ويترجح للباحث- والله أعلم- أن الأجرة لا تملك بالعقد، وإنما باستيفاء المنافع؛ وذلك لأن الآية صريحة وواضحة في وجوب تسليم الأجرة إذا استوفيت المنفعة، حيث جاء في تفسيرها:" فإن أرضعت استحقت أجر مثلها" (١) ولا اعتبار للاحتمالات الأخرى، ويؤيد هذا الترجيح قول الرسول ﷺ :" يغفر الله لأمتي في آخر ليلة من رمضان، فقيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يوفّى أجره إذا قضى عمله" (٢)،وقد نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (٨٢):" يُدفع الأجر للعامل بالنقد المتداول قانوناً شريطة أن يتم الدفع وفقاً لمايلي:
أ. في أيام العمل ومكانه.
ب. في نهاية كل شهر للعاملين بأجر شهري.
ت. في نهاية كل أسبوع للعاملين على أساس وحدة الإنتاج أو الساعة أو المياومة أو الأسبوع" (٣)
стр. 142
المطلب الرابع
ضمانات الوفاء بالأجرة
لأن الأجرة أهم الالتزامات التي يفرضها الشارع الحكيم على المستأجر، فقد منح الإسلام للعامل ضمانات تُعينه على تحصيل أجرته من صاحب العمل، ومن هذه الضمانات:
الضمان الأول: حبس العين حتى يحصل العامل على أجرته، وقد قسّم الفقهاء الأجراء إلى قسمين:
القسم الأول: من له أثر في العين، كالخياط أو النجار، فهذا النوع اختلف الفقهاء في حكمه، فكانوا على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: منع أصحاب هذا المذهب أن يحبس العامل العين حتى يحصل على أجرته، وقال بذلك بعض الحنفية (١)، وهو أحد قولي الشافعية (٢)، وأحد قولي الحنابلة (٣) بشرط أن لا يفلس المستأجر، حيث جاء في تبيين الحقائق:" المعقود عليه صار مسلماً على صاحب العين باتصاله بملكه فسقط حق الحبس به؛ لأن الاتصال بإذنه فصار كالقبض بيده، ألا ترى أنه لو أمر شخصاً بأن يزرع له أرضه حنطة من عنده قرضاً، فزرعها المأمور صار قابضاً بملكه، وصار كما إذا صيغ في بيت المستأجر لا يملك الحبس؛ لأن يد المستأجر على منزله" (٤) ولأن الأجرة في الذمة، ولم يشترط رهن العين فيها، فلا يملك الأجير حبسها بدون إذن أو شرط رهن، ولم توثق الأجرة برهن العين، ولا يكون الرهن إلا برضا مالك الرهن.
المذهب الثاني: وقد قال أصحابه بجواز حبس العين لحين الحصول على الأجرة (الجواز المشروط)، وبذلك قال جمهور الحنابلة (٥)؛ لأن عوض الأجرة (العمل) موجود في العين، كالثوب مثلاً الذي يملك العامل حبسه إذا تبين إعسار المستأجر، أما إذا لم يثبت إعسار المستأجر فلا يحبس العين.
стр. 143
المذهب الثالث: الجواز على إطلاقه، وبه قال الحنفية (١) وهو مذهب المالكية (٢)؛ لأن عمل العامل ملك له، فخياطته ملك له وقد التصقت بالعين التصاقاً لا ينفك عنها فجاز له حبسها، وهو ما يترجح للباحث - والله تعالى أعلم -.
القسم الثاني: ما ليس لعمل العامل أثر في العين، وذلك كأن يكون الأجير حمّالاً، فاختلف الفقهاء في حبس الأجير للعين إلى قولين:
القول الأول: منع الحنفية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) حبس العين التي لا يؤثر عمل العامل فيها، وذلك لأن المعقود عليه هو نفس العمل، وهو فانٍ لا يتصور بقاؤه، فلا يمكن حبسه.
القول الثاني: أجاز المالكية (٦) للعامل حبس ما حمل، لأنه يبيع منفعته، كالبائع الذي يحبس سلعته لحين تسلم الثمن.
ويترجح لدى الباحث- والله تعالى أعلم- قول المالكية، لأن صاحب العين قدّم مالاً، بينما قدّم العامل منفعة، فلا يُسلّم العامل ما عنده من أعيان حتى يأخذ عوض منفعته، وقد اعمل العامل بدنه وقضى وقته في العمل فيلزم أن تكون الأجرة مقابل ذلك، وهو أحق الناس بالعين حتى يقبض أجرته، وهذا الحق يثبت للعامل ما دامت العين في يده، أما إذا استلمها صاحبها فلا يجوز للعامل حبسها بالسطو.
الضمان الثاني: استحقاق العامل لأجرته إذا أفلس المستأجر.
فإذا كان العامل خاصاً ولا يحوز ما يعمل فيه كالبنّاء مثلاً فإنه يقاسم الغرماء حسب حصته، أما إذا كان عاملاً مشتركاً فإن جمهور الفقهاء من الحنفية (٧) والمالكية (٨) والشافعية (٩) والحنابلة (١٠) قالوا بتقديمه
стр. 144
على بقية الدائنين، في حين شذّ الإمام زفر (١) ﵀ من الحنفية فمنع الأجير من التقدّم على باقي الغرماء (٢)، وقد بالغ الحنابلة في تقديم العامل على بقية الأجراء فبيّن صاحب كتاب كشّاف القناع أن الصانع أحق باستيفاء أجرته من صاحب العين المبيعة، ويقدّم على بائعها كرجل اشترى قماشاً مثلاً ودفعه لخيّاط يخيطه قميصاً، ثم أفلس المستأجر وهو لم يدفع قيمة القماش، ولم يدفع أجرة الخياطة، والثوب عند الخياط، فللخيّاط حبس الثوب لاستيفاء أجرته، ولو جاء صاحب القماش يطلبه؛ لأن العمل الذي هو عوض عنها موجود في عين الثوب فملك حبسه مع ظهور عسرة المستأجر (٣) - وهذا موقف القانون الذي أشار إليه في المادة رقم (٨٥):" وفقاً لأحكام القانون يُعتبر أجر العامل من الديون الممتازة" (٤)،
وهذا الإمتياز يقع على جميع أموال صاحب العمل، من عقارات ومنقولات، كما أن هذا الإمتياز يشمل كل ما ينشأ عن علاقة العمل من حقوق للعامل سواء في حال حياته أو بعد مماته، ونصّ على ذلك قانون العمل الأردني في مادته رقم (٥١) التي نصّت في الفقرة الأولى على أنه:" على الرغم مما ورد في أي قانون آخر تعتبر الأجور والمبالغ المستحقة بموجب أحكام هذا القانون للعامل أو ورثته أو المستحقين بعد وفاته ديوناً ممتازة امتيازاً عاماً من الدرجة الأولى تتقدم على ما عداها من سائر الديون الأخرى بما في ذلك الضرائب والرسوم والحقوق الأخرى المستحقة للحكومة والديون المؤمنة برهونات عقارية أو تأمينات عينية" (٥) وفي الفقرة الثانية من نفس المادة نصّت على أنه:" في حالة تصفية المؤسسة أو إفلاس صاحب العمل يدفع المصفّي أو وكيل التفليسة للعامل أو لورثته فوراً وبمجرد وضع يده على أموال صاحب العمل ما يُعادل أجرٌ واحد من المبالغ المستحقة له قبل تسديد أي مصروفات أخرى بما في ذلك المصروفات القضائية ومصروفات التفليسة أو التصفية" (٦)
الضمان الثالث: الامتناع عن استكمال بقية الزمن في الإجارة المحددة بالزمن. (٧)
стр. 145
ومن حق العامل حماية أجره من تلاعب أصحاب العمل، ذلك لأن الأجرة تعتبر مالاً، وجب على الدولة حمايته إذا أراد صاحب العمل تبخيسه، وفي قصه الخضر ﵇ أكبر برهان وأصدق دليل على ذلك، فقد قام بإحداث خرق في سفينة العمّال خوفاً من اغتصابها من الملك الظالم لها، فعمله هذا بمثابة حماية لأموال العمّال، والأجرة جزء من تلك الأموال، ولم ينصّ قانون العمل الفلسطيني في أيٍ من نصوصه على الضمانات التي يملكها العامل لاستيفاء أجرته، إلا ما يُمكن أن نسميه الحق القانوني في الأجرة، حيث يُمكن للعامل المطالبة باجرته قضائياً.
стр. 146
المطلب الخامس
قواعد الوفاء بالأجرة
ذكر قانون العمل الفلسطيني مجموعة من القواعد التي قررها للوفاء بالأجر، وهي على النحو الآتي:
أولاً: وجوب دفع الأجرة بالنقد المتداول قانوناً، إلا أن يتم الاتفاق بين الطرفين على عقد بديل، ولكن هذا الأمر لا بدّ من مراعاة تغيّر قيمة هذا النقد المتفق عليه بين الطرفين، حتى لا يلحق ظلم بالعامل بتغيّر قيمة النقد الذي يتقاضى راتبه بناءً عليه، فإذا اتفق الطرفان على أن يكون راتبه بعملة الدولار مثلاً فينبغي الأخذ بعين الاعتبار تغيّر قيمة الدولار تغيّراً فاحشاً يُنقص القيمة الشرائية للراتب.
ثانياً: مكان دفع الأجرة، حيث أقرّ المشرّع الفلسطيني أن يكون دفع الأجرة في مكان العمل، والحكمة من ذلك هي أن يوفر على العامل النفقات وعناء الانتقال إلى مكان آخر غير مكان عمله، إلا إذا وافق العامل أن يتم تحويل راتبه إلى مصرف آخر في مكان آخر، ويبطل الاتفاق على دفع أجر العامل في مكان غير مكان عمله بدون موافقته.
ثالثاً: زمان دفع الأجرة، فقد نصّ قانون العمل الفلسطيني على أن يكون دفع الأجرة بعد انتهاء المعيار الزمني المتفق عليه، وأكدّ على أنه لا يجوز تأخير الأجرة بعد خمسة أيام من تاريخ الاستحقاق - مع اختلاف بينه وبين قانون العمل الأردني الذي جعلها سبعة أيام، وهذا ما يُحسب للقانون الفلسطيني لأنه في مصلحة العامل- كلّ هذا إلا إذا وافق العامل على غير ذلك، كما له أن يتقاضى دفعات من راتبه خلال فترة عمله، كما أنه لا بدّ أن يكون دفع الأجرة في أيام العمل، ولا يجوز أن يكون وقت دفع الأجرة خلال أيام الراحة الأسبوعية أو الشهرية، وذلك حتى يأخذ العامل حظه في الراحة الأسبوعية ويتفرغ لشؤونه الأسرية الخاصة، وإذا فعل العامل ذلك فإنه يفوّت على العامل راحته المقررة قانوناً وشرعاً.
رابعاًَ: إثبات دفع الأجرة، فقد يتم توقيع العامل على سجل الأجور، أو على إيصال يفيد أنه قبض أجرته، لكن ذلك لا يعني إسقاط حقه في أي زيادة على المبلغ المقبوض، بل قد يكون للأجرة توابع أخرى كالعلاوات مثلاً، والأصل أنه لا يوجد طريقة محددة لإثبات الوفاء بالأجر في القانون الفلسطيني، إلا إذا نصّ النظام الداخلي للمؤسسة على مثل هذه الطريقة، وإن لم ينصّ عليه النظام الداخلي فإن هذا يخضع للقواعد العامة.
стр. 147
خامساً: تقادم الحق في الأجر، وهو:" مضي مدة معينة على وجوب أداء الحق، يمنع من سماع الدعوى أمام القاضي" (١)، أو هو:"مضي مدة محددة قضاء على إمكان إقامة الدعوى، التي تسقط به دون الحق مع إنكاره" (٢)، أما عن طبيعة التقادم في الشريعة الإسلامية فإنها تمنح حق التملك لشخص وضع يده على عين لم تكن مملوكة أحد أصلاً لقول الرسول ﷺ :" من أحيا أرضاً ميتة فهي له" (٣) ولم ينصّ قانون العمل الفلسطيني على قواعد خاصة بتقادم الحق في الأجر، لذا ينبغي الرجوع إلى القواعد العامة في القانون المدني، حيث احتوى ثلاثة أنواع من التقادم:
الأول: بمضي خمس سنوات لكل حق دوري متجدد، ولو أقرّ به المدين، كأجرة المباني والأراضي الزراعية والرسوم المستحقة للدولة والمرتبات والمعاشات.
الثاني: بمضي ثلاث سنوات كحقوق الأطباء والصيادلة، على أن تكون هذه الحقوق مستحقة لهم عما أدّوه من أعمال.
الثالث: بمضي سنة واحدة، ويشمل حقوق العمال والخدم والأجراء مقابل ما قاموا به من توريدات (٤).
المطلب الأول
الإجازة السنوية
عند البحث عن تعريف الإجازة لغة، فإننا نجد أن علماء اللغة وضعوا لها مجموعة من المعاني التي تعبر عنها هذه الكلمة، منها:
أولاً: قطع الطريق. (١)
ثانياً: إنفاذ الأمر والرأي، ومنها ما رواه أنس بن مالك ﵃ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، فقال: هل تدرون مما أضحك؟ قال: قلنا الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول بلى، قال: فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، قال: فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، قال: فيقول بُعداً لكنّ وسحقاً، فعنكنّ كنت أناضل " (٢) أي لا أنفذ ولا أمضي. (٣)
ثالثاً: تكون الإجازة بمعنى الأعطية والجائزة، ومنها قول الرسول ﷺ :" أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به" (٤).
وهذه المعاني المذكورة كلها تخدم موضوع هذا المطلب، فإذا نظرنا إلى التعريف الأول منها والذي هو بمعنى قطع الطريق، فهذا يعني أن العامل بإجازته يقطع مشوار العمل، سواء كانت الإجازة في منتصف الأسبوع أو في نهايته، وهو ما يعطيه قوة بدنية ومعنوية لمواصلة عمله بعد راحته.
أما التعريف اللغوي الثاني والذي هو إنفاذ الأمر فيوافق ضرورة التزام العامل وصاحب العمل بأوامر واضع القانون الذي هو ولي الأمر، وهذه الأوامر هي التي قررت أن الإجازة هي حق للعامل، وواجب على صاحب العمل، وفي التعريف الثالث ترسيخ لمضمون الإجازة التي تجعل منها فترة راحة ومكافأة على العمل الذي قام به قبل الإجازة، وتشجيع للعامل على الجدّ والاجتهاد بعد العودة إلى العمل.
стр. 150
أما تعريف الإجازة اصطلاحاً: فلم أجد - بعد طول عناء وبحث- من علماء الشريعة أحداً وضع لها تعريفاً نظراً لأن هذه التراتيب الإدارية لم تكن معروفة لديهم، مع أن الشواهد النبوية تشير إلى ضرورة إعطاء البدن ما يحتاجه من وقت للراحة، ويؤيد هذا حادثة مؤاخاة الرسول ﷺ بين سلمان الفارسي (١) وأبي الدرداء (٢)
﵄، حيث آخى النبي ﷺ بينهما فزار سلمان أبا الدرداء، فرأَى أُمّ الدرداء مُتبذِّلَة، فقال لها: ما شأنكِ؟ قالت: أَخوك أَبو الدرداء، ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أَبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كُل فإني صائم، قال: ما أَنا بآكلٍ حتى تأْكل، فأَكل، فلما كان الليل ذهب أَبو الدرداء يقوم، فقال: نم، فنام ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن، قال: فصلَّيا، فقال له سلمان: إِن لربك عليْك حقاً، ولنفسك عليك حقًا، ولأَهلك عليك حقًا، فأَعط كلّ ذي حقّ حقه، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ :"صدق سلمان" (٣) و قد جاء في تعليق صاحب فتح الباري حول هذا الحديث أن فيه جواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن يفضي إلى السآمة والملل، وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة منها أو المندوبة، وفيه أيضاً كراهة الحمل على النفس في العبادة (٤)، وإذا كانت الكراهة قد وردت على حمل النفس على العبادة على حساب الصحة والعافية فمن باب أولى أن تكون الكراهة في حمل النفس على العمل، وإعمال البدن فوق طاقته داخل تحت هذه الكراهة.
ومن خلال تقرير الرسول ﷺ لقاعدة " إن لبدنك عليك حقا" يمكن تعريف الإجازة على أنها: فترة انقطاع العامل عن دوامه الرسمي في العمل بإذن صاحب العمل لعوارض سيأتي ذكرها عند الحديث عن أنواع الإجازت، والحكمة من هذا الانقطاع- والله تعالى أعلم- أن العمل دون راحة يولّد الملل
стр. 151
والكسل، ويورث الإرهاق الجسدي الذي تنعكس آثاره السلبية على قدرة العامل على الإنتاج والعطاء، وقد وردت الإشارات النبوية إلى تخصيص يوم للراحة والتفرغ للأشغال الخاصة، ومالت تلك النصوص إلى جعله يوم الجمعة لفضله وعظيم شأنه، حيث قال رسول الله ﷺ :" ما على أحدكم إن وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبيّ مهنته" (١) وعليه إذا قررت الدولة أن العمل ثماني ساعات مثلاً وجب التقيّد بذلك، كما أنها عندما تقرر يوماً من أيام الأسبوع ليكون يوماً لراحة العمال يكون جمهور العمّال ملزمين بذلك اليوم، ونشير هنا إلى أن قانون العمل الفلسطيني - كغيره من القوانين العربية - لم يأت على تعريف الإجازة، بل خاض في غمار تفصيلاتها مباشرة.
وقد قررت الشريعة الإسلامية أن لولي الأمر الحق في تخصيص يوم من أيام الأسبوع لراحة العمال، كلٌ حسب إمكانيات عمله، وهذا من باب السياسة الشرعية ذات المجال الفسيح في الأمور الاجتهادية التي تخضع لتقدير ولي الأمر للمصالح العاملة، وهو ما قرره قانون العمل الفلسطيني، حيث نصّ في المادة رقم (٧٤) من أنه:" يستحق العامل إجازة سنوية مدفوعة الأجر مدتها أسبوعان عن كل سنة في العمل، وثلاثة أسابيع للعامل في الأعمال الخطرة أو الضارة بالصحة، ولمن أمضى خمس سنوات في المنشأة" (٢).
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن الأولى في القانون أن لا يسمح بتلك الأعمال الضارة بالصحة ابتداءً، لا أن يُعطي العامل فيها إجازة أطول من غيرها من الأعمال، كما أن القانون لم يوضح معياراً للضرر للذي يمكن أن يلحق بالإنسان، وهل هو ضرر بالصحة الجسدية أم الصحة النفسية، أم بهما معاً؟، ثم إن قصر هذه الأعطية على من أمضى خمس سنوات في المنشأة يُلحق الظلم بالعامل الذي أمضى أقل من ذلك، وهو ما يجعله يعمل الخمس سنوات متواصلة، ولا يرتاح إلا أيام الجمعة أو العطلة الأسبوعية، وفي ذلك من الإرهاق الكثير، مع أنه قد يُنجز عملاً أكثر ممن أمضى عشرات السنوات في المنشأة، ثم إن النص القانوني بحاجة إلى تقييد السنوات الخمس بالتواصل أم عدمه.
ويمكن ردّ أصل تقرير هذه الإجازة لاندراجها تحت مبدأ المحافظة على النفس والبدن في الإسلام لقصة سلمان الفارسي وأبي الدرداء ﵄ (٣)، كما تندرج تحت الأمور الدنيوية التي أرجعها الرسول ﷺ للناس، قياساً على حادثة تلقيح النخل، حيث مرّ النبي ﷺ بقوم يلقحون، فقال: لو لم
стр. 152
تفعلوا لصلح، فخرج شيصاً (هو البسر الرديء، الذي إذا يبس صار حشفاً، أو هو أردأ التمر) (١) فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا، قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (٢).
وقد نصّ القانون في نفس المادة السابقة في الفقرة الثانية على عدم جواز تنازل العامل عن إجازته السنوية، وهذا حرص من القانون نحسبه له على أن يستفيد العامل من هذه الفترة المعطاة له لراحته واستعادة نشاطه، ولكن لا أرى مانعاً من تنازله عن بعضها إذا كان العامل بحاجة إلى دخلٍ مادي إضافي، خصوصاً أن العمل في أوقات الراحة والإجازة له من الأجر أكثر من غيره من الأيام، وأشير هنا إلى أن هذا النوع من الإجازات يشترك فيه جميع العمّال، بغضّ النظر عن جنسهم أو مؤهلهم العلمي أو طبيعة عملهم، وهذه المدة الممنوحة للعامل تمثل الحد الأدنى، لذا يُعتبر باطلاً كل اتفاق بين العامل وربّ العمل على أيام أقل مما هو منصوص عليه.
стр. 153
المطلب الثاني
الإجازة الأسبوعية
ذكر فقهاء الشريعة الإسلامية على أن المسلم لو استأجر رجلاً يهودياً شهراً كاملاً، كانت أيام السبت مستثناة من هذا العمل، وكذلك لو استأجر المسلم نصرانياً فإن أيام الأحد مستثناة أيضاً، وهكذا الحال بالنسبة للمسلم، فإن أيام الجمعة مستثناة أيضا (١)، وتتلخص فكرة هذا النوع من الإجازات بغياب العامل عن عمله الرسمي يوم واحد وبأجر مدفوع، وقد رأينا أن تحديد هذا اليوم يختلف باختلاف ديانة العامل، فالمسلم يغيب يوم الجمعة، واليهودي يغيب يوم السبت، وكذلك النصراني يوم الأحد، مع أن الشريعة الإسلامية أفسحت المجال لطرفي الإنتاج بالاتفاق على أي يوم آخر مع مراعاة المصالح الثلاث (مصلحة العامل، مصلحة صاحب العمل، مصلحة العمل بحدّ ذاته).
وقد نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (٧٢) على أن:" للعامل الحق في راحة أسبوعية مدفوعة الأجر لا تقل عن ٢٤ ساعة متتالية، ويجوز بناءً على اتفاق طرفي الإنتاج تجميعها مرة واحد في الشهر وتُحتسب الراحة الأسبوعية مدفوعة الأجر إذا عمل العامل ستة أيام متصلة قبلها، ويُحسم من ذلك نسبة الأيام التي يغيبها العامل عن العمل" (٢)، وفي المادة التالية رقم (٧٣) نصّ القانون على أن:" يوم الجمعة هو الراحة الأسبوعية إلا إذا كانت مصلحة العمل تقتضي تحديد يوم آخر بصورة منتظمة" (٣)، مع أن تغيير يوم الإجازة من يوم الجمعة ليوم آخر لا أرى أنه يُشترط فيه الانتظام، فقد يضّطر صاحب العمل لاستبدال يوم الجمعة بيوم آخر لمدة ثلاثة أسابيع مثلاً، وذلك تماشياً مع ظروف العمل.
مع أن في هذا إغفالاً من القانون لوجود موظفين من غير المسلمين، لذلك فإن ما نصّ عليه فقهاء الشريعة قديماً هو الأقرب إلى الصواب، والأسهل عند التطبيق العملي، مع أن المتأمل في النصوص الواردة حول يوم الجمعة لا يجد فيها ما يوجب أن تكون الإجازة يوم الجمعة، إلا أن الأحاديث النبوية تشير إلى أن يوم الجمعة يوم عيد، وقد ذكرنا سابقاً الخلاف بين الفقهاء في العمل يوم الجمعة، يُضاف إلى ذلك استحقاق العامل لإجازة الأعياد مدفوعة الأجر، وقد أضاف القانون تلك الأعياد الرسمية -مع تحفظ الباحث على هذا المسمى- لأن ماهية ما يُسمى بالأعياد الرسمية بحاجة إلى توضيح وحصر، لا أن يبقيها القانون مطلقة، وخاضعة لتقدير مجلس الوزراء، وتختلف باختلاف توجهات الوزير المعني أو توجهات مجلس الوزراء، إلا أن قانون الخدمة المدنية الفلسطيني
стр. 154
ذكرها في المادة رقم (٧) من اللائحة التنفيذية لقرار مجلس الوزراء رقم (٤٥) لسنة ٢٠٠٥م، لكنه حصرها للموظفين العاملين في الدوائر الحكومية فقط دون غيرهم، فكانت ثلاثين يوماً للمسلمين والنصارى الشرقيين والغربيين والطائفة السامرية.
стр. 155
المطلب الثالث
الإجازة المرضية
لا شك أن المرض ابتلاء من الله ، وهو ما يؤثر سلباً على قدرة العامل الإنتاجية، وقد يحول في بعض الحالات دون قيام العامل بالعمل، ويندرج استحقاق العامل تحت الرحمة بالإنسان كونهم إخواناً لأصحاب العمل، والأخ لا بدّ وأن يكون رحيماً بأخيه، فيعينه على التغلب على مرضه، لهذا كله جاء قول الرسول ﷺ :" إخوانكم خَولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم" (١).
ولقد رأينا فيما تقدم أن أصل استحقاق العامل لأُجرته هو استيفاء المستأجر للمنافع، فإذا لم يستوف المستأجر المنافع فلا أجر للعامل، وعليه فقد نصّ بعض الفقهاء على أن العامل لا يستحق الأجرة إذا مرض وانقطع عن العمل بعذر أو بغير عذر، حيث جاء في المبسوط:" ولو كان يبطل من الشهر يوماً أو يومين حوسب بذلك من أجره، سواء كان من مرض أو بطالة لأنه يستحق الأجر بتسليم منافعه، وذلك ينعدم في مدة البطالة، سواء كان بعذر أو بغير عذر" (٢)، أما الموقف القانوني من الإجازة المرضية فقد نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (٧٩) على أنه:" بناءً على تقرير اللجنة الطبية يستحق العامل إجازة مرضية مدفوعة الأجر خلال السنة الواحدة مدتها أربعة عشر يوماً، وبنصف الأجرة لمدة أربعة عشر يوماً أخرى" (٣) والمتأمل في هذه المادة يتبين له بعض الملاحظات عليها منها:
١. إن تحديد الموافقة على الإجازة المرضية الطارئة بوجود تقرير اللجنة الطبية المعتمدة من جهة التشغيل فيه من التضييق على العامل، إذ قد لا يجرؤ على طلب الإجازة المرضية ليوم واحد خوفاً من عناء المراجعات والانتظار للحصول على تقرير هذه اللجنة.
٢. يستحق العامل هذه الإجازة مرة واحدة في السنة الواحدة، ولم يتبين موقف القانون من مرض العامل مرة أخرى.
٣. يرى الباحث أن جعل الإجازة مدفوعة الأجر كاملاً أربعة عشر يوماً قليل نسبياً.
٤. ينبغي التدرج في احتساب الأجر خلال الإجازة المرضية، فعلى سبيل المثال لو بُدء بشهر كامل تكون الإجازة بأجر كامل، ثم يُعطى العامل مدة عشرين يوماً أخرى بثلثي الأجر، وإن كان هناك حاجة
стр. 156
لوقت إضافي يُعطى العامل عشرة أيام إضافية بنصف الأجر، ويحتسب للعامل أجر فيما يحتاجه من فترة أخرى بنسبة مئوية تكفيه كأن تكون ١٠% مثلاً، وفي ذلك التدرج إدامة للمودة والإحسان بين العامل وصاحب العمل، وليكون ذلك مدعاة للعامل للإخلاص في عمله إذا علم أن دخله الشهري قد ينقص ولكنه لن ينقطع بسبب مرضه المؤقت، ولو كان نظام التأمينات الاجتماعية معمولاً به في أيام كتابة هذه السطور لأحلنا العامل المريض على ما يقرره هذا القانون.
стр. 157
المطلب الرابع
الإجازة العارضة
يعتبر غياب العامل دون إذن من صاحب العمل خطأً منه، ومن ثَّم يشكل مبرراً لفصله، وإذا طالت مدة الغياب، فإن ذلك يُعد خطأً جسيماً من العامل يبرر فصله دون إخطار أو تعويض، وإذا كان غياب العامل بسبب قوة قاهرة مؤقتة فإن هذا الغياب يكون مبرراً لوقف عقد العمل، ولكن قد يحدث أمر من الأمور العائلية للعامل مثل زواج العامل، أو زواج ابنه، أو وفاة أحد أفراد أسرته، أو ولادة طفل له، وهذه من الأمور المهمة في حياة العامل، وغيرها الكثير من الأمور الشخصية، كما يقتضي مبدأ حسن النية في تنفيذ العقود السماح للعامل بالتغيّب عن العمل في مثل هذه المناسبات، فإذا وجد أمر من هذه الأمور كان للعامل التغيّب عن العمل دون الحصول على رضاء صاحب العمل في صورة إذن مسبق أو في صورة موافقة لاحقة، لكن لصاحب العمل مطالبة العامل بتقديم الدليل على وجود الأمر العارض الذي منعه من الحضور إلى العمل، فإذا لم يقدم العامل هذا الدليل كان لصاحب العمل اعتبار غيابه بدون عذر.
وقد توقع المشرّع الفلسطيني حدوث هذه العوارض- دونما توضيح لأحكامها-، فجاء في المادة رقم (٧٨) حيث نصّت:" يجوز للعامل التغيّب عن العمل لسبب عارض مثبت لمدة عشرة أيام في السنة، تحتسب من الإجازة السنوية على أن لا تتجاوز المدة ثلاثة أيام متتالية في المرة الواحدة" (١) وهذا على خلاف الإجازات الأخرى التي ذُكرت من حيث أن تلك الإجازات لا تحتسب من الإجازات السنوية، والملاحظ أن قانون العمل الفلسطيني سكت بخصوص أن هذه الإجازة مدفوعة الأجر أم لا؟ (٢)، ولم يحدد الأمور الشخصية والعائلية- وهذه تحتسب للقانون- بل أبقى حسم اعتبار ما إذا كان الأمر عارضاً لمحكمة الموضوع عند التقاضي، مع العلم أن العامل قد يتردد بالغياب لسبب عارض إذا كان قد استنفذ مدة الإجازة السنوية المقررة له، والأصل أن لا يُحرم الإجازة العارضة، حتى لو استنفذ إجازته السنوية والعشرة أيام المقرر له كإجازة عارضة وحدث له عارض عائلي أو شخصي، ولكن لا يحق له الحصول على أجر عن أيام التغيّب، فالعارض هنا من قبيل الاستحالة المعنوية المؤقتة التي تؤدي إلى وقف عقد العمل ولكن لا تنهيه.
стр. 158
المطلب الخامس
إجازة الأمومة
تبدأ مرحلة الطفولة منذ ولادة الطفل وحتى بلوغه سن الاحتلام، حيث يدلُّ على ذلك قول الله : ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١)؛ فقد دلّت الآية الكريمة على أن بلوغ الطفل هو وقت تكليفه بالاستئذان على من يدخل عليهم، كما أنه هو سن تكليفه بالأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات، ويرى جمهور الفقهاء من الحنفية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) أن حضانة النساء تنتهي باستغناء الطفل عن خدمة النساء وذلك ببلوغ الصبي سبع سنوات عند الحنفية، وسبع سنوات عند الحنابلة (٥)، أما المالكية فقد نصّوا على أن حضانة الذكر تستمر إلى سنّ البلوغ، أما الأنثى فتستمر حضانتها إلى أن تتزوج ويدخل بها زوجها (٦)،
ولاشك أن تحديد سن الطفولة بهذا القدر من الأعوام فيه حماية أكثر للطفل ورعاية له حتى يشب صحيحًا من الناحية البدنية والنفسية بعد أن أخذ حقه في الرعاية كاملاً طوال تلك المدة، ولم يختلف الفقهاء كثيراً عند تعريفهم الحضانة والمحضون؛ فهي عند المالكية"حفظ الولد والقيام بمصالحه؛ والمحضون هو من لا يستقل كالصغير؛ فتستمر حضانته في الذكر إلى البلوغ على المشهور، وفي الأنثى إلى دخول الزوج بها" (٧)، وتوسع الشافعية في تعريف الحضانة فهي "حفظ من لا يستقل، وتربيته، وتنتهي في الصغير بالتمييز" (٨)، أما بعده إلى البلوغ فتسمى كفالة، وقد اتفق الفقهاء من الحنفية (٩)
стр. 159
والشافعية (١) والحنابلة (٢) في قول لهم على أن الحضانة حق للحاضن (الأم)، واستدلوا على ذلك بقول الله : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (٣)
وموضع الاستدلال في هذه الآية أن هناك إشارة إلى جواز أن ترضع المولود بعد المعاسرة امرأة أخرى، وأن والدته لا تُجبر على إرضاعه، كما استدلوا بما ورد عن الرسول ﷺ أن امرأة قالت:" يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثدي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني فأراد أن ينتزعه مني"، فقال الرسول ﷺ : "أنتِ أحق به ما لم تنكحي (٤) "، أما الحنفية (٥) في المعتمد عندهم فقد ذهبوا إلى أن الحضانة حق للولد على أمه وتُجبر عليه إذا لم يوجد من تحضنه، أو وجد من يحضنه لكنه امتنع من قبول غير أمه، وأما إذا لم تتعين الأم حاضنة فالحضانة حق للمحضون فتُجبر عليها، ودليهم في هذا القول قول الله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٦)، والأمر للوجوب، بمعنى أن الأم تُجبر على إرضاع ولدها، وفي هذا دلالة على أنها تُجبر على حضانته (٧)، وقال المالكية أن الحضانة تتعين على الأب، لذا فهي حق للولد عليه، وهي حق له على أمه في حال تعينها عليها وذلك في حولي الرضاعة إذا لم يكن للمحضون أب ولا مال يُستأجر له منه حاضنة، أما إذا لم تتعين فالحضانة حق للمحضون (٨)،
وقد استدلوا على قولهم بأن الحاضن إذا
стр. 160
أسقط الحضانة بعوض الخلع أو بغير عوض أصلاً فإنها تسقط، ولو كانت حقاً للمحضون لما سقطت بإسقاطه، ولأن الحاضن لا أجرة له من أجل الحضانة على المشهور عندهم، إذ الإنسان لا يأخذ أجراً على الواجب عليه، ولو كانت الحضانة حقاً للمحضون لكانت له الأجرة (١)، ويرى الباحث - والله تعالى أعلم - أن الحق في الحضانة مشترك بين الحاضن والمحضون، لأن الحضانة بطبيعتها لا توجد إلا بهما، ولكلٍ منهما فيها حق، حيث إن حق المحضون متمثل في البقاء وكذلك حق الحاضن متمثل في تربية ورعاية المحضون وإن كان حق المحضون أقوى لحاجته إليها. (٢)
وتعتبر العناية بالطفل منذ ولادته من أساسيات حياته، وحضانته دليل على استقامته النفسية وسلامته الفكرية والبدنية، وللحضانة دلالة لغوية، حيث تعني احتضان الشيء، أو وضعه في الحِضن، والحضن من الإنسان ما كان دون الإبط إلى الكِشح، وحضن الطائر بيضه، إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحيه، وكذلك المرأة إذا حضنت ولدها. (٣)
وفي المصطلح الشرعي تعني الحضانة تربية الطفل ومراعاة مصلحته في وقت يعجز ولا يميّز بين ضرّها ونفعها (٤)، ومن الفقهاء من جعلها:" حفظ الطفل عما يضرّه، وتربيته بغسل رأسه وبدنه وثيابه، ودهنه وتكحيله، وربطه في المهد وتحريكه لينام ونحو ذلك" (٥)، ويعتبر هذا التعريف الأقرب لما نناقشه (إجازة الأمومة)، لأنه ذكر ما تقوم به المرأة الموظفة التي تستحق هذه الإجازة، ومن المعاصرين من جعلها القيام على الولد الصغير بما يصلحه تربية وحفظاً حتى يستقلّ بأموره (٦).
وتقرر مستند الحضانة في قول الله : ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ (٧) فراعت الشريعة الفطرة البشرية والتكوين الجبلّي للإنسان السوي، إذ الطفل يحتاج إلى
стр. 161
صبر طويل، ورأفة مرفقة بالعناية واللطف،،واستحقاق الأم لهذه الوظيفة التي بناءً عليها استحقت إجازة الأمومة أن امرأة كانت قد تزوجها عمر بن الخطاب ﵃ خاصمته إلى أبي بكر ﵃ فقال:"هي أعطف وألطف وأرحم وأحنا وأرق، وهي أحق بولدها ما لم تزوَّج، و ريحها وشمّها ولطفها خير منك (١) ".
وقد نبه رسول الله ﷺ إلى أهمية تنشئة الطفل تنشئة صالحة، فقال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه، أوينصِّرانه، أويمجِّسانه" (٢)، ولقد سبق الإسلام الأمم والشعوب الكافرة التي انتبهت لأهمية المحاضن، وخطورتها، وتأثيرها في تكييف عقلية الناشئة على المنهج، والفلسفة، والسلوك الذي يراد منه، حيث تنبع إجازة الأمومة من حضانة الأم لمولودها، حيث يُقاس استحقاق الأم لهذه الإجازة على استحقاقها للتفرغ من أجل حضانة المولود، وقد أعطى قانون العمل الفلسطيني حق الانقطاع عن العمل للمرأة المتزوجة والعاملة حين وضع المولود حفاظاً على الحقوق التي كفلها الإسلام للمولود الجديد وللأم المربية والحاضنة، فنصّ في المادة رقم (١٠٣):" للمرأة العاملة التي أمضت في العمل قبل كل ولادة مدة مائة وثمانين يوماً الحق في إجازة وضع لمدة عشرة أسابيع مدفوعة الأجر منها ستة أسابيع بعد الولادة" (٣) ومما يؤخذ على هذا النص مايلي:
١. أن تختصّ المرأة العاملة التي أمضت في العمل ستة أشهر بإجازة الوضع فيه من الظلم الذي يمكن أن يحيق بالمرأة الحامل التي تلتحق بالمنشاة وهي تقترب من وقت وضعها، ففي هذه الحالة يحق لصاحب العمل رفض الموافقة على منحها هذه الإجازة - نظراً لنصّ القانون - ومن هنا ستضطر العاملة النفساء التوجه للعمل في الأيام الأولى من وضعها للحمل، وذلك خوفاً على مستقبل وظيفتها أو انقطاع راتبها، لذا ينبغي العمل على أن يكون هذا الحق لجميع العاملات بغضّ النظر عن المدة التي أمضتها في العمل، لأن هذا الانقطاع عن العمل لا مجال لتأجيله أو منعه.
٢. تحديد الإجازة بعشرة أسابيع قليل بالنسبة للعاملة الشابة التي وضعت لأول مرة، نظراً لقلة خبرتها في تربية الأطفال.
٣. لم تذكر النصوص القانونية المدة القانونية التي يجوز للمرأة العاملة طلب الإجازة بدون راتب، وهل يحق للمرأة العاملة أن تطلب الإجازة بدون راتب لمدة طويلة، وهل يحق لصاحب العمل الامتناع عن الموافقة؟.
стр. 162
٤. تحدثت بعض القوانين العالمية عن استحقاق الرجل إجازة عند وضع امرأته، وفي ذلك من القبول في حالات معيّنة منها مثلاً أن تكون المرأة الواضعة تحتاج مساعدة ولا أحد غير زوجها، كذلك لو كان المولود أو المواليد بحاجة إلى رعاية صحية أو مراجعات للمستشفيات، ويُذكر هذا ليكون للعامل الأحقية في مثل هذه الإجازة ولكن لا تُسمى إجازة أمومة، نظراً لارتباط الأمومة بالأم، ولكن ممكن أن تسمى بإجازة طارئة أو إجازة خاصة، وقد حصل الآباء البريطانيون منذ عام ٢٠٠٤م على حقهم في إجازة الأبوة، حيث يعطى حق أخذ الإجازة للآباء وللأمهات على السواء، وفي السويد اعترافاً بالمساواة بين الجنسين وبعداً عن التمييز، أقرّت الحكومة السويدية قوانين تُلزم بالمساواة في كل مناحي الحياة العامة، وفرضت المساواة في الأجور للرجال والنساء الذين يؤدون نفس الوظائف، وأعطت الرجال والنساء حقوقاً متساوية من حيث إجازات الأبوة، وقد أقرت لجنة العمل والشؤون الاجتماعية في البرلمان الإسباني مشروع قانون يمنح الأب بموجبه إجازة لمدة شهر لمساعدة زوجته في تحمل مسؤولية تربية الطفل، وأجمعت جميع الأحزاب على القانون الجديد، باستثناء الحزب الشعبي المعارض، الذي امتنع عن التصويت، ونحن نرى أن هذه القوانين تنطلق من منطلقات غير أخلاقية ولا دينية، وإنما من معتقدات تلزمهم بمساواة الرجل للمرأة، وذلك على حساب الأسرة والقوامة والسكينة.
٥. حرصاً من المشرّع القانوني الفلسطيني على سلامة الطفل أولاه رعاية خاصة، فقد أعطى المرأة المرضع الحق بإرضاع وليدها أثناء العمل بعد إجازة الوضع لمرة واحدة أو مرات لا تقل في مجموعها عن ساعة يومياً وذلك لمدة سنة من تاريخ الوضع، مع إقراره بأن هذه الساعة الزمنية تكون محسوبة من ساعات العمل اليومي، فقد ورد في المادة رقم (١٠٤) من قانون العمل الفلسطيني:" للمرأة المرضع الحق بفترة أو فترات رضاعة أثناء العمل لا تقل في مجموعها عن ساعة يومياً لمدة سنة من تاريخ الوضع" (١)، ولكن مما يُلاحظ على هذا النص هو اشتراط مدة الساعة لمدة سنة من تاريخ الوضع وليس من تاريخ انتهاء إجازة الولادة، وربما أخطأ القانون في هذا، إذ إن المرأة تكون قد أمضت عشرة أسابيع خارج نطاق العمل، لذا فإن الأولى عدم احتساب فترة العشرة أسابيع من ضمن السنة التي أشار إليها القانون (٢)، وكان من الأولى بالقانون منع أصحاب العمل من تشغيل النساء قبل إنهاء العشرة أسابيع وذلك كنظيره الأردني، حيث استحدث نوعين جديدين من الإجازات وبتفصيل واضح، هما:
النوع الأول: إجازة التفرغ لتربية الأطفال، حيث نصّ في المادة رقم (٦٧) أن للمرأة الحق بأن تحصل على إجازة تفرّغ لتربية أطفالها، ولكنه شرطها بشروط منها:
١. أن تكون المؤسسة التي تعمل بها المرأة يعمل بها عشرة عمال فأكثر.
стр. 163
٢. أن يكون لدى المرأة العاملة أكثر من طفلين.
٣. أن يكون هدف المرأة من الحصول على الإجازة التفرّغ لتربية أطفالها، على أن تطلب المرأة العاملة هذه الإجازة قبل البدء فيها بمدة معقولة.
٤. عدم التزام صاحب العمل بدفع الأجر خلال هذه الإجازة.
٥. أن تكون هذه الإجازة لمدة سنة واحدة فقط.
النوع الثاني: إجازة المرافقة لأحد الزوجين، وذلك حرصاً من المشرّع الأردني على بقاء العلاقات الأسرية قوية ومتماسكة، حيث أشار في المادة رقم (٦٨) من قانون العمل الجديد على أنه لكل من الزوجين الحصول على إجازة لمرة واحدة دون أجر لمدة لا تزيد عن سنتين لمرافقة زوجه، إذا انتقل إلى عمل آخر يقع خارج المحافظة التي يعمل فيها داخل المملكة أو حتى إلى عمل يقع خارجها، ويستنتج من هذا الكلام القانوني:
١. أن يكون كل من الزوجين عاملاً.
٢. أن ينتقل أحد الزوجين العاملين إلى مكان عمل آخر.
٣. أن تكون الإجازة في حدود سنتين طول مدة خدمة العامل. (١)
وقد أشار قانون العمل الفلسطيني لمثل هذه الإجازات - دونما تفصيل- في المادة رقم (١٠٥) حيث نصت:" وفقاً لمصلحة العمل يجوز للمرأة العاملة الحصول على إجازة بدون أجر لرعاية طفلها أو لمرافقة زوجها" (٢) وهو ما يُثير التساؤل عن الرجل العامل، هل يجوز له طلب إجازة لمرافقة زوجته العاملة؟
стр. 164
المبحث الخامس: حق العامل في التأمين والتعويض وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التأمين في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني.
المطلب الثاني: التعويض في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني.
стр. 165
المطلب الأول
التأمين في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني
جاء في تعريف التأمين لغة ما نصه:" أمن: الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان: أحدهما الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخر التصديق" (١)، وجاء في المفردات:" أمن: أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسماً للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسماً لما يؤمن عليه الإنسان" (٢)، سوف يظهر من هذين التعريفين أن لفظة التأمين تعود في اللغة إلى الأمن، والأمن والأمان تحدثان في النفس طمأنينة عند زوال ما تخشاه، أو تتوجس منه النفس، وهذا بالضبط ما يحدث للمؤمِن عند اتفاقه مع شركة التأمين.
وفي الاصطلاح القانوني يمكن تعريف عقد التأمين بأنه:" عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث او تحقق الخطر المبين بالعقد، وفي نظير ذلك قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له للمؤمن" (٣)، أما في الاصطلاح الفقهي فيمكن تعريفه بأنه:" ضمان بعوض في مقابل عوض" (٤).
ومن الفقهاء المعاصرين من عرّفه بقوله:" التأمين التزام طرف لآخر بتعويض نقدي يدفعه له أو لمن يُعيّنه، عند تحقق حادث احتمالي مبين في العقد، مقابل ما يدفعه له هذا الآخر من مبلغ نقدي في قسط أو نحوه" (٥)، وعرّفه آخرون كنظام بقولهم:" نظام تعاقدي يقوم على أساس المعاوضة، غايته
стр. 166
التعاون على ترميم أضرار المخاطر الطارئة بواسطة هيئات منظَّمة تزاول عقوده بصورة فنية قائمة على أُسس وقواعد إحصائية" (١)
ويتكون عقد التأمين من عناصر سبعة هي:
١. المؤمن (الطرف الذي يتعهد بدفع مبلغ التأمين عند تحقق الخطر المؤمن ضده).
٢. المستأمن (الطرف الذي يتعهد بدفع قسط التأمين المتفق عليه للمؤمن).
٣. مبلغ التأمين (العوض الذي يتم دفعه من قبل المؤمن عند تحقق الخطر).
٤. قسط التأمين (المبلغ الذي يتم دفعه من قبل المستأمن في مقابل التأمين).
٥. المستفيد (الذي يستحق مبلغ التأمين عند تحقق الخطر المؤمن ضده سواء كان المستأمن نفسه أو من يقوم مقامه).
٦. المؤمن ضده (الخطر أو الحادث الذي يُحتمل وقوعه).
٧. المؤمن عليه (الشيء الذي يُخشى عليه من الخطر المؤمن ضده خلال فترة العقد). (٢)
وقد اختلف الفقهاء في حكم التأمين التجاري، فانقسموا فيما بينهم إلى فريقين:
الفريق الأول: القائلون بالجواز (٣)، وقد استدلوا بأدلة أكثرها يستند إلى القياس منها:
١. الأصل كان في الشريعة إباحة العقود، والتأمين واحد من هذه العقود، لقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤)، وفي هذه الآية ما يدل على إباحة كل ما خلقه الله للناس، إلا ما ورد دليل على تحريمه، وقد يُناقش هذا الاستدلال بأن فيه حجة على قائليه لا لهم فيه حجة، وذلك لأن عقد التأمين يصطدم مباشرة بهذا الاستدلال، حيث قامت الأدلة التي توضح حُرمة الربا كما في قوله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ
стр. 167
اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) ومعلوم أن عقد التامين يقوم على الربا.
٢. قياس التأمين على ضمان خطر الطريق، وهو أن يقول إنسان لآخر اسلك هذا الطريق فإنه آمن، فإن كان فيه من يُخيفك ويأخذ مالك فأنا ضامن، فإذا سلكه وأخذ ماله فإنه يضمن، وهذا قول الحنفية (٢)، ويُناقش هذا القياس بأنه قياس مع الفارق، حيث لا علة جامعة بين المقيس والمقيس عليه، فالعلة في ضمان خطر الطريق هي التغرير المتسبب في الإتلاف، أما العلة في عقد التأمين هي الالتزام بدفع أقساطه.
٣. قياس التأمين على الإجارة، فالحارس الأجير يحقق الأمان لمن استأجره، والتأمين يحقق الأمان للمؤمن لهم، وعند مناقشة هذا الاستدلال يتبين مايلي:
أ لا جامع بين الإجارة والتأمين، فالعلة في الإجارة هي حفظ المحروس، بينما العلة في التأمين هي الحصول على مبلغ التأمين عند تحقق الخطر.
ب أجرة الحارس هي مقابل ما يقوم به من عمل، أما الأقساط في عقد التأمين هي مقابل نقود مؤجلة، وهي مجهولة المقدار والأجل.
ت يضمن الحارس إذا تعدّى، وليس من المعقول أن نقول بضمان شركات التامين مع أنها لم تتعد.
٤. قياس التأمين على الوديعة وذلك بجامع المصلحة في كل منهما، فكما تستفيد الشركة من الأقساط لديها مقابل ضمانها المؤمن عليه يستفيد المودع إليه من أجرة حفظ الوديعة، ولكن لا وجه لقياس التأمين على الوديعة، لأن التأمين يقوم على المعاوضة الصرفة، أما الوديعة فتقوم على البرّ والحفظ تبرعاً.
٥. احتج المبيحون لعقد التأمين بأن المصلحة تقتضيه، على اعتبار أن التأمين يحقق مصلحة للناس، وفيه طمأنينة لأصحاب الأموال والتجارات، ويُجاب على هذا الاستدلال بما يلي:
أ التأمين لا مصلحة فيه، وإنما فيه مفسدة عظيمة حيث تكديس الأموال في يد قلة خاصة من الناس (شركة التأمين).
ب حتى لو سلمنا بأن التأمين فيه مصلحة، فإنها مصلحة مرسلة وهي أصلاً محل خلاف بين العلماء.
٦. ذهب المبيحون للتأمين إلى أنه قد عمّ وانتشر في العالم حتى أصبح عرفاً عاماً، ويُردّ على هذا الاستدلال بأن العُرف بحدّ ذاته ليس دليلاً مستقلاً، بل هو أصلُ يُستعان به على فهم النصوص
стр. 168
الشرعية، كما أننا لو فرضنا أن التأمين صار عرفاً فإن إباحته بناءً على العرف يكون باطلاً، لأن العرف قد خالف أدلة شرعية تحرّم الربا والغرر وأكل أموال الناس بالباطل.
الفريق الثاني: القائلون بالتحريم (١)، ومن أدلتهم:
١. أن التأمين قائم على الربا بنوعيه (ربا الفضل وربا النسيئة) وذلك يكون في حالة وقع الحادث فإن مبلغ التأمين المدفوع من الشركة إلى الشخص المؤمَّن له إما أن يكون أقل أو أكثر مما دفعه من أقساط، وفي ذلك اجتماع لنوعي الربا، فربا الفضل يكون لعدم المساواة في المبلغ المدفوع، وربا النسيئة يكون في تأخير أحدهما عن الآخر، بمعنى أن التأمين عبارة عن مبادلة نقود بنقود متأخرة في الأجل، وزائدة في المقدار.
٢. اعتبر المحرّمون التأمين نوعاً من أنواع القمار، ولا يُمكن أن يقوم عقد التأمين إلا بوجود عنصري الخطر والاحتمال، وهما مقوّمات القمار.
٣. وجود الغرر في التأمين، حيث يمكن تعريف الغرر بأنه:" الخطر الذي استوى فيه طرف الوجود والعدم بمنزلة شك" (٢)، أو هو" ما تردد بين أمرين ليس أحدها أظهر" (٣)، والغرر محرم شرعاً بما رواه مسلم في صحيحه أن الرسول ﷺ "نهى عن بيع الحصاة (٤) وعن بيع الغرر" (٥)، وعقد التأمين عقد
стр. 169
معاوضة يتوقف حصولها على أمر احتمالي، وهو وقوع الخطر، فإن وقع الخطر حصل المؤمَّن له على بدل الأقساط (مبلغ التأمين)، وإن لم يقع له حوادث لم يحصل على شيء ضاع ما دفعه من أقساط، وحتى لو وقع له حادث فإنه لا يدري كم سيكون مبلغ التأمين.
ولا ننكر وجود فريق ثالث (١) أباح بعض أنواع التأمين التجاري كالتأمين على الحياة، مستدلاً بأن عقد التأمين عقد مضاربة، فالمال من جانب المشتركين، والعمل من جانب الشركة والربح لهما (٢)،ويندرج تأمين العمال تحت التأمين على الأشخاص كأحد أنواع التأمين التجاري الذي يبرمه الشخص مع شركة التأمين ضد الأخطار التي تهدد بدنه كالموت أو فقدان أحد أعضاء جسمه مما يقعده عن العمل والكسب.
التأمين لأضرار العمل: " هو نظام إجباري غالباً، تشرف عليه الدولة، و غالباً ما تقوم به، لا بقصد تحقيق الأرباح المادية المالية، يموّله أصحاب العمل غالباً، وقد تشترك معهم الحكومة بمساهمات دورية موحدة أو مختلفة في المقدار أو النسبة، ليحصل المؤمن عليه إذا أصيب بضرر من عمله على العلاج حتى شفائه أو استقرار حالته، أو لمدة محدودة أو بكلفة محدودة، وعلى التأهيل للعمل إن احتاج إليه، وعلى تعويض عن عجزه الجزئي أو الكلي الذي حدث له، وليحصل هو أو معالوه عند انقطاع دخله بسبب إصابته أو موته بها على قدر موحد، أو نسبة من دخله مرة واحدة أو بصفة دورية أو بعض ذلك" (٣)، وصورة هذا النوع من التأمين أنه يُقتطع من راتب العامل نسبة أقل من النسبة التي تقتطع من راتب الموظف - نظراً لقلة دخل فئة العمال- فيُقتطع -على سبيل المثال- نسبة ٥% مثلاً من راتب العامل، ويساهم صاحب العمل بنسبة ١٠% ليكون المجموع ١٥% من كامل راتب العامل، ونظراً لارتباط التأمين العمالي بنظام التقاعد واشتراكهما في الهيئة تقريباً، لأنهما فرعان لنوع واحد من أنواع التأمين (التأمين الاجتماعي) كونهما من عقود المعاوضة، وقد نص قانون العمل الفلسطيني على أنه:"يجب على صاحب العمل أن يؤمن جميع عماله عن إصابات العمل لدى الجهات المرخصة في فلسطين" (٤) ولكن دون توضيح نسبة الاقتطاع من راتب العامل وما يدفعه المشغّل، مما يعني ترك الأمر بيد صاحب العمل.
وقد صدرت العديد من الفتاوى الصادرة عن المجامع الفقهية المعاصرة بشأن التأمين التجاري منها:
стр. 170
أولاً: قرار اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية، وهذا نصه بسؤاله:" ما حكم التأمين: مثل التأمين على السيارة، والتأمين على البضائع والعمال والمصانع، كما أن التأمين أحيانا يكون باختيار الشخص، وأحيانا يجبر عليه بشرط من البائع، كأن يشترط البائع أن تؤمن على السيارة التي يبيعها لك بالتقسيط، وكذلك الذي يرسل لك بضاعة من الخارج، وإذا كان هناك ما هو مباح وما هو محرم، وهل يعتبر التأمين من أنواع الربا؟
الجواب: ما ذكر في السؤال هو من التأمين التجاري، والتأمين التجاري محرم؛ لما يشتمل عليه من الغرر والجهالة اللذين لا يعفى عنهما، والمقامرة، وأكل المال بالباطل، والربا، وكل هذا دلت الأدلة على تحريمه" (١)
ثانياً: قرر المجمع الفقهي الإسلامي، في دورته الأولي المنعقدة في ١٠ شعبان ١٣٩٨هـ بمكة المكرمة بمقر رابطة العالم الإسلامي، بعد ما اطلع على كثير مما كتبه العلماء في ذلك، وبعد ما اطلع أيضًا على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة بمدينة الرياض بتاريخ ٤/ ٤/١٣٧٩هـ. بقراره رقم (٥٥) من التحريم للتأمين التجاري بأنواعه. وبعد الدراسة الوافية، وتداول الرأي في ذلك، قرر مجلس المجمع الفقهي بالأكثرية- عدا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا- تحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه، سواء كان على النفس، أو البضائع التجارية، أو غير ذلك. (٢)
ثالثاً: قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهذا نصّه:" إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، المنعقد في مؤتمره بجدة من ١٠ - ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٥هـ، الموافق ٢٢ - ٢٨ (ديسمبر) ١٩٨م، وبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع حول التأمين وإعادة التأمين، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:
١. أن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد، ولذا فهو حرام شرعاً.
رابعاً: فتوى خاصة بالتأمين الصحي صادرة عن مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، هذا نصّها:" إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، المنعقد في دورته السادسة عشرة بدبي في ٣٠ صفر - ٥ ربيع الأول ١٤٢٦هـ، الموافق ٩ - ١٤ (إبريل) ٢٠٠٥م، وبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع التأمين الصحي، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:
стр. 171
١. تعريف التأمين الصحي: عقد التأمين الصحي: اتفاق يلتزم بموجبه شخص أو مؤسسة تتعهد برعايته، بدفع مبلغ محدد أو عدد من الأقساط لجهة معينة على أن تلتزم تلك الجهة بتغطية العلاج أو تغطية تكاليفه، خلال مدة معينة.
٢. أساليب التأمين الصحي: التأمين الصحي، إما أن يتم عن طريق مؤسسة علاجية، أو عن طريق شركة تأمين تقوم بدور الوسيط بين المستأمن وبين المؤسسة العلاجية.
٣. حكم التأمين الصحي:
أ إذا كان التأمين الصحي مباشراً مع المؤسسة العلاجية فإنه جائز شرعاً بالضوابط التي تجعل الغرر يسيراً مغتفراً، مع توافر الحاجة التي تُنزل منزلة الضرورة؛ لتعلق ذلك بحفظ النفس والعقل والنسل وهي من الضروريات التي جاءت الشريعة بصيانتها، ومن الضوابط المشار إليها:
· وضع مواصفات دقيقة؛ تحدد التزامات كل من الطرفين.
· دراسة الحالة الصحية للمستأمن والاحتمالات التي يمكن التعرض لها.
· أن تكون المطالبات المالية من المؤسسة العلاجية إلى الجهة، مرتبطة بالأعمال التي تم تقديمها، وليس بمبالغ افتراضية كما يقع في شركات التأمين التجارية.
ب إذا كان التأمين الصحي عن طريق شركة تأمين إسلامي (تعاوني أو تكافلي)، تزاول نشاطها وفق الضوابط الشرعية التي أقرها المجمع في قراره رقم ٩ (٩/ ٢) بشأن التأمين وإعادة التأمين، فهو جائز.
ج- إذا كان التأمين الصحي، عن طريق شركة تأمين تجاري فهو غير جائز، كما نص على ذلك قرار المجمع أعلاه.
٤. الإشراف والرقابة: على الجهات المختصة القيام بالإشراف والرقابة على عمليات التأمين الصحي، بما يحقق العدالة ويرفع الغبن والاستغلال وحماية المستأمنين (١).
خامساً: قرر مجمع البحوث الإسلامية في المؤتمر الثالث أن ما يندرج تحت التأمين التعاوني والاجتماعي من التأمين الصحي والبطالة والشيخوخة وإصابة العمل وما إليها بجوازه. (٢)
ولم تمنع الشريعة الإسلامية معاملة إلا وأوجدت البديل الإسلامي لها، وهنا قد عالج الفقه الإسلامي هذه النازلة بإيجاد ما يُسمى اليوم (بالتأمين التكافلي) والذي أجازته معظم المجامع الفقهية المعاصرة، ولتوضيح فكرته أنقل نص الفتوى الصادرة عن هيئة كبار العلماء وكذلك اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية حول شركة التكافل للتأمين الإسلامي:"الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: ففي الدورة العاشرة لمجلس هيئة كبار العلماء، المنعقدة بمدينة الرياض في شهر ربيع
стр. 172
الأول، عام ١٣٩٧هـ، اطلع المجلس على ما أعده جماعة من الخبراء، فيما يصلح أن يكون بديلا من التأمين التجاري، والأسس التي يقوم عليها لتحقيق الأهداف التعاونية الشرعية، التي أنشئ من أجلها، وصلاحيته أن يكون بديلا شرعا عن التأمين التجاري بجميع أنواعه. وبعد استماع المجلس إلى ما دعت الحاجة إلى قراءته مما أعد في ذلك، وبعد الدراسة والمناقشة وتداول الرأي قرر المجلس -ما عدا فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع - جوازه، وإمكان الاكتفاء به عن التأمين التجاري في تحقيق ما تحتاجه الأمة من التعاون على وفق قواعد الشريعة الإسلامية، للأمور الآتية:
الأول: أن التأمين التعاوني من عقود التبرع التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسئولية عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية، تخصص لتعويض من يصيبه الضرر، فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحا من أموال غيرهم، وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضرر.
الثاني: خلو التأمين التعاوني من الربا بنوعيه: ربا الفضل، وربا النسأ، فليس عقود المساهمين ربوية، ولا يستغلون ما جمع من الأقساط في معاملات ربوية.
الثالث: أنه لا يضر جهل المساهمين في التأمين التعاوني بتحديد ما يعود عليهم من النفع؛ لأنهم متبرعون، فلا مخاطرة ولا غرر ولا مقامرة بخلاف التأمين التجاري، فإنه عقد معاوضة مالية تجارية.
الرابع: قيام جماعة من المساهمين أو من يمثلهم باستثمار ما جمع من الأقساط لتحقيق الغرض الذي من أجله أنشئ هذا التعاون، سواء كان القيام بذلك تبرعا أو مقابل أجر معين (١).
وقد جاء قانون العمل الفلسطيني ليُلزم صاحب العمل بتأمين العمال ضد إصابات العمال، فنصّ في المادة رقم (١١٦) على أنه:" يجب على صاحب العمل أن يؤمن جميع عماله عن إصابات العمل لدى الجهات المرخصة في فلسطين" (٢)، ويجد الباحث في هذه المادة حاجة للتوضيح بحيث يشمل التأمين الوقاية والعلاج من المخاطر الآتية:
١. المخاطر الميكانيكية، وهي التي تنشأ عن الاصطدام أو الاتصال بين جسم العامل وين جسم صلب، كمخاطر المباني والأجهزة والآلات، ويدخل في ذلك مخاطر الانهيار.
٢. المخاطر الطبيعية: وهي كل ما يؤثر على سلامة العامل وصحته نتيجة لعوامل خطر أو ضرر طبيعي كالحرارة والرطوبة والبرودة، أو الإشعاعات الضارة أو زيادة أو نقص الضغط الجوي.
стр. 173
٣. المخاطر الكيماوية: وهي ما تحدث من تأثير مواد كيماوية تتسرب إلى جسم العامل، كالغازات والأبخرة.
٤. المخاطر السلبية: وهي التي ينشأ الضرر أو الخطر من عدم توافرها كوسائل الإنقاذ أو الإسعاف، كما أنها لم تبين التزامات شركة التامين أو المؤمن عليه، وهنا في ظل هذه الحاجة وتعطيل تطبيق نظام التأمينات الاجتماعية الفلسطيني يبقى الرجوع لمجلة الأحكام العدلية أو النظام الخاص بشركات التأمين.
والذي يترجح لدى الباحث - والله تعالى أعلم - حرمة التأمين التجاري، وجواز التامين التعاوني بديلاً عنه، وإن اضطر العامل لقبول التامين التجاري نظراً لأنه ملزم به في كثير من المنشآت فلا بأس في ذلك، وفي حال استحقاق العامل مبلغاً من التامين بدلاً من إصابة أو علاج فليأخذ ما يساوي الذي دفعه من أقساط، أما التأمين الصحي فلا بأس من استفادة العامل منه في مصاريف العلاج له ولأسرته.
стр. 174
المطلب الثاني
التعويض في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني
جاء في كتب اللغة أن التعويض هو ضد البدل، والجمع أعواض، ويُقال: أعضت فلاناً إذا أعطيته بدل ما ذهب منه (١)، وقد دلّ على ذلك حديث أبي هريرة ﵃ عندما قال:" فلما أحل الله ذلك للمسلمين - يعني الجزية - عرفوا أنه قد عاوضهم أفضل ما خافوا" (٢) أي أبدلهم كسباً طيباً أفضل مما كانوا يخشون فوته، وقد قال الإمام الشافعي- ﵀:" سافر تجد عوضاً عمن تفارقه" (٣) أي بدلاً مكافئاً عمن تنأى عنه وتغترب، ومن اشتقاقات مادة العوض أيضاً التعويض وهو" اللفظ الذي نقصد الحديث عنه" حيث جاء في لسان العرب بعد أن ذكر المؤلف اشتقاقات كثيرة للفظ العوض:" ... والمستقبل التعويض" (٤)، أما في اصطلاح الفقهاء فلم أقف على ذكرٍ للفظ التعويض بعينه، وإنما استعملوا بدلاً منه لفظ الضمان، وقد تفاوتت تعاريف الفقهاء للضمان، فقد عرّف الحنفية الضمان بقولهم:" هو إيجاب مثل التالف إن أمكن أو قيمته، نفياً للضرر بقدر الإمكان" (٥)، وهو عند الشافعية:" حق ثابت في ذمة الغير" (٦) وهو عند الحنابلة:" ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق" (٧) ويعتبر تعريف الحنابلة من الأبعد عن المعنى المطلوب كونه يخص لفظ الضمان بالكفالة، مع أن الحنابلة يستعملون لفظ الضمان في حالات التعويض بالمثل أو القيمة، ويرى الباحث أن تعريف الحنفية هو الأقرب للمعنى المراد من التعويض لأنه أبرز معنى الضرر.
وقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ عبارات يمكن اعتبارها تعريفاً للتعويض فقال:" ... تغريم الجاني نظير ما أتلفه" (٨) وقال في موضع آخر:" العوض هو مقابلة المتلف من مال الآدمي" (٩)
стр. 175
ولم تذكر عبارات ابن القيم ﵀ محل الضرر الواجب فيه التعويض، ولكنها أفهمت القارئ أنها تختص بالضرر المالي.
وبما أن هذا المصطلح من المصطلحات الحديثة والتي لم تكن معروفة قديماً اجتهد العلماء المعاصرون لبيان المقصود منه فقالوا:" التعويض هو ردّ بدل التالف" (١) أو هو:" جبر الضرر الذي يلحق المصاب" (٢) ومنهم من عرّفه بقوله:" هو تغطية الضرر الواقع بالتعدي أو الخطأ" (٣) ويمكن تعريفه بأنه " المال الذي يُحكم به على من أوقع ضرراً على غيره في نفس أو مال" (٤) ومن بين هذه التعاريف السالفة الذكر يميل الباحث إلى آخرها لسببين هما:
الأول: أن هذا التعريف اشترط صدور حكم من القاضي بالتعويض.
الثاني: أنه ذكر أنواع الضرر التي يجب فيها التعويض.
وتنقسم الأضرار التي تلحق بالغير إلى قسمين:
القسم الأول، وهي الأضرار التي تلحق بالأموال.
القسم الثاني، وهي الأضرار التي تلحق ببدن العامل (وهي محل دراستنا).
فمن خلال اندماج العامل في عمله يمكن أن يتعرض جسمه لبعض الإصابات من جرح أو تشويه أو تعطيل لمعنى من المعاني، أو قد يؤدي الحادث به إلى العجز عن العمل والكسب، وهو ما يستوجب التعويض في بعض هذه الحالات، ومما لا شك فيه أن أضرار العمل لا تهم العامل المصاب أو صاحب العمل فقط، بل تهمّ المجتمع بدرجة كبيرة لأسباب متعددة من أهمها:"
١. أن المجتمع كله يستفيد من جهود العاملين فيه، سواء كانوا في القطاع العام أو القطاع الخاص، فالرقي والتقدم واستمرار الحركة في المجتمع لا تتأتّى إلا من جهود جميع الأفراد العاملين سواء كان العمل بالعضل أو بالفكر.
стр. 176
٢. أنّ مخاطر العمل ليست من خلق صاحبه، سواء كان فرداً أو مؤسسة أو دولة، وإنما هي من مستلزمات الحياة المعاصرة.
٣. أنّ صاحب العمل ينتفع مباشرة بمجهود العامل إذ يعود عليه بمردود مالي يمكنه من المساهمة في التبعات المالية للعامل ولأسرته إن لم يتحملها جميعاً.
٤. عدم كفالة العامل المصاب وأسرته، مثل البطالة، يُعرّض المجتمع إلى كثير من الأخطار الاجتماعية والأخلاقية، فتنتشر الجرائم ويضطرب الأمن.
٥. عدم الاضطرابات العمالية واللجوء إلى الإفساد والتخريب إذا لم يعوَّض المتضرر، إذ أن كل عامل يضع نفسه موضع العامل المصاب" (١)
ونجد أن العلماء اختلفوا فيما بينهم في تصنيف البدل المالي الذي يأخذه المتضرر في جسمه مقابل ما يلحقه من ضرر، فهل هو من قبيل العقوبة الواقعة على صاحب العمل؟ أم هو تعويض للعامل وجبرٌ له من إصابته؟ وقد غلّبت جانب التعويض على العقوبة، لذا سأقتصر على الجانب المالي مقابل الضرر الجسمي، دون الحديث عن القصاص وغيره من العقوبات، ولا بأس من الإشارة إلى التعويض عن النفس باختصار.
ونشير هنا إلى أن العامل لا يستحق تعويضاً إذا كانت إصابته ناتجة عن تقصير في استعمال وسائل الوقاية التي وفرّها صاحب العمل، حيث إن تغريم صاحب العمل دون تغرير منه أو تسبب فيترتب عليه مضار كثيرة: منها الحكم بما لم يلزمه به الشارع فيكون ظلماً، ومنها أنه تحليل لما حرّم الله من أكل أموال الناس بالباطل، ومنها أنه إدخال للحرام في بطون القصار وغيرهم، ومنها الحكم بغير ما أنزل الله وهو شرٌّ مستطير (٢)،وقد شمل مشروع قانون السلامة والصحة المهنية مسؤوليات العامل في المنشأة التي تضم:
١. اتباع القوانين والتعليمات الخاصة بالسلامة و الصحة المهنية من خلال التدريب والإشراف المقدمة من قبل صاحب العمل.
٢. على العامل المسؤولية باتباع تعليمات صاحب العمل بخصوص الفحص الطبي الدوري.
٣. العامل مسؤول عن أي إهمال الذي يؤدي إلى تعريض نفسه أو أي شخص آخر للمخاطر ويحق له ترك عمله في حالة وجود خطر على حياته و لا يحق لصاحب العمل معاقبته.
стр. 177
٤. على العامل إبلاغ المشرف أو صاحب العمل أو ضابط السلامة على أي ظرف موجود في بيئة العمل قد يؤدي إلى حدوث حادث.
٥. على العامل إبلاغ مشرف السلامة عن وقوع حادث أو عن أي ظرف قد يؤدي إلى حدوث حادث. (١)
وتكون مسؤولية صاحب العمل عن التعويض بصورة عامة عندما يكون الشخص صاحب الحق عاملاً في منشأة ومستخدماً لدى صاحب العمل وتحت إدارته وإشرافه ويتلقى أجراً، وهذا يشمل كل عامل ذكراً كان أو أنثى، وكذلك عمال المياومة، ومن يقومون بأعمال عرضية أو موسمية مؤقته (٢)، وبالرجوع للقانون الفلسطيني نرى أن ميدان التعويض يتحدد في الأمور الآتية:
١. أن تقع الإصابة (٣) أثناء العمل لدى صاحب العمل.
٢. أن تكون الإصابة بسبب العمل.
٣. الإصابة التي تقع في الطريق إلى العمل ذهاباً وإياباً.
٤. أمراض المهنة التي تظهر للعامل. (٤)
أما التعويض عن الوفاة، فالأصل أن الواجب في القتل العمد هو القصاص، إلا إذا عفا ولي المقتول، أو يسقط القصاص عن القاتل لسببٍ ما، وهنا يُصار إلى الدية، أما القتل شبه العمد فيُصار إلى الدية (٥) عند الحنفية والشافعية والحنابلة (٦) إلا إذا عفا ولي المقتول، وإذا كان الأصل في القتل العمد القصاص من الجاني، فإنه يقابله في القتل الخطأ التعويض المالي (الدية) لقوله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ
стр. 178
أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ (١)، وقد نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (١٢٠) وفي الفقرة الأولى أنه:" إذا أدّت إصابة العمل إلى الوفاة أو نتج عنها عجز كلي دائم استحق الورثة في الحالة الأولى والمصاب في الحالة الثانية تعويضاً نقدياً يعادل أجر (٣٥٠٠) ثلاثة آلاف وخمس مائة يوم عمل، أو ٨٠% من الأجر الأساسي عن المدة المتبقية حتى بلوغه سن الستين أيهما أكثر" (٢) وكأن القانون قد اكتفى بعشر سنوات قادمة للعامل يستحق عليها الأجر، وهذا يضرّ بالعمّال صغار السن الذين يتعرضون لحوادث تُعجزهم عن العمل، أما نسبة ٨٠% من الأجر الأساسي فهو قليل، ولماذا تُخصم ٢٠% من أجره الأساسي؟.
وتكون الوفاة مباشرة أو متأخرة بسبب حادث العمل، وتخصيص الوفاة بسبب حادث العمل من أجل تمييز هذا التعويض عن المعاش الذي يُعطى للعامل بسبب حادث الوفاة الطبيعية في ظل قانون التأمينات الاجتماعية، وبالرجوع إلى قانون العمل الفلسطيني وكذلك قانون التأمينات الاجتماعية - الذي تم تعطيله ولا يُعمل به - نجد أنهما قد ساويا من حيث مقدار التعويض ما بين حالة الوفاة وحالة العجز الكلي الناتج عن إصابة العمل، إلا أن قانون التأمينات الاجتماعي قد أضاف إلى النفقات مصروفات الجنازة، وهو ما لم يتناوله قانون العمل الفلسطيني، بل نصّ في مادته رقم (١٢٠) على أنه:" إذا أدت إصابة العمل إلى الوفاة أو نتج عنها عجز كلي دائم استحق الورثة في الحالة الأولى والمصاب في الحالة الثانية تعويضاً نقدياً يعادل أجر (٣٥٠٠) يوم عمل، أو ٨٠% من الأجر الأساسي عن المدة المتبقية حتى بلوغه سن الستين أيهما أكثر" (٣)، ونصت المادة رقم (٢٣) من قانون التأمينات الاجتماعية على أنه:"إذا أدّت إصابة العمل إلى وفاة المؤمن عليه، تدفع المؤسسة معاشاً شهرياً يعادل٨٠% من الأجر يوزع على المستحقين وفقاً لأحكام هذا القانون" (٤).
وعند فقد عضو من أعضاء الجسد أو فقدان منفعته فإنه تجب الدية كاملة في كل ما كان في إتلافه ذهاب منفعة الجنس، لأن إتلاف منفعة الجنس كإتلاف النفس، سواء كانت هذه المنفعة في عضوٍ واحد لم يخلق الله غيره في الإنسان، أو في عضوين أو أكثر، وتفويت منفعة العضو تكون بإبانة العضو أو ذهاب معنى العضو مع بقاء العضو مجرد صورة.
وتنقسم الأعضاء في الجسم إلى أقسام عدّة هي:
стр. 179
القسم الأول: ما لا نظير له في الجسم وهي" الأنف، اللسان، الذكر، مسلك البول والغائط، الصلُب، شعر الرأس وشعر اللحية، الجلد" وهذه تجب فيها الدية كاملة. (١)
القسم الثاني: ما له في البدن اثنان وهي" اليدان، الرجلان، العينان، الأذنان، الشفتان، الحاجبان، اللحيان - العظمان اللذان فيهما الأسنان السفلى- الثديان والحلمتان، الأنثيان - الخصيتان - الإليتان - ما علا وأشرف من الظهر عن استواء الفخذين، الأسكتان - اللحم المحيط بالفرج من جانبيه- "وهذه تجب في الواحد منهما نصف الدية وفي الثنتين الدية كاملة. (٢)
القسم الثالث: ما له في البدن أربعة وهي " أشفار العينين أو الجفون، أهداب العينين" وهذه في الواحدة الربع، وفي الاثتين النصف. (٣)
القسم الرابع: ما له في البدن عشرة وهي" أصابع اليدين والرجلين" وفي الأصبع الواحد عشر الدية. (٤)
стр. 180
القسم الخامس: ما له في البدن أكثر من عشرة (الأسنان)، وفي ديتها خلاف طويل لا حاجة لذكره.
وما ذكر من الأقسام الخمسة يكون في ذهاب العضو بمنفعته، غير أنه قد تذهب المنفعة ويبقى العضو مجرد صورة لا نفع يُرجى منه، فمن جنى على إنسان فذهب سمعه أوبصره أو نطقه وجب في كل معنى من هذه المعاني كمال الدية (١)، ولو بقيت صورة العضو سالمة وموجودة، حيث جاء في تبيين الحقائق" وكل عضو ذهب نفعه ففيه دية، كيدٍ شُلّت، وعينٍ ذهب ضوؤها، لأن وجوب الدية يتعلق بتفويت جنس المنفعة، فإذا زالت منفعته كلها وجب عليه موجبه كله، ولا عبرة للصورة بدون المنفعة لكونها تابعة" (٢)، وذكر صاحب الغني:" أن من أتلف حاسة أو أذهب منفعة من هذه المنافع فكأنه أذهب نفساً وأتلفها، ومن المعلوم أن في النفس الدية الكاملة" (٣) وسأبذل جهدي في استخلاص القول في المعاني التي تجب فيها الدية:
أولاً: العقل، وذلك لأنه من أعظم المنافع وأجلّها، وهو أكثر ما يُميّز الإنسان عن غيره من المخلوقات كونه محل المعرفة وشرط التكليف، من أجل هذا جعل الرسول ﷺ في ذهابه الدية الكاملة فقال:" وفي العقل الدية" (٤) وإذا ذهب بعض العقل استحقت الدية بقدر ما ذهب، حيث ورد في بعض كتب الفقه" ولو جُنّ من الشهر يوماً كان له جزء من ثلاثين جزءاً من الدية، وإن جُنّ في النهار دون الليل أو بالعكس كان له جزء من ستين جزءاً" (٥)، أما إذا كان القدر الذاهب من العقل غير معلوم فيُترك الأمر للاجتهاد وتقدير الحاكم.
ثانياُ: السمع، اتفق أهل العلم على أن السمع إذا ذهب من الأذنين ففيه الدية كاملة لقول النبي ﷺ :" وفي السمع الدية" (٦) ولما روي أيضاً أن رجلاً رمى رجلاً بحجر في رأسه فذهب سمعه وعقله ولسانه