ قضى ربكم
стр. 697
﴿عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ تفضلاً منه على العباد؛ ومن دلائل رحمته تعالى: تلطفه بخلقه رغم تجبرهم، وإمدادهم رغم عصيانهم؛ وأي رحمة أبلغ من رزقه لمن يكفر به، وإمهاله لمن يعبد غيره؟ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ للحساب والجزاء ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك في حصول وقوعه ﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم﴾ أضاعوها بكفرهم، وأعمالهم السيئة في الدنيا؛ فلا يقام لهم وزن في الآخرة، وليس لهم نصيب فيها سوى الجحيم والعذاب الأليم
стр. 698
﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي له تعالى كل شيء - هو خالقه ومالكه - من ساكن أو متحرك؛ لأن الذي يسكن لا بد أن يكون متحركاً. والآية الكريمة تنص على كل مخلوق من متحرك وساكن بطبعه، أو ساكن بعد تحرك ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالكم
стр. 699
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ ناصراً ومعيناً ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فاطر الشيء: خالقه ابتداء من غير مثال سبق ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ﴾ سائر مخلوقاته ويتكفل بأرزاقهم وأقواتهم ﴿وَلاَ يُطْعَمُ﴾ لا يحتاج لأحد يرزقه أو يطعمه؛ شأن من عبدتم من المخلوقات كعيسى ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة
стр. 700
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾ الذي لا يعجزه شيء ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ مستعلياً عليهم؛ فهم كلهم تحت رحمته؛ وقيد إرادته؛ يعز من يشاء، ويذل من يشاء، يحيي من يشاء، ويميت من يشاء، يسعد من يشاء بجنته ورحمته، ويشقي من يشاء بناره وغضبه، بيده الملك والملكوت، والعزة والجبروت؛ تفرد بالعظمة والسلطان ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في صنعه ﴿الْخَبِيرُ﴾ بخلقه
стр. 701
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً﴾ لي بالرسالة والنبوة ﴿قُلِ اللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي أن دعوتي لتوحيده، وحثى على معرفته: شهادة على نبوتي، ودليل على صدقي ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ وهو شهادة أخرى قاطعة ناصعة؛ فأي شهادة أكبر من هذا تطالبونني بها، وتلزمونني بإبدائها؟ ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ أي لأنذركم بهذا القرآن؛ ومن سيبلغه من بعد وفاتي؛ فكأنما أنذرته بنفسي وأبلغته. أو ومن بلغه القرآن: وجب عليه القيام بتبليغه أيضاً
стр. 702
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ اليهود والنصارى ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي يعرفون محمداً؛ لنعته في كتبهم (انظر آية ١٥٧ من سورة الأعراف).
⦗١٥٣⦘ ﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم﴾ بتعريضها للجحيم والعذاب الأليم ﴿فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ بمحمد؛ رغم معرفتهم له كمعرفتهم لأبنائهم
стр. 703
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي لا أحد أظلم ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ بأن أشرك معه غيره من مخلوقاته
стр. 704
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم آلهة، وتشركونهم معي في العبادة
стр. 705
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ الفتنة هنا بمعنى الاختبار؛ أي لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال. وقيل: «فتنتهم» معذرتهم
следующие страницы →