Полный текст (5 331 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
﴿وَالْوَزْنُ﴾ للأعمال الحسنة أو السيئة ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة ﴿الْحَقِّ﴾ العدل؛ لا زيادة في السيئات، ولا نقصان للحسنات (انظر آية ٤٧ من سورة الأنبياء) ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي ما يوزن له من الحسنات ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
الفائزون
стр. 842
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي نقصت حسناته ﴿فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم﴾ حرموها من النعيم، وأضاعوها في الجحيم ﴿بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾ أي يجحدون
стр. 843
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي جعلناكم متمكنين منها، قادرين عليها؛ ذوي مكانة فيها ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا﴾ أي في الأرض ﴿مَعَايِشَ﴾ أي أسباباً للمعيشة؛ من مطعم ومشرب وملبس؛ فضلاً من لدنه تعالى
стр. 844
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي خلقنا أصلكم وأباكم آدم من طين ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي صورنا آدم في صورته الإنسانية، ونفخنا فيه الروح. أو يكون معنى ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾: إشارة إلى حكمه تعالى وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم - منذ بدايته حتى نهايته - وتصويره لهم على حقيقتهم التي علمها قبل أن يصورهم، وإثبات جميع ذلك في اللوح المحفوظ؛ الذي أثبت فيه تعالى كل ما هو كائن ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ كان الأمر بالسجود لما خلقه الله تعالى بيديه؛ لا لأن آدم مستوجب
⦗١٨٠⦘ للسجود مستحق له؛ قال تعالى: ﴿يإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقد ابتدأ اللعين، يحاجّ رب العالمين؛ فأهلك نفسه ومن اتبعه إلى يوم الدين
стр. 845
﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ظناً منه أن النار جسم شفاف نوراني، والتراب جسم كثيف ظلماني؛ وهو أول من قال بالقياس؛ وفاته أن القياس لا يجوز مع صريح النص؛ فقد أمره تعالى بالسجود وهو عالم أنه مخلوق من نار، وأن آدم مخلوق من تراب؛ وهو جل شأنه ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ﴾
стр. 846
﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ فانزل من الجنة ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ دل ذلك على أن التفاخر بالأنساب من أشد الكبر ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ أي من أهل الصغار؛ وهو الذل والهوان؛ وهكذا كان الجزاء من جنس العمل: لما تكبر إبليس وتعالى على أمرالله: أذله الله تعالى، وألحق به الصغار والهوان؛ وطرده من جنته، وحرمه من رحمته
стр. 847
﴿قَالَ﴾ إبليس لربه ﴿أَنظِرْنِي﴾ أي أمهلني
стр. 848
﴿قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ أضللتني؛ أي بإغوائك لي؛ وهذه إحدى مكائد الشيطان اللعين؛ حيث ينسب الإضلال لرب العالمين إذ أنه تعالى لم يضله إلا بعد أن ضل بنفسه، وانحط إلى درك المخالفة، وجادل ربه تعالى مجادلة الند للند، وعاب خلقه وصنعه، وعصى أمره ومن عجب أن يقول قوم بما قال به إبليس، ومن عجب أن يقول قوم بما قال به إبليس وينسبون الأضلال لهادي الضلال، والإغواء لمن ينهى عن الغي ويعاقب عليه؛ ويقولون: إن إبليس أعلم ب الله ممن ينفي عن ربه الإضلال والإغواء (انظر آية ٢٠٠ من سورة الشعراء) ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ أي لبني آدم ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي أمنعهم عن الطريق القويم الموصل إليك
стр. 849
﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ أي من قبل الآخرة؛ التي هي أمامهم وبين أيديهم؛ أشككهم فيها، وأزين لهم عدم مجيئها وأنه لا بعث، ولا جنة، ولا نار ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ من قبل الدنيا؛ لأنها وراءهم؛ أحببهم فيها، وأزيدهم تمسكاً بها ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من قبل الحق؛ لأنه يوصف باليمين؛ أزين لهم أكله، وأشبه عليهم أمر دينهم ﴿وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾ من قبل الباطل؛ أشهي لهم المعاصي، وأدفعهم إلى ارتكابها
لقد جاءك إبليس يا ابن آدم من كل جانب، ومن كل وجهة؛ لكنه لم يأتك من فوقك؛ فلم يستطع أن يحول بينك وبين رحمته ورضوانه ومغفرته، فهلم إلى ربك، ادعه يستجب لك، واطلب منه أن ينجيك من إبليس ومن ترصده لك، وإيقاعه بك فهو وحده القادر على حمايتك وعصمتك عصمنا الله تعالى من المهالك، وأعاذنا ممن جعله فتنة للناس ولم يجعل له سلطاناً عليهم، وأذل جنده، وأضعف كيده ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾
стр. 850
﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً﴾ معيباً محقراً ﴿مَّدْحُوراً﴾ مطروداً
стр. 851
﴿وَيَا آدَمُ
⦗١٨١⦘ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ﴾ حواء ﴿الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ فيها ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ أيَّ شجرة؛ نهاهما ربهما عنها امتحاناً لهما وابتلاء؛ وليسجل عليهما ضعفهما، وليلجأ إليه بالاستغفار، ويجأرا إليه بالتضرع ﴿فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم بالعصيان (انظر آية ٣٥ من سورة البقرة)
стр. 852
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ﴾ استتر واختفى ﴿سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ﴾ عوراتهما. والسوأة: كل ما يسوء الإنسان ظهوره كانت وسوسته بأن ﴿قَالَ﴾ لهما ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ أي كراهة أن تكونا ضمن الملائكة المقربين ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ الباقين أبداً
стр. 853
﴿وَقَاسَمَهُمَآ﴾ حلف لهما على صحة ما يقول
стр. 854
﴿فَدَلاَّهُمَا﴾ أهبطهما من درجات الجنة الرفيعة العالية، إلى دركات الأرض الوضيعة السافلة ﴿بِغُرُورٍ﴾ أي غرر بهما وخدعهما؛ وما كانا يتوهمان أن مخلوقاً يقسم ب الله تعالى كاذباً ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ التي نهيا عن الأكل منها ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ جعلا يلزقان ويشدان ﴿عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قيل: هو ورق التين.
هذا وقد زعم بعض من لاقيت من المتكلمين أن قصة الأكل من الشجرة ليس على حقيقته؛ بل هو عن طريق المجاز: وقد أريد به الالتقاء الذي يتم بين الرجل وزوجه، وأن قول إبليس ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ هو خلود آدم وحواء بأبنائهما إلى يوم القيامة وقوله: ﴿وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى﴾ هو ملك الدنيا، والخلافة فيها؛ وأن الشجرة قد تكون على حقيقتها وأن ما تم بينهما كان تحتها وفي ظلها؛ واستدل على رأيه بما بدا لهما من سوءاتهما عند الالتقاء - المشار إليه بالأكل من الشجرة - وهو زعم مخالف لجميع ما بأيدينا من أقوال المفسرين؛ ولم يبلغ بعد حد الإقناع الذي يلزمنا بالقول به، والدعوة إليه
стр. 855
﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ بعصيانك ﴿وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا﴾ خطيئتنا ﴿وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الهالكين وقد أراد تعالى بإيراد تلك القصة على هذا الوجه: أن يعلمنا كيف يخسر المعاند «إبليس» نفسه، ويوردها موارد الهلكة، وكيف ينجو المعترف بذنبه، اللاجىء إلى ربه «آدم» فقد ﴿اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾
стр. 856
﴿قَالَ اهْبِطُواْ﴾ انزلوا من الجنة ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ المقصود: آدم وذريته، والشيطان وقبيله؛ أو بعض ذرية آدم لبعضها أعداء ﴿وَلَكُمْ﴾ جميعاً ﴿فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ موضع قرار ﴿وَمَتَاعٌ﴾ تمتع ﴿إِلَى حِينٍ﴾ وهو انقضاء الأجل
стр. 857
﴿قَالَ فِيهَا﴾ أي في الأرض ﴿تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ تبعثون يوم القيامة للحساب والجزاء
стр. 858
﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ﴾ يستر عوراتكم التي أراد الشيطان إظهارها ﴿وَرِيشاً﴾
⦗١٨٢⦘ لباساً للزينة ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ الذي يقي الجسم مما يؤذيه من الحر والبرد، أو هو لباس الحرب وقيل: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾
الإيمان وخشية الله تعالى بدليل قوله تعالى ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ أي لباس التقوى - الذي يقي عذاب الله تعالى وغضبه - خير من كل لباس؛ و ﴿ذلِكَ﴾ اللباس الذي أنزلناه عليكم ليواري سوءاتكم ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالة على وحدانيته؛ فمن المعلوم أن اللباس لا يعدو أنواعاً ثلاثة؛ كلها تدل على قدرته تعالى، ومزيد لطفه وإبداعه؛ فالصوف: من أشعار الأنعام وأوبارها، والقطن والكتان: مما تنتجه الأرض من خيراتها، والحرير: تنتجه وتنسجه حشرة من حشرات الأرض؛ بوحي من ربها، وإرشاد من خالقها؛ وجميع ذلك - من حيوان ونبات - مسخر من عند الله تعالى لو أراد منعه لامتنع؛ فتعالى المنعم المتفضل فما أروع عظاته، وما أبدع آياته
стр. 859
﴿يَابَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ احذروا لئلا يضلنكم ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ معشره وجنوده ﴿مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ لأنهم أجسام شفافة لا ترى ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي قرناء لهم وأعواناً
стр. 860
﴿وَإِذَا فَعَلُواْ﴾ أي إذا فعل الذين لا يؤمنون ﴿فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا﴾ في حين أن تقليد المذنب في ذنبه، والآثم في إثمه لا يقوم عذراً للمقلد ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ احتجوا بتقليد الجهال، وافتروا على ذي الجلال وظنوا أن علم الله تعالى بكفرهم أمر منه به، ورضا عنه
стр. 861
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل؛ فيجب اتباع أمره؛ لا معاندته ﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي توجهوا بكليتكم إليه، وأخلصوا نفوسكم عند كل سجود. أو أقيموا وجوهكم بالدعاء له في مواطن الصلاة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ وكان ذلك عند دخوله المحراب ﴿وَادْعُوهُ﴾ اعبدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي مخلصين له العبادة؛ لأن العبادة بلا إخلاص كلا عبادة (انظر آية ١٧ من سورة البقرة) ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾
أي كما بدأكم من العدم، يعيدكم بعد العدم
стр. 862
﴿فَرِيقاً هَدَى﴾ الله بهدايته ﴿وَفَرِيقاً حَقَّ﴾ وجب ﴿عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ﴾ استوجبوها بانصرافهم عن نداء الحق؛ ونبذهم كلام ربهم وراء ظهورهم؛ ولم يوجب ربهم الضلالة عليهم ظلماً لهم؛ وكيف لا يستحقونها وقد وصفهم الله تعالى بقوله ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ﴾ يوالونهم ويعبدونهم ﴿مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ فحق عليهم غضب ربهم، ووجب انتقامه منهم؛ بتركهم في ضلالهم يعمهون
стр. 863
﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي البسوا أفخر ثيابكم وأطهرها؛ قيل: إنهم كانوا يطوفون بالبيت عرايا فنزلت. ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ أي ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ مما أحله الله ﴿وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ بتناول ما حرم. أو ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ ما يكفي لحفظ
⦗١٨٣⦘ أودكم، وبقاء حياتكم ﴿وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ بالزيادة على ذلك؛ ولا يجوز لإنسان يؤمن ب الله واليوم الآخر أن يطعم هو وأولاده فاخر الطعام، وجاره يتضور جوعاً، ويفتقر إلى الخبز القفار؛ وكفى بالمرء سرفاً أن ينيل بطنه كل ما تشتهي وقد جرت عادة أفاضل القوم على أن يطعمون الغير ما يشتهونه هم، ويحرمون أنفسهم مما يبتغون؛ زجراً لها وتأديباً وهذا إذا جاز في شريعتهم فإنه غير ملزم لغيرهم؛ لأن الله تعالى لم يكلف الناس ما يشق عليهم
стр. 864
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ وإنما هم حرموا على أنفسهم الطيبات، ليحظوا بالخيرات، ولم يطلقوا إسارها ليأمنوا عثارها وليصدق عليهم قول الحليم الكريم ﴿قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي أن زينة الله والطيبات من الرزق ستكون يوم القيامة خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا. كيف لا؛ وقد أطعموا الطعام على حبه، وجعلوا هواهم تحت أرجلهم ورضا ربهم نصب أعينهم؛ وآثروا غيرهم على أنفسهم فاحرص - هديت وكفيت - على الإيثار لا الأثرة، والإنفاق لا الجمع، واحذر البطنة؛ فإنها تذهب الفطنة قال: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شر من بطنه» وقد جمع القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ أصول الطب وخلاصة تجارب الأولين، وحكمة علوم الآخرين ويعتبر من أعظم قواعد حفظ الصحة. وعدم الإسراف في الأكل والشرب: وقاية من كثير من الأمراض الفتاكة؛ كأمراض القلب، والكبد، والسكر، والضغط العالي وتصلب الشرايين
стр. 865
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ جمع فاحشة؛ وهي القبائح ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ كالقتل والسب ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ كالزنا والغيبة والنميمة ﴿وَالإِثْمَ﴾ المعصية ﴿وَالْبَغْيَ﴾ الظلم والكبر ﴿وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ حجة أو دليلاً
стр. 866
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم السابقة المكذبة ﴿أَجَلٌ﴾ وقت لنزول العذاب الذي قدره الله تعالى عليها ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ وقت نزول العذاب المعد لاستئصالهم
стр. 867
﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أي إن يجئكم ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ آمن ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أعماله ﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الدنيا ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الآخرة
стр. 868
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي لا أحد أظلم ﴿مِمَّنِ افْتَرَى﴾ اختلق ﴿أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ﴾ مما هو مكتوب في اللوح المحفوظ؛ من الرزق والأجل ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ ملائكة الموت ﴿﴾ أي قال لهم ملائكة الموت ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ﴾ تعبدون ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره؛ أي أين هم؟ هل يستطيعون كشف الضر عنكم، أو دفع الموت، أو تخليصكم من أيدينا؟ ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي غابوا عنا
стр. 869
﴿قَالَ﴾ لهم ربهم ﴿ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ﴾ مضت ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ﴾
أي تداركوا وتلاحقوا
⦗١٨٤⦘ واجتمعوا ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾ أي الأمم المتأخرة ﴿لأُولاَهُمْ﴾ لمن تقدمهم من الأمم ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ﴾ المتقدمين ﴿أَضَلُّونَا﴾ لأنهم ضلوا قبلنا ابتداء فاتبعناهم في ضلالهم؛ ظناً منا أنهم مهتدون ﴿فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً﴾ أي مضاعفاً ﴿قَالَ لِكُلٍّ﴾ منكما ﴿ضِعْفَ﴾ من العذاب: تابعاً ومتبوعاً، متقدماً ومتأخراً لأن الأولين أتتهم رسلنا فكذبوا فريقاً وقتلوا فريقاً، والآخرين أتتهم رسلنا فكذبوهم وآذوهم؛ فالأولين والآخرين في الكفر سواء فكما أن الخطأ لا يبرر الخطأ؛ كذلك كفر الأولين لا يصح أن يتخذ سبباً لكفر الآخرين و ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
стр. 870
﴿وَقَالَتْ أُولاَهُمْ﴾ أي قالت الأمم المتقدمة ﴿لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ إذ أنكم كفرتم كما كفرنا؛ فلم يزد فضلكم علينا؛ لكنكم لو كنتم اعتبرتم بما حل بنا وآمنتم: كان ذلك فضلاً يميزكم علينا. وبذلك انقطعت حجة المتأخرين على المتقدمين، وتساووا في الكفر برب العالمين وحينئذ يقول رب العزة للفريقين ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ تعملون
стр. 871
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ القرآن ﴿وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَآ﴾ فلم يؤمنوا بها ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَآءِ﴾ أي لا يصعد لهم عمل صالح ولا يقبل منهم، أو لا تنزل لهم رحمة من السماء، أو لا تفتح لأرواحهم بعد الموت؛ بل يذهب بها إلى سجين؛ وما أدرك ما سجين ﴿وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ أبداً ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ أي حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة؛ ويطلق الجمل أيضاً على حبل السفينة الغليظ، وعلى النخل؛ وقد علق الله تعالى دخولهم الجنة على مستحيل؛ فلن يدخل الجمل - سواء كان بعيراً، أو حبلا، أو نخلاً - في خرت الإبرة؛ كما علق تعالى رؤية موسى له؛ على استقرار الجبل فلم يستقر؛ بل جعله ربك دكاً وخرَّ موسى صعقاً
стр. 872
﴿لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ فراش ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ أغطية؛ فكانت النار لهم وطاء وغطاء. وقد جعل الله تعالى العذاب مكان الأمن والدعة والراحة؛ عافانا الله تعالى برحمته من غضبه ونقمته
стр. 873
﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي إن الإيمان والأعمال الصالحة في وسع كل إنسان؛ فلا حجة لمقصر، ولا عذر لمتخلف
وهل ترى من قصد إلى المسجد؛ فتوضأ وصلى وابتهل إلى ربه: خسر من ماله، أو من صحته، أو من عرضه؛ مثل من قصد إلى حانة أو ماخور؛ فخسر ماله وصحته وعرضه بل خسر أيضاً دنياه وآخرته وربما جره ذلك إلى أشد العقوبات، وأفتك الأمراض فأي الفريقين أحق بالأمن؟ وأي الطريقين أهدى وأرخص وأيسر؟ طريق الجنة، أم طريق النار؟ وحقاً إن النار لتشرى بالنقود،
⦗١٨٥⦘ والجنة تنال بالمجان وقد تمت المنة، وكملت النعمة، وسقطت المعذرة، وقامت لله الحجة البالغة؛ بقوله ﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾
стр. 874
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم﴾ أي صدور أهل الجنة ﴿مِّنْ غِلٍّ﴾ حقد وعداوة، وذلك من تمام نعمته تعالى على عباده المؤمنين ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ أي هدانا لصالح العمل؛ الذي أدخلنا بسببه الجنة ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ إلى ذلك ﴿لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ قيل: إن أهل النار يرون مقاعدهم من الجنة لو كانوا مهتدين؛ فيكون ذلك حسرة عليهم، وتعذيباً لهم وإن أهل الجنة يرون مقاعدهم من النار لو لم يهتدوا؛ فيقولون ﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ ﴿وَنُودُواْ﴾ أي نادى الملائكة أصحاب الجنة
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى مناد ﴿بَيْنَهُمْ﴾ بين أهل النار ﴿أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين؛ الذين ظلموا أنفسهم بالكفر وتعريضها للعقاب
стр. 875
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ يمنعون الناس ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه الحق ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ أي يحاولون أن يجعلوا طريقه القويم ودينه المستقيم؛ معوجاً ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ﴾ بالبعث والحساب والجزاء ﴿كَافِرُونَ﴾ لا يصدقون بمجيء القيامة
стр. 876
﴿وَبَيْنَهُمَا﴾ أي بين الجنة والنار، أو بين أصحاب الجنة وأصحاب النار ﴿حِجَابٍ﴾ حاجز؛ وهو السور الذي ذكره الله تعالى في قوله ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ وهو سور الأعراف المعني بقوله جل شأنه ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ﴾ جمع عرف؛ وهو كل مرتفع من الأرض، ومنه سمي عرف الديك: لارتفاعه. وقيل: سمي الأعراف: لأن أصحابه يعرفون الناس جميعاً: أهل الجنة وأهل النار ﴿رِجَالٌ﴾ هم أناس تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة؛ فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ فجعلوا هنالك حتى يقضي الكريم فيهم بما يشاء؛ وسيدخلهم الجنة بفضله ومغفرته ورحمته وزعم بعضهم أن المقصود بأصحاب الأعراف: الملائكة؛ وأنهم يناقشون أهل النار بأمر ربهم؛ وهو قول يتجافى مع الصواب والمنطق؛ فقد عرفهم الله تعالى بقوله ﴿رِجَالٌ﴾ ولا يطلق هذا التعريف على ملائكة الرحمن وهؤلاء الرجال ﴿يَعْرِفُونَ كُلاًّ﴾ من أصحاب الجنة وأصحاب النار ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ بعلامتهم؛ فأهل الجنة يعرفون ببياض الوجه ونضرته، وبالنور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وأهل النار يعرفون بسواد وجوههم، وبالقترة التي ترهقهم ﴿وَنَادَوْاْ﴾ أي نادى أصحاب الأعراف ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ قائلين لهم ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾
أي لم يدخل أصحاب الأعراف الجنة بعد ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ في دخولها
стр. 877
﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ أي إذا اتجهت أبصار أصحاب الأعراف ﴿تِلْقَآءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ دعوا الله تعالى قائلين
⦗١٨٦⦘ ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ في هذه النار
стр. 878
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاٍ﴾ من أصحاب النار ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ بهيئاتهم التي كانوا يعرفونهم بها في الدنيا، وبكفرهم وكبرهم ﴿قَالُواْ﴾ لهم ﴿مَآ أَغْنَى عَنكُمْ﴾ من النار ﴿جَمْعُكُمْ﴾ كثرتكم واجتماعكم في الدنيا ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان بالله، وتتعالون على مخلوقاته. ويشيرون إلى أهل الجنة؛ قائلين لأهل النار
стр. 879
﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ في الدنيا أنهم ﴿لاَ يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ منه، ولا يدخلهم جنته، وها هو قد قيل لهم ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وقيل: يقال ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ لأهل الأعراف
стр. 880
﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ﴾ نتركهم في العذاب كالمنسيين ﴿كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ فلم يعملوا له ﴿وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا﴾ كتبنا التي أنزلناها على رسلنا ﴿يَجْحَدُونَ﴾ ينكرون ويكذبون
следующие страницы →