Полный текст (5 331 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
﴿وَبَيْنَهُمَا﴾ أي بين الجنة والنار، أو بين أصحاب الجنة وأصحاب النار ﴿حِجَابٍ﴾ حاجز؛ وهو السور الذي ذكره الله تعالى في قوله ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ وهو سور الأعراف المعني بقوله جل شأنه ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ﴾ جمع عرف؛ وهو كل مرتفع من الأرض، ومنه سمي عرف الديك: لارتفاعه. وقيل: سمي الأعراف: لأن أصحابه يعرفون الناس جميعاً: أهل الجنة وأهل النار ﴿رِجَالٌ﴾ هم أناس تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة؛ فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ فجعلوا هنالك حتى يقضي الكريم فيهم بما يشاء؛ وسيدخلهم الجنة بفضله ومغفرته ورحمته وزعم بعضهم أن المقصود بأصحاب الأعراف: الملائكة؛ وأنهم يناقشون أهل النار بأمر ربهم؛ وهو قول يتجافى مع الصواب والمنطق؛ فقد عرفهم الله تعالى بقوله ﴿رِجَالٌ﴾ ولا يطلق هذا التعريف على ملائكة الرحمن وهؤلاء الرجال ﴿يَعْرِفُونَ كُلاًّ﴾ من أصحاب الجنة وأصحاب النار ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ بعلامتهم؛ فأهل الجنة يعرفون ببياض الوجه ونضرته، وبالنور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وأهل النار يعرفون بسواد وجوههم، وبالقترة التي ترهقهم ﴿وَنَادَوْاْ﴾ أي نادى أصحاب الأعراف ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ قائلين لهم ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾
أي لم يدخل أصحاب الأعراف الجنة بعد ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ في دخولها
стр. 877
﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ أي إذا اتجهت أبصار أصحاب الأعراف ﴿تِلْقَآءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ دعوا الله تعالى قائلين
⦗١٨٦⦘ ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ في هذه النار
стр. 878
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاٍ﴾ من أصحاب النار ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ بهيئاتهم التي كانوا يعرفونهم بها في الدنيا، وبكفرهم وكبرهم ﴿قَالُواْ﴾ لهم ﴿مَآ أَغْنَى عَنكُمْ﴾ من النار ﴿جَمْعُكُمْ﴾ كثرتكم واجتماعكم في الدنيا ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان بالله، وتتعالون على مخلوقاته. ويشيرون إلى أهل الجنة؛ قائلين لأهل النار
стр. 879
﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ في الدنيا أنهم ﴿لاَ يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ منه، ولا يدخلهم جنته، وها هو قد قيل لهم ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وقيل: يقال ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ لأهل الأعراف
стр. 880
﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ﴾ نتركهم في العذاب كالمنسيين ﴿كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ فلم يعملوا له ﴿وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا﴾ كتبنا التي أنزلناها على رسلنا ﴿يَجْحَدُونَ﴾ ينكرون ويكذبون
стр. 881
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ هو القرآن الكريم ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ بيّناه؛ بالقصص والأخبار، والوعد، والوعيد، وفصلنا فيه بين الحق والباطل ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ منا بحق ما بيناه، وصحة ما فصلناه ﴿هُدًى﴾ لمن اتبعه ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن تمسك به
стр. 882
﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ ما ينتظرون ﴿إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ أي إلا أن يأتي ما وعدوا به في القرآن من البعث والحساب، وما يستتبعه من العذاب
﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ يوم القيامة؛ وحينئذ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ أي نسوا الوعد والوعيد في الدنيا ﴿لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ فقد تحقق الآن ما أنذرونا به ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ إلى الدنيا ﴿فَنَعْمَلَ﴾ فيها من الصالحات ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ من السيئات ﴿قَدْ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ بأن ألقوا بها في الجحيم والعذاب الأليم ﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾ غاب ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي ما كانوا يعبدونه من الأصنام
стр. 883
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواء يليق به؛ وليس كاستواء المخلوقين؛ لأن الديان يتقدس عن المكان، وتعالى المعبود عن الحدود ﴿أَيُّ﴾ يغطيه بظلامه ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ سريعاً ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ سائرات بقدرته، منظمات للكون بارادته؛ كل منها يعمل في الحدود التي رسمها له خالقه ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ﴾ جميعاً؛ من ملك، وإنسان، وجن، وحيوان، ونبات، وجماد ﴿وَالأَمْرُ﴾ كله له لا يشاركه فيه أحد من خلقه ﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى وتعاظم
стр. 884
﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ﴾ اعبدوه ﴿تَضَرُّعاً﴾ تذللاً واستكانة لطاعته ﴿وَخُفْيَةً﴾ بخشوع قلوبكم، وصحة يقينكم؛ لا مجاهرين بذلك؛ بقصد المراءاة؛ كشأن أهل النفاق ولقد كان من سبقنا من علية القوم ما من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر؛ فيكون علانية أبداً، وكانوا لا يعملون في الجهر إلا ما قصد به وعظ الغير إلى ما اتعظوا به، وهدايتهم إلى ما اهتدوا أو أريد بالدعاء: السؤال والطلب؛ وقد كانوا يجهدون في الدعاء؛ فلا يسمع لهم صوت
⦗١٨٧⦘ إن كان فلا يكون إلا همساً بينهم وبين ربهم - هذا وقد ذكر الله عبداً صالحاً من عباده فرضي فعله؛ فقال ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
المتجاوزين للحد في رفع الصوت بالدعاء، أو المتجاوزين لحد الأدب في الدعاء؛ كمن يطلب رتبة النبيين، أو كمن يسأل ما لا يجوز عقلاً؛ ومن المعلوم أن إرادة الله تعالى لا تتعلق بمستحيل، فلا يجوز أن يدعو إنسان ربه قائلاً: يا رب اجعل هذا النهر لبناً سائغاً، أو عسلاً صافياً؛ فهذا - ولو أنه غير مستحيل على قدرة الله تعالى - فإنه مستحيل عقلاً وعادة؛ ومثل هذا الداعي ساخر بدينه، مستهزىء بربه
стр. 885
﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾ أي لا تكفروا بعد إذ أمركم بالإيمان وأقام على وحدانيته الدليل والبرهان، ولا تظلموا بعد إذ أمركم بالعدل، وأبان لكم مغبة الظلم، ولا تعصوا بعد إذ عرفكم جزاء الطائعين، وعاقبة المتقين وجماع القول أن الله تعالى أراد بما أمر به ونهى عنه: إصلاح العباد والبلاد؛ فمن ابتغى وراء ذلك: فقد بالغ في الفساد والإفساد ﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ خوفاً من عذابه، وطمعاً في رحمته
стр. 886
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرىً﴾ مبشرات ﴿بَيْنَ يَدَيِ﴾ أمام ﴿رَحْمَتِهِ﴾ المطر؛ وسماه رحمة لأنه سبب في الرخاء والخصب والنماء؛ وجميعها رحمة وأي رحمة ﴿بُشْرىً﴾ حملت الرياح ﴿سَحَاباً ثِقَالاً﴾ ممتلئاً ماءً ﴿سُقْنَاهُ﴾ أي سقنا السحاب بواسطة الرياح ﴿لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ جدب لا نبات فيه ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ﴾ أي بواسطة الرياح، أو بالسحاب ﴿الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ أي بالماء ﴿مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ التي يحتاجها الإنسان ﴿كَذلِكَ﴾ أي مثل إحياء الأرض بالثمار والنبات، وإخراجها للأرزاق والأقوات؛ بعد قحطها وموتها ﴿نُخْرِجُ الْموْتَى﴾ أحياء من قبورهم ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تتذكرون بهذه الأمثال التي نضربها لكم؛ فتؤمنون بالآخرة والحساب والجزاء
стр. 887
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ الذي طابت تربته، وعذبت مشاربه ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ﴾ ثمراته وخيراته
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ بقدرته وحكمته، وفي هذا إشارة إلى أن إخراج النبات والثمرات - ولو أن سببه صنع البشر رأي العين - لا يكون إلا بإذن الحكيم العليم، الخالق القادر ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ أي والبلد الذي خبثت تربته، وأسنت مشاربه ﴿لاَ يَخْرُجُ﴾ نباته ﴿إِلاَّ نَكِداً﴾ رديئاً مصاباً بالعاهات والآفات؛ وهذا مشاهد في وقتنا الحاضر؛ إذ أصيب الثمار والنبات بسائر ضروب المعاطب؛ وما ذاك إلا بجناية الخلق على أنفسهم: بنسيانهم الأعز الأكرم، المتفضل بسائر النعم، وانصرافهم عن إلههم ومولاهم ويصح أن يكون ذلك مثالاً للمؤمن والكافر؛ ويكون معنى قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ أي أهله؛ وهو كقوله جل شأنه ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي أهلها ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ الذي يعمل أهله بجد واجتهاد
⦗١٨٨⦘ في دينهم ودنياهم ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ﴾ أي ثواب إحسانهم وإيمانهم كثيراً غزيراً ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ بتفضله وإحسانه؛ وهو الجنة، وأنعم بها من منة ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ أي الذي خبث أهله، وساءت أعمالهم، وكفروا بربهم؛ وركنوا إلى الكسل والخمول ﴿لاَ يَخْرُجُ﴾ نباته ﴿إِلاَّ نَكِداً﴾ أي ثواب أعمالهم النار وبئس القرار ويجوز أن يكون المراد بالبلد: الجسد.
وطيبه: أكل الحلال، والابتعاد عن كل ما هو حرام. ونباته: أعماله؛ تخرج كلها حسنة، مليئة بالطاعات، موصلة إلى الجنات والجسد الذي خبث بأكل الحرام، وارتكاب الآثام: لا يخرج عمله إلا سيئاً؛ موصلاً إلى النار، وغضب الجبار فكذلك بنو آدم: خلقوا من نفس واحدة - بل من طينة واحدة - فمنهم من آمن ب الله وكتبه ورسله؛ فطاب ومنهم من كفر ب الله وكتبه ورسله فخبث (انظر آية ١٧٢ من سورة البقرة) ﴿كَذلِكَ﴾ أي مثل هذه الأمثال التي نضربها، والآيات التي نسوقها ﴿نُصَرِّفُ الآيَاتِ﴾ نوضحها ونبينها، ونكررها
стр. 888
﴿قَالَ الْمَلأُ﴾ أي السادة والأشراف ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ السفينة ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ﴾ أي عمي عن الحق ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ أي في خفة عقل
стр. 889
﴿أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ موعظة تذكركم ﴿وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ﴾ في الأرض؛ تملكونها، وتنتفعون بخيراتها ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ وقد أهلكهم الله تعالى بكفرهم وذنوبهم ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ زيادة في الجسم والعزم ﴿فَاذْكُرُواْ آلآءَ اللَّهِ﴾ أنعمه
стр. 890
﴿وَنُذُرِ﴾ ندع ونترك ﴿مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأصنام ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ به من العذاب
стр. 891
﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ﴾ عذاب ﴿وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونِي فِي أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ﴾ يعني بها الأصنام التي يعبدونها؛ كاللات، والعزى، ومناة؛ وما شاكلها ﴿مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ حجة وبرهان ﴿فَانْتَظِرُواْ﴾ العذاب الموعود الذي تستعجلون به ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ له؛ فنزل بهم العذاب، وأوقع الله تعالى عليهم العقاب
стр. 892
﴿فأَنْجَيْناهُ﴾ أي أنجينا هوداً ﴿وَالَّذِينَ﴾ آمنوا ﴿مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا﴾ بأن حففناهم بلطفنا الخفي، وأنجيناهم من عذاب بئيس؛ لا ينزل إلا بأمرنا، ولا يدفع إلا برحمتنا ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ الدابر: الأصل؛ أي استأصلناهم فلم نبق منهم أحداً
стр. 893
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ عبر تعالى بالأخ - في مثل هذه المواضع - لأن كل نبي بعثه الله تعالى من قومه: زيادة في تألفهم ﴿قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ حجة واضحة ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ معجزته؛ أخرجها ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ علامة على صدقي ووحدانيته ﴿فَذَرُوهَا﴾ دعوها واتركوها
стр. 894
﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ﴾ أسكنكم ﴿فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا﴾ السهل: الأرض المستوية ﴿فَاذْكُرُواْ آلآءَ اللَّهِ﴾ نعمه ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ العثى: أشد الفساد
стр. 895
﴿قَالَ الْمَلأُ﴾ السادة والأشراف ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ﴾ عن الإيمان ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ﴾ وهم الذين آمنوا بصالح عليه السلام
стр. 896
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ﴾ الكافرون ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ أي كفروا بأن صالحاً مرسل من ربه، وأن الناقة آية منه تعالى
стр. 897
﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ﴾ قتلوها
⦗١٩٠⦘ ﴿وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ استكبروا عن طاعته ﴿وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ من العذاب
стр. 898
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة الشديدة ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أي متلبدين بالأرض باركين على الركب ميتين
стр. 899
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أعرض صالح عنهم ﴿وَقَالَ﴾ لقومه - بعد نزول العذاب بهم وموتهم - ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ التي كلفني بإبلاغها لكم، وأرسلني بها لهدايتكم ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ باتباعي والإيمان ب الله تعالى وطاعته؛ خشية أن ينزل بكم ما نزل، ويحل بكم ما حل ﴿وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ فعصيتموني وكفرتم بربكم؛ فحل بكم عذابه الموعود الذي استعجلتموه، ويومه المشهود الذي عاينتموه وخطاب صالح ﵇ لقومه بعد موتهم: تسجيل لأداء ما كلفه الله تعالى بأدائه، وتسجيل لتكذيبهم وكفرهم؛ ولا شك أنهم سامعون لقوله؛ بدليل مخاطبة الرسول لقتلى المشركين يوم بدر: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً﴾ وقال لمن حوله: ﴿قَالُواْ نَعَمْ﴾
стр. 900
﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ الكبيرة؛ وقد كانوا يأتون الذكران ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ في العصيان
стр. 901
﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي يتنزهون عما نفعله من إتيان الرجال في الأدبار.
هذا وفعلة قوم لوط من أشنع الفواحش، وأبشع الجرائم، يأباها أحط الحيوانات، فما بالك بأكرم المخلوقات
стр. 902
﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ جميع من آمن به ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب
стр. 903
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً﴾ عجيباً؛ ليس كسائر المطر، الذي يأتي بالثمر؛ بل أنزل عليهم من السماء ناراً تستعر ليس بالمطر الذي يبعث الرخاء والرحمة، والسعة والنعمة؛ بل أمطرتهم السماء ناراً وأحجاراً، وبعثت فيهم موتاً ودماراً ويقال «أمطر» في العذاب، و «مطر» في الرحمة ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ومآلهم؟ إذ دمرناهم وأحرقناهم وأهلكناهم
стр. 904
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ وهو صهر موسى ﵉؛ الذي زوجه إحدى ابنتيه وقال له «لا تخف نجوت من القوم الظالمين» ﴿قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ حجة ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ تدل على صدقي ﴿فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ في معاملاتكم
⦗١٩١⦘ ﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ﴾ تنقصوا ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ﴾ بالكفر والعصيان ﴿بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾ ببعث الرسل، وإنزال الكتب
стр. 905
﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ طريق ﴿تُوعَدُونَ﴾ من التوعد؛ أي تهددون من آمن بشعيب. والتوعد: التهدد. ويقال في الخير: وعد. وفي الشر: أوعد. قال الشاعر:
وإني إذا أوعدته أو وعدته
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
﴿وَتَصُدُّونَ﴾ تمنعون الناس ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه القويم ﴿وَتَبْغُونَهَا﴾ تريدونها ﴿عِوَجَا﴾ معوجة؛ غير مستقيمة؛ لتمنعوا الناس عن سلوكها
стр. 906
﴿قَالَ الْمَلأُ﴾ السادة والأشراف من قوم شعيب ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ﴾ عن الإيمان به ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ جميعاً ﴿فِي مِلَّتِنَا﴾ التي نحن عليها ﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ أي أتعيدوننا في ملتكم؛ ولو كنا كارهين لهذه الملة، ساخطين عليها
стр. 907
﴿قَدِ افْتَرَيْنَا﴾ اختلقنا ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ آمنا بغيره، و ﴿عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ بعنايته وتوفيقه، وهدايته إلى معرفته ﴿وَمَا يَكُونُ﴾ ما يجوز، وما يحق ﴿لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ أي إلا أن يكون قد سبق في علمه تعالى شقوتنا وانحرافنا عن الحق الذي أمرنا باتباعه ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ﴾ كان، أو هو كائن ﴿عِلْماً﴾ كيف لا؛ وهو جل شأنه خالق كل شيء، وهو السميع العليم
⦗١٩٢⦘ ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ ليهدينا سبلنا (انظر آية ٨١ من سورة النساء) ﴿رَبَّنَا افْتَحْ﴾ احكم ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ الحاكمين
стр. 908
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة الشديدة ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ متلبدين بالأرض، باركين على الركب ميتين
стр. 909
﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ﴾ كأن لم يقيموا فيها. والمغنى: المسكن
стр. 910
﴿فَتَوَلَّى﴾ أعرض ﴿عَنْهُمْ وَقَالَ﴾ لهم ﴿يقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي﴾ التي أرسلني بها إليكم؛ فكذبتموني ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ فلم تستمعوا لنصحي ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ أحزن ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ بذلت لهم سبل الهداية؛ فازدادوا فجوراً وكفراً، وأسدي لهم النصح؛ فأبوا إلا عتواً وعناداً
стр. 911
﴿أَخَذْنَا أَهْلَهَا﴾ عاقبناهم ﴿بِالْبَأْسَآءِ﴾ الفقر ﴿وَالضَّرَّآءِ﴾ المرض ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرِّعُونَ﴾ يتذللون
стр. 912
﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾ أبدلناهم مكان الفقر والمرض ﴿الْحَسَنَةَ﴾ الغنى والعافية ﴿حَتَّى عَفَوْاْ﴾ نمت أموالهم، وكثرت أولادهم؛ يقال: عفا الشعر والنبات: إذا كثر. وقد عرَّف تعالى أنه أخذهم بالشدة فلم تنجع، وأخذهم باللين فلم ينفع ﴿وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ﴾ كما مسنا؛ أرادوا أن ينسبوا ذلك إلى الدهر، وإن ما حاق بهم: حاق بمن كان قبلهم؛ وهذا ضرب من ضروب الكفر ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ بالعذاب ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة؛ بعد أن بذلنا في إقناعهم كل الأسباب؛ من نعمة وعذاب، وإغناء وإقناء، وصحة وإعلال، ونوال ونكال؛ فاستحقوا بذلك الإهلاك والاستئصال
стр. 913
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ الذين كفروا ب الله تعالى، وجحدوا أنعمه، وكذبوا رسله؛ لو أنهم ﴿آمَنُواْ﴾ بربهم ﴿وَاتَّقَواْ﴾ بطشه وعذابه ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ﴾ بالمطر والنبات. فانظر - يا رعاك الله - إلى قول مولاك ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقل: ﴿أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ وقال: ﴿بَرَكَاتٍ﴾ ولم يقل: ﴿رِزْقاً﴾ وشتان بين الفتح والإنزال، البركات والأرزاق فالمطر وحده لا يكفل الخصب والإنبات أما البركات فهي وحدها كفيلة بكل شيء.
⦗١٩٣⦘ ﴿وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ بالعذاب
стр. 914
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ عذابنا وانتقامنا ﴿بَيَاتاً﴾ ليلاً
стр. 915
﴿ضُحًى﴾ نهاراً
следующие страницы →