Полный текст (5 331 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾ وهم بنو إسرائيل؛ رفعهم من حضيض الذل، إلى أوج العز ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ يبنون
стр. 947
﴿فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ﴾ يقبلون مواظبين ﴿عَلَى﴾ عبادة ﴿أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ﴾ أي قال بنو إسرائيل لموسى ﴿يمُوسَى اجْعَلْ لَّنَآ إِلَهاً﴾ نعبده ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ يعبدونها ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ عجباً لبني إسرائيل: رأوا ما حل بفرعون وقومه جزاء كفرهم ب الله وذاقوا حلاوة نصرهم على عدوهم - جزاء إيمانهم - وحينما يرون أناساً يعبدون الأصنام يقولون: كيف يكون لهم آلهة ولا يكون لنا إلهاً نعبده كما يعبدون؟ ونسوا أنعم الله تعالى عليهم
стр. 948
﴿إِنَّ هَؤُلآءِ﴾ الذين ترونهم يعبدون الأصنام ﴿مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾
أي إن ما هم فيه هلاك وخسران. و ﴿مُتَبَّرٌ﴾ مدمر مكسر
стр. 949
﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ﴾ الذي خلقكم، واصطفاكم، وأهلك عدوكم وأنجاكم؛ أغيره ﴿أَبْغِيكُمْ﴾ أبغي لكم ﴿إِلَهاً﴾ معبوداً ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فكيف تبتغون غيره، وتطلبون معبوداً سواه؛ وتقولون: ﴿اجْعَلْ لَّنَآ إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾؟ اذكروا يا بني إسرائيل
стр. 950
﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ﴾ الخطاب موجه لليهود الموجودين في عصر النبي؛ أي اذكروا إذ أنجينا آباءكم وأسلافكم؛ أو هو تذكير لمنته تعالى على بني إسرائيل ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يذيقونكم ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ أشده وأسوأه ﴿﴾ يستبقونهن أحياء، أو يفعلون بهن ما يخل بالحياء ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ العذاب والتقتيل ﴿بَلاءً﴾ ابتلاء ومحنة، أو ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ العذاب نعمة لكم؛ لأن سنته تعالى جرت على رفع درجات من ابتلى، وإعلاء شأن من امتحن
стр. 951
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى﴾ بالمناجاة ﴿ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ فتكون أربعين؛ صامها موسى استعداداً لهذا اللقاء، وتأهباً لتلقي أوامر الله تعالى ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ ما وقته له من الوقت ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ أي كن خليفتي فيهم، وراعياً لهم
стр. 952
﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (انظر آية ١٦٤ من سورة النساء) ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي﴾ نفسك ﴿أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي لأنظر إليك وأراك ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ تجلى أمره بأن جعل الجبل لا يستقر، وتجلت قدرته بأن ﴿جَعَلَهُ دَكّاً﴾ أي مدكوكاً؛ وليس معنى التجلي: ظهور المولى - جل وعلا - للجبل، أو إبداء نوره؛ كما ذهب إليه أكثر المفسرين؛ والذي حصل: أن الجبل تزلزل واهتز، وانهارت أركانه، وتصدع بنيانه، ومادت أحجاره، وتساقطت صخوره
﴿وَخَرَّ موسَى صَعِقاً﴾ مصعوقاً؛ مغشياً عليه من هول ما رأى ﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ﴾ من غشيته، اتجه بكليته و ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ ربي؛ تقدست عن الرؤية، وتعاليت عن الوصف
⦗١٩٩⦘ (انظر آية ﷺ من سورة الإسراء) ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من قولي: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بعظمتك، المصدقين بعلوك وتنزيهك فقبل الله تعالى توبته؛ و
стр. 953
﴿قَالَ﴾ له معدداً أفضاله عليه ﴿يمُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي﴾ اصطفيتك: اخترتك (انظر آية ١٦٤ من سورة النساء) ﴿فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ﴾ من التوراة، وبلغها لقومك ﴿وَكُنْ مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لي على هذا الاصطفاء
стр. 954
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ﴾ وذلك لأن التوراة كانت تنزل على موسى مكتوبة في الألواح، أو كان يكتبها - بأمر ربه - في الألواح؛ ولا حاجة بنا إلى أن نخوض في صفة هذه الألواح؛ وهل كانت من ياقوت أو زبرجد، أو زمرد، أو من سدر الجنة؛ مما خاض فيه أكثر المفسرين، وأطنبوا في وصفه؛ حيث لا حاجة بنا إلى ذلك ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ من التنبيه إلى وجود الله تعالى والتذكير بعظمته ﴿مَّوْعِظَةٌ﴾ لهم ﴿وَتَفْصِيلاً﴾ تبييناً ﴿لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاجون إليه لمعاشهم ومعادهم ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ بجد وعزم واجتهاد ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ وذلك لأن في التوراة: الحسن والأحسن؛ كالاقتصاص والعفو، فإن العفو خير من القصاص، وكاتباع الأوامر واجتناب النواهي، فإن اتباع الأوامر خير من اجتناب النواهي ﴿سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي سأريكم ما حل بفرعون وقومه من عذاب وتشريد، وأورثكم أرضهم وديارهم؛ والمراد بدار الفاسقين: مصر
стр. 955
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي﴾ دلائل قدرتي وعظمتي
﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ﴾ فلا يؤمنون بي، ولا يصدقون رسلي ﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ﴾ دالة على وحدانيتي ﴿لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ طريق الهدى والصلاح ﴿لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ طريق الفساد والضلال ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ طريقاً لهم يتمسكون به، ويسيرون فيه ﴿ذلِكَ﴾ الصرف عن الآيات، والوقوع في الضلالات ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ بعد ظهورها ووضوحها؛ فاستحقوا بذلك الصرف عما ينجي، والوقوع فيما يردي
стр. 956
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ فلم يؤمنوا بها؛ واتخذوا لقدرة الله تعالى وآياته أسباباً؛ كقولهم: إن المطر بالنوء، وإن الزلازل من تفاعلات أرضية، وإن البراكين ترجع إلى أسباب طبيعية؛ كتسرب ماء البحار وتبخره من الحرارة ومحاولته الخروج، وإن الأرض والكواكب تدور في أفلاكها بقوى مغناطيسية، ودوافع جاذبية، وإن الأرض كانت قطعة من الشمس فزالت منها، وانفصلت عنها؛ وهم بهذه التعلات والأسباب يحاولون أن يسندوا كل كائن إلى أسباب طبيعة؛ يدفع بعضها بعضاً بغير حاجة إلى موجد أو إلى صانع؛ ناسين الخالق الرازق، القادر
⦗٢٠٠⦘ القاهر، العظيم الجبار؛ فتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً سبحانه ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ وهؤلاء المكذبين: كذبوا بآيات الله تعالى ﴿وَلِقَآءِ الآُخِرَةِ﴾ وهي القيامة، والبعث، والحساب، والجزاء ﴿حَبِطَتْ﴾ بطلت ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ التي عملوها في الدنيا؛ فلا يقام لها وزن؛ فكم من عالم: ملأ علمه طباق الأرض؛ وسارت مخترعاته في طولها والعرض؛ وهو من أهل النار: لكفره بالله، وإيمانه بالقوى التي أوجدها الله بقدرته ومشيئته وكم من جاهل: صفت نيته، وحسنت عبادته؛ وآمن بمولاه؛ فكان من أهل النجاة ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ أي هل يجزى هؤلاء المكذبون الغافلون؛ يوم القيامة من العذاب ﴿إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي إلا جزاء ما عملوا في الدنيا
стр. 957
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ﴾ أي بعد ذهابه لميقات ربه ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ أي مما يتحلون به من الذهب والفضة ﴿عِجْلاً جَسَداً﴾ أي عجلاً مجسماً ﴿لَّهُ خُوَارٌ﴾ له صوت؛ والخوار: صوت البقر؛ وقد كان إبليس اللعين يدخل في جسد العجل، ويخور كما يخور، وقيل: صنعوه بحيث إذا تعرض للهواء: خرج منه صوت يشبه خوار العجل ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ عبدوه
стр. 958
﴿وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ﴾ هو كناية عن اشتداد الحسرة والندامة
стр. 959
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى﴾ من ميقات ربه ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾ بعد أن تلقى أمر ربه ووحيه ﴿غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ مما رآهم عليه من الإنصراف عن عبادة الله تعالى؛ - الخالق الرازق، الضار النافع، السميع العليم - إلى عبادة صنم أخرس؛ لا يخلق ولا يرزق، ولا يضر ولا ينفع، ولا يبصر ولا يسمع ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ تعجلتم سخطه وغضبه وعذابه ﴿وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ﴾ التي في يده، وفيها التوراة، التي تلقاها عن ربه ليبلغها لهم؛ وذلك ليتفرغ للنضال مع أخيه هارون؛ الذي استخلفه عليهم؛ وقد توهم أن هارون لم يقم بما استخلفه عليه، وأهمل في اتباع أوامره ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ فهال ذلك هارون؛ وخشي على نفسه من أخيه موسى، ورأى وضوح عذر موسى في هذا الاعتداء - رغم أن هارون كان مضطراً ومغلوباً على أمره - ﴿قَالَ﴾ هارون لموسى معتذراً ﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ بعد ذهابك ﴿وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَآءَ﴾ بما تفعله الآن معي ﴿وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي لا تجعلني - بعدائك لي - في مصاف الكافرين ويؤخذ من هذه الآية أن حالة الغضب لا يصح أن تقاوم بالشدة؛ بل باللين، خصوصاً بين متحابين فانظر كيف أن هارون ﵇ حينما قابل غضب أخيه وبأسه بلينه وهدوئه: سكن موسى وطلب لنفسه ولأخيه الغفران
стр. 960
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾
⦗٢٠١⦘ التي وسعت كل شيء
стр. 961
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ﴾ عبدوا ﴿الْعِجْلَ﴾ وهم اليهود ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا﴾ غير ما أعد لهم في الآخرة من عذاب أليم مقيم
стр. 962
﴿وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ﴾ أي سكن؛ وبه قرأ معاوية بن قرة. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن موسى ﵇ كان من أشد الناس غضباً، وأنه من شدة غضبه صك ملك الموت ففقأ عينه، وهي فرية إسرائيلية؛ نعوذ ب الله من الوقوع فيها ﴿أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ أي فيما نسخ فيها وكتب ﴿هُدًى﴾ من الله ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يخافون بطشه وعقابه
стр. 963
﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أي من قومه ﴿لِّمِيقَاتِنَا﴾ أي للوقت الذي ضربناه له للإتيان بهم ليعتذروا عن عبادة العجل، ويستغفروا مما جنت أيديهم ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة الشديدة؛ وذلك لأنهم لم يفارقوا قومهم - حين عبدوا العجل - ولم ينهروهم على عبادته؛ وهم غير الذين سألوا الرؤية، وأخذتهم الصاعقة ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾ محنتك وابتلاؤك؛ حين كلمتني وسمعوا كلامك، فطمعوا في رؤيتك. أخذها موسى ﵇ من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ وقد فتنهم الله تعالى بعد أن ضلوا وأضلوا، وزاغوا وأزاغوا ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾
стр. 964
﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾ أي تبنا ورجعنا ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ﴾ قرأ الحسن: «من أساء» من الإساءة ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ انظر كيف قيد الرحمة التي وسعت كل شيء بتقوى الله، وإيتاء الزكاة فاعلم أيها المؤمن أن أمامك طريقين؛ أيهما سلكت جوزيت من جنس عملك: فإما أن تشح بمالك وتضحي برحمة الرحيم الرحمن؛ الذي يطمع في رحمته كل إنسان، وإما أن تؤدي ما فرضه الله تعالى عليك من الزكاة؛ فتسعك رحمته، وتشملك مغفرته (انظر آية ١٤صلى الله عليه وسلّم من سورة الأنعام)
стр. 965
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ جاء في إنجيل برنابا - على لسان عيسى ﵇ ما نصه: «إن كلامكم لا يعزيني؛ لأنه يأتي ظلام حيث ترجون النور، ولكن تعزيتي هي في مجيء الرسول الذي سيبيد كل رأي كاذب، وسيمتد دينه ويعم العالم بأسره؛ لأنه هكذا وعد الله أبانا إبراهيم، وإن مما يعزيني أن لا نهاية لدينه؛ لأن الله سيحفظه صحيحاً حينئذ رفع الجمهور أصواتهم قائلين: يا ألله أرسل لنا رسولك، يا محمد تعال سريعاً لخلاص العالم» إصحاح ٩٧ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ وهو ما كانوا يحرمونه على أنفسهم - في الجاهلية - من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ كلحم الخنزير والميتة
⦗٢٠٢⦘ والدم، وما كانوا يستحلونه من المطاعم والمشارب التي حرمها الله تعالى ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي يضع عنهم القيود والتشديد الذي كان على بني إسرائيل؛ بسبب أعمال عملوها، وذنوب ارتكبوها ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ﴾ أي بمحمد ﵊ ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ عظموه ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾ وهو القرآن العظيم؛ وأكرم به من نور
رب إن الهدى هداك وآيا
تك نور تهدي بها من تشاء
نور القلوب، وشفاء الصدور، وكلام الحكيم العليم، العزيز الرحيم ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ الذي لا يقرأ ولا يكتب؛ وأتى بما أعجز البلغاء، وأخرس الفصحاء وقد أرسله الله تعالى أميّاً؛ ليكون ذلك أذهب للريبة، وأبعد للشبهة؛ أرسله أمياً وهو أعلم العلماء، وأحكم الحكماء
كفاك بالعلم في الأمي معجزة
في الجاهلية، والتأديب في اليتم
стр. 966
﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى﴾ يعني بني إسرائيل ﴿أُمَّةٍ﴾ جماعة؛ آمنوا بمحمد ﴿يَهْدُونَ﴾ الناس ﴿بِالْحَقِّ﴾ الذي تمسكوا به ﴿وَبِهِ﴾ أي بالحق ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في أحكامهم فيما بينهم؛ فبه يعطون، وبه يأخذون، وينصفون من أنفسهم فلا يجورون. وقد ذهب قوم من المفسرين إلى أنها أمة فيما وراء الصين؛ وهو ليس بشيء
стр. 967
﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ أي فرقناهم ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً﴾ الأسباط: أولاد الولد؛ وكانوا اثنتي عشرة قبيلة؛ من اثني عشر ولداً من ولد يعقوب ﵇ ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ طلبوا السقيا؛ لانعدام الماء في التيه ﴿فَانبَجَسَتْ﴾ فانفجرت ﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ بعدد الأسباط؛ والسبط: القبيلة من اليهود ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ كل سبط ﴿مَّشْرَبَهُمْ﴾ العين الخاصة بشربهم ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ﴾ وهو كل ما منَّ الله تعالى به على عباده؛ من غير تعب ولا نصب ﴿وَالسَّلْوَى﴾ كل ما يتسلى به. وقيل: طائر، ويطلق أيضاً على العسل ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي من الرزق السهل، الحلال الطيب المباح. (انظر آيتي ١٧٢ من سورة البقرة. و٥٨ من هذه السورة)
стр. 968
﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ بيت المقدس ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ أي أمرنا حطة. وهي بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة ﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ﴾ أي باب القرية ﴿سُجَّداً﴾ مطأطئين الرؤوس، خاضعين لله الذي تفضل عليكم
стр. 969
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ فلم يقولوا «حطة» بل قالوا: حنطة في شعيرة. ولم يسجدوا؛ بل زحفوا على أستاههم؛ ولم يقصدوا من وراء ذلك سوى المخالفة ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً﴾
عذاباً
стр. 970
﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ أي قريبة منه، راكبة لشاطئه «ميناء» قيل: هي أيلة؛ بين مدين والطور، وقيل: هي ساحل مدين ﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾ يعتدون ويتجاوزون حدود الله تعالى ﴿فِي السَّبْتِ﴾ في يوم السبت - وهو يومهم المعظم في ديانتهم - وقد أمروا بعدم العمل فيه ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً﴾ ظاهرة على وجه الماء؛ فتنة لهم وابتلاء؛ وإن الله تعالى ليبتلي المؤمن ليزداد أجراً بصبره، ويبتلي الكافر ليزداد عذاباً بكفره ﴿كَذلِكَ﴾ أي إتيان الحيتان وظهورها على وجه الماء في يوم السبت؛ الذي حرم فيه الصيد، وعدم إتيانها في الأيام الأخرى التي أبيح فيها؛ كذلك ﴿نَبْلُوهُم﴾ نشدد عليهم البلاء والاختبار والامتحان ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسقهم، وتركهم لأمر ربهم
стр. 971
﴿وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ﴾ طائفة ﴿مِنْهُمْ﴾ من بني إسرائيل؛ لطائفة أخرى كانت تعظ الذين اعتدوا في السبت، وتقول لهم: احذروا مخالفة ربكم، والزموا أوامره. فقالت الطائفة الضالة لهذه الطائفة الآمرة بالمعروف ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ في الدنيا بأعمالهم ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ يوم القيامة ﴿عَذَاباً﴾ إنما ننهاهم ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي نعظهم ليكون ذلك عذراً لنا عند ربنا؛ إذ قمنا بما يجب علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ بسبب وعظنا لهم
стр. 972
﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ أهملوه وتركوه واستمرأوا الكفر والمخالفة ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ﴾ وهي الطائفة التي كانت تعظهم وتنهاهم ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ شديد البؤس ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ أي بخروجهم من طاعة الله تعالى إلى معصيته
стр. 973
﴿فَلَماَّ عَتَوْاْ﴾ تكبروا ﴿عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾ أي كالقردة في المهانة أو «قردة» على الحقيقة ﴿خَاسِئِينَ﴾ صاغرين مطرودين
стр. 974
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ أي أقسم وأعلم ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ أي على اليهود ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ﴾ يقال: سامه خسفاً: إذا أولاه ذلاً ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ بالقتل، والأسر، وأخذ الجزية. فبعث الله تعالى عليهم سليمان، وبعده بختنصر؛ فأعمل فيهم القتل والسبي، وضرب الجزية على من بقي منهم؛ فكانوا يؤدونها إلى المجوس؛ حتى بعث الله تعالى نبينا محمداً فضربها عليهم؛ ثم بعث الله تعالى عليهم بعد ذلك أمة الألمان، فأرتهم من الذل والعذاب ألواناً لم يرها مخلوق من قبل؛ حتى أنهم ليجمعونهم بالآلاف ويطلقون عليهم الغاز الخانق، ويضعونهم في النيران أليس ذلك مما تأذن به المنتقم الجبار في سالف الأزمان؟
وسيظل اليهود طول العمر، وأبد الدهر؛ تحت نير الذل والعذاب ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾
стр. 975
﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾
⦗٢٠٤⦘ فرقناهم ﴿فِي الأَرْضِ أُمَماً﴾ فرقاً ﴿مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ المؤمنون الذين آمنوا بمحمد وبما أنزل إليه ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾ أي الكافرون ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ أي امتحناهم بالنعم والنقم، والخصب والجدب، والغنى والفقر، والصحة والمرض ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إلى ربهم، ويتوبون من ذنوبهم، ويؤمنون بعد كفرهم. لكنهم لم يفعلوا
стр. 976
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الخلف بالجزم: الأولاد الطالحون، وبفتح اللام: الصالحون ﴿وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾ التوراة عن آبائهم ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى﴾ العرض: المتاع. والأدنى: القريب، أو الأخس الأحقر. والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ وهكذا شأن الفجار الأشرار: يعملون كل ما يؤهلهم للنار، ويطمعون في المغفرة بلا عمل ولا استغفار ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ﴾ أي مثل العرض الأدنى المذكور ﴿يَأْخُذُوهُ﴾ أيضاً؛ وهم في ذلك كمثل المذنب الذي يطمع في المغفرة، ولا يحاول ترك الذنوب؛ بل يصر عليها، ويداوم على فعلها. ومن المقطوع به: أنه «لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار» فكيف بالكبيرة مع الإصرار؟ ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ وهو أخذ العهود عليهم بإقامة التوراة والعمل بما فيها، و ﴿أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ فلا ينسبوا إليه ما لم يقله، ولا يطمعوا في مغفرته بغير توبة ولا عمل ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾ أي ما في الكتاب ﴿وَالدَّارُ الآخِرَةُ﴾ وما فيها من نعيم مقيم ﴿خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الله ويخشون عقابه
стр. 977
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ﴾ يستمسكون ﴿بِالْكِتَابِ﴾ ويعملون بما فيه. وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه «والذين استمسكوا بالكتاب» ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ﴾ التي أمرناهم بإقامتها
стр. 978
﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ قلعناه ورفعناه فوق رؤوسهم ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ الظلة: كل ما أظلك من سقف، أو سحاب ﴿وَظَنُّواْ﴾ تأكدوا ﴿أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ لا محالة؛ حينئذٍ قلنا لهم ﴿خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم﴾ من الشرائع، والأوامر، والنواهي ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد وعزم واهتمام ﴿وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ بالعمل
стр. 979
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ قائلاً لهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ﴾ بأنك ربنا.
وهذا من باب التمثيل والتخييل. والمعنى: أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته، والبراهين على وحدانيته، فشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها الله تعالى فيهم، وجعلها مميزة بين الضلالة والهداية فكأنه تعالى أشهدهم على أنفسهم، وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وكأنهم ﴿قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ﴾ وهذا التمثيل شائع سائغ في لغة العرب وأشعارهم ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ أي أشهدناكم على أنفسكم؛ لئلا تقولوا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ الإيمان ﴿غَافِلِينَ﴾ فلم نعلم عنه شيئاً
стр. 980
﴿أَوْ تَقُولُواْ
⦗٢٠٥⦘ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ ب الله ﴿مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ﴾ سرنا على سيرتهم، واتبعناهم في عباداتهم ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ من آبائنا
стр. 981
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يا محمد ﴿نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ قيل: هو رجل من بني إسرائيل؛ أوتي علماً غزيراً، وقيل: هو أميةبن أبي الصلت. وأعجب الأقوال: قول بعض المفسرين: إنه نبي من أنبياءالله؛ يقال له: بلعم، أو بلعام، وقد أنزل عليه كتاباً. وهو قول باطل؛ يرده العقل والنقل؛ فإن الله تعالى ليس كأحدنا: فيخطىء في اصطفاء عباده، واختيار أنبيائه؛ و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي كفر بها ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي إن الشيطان جعله تابعاً له ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ الهالكين؛ من غوى الفصيل: إذا هلك
стр. 982
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أي بهذه الآيات؛ ووفقناه للعمل بما فيها ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ﴾ سكن ﴿إِلَى الأَرْضِ﴾ أي إلى الدنيا، ورغب فيها، ومال إليها ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ واتباع الهوى من أشد الموبقات المهلكات؛ وهو إحدى موارد النار؛ فقد خلق الله تعالى الإنسان مزيجاً بين الخير والشر؛ وأبان له عن كليهما حق التبيين قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ثم ميزه بالعقل الذي يعقله عن الفجور المؤدي إلى النار، ويمهد له سبيل التقوى المؤدي إلى الجنة وما من إنسان - كائن من كان - إلا ويميز في نفسه بين الخير والشر، والطيب والخبيث؛ وقد تقل قدرته على هذا التمييز، أو تنعدم أصلاً؛ إذا كان مصاباً بفساد عقله، أو بذهابه
غير أنه لا يمكن القول بأن ثمت مخلوقاً قد عدم التمييز بين الخير والشر انعداماً تاماً؛ وهو في تمام صحته، وكمال عقله. بل لا بد أن تكون لديه فكرة كاملة عن أن بعض الأعمال شر وبعضها خير؛ وإذا قلنا بغير ذلك فلماذا يستخفي عن الأعين حينما يتطلب هواه منه أمراً محذوراً غير مشروع؟
حتى الحيوان الأعجم فإنه يحس في قرارة نفسه ما هو شر، وما هو خير، وما هو مشروع، وما هو غير مشروع. أرأيت إلى القطة كيف استطاعت أن تميز بين ما هو مباح، وما ليس بمباح؛ فبينما هي تأكل ما تعطيه لها آمنة مطمئنة؛ إذا بها تفر فراراً بما تسرق أو تخطف، وتتوارى به عن الأعين؛ وتنظر إليك شزراً نظر الخائف المرتعب
فالإنسان إذا ما اتبع هواه، ولم يستطع أن يقاوم في نفسه قوى الشر: فقد انحط بإنسانيته إلى مرتبة هي دون مرتبة البهائم أما إذا قاوم هواه، وحارب نفسه، وألزمها الخير المحض، وجنبها الإثم والشر: فقد ترقى
⦗٢٠٦⦘ بها إلى مراتب الأملاك، وصار أهلاً لخلافة الله تعالى في أرضه، وخليقاً بتبوء جنته، والتقلب في نعمته ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي مثل من أخلد إلى الأرض واتبع هواه ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ أو تتركه يلهث المعنى: أنه ضال سواء وعظته أم لم تعظه؛ كالكلب إن طردته فسعى لهث. وإن تركته على حاله آمناً هادئاً لهث. وهو تمثيل البلاغة، بادىء الروعة؛ يضرب لطالب الدنيا وحدها؛ فهو دائماً ذليل مهان؛ تابع لشهواته، عابد لملذاته ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ عليهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يتدبرون فيها؛ فيؤمنون
стр. 983
﴿سَآءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ أي بئس المثل مثلهم ﴿وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ بالتكذيب، وتعريضها للعقاب الدنيوي، والعذاب الأخروي
стр. 984
﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ إلى دينه ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ لأن الهداية جاءته تفضلاً من لدن العزيز الكريم ﴿وَمَن يُضْلِلِ﴾ يتركه بغير هداية ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقد أضلهم الله تعالى بعد أن ضلوا وأضلوا قال تعالى:
﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾
стр. 985
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ خلقناهم ليؤمنوا بي وبرسلي؛ فكفروا بي وكذبوا رسلي. ومهدنا لهم سبيل الهدى؛ فاتبعوا الهوى، وأبنا لهم طريق الرشد؛ فأبوا إلا طريق الغي ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾ كسائر قلوب الناس؛ خلقناها لهم ليفقهوا بها؛ ولكنهم وضعوا عليها أكنة وأقفالاً تمنعها من الفهم؛ فأضحوا ﴿لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ﴾ خلقناها لهم للإبصار والاستبصار، وللتفرقة بين النافع والضار، وللنظر إلى دلائل قدرته تعالى بعين الاعتبار؛ لكنهم وضعوا عليها غشاوة فعموا عن رؤية الحق، وأصبحوا ﴿لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ﴾ خلقناها لهم للاستماع إلى النصح والرشد؛ لكنهم صموا عن سماع الهدى؛ فأمسوا ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ﴾ فحق عليهم وصف ربهم ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ سبيلاً من الأنعام، و ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ عما ينجيهم
следующие страницы →