← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 36436

واجبات العمال وحقوقهم في الشريعة الإسلامية مقارنة مع قانون العمل الفلسطيني

سمير العواودة

Полный текст (255 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عمله، ما يعنى استنكافه لدى وزارة الأوقاف عن الحج، وهو ما يقلل فرصته مرة ثانية وهو عين التعسف. ٢. يُمنح هذا الحق لمرة واحدة طوال مدة عمله لدى صاحب العمل، على أنه لا يوجد ما يمنع العامل إن رغب في الحج مرة ثانية، على أن تُحتسب هذه المدة من إجازته السنوية، ولا ينبغي لصاحب العمل منعه من ذلك. ٣. الجهد البدني الذي يبذله العامل أثناء أدائه لشعائر الحج يحتاج إلى مدة إجازة أطول، لأن المدة الأطول تمنحه فرصة كافية للراحة، واستعادة النشاط، وهذا يعني تأييد الباحث منح العامل مدة أطول من تلك المنصوص عليها، وحبذا لو كانت شهراً كالقانون المصري.

стр. 107

المطلب الثاني حق العامل في تأدية الصلوات المفروضة إقامة الصلاة المفروضة على العبد واجبة لا تهاون فيها، فالصلاة صلة بين العبد وربه ، ومناجاة لخالقه ، وهي الزاد الروحي الذي يُطفيء لهيب النفوس المتعطشة إلى نوره، فتنير القلوب، وتشرح الصدور، وتزيل الهموم، وللصلاة مكانة عظيمة في ديننا؛ إذ هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وأول ما يُحاسب عنه العبد يوم القيامة، وقد فرضها الله على نبيه ﷺ في أعلى مكان وصل إليه بشر (السماء السابعة)، وفي أشرف الليالي (ليلة الإسراء والمعراج)، فكانت واجبة على المسلم في كل حالاته، في السلم والحرب، والصحة والمرض، ولا تسقط عنه أبداً إلا بزوال العقل. فإذا تقرر هذا فإن العامل ينبغي له تأدية الصلوات المفروضة في مكان العمل، وأثناء الدوام الرسمي وبكامل الأجرة، وذلك حتى لا تفوته الفريضة، وحتى لو عارضه صاحب العمل، فله الحق في عصيان أوامر صاحب العمل، لأنه من المقرر أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وجاء في بعض كتب الشافعية:" ولو اكتراه لعمل مدة مثلاً فزمن الطهارة والصلوات فرائضها وسننها الراتبة مستثنى منها ولا تنتقص من الأُجرة شيئاً، وكذا سبت اليهود والأحد للنصارى إن اعتيد ذلك" (١)،وقد نص الحنابلة في كتبهم عند الحديث عن الأجير الخاص فقالوا:" ... وله فعل الصلاة في وقتها بسننها والعيد" (٢)، ولهم رواية أخرى مخالفة لهذه المذكورة وقد ذكرها صاحب الإنصاف عند حديثه عن الدليل الذي يقود البعير بالمستأجر، وقد ذكر أن الرواية الأولى هي الأصح في المذهب الحنبلي. (٣) وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في تحديد الوقت الكافي الذي يُعطى للعامل لتأدية الصلوات المفروضة في وقت العمل، فقد أفتى الدكتور يوسف القرضاوي (٤) - بعدما أثنى على دوائر العمل التي تتيح للعمال

стр. 108

فرصة أداء الصلاة- بتقليل المدة التي تستغرقها الصلاة، ونصح الموظفين أن يذهبوا إلى العمل متوضئين، فإن تعذر عليهم هذا فليلبسوا جواربهم على وضوء؛ لأن هذا يقلل الوقت المستغرق للوضوء، كل هذا حتى لا تستغرق الصلاة أكثر من عشر دقائق، واعتبر التطويل والتمطيط في الوضوء وإقامة الصلاة وإقامة السنن ليس مطلوباً في ساحة العمل، الذي تُحسب فيه كل دقيقة، لا سيما الأعمال غير الحكومية (١)، وإن كان الباحث يميل إلى أن الدكتور القرضاوي اعتبر ذلك أقرب إلى نصيحة العمّال منه للفتوى. أما الشيخ عبد الله بن جبرين (٢) - رحمه الله تعالى - فقد اعترض على فتوى الدكتور القرضاوي متهماً إياه بالخطأ فيها؛ لأن الصلاة مقدمة على الأعمال والوظائف، ومن شرط أصحاب العمل أن يسمحوا بأداء الصلاة بقدر نصف ساعة، وذلك لا يُخلُّ بالعمل، لأن المسلم قد يكون محتاجاً للطهارة قبل الصلاة، يُضاف إلى ذلك أداء ركعتين سنة قبلية ومثلها سنة بعدية، وقد استدلّ الشيخ ابن جبرين ﵀ على ذلك بأن الرسول ﷺ أمر بلال بن رباح (٣) ﵃ بأن يجعل بين أذانه وإقامته قدر ما يفرغ الآكل من أكله، وقاضي الحاجة من حاجته (٤)،ويُضيف الشيخ أن صاحب العمل بإمكانه زيادة مدة العمل، وبإمكانه أيضاً معاتبة من يتهرب من مكان العمل بحجة أداء الصلاة، ويتحصّل من خروجه تعطيل مصالح العباد (٥). وخروجاً من الخلاف يرى الباحث أن الدكتور يوسف القرضاوي نظر إلى ضرورة أداء الواجبات والفرائض، على اعتبار أن أداء العمل بإتقان واجب من الواجبات، ويُمكن للعامل الذِّكر

стр. 109

والاستغفار أثناء العمل، أما الشيخ ابن جبرين- ﵀ فيرى ضرورة أداء العبادات تامّة بفرائضها ونوافلها، ويتبعها الاستغفار بعدها، وهذا قد يكلّف صاحب العمل الكثير، ومعلوم أنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، هذا على اعتبار التزام جميع العمّال بالنصف ساعة التي يُطالب بها الشيخ ابن جبرين ﵀، كما يُمكن لصاحب العمل تقسيم وقت الراحة- الذي هو حق للعامل- حسب الصلوات التي يُصليها العامل في مكان العمل، بمعنى أن العامل إذا كان يعمل عملاً ويمكث فيه وقتاً يستغرق صلاة الظهر والعصر، فإن صاحب العمل يقسم وقت الراحة - ساعة مثلاً- إلى نصفين، النصف الأول وهو نصف ساعة يتمتع به العامل وقت صلاة الظهر، بحيث يصلي صلاة الظهر ويأخذ قسطاً من الراحة، ثم النصف الثاني يتمتع به العامل عند صلاة العصر يفعل ما فعله عند صلاة الظهر. وهذا الذي سبق يتعلق بالصلوات المفروضة، وعلى اعتبار صلاة الجماعة من أفضل الفضائل التي حثّ الإسلام عليها في قول الرسول ﷺ :"صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمساً وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تُب عليه، ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه" (١)، وإذا كان المسجد قريباً لمكان العمل فالأولى أن تتم الصلاة في المسجد، مالم يتضرر صاحب العمل، وإذا كان المسجد بعيداً فالصلاة في مقرّ العمل هو الواجب، لأن هذا هو المستطاع، والله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢)، ولم يتطرق قانون العمل الفلسطيني للحديث عن وقت الصلاة، بل أبقى ذلك لتقدير صاحب العمل، ويُمكن أن تؤدى الصلوات المفروضة بكل سهولة ويُسر، حيث يُنظم صاحب العمل طريقة مناسبة لطبيعة عمله، بحيث يقسم العمّال إلى قسمين، قسمٌ يُدير العمل، والقسم الآخر يُصلي، ثم يتناوب الفريقان على الصلاة والعمل، وهذا يختلف باختلاف طبيعة العمل الذي يقوم به العامل، فالعامل الذي يقوم بأعمال مكتبية، فهؤلاء يغلب على أعمالهم السهولة وتوفر أوقات الفراغ، وهذا النوع ينبغي عليهم الصلاة في وقتها، أما العمّال الذين تتطلب طبيعة أعمالهم المراقبة المستمرة للآلات، ينبغي على صاحب العمل تقسيم العمّال إلى قسمين، قسم يؤدي الصلاة، والقسم الآخر ينوب عنهم ويستقبل المراجعين، وبهذا لا تؤدي الصلاة إلى تعطيل العمل.

стр. 110

المطلب الثالث حق العامل في تأدية صلاة الجمعة العمل يوم الجمعة من المباحات التي جاءت به عموم الأدلة من القرآن والسنة التي تُبيح العمل في كل الأوقات، أما العمل وقت النداء لصلاة الجمعة فقد جاء النهي عنه في قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) وموضع الاستدلال أن الأمر بترك العمل والبيع وقت صلاة الجمعة، وفعل ذروا يُفيد الترك، وقول النبي ﷺ :" لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" (٢) وهنا يمكن أن يُثار التساؤل الآتي: هل يحق للعامل الذي اتفق مع صاحب العمل على العمل يوم الجمعة أن يذهب إلى المسجد، ليستمع خطبة الجمعة ثم يشهد الصلاة ويعود بعد ذلك إلى مكان عمله؟ وهذا التساؤل يخصّ الحرّاس في المنشآت وموظفي محطات الاتصالات والأطباء المناوبين في المشافي والمستوصفات الطبية، فإذا كان هؤلاء العمّال خارج البلد الذي تُقام فيه الجمعة، وهم بعيدون عن المسجد، فهؤلاء لا تلزمهم الجمعة، ويصلونها ظهراً، وإن كان من الأولى أن يتكفل صاحب العمل بأن يوصلهم للمسجد إن كان ذلك ممكناً؛ لأن في ذلك خيرٌ له ولهم. ولكن إذا كان تركهم للعمل وقت صلاة الجمعة يترتب عليه الإضرار بالعمل أو صاحبه، كاحتمال أن تتعطّل الآلات، أو حدوث حرائق، ووجد في المصنع أو المنشأة جماعة من العمّال فإنهم يصلونها جماعة في مكان العمل، وقد سئلت اللجنة الدائمة ... عن موظفي الهاتف الذين يستمر عملهم يوم الجمعة وقت الصلاة، وإذا تركوا العمل توقفت الاتصالات اللاسلكية والهاتفية، فأجابت:" ... ولكن إذا وجد عذر شرعي لدى من تجب عليه الجمعة كأن يكون مسؤولاً مسؤولية مباشرة عن عمل يتصل بأمن الأمة، وحفظ مصالحها، يتطلب قيامه عليه وقت صلاة جمعة كحال رجال الأمن والمرور والمخابرات اللاسلكية والهاتفية ونحوهم، الذين عليهم النوبة وقت النداء الأخير لصلاة جمعة أو إقامة الصلاة جماعة، فإنه وأمثاله يعذر بذلك في ترك الجمعة والجماعة لعموم قول الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣)، وقول رسول الله ﷺ :" ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على

стр. 111

أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" (١)، ولأنه ليس بأقلّ عذراً ممن يعذر بترك الجمعة والجماعة ما دام العذر قائماً غير أن ذلك لا يسقط عنه فرض الظهر، بل عليه أن يصليها في وقتها، ومتى أمكن فعلها جماعة وجب ذلك كسائر الفروض الخمسة" (٢). وقد اختلف الفقهاء في اتخاذ يوم الجمعة إجازة على قولين: القول الأول: منهم من رأى في ذلك تشبهاً بالنصارى واليهود إذا كان على وجه التعبّد والتعظيم، كما يفعله أهل الكتابين، فكَرِه ترك الشغل يوم الجمعة، وأن يخصّ يوم الجمعة بذلك، خوفاً من التشبّه باليهود في السبت، وبالنصارى في الأحد، وممن قال بذلك الإمام مالك (٣) ﵀:" وبلغني أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يكرهون أن يترك الرجل العمل يوم الجمعة" (٤)، وقال صاحب مواهب الجليل: " يُكره ترك العمل يوم الجمعة" (٥)، ولكنه أجاز ترك العمل من أجل الراحة. (٦) القول الثاني: منهم من رأى أنه يومٌ يطالب فيه المسلمون بالتهيؤ لصلاة الجمعة، وما يتطلبه ذلك من النظافة والتطيّب والتبكير إلى المساجد، فناسب ذلك ترك العمل فيه، حيث جاء في الفتاوى الفقهية الكبرى:" حِكمة ترك التعليم وغيره من الأشغال يوم الجمعة أنه يوم عيد المؤمنين كما ورد، ويوم لا يناسبه أن يُفعل فيه الأشياء" (٧) ثم يذكر الأعمال التي تُناسب هذا اليوم من التبكير للمسجد والتنظيف بإزالة الأوساخ وجميع ما يُزال للفطرة، كحلق الرأس لمن اعتاد ذلك، ونتف الإبط، وقصّ الشارب،

стр. 112

وقصّ الأظافر، والتطيّب، بل إن من الفقهاء من ذكر صلاة الجمعة كوقت لا يستحق المستأجر منفعة الأجير فجاء في كتاب المبدع في شرح المقنع عند الحديث عن الأجير الخاص ما نصّه:" ... أي يقع عليه العقد مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها سوى فعل الصلوات الخمس في أوقاتها بسننها، وصلاة الجمعة والعيد ولا يستنيب" (١) ويرى الباحث أنه إذا وجدت مصلحة عامة للمسلمين، أو خاصة تضيع كسرقة المال أو احتراقه أو تلفه جاز التخلف عن صلاة الجمعة وصلاتها ظهراً، بخلاف أن يكون السبب زيادة الربح أو زيادة الانتاج، أو غيرها من مصالح الدنيا، فإن هذا ليس بسبب يُجيز التخلّف عن الجمعة، ويدلّ على ذلك قول الرسول ﷺ :" من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً بها طبع الله على قلبه" (٢)، أما قانون العمل الفلسطيني فقد نصّ في المادة رقم (٧٣) على أن" يوم الجمعة هو يوم الراحة الأسبوعية إلا إذا كانت مصلحة العمل تقتضي تحديد يوم آخر بصورة منظمة" (٣)، ولكن القانون لم يوضح في أيٍ من نصوصه كيفية التصرف وقت صلاة الجمعة، وترك العامل مقيّداً برغبة صاحب العمل في سماحه له بالصلاة- خصوصاً إذا كان الثاني غير ملتزم بالصلاة-، ويرى الباحث أحقيّة العامل في الصلاة وسماع الخطبة، وفي ذلك تشجيع العمّال على العبادة والطاعة، ومن الممكن أن يتجنب صاحب العمل تعطيل العمل بتكليف من لا تجب عليه صلاة الجمعة- كالمرأة أو العامل غير المسلم- بإدارة العمل في وقت الصلاة، وننصح بأن يشترط العامل على صاحب العمل حضوره لصلاة الجمعة إذا عمل في ذلك اليوم.

стр. 113

المطلب الرابع حق العامل في تأدية النوافل والسنن الراتبة مما لا شك فيه أن حرص الإنسان على الاستزادة من النوافل من أسباب الأجر والمغفرة، وهذا أمر محمود ومندوب إليه، إلا أن هذا مشروط بأن لا يؤدي البحث عن فضيلة إلى تفويت ما هو أفضل منه، فلا يحرص المسلم على نافلة على حساب التفريط في واجب (إتقان العمل وحفظ أمانته)، ولا عجب أن نجد الفقهاء السابقين قد تحدثوا عن أداء الأجير للنوافل فقد نصّ فقهاء الحنفية على قولين في المسألة: القول الأول: ليس للأجير الخاص أن يصلي النافلة (١) وهو قول لبعض الحنفية. القول الثاني: أن للأجير الخاص أن يصلي النافلة، وهو المعتمد عند الحنفية، وهو الذي عليه الفتوى في المذهب، ويسقط من الأجر بقدر اشتغاله إن كان المسجد بعيدا (٢)، وجاء في بعض كتب الشافعية:" ولو اكتراه لعمل مدة مثلاً فزمن الطهارة والصلوات فرائضها وسننها الراتبة مستثنى منها ولا تنتقص من الأُجرة شيئاً، وكذا سبت اليهود والأحد للنصارى إن اعتيد ذلك" (٣)،وقد نص الحنابلة في كتبهم عند الحديث عن الأجير الخاص فقالوا:" ... وله فعل الصلاة في وقتها بسننها والعيد" (٤)، ولهم رواية أخرى مخالفة لهذه المذكورة وقد ذكرها صاحب الإنصاف عند حديثه عن الدليل الذي يقود البعير بالمستأجر، وقد ذكر أن الرواية الأولى هي الأصح في المذهب الحنبلي. (٥) ويشمل الحديث صلاة الضحى، والاستسقاء والجنازة، والتراويح في شهر رمضان، وهذه يرى الباحث أن لا تُصلّى في مكان العمل الذي لا ينبغي لعامله مغادرة مكانه، ويُرجع في ذلك لمصلحة العمل وإذن صاحبه، وقد يتحجج بعض العمّال بوجود وقت فراغ، ففي هذه الحالة ينبغي أن يكون أداء العمل مقدماً على غيره، وبعد فراغه من تكاليف العمل لا بأس إذا استغل هذا الوقت بالنوافل كالتسبيح والذكر ومطالعة المفيد من الكتب أو قراءة القرآن الكريم، بشرط ملائمة ذلك لطبيعة العمل، وأن لا يفرّط أو ينقص من أداء عمله، فإنّ ذلك لا يجوز، وبالنسبة للوظيفة التي ينبغي على الإنسان

стр. 114

أن يلتحق بها فهي تدخل ضمن العبادة، فإذا نوى العامل الإخلاص والصدق في عمله، فهذا يكون بمنزلة أرفع من أداء النوافل التي قد تُثير ضده الشكوك والاعتراضات من صاحب العمل الذي لا يريد للعامل العبادة المفروضة منها والنافلة. وقد سئل الشيخ ابن جبرين ﵀ عن منع صاحب العمل عماله من أداء صلاة التراويح أو التهجد في رمضان إذا كان عملهم ليلاً فأجاب:" على صاحب العمل أن يتفق مع عماله على ساعات معيّنة يعملونها، سواء في الليل أو النهار، فهذا هو المعتاد، خصوصاً إن كان العمل شاقاً كالبناء مثلاً، ولا يجوز له أن يردّهم عن الصلاة المكتوبة وسنتها إذا تخللت هذه المدة، فإن كان العمل ليلاً فلهم التهجد بعد انتهاء المدة التي حُددت لهم، وليس له منعهم من الصلاة المكتوبة بخلاف صلاة التراويح التي يطول زمنها، فإن اشترطوا عليه أداءها مع الجماعة لزمه تمكينهم وإلا قضوها بعد انتهائهم من العمل" (١) والراجح - والله تعالى أعلم- أن العامل يصلي النوافل الراتبة، أما النوافل التي قد تطول كالتراويح والتهجد فتحتاج إلى اتفاق واشتراط مع صاحب العمل إذا كانت خلال فترة العمل.

стр. 115

المبحث الثالث: حق العامل في الأجرة ويشمل المطالب الآتية: المطلب الأول: تحديد الأجرة. المطلب الثاني: الاعتماد على مؤشر غلاء المعيشة في تحديد الأجرة والحكم الشرعي في ذلك. المطلب الثالث وقت دفع الأجرة وتملكها. المطلب الرابع: ضمانات الوفاء بالأجرة. المطلب الخامس: قواعد الوفاء بالأجر.

стр. 116

المطلب الأول تحديد الأجرة تُعتبر الأجرة أحد أركان عقد الإجارة عند جمهور الفقهاء، والتي اعتبروا هذه الأركان ثلاثة هي على النحو الآتي: ١. العاقدان: وهما شخص المؤجر والمستأجر. ٢. المعقود عليه: ويكون بالمنفعة. ٣. الصيغة: وتتكون من الإيجاب والقبول. (١) أما فقهاء الحنفية فقد اعتبروا الصيغة هي الركن الوحيد للإجارة، لأنها تُثبت حقيقة الإجارة، وبقية الأركان التي ذكرها الجمهور اعتبرها الحنفية شروطاً لتحقيق الماهية، (٢) ويرجع الخلاف بين الجمهور والحنفية إلى أن الجمهور يعتبرون الركن ما يتوقف عليه وجود الشيء، وإن لم يكن جزءاً من حقيقته، وبذلك يعدّونها ثلاثة (٣)، أما الحنفية فإنهم يرون الركن ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان داخلاً في الماهية، وماهية العقد هي الصيغة (٤). وبما أن الأجرة هي أحد أركان عقد الإجارة - عند الجمهور- وتُعتبر عنصراً أساسياً من عناصر عقد العمل، بحيث لا يمكن أن تقوم للعقد قائمة بدونها، كما أنها تُعتبر أهم الحقوق التي يسعى العامل لأخذها في موعدها، لذلك جعلتها من أوائل الحقوق المادية التي يستحقها العامل. وقد عرّف علماء اللغة الأجرة بأنها: الجزاء على العمل (٥). أما علماء الشريعة فيرون أن الأجرة هي: "العوض الذي يدفعه المستأجر للمؤجر في مقابلة المنفعة التي يأخذها منه" (٦)، وقد وضح قانون العمل الفلسطيني المقصود بالأجرة بأنها:" الأجر

стр. 117

الأساسي مضافاً إليه العلاوات والبدلات" (١)، وللأجرة أنواع، استقيتها من مجموع مطالعات، وهي على النحو الآتي: ١. أجرة النقود: وهي الأصل في الإجارات والأعمال، لأن النقود هي أكثر ما يستفيد منه العامل لقضاء حوائجه، ولاعتبار النقود أداة التبادل التجاري، ولا يمكن أن يقوم الاقتصاد المحلي والعالمي دون استخدام العملات النقدية. ٢. أجرة العروض: كأن يعمل العامل في مصنع مقابل حصوله على بعض السلع التي ينتجها هذا المصنع. ٣. أجرة النفقة: كأن يستأجر صاحب منشأة رجلاً يخدمه، مقابل إطعامه وكسوته، وقد اختلف الفقهاء في هذا النوع من الأجرة على النحو الآتي: أ. ذهب بعض فقهاء الحنفية (٢) في قول لهم، والحنابلة (٣)، والشافعية (٤) والمالكية (٥) إلى القول بعدم جواز هذا العقد؛ لأن الأجرة مجهولة جهالة فاحشة تفضي إلى المنازعة. ب. ذهب فريق من فقهاء الحنفية (٦) إلى عدم جواز ذلك إلا في الظئر (٧) لورود النص القرآني في ذلك وهو قول الله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٨).

стр. 118

ت. وذهب بعض فقهاء الحنابلة إلى القول بالجواز المطلق (١)،حيث رُوي عن الرسول ﷺ أنه قال:" إن موسى آجر نفسه ثمان سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه" (٢) ومما يظهر لنا أن الحنابلة كان لهم ثلاثة أقوال في المسألة، وقد ذكر صاحب المغني أن إجماع الصحابة على هذا الأمر هو أحد أدلتهم على قولهم بالجواز المطلق. (٣) والراجح- والله تعالى أعلم- هو الجواز، حيث جاء في المغني:" وكأن الكسوة عرفاً وهي كسوة الزوجات، وللإطعام عرفاً، وهو الإطعام في الكفارات فجاز إطلاقه" (٤) وقد تعارف الناس اليوم على أن يُقدّم المستأجر وجبات غذائية للأجير كالتي تُقدّم لأمثاله وتكفيه، أما الكسوة فقد تقدّم قول صاحب المغني بأنها للمرضعات، ويُمكن أن يُقاس عليها تلك العاملات في البيوت، وبالنسبة لكسوة الرجال من العاملين فيرى الباحث أن هذا راجع لعرف أهل المهنة، ويختلف ذلك باختلاف طبيعة العمل الذي يقوم به الأجير، فهناك من الأعمال التي تتسبب في تقطيع الملابس، ويمكن تقدير ذلك بكسوتين، واحدة في للصيف وأخرى في الشتاء. ٤. الأجرة بالمنفعة: و هذا كأن يتفق رجلان على أن يُصلح أحدهما سيارة الأخر مقابل أن يحصل على أجرة هي منفعة، كأن يتعلم منه حرفة معينة في وقت معيّن. ٥. أجرة بالحصة، ولا تختص بعقد الإجارة وحدها، بل لها صلة ببعض العقود الأخرى، كالمزارعة، وعقد المضاربة، بحيث تكون أجرة العامل حصة محددة من الإنتاج، ويتم تحديدها عند العقد. ٦. أجرة المثل، وتكون حينما يترك العاقدان العقد دون تحديد مقدار الأجرة، ويتركانها للعرف، على أن لا يتفقا على شيء لم يقرّه الشارع الحكيم، فقد نصّ ابن تيمية -رحمه الله تعالى- على أن مردّ الأجور إلى العرف فقال:" والمرجع في الأجور إلى العرف، وكذلك في البيع" (٥)، وهذا عند ترك بيانها، ولأهمية نظام الأجور في أية مؤسسة فقد وضع علماء الإدارة العصرية مجموعة من الخصائص التي ينبغي أن يتمتع بها هذا النظام منها: ١. العدالة: حيث إنها شرط مهم لأي نظام سليم ومتوازن للأجور، وهي قسمان:

стр. 119

الأول: العدالة الخارجية: وهي مقاربة الأجور مع تلك التي تمنحها مؤسسات مشابهة، ولنفس الموظف وبنفس المؤهلات. العدالة الداخلية: وهي العدل في ذات الوظيفة وبين الوظائف المختلفة ضمن نفس المنشأة، بحيث يكون الراتب عادلاً في مكافأة المؤهلات والخبرة. ٢. الوضوح: ونقصد بذلك أن يتسم نظام الأجور بوضوح قواعده، بحيث يتمكن كل موظف من معرفة كيفية تحديد أجره. ٣. الشفافية: وتعني أن يكون هذا النظام مكشوفاً وليس سرياً. ٤. الاستقرار والثبات: بحيث يكون ثابتاً ومستقراً، فلا يتم تغييره إلا عند توفر شروط موضوعية تستدعي ذلك التغيير. ٥. ارتباط الأجر بالأداء الفعلي للعامل. (١) ومع أن عنصر الأجر يُعتبر من العناصر الأساسية والجوهرية في العقد إلا أنه لا يُلزم الطرفان بالاتفاق عليه قبل البدء في العمل، فإذا عمل العامل لدى صاحب العمل دون اتفاق على الأجرة مع انتفاء نية التبرع، ففي هذه الحالة أرست بعض القوانين العربية قواعد يُعتمد عليها في تحديد الأجرة: الأولى: أجرة المثل. الثانية: تحديد الأجرة طبقاً لعرف الجهة التشغيلية التابع لها. الثالثة: تقدير الأجرة بمعرفة القضاء، وذلك في حالة فقدان القاضي لأجر المثل أو عرف المهنة. (٢) وقد سبق أن ذكرنا أن عقد الإجارة من عقود المعاوضات، والأصل في هذا النوع من العقود أن يتم بتراضي العاقدين لقول الله " ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (٣) وهذا يعني أن موضع الاستدلال من الآية الكريمة أن الشرط الوحيد هو رضا الطرفين، وترك حرية الاتفاق بينهما على سعر البيع، أو سعر المنفعة، وقد اختلف الفقهاء في جواز تدخل ولي أمر المسلمين في تحديد سعر المبيع وهو ما يُعرف بالتسعير، الذي هو أمر السلطان أو نوابه، أو كل من يلي أمور المسلمين شيئاً أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيُمنع من الزيادة والنقصان بمصلحة (٤)، أو هو:" أن يأمر السلطان أو نوابه أو كل من ولي من أمور المسلمين أمر أهل السوق ألّا يبيعوا إلّا بسعر كذا فيمنعون من الزيادة

стр. 120

عليه أو النقصان لمصلحة" (١)، ومن المعاصرين من عرّفه بقوله:" إجبار أرباب السلع أو المنافع الفائضة عن حاجتهم على بيعها بثمن أو أجر معيّن، بموجب أمر يُصدره موظف عام مختص بالوجه الشرعي، عند شدة حاجة الناس أو البلاد إليها" (٢)، وقد اختلف الفقهاء في حكم التسعير على أربعة أقوال، أذكرها بإيجاز: القول الأول: المنع، وهو قول الجمهور (٣) من الحنفية والشافعية والحنابلة وطائفة من المالكية، وقد استدلوا بقول الرسول ﷺ حينما غلا السعر على عهده فقيل له: يا رسول الله: لو سعّرت فقال:" إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعّر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه من دم ولا مال" (٤) وموضع الاستدلال من هذا الحديث أن التسعير مظلمة، والظلم حرام لا يجوز، ثم إن المسلمين قد طلبوا من الرسول ﷺ التسعير، ولو كان جائزاً لأجابهم (٥)، كما أن الناس مسلطون على أموالهم، وليس لأحد أن يأخذها بغير طيب أنفسهم. (٦) القول الثاني: الجواز في الأموال والأعمال إذا احتاج الناس إلى ذلك، وقال بذلك الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم- رحمهما الله-، واستدلوا بما ثبت في السنة أن سمرة بن جندب (٧) كانت له شجرة في

стр. 121

حائط رجل من الأنصار، وكان صاحب الحائط يتضرر من دخول سمرة لشجرته، فشكا إلى النبي ﷺ ، فطلب من سمرة أن يقبل بدلها، أو يتبرع بها، فلم يفعل. وعند ذلك أذن الرسول ﷺ لصاحب الحائط أن يقلعها، وقال لسمرة:" إنما أنت مضار (١) " (٢) القول الثالث: المنع إذا باع الشخص بأكثر أو أقل من السوق، وقد روي هذا القول عن بعض المالكية (٣)، واستدلوا بما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ مرّ بحاطب بن أبي بلتعة ﵁ وهو يبيع زبيباً له بالسوق، فقال له عمر:" إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا" (٤)، ولأن رفع الأسعار يؤدي إلى الإضرار بالمسلمين، وخفضها يؤدي إلى الإضرار بأهل السوق، وإلى الشغب والخصومة. القول الرابع، جواز التسعير بشرط أن يوجد الضرر على المشترين (٥)، وروي عن بعض الحنفية. (٦) وبعد ذكر مذاهب الفقهاء وأدلتهم يتبين أن التسعير تدبير تشريعي اجتهادي خاضع للمصلحة، ويقوم بهذا التدبير من يلي أمور الدولة أو الوظائف، كما أنه من التدابير التي تعالج الأزمات الاقتصادية،

стр. 122

وهو تدبير يُلجأ إليه لوقاية المجتمع من الاستغلال والاحتكار (١)، واختلاف الفقهاء في حكم التسعير يترتب عليه اختلافهم في الأشياء التي يجري فيها التسعير، على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن التسعير يكون في القوتين (قوت الإنسان وقوت الحيوان) وغيرهما مما تعمُّ الحاجة إليه لجميع الناس وبذلك قال بعض الحنفية (٢)، وبه قال ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم رحمهما الله تعالى. القول الثاني: ذهب بعض المالكية (ابن حبيب (٣) إلى أن التسعير ينحصر في المكيل والموزون، مأكولاً كان أو غير مأكول. (٤) القول الثالث: وهو لابن عرفة (٥) من المالكية، وفيه أن التسعير لا يكون إلا في المأكول دون غيره (٦). والراجح-والله تعالى أعلم - أن التسعير يكون في القوتين وغيرهما مما تعمّ به حاجة الناس، نظراً لأن هذا القول يتفق مع قواعد الشريعة العامة التي تسعى لرعاية مصالح الأمة ودفع الضرر والاستغلال عنهم، كما أن حاجة الناس إلى غير الأقوات قد تفوق حاجتهم إلى الأقوات (٧).

стр. 123

وينطبق ما سبق بيانه على التسعير في بيع الأعيان والمنافع، أما تحديد الأجور فنعني به معرفة الأسس التي يُعرف بها أن أجرة العامل مقابل قيامه بعمل ما يساوي مبلغ معيّن، والتسعير في الإجارة تكون في حالين: الأولى: التسعير في أجرة منافع الأعيان، ويُقصد به تحديد أسعار الإيجار لكل عين يصح الانتفاع بها وتأجيرها، كتحديد أسعار الإيجار للعقارات، أو تحديد تسعيرة لأجرة النقل والمواصلات كأجرة الطائرات أو السيارات أو السفن، وهذا النوع من التسعير جائز، حيث لا يخرج عن المصلحة العامة التي من أجلها أُبيح التسعير في السلع، خاصة إذا كان مبني على العدل، وقد صدرت الفتوى من مفتي عام المملكة العربية السعودية الأسبق (١)، بتحريم التسعير للعقارات في حال عدم الحاجة لذلك، وبهذا يظهر أن مناط الحكم في التسعير هو وجود المصلحة فمتى وجدت جاز، ومتى كان التسعير مضراً أو محتوياً على شيء من الظلم فهو ممنوع. الثانية: التسعير في أجرة منافع العمال (الأجير بنوعيه: العام والخاص) والتسعير على الأجير الخاص أو الأجير المشترك جائز، بل قد يكون هو الواجب والمتعيّن في بعض الأحيان، وهو الذي تقوم به بعض الدول، حماية لحقوق الأجراء، وحقوق المستأجرين لهم (٢)، يقول ابن تيمية ممثلاً للتسعير في أجرة العمال: "وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد من سلاح وجسر للحرب وغير ذلك فيستعمل بأجرة المثل، لا يمكّن المستعملون من ظلمهم، ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم مع الحاجة إليهم، فهذا تسعير في الأعمال" (٣)،وقد أطلق ابن القيم-﵀ على هذه العملية (التسعير في الأعمال)، حيث أفاد بأن الناس إذا احتاجوا إلى فلاحة قوم أو نسجهم أو بنائهم أصبحت هذه الأعمال مستحقة عليهم، ولولي الأمر أن يجبرهم على هذه الأعمال بعوض المثل، كما أن الجند المرابطون للجهاد إذا احتاجوا لفلاحة أرضهم فلولي الأمر أن يُلزم الفلاحين بالعمل فيها، كما يُلزم الجنود بأن لا يظلموا الفلاحين في دفع الأجور. (٤)

стр. 124

ويمكن أن نستدل على جواز التسعير في الأعمال بقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) وموضع الاستدلال أن التعاون على كل ما هو برّ يتفرع عنه إجبار صاحب العمل على إعطاء الأجير الأجرة العادلة تتناسب مع مقدار العمل الذي قام به مقارناً بالجهد الذي بذله، كما يُستدلّ بقول الله : ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٢) وفي ذلك إرساء لقواعد العدل في المجتمع، ومنعاً للخصومة والشقاق بين العامل وصاحب العمل، ومع ميلنا للقول بجواز تسعير الأجور إلا أن من العلماء المعاصرين من وضع شروطاً عامة للتسعير منها: ١. أن يكون التسعير بناءً على دراسة مستفيضة واستشارات علمية صادقة من الخبراء المنزَّهين عن أي مصلحة شخصية. ٢. أن يوجد الحرص الكامل من الدولة وأجهزتها المعنية على تحقيق مصالح العباد، وإلا كان التسعير ضرباً من العبث. ٣. لا يجوز الالتجاء إلى التسعير إلا إذا كانت الدولة قد اتخذت كافة الاحتياطات اللازمة للحيلولة دون تلاعب المحتكرين، ومن هم ورائهم ممن لهم مصلحة بذلك. (٣) أما كيفية تحديد الأجور فيرى فقهاء الشريعة الإسلامية أن ذلك يتم بطريق أهل الخبرة والاختصاص، مضافاً إلى خبرتهم واختصاصهم أمانتهم، حيث ذكر صاحب رد المحتار على الدرّ المختار:" أن طريق علم القاضي بالزيادة أن يجتمع رجلان من أهل البصر والأمانة، فيؤخذ بقولهما معاً عند محمد وعندهما (٤) قول الواحد يكفي" (٥) ويعتبر في كل تجارة أهلها، وفي كل صنعة أهلها. ونشير إلى أن علماء الإسلام تحدثوا عن لجان تحديد الأسعار والأجور، وعن أعضائها وكيفية اتخاذها للقرار منذ قديم العصور، فاشترطوا أن تضم اللجنة بين أعضائها: أ. ولي أمر المسلمين، أومن يُنيبه عنه، مع التأكيد على امتيازه بالخبرة والاختصاص. ب. من يُمثل رجال الأعمال والتجار وأصحاب الصناعات، حتى يعطوا رأيهم في السعر المناسب والعادل للسلعة، أو الخدمة التي يحصل عليها صاحب العمل.

стр. 125

ت. من يمثل المستهلكين للسلع، أو المستفيدين من الأعمال، وينبغي لولي الأمر أن يُنازل هذه الأطراف ويفاوضهم، حتى يتوصل معهم إلى الأجرة العادلة والسعر العادل. (١) ولقد تعرّض فقهاء الإسلام الذين كتبوا في الحسبة لموضوع الأجور وبيان حدّها الأدنى، مستنيرين بهدي الرسول ﷺ الذي حدده وكفله للعامل، بحيث ضمن له فرصة العيش في مستوى صاحب العمل، لقول الرسول ﷺ :" فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ... " (٢) وموضع الاستدلال أن العامل ما دام يعيش في المجتمع والمحيط الذي يتواجد فيه صاحب العمل، وجب أن يعيش نفس الحياة الإنسانية المساوية لحياة صاحب العمل، وبالنسبة للحدّ الأعلى فلم يفرض له الإسلام مقداراً معيناً، وإنما ربطه بالظروف التي تحيط بالمجتمع، مضافاً لذلك قدرة العامل وخبرته، ومؤهلاته العلمية، ولم يرد في قانون العمل الفلسطيني ما يُبين الحد الأدنى الذي لا يجوز أن يتقاضى العامل أقل منه، ولا حتى معياراً لذلك، وتعليل ذلك سوء الأوضاع الاقتصادية التي تعصف بصاحب العمل وبالعامل، وبالتالي أهملت الحكومات المتتالية تحديد الحد الأدنى من الأجور، مع أن قانون العمل الفلسطيني جعل ذلك مسنداً للجنة الأجور، ثم عطف في المادة رقم (٨٧) من قانون العمل الفلسطيني على أنه تحديد الأجر الأدنى يصدر به قرار من مجلس الوزراء، والأصل أن يتم تحديد الحدّ الأدنى للأجور، بتشريع عام يسري على جميع العاملين الخاضعين لأحكام قانون العمل الفلسطيني، ثم إن تقدير أجرة العامل ليس بالمستحيل إذا أخلصت الأطراف المعنية النية، ويبقى أن تجتمع الأطراف الثلاثة الآتية لتقدير أجرة العامل، وهي: أ. صاحب العمل، حتى لا يُجار عليه، ولا يُكلّف بدفع مبلغٍ أكثر ما تستحقه المنفعة المقدّمة إليه. ب. مندوب عن المجتمع الذي يحرص أفراده على الحصول على السلع بثمن معتدل. ت. العامل أو من يمثل طبقة العمّال، وهو الذي يحرص على الحياة الكريمة (٣)،وقد ذكر ابن قيم الجوزية (٤) ﵀ ضرورة إضافة أحد القضاة إلى اللجنة. (٥)

стр. 126

وهو أحدث ما توصلت إليه القوانين المعاصرة في تحديد الأسعار، حيث نصّ قانون العمل الفلسطيني على كادر يقوم بهذه المهمة، فجاء في المادة رقم (٨٦):" بناءً على توصية من الوزير يشكل مجلس الوزراء لجنة تسمّى (لجنة الأجور) من عددٍ متساوٍ من ممثلين عن الحكومة وعن أصحاب العمل وعن العمّال" (١)، وقد قرر مجلس الوزراء الفلسطيني تشكيل لجنة الأجور في جلسته المنعقدة بتاريخ:٢٢/ ٣/ ٢٠٠٤م:" تُشكَّل لجنة وطنية للأجور من خمسة عشر عضواً يمثلون أطراف الإنتاج الثلاثة، وذلك على النحو التالي: ١. ممثلو الحكومة، وعددهم خمسة أعضاء، هم: أ. وزير العمل، رئيساً للجنة. ب. وزير المالية، نائباً للرئيس. ج. وزير الاقتصاد. د. وزير التخطيط، عضواً. هـ. وزير العدل عضواً. ٢. خمسة من ممثلي أصحاب العمل، يتم اختيارهم من نقابات أصحاب العمل. ٣. خمسة من ممثلي العمال، يتم اختيارهم من نقابات العمال. (٢) أما عن طبيعة عمل هذه اللجنة والأساس التي تبني عليه قرارها بتحديد الأسعار، فقد اختلف الكاتبون في هذه المسألة، فكانوا على أربعة أقوال: القول الأول: يرى أصحابه أن الأجر يُقدّر بقيمة المنفعة التي يحصل عليها صاحب العمل من العامل، دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى، ويخضع تقدير هذه المنفعة لأهل الخبرة، وهو ما تتحكم فيه نظرية العرض والطلب. القول الثاني: وقد اعتمد أصحابه على أساسين في تحديد الأجرة هما: الأساس الأول: قيمة العمل. الأساس الثاني: ما يكفي العامل وأهله بالمعروف من غير بخل تقتير، ولا إسراف ومغالاة. وقد أيّد هذا القول الشيخ محمد أبو زهرة (٣) ﵀ وذلك لأن الأجرة تكون في غالب الأحيان هي المصدر الوحيد الذي تستند عليها حياة العامل، وبالتالي إذا لم يوفّر العامل ما يكفيه أدّى ذلك إلى

стр. 127

تركه للعمل (١)، ويُفيد هذا القول بأن قيمة العمل لا تصلح أساساً لتقدير الأجرة؛ لأن ذلك يؤدي إلى اختلاف أجرة العامل باختلاف الأسعار في السوق، وهو ما يجعل العامل تابعاً لسعر السوق، كما إن اعتبار الكفاية مقياساً للأجور لا يصلح أيضاً، لانعدام العدالة في توزيع الثروات، إذ العامل الأعزب والمتزوج إذا بذلا نفس الجهد فأخذا أجرة كفاية لهم، لحق بالعامل الأعزب ظلم واضح، في حين كان النبي ﷺ يُعطي الآهل حظين، ويُعطي العزب حظاً واحدا (٢). القول الثالث: حيث يعتمد تحديد الأجور على نوعين من أنواع العدالة: النوع الأول: عدالة التوزيع، بحيث يأخذ عمّال المهنة الواحدة أجراً واحداً، وذلك إذا بذل الجميع جهداً متقارباً مع تقارب الكفاءة. النوع الثاني: عدالة السعر، وهو ما يعني أن يأخذ العامل أجراً متعادلاً مع الجهد الذي يبذله دون التأثر بالتيارات أو الاحتكارات التي تتحكم في السوق، مع تخوّف أصحاب هذا القول من احتكار أصحاب الأعمال وتحديد الأجرة بأقل من سعر المنفعة، لذلك ينبغي على الدولة أن تعمل على إبقاء سعر المنفعة فوق الحدّ الأدنى للأجور، الذي هو حدّ الكفاية للعامل، وينتج هذا عن تشغيل الأيدي العاملة العاطلة عن العمل، وزيادة الأجر عند هبوط قيمة النقد (٣)، ولم يختلف كثيراً عن القول الأول؛ لأن أجرة المثل تقتضي عدالة التوزيع وعدالة السوق. القول الرابع: الأجر على أساس مدة الخدمة، حيث اتبع هذا الأسلوب في تحديد الأجور عمر بن الخطاب ﵃ بعد أن اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وتوافدت الأموال الكثيرة لبيت مال المسلمين، ثم نتج عن هذا وجود جيش ثابت للدولة الإسلامية، الأمر الذي دعاه لإنشاء الدواوين التي تشبه الوزارات في العصر الحديث، فوضع معيارين للعطاء هما:

стр. 128

المعيار الأول: مساهمة الجندي في الفتوحات الإسلامية حتى عهده، فقال:" ليس من قاتل رسول الله ﷺ كمن قاتل معه" (١). المعيار الثاني: تدرج الجنود في الإسلام وقرابتهم من رسول الله ﷺ فقال:" الرجل وقدمه، الرجل وبلاؤه، الرجل وعياله" (٢) والراجح -والله تعالى أعلم- من أن أجرة المثل هي المعيار في تحديد الأجور، ويقدّر ذلك أهل الخبرة والاختصاص بإشراف الحاكم العادل، ولا بدّ من الإشارة هنا أن معيار الحدّ الأدنى للأجور في الفقه الإسلامي هو حدّ الكفاية المذكور في قول الرسول ﷺ :" من وليَ لنا عملاً وليس له منزلٌ فليتخذ منزلا، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادماً، أو ليست له دابة فليتخذ دابة، وإن أصاب شيئاً سوى ذلك فهو غالّ" (٣) وبما أن لجنة الأجور المنصوص عليها في قانون العمل الفلسطيني قد بقيت حبراً على ورق لغاية كتابة هذه السطور ولم تباشر العمل في المهمة الأساسية التي من أجلها شُكّلت (تحديد الحدّ الأدنى للأجور) لذلك لم يُفصح القانون ولا أهله عن المعايير التي يُمكن اعتبارها في تحديد الأجور، لأنهم لم يحددوا الأجور أصلاً (٤)، ويُمكن اعتبار المعايير الآتية في تحديد الأجور: المعيار الأول: حساب الأجر بالقطعة، حيث يتم حساب الأجر على أساس وحدة إنتاجية معينة، بحيث يتناسب ما يحصل عليه العامل من أجر مع عدد الوحدات الإنتاجية التي يحققها، فيزيد أجره بزيادتها، وينقص بنقصانها، وتُسمّى هذه الطريقة بطريقة حساب الأجر بالإنتاج، ومثال ذلك محاسبة العمال في مصنع النسيج بإعطائهم مبلغ من المال لكل متر من القماش يتم إنجازه. المعيار الثاني: حساب الأجر بالزمن، ويُقصد بهذه الطريقة أنه يتم حساب الأجر على أساس وحدة زمنية معينة كالساعة أو اليوم أو الشهر، دون النظر إلى العمل او كمية الإنتاج التي يحققها العامل، ولا بدّ من التنبيه على عدم الخلط بين طريقة حساب الأجر بالزمن وبين وقت أداء الأجر، فقد يُدفع الأجر كل أسبوعين، ومع ذلك يكون محسوباً على أساس الساعة أو اليوم. المعيار الثالث: حساب الأجر بالطريحة، ويُقصد بذلك حساب الأجر على أساس الزمن والإنتاج معاً، فيتحدد أجر ثابت على أساس الزمن ويزداد هذا الأجر تبعاً لزيادة إنتاج العامل، وعندما تعرض الفقهاء لشرح المادة رقم (٣٦) من قانون العمل المصري وضعوا ثلاثة أسس لا بدّ من مراعاتها عند تقدير الأجرة:

стр. 129

الأول: الأجر الأساسي الذي يتقاضاه العمال الآخرون الذين يقومون بعمل من نوع مماثل لدى صاحب العمل نفسه. الثاني: عُرف المهنة في الجهة التي يؤدى فيها هذا العمل. الثالث: مقتضيات العدالة، ويجب أن يؤخذ في الاعتبار مقدار الجهد الذي يبذله العامل مقارناً بأعمال شبيهة، وكذا مقدار الربح الذي يحققه رب العمل نتيجة ما ينجزه العامل من أعمال (١). وهناك في الشريعة الإسلامية بعض الأمور التي تلحق بالأجرة منها: أولاً: توفير الطعام والشراب والمسكن للعامل، وذلك إذا تبرع بها صاحب العمل زيادة على الأجر المسمّى، وهذا التبرع يعدّ من الإحسان والمعروف الذي يرجو صاحب العمل به الثواب من الله تعالى، إضافة إلى ما يحققه من إخلاص العامل، وحرصه الزائد على العمل، وإذا اشترط العامل توفير تلك الاحتياجات في عقد العمل وجب الوفاء بذلك (٢)،أما إذا لم يشترطها العامل ولم يقتض العرف توفيرها وفرها العامل لنفسه. (٣) ثانياً: الأجر الإضافي بدل ساعات العمل الإضافية، ويمكن تعريف الأجر الإضافي ما يتقاضاه العامل مقابل ما يعمله من أعمال زائدة على اتفاقه مع صاحب العمل، فإذا عمل عملاً زائداً بتكليف من صاحب العمل فلا يلزمه ذلك إلا برضاه (٤)،لأن العبرة بالاتفاق المبرم بينهما، لقول الرسول ﷺ :" المسلمون عند شروطهم" (٥)، أما إذا كان العمل الإضافي بدون تكليف من صاحب العمل، فإنه يُنظر في طبيعة هذا العمل، فإن كان ضرورياً ويلزم لمصلحة العمل، ولم يتمكن العامل من استئذان صاحب العمل، فإن العامل يستحق الأجر الإضافي وهو أجر المثل، وإذا كان العمل غير مفيد لصاحب العمل وكان بإمكانه طلب الإذن من صاحب العمل اعتبر متبرعاً ولا يستحق أجرا. (٦) وقد حدد قانون العمل الفلسطيني ساعات العمل الأسبوعي بخمس وأربعين ساعة، حيث نصّ في المادة رقم (٦٨) بأن:" ساعات العمل الفعلي في الأسبوع خمس وأربعون ساعة" (٧) وبهذا فقد أبقى

стр. 130

القانون الباب مفتوحاً لأطراف الإنتاج بالاتفاق على ساعات عمل إضافية، فنص في المادة رقم (٧١) بأنه:" يجوز لطرفي الإنتاج الاتفاق على ساعات عمل إضافية لا تتجاوز اثنتي عشرة ساعة في الأسبوع، يُدفع للعامل أجر ساعة ونصف عن كل ساعة عمل إضافية" (١)، ومما يؤخذ على هذا النص: ١. لم يحدد لطرفي الإنتاج ساعات العمل الفعلية اليومية، بمعنى هل يمكن لطرفي الإنتاج أن يعمل العامل - على سبيل المثال- خمس ساعات إضافية أم لا؟. ٢. لم يحدد القانون عدد الأيام التي يمكن للعامل أن يعمل فيها عملاً إضافياً، وهو ما يعني جواز عمل العامل طوال السنة ساعات إضافية، وهو ما يلحق ضرراً بالغاً بصحة العامل وقدرته على العطاء والإنتاج. ٣. صحيح أن القانون حدد أجرة ساعات العمل الإضافي بما يساوي أجر ساعة ونصف من ساعات العمل اليومي في غير أيام العطلة أو الراحة، لكنه لم يوضح أجر ساعات العمل الإضافي في أيام العطلة أو الراحة الأسبوعية. ويرى الباحث أن تحديد ساعات العمل بخمس وأربعين ساعة في الأحوال العادية قد جرى العرف بذلك، وإذا اشتُرط ذلك بين المتعاقدين فهو شرط معتبر عند فقهاء الشريعة الإسلامية، لأن هذا التحديد لم يكن معروفاً عندهم، حيث إن هناك من الأعمال ما يستطيع العامل العمل فيها طوال اليوم كالسائق مثلاً، وهناك من الأعمال التي لا يستطيع العامل الاستمرار فيها أكثر من ساعات معينة، وإذا استأجر الرجل أجيراً للعمل يوماً، فإن الأجير يعمل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس (٢)، باستثناء أوقات الصلاة والأكل وقضاء الحاجة. ثالثاً: الإكرامية، والتي هي في نظر الباحث ما يُعطى للأجير مقابل الجهد الزائد الذي يبذله زيادة على العقد، كالتزامه بدقة العمل، وإتقانه لعمله، وقد رأينا فقهاء الشريعة الإسلامية يعتبرون الإكرامية جزءاً من الأجرة، ويحق للعامل المطالبة بها إذا جرى العرف بها، ففقهاء الحنفية يرون أن معلم القرآن يُعطى ما عُرف في زمانهم بالحَلوة المرسومة عند ختم القرآن الكريم كله زيادة على الأجرة (٣)، والمالكية أيضاً يعتبرونها حقاً للمعلم إذا جرت بها العادة، ويسمونها (الإصرافة) (٤)،كما اعتبرها بعض فقهاء الإسلام أمراً مستحباً وعملاً يُثاب صاحب العمل عليه، لأنه من حق المجتهد والمخلص في عمله أن يكرّم ليزيد

стр. 131

من اجتهاده وإخلاصه، وقد دلّ على ذلك قول الرسول ﷺ :" من قتل قتيلاً فله سلبه" (١) ففي هذا الحديث تشجيع على الجهاد في سبيل الله، ويُقاس على ذلك تشجيع العامل على الإنتاج والإتقان، ولم يأت القانون على ذكر الهبات والإكراميات كتشجيع للعامل على عمله، بل أبقى الأمر بيد صاحب العمل وراجع إليه. وقد أجاد من شرح قانون العمل الأردني حينما ذكر سبعة ملحقات للأجرة هي على النحو الآتي: أولاً: العمولة التي يُقصد بها ما يُدفع للعامل في صورة نسبة مئوية من قيمة الصفقات التجارية التي يقوم بعقدها أو المساهمة بعقدها لمصلحة المؤسسة. ثانياً: الوهبة، وهي المبالغ المالية النقدية الزهيدة، التي يحصل عليها العامل من عملاء المنشأة الذين تربطهم برب العمل علاقة عمل مباشرة مقابل عمل يؤديه إليهم، دون أن تقوم رابطة عقدية بينه وبينهم. ثالثاً: المنحة، ويُقصد بها مبلغ من النقود يدفعه رب العمل للعامل في مناسبات معيّنة كالأعياد أو مرتب الشهر الثالث عشر الذي تصرفه بعض المنشآت لعمالها. رابعاً: حصة الأرباح، وتتحقق باتفاق رب العمل مع عماله، أو بعضهم على أن يكون لهم حصة من الأرباح التي تحققها المنشأة. خامساً: البدلات، ويُقصد بها المبالغ المالية التي يدفعها صاحب العمل للعمال عوضاً عما تكبدوه من نفقات في سبيل تنفيذ العمل، كالانتقال أو السفر أو الطعام أو الأدوات والملابس التي تخص العمل. سادساً: العلاوة، ويُراد بها مبلغ من النقود أو أي شيء آخر يُعطى للعامل زيادة على أجره. سابعاً: المكافأة، وهي ما يدفعه رب العمل من مبالغ نقدية لبعض عماله تقديراً لهم على عمل مميز قاموا بأدائه، وما سبق من ملحقات نصّ عليها القانون الأردني، ولكلٍ منها أحكامه وشروطه وضوابطه المتعلق به. (٢)

стр. 132

المطلب الثاني الاعتماد على مؤشر غلاء المعيشة في تحديد الأجرة والحكم الشرعي في ذلك المقصود هنا بالربط القياسي للأجور بمؤشر غلاء المعيشة هو تعديل الأجور بصورة دورية، تبعاً للتغير في مستوى الأسعار، وفقاً لما تقدره جهة الخبرة والاختصاص، والغرض من هذا التعديل حماية الأجر النقدي للعاملين من انخفاض القدرة الشرائية لمقدار الأجر بفعل التضخم النقدي (التصاعد في المستوى العام للأسعار فترة بعد فترة)، وما ينتج عنه من الارتفاع المتزايد في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات. وعند الحديث عن وجوب أن يغطي أجر العامل متطلباته الأساسية التي هي من الضروريات التي جاء الإسلام وكل الشرائع السماوية لحفظها، يقرر أنها على النحو الآتي: * تكلفة الغذاء والشراب ليقيم صلبه (حفظ النفس). * تكلفة الكساء لستر عورته والمأوى ليسكن (حفظ النفس). * تكلفة العلاج (لحفظ النفس (. * تكلفة التعليم (لحفظ العقل (. * تكلفة الزواج لحفظ العرض. هذا غير نفقات المناسبات الاجتماعية والدينية ونحوها من الضروريات والحاجيات، وبناءً على ذلك لا يجب أن يقل متوسط دخل الفرد العامل عن تكلفة تلك الاحتياجات، فإذا كان تقدير الدولة للحد الأدنى للأجور أقل من تكلفة هذه الاحتياجات فإن هذا يقود بالتأكيد إلى خلل سياسي، مثل الاضرابات والمظاهرات ونحو ذلك (١)، أما من المنظور الاقتصادي، لو فرضنا أن متوسط الارتفاع في الأسعار كان بنسبة ٢٥%، في حين أن متوسط الارتفاع في الأجور كان في حدود ١٠%، فإن هذا يقود إلى خلل في الحياة المعيشية للعامل، وربما يكون ذلك الدافع له إلى ارتكاب بعض السلوكيات غير المشروعة وغير القانونية، ويسبب المزيد من الفساد بكافة صوره: العقدي والأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي. (٢) وينبغي أن نقرر أن عقد الأجير الخاص لا يلزم فيه التأبيد في العمل، لأن هذا يجعل العامل أقرب إلى العبد وهو لا يجوز، وإنما يمكن العامل أن يستقيل من عمله، كما يمكن لصاحب العمل

стр. 133

الاستغناء عن خدمات هذا العامل، مع المحافظة على حقوق كل طرفٍ من أطراف العقد، كما أن المدة الطويلة في العمل تعني بالعادة الزيادة في الكفاءة الإنتاجية للعامل، وذلك بسبب اكتساب العامل مهارات جديدة وخبرات إضافية، وهو ما يعني زيادة قيمة الخدمة التي يقدمها العامل ويحصل عليها صاحب العمل، فكيف يمكن أن يبقى الأجر ثابتاً عند مسمّاه الأول؟ مع احتمال نقص الأجر نتيجة ارتفاع الأسعار، وهو ما يُعتبر بحدّ ذاته مشكلة اقتصادية. ويعُتبر الأجر كالثمن للمبيع، فإذا كان الثمن حاضراً لمبيعٍ حاضر فإنه لا مشكلة في الثمن، ولا يُنظر إذا كان الثمن المدفوع يُلبّي احتياجات البائع أم لا؟ لأنه طالما اتفق البائع والمشتري فإن كل واحد منهما قد قدّر مصلحته في إطار نظرته للسوق ومتابعته له، أما إذا كان الثمن مؤجلاً لمبيعٍ حاضرٍ فإنه لا بدّ من التفرقة بين طروء تضخم على الأسعار بشكل مفاجئ وحادّ، وبين التضخم غير المفاجئ وغير الحادّ، فإذا كان التضخم مفاجئ وحادّ يُنظر في الثمن المؤجل، وذلك حتى لا يقع ظلم على البائع، خصوصاً إذا لم يكن لديه القدرة بتوقع مثل هذه التقلبات في سوق العمل. أما فيما يتعلق بتحديد الأجور وتغيرها تبعاً لتغيّر الأسعار، فقد جاء في كتاب الأحكام السلطانية والولايات الدينية عندما تحدث عن وضع الدواوين وذكر أحكامها وخصوصاً ديوان الجيش عدد شروط إثبات الجندي في الديوان، ثم تحدث عن ضابط الكفاية الذي يستغني به الجندي عن ترك الجهاد وطلب الرزق، فجعل الكفاية معتبرة من ثلاثة أوجه: الأول عدد من يعوله، الثاني عدد ما يرتبطه من الخيول، والثالث الموضع الذي يحله في الغلاء والرخص، وتقدر كفايته في النفقة والكسوة لعامه كاملاً، ثم تُعرض حاله في نهاية العام فإن زادت حاجته الماسة زيد له في راتبه وإن نقصت نقص من راتبه (١)،ما يعني أنه إذا ارتفعت الأسعار لا بدّ أن ترتفع الأجور بما يعوض ارتفاع الأسعار، وما قاله صاحب الكتاب منذ حوالي ألف عام هو المعمول به الآن في البلاد المتقدمة، حيث تشكيل واجتماع اللجنة المعنية بتحديد وتغيير الأجور، ومن الفقهاء المعاصرين من أجاز ربط الأجور بالمستوى العام للأسعار ولكن بشروطٍ منها: ١. توافر إحصائيات دقيقة وصادقة عن أسعار السلع، وذلك حتى يتم تقدير الأجرة تقديراً دقيقاً، وهو ما ينتج عنه تحقيق العدالة بين جميع طبقات العمّال. ٢. وجود هيئة رسمية عليا على المستوى الوطني، تصبح مسؤولة وبصفة دائمة عن ربط الأجور بالتغيرات في المستوى العام للأسعار.

стр. 134

٣. التزام عام بعقود عمل مكتوبة ومسجلة رسمياً لدى الهيئات المختصة، وذلك لأن بعض أصحاب العمل يتهربون من تعديل الأجور إذا لم تكن عقود العمل مسجلة ومدوّنة. (١) ٤. أن يعلم الطرفان بحقيقة المؤشر العام للأسعار الذي يُتفق على اعتماده. (٢) وهناك من الفقهاء من منع ربط الأجور بتغيّر الأسعار، سواء أكان الربط بالسلع الاستهلاكية أم بالسلع الصناعية، فإن ذلك يؤدي إلى الربا في حالة التضخم لأن النقود مثلية لانضباطها بالعدّ، فإذا انخفضت قيمتها بالنسبة لما ربطت به أدّى ذلك إلى زيادة في عددها، وهذا عين الربا، ومثال ذلك أن تكون الأجرة التي تستحق بعد سنة ٥٠٠ دينار أردني، فإذا تم الربط بالمستوى العام للأسعار، وكان هذا المبلغ يساوي ١٠٠ وحدة مثلاً عند التعاقد، بناء على أن الوحدة تساوي ٥٠ دينار، وفي نهاية السنة انخفضت القيمة الشرائية للدينار بحيث أصبحت الوحدة المربوطة بها تساوي ١٠٠ دينار، فإن المبلغ المستحق يكون حاصل ضرب ١٠٠× ١٠٠ = ١٠٠٠٠ دينار، وهكذا الحال فيما لو ارتفعت القيمة الشرائية للعملة التي تم التعاقد بها عند وقت التسليم عنها عند التعاقد، فإن ذلك يؤدي إلى سداد الدين بأقل منه، ومن المعلوم أن الشريعة قد حرمت الربا تحريماً مؤبداً، ولعنت أصحابه كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال:" الذهب بالذهب، والفِضة بالفضة، والبُرُّ بالبر، والشَّعير بالشعير، والتمر بالتمر، والمِلح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، سواءً بسواء، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء" (٣)، فقوله ﷺ :"فمن زاد أو استزاد "يعمّ كل زيادة؛ لأنه فعل وقع في سياق الشرط، والفعل من قبيل النكرة؛ لأنه يتضمن مصدراً نكرة، والنكرة في سياق الشرط تعمّ على ما تقرر في صيغ العموم، والنقود الورقية أثمان قائمة مقام الذهب والفضة، فالزيادة فيها أخذاً أو إعطاءً تعاطٍ للربا المحرم، وهذا الخلاف له ما يبرره؛ ومرده إلى التطورات التي مر بها الورق النقدي، فإنه في أصله ليس ثمناً وإنما ثمنيته بالاصطلاح، إضافة إلى أنه في أول ظهوره كان مغطى بالذهب والفضة، وكان يكتب عليه ما

стр. 135

يفيد أنه سند بقيمته من الذهب أو الفضة، ثم بعد ذلك زال الغطاء جزئياً ثم كلياً، ولم تَعُد هذه النقود الورقية متعلقة بالذهب ولا بالفضة من قريب ولا بعيد، وأصبحت هي أثمان الأشياء ووسيط التبادل في المعاملات، والقول بأنها فلوس، تخرج عن الثمنية بالغلاء والرخص شأن الفلوس في الأزمنة السالفة قول غير صحيح ويترتب عليه مفاسد كبيرة في الدين والدنيا، ذلك أنه لابدّ للناس من أثمان تقدر بها السلع والخدمات، وتكون واسطة للتبادل حتى تتيسّر معاملاتهم، ولم يعد الذهب ولا الفضة نقداً أصلاً، وهذه الأوراق النقدية فيها خصائص الثمنية، وأصبح إصدارها مضبوطاً بضوابط معينة، وتعمل الدول على حماية نقدها بالتدابير الاقتصادية، ومكافحة التزوير، وترقيم العملات، وسرية العلامات التي تضعها في النقد ضماناً لعدم تزويره، إلى غير ذلك مما لا يخفى في الحياة المعاصرة، وتستخدم هذه النقود في المبادلات والحقوق اليسيرة والكبيرة، وهذا يجعلها تختلف اختلافاً كبيراً عن الفلوس المعهودة في الأزمنة السالفة، والتي لم تكن لها من الثمنية ما للذهب والفضة، وكانت تتعرض للكساد، ولإبطال الحاكم لها كثيراً، كما أنها في كثير من الأحيان إنما تستعمل في الأشياء الحقيرة التافهة، فلا وجه لقياسها على الفلوس المعهودة فيما مضى وإعطائها حكمها، بل هي أثمان يجري فيها الربا وتجب فيها الزكاة وتصلح رأس مال في السلم والشركات، وقد اقترح المانعون لربط الأجور بالمستوى العام لتغير الأسعار عدم إطالة مدة الإجارة حتى تكون هناك فرصة للاتفاق على الأجر المناسب الذي يتفق مع القيمة الحقيقية له، وإن تعذر الاتفاق على مدة قصيرة للإجارة فليتم الاتفاق أن تكون الأجرة بعملة نادرة التغيّر كالذهب أو الدولار مثلاً. (١) أما مسألة إضافة ما يسمى (بعلاوة غلاء المعيشة) إذا اعتبرناه نوعاً من الربط فينظر في ذلك، فإذا كانت هذه العلاوة من الأجرة فلا بدّ أن تكون معلومة حال التعاقد؛ لأن الجهل بها يجعل الأجرة مجهولة فيبطل العقد، فلا يصلح أن يُترك تقديرها لما يتحدد بعد ذلك من أحوال؛ لما يترتب عليها من منازعة، (٢) وإن كانت هذه العلاوة من باب التكافل فإنها غير لازمة لصاحب العمل، ولا تكون من الأجرة، فلا يشترط العلم بها؛ لأن كفالة المحتاجين واجب على الدولة وليست واجباً على أرباب الأعمال، وإنما الواجب عليهم العدل في الأجرة، وهناك من عوامل مؤثرة في تحديد مستوى الأجور والرواتب كالآتي: ١. العوامل الاجتماعية والقوانين والتشريعات.

стр. 136

٢. الوضع الاقتصادي للبلد. ٣. العوامل الإدارية والتكاليف المعيشية. ٤. جماعات الضغط والمساومة الجماعية كنقابة العمال. ٥. الوسائل التكنولوجية واستخدامها في المنشأة. ٦. قدرة المؤسسة على دفع الأجور. (١) وقد وجدنا قانون العمل المصري يحدد علاوة غلاء المعيشة بنسبة ١٠% من الأجر للعامل العازب، وبنسبة ١٥% من أجر العامل المتزوج، وبنسبة ١٧,٥% من أجر العامل الذي يعول ولداً أو أكثر، لذلك يرى الباحث أنه يجب على الأقل في كل فترة زمنية (سنوية مثلاً) أن يكون هناك تغير في الأجور للأكثر، وبنسبة مماثلة أو قريبة من نسبة الزيادة في الأسعار، حتى يحدث التوازن بينهما، وهذه المسألة ليست صعبة عند التطبيق العملي، لاسيما في ظل تطور وتقدم نظم تقنية البيانات والمعلومات السريعة، ويوضح الجدول التالي كيفية تغيّر الأسعار زيادة أو نقصاً وهو ما يستدعي الميل إلى القول بضرورة تغيّر الأجور تماشياً مع تغيّر الأسعار الملحوظ، وهذه الأرقام القياسية لأسعار المستهلك في الأراضي الفلسطينية حسب أقسام الإنفاق الرئيسة للأشهر: أيلول ٢٠٠٩م مقارنة مع أب ٢٠٠٩م. (٢) أقسام الإنفاق الرئيسية ... آب.٢٠٠٩ ... أيلول.٢٠٠٩ ... نسبة التغير % الرقم القياسي العام ... ١٢٥.٦٠ ... ١٢٦.٢٨ ... ٠.٥٤ المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية ... ١٤١.٧٥ ... ١٤٢.١٤ ... ٠.٢٨ المواد الغذائية ... ١٤٢.١٨ ... ١٤٢.٣٩ ... ٠.١٥ الخبز والحبوب ومنتجاتها ... ١٤٦.٣٦ ... ١٤٦.٣٢ ... -٠.٠٢ اللحوم ... ١٥٠.٢٧ ... ١٤٨.٧٩ ... -٠.٩٩ دواجن طازجة ... ١٥٩.٤٩ ... ١٥٧.٢٥ ... -١.٤٠ الأسماك ... ١٣٠.٨٤ ... ١٣١.٠٥ ... ٠.١٦ منتجات الألبان والبيض ... ١٢٠.٢٩ ... ١٢٢.٩٣ ... ٢.١٩ البيض ... ١١٥.٦٧ ... ١٢٣.٧٦ ... ٦.٩٩ الزيوت والدهون ... ١٥١.٤٦ ... ١٥٢.٦٤ ... ٠.٧٨

стр. 137

الفواكه ... ١٣٨.٨٥ ... ١٣٧.١٧ ... -١.٢١ المكسرات ... ١٤٢.٢٥ ... ١٤٢.٦٠ ... ٠.٢٤ فواكه معلبة ... ٩٧.٥٣ ... ٩٨.٣٨ ... ٠.٨٧ الخضروات ... ١٤٣.٥٣ ... ١٤٦.٠٦ ... ١.٧٦ السكر والمنتجات السكرية ... ١٢٩.٨٣ ... ١٣١.٩٩ ... ١.٦٦ التوابل والملح والأغذية الأخرى ... ١٢٣.٠٥ ... ١٢٢.٨٣ ... -٠.١٨ المشروبات غير الكحولية ... ١٣٥.٧٣ ... ١٣٨.٦٧ ... ٢.١٧ الشاي والبن والكاكاو ... ١٤١.١٨ ... ١٤٧.٩٧ ... ٤.٨١ المشروبات الكحولية والتبغ ... ١٤٠.٩٧ ... ١٤٠.٨٨ ... -٠.٠٦ المشروبات الكحولية ... ١١٩.٧٩ ... ١٢٢.٧٥ ... ٢.٤٧ السجائر والسيجار ومنتجات التبغ ... ١٤١.٠٥ ... ١٤٠.٩٦ ... -٠.٠٧ الأقمشة والملابس والأحذية ... ١٠٦.٠٥ ... ١٠٦.٢١ ... ٠.١٦ المسكن ومستلزماته ... ١٢١.٩٥ ... ١٢٢.٢٧ ... ٠.٢٦ الأثاث والمفروشات والسلع والخدمات المنزلية ... ١١٢.٨٨ ... ١١٤.٤٣ ... ١.٣٧ الصحة ... ١١٣.١٥ ... ١١٤.١٠ ... ٠.٨٣ النقل والمواصلات ... ١١٩.٣٧ ... ١١٩.٧٢ ... ٠.٢٩ وسائل النقل الشخصية ... ١٠٨.٠١ ... ١٠٨.٠٢ ... ٠.٠١ تشغيل وسائط النقل ... ١٣٣.١٧ ... ١٣٥.٢٦ ... ١.٥٧ خدمات النقل العامة ... ١١٥.٥٧ ... ١١٥.١٣ ... -٠.٣٨ الاتصالات ... ١٠٩.٩٨ ... ١١٠.٢٨ ... ٠.٢٧ السلع و الخدمات الترفيهية و الثقافية ... ١٠١.٣٥ ... ١٠١.٥١ ... ٠.١٧ التعليم ... ١٠٢.١٢ ... ١٠٩.٢٤ ... ٦.٩٧ المطاعم والفنادق ... ١٣٣.٠١ ... ١٣٣.٧١ ... ٠.٥٣ سلع وخدمات متنوعة ... ١١٣.٦٣ ... ١١٤.٠٨ ... ٠.٤٠

стр. 138

وعند التأمل في هذه الإحصائية الرسمية يتبين للباحث أن أكثر الأصناف ارتفاعاً في أسعارها هي سلع الشاي والبن والكاكاو، ثم يليها المشروبات الكحولية، حيث ارتفعت في شهر واحد ٢.٤٧% وهو ما يُثير التساؤل عن سبب هذا الارتفاع، مع أن منها ما هو محرّم شرعاً بنصوص قرآنية مطهّرة وأحاديث نبوية شريفة كالخمر مثلاً، وهو ما يُثير الشكوك من كثرة الطلب على هذا النوع من السلع وعدم الاستغناء عنها، ويتطلب هذا وقفة صارمة من أولي الأمر بمنع هذه السلع المحرّمة.

стр. 139

المطلب الثالث وقت دفع الأجرة وتملكها بما أن الأجرة ركن من أركان عقد الإجارة- عند جمهور الفقهاء- جاء الشرع الإسلامي بالتأكيد على وجوب الوفاء بها، وتمثل ذلك في قول الرسول ﷺ :" أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه" (١) وفيه دليل على وجوب إعطاء الأجير أجرته، بل والاستعجال في ذلك أولى من الإبطاء. وقد اتفق الفقهاء على أن للعاقدين (الأجير والمستأجر) أن يتفقا على طريقة دفع الأجرة، فلهما الاتفاق على تعجيلها بعد الاتفاق وقبل الانتهاء من العمل، كما لهما الاتفاق على التأجيل بعد فراغ العامل من عمله، ولا يُمنعا من الاتفاق على تقسيطها حسب ما يتوافق عليه الطرفان (٢)، في حين اختلف الفقهاء في بعض الحالات، لما لتأخير الأجرة فيها من ممنوعات شرعية منها: الحالة الأولى: إجارة الذمة، كمن يستأجر دابة موصوفة للركوب أو الحمل، أو يقول: ألزمت ذمتك خياطة هذا الثوب أو بناء الحائط (٣)،وكأن يقول رجل لأحمد- مثلاً-: اتفقت معك على أن تقوم بجلب شخص مواصفاته كذا ليقوم بالإشراف على علاجي لمدة شهر، وأدفع له أجرة كذا، وحينئذ يجوز أن يقوم أحمد بهذا الواجب أو أي شخص تتوافر فيه المواصفات المطلوبة، وفي هذا النوع من الإجارة يرى المالكية (٤) والشافعية (٥) أن الأجرة يجب أن تُسلّم في مجلس العقد، وإن كان المالكية (٦) أجازوا تأخير دفع الأجرة إذا شرع المستأجر في استيفاء المنفعة خلال ثلاثة أيام من تاريخ الاتفاق على العقد، وإن تأخر كان العقد باطلاً؛ لأن المستأجر إذا استوفى جزءاً من المنفعة عُدّ مستوفياً للمنفعة. الحالة الثانية: إذا كانت الأجرة عيناً، كأن تكون الأجرة سيارة مثلاً، ففي هذه الحالة يشترط الشافعية (٧) والحنابلة (٨) تعجيل الأجرة؛ لأن الأعيان لا يجوز تأجيلها لما في التأجيل من خوف التلف أو تغيّر

стр. 140

الأوصاف، وهو ما يسبب الخصومة والشقاق، أما إذا أطلق العاقدان وقت تسليم الأجرة، فتمّ العقد دون الاتفاق على وقت دفع الأجرة، فقد انقسم الفقهاء في وقت التسليم إلى فريقين: الفريق الأول: ذهب الشافعية (١) والحنابلة (٢) إلى أن الأجرة تملك بالعقد ملكاً مراعى، ما يعني أنه كلما مضى جزء من الوقت اتضح أن المؤجر استقرّ ملكه على ما يقابل ذلك، ويستقر بذمة المستأجر إذا انتهت المدة أو استلم العمل، مستدلين بقياس الأجرة في الإجارة على الصداق في النكاح، فكما أن الصداق يجب بعقد النكاح، فكذا الأجرة تجب بعقد الإجارة. الفريق الثاني: ذهب الحنفية (٣) والمالكية (٤) إلى أن الأجرة لا تملك بالعقد، وإنما تملك باستيفاء المنافع، واستدلوا بقول الله : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (٥) وتدلّ هذه الآية على أن الأجرة تكون بعد الإرضاع؛ لأن الفاء للتعقيب، وردّوا على الفريق الأول بأن قياسهم فاسد؛ لأن علة الأصل لم توجد في الفرع، فعلة الصداق هي تسليم العوض، والمنفعة في عقد الإجارة لم تسلم عند العقد. (٦) أما الفريق الأول فقد ردّوا استدلال الفريق الأول بأنه غير مسلّم به؛ لأن معنى الآية: فإذا بذلن الرضاع، ويُحتمل أيضاً آخر وهو الإيتاء عند الشروع في الرضاع، أو تسليم نفسها للإرضاع، ومما يوضح ذلك قول الله :" ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٧) وموضع الاستدلال أن الإنسان إذا أراد قراءة القرآن فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليس المراد إذا انتهى من القراءة (٨)، وقد ذهب الظاهرية إلى أنه لا يجوز اشتراط تعجيل الأجرة ولا تعجيل شيء منها، ولا اشتراط تأخيرها إلى أجل ولا تأخير شيء منها كذلك. (٩)

стр. 141

ويترجح للباحث- والله أعلم- أن الأجرة لا تملك بالعقد، وإنما باستيفاء المنافع؛ وذلك لأن الآية صريحة وواضحة في وجوب تسليم الأجرة إذا استوفيت المنفعة، حيث جاء في تفسيرها:" فإن أرضعت استحقت أجر مثلها" (١) ولا اعتبار للاحتمالات الأخرى، ويؤيد هذا الترجيح قول الرسول ﷺ :" يغفر الله لأمتي في آخر ليلة من رمضان، فقيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يوفّى أجره إذا قضى عمله" (٢)،وقد نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (٨٢):" يُدفع الأجر للعامل بالنقد المتداول قانوناً شريطة أن يتم الدفع وفقاً لمايلي: أ. في أيام العمل ومكانه. ب. في نهاية كل شهر للعاملين بأجر شهري. ت. في نهاية كل أسبوع للعاملين على أساس وحدة الإنتاج أو الساعة أو المياومة أو الأسبوع" (٣)

стр. 142

المطلب الرابع ضمانات الوفاء بالأجرة لأن الأجرة أهم الالتزامات التي يفرضها الشارع الحكيم على المستأجر، فقد منح الإسلام للعامل ضمانات تُعينه على تحصيل أجرته من صاحب العمل، ومن هذه الضمانات: الضمان الأول: حبس العين حتى يحصل العامل على أجرته، وقد قسّم الفقهاء الأجراء إلى قسمين: القسم الأول: من له أثر في العين، كالخياط أو النجار، فهذا النوع اختلف الفقهاء في حكمه، فكانوا على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: منع أصحاب هذا المذهب أن يحبس العامل العين حتى يحصل على أجرته، وقال بذلك بعض الحنفية (١)، وهو أحد قولي الشافعية (٢)، وأحد قولي الحنابلة (٣) بشرط أن لا يفلس المستأجر، حيث جاء في تبيين الحقائق:" المعقود عليه صار مسلماً على صاحب العين باتصاله بملكه فسقط حق الحبس به؛ لأن الاتصال بإذنه فصار كالقبض بيده، ألا ترى أنه لو أمر شخصاً بأن يزرع له أرضه حنطة من عنده قرضاً، فزرعها المأمور صار قابضاً بملكه، وصار كما إذا صيغ في بيت المستأجر لا يملك الحبس؛ لأن يد المستأجر على منزله" (٤) ولأن الأجرة في الذمة، ولم يشترط رهن العين فيها، فلا يملك الأجير حبسها بدون إذن أو شرط رهن، ولم توثق الأجرة برهن العين، ولا يكون الرهن إلا برضا مالك الرهن. المذهب الثاني: وقد قال أصحابه بجواز حبس العين لحين الحصول على الأجرة (الجواز المشروط)، وبذلك قال جمهور الحنابلة (٥)؛ لأن عوض الأجرة (العمل) موجود في العين، كالثوب مثلاً الذي يملك العامل حبسه إذا تبين إعسار المستأجر، أما إذا لم يثبت إعسار المستأجر فلا يحبس العين.

стр. 143

المذهب الثالث: الجواز على إطلاقه، وبه قال الحنفية (١) وهو مذهب المالكية (٢)؛ لأن عمل العامل ملك له، فخياطته ملك له وقد التصقت بالعين التصاقاً لا ينفك عنها فجاز له حبسها، وهو ما يترجح للباحث - والله تعالى أعلم -. القسم الثاني: ما ليس لعمل العامل أثر في العين، وذلك كأن يكون الأجير حمّالاً، فاختلف الفقهاء في حبس الأجير للعين إلى قولين: القول الأول: منع الحنفية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) حبس العين التي لا يؤثر عمل العامل فيها، وذلك لأن المعقود عليه هو نفس العمل، وهو فانٍ لا يتصور بقاؤه، فلا يمكن حبسه. القول الثاني: أجاز المالكية (٦) للعامل حبس ما حمل، لأنه يبيع منفعته، كالبائع الذي يحبس سلعته لحين تسلم الثمن. ويترجح لدى الباحث- والله تعالى أعلم- قول المالكية، لأن صاحب العين قدّم مالاً، بينما قدّم العامل منفعة، فلا يُسلّم العامل ما عنده من أعيان حتى يأخذ عوض منفعته، وقد اعمل العامل بدنه وقضى وقته في العمل فيلزم أن تكون الأجرة مقابل ذلك، وهو أحق الناس بالعين حتى يقبض أجرته، وهذا الحق يثبت للعامل ما دامت العين في يده، أما إذا استلمها صاحبها فلا يجوز للعامل حبسها بالسطو. الضمان الثاني: استحقاق العامل لأجرته إذا أفلس المستأجر. فإذا كان العامل خاصاً ولا يحوز ما يعمل فيه كالبنّاء مثلاً فإنه يقاسم الغرماء حسب حصته، أما إذا كان عاملاً مشتركاً فإن جمهور الفقهاء من الحنفية (٧) والمالكية (٨) والشافعية (٩) والحنابلة (١٠) قالوا بتقديمه

стр. 144

على بقية الدائنين، في حين شذّ الإمام زفر (١) ﵀ من الحنفية فمنع الأجير من التقدّم على باقي الغرماء (٢)، وقد بالغ الحنابلة في تقديم العامل على بقية الأجراء فبيّن صاحب كتاب كشّاف القناع أن الصانع أحق باستيفاء أجرته من صاحب العين المبيعة، ويقدّم على بائعها كرجل اشترى قماشاً مثلاً ودفعه لخيّاط يخيطه قميصاً، ثم أفلس المستأجر وهو لم يدفع قيمة القماش، ولم يدفع أجرة الخياطة، والثوب عند الخياط، فللخيّاط حبس الثوب لاستيفاء أجرته، ولو جاء صاحب القماش يطلبه؛ لأن العمل الذي هو عوض عنها موجود في عين الثوب فملك حبسه مع ظهور عسرة المستأجر (٣) - وهذا موقف القانون الذي أشار إليه في المادة رقم (٨٥):" وفقاً لأحكام القانون يُعتبر أجر العامل من الديون الممتازة" (٤)، وهذا الإمتياز يقع على جميع أموال صاحب العمل، من عقارات ومنقولات، كما أن هذا الإمتياز يشمل كل ما ينشأ عن علاقة العمل من حقوق للعامل سواء في حال حياته أو بعد مماته، ونصّ على ذلك قانون العمل الأردني في مادته رقم (٥١) التي نصّت في الفقرة الأولى على أنه:" على الرغم مما ورد في أي قانون آخر تعتبر الأجور والمبالغ المستحقة بموجب أحكام هذا القانون للعامل أو ورثته أو المستحقين بعد وفاته ديوناً ممتازة امتيازاً عاماً من الدرجة الأولى تتقدم على ما عداها من سائر الديون الأخرى بما في ذلك الضرائب والرسوم والحقوق الأخرى المستحقة للحكومة والديون المؤمنة برهونات عقارية أو تأمينات عينية" (٥) وفي الفقرة الثانية من نفس المادة نصّت على أنه:" في حالة تصفية المؤسسة أو إفلاس صاحب العمل يدفع المصفّي أو وكيل التفليسة للعامل أو لورثته فوراً وبمجرد وضع يده على أموال صاحب العمل ما يُعادل أجرٌ واحد من المبالغ المستحقة له قبل تسديد أي مصروفات أخرى بما في ذلك المصروفات القضائية ومصروفات التفليسة أو التصفية" (٦) الضمان الثالث: الامتناع عن استكمال بقية الزمن في الإجارة المحددة بالزمن. (٧)

стр. 145

ومن حق العامل حماية أجره من تلاعب أصحاب العمل، ذلك لأن الأجرة تعتبر مالاً، وجب على الدولة حمايته إذا أراد صاحب العمل تبخيسه، وفي قصه الخضر ﵇ أكبر برهان وأصدق دليل على ذلك، فقد قام بإحداث خرق في سفينة العمّال خوفاً من اغتصابها من الملك الظالم لها، فعمله هذا بمثابة حماية لأموال العمّال، والأجرة جزء من تلك الأموال، ولم ينصّ قانون العمل الفلسطيني في أيٍ من نصوصه على الضمانات التي يملكها العامل لاستيفاء أجرته، إلا ما يُمكن أن نسميه الحق القانوني في الأجرة، حيث يُمكن للعامل المطالبة باجرته قضائياً.
следующие страницы →