Полный текст (5 331 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
﴿أَخَذْنَا أَهْلَهَا﴾ عاقبناهم ﴿بِالْبَأْسَآءِ﴾ الفقر ﴿وَالضَّرَّآءِ﴾ المرض ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرِّعُونَ﴾ يتذللون
стр. 912
﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾ أبدلناهم مكان الفقر والمرض ﴿الْحَسَنَةَ﴾ الغنى والعافية ﴿حَتَّى عَفَوْاْ﴾ نمت أموالهم، وكثرت أولادهم؛ يقال: عفا الشعر والنبات: إذا كثر. وقد عرَّف تعالى أنه أخذهم بالشدة فلم تنجع، وأخذهم باللين فلم ينفع ﴿وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ﴾ كما مسنا؛ أرادوا أن ينسبوا ذلك إلى الدهر، وإن ما حاق بهم: حاق بمن كان قبلهم؛ وهذا ضرب من ضروب الكفر ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ بالعذاب ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة؛ بعد أن بذلنا في إقناعهم كل الأسباب؛ من نعمة وعذاب، وإغناء وإقناء، وصحة وإعلال، ونوال ونكال؛ فاستحقوا بذلك الإهلاك والاستئصال
стр. 913
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ الذين كفروا ب الله تعالى، وجحدوا أنعمه، وكذبوا رسله؛ لو أنهم ﴿آمَنُواْ﴾ بربهم ﴿وَاتَّقَواْ﴾ بطشه وعذابه ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ﴾ بالمطر والنبات. فانظر - يا رعاك الله - إلى قول مولاك ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقل: ﴿أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ وقال: ﴿بَرَكَاتٍ﴾ ولم يقل: ﴿رِزْقاً﴾ وشتان بين الفتح والإنزال، البركات والأرزاق فالمطر وحده لا يكفل الخصب والإنبات أما البركات فهي وحدها كفيلة بكل شيء.
⦗١٩٣⦘ ﴿وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ بالعذاب
стр. 914
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ عذابنا وانتقامنا ﴿بَيَاتاً﴾ ليلاً
стр. 915
﴿ضُحًى﴾ نهاراً
стр. 916
﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ﴾ مكره بهم: أخذه إياهم من حيث لا يشعرون
стр. 917
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ أولم يتبين ﴿أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أهلكناهم بسببها ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ نغطي عليها ﴿فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ النصح؛ وذلك عقوبة لهم على انصرافهم عن آيات ربهم؛ وعدم اعتبارهم بما امتحنهم به من تعذيب، وما منحه لهم من نعيم
стр. 918
﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾ التي ذكرناها، وذكرنا أنباءها، ومن أرسل إليها؛ والمقصود بالقرى: أصحابها وساكنيها؛ وهم قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا﴾ أخبارها ما نثبت به فؤادك؛ وليتعظ بذلك قومك، وليعلموا أنهم إن بقوا على كفرهم؛ فسيكون حالهم مثل حالهم ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات الظاهرات ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ بالرسل ولا بالمعجزات ﴿بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ أي بما كذب به آباؤهم وأسلافهم، أو ﴿بِمَا كَذَّبُواْ﴾ به ﴿مِن قَبْلُ﴾ إتيان الرسل إليهم؛ أي إنهم ظلوا بكفرهم متمسكين، وعلى تكذيبهم ثابتين. وقيل: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ إذ ردوا بعد الموت ﴿بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ ﴿كَذلِكَ﴾ مثل ذلك الطبع الذي طبعه الله تعالى على قلوب الكافرين والمكذبين ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ يختم ويغطي ﴿عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ لأنهم كفروا ابتداء، وأصروا على الكفر انتهاء، وأصموا آذانهم عن الاستماع إلى النصح، وأغلقوا قلوبهم بأقفال من الغفلة والعناد فحق عليهم غضب ربهم، وتخليه عن هدايتهم ولا يخفى أن كفرهم سابق على تغطية الله تعالى قلوبهم؛ وأن طبع الحكم العدل على قلوبهم؛ كان عقوبة على عنادهم وتمسكهم بكفرهم
стр. 919
﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ أي ليس لهم وفاء ولا أمانة
стр. 920
﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ فكفروا بها.
стр. 921
﴿حَقِيقٌ﴾ جدير ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ﴾ بمعجزة ظاهرة
стр. 922
﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ معجزة
стр. 923
﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ بين واضح؛ لا لبس فيه ولا إبهام، ولا تمويه ولا خداع
стр. 924
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أخرجها من جيبه ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ مشرقة كإشراق الشمس، ولم يكن بياضاً معتاداً، كبياض البرص؛ وإلا لم تكن معجزة
стр. 925
﴿قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ أي أخرهما ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾ جامعين
стр. 926
﴿وَجَآءَ السَّحَرَةُ﴾ الذين جمعتهم رسل فرعون من المدائن
стр. 927
﴿قَالُواْ يمُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾ بسحرك أولاً
стр. 928
﴿قَالَ﴾ موسى ﴿أَلْقَوْاْ﴾ أنتم بسحركم أولاً ﴿فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ﴾ بسحرهم ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ يؤخذ من هذا أن السحر إن هو إلا تمويه على العقول، وخدع للأبصار؛ وليس نقلاً للأشياء عن حقيقتها وطبيعتها؛ كشأن المعجزة التي تسندها قوة الخالق الأعظم ﵎ وذلك لأن الساحر لو أحال طبيعية الأشياء؛ لكان ما يأتي به معجزة أو هو كالمعجزة التي يأتي بها الأنبياء ﵈، وكان لا فرق بينه وبين النبي؛ ولقام العذر لمن انخدع به ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ من الرهبة؛ أي أخافوهم وأزعجوهم.
стр. 929
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ تتناول بسرعة؛ والمعنى أنها تبتلع ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ ما يكذبون؛ أي ما يموهون به على أعين الناس من سحرهم؛ والإفك: أسوإ الكذب
стр. 930
﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ الذي أراده الله تعالى، وانتصر رسول رب العالمين، على رسول إبليس اللعين ولقفت عصا موسى حبال السحرة وعصيهم، وظهر أمر الله تعالى، وعلت كلمته، وانهار صرح الكفر ودالت دولته
стр. 931
﴿فَغُلِبُواْ﴾ أي غلب فرعون وقومه ﴿هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ﴾ رجعوا ﴿صَاغِرِينَ﴾ ذليلين مقهورين ولما بان للسحرة شأن موسى وأحسوا بما أبداه وأظهره، وعلموا أن ذلك ليس من جنس السحر الذي يخدعون أعين الناس به؛ وأنه يستعين فيما يأتيه بقدرة خارقة لطبائع الأشياء، ويستمد بقوة إلهية محسوسة؛ ولو أنها غير منظورة حينئذ علموا أنه يدعو إلى الحق، وأن فرعون يدعو إلى الباطل؛ وخروا سجداً لله، و
стр. 932
﴿قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ *
стр. 933
رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ *
стр. 934
قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ﴾ استفهام؛ أي أآمنتم ﴿بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ﴾ بالإيمان ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ﴾ وهو إظهار الإيمان بموسى؛ ليؤمن به باقي الناس
стр. 935
﴿قَالُواْ إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ راجعون
стр. 936
﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ﴾ أي وما تعاقبنا؛ يقال نقم منه: إذا عاقبه ﴿إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ الدالة عليه؛ وهي ما رأيناه من معجزات ظاهرات ﴿رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾ هب لنا من لدنك صبراً واسعاً، وأكثره علينا حتى يفيض ويغمرنا
стр. 937
﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ﴾ أتترك ﴿مُوسَى وَقَوْمَهُ﴾ ممن آمن به من بني إسرائيل ﴿لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ﴾ يدعك ويتركك ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ قيل: كان لعدو الله تعالى بقرة يعبدها؛ وقد قرأ مجاهد وابن عباس «وإلاهتك» وكان القائلون لذلك خاصة فرعون وبطانته؛ وهكذا شأن بطانة السوء في كل زمان ومكان: تدس للعاملين المصلحين؛ عند الملوك الجاهلين المستبدين؛ وتفهمهم أن في بقاء أمثال هؤلاء خطراً على عروشهم وهكذا أيضاً شأن الحمقى من الملوك والرؤساء: يحيطون ملكهم وجبروتهم بسياج من السطوة والبطش؛ لتتوفر لهم بذلك أسباب الاستقرار والانقياد ولذا كان جواب فرعون على تحريض ملئه له
﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي
⦗١٩٦⦘ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ عالون بالقدرة، والكثرة، والغلبة، والقهر. وهذا هو شأن المستبد الظالم الغاشم المبطل؛ الذي لا يعتمد إلا على ظلمه وقوته وقسوته أما الذي ينشد العدل، ويرغب في الحق؛ ويسعى إلى الإصلاح؛ فهو إذا غلب على أمره: لجأ إلى مولاه يستهديه ويستعينه ويسترشده؛ لذا
стр. 938
﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ على أعدائكم ﴿وَاصْبِرُواْ﴾ على أذاهم؛ ف الله معكم، وهو ناصركم ﴿إِنَّ الأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا﴾ يملكها ﴿مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الأتقياء ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ النهاية الحسنة المحمودة ﴿لِّلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب
стр. 939
﴿قَالُواْ﴾ أي قال بنو إسرائيل - أصحاب موسى - حين سمعوا مقالته: لقد ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا﴾ بقتل الأبناء، واستحياء النساء ﴿وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ بإيذاء فرعون لنا، ووعيده وتهديده ﴿قَالَ﴾ موسى لقومه ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ فرعون وملئه ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ مكانهم ﴿فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أتحسنون هذه الخلافة، أم تكونون - كمن سبقكم - من المفسدين؟ وقد أهلك الله تعالى عدوهم، واستخلفهم في الأرض كما وعدهم؛ فكانوا أضل من فرعون وأطغى، وكانوا من أسوأ الأمم فساداً وإفساداً؛ لعنهم الله تعالى
стр. 940
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ﴾ بالقحط؛ يقال: أسنت القوم؛ بمعنى أقحطوا
стр. 941
﴿فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ الخصب والغنى ﴿قَالُواْ لَنَا هَذِهِ﴾ أي نستحقها بعملنا وعلمنا؛ ولم يشكروا الله تعالى عليها ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ قحط وبلاء ﴿يَطَّيَّرُواْ﴾ يتشاءموا ﴿بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾
زاعمين أنهم سبب الشؤم الواقع بهم ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهُ﴾ أي إنما سبب شؤمهم عند الله؛ وهو عملهم الذي يعملونه، والذي استوجبوا عليه ما أسموه طيرة وشؤماً هذا والتطير والتشاؤم من العادات التي ذمها القرآن الكريم، ونهى عنها الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر» «إذا تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا» وقال أيضاً: «من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك» لقد تشاءم الكافرون من أنبيائهم، في حين أن الشؤم هم سببه ومصدره؛ فقد تشاءم قوم موسى بموسى، وتشاءم قوم صالح بصالح: ﴿قَالُواْ اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ﴾ وفي شتى العصور تشاءم الكافرون بالمرسلين وبالمؤمنين ﴿قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ هذا وقد جرى بعض المسلمين على نهج هؤلاء الكافرين؛ فتشاءموا من الأوقات، ومن الأيام، ومن الأشخاص؛ وهي عادة مرذولة يأباها الإسلام ويحض على نبذها ومنعها؛ ولا يقبلها دين سماوي، ولا عقل راجح؛ ومن عجب أنهم يستدلون ببعض آيات
⦗١٩٧⦘ الكتاب الكريم على ما يزعمونه؛ ويوردون قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ ﴿فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾ ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ ولا ندري أي من يوم من هذه الأيام الثمانية نختصه بالنحس دون الآخر - وقد شملت الآية الكريمة كل أيام الأسبوع ولياليه - فبان لنا من ذلك: أن النحس متعلق بذات الأشخاص الواقع عليهم النحس؛ وذلك بسبب شؤم معاصيهم، وبعدهم عن مرضات ربهم ولم يخلق الله تعالى الأيام نحساً كلها، أو سعادة كلها؛ فبعضها نحس على أناس، سعد على آخرين؛ ورب إنسان تصور نحسه في يوم من الأيام، فصار هذا اليوم مصدر سعادة له لا يترقبها ولا يتوهمها ونخرج من هذا البحث بنتيجة واحدة لا ثاني لها: هي أن ﴿مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ فسييسره ربه لليسرى؛ وأيامه كلها هناء، ولياليه كلها سعادة؛ غير ما أعده الله تعالى له من خير عميم، ونعيم مقيم أما ﴿مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ فسييسره ربه للعسرى؛ وأيامه نحسات، ولياليه مدلهمات؛ غير ما أعده له ربه من جحيم، وعذاب أليم
стр. 942
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ كل ما طاف وغلب؛ من مطر، أو مرض، ونحوهما: فهو طوفان. ومنه قوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ وورد: أنه الموت المتتابع الذريع؛ ولعله الطاعون. وقيل: هو طوفان من الماء؛ أحاط بهم، ودخل منازلهم، وعلا حتى وصل إلى حلوقهم سبعة أيام ﴿وَالْجَرَادَ﴾ سلطه الله تعالى عليهم؛ فلم يدع لهم طعاماً يأكلونه ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ وهو السوس الذي يأكل الحنطة فلا يدع إلا قشرها؛ أفنى الجراد ما زرع ليؤكل، وأباد السوس ما أعد للأكل، وقيل: «القمل» صغار الجراد؛ الذي لا أجنحة له، أو هو قمل الرأس المعروف ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ امتلأت الدنيا بها من حولهم؛ حتى إن الرجل ليفتح فمه ليتكلم؛ فتثب واحدة منه فتدخل في فيه ﴿وَالدَّمَ﴾ قيل: صارت مياههم دماً.
وقيل: هو الرعاف. وقد أرسل الله تعالى عليهم هذه الآفات ﴿آيَاتُ﴾ عظات ﴿مّفَصَّلاَتٍ﴾ ظاهرات؛ لا يخفى على عاقل أنها من عند الله. أو ﴿مّفَصَّلاَتٍ﴾ بمعنى متفرقات ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ﴾ عن الإيمان، ولم يجيبوا داعي الرحمن
стр. 943
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ العذاب المذكور. وقيل: هو عذاب آخر عذبوا به بعد إذ لم يؤمنوا بما مر من الآيات؛ وهو الطاعون ﴿قَالُواْ يمُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ أي بما اختصك به من إجابة الدعاء، وقبول الرجاء؛ و ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ﴾ تذهب بهم حيث تشاء
стр. 944
﴿فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ﴾ وهو انتهاء أعمارهم بالغرق ﴿إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ ينقضون وعدهم وتوبتهم
стр. 945
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ في البحر الذي لا يدرك قعره
стр. 946
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾ وهم بنو إسرائيل؛ رفعهم من حضيض الذل، إلى أوج العز ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ يبنون
стр. 947
﴿فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ﴾ يقبلون مواظبين ﴿عَلَى﴾ عبادة ﴿أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ﴾ أي قال بنو إسرائيل لموسى ﴿يمُوسَى اجْعَلْ لَّنَآ إِلَهاً﴾ نعبده ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ يعبدونها ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ عجباً لبني إسرائيل: رأوا ما حل بفرعون وقومه جزاء كفرهم ب الله وذاقوا حلاوة نصرهم على عدوهم - جزاء إيمانهم - وحينما يرون أناساً يعبدون الأصنام يقولون: كيف يكون لهم آلهة ولا يكون لنا إلهاً نعبده كما يعبدون؟ ونسوا أنعم الله تعالى عليهم
стр. 948
﴿إِنَّ هَؤُلآءِ﴾ الذين ترونهم يعبدون الأصنام ﴿مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾
أي إن ما هم فيه هلاك وخسران. و ﴿مُتَبَّرٌ﴾ مدمر مكسر
стр. 949
﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ﴾ الذي خلقكم، واصطفاكم، وأهلك عدوكم وأنجاكم؛ أغيره ﴿أَبْغِيكُمْ﴾ أبغي لكم ﴿إِلَهاً﴾ معبوداً ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فكيف تبتغون غيره، وتطلبون معبوداً سواه؛ وتقولون: ﴿اجْعَلْ لَّنَآ إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾؟ اذكروا يا بني إسرائيل
стр. 950
﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ﴾ الخطاب موجه لليهود الموجودين في عصر النبي؛ أي اذكروا إذ أنجينا آباءكم وأسلافكم؛ أو هو تذكير لمنته تعالى على بني إسرائيل ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يذيقونكم ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ أشده وأسوأه ﴿﴾ يستبقونهن أحياء، أو يفعلون بهن ما يخل بالحياء ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ العذاب والتقتيل ﴿بَلاءً﴾ ابتلاء ومحنة، أو ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ العذاب نعمة لكم؛ لأن سنته تعالى جرت على رفع درجات من ابتلى، وإعلاء شأن من امتحن
следующие страницы →