Полный текст (5 331 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ﴾ من ورق الشجر يعلم شكلها وحجمها ومقدارها، ومتى تسقط،
⦗١ ٥٩ ⦘ وأين تسقط، وكم مرة تدور في الهواء، وكم مرة تتقلب على الأرض عند سقوطها ﴿وَلاَ حَبَّةٍ﴾ من الحبوب؛ كالبر والشعير والذرة والعدس ونحوه؛ إلا يعلم كيف تنبت، ومتى تنبت، ومن يجتنيها، ومن يأكلها؛ وقد تحمل الحبة من قطر إلى قطر، وتجوب البحار والأنهار؛ جرياً وراء آكلها؛ حتى تستقر في جوف من كتبت له، وزرعت من أجله؛ فتعالى الخالق الرازق، العليم الحكيم ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ مكتوب ﴿مُّبِينٌ﴾ بيّن واضح؛ وهو اللوح المحفوظ: كتب فيه لتعلمه الملائكة الموكلون بانفاذ أوامره تعالى
стр. 737
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ﴾ يميتكم عند نومكم؛ وذلك لأن النوم قرين الموت؛ إذ فيه تقبض روح النائم، وتسبح في ملكوت ربها؛ كما تقبض روح الميت تماماً؛ غير أن النائم لا تنفصل روحه من جسده انفصالاً تاماً؛ بل لا تزال متصلة به. أما الميت فتنفصل روحه من جسده انفصالاً تاماً فيريها الله تعالى ما شاء من نعمة أو نقمة؛ حتى يقضي تعالى بالقيامة فتتصل كل روح بجسدها الذي يعيده الله تعالى لها؛ فيلقى المؤمن من كرم الله تعالى وحسن وفادته ما ينسيه البؤس الذي لقيه في دنياه ويلقى الكافر من الذل والهوان والعذاب ما ينسيه النعيم الذي كان فيه ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ ما كسبتم فيه من الآثام. وجرح واجترح: بمعنى كسب؛ وذلك لأن الآثام لا ترتكب إلا بالجوارح ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي في النهار؛ برد أرواحكم
﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مّسَمًّى﴾ وهو انقضاء آجالكم (انظر آية ٤٢ من سورة الزمر) ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم عليه
стр. 738
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾ الذي لا يعجزه شيء ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ بالاستعلاء؛ فكلهم مخلوق وفق إرادته، وكلهم تحت سلطانه ورحمته؛ يحيي ويميت، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل وهو اللطيف الخبير ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾ ملائكة حافظين ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي جاء وقته وأوانه ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ المكلفون بقبض أرواح الخلائق ﴿وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ فيما عهد إليهم به، فلا يتعجلون أحداً لم يحن حينه، ولا يتركون أحداً انقضى أجله
стр. 739
﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ﴾ سيدهم ومالكهم ﴿الْحَقِّ أَلاَ لَهُ﴾ وحده ﴿الْحُكْمُ﴾ بين عبيده؛ لا يشاركه في ذلك أحد من خلقه، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ قيل: يحاسب الناس جميعاً في مقدار حلب شاة
стр. 740
﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ مخاوفهما وأهوالهما، أو ظلمات البر: الصواعق. وظلمات البحر: الأمواج؛ وكلاهما يشتد في الغيم والليل ﴿تَدْعُونَهُ﴾ عند الوقوع في المهالك ﴿تَضَرُّعاً﴾ ابتهالاً وتذللاً؛ معلنين الضراعة ﴿وَخُفْيَةً﴾ قائلين ﴿لَّئِنْ أَنجَانَا﴾ ربنا ﴿مِنْ هَذِهِ﴾ المهالك والأهوال ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ له،
⦗١٦٠⦘ المؤمنين به
стр. 741
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ يخلطكم فرقاً؛ على أهواء شتى متباينة ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ شدة بعض في القتال. لما نزل قوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾
قال «أعوذ بوجهك» فلما نزل ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: «أعوذ بوجهك» فلما نزل ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: «هذا أهون وأيسر». وقد ذهب بعض مفسري هذا العصر إلى أن قوله تعالى: ﴿عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾ هو ما يلقى من الطائرات، من قنابل ومهلكات، وقوله: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ هو الديناميت الذي يدسه الأعداء في باطن الأرض؛ يدل على ذلك ما بعده: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ولم يقل ويذيقكم بأسه. وهو قول ظاهر التكلف، بادي التعسف. والمعنى المراد من الآية: ﴿عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾ هو الصواعق - التي أهلك الله تعالى بها كثيراً من مكذبي الأمم قبلنا - وما تلقيه البراكين من الأحجار والحمم. وقوله: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ هو الخسف والزلازل؛ أعاذنا الله تعالى من نقمته، بمنه ورحمته
стр. 742
﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ﴾ أنبأتكم به، وعذاب ذكرته لكم ﴿مُّسْتَقِرٌّ﴾ أي قرار يستقر عنده، ونهاية ينتهي إليها؛ فيعلم صدق النبإ من كذبه ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ صدق ما أنبأتكم به؛ حين ينزل بواديكم العذاب، وتندمون؛ ولات ساعة مندم
стр. 743
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ يتكلمون فيها بما لا يليق؛ من النقد، أو الطعن، أو التكذيب ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ تركهم عند خوضهم، والإعراض عنهم ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ أي بعد التذكر
стр. 744
﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الخوض مع الخائضين ﴿مِنْ حِسَابِهِم﴾ من آثام الخائضين ﴿مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى﴾ أي ولكن قيامهم وعدم القعود معهم لتذكيرهم بالقيام عنهم، وإظهار الكراهة لهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الخوض في آيات الله
стр. 745
﴿وَذَرِ﴾ اترك ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ﴾ الذي دعوا إليه، وكلفوا باتباعه، وهو الإسلام
﴿لَعِباً وَلَهْواً﴾ سخرية واستهزاء ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ خدعتهم بزخرفها وبهرجها؛ فانقادوا إليها، وتمسكوا بها؛ وتركوا الآخرة وما يوصل إليها وراء ظهورهم ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ عظ بالقرآن، أو بالدين ﴿أَن تُبْسَلَ﴾ مخافة أن تبسل. والبسل: الحبس، والفضيحة، والهلاك. والبسل: أيضاً الإعجال والشدة. وأصل الإبسال: المنع ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ وإن تقدم كل فداء؛ والعدل: المثل ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ﴾ حبسوا، أو فضحوا، أو أهلكوا ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ ماء شديد الحرارة
стр. 746
﴿قُلْ أَنَدْعُواْ﴾ أنعبد ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ نرجع كما كنا كفاراً ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ للإسلام وأنجانا من
⦗١٦١⦘ عبادة الأصنام؛ ونكون ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ﴾ أضلته ﴿الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ﴾ بإغوائهم وتزيينهم؛ وصيرته ﴿حَيْرَانَ﴾ لا يدري ما هو فاعل، وماذا تكون عاقبته؟ ﴿لَهُ أَصْحَابٌ﴾ رفقة خيرون؛ يتمنون نجاته من زلته وتخليصه من سقطته ﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾ قائلين له ﴿ائْتِنَا﴾ أي ارجع عن غيك، وتعال في زمرتنا. فلا يجيبهم إلى ما يطلبونه، ولا يتبعهم إلى الهدى ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ الإسلام، والتوفيق إليه ﴿هُوَ الْهُدَى﴾ وما عداه فهو ضلال ووبال
стр. 747
﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ الله تعالى يوم القيامة لما يريد ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ما أراده من فناء الدنيا، وموت الخلائق؛ ثم إحيائهم ثانية، ثم محاسبتهم على ما عملوا، ثم إدخال أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار كل هذا يتم من غير جهد، ولا عناء؛ بل بقوله تعالى ﴿كُنَّ﴾ كما قال للسموات والأرض؛ كونا؛ فكانتا. ولآدم: كن؛ فكان. ولفظ
﴿كُنَّ﴾ هي في الواقع تقريب لأذهاننا؛ لنعلم أنه تعالى لا يعجزه مطلب، ولا يؤده شيء - مهما عظم - وفي الحقيقة أنه تعالى إذا أراد شيئاً: كان؛ بغير افتقار للفظ ﴿كُنَّ﴾ فتعالى القادر المقتدر ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ﴾ القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇. وقيل: «الصور» جمع صورة؛ كبسر وبسرة
стр. 748
﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ أي مثل ما أريناه كفر قومه، وأطلعناه على فساد عبادتهم للأصنام: نريه ﴿مَلَكُوتَ﴾ ملك، وسلطان. قيل: الملك: السلطان الظاهر، والملكوت: السلطان الباطن؛ فهو الملك التام؛ ظاهره وباطنه ﴿السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وما حوتا من عجائب المخلوقات، وغرائب المصنوعات؛ ليستدل بذلك على وجودنا ووحدانيتنا ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ عياناً، كما أيقن بياناً
стр. 749
﴿فَلَمَّا جَنَّ﴾ أظلم ﴿عَلَيْهِ الْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً﴾ قيل: هو الزهرة، أو المشتري، أو هو أي كوكب من كواكب السماء؛ وهي تبلغ ملايين الملايين؛ بل لا يحيط بها عد العادين، وإحصاء المحصين؛ فلما رأى هذا الكوكب ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ لا يخفى أن إبراهيم ﵊ لم يؤمن بالكوكب وغيره إيماناً يقينياً؛ وما كان له أن يقر بالربوبية لغير الله - وقد اختاره للنبوة والرسالة والإمامة - وحاشا أن يتصف إبراهيم بمثل هذا وإنما قال ما قال، وفعل ما فعل: لفتاً لأنظار قومه إلى فساد ما يعبدونه، وتسفيهاً لأحلامهم ﴿فَلَمَّآ أَفَلَ﴾ غاب هذا الكوكب
стр. 750
﴿فَلَمَّآ رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً﴾ طالعاً، أو مبتدئاً في الطلوع
стр. 751
﴿فَلَماَّ رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ طالعة.
⦗١٦٢⦘ ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ﴾ من كل الكواكب التي ظننتها رباً ﴿فَلَمَّآ أَفَلَتْ﴾ غابت وامحى ضوؤها؛ وأثبت إبراهيم لقومه بذلك أن الله المعبود: يجب أن يكون أكبر من كل شيء، وأنه يجب ألا يطرأ عليه التغير، ولا يجوز له الأفول حينذاك انتقل إبراهيم من الاستدلال إلى التقرير، ومن الاستقراء إلى التوثيق والتثبت؛ وواجه قومه بما يجب أن يواجههم به؛ قائماً بالدعوة المطلوبة منه والمرسل بها ﴿قَالَ يقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ به الله تعالى في العبادة
стр. 752
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ اتجهت بكليتي ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ خلقهما؛ والفطر: الخلق من غير مثال سابق ﴿حَنِيفاً﴾ مائلا إلى الدين الحق؛ والحنيف: الصحيح الميل إلى الإسلام، الثابت عليه
стр. 753
﴿وَحَآجَّهُ﴾ جادله ﴿قَوْمِهِ﴾ فيما قاله ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي﴾ أتجادلونني ﴿فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي﴾ إلى معرفته ﴿وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ في عبادته ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً﴾ أي إلا أن يشاء الله تعالى أن يبتليني بشيء من المكروه؛ فلا اعتراض لي عليه؛ إذ أنني ملكه وصنع يده؛ يفعل بي ما يشاء، ويحكم فيّ بما يريد
стр. 754
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ﴾ وهي لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع، ولا تعقل ﴿وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ﴾ وهو السميع البصير، اللطيف الخبير، المعطي المانع، النافع الضار ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً﴾ أي ما لم يقم عليه دليل عقلي أو نقلي ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ والاطمئنان للمصير: نحن الذين عبدنا الإله الحق، القادر القاهر الرازق، المحيي المميت؛ ولم نخف آلهتكم وأصنامكم؛ أم أنتم وقد عبدتم ما صنعتم بأيديكم من جماد لا يقدر على حماية نفسه؛ ولم تخشوا ربنا الذي خلقنا وهدانا، ورزقنا وكفانا ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ نحن أم أنتم ﴿أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ والطمأنينة؟
стр. 755
﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ﴾ يخلطوا
﴿إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بشرك ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أو هو الظلم نفسه ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ﴾ من العذاب في الدنيا، والأمن بالنجاة من النار في الآخرة
стр. 756
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ﴾ التي احتج بها إبراهيم على قومه بوجود الله تعالى ووحدانيته؛ بأن وجهنا نظره للكائنات، فرأى ما يحدث لها من تغيرات؛ وعلم أن الإله لا يتبدل، وأن الخالق لا يتغير؛ وتوصل بطريق الاستدلال العقلي إلى معرفة الله تعالى: الموجود في سائر الوجود ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ وصلوات الله وسلامه على سيدنا ومولانا إبراهيم: رأس الملة الحنيفية، وإمام أهل الحق، وجد نبينا محمد ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ في العلم والحكمة، وسمو الروح، وعلو الهمة
стр. 757
﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ أي من ذرية نوح ﵇.
стр. 758
﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى﴾ اللذين قتلهما اليهود عليهم اللعنة ﴿وَإِلْيَاسَ﴾ وهو غير ﴿إِلْيَاسَ﴾ جد النبي ﵊ بسكون الهمز - لأنه أول من ابتلى باليأس، وهو السل؛ سمي بذلك لليأس من شفائه
стр. 759
﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ اخترناهم واصطفيناهم ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ﴾ طريق
стр. 760
﴿ذلِكَ﴾ الهدى الذي أضفيناه على هؤلاء الأنبياء ﴿هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ المتقين ﴿لَحَبِطَ﴾ لبطل
стр. 761
﴿أُوْلَئِكَ﴾ الأنبياء المذكورون: هم ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي الكتب التي أنزلت عليهم ﴿وَالْحُكْمَ﴾ العلم النافع، وحسن الفصل في الحكومة ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا﴾ أي بالكتب، أو بالكتاب والحكم والنبوة ﴿هَؤُلاءِ﴾ الفسقة الظلمة الكفرة ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً﴾ من المؤمنين الطائعين المنيبين
стр. 762
﴿أُوْلَئِكَ﴾ الأنبياء الذين ذكرناهم: هم ﴿الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أي اقتد يا محمد بهم، واصبر كصبرهم، وتحمل أذى قومك كما تحملوا أذى أقوامهم؛ و ﴿قُلْ﴾ لقومك ﴿لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ أي لا أسألكم على القرآن جعلاً ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ لسائر الجن والإنس
стр. 763
﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ما عرفوه حق معرفته، وما عظموه حق عظمته، وما عبدوه حق عبادته ﴿إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ كأنهم يريدون أن ينزل إليهم ربهم بنفسه، أو ينزل لهم بعض ملائكته؛ كسابقيهم في الكفر: الذين قالوا لرسولهم: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ وقالوا ﴿لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ ﴿قُلْ﴾ لهم: كيف تقولون ذلك وقد تحققتم من نزول الكتاب على بشر من قبلي؛ وإلا فقولوا لي ﴿مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ أوراقاً مفرقة؛ أي كسائر الأوراق، وهو ليس كسائرها
⦗١٦٤⦘ ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ تبدون منها ما يروق لكم من الأحكام، وتخفون كثيراً مما يثقل عليكم؛ وهو خطاب لليهود ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جواب لقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَى﴾ ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ دعهم واتركهم ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ باطلهم الذي يخوضون فيه
стр. 764
﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ القرآن ﴿أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ كثير المنافع والفوائد ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ما تقدمه من الكتب ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ مكة شرفها الله تعالى، وزادها فضلاً وسميت «أم القرى» لأن الناس يؤمونها، وهي قبلة أهل القرى، وأعظمها شأناً ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ كل الدنيا ومن فيها من العقلاء؛ وذلك لأن ما حول مكة: هي الجهات الأربع التي يتكون منها كل الأرض ومن عليها ﴿وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ المحافظة على الصلاة: ملازمتها في أوقاتها
стр. 765
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أهواله وسكراته ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ الموكلون بقبض أرواحهم ﴿بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ بالتعذيب؛ ويقولون لهم ﴿أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمُ﴾ أرواحكم، أي خلصوها من عذابنا إن أمكنكم، أو هو كناية عن صعوبة خروج أرواح الكافرين؛ وقد ورد أن أرواح الكافرين تنزع انتزاعاً شديداً، وتسل من جسومهم، كما يسل الحرير من الشوك؛ أما روح المؤمن فتنشط للخروج فرحاً بلقاء ربها أو يقال لهم هذا القول يوم القيامة: ﴿أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمُ﴾ من النار إن استطعتم؛ يدل عليه ما بعده ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ الهوان
стр. 766
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ منفردين بلا مال ولا معين ﴿وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ﴾ ملكناكم في الدنيا: من الأموال والنعم.
⦗١٦٥⦘ ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ﴾ آلهتكم؛ وقد كنتم تقولون عنها: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ﴾ أي في استحقاق عبادتكم ﴿شُرَكَآءَ﴾ لله ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أي تشتت جمعكم ﴿وَضَلَّ﴾ غاب ﴿عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ في الدنيا من شفاعتها لكم
стр. 767
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ﴾ عن النبات ﴿وَالنَّوَى﴾ عن النخل ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ أي النبات الغض من الحب اليابس ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ الحب اليابس من النبات، أو الإنسان من النطفة، والنطفة من الإنسان، أو المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيف تصرفون
стр. 768
﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ خالق نور النهار ﴿وَجَعَلَ الْلَّيْلَ سَكَناً﴾ تسكن فيه سائر المخلوقات، وتهدأ مما أصابها من تعب النهار ووصبه جعل ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً﴾ أي جعلهما تعالى - فضلاً عن كونهما للإنارة والنفع العام - فهما لمعرفة الحساب الزمني؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ الْلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾
стр. 769
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هي آدم ﵇ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ المستقر: رحم المرأة. والمستودع: صلب الرجل. أو المستقر: من خلق من الخلائق؛ فاستقر في الأرض، والمستودع: من لم يخلق بعد. وزعم بعضهم أن المستقر: الرحم. والمستودع: القبر. وهو ليس بشيء؛ إذ أن المقام مقام إنشاء: «إن الله فالق الحب والنوى. فالق الإصباح وهو الذي أنشأكم.
стр. 770
وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء. ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه» ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً﴾ أي أخضر ﴿نُّخْرِجُ مِنْهُ﴾ أي من الخضر ﴿حَبّاً مُّتَرَاكِباً﴾ متراكماً؛ بعضه فوق بعض؛ وهو السنبل وما يشبهه ﴿قِنْوَانٌ﴾ جمع قنو؛ وهو العذق؛ وهو من التمر: كالعنقود من العنب ﴿دَانِيَةٌ﴾ سهلة الجنى والمنال ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ حدائق ﴿مِّنْ أَعْنَابٍ﴾ (انظر آية ٢٦٦ من سورة البقرة) ﴿مُشْتَبِهاً﴾ في الشجر واللون ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في الطعم؛ فمنه الحلو والمز والحامض، وجميع ذلك ﴿يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ﴾ فجلَّ الصانع المبدع
⦗١٦٦⦘ ﴿انْظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ﴾ كيف يكون فجاً؛ لا طعم فيه، ولا لون له، ولا رائحة انظروا بعد ذلك إلى نضجه؛ بعد أن تتحول مرارة الثمرة إلى حلاوة، ويابسها إلى طراوة، وخضرتها إلى احمرار أو اصفرار؛ حتى تلذ في الطعم، وتلين في القضم، وتسهل في الهضم؛ وهذا كله ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾
стр. 771
﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الْجِنَّ﴾ أي وجعلوا الجن شركاءلله في العبادة؛ وقد يراد بالجن: الشياطين. وذلك باتباعهم فيما يوحون به إليهم، ويوسوسون ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ أي وقد خلقهم ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ﴾ أي اختلقوا ﴿بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ منهم بحقيقة ما يقولون. واختلاقهم البنين والبنات: قولهم: الملائكة بناتالله. وقول النصارى: عيسى ابن الله، وقول اليهود: عزير ابن الله ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزه وتقدس ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (انظر آية ﷺ من سورة الإسراء)﴾ مبدعهما
стр. 772
﴿إِنِّي﴾ كيف ﴿يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾ زوجة
стр. 773
﴿ذلِكُمْ﴾ الموصوف بهذه الصفات ﴿اللَّهُ رَبُّكُمُ﴾ الذي خلقكم
стр. 774
﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ أي لا تراه الأبصار، ولا تحيط به ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ أي يرى أصحاب الأبصار، ويحيط بسائر المرئيات ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ بعباده ﴿الْخَبِيرُ﴾ بدقائق الأمور
стр. 775
﴿قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ﴾ جمع بصيرة؛ وهي نور القلب. أي جاءكم من الوحي والآيات؛ ما هو للقلوب بمنزلة البصائر ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ آمن وانقى ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ لأن ثواب إيمانه وتقواه عائد إليها ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ كفر ﴿فَعَلَيْهَا﴾ لأن إثم كفره عائد عليها أيضاً
следующие страницы →