Полный текст (5 331 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً﴾ لي بالرسالة والنبوة ﴿قُلِ اللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي أن دعوتي لتوحيده، وحثى على معرفته: شهادة على نبوتي، ودليل على صدقي ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ وهو شهادة أخرى قاطعة ناصعة؛ فأي شهادة أكبر من هذا تطالبونني بها، وتلزمونني بإبدائها؟ ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ أي لأنذركم بهذا القرآن؛ ومن سيبلغه من بعد وفاتي؛ فكأنما أنذرته بنفسي وأبلغته. أو ومن بلغه القرآن: وجب عليه القيام بتبليغه أيضاً
стр. 702
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ اليهود والنصارى ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي يعرفون محمداً؛ لنعته في كتبهم (انظر آية ١٥٧ من سورة الأعراف).
⦗١٥٣⦘ ﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم﴾ بتعريضها للجحيم والعذاب الأليم ﴿فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ بمحمد؛ رغم معرفتهم له كمعرفتهم لأبنائهم
стр. 703
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي لا أحد أظلم ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ بأن أشرك معه غيره من مخلوقاته
стр. 704
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم آلهة، وتشركونهم معي في العبادة
стр. 705
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ الفتنة هنا بمعنى الاختبار؛ أي لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال. وقيل: «فتنتهم» معذرتهم
стр. 706
﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾ غاب
стр. 707
﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ بأذنيه، وينصرف عنك بقلبه؛ ومثل هذا غير جدير بالاعتبار؛ وأولى بمثله أن يورده الله تعالى موارد الغواية، ويبعده عن مواطن الهداية أغطية؛ بسبب انصرافهم وعنادهم وكفرهم ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾ أي لئلا يفقهوا القرآن ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ ثقلاً يمنع من السمع ﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ﴾ منزلة عليك من القرآن الكريم ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ﴾ القرآن ﴿إِلاَّ أَسَاطِيرُ﴾ أكاذيب
стр. 708
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أي ينهون الناس عن سماعه ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ يتباعدون ﴿وَأَنْ﴾ وما ﴿يُهْلِكُونَ﴾ بهذا النهي والنأي ﴿إِلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ لأنهم يعرضونها للعذاب الشديد يوم القيامة
стр. 709
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ﴾ حبسوا ﴿عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يلَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ نرجع إلى الدنيا.
стр. 710
﴿وَلَوْ رُدُّواْ﴾ إليها ﴿لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي لعادوا إلى كفرهم وعنادهم
стр. 711
﴿وَقَالُواْ إِن﴾ ما ﴿هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ لا شيء غيرها ولا حياة بعدها ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ في الآخرة كما يزعم محمد.
هذا وقد ظهر في زماننا هذا قوم من غلاة الزنادقة ينكرون البعث، ويقولون بالتعطيل وفي الواقع أن عقولهم وقلوبهم هي المعطلة؛ وسيرون غداً حينما تلتهمهم النيران، ويحل بواديهم الخسران؛ من أضل سبيلاً، وأسوأ قيلا (انظر مبحث التعطيل بآخر الكتاب)
стр. 712
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ للحساب، ورأوا بأعينهم سوء المآب ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا﴾ الذي ترونه وتلمسونه ﴿بِالْحَقِّ﴾ الذي أنذركم به محمد؛ فكذبتموه وكفرتم به ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فجأة
стр. 713
﴿قَالُواْ﴾ وقتذاك ﴿يحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ أي على ما قصرنا في الدنيا ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾ ذنوبهم
стр. 714
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ مثلما كذبك قومك؛ وهو تسلية للرسول ﵊ ﴿فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ﴾ فاصبر كما صبروا ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ بإهلاك المكذبين ﴿وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ لأوامره وسنته، ومواعيده بنصر رسله
стр. 715
﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ﴾ عظم وشق ﴿إِعْرَاضُهُمْ﴾ عن الإيمان ﴿فَإِن اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ﴾ تطلب وتجد ﴿نَفَقاً﴾ سرباً ﴿فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَآءِ﴾ تصعد عليه ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ معجزة مما يقترحونه من غير إرادتنا
стр. 716
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ﴾ للدعوة إلى الإيمان
﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ سماع تدبر وتفكر ﴿وَالْمَوْتَى﴾ الكفار؛ سماهم موتي: لأن حالهم كحالهم ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ يوم القيامة، ويوقفهم على النار؛ فيقولون: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾
стр. 717
﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ﴾ هلا ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ معجزة
стр. 718
﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ﴾ الدابة: كل ما يدب على وجه الأرض؛ من إنسان أو حيوان. والمراد بها هنا الحيوان ﴿إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ تحتاج إلى تدبير رزقها ومعايشها، وتدل على خالقها المتكفل بأرزاقها؛ وفي الآية دليل على وجوب السير مع هذه الأمم بالحسنى، وعدم مجاوزة الحدود التي رسمها الله تعالى في معاملتها؛ ووجوب الرفق بها في سائر الحالات؛ أليست أمماً أمثالنا؟
وقد شغف أناس كثيرون من علماء الحيوان والنبات بدراسة هذه الأمم - من الحيوان والطير - فرأوا عجباً يضيق بصنعه بنو الإنسان فإنك لو أردت أن ترى آية في الاختراع، وغاية في الإبداع؛ لما وجدت أروع ولا أبدع من لوح الشمع الذي يصنعه النحل بنفسه؛ فإن الرسام المبدع لا يكاد يستطيع أن يرسم بأدواته وأقلامه ما رسمه النحل بتوفيق من ربه؛ وناهيك باختياره للورود والأزهار التي يرتشف منها الرحيق الذي يحوله - بقدرة ربه وإلهامه - إلى شراب مختلف الطعوم والألوان
هذا عدا النظام الدقيق الذي تسير عليه مملكة النحل؛ مما تعجز أساطين العقول البشرية عن الإتيان بمثله؛ فسبحان من خلقه وسخره، وأوحى إليه بأمره؛ فاستمع إلى وحي ربه؛ شأن فضلاء بني الإنسان
ولو تأملت إلى مملكة النمل، وما هي عليه من نظام محكم دقيق، لصغرت أمامك نفسك، وهانت عليك حكمتك وتدبيرك؛ فقد ثبت أنه من خير الأمم المنظمة؛ التي تدبر حيانها ومعيشتها، وتحفظ في يومها لغدها، وتثابر في عملها حتى تنال مرادها؛ وترى النمل إذا نزلت به نازلة، أو اجتاحته جائحة؛ لا تفتر عزيمته، ولا تنهار قوته؛ بل يعتبر النمل نفسه وحدة لا تتجزأ، وأنه يجب التضحية بالفرد لمصلحة المجموع؛ فكما يدفع الإنسان عن نفسه - ما يصيبه في هذه الحياة - بيده أو بأي عضو من أعضائه، ويضحي بزهرة أبنائه في سبيل الدفاع عن أرضه ووطنه؛ فكذلك النمل يضحي ببعضه في سبيل حياة باقية؛ فتراه إذا دهمه مطر أو سيل
стр. 719
فأودى بمنازله، وأطاح بمملكته؛ فجعلها خراباً يباباً؛ وصار الفناء الشامل، والهلاك المدمر قيد خطوة منه، حينئذ تراه يتجمع ألوفا مؤلفة، وملايين لا عداد لها فيتكور على نفسه، فيحمل السيل هذه المجموعات الهائلة منه حتى تستقر على اليابسة - بعد أن يبيد أكثرها اختناقاً وغرقاً - فيبدأ من نجا من أفراد هذه المملكة في العمل والإنشاء والتعمير، كأن لم تحل بهم داهية تذهب بلب الحكماء، وتعصف بعقول العقلاء وتراهم يبدأون بما فيه قوام حياتهم؛ فيلتقطون الحبوب - التي اختزنوها ونالتها مياه الأمطار - فيجففونها في الشمس خشية التلف، ويعيدونها إلى مخازنها التي أعدوها لها من قبل
والذي يبدو أن الله تعالى خلق هذه المخلوقات وأبدع هذه الكائنات؛ لخدمة بني الإنسان ومنفعته الخاصة؛ ولا تقف هذه المنافع عند المنفعة المادية فحسب، بل هناك منافع أدبية وتعليمية لا حد لها؛ فالمؤمن الصادق الإيمان يجب عليه أن يقلد هذه الأمم - التي هي دونه في الخلقة، وفوقه في الخلق - فلا يعيش لنفسه فقط، ولا يقصر جهده على ما يعود عليه وحده بالمنفعة؛ بل يجب أن يكون كالنحلة: دائب العمل لمصلحة الآخرين؛ فما من شك أن النحل يأكل من الثمار والأزهار ليحفظ نفسه وحياته؛ ولكنه لا يكتفي بهذا القدر؛ بل يسعى جاهداً لتوفير القوت والشراب لغيره
وكذلك النمل: فإن تدبيره لمعايشه؛ يفوق تدبير كثير من المخلوقات؛ فإن مثابرته وكده، وتضحية بعضه في سبيل بعضه؛ كل ذلك سخره الله تعالى ليستفيد منه بنو الإنسان ما يجعلهم أهلاً للخلافة في هذه الأرض؛ ليعمروها بالخير والبر فتبارك الخالق البارىء المصور؛ الهادي للحيوان، والمنعم على الإنسان فليتدبر ذلك من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (انظر آية ٦٩ من سورة النحل) ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ﴾ ما تركنا في اللوح المحفوظ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ لم نثبته ونبينه ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ يوم القيامة ﴿يُحْشَرُونَ﴾ يجمعون؛ فيقتص للجماء من القرناء؛ بل يقتص من بني الإنسان، ما فعله بالحيوان (انظر آية ٤٠ من سورة النبأ)
стр. 720
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ﴾ عن سماع الحق ﴿وَبُكْمٌ﴾ عن النطق به ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ ظلمة الكفر، وظلمة الضلال، وظلمة العصيان، وظلمة الجهل (انظر آية ١٧ من سورة البقرة) ﴿مَن يَشَإِ اللَّهُ﴾ أن يضلله ﴿يُضْلِلْهُ﴾ بما قدمت يداه، من عصيان مولاه؛ بأن كذب بآيات الله، وأصم أذنيه عن سماعها، وحبس لسانه عن النطق بها، وتمرغ في أوحال الجهل والخبال؛ فليس له جزاء سوى النردى في الضلال ﴿وَمَن يَشَأْ﴾ أن يهده ﴿يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ طريق قويم؛ هو الإيمان، الذي هو طريق الجنة
⦗١٥٧⦘ طريق النعيم المقيم
стр. 721
﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم﴾ هي عند بعضهم بمعنى: أرأيتم.
وعند الآخرين بمعنى: أخبروني ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ الذي توعدكم به في الدنيا ﴿أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ﴾ القيامة ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ ليكشف ما حل بكم. والمعنى: هل يوجد عندئذ من يستطيع أن يمنعكم من عذاب الله تعالى، أو أن يدفع عنكم بأسه
стр. 722
﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ منه وحده تطلبون ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ﴾ أي إن أراد أن يكشف ما نزل بكم ﴿وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ به في عبادته
стр. 723
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَآءِ﴾ بالبؤس؛ وهو القحط والجوع ﴿وَالضَّرَّآءِ﴾ الضرر؛ وهو المرض، ونقصان الأنفس ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ إلينا فنكشف ما بهم
стр. 724
﴿فَلَوْلا﴾ فهلا ﴿إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ﴾ عذابنا ﴿تَضَرَّعُواْ﴾ تذللوا إلينا لنكشف عنهم ما نزل بهم؛ كعادتنا دائماً
стр. 725
﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ أي تركوه فلم يعملوا به ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قوينا جسومهم، ووسعنا أرزاقهم، وبذلنا لهم المزيد من الخيرات والنعم؛ استدراجاً لهم ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُواْ﴾ فرح بطر وكفران، لا فرح شكر وإيمان ﴿أَخَذْنَاهُمْ﴾ بالعذاب ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة. عن سيد الخلق صلوات الله تعالى وسلامه عليه «إذا رأيتم الله تعالى يعطي العباد ما يشاءون على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم» ثم تلا ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُواْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإًّذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ﴾ أي قانطون يائسون. يقال: أبلس من رحمة الله؛ إذا قنط؛ ومنه سمي إبليس. والإبلاس أيضاً: الانكسار والحزن
стр. 726
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ استؤصلوا عن آخرهم ﴿مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾
أي بما أخذه منكم ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ يعرضون
стр. 727
﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم﴾ أرأيتم ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾ فجأة؛ بغير مقدمات، أو دلائل تدل على مجيئه؛ فقد تأتي النقمة من جهة الرحمة، وقد يحل القحط من جهة الرخاء؛ فقد يمطر السحاب ناراً، وقد تقذف الأرض حمماً ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ ظاهراً بمقدمات تدل على إتيانه. أو المراد: ﴿بَغْتَةً﴾ ليلاً، و ﴿جَهْرَةً﴾ نهاراً ﴿فَمَنْ آمَنَ﴾ ب الله ﴿وَأَصْلَحَ﴾ عمله
стр. 728
﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ﴾ فأملك التصرف فيها، والإعطاء منها ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ فأستكثر من الخير. وها هو الرسول الأعظم؛ سيد الخلق قاطبة يقول له ربه: أعلن على الملإ أنك لا تعلم الغيب؛ فا بال أقوام يدعون علم ما مضى، وما حضر، وما استقبل؟ وأعجب من ادعائهم هذا: أنهم يجدون من يصدقهم ويثق بأقوالهم؛ مع أنهم من كبار الدجاجلة، وقد جاء ذكرهم والتحذير منهم في شتى الأحاديث؛ فليحذر المؤمن من تمويههم وباطلهم؛ وليعلم أن الاستسلام لمثل أقوالهم ضرب من الكفر قال ﷺ :
⦗١٥٨⦘ «من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ذهب بعضهم إلى تفضيل الملك على الرسول؛ بدليل هذه الآية. والآية الكريمة لا يؤخذ منها التفضيل؛ بل المراد نفي الأفعال الخارقة للعادة، والتي لا تتأتى إلا من الملائكة عليهم الصلاة والسلام ﴿إِنْ أَتَّبِعُ﴾ ما أتبع فيما أقول وأعمل ﴿إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ من ربي ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى﴾ الكافر ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ المؤمن ﴿أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذلك فتؤمنون
стр. 729
﴿وَأَنذِرْ بِهِ﴾ أي بالقرآن ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ﴾ غيره ﴿وَلِيُّ﴾ ينصرهم
стр. 730
﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾
يعبدونه ويتضرعون إليه ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ أي صبحاً ومساءاً ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ يطلبون مرضاته تعالى؛ ولا يبتغون شيئاً من أعراض الدنيا
стр. 731
﴿وَكَذلِكَ فَتَنَّا﴾ ابتلينا ﴿بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ ابتلينا الشريف بالوضيع، والقوي بالضعيف، والغني بالفقير، والسادة بالعبيد ﴿لِّيَقُولواْ﴾ أي ليقول الشرفاء، والأقوياء، والأغنياء؛ والسادة ﴿أَهَؤُلاءِ﴾ الوضعاء، والضعفاء، والفقراء والعبيد ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ﴾ بالعقل والإيمان والهداية؟ قال تعالى رداً على استفهامهم البادي على ألسنتهم تارة، وفي قلوبهم أخرى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ فيوفقهم إلى مرضاته، ويسوقهم إلى جناته
стр. 732
﴿كِتَابَ﴾ قضى ﴿رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ تفضلاً منه على عبيده، وإحساناً منه لخلقه ومن رحمته تعالى ﴿أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ﴾ أي من بعد عمل السوء ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أعماله ﴿فَإِنَّهُ﴾ تعالى ﴿غَفُورٌ﴾ لذنبه به يؤخذ من هذه الآية أن جناية العالم أكبر من جناية الجاهل، وأن من لوازم التوبة: إصلاح العمل
стр. 733
﴿وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ نوضحها ونبينها ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ تظهر ﴿سَبِيلٍ﴾ طريق ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ الذين يصرون على ذنوبهم؛ فلا يتوبون منها، ولا يرجعون عنها
стр. 734
﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾ أي إني على حجة واضحة ظاهرة من ربي؛ وهي القرآن قد ﴿وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾ و ﴿مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي ليس عندي ما تطلبونه من العذاب؛ وذلك كقولهم ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ﴾ ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ﴾
أي يقوله، ويتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدره وفي قراءة ﴿يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ الحاكمين
стр. 735
﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذاب ﴿لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ بتعجيله وإنزاله بكم؛ وقسركم على الإيمان، ولكن الله تعالى وحده يعلم متى يعذب عباده، ومتى يعفو عنهم، ومتى يرحمهم ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ فيعذبهم وقت إرادته؛ لا وقت طلبهم
стр. 736
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ﴾ من ورق الشجر يعلم شكلها وحجمها ومقدارها، ومتى تسقط،
⦗١ ٥٩ ⦘ وأين تسقط، وكم مرة تدور في الهواء، وكم مرة تتقلب على الأرض عند سقوطها ﴿وَلاَ حَبَّةٍ﴾ من الحبوب؛ كالبر والشعير والذرة والعدس ونحوه؛ إلا يعلم كيف تنبت، ومتى تنبت، ومن يجتنيها، ومن يأكلها؛ وقد تحمل الحبة من قطر إلى قطر، وتجوب البحار والأنهار؛ جرياً وراء آكلها؛ حتى تستقر في جوف من كتبت له، وزرعت من أجله؛ فتعالى الخالق الرازق، العليم الحكيم ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ مكتوب ﴿مُّبِينٌ﴾ بيّن واضح؛ وهو اللوح المحفوظ: كتب فيه لتعلمه الملائكة الموكلون بانفاذ أوامره تعالى
стр. 737
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ﴾ يميتكم عند نومكم؛ وذلك لأن النوم قرين الموت؛ إذ فيه تقبض روح النائم، وتسبح في ملكوت ربها؛ كما تقبض روح الميت تماماً؛ غير أن النائم لا تنفصل روحه من جسده انفصالاً تاماً؛ بل لا تزال متصلة به. أما الميت فتنفصل روحه من جسده انفصالاً تاماً فيريها الله تعالى ما شاء من نعمة أو نقمة؛ حتى يقضي تعالى بالقيامة فتتصل كل روح بجسدها الذي يعيده الله تعالى لها؛ فيلقى المؤمن من كرم الله تعالى وحسن وفادته ما ينسيه البؤس الذي لقيه في دنياه ويلقى الكافر من الذل والهوان والعذاب ما ينسيه النعيم الذي كان فيه ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ ما كسبتم فيه من الآثام. وجرح واجترح: بمعنى كسب؛ وذلك لأن الآثام لا ترتكب إلا بالجوارح ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي في النهار؛ برد أرواحكم
﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مّسَمًّى﴾ وهو انقضاء آجالكم (انظر آية ٤٢ من سورة الزمر) ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم عليه
стр. 738
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾ الذي لا يعجزه شيء ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ بالاستعلاء؛ فكلهم مخلوق وفق إرادته، وكلهم تحت سلطانه ورحمته؛ يحيي ويميت، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل وهو اللطيف الخبير ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾ ملائكة حافظين ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي جاء وقته وأوانه ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ المكلفون بقبض أرواح الخلائق ﴿وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ فيما عهد إليهم به، فلا يتعجلون أحداً لم يحن حينه، ولا يتركون أحداً انقضى أجله
стр. 739
﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ﴾ سيدهم ومالكهم ﴿الْحَقِّ أَلاَ لَهُ﴾ وحده ﴿الْحُكْمُ﴾ بين عبيده؛ لا يشاركه في ذلك أحد من خلقه، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ قيل: يحاسب الناس جميعاً في مقدار حلب شاة
стр. 740
﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ مخاوفهما وأهوالهما، أو ظلمات البر: الصواعق. وظلمات البحر: الأمواج؛ وكلاهما يشتد في الغيم والليل ﴿تَدْعُونَهُ﴾ عند الوقوع في المهالك ﴿تَضَرُّعاً﴾ ابتهالاً وتذللاً؛ معلنين الضراعة ﴿وَخُفْيَةً﴾ قائلين ﴿لَّئِنْ أَنجَانَا﴾ ربنا ﴿مِنْ هَذِهِ﴾ المهالك والأهوال ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ له،
⦗١٦٠⦘ المؤمنين به
следующие страницы →