← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ حرام ﴿لاَّ يَطْعَمُهَآ﴾ لا يأكلها ﴿إِلاَّ مَن نَّشَآءُ﴾ من خدمة الأوثان؛ وسدنة الأصنام ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ بباطلهم وكذبهم. والزعم: القول الحق، أو الباطل والكذب. وأكثر ما يستعمل في الباطل وفيما يشك فيه ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ أي حرم ركوبها؛ كالسائبة والبحيرة والحامي ﴿سَيَجْزِيهِم﴾ ربهم ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ عليه من أحكام لم ينزلها، وشرائع لم يشرعها

стр. 807

﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ﴾ من الأجنة والألبان ﴿خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ قيل: هي البحائر والسوائب؛ كانوا يخصون الذكران وحدهم بشرب ألبانها وأكل أولادها ﴿وَإِن يَكُنْ﴾ الجنين ﴿مَّيْتَةً فَهُمْ﴾ نساءً ورجالاً ﴿فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ يأكلونه جميعاً ﴿سَيَجْزِيهِم﴾ ربهم ﴿وَصْفَهُمْ﴾ أي سيجزيهم عقوبة كذبهم وافترائهم ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم﴾ خلق لكم وأبدع ﴿جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ﴾ حدائق ذات أفنان وظلال ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ أي ثمره الذي يؤكل؛ يختلف في الطعم؛ فهذا حلو، وهذا حامض، وهذا من ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً﴾ في الخلقة والشكل والأغصان والأوراق ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في الطعم ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ﴾ أي زكاته ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ بدون تأخير؛ فقد وجب حق الفقير بالحصاد. وقيل: المراد بحقه: التصدق من الحب والثمار على الفقراء؛ وهو حق ثابت: مأمور به، مثاب عليه، معاقب على تركه وهل يجوز لك - أيها المؤمن الكريم - أن تنعم وعيالك برزقالله؛ دون أن تؤتي منه عيال الله؟ وهل يجوز لك - أيها المؤمن الرحيم - أن تبيت مطمئن النفس، ممتلىء البطن؛ والفقير بجوارك طاوي الكشح، متطلع إليك، حانق عليك؟ وقد تغالى بعض الصوفية؛ فقال: إن لكل نعمة حقاً، وأن مرتب الموظف يستحق حقه يوم قبضه؛ الذي هو «يوم حصاده». ⦗١٧٣⦘ ﴿وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ في حبس الزكاة عن أربابها، والحقوق عن أصحابها؛ إذ أن هذا هو منتهى الإسراف في البخل أو أريد بالإسراف: الخطأ في العطية؛ بأن يعطي من لا يستحق. وزعم قوم من المفسرين - أثابهم الله تعالى - أن الإسراف: مجاوزة القدر في الإعطاء؛ حتى يجحف صاحب المال بنفسه. وهو قول غير مستساغ؛ إذ أنه لا سرف في الخير وقد فاتهم أن الله تعالى أعقب ذلك بقوله ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ وما من أحد يؤمن ب الله واليوم الآخر يستطيع أن يقول: إن الباذل ماله في سبيل مرضاتالله؛ مستوجب لغضبالله، والحرمان من محبته؛ وهو جل شأنه القائل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾. يقول الله تعالى:

стр. 808

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ أي هو الذي أنشأ كل هذا بقدرته وعظمته؛ لا أنتم بحرثكم الأرض، ووضعكم البذر؛ ولو شاء لما أنشأها، ولجعلها قاحلة مجدبة؛ فالفضل له وحده لا لكم وهو جل شأنه مالكها ومالككم فما لكم إذا قيل لكم: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ﴾ أكلتم. وإذا قيل لكم: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ تغاضيتم وأعرضتم؟ فلا تبكوا إذا انتزعها منكم واستخلف عليها قوماً غيركم؛ يطيعون أمره، ويجتنبون نهيه ولا تقولوا عند حضور آجالكم ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ ولو أخركم لعدتم لما نهيتم عنه، ولبخلتم بالخيرات، وأسرفتم في الملذات ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. فانظر - يا رعاك الله - كيف عبر تعالى بقوله: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وتأمل واعلم أن للمال حقاً في أعناقنا؛ يأمرنا الله تعالى بأدائه لأربابه وانظر لمبلغ هذا النظام، الذي وضعه خالق الأنام؛ ومدى إنصافه وحسنه، والفائدة التي تعود على المعطى قبل العاطي، وعلى المنفق قبل المنفق عليه: نتملك الأرض فتنبت لنا من خيراتها، بغير حول لنا ولا قوة؛ بل بقدرته تعالى وإرادته ويأمرنا الرزاق الوهاب لسائر هذه النعم أن نعطي الفقير حقه فيها - ولو شاء لجعله المالك لها، ونحن الفقراء إلى قليل العطاء - فنأبى إلا أن نشح ونبخل؛ فنورد أنفسنا النيران، ويحل بوادينا الخسران فانظر بربك أيها المنصف لو أن الخلائق عملت بإرشاد الخالق ⦗١٧٤⦘ وأخرجت ما في ذمتها من الصدقات والزكاة؛ لما بقي على ظهرها إنسان يشتكي الفقر والحرمان؛ ولحل الوئام مكان الخصام، والوفاق مكان الشقاق وإذا نظرت - بعين التدبر - إلى معظم الجرائم لوجدت أن السبب الأول؛ بل السبب الأوحد فيها هو المال والمال وحده: يتمتع الغني بسائر ضروب التمتع، ويكسر قلب الفقير بما يظهره من نفيس الملبس، ولذيذ المطعم، وفاره المركب فيدفعه الفقر، والحقد، والجوع إلى ارتكاب السرقة، والنهب، والسلب، والقتل ويعلم الله تعالى وحده أن تبعة هذه الآثام لا تقع على الجاني؛ بل على المجنى عليه فليبادر من يتقي الله ويخشاه، ويحذر عقاب آخرته وشقاء دنياه؛ وليخرج ما في عنقه من زكاة ماله، وصدقات أوجبها عليه ربه؛ عن طيب خاطر وصفاء نية؛ ففي هذا النعيم الأكبر، والخير الأوفر

стр. 809

﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً﴾ أي تتخذونها لحمل الأثقال أي تتخذون من أصوافها وأوبارها ما تفترشونه. وقيل: الحمولة: الأنعام الكبيرة التي يحمل عليها. والفرش: الصغار التي لم يحمل عليها بعد. وقيل: الحمولة: ما حمل عليه من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير وغير ذلك. والفرش: الغنم والمعز

стр. 810

﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ هو بيان للحمولة والفرش؛ أي ومن الأنعام أنشأ تعالى لكم ثمانية أزواج ﴿مَّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ زوجين اثنين؛ يريد الذكر والأنثى؛ فذلك أربعة أزواج؛ لأن كل واحد من الاثنين زوج للآخر؛ والواحد إذا كان وحده فهو فرد، وإذا كان معه غيره من جنسه: سمي كل واحد منهما زوجاً، وهما معاً زوجان؛ يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى﴾ ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الذين حرموا ما حرموا - من الحرث والأنعام - اتباعاً للشيطان ﴿ءَآلذَّكَرَيْنِ﴾ من الضأن والمعز ﴿حَرَّمَ﴾ ربكم ﴿أَمِ الأُنثَيَيْنِ﴾ منهما ﴿مَّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ وذلك لأنهم - لعنهم الله تعالى - كانوا يحرمون الذكران تارة، والإناث تارة، وما اشتملت عليه أرحامهما تارة أخرى؛ وكذلك كان شأنهم بالنسبة للإبل والبقر

стр. 811

﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ﴾ حضوراً مشاهدين ﴿إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ التحريم الذي تزعمونه

стр. 812

﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أي على آكل يأكله ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ قذر ونجس. والرجس: كل عمل يؤدي إلى العذاب والعقاب ﴿أَوْ فِسْقاً﴾ الفسق: الفجور، والخروج عن الطاعة ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ⦗١٧٥⦘ أي ذكر اسم غير الله تعالى عليه؛ وسمي «فسقاً» لأنه خروج عن طاعة الله تعالى، وإعلاء لاسم غير اسمه، في موضع يجب ذكر اسمه تعالى فيه؛ وقد كانوا في الجاهلية يذبحون على النصب، ويذكرون اسم آلهتهم. ويقاس عليه ما يفعله الآن جهلة العوام من تسمية الأولياء عند الذبح؛ خاصة في الموالد التي يقيمونها ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ إلى أكل شيء من هذه المحرمات؛ كأن أوشك على الهلاك جوعاً، ولم يجد ما يتبلغ به سوى ميتة، أو لحم خنزير، أو دماً، أو ذبيحة أُهل لغير الله بها؛ فله أن يتناول منها القدر الذي يسد رمقه فحسب؛ ولا يزيد فيبلغ بما يأكل حد الشبع؛ وبشرط أن يكون ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على أحد من جماعة المسلمين: كأن يكون قاطعاً للطريق، أو مبتغياً لإثم؛ وأوشك من جوعه على التلف؛ فإنه ليس له أن يتمتع برخصة الله تعالى؛ إلا أن يتوب وينيب؛ كما أنه ليس له أن يأخذ برخصة الإفطار في رمضان وقصر الصلاة؛ في حالة السفر ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ معتد على آخر؛ بأن يختطف قوته من هذا المأكول الحرام المحلل. أو هو ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ متلذذ بما يأكل؛ بغير ضرورة ملحة ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ متجاوز حاجته التي تدفع عنه الموت

стр. 813

﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ﴾ اليهود ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وهو كل ما لم يكن منفرج الأصابع من البهائم والطير: كالإبل، والأوز والبط، وأشباهها ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ﴾ ظاهر الآية يدل على أن التحريم تناول سائر شحومهما ﴿إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ من الشحم ﴿أَوِ الْحَوَايَآ﴾ الأمعاء؛ أي ما حملته الأمعاء من الشحم ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ﴾ من الشحم ﴿بِعَظْمٍ﴾ فجميع ذلك مباح. وقيل: إنما حرم الله تعالى الثروب خاصة؛ وهي الشحم الرقيق يكون على الكرش والأمعاء ﴿ذلِكَ﴾ التحريم ﴿جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ﴾ أي بسبب بغيهم وكفرهم

стр. 814

﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ لا حد لها، تسع كل شيء ﴿وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ عذابه؛ رغم رحمته الواسعة ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ فإن من تمام رحمته تعالى الانتصاف من المجرمين، والانتقام من الظالمين للمظلومين

стр. 815

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ﴾ أشرك فهو راض عن هذا الشرك؛ ولو لم يرضه ﴿مَآ أَشْرَكْنَا﴾ وهي حجة الكافرين والمعاندين في سائر العصور: ﴿لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾ ﴿لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ ﴿لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ يحاجون بذلك ربهم؛ وحجته تعالى قائمة عليهم؛ وله تعالى الحجة البالغة: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ﴿كَذلِكَ﴾ أي مثل ذلك التكذيب ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وقالوا مثل قولهم ﴿حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا﴾ عذابنا ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ﴾ بأن الله تعالى راضٍ عن ⦗١٧٦⦘ شرككم وشرك آبائكم؟ ﴿وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ تكذبون

стр. 816

﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ على الناس جميعاً؛ حيث لا حجة لأحد عليه؛ وحجته تعالى تقطع كل المعاذير، وتزيل سائر الشكوك: ألم يرسل لعباده الرسل، وينزل عليهم الكتب؛ ويسلكها في قلوب الكافرين لعلهم يؤمنون؟ فأي عذر بعد ذلك للجاحد المعاند؟ ألم يبذل له خالقه كل السبل الموصلة إلى معرفته فأعرض عنها واتبع هواه؟ ألم يقم له الدليل تلو الدليل على قدرته ووحدانيته فأبى إلا ضلالاً وخبالاً؟ وهل بعد هذا تقوم له حجة بقوله ﴿لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ وهي كلمة حق أريد بها باطل؛ لقد قال العظيم الكريم ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ فكيف يريد ما لا يرضى؟ بل كيف يعذب على ما أراد؟ فيا أيها الكافر الفاجر؛ المشرك بربه، المجترىء على خالقه: لقد هداك ربك إلى معرفته فأنكرت، ودعاك إلى رحمته فأعرضت، وسلك الإيمان في قلبك فأبيت وبعد ذلك تريد أن تتستر وراء منطق الجهال، وقول الضلال: ﴿لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ ونسيت قول الحكيم العليم: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ ( انظر آيتي ٢٠٠ من سورة الشعراء، و٢٨ من سورة التكوير)

стр. 817

﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ﴾ أي هاتوا شهداءكم ﴿فَإِن شَهِدُواْ﴾ أي فإن شهد شهداؤهم زوراً بأن الله تعالى حرم ما حرموه من حرثهم وأنعامهم ﴿فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أي فلا تجالسهم ولا تخاطبهم ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ لأنهم تركوا الحق الذي أنزل إليك، واتبعوا أهواءهم ﴿وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي يجعلون له عدلاً. والعدل: المثل

стр. 818

﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ﴾ من فقر ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ وخوف الإملاق: كفر بالخلاق فقد خلق الله تعالى الخلق وتكفل بأرزاقهم - ولو كانوا في مهمه قفر - ألا ترى أنه تعالى يرزق الحشرة داخل الصخر الأصم؟ ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ﴾ الكبائر ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ كالقتل، والسب ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ كالزنا والغيبة. وقيل: أريد به سر الزنا وعلانيته ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ الذي يوجب قتلها؛ كقتل القاتل، أو القتل دفاعاً عن النفس، وأمثال ذلك

стр. 819

﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وهي أن تستثمروه له، وأن تؤدوا زكاته ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ بلوغ الأشد: هو قوة البدن، وزيادة المعرفة بالتجربة؛ وهو ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين. وهو أيضاً بلوغ الحلم ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل ﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي لا نكلفها إلا طاقتها - في إيفاء الكيل والوزن - وقد جاء ذلك الضابط خشية التحرج والتأثم؛ فيضطر البائع إلى زيادة المكيل والموزون، ويضطر المشتري بدوره إلى أخذ ما يقل عن استحقاقه ⦗١٧٧⦘ فيهما؛ وبذلك تضيق صدورهما؛ لذلك أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان في حدود الطاقة البشرية؛ بغير ما ظلم ولا غبن ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ﴾ أي إذا حكمتم بين الناس، أو أديتم شهادة؛ فاحكموا بينهم وأدوا الشهادة بالعدل ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المحكوم عليه أو المشهود ضده ﴿ذَا قُرْبَى﴾ وذلك عهد الله تعالى عهد به إليكم ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ﴾ لتؤجروا، وتذوقوا حلاوة الطاعة وعزها، وتتجنبوا مرارة المعصية وذلها (انظر آية ١٤ من سورة لقمان)

стр. 820

﴿وَأَنَّ هَذَا﴾ الذي أمرتكم به، وعاهدتكم عليه؛ من عدم الإشراك بي، وبالإحسان إلى الوالدين، وبالنهي عن قتل الأولاد خشية الفقر، وعن قربان الفواحش ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ وعن قتل النفس ﴿إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ وعن قربان مال اليتيم ﴿إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وبالوفاء بالكيل والميزان، وبالعدل في الحكم والشهادة؛ فجميع ذلك ﴿صِرَاطِي﴾ أي طريقي ﴿مُّسْتَقِيماً﴾ واضحاً، موصلاً إلى خيري الدنيا والآخرة ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ لتؤجروا ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ﴾ الطرق المختلفة، والأهواء المتباينة، والديانات المتعددة ﴿فَتَفَرَّقَ﴾ فتتفرق وتميل ﴿بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ عن طريقه تعالى الذي وصفه بالاستقامة، وبالتالي يكون غيره مائلاً عن الحق معوجاً قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾

стр. 821

﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراة ﴿تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي تماماً للنعمة على الذي أحسن الطاعة، وتجنب المعصية ﴿وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاجون إليه

стр. 822

﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ هو القرآن: كبير النفع، كثير الخير، عظيم البركة

стр. 823

﴿أَن تَقُولُواْ﴾ أي لئلا تقولوا إذا لم ننزل عليكم القرآن ﴿إِنَّمَآ أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾ هما اليهود والنصارى؛ وقد نزل عليهما أشهر كتابين - بعد القرآن - نزلا من عندالله: التوراة والإنجيل ﴿وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ﴾ أي عن دراسة هذه الأمم لكتابيها ﴿لَغَافِلِينَ﴾ لأنهما لم ينزلا بلساننا، ولا بلغتنا، ولم نؤمر باتباعهما. فأنزل الله القرآن قطعاً لهذه الحجة؛ ومنها يعلم أن الله تعالى لا يؤاخذ من لم يصلهم كتاب، ولم ينذرهم رسول؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾

стр. 824

﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ﴾ الذي أنزل عليهم ﴿لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ أي لكنا أشد استقامة، واتباعاً لما في الكتاب، وأطوعلله من الطائفتين اللتين أنزل عليهما الكتاب من قبلنا؛ قال تعالى رداً على هذه الحجة المفترضة ﴿فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ كتاب عربي بلسانكم، مبين لما تحتاجون إليه ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ لمن عمل به واتبعه ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي لا أحد أظلم ﴿مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بعد إذ جاءته ﴿وَصَدَفَ﴾ أعرض وصد ﴿عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ⦗١٧٨⦘ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أسوأه

стр. 825

﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ ما ينتظرون ﴿إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي ملائكة الموت لقبض أرواحهم ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ يوم القيامة للحساب والجزاء ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ علامات الساعة؛ كطلوع الشمس من مغربها؛ وحينئذٍ ﴿لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل حضور الموت، وظهور علامات القيامة ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ وهو الإخلاص في الإيمان

стр. 826

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾ وهم اليهود والنصارى ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ فرقاً متباينة ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي لست مسؤولاً عما فعلوا. وقيل: عنى بالذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً: أهل البدع والضلال من هذه الأمة؛ الذين اتبعوا ما تشابه من القرآن، وأولوه طبقاً لأهوائهم ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ﴾ أي عاقبة أمرهم ﴿إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ فيجازيهم عليه ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾

стр. 827

﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ المراد بالعشر: الكثرة دون العدد؛ فقد يبلغ الجزاء ما لا يحصره حد، ولا يحصيه عد واقرأ إن شئت قول المنان الوهاب، المعطي من يشاء بغير حساب: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (انظر آية ٢٦١ من سورة البقرة)

стр. 828

﴿صِرَاطِ﴾ طريق ﴿دِيناً قِيَماً﴾ مستقيماً لا عوج فيه؛ و ﴿قَيِّماً﴾ قيماً؛ وبه قرأ سائر القراء عدا الكوفيين وابن عامر ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ مسلماً ﴿وَمَا كَانَ﴾ إبراهيم ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بل كان أول الهادمين للشرك، المستدلين على الوحدانية بالعقل والمنطق والتدبر (انظر الآيات ٧٦ وما بعدها من هذه السورة)

стр. 829

﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي﴾ عباداتي

стр. 830

﴿وَبِذلِكَ أُمِرْتُ﴾ من ربي ومن عقلي الذي وهبنيه وأكرمني به

стр. 831

﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ إثماً ﴿إِلاَّ عَلَيْهَا﴾ أي لا يقع وبال إثمها إلا عليها ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الوزر: الإثم، والحمل الثقيل؛ أي لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى

стр. 832

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ﴾ جمع خليفة ﴿الأَرْضِ﴾ أي أهلك من سبقكم، واستخلفكم مكانهم ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ في العلم والجاه والمال والسطوة ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليختبركم ﴿فِي مَآ آتَاكُمْ﴾ فيما أعطاكم من نعمه؛ وليعلم - علم ظهور - من أطاعه فيما آتاه، وأحسن فيما وهبه ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه وخالفه؛ فليبادر من ابتلى بالعصيان والحرمان إلى الرجوع إلى ربه، والمآب إلى خالقه ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ﴾ لمن تاب وأناب ﴿رَّحِيمٌ﴾ به؛ فلا يؤاخذه بما سلف من أمره؛ تفضلاً منه تعالى ورحمة بخليقته

стр. 833

سورة الأعراف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 834

﴿المص﴾ (انظر آية ١ من سورة البقرة)

стр. 835

﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ القرآن الكريم ﴿فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ ضيق ﴿مِنْهُ﴾ أي لا يكن في صدرك غم أو ضيق من عدم إيمانهم بما أبلغته إليهم من القرآن المنزل عليك؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿لِتُنذِرَ بِهِ﴾ أي ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ﴾ ﴿وَذِكْرَى﴾ تذكيراً ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب

стр. 836

﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ﴾ غيره ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ تطيعونهم في معصيته تعالى والكفر به

стр. 837

﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ﴾ ظالمة ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا﴾ عذابنا ﴿بَيَاتاً﴾ ليلاً ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ أي وقت القيلولة. والمعنى: فجاءها عذابنا ليلاً أو نهاراً؛ كما نريد

стр. 838

﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ دعاؤهم وتضرعهم ﴿إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ﴾ حين جاءهم عذابنا

стр. 839

﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي الأمم عما فعلوه من عصيان رسلهم، وكفرهم بربهم ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ عما أجيبوا به، وما لاقوه من عنت وتكذيب

стр. 840

﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم﴾ لنخبرنهم بما فعلوه ﴿بِعِلْمِ﴾ منا؛ لأنا حاضرون معهم، مشاهدون لأعمالهم

стр. 841

﴿وَالْوَزْنُ﴾ للأعمال الحسنة أو السيئة ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة ﴿الْحَقِّ﴾ العدل؛ لا زيادة في السيئات، ولا نقصان للحسنات (انظر آية ٤٧ من سورة الأنبياء) ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي ما يوزن له من الحسنات ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون

стр. 842

﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي نقصت حسناته ﴿فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم﴾ حرموها من النعيم، وأضاعوها في الجحيم ﴿بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾ أي يجحدون

стр. 843

﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي جعلناكم متمكنين منها، قادرين عليها؛ ذوي مكانة فيها ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا﴾ أي في الأرض ﴿مَعَايِشَ﴾ أي أسباباً للمعيشة؛ من مطعم ومشرب وملبس؛ فضلاً من لدنه تعالى

стр. 844

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي خلقنا أصلكم وأباكم آدم من طين ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي صورنا آدم في صورته الإنسانية، ونفخنا فيه الروح. أو يكون معنى ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾: إشارة إلى حكمه تعالى وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم - منذ بدايته حتى نهايته - وتصويره لهم على حقيقتهم التي علمها قبل أن يصورهم، وإثبات جميع ذلك في اللوح المحفوظ؛ الذي أثبت فيه تعالى كل ما هو كائن ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ كان الأمر بالسجود لما خلقه الله تعالى بيديه؛ لا لأن آدم مستوجب ⦗١٨٠⦘ للسجود مستحق له؛ قال تعالى: ﴿يإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقد ابتدأ اللعين، يحاجّ رب العالمين؛ فأهلك نفسه ومن اتبعه إلى يوم الدين

стр. 845

﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ظناً منه أن النار جسم شفاف نوراني، والتراب جسم كثيف ظلماني؛ وهو أول من قال بالقياس؛ وفاته أن القياس لا يجوز مع صريح النص؛ فقد أمره تعالى بالسجود وهو عالم أنه مخلوق من نار، وأن آدم مخلوق من تراب؛ وهو جل شأنه ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ﴾
следующие страницы →