← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 36436

واجبات العمال وحقوقهم في الشريعة الإسلامية مقارنة مع قانون العمل الفلسطيني

سمير العواودة

Полный текст (255 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٢. أنّ مخاطر العمل ليست من خلق صاحبه، سواء كان فرداً أو مؤسسة أو دولة، وإنما هي من مستلزمات الحياة المعاصرة. ٣. أنّ صاحب العمل ينتفع مباشرة بمجهود العامل إذ يعود عليه بمردود مالي يمكنه من المساهمة في التبعات المالية للعامل ولأسرته إن لم يتحملها جميعاً. ٤. عدم كفالة العامل المصاب وأسرته، مثل البطالة، يُعرّض المجتمع إلى كثير من الأخطار الاجتماعية والأخلاقية، فتنتشر الجرائم ويضطرب الأمن. ٥. عدم الاضطرابات العمالية واللجوء إلى الإفساد والتخريب إذا لم يعوَّض المتضرر، إذ أن كل عامل يضع نفسه موضع العامل المصاب" (١) ونجد أن العلماء اختلفوا فيما بينهم في تصنيف البدل المالي الذي يأخذه المتضرر في جسمه مقابل ما يلحقه من ضرر، فهل هو من قبيل العقوبة الواقعة على صاحب العمل؟ أم هو تعويض للعامل وجبرٌ له من إصابته؟ وقد غلّبت جانب التعويض على العقوبة، لذا سأقتصر على الجانب المالي مقابل الضرر الجسمي، دون الحديث عن القصاص وغيره من العقوبات، ولا بأس من الإشارة إلى التعويض عن النفس باختصار. ونشير هنا إلى أن العامل لا يستحق تعويضاً إذا كانت إصابته ناتجة عن تقصير في استعمال وسائل الوقاية التي وفرّها صاحب العمل، حيث إن تغريم صاحب العمل دون تغرير منه أو تسبب فيترتب عليه مضار كثيرة: منها الحكم بما لم يلزمه به الشارع فيكون ظلماً، ومنها أنه تحليل لما حرّم الله من أكل أموال الناس بالباطل، ومنها أنه إدخال للحرام في بطون القصار وغيرهم، ومنها الحكم بغير ما أنزل الله وهو شرٌّ مستطير (٢)،وقد شمل مشروع قانون السلامة والصحة المهنية مسؤوليات العامل في المنشأة التي تضم: ١. اتباع القوانين والتعليمات الخاصة بالسلامة و الصحة المهنية من خلال التدريب والإشراف المقدمة من قبل صاحب العمل. ٢. على العامل المسؤولية باتباع تعليمات صاحب العمل بخصوص الفحص الطبي الدوري. ٣. العامل مسؤول عن أي إهمال الذي يؤدي إلى تعريض نفسه أو أي شخص آخر للمخاطر ويحق له ترك عمله في حالة وجود خطر على حياته و لا يحق لصاحب العمل معاقبته.

стр. 177

٤. على العامل إبلاغ المشرف أو صاحب العمل أو ضابط السلامة على أي ظرف موجود في بيئة العمل قد يؤدي إلى حدوث حادث. ٥. على العامل إبلاغ مشرف السلامة عن وقوع حادث أو عن أي ظرف قد يؤدي إلى حدوث حادث. (١) وتكون مسؤولية صاحب العمل عن التعويض بصورة عامة عندما يكون الشخص صاحب الحق عاملاً في منشأة ومستخدماً لدى صاحب العمل وتحت إدارته وإشرافه ويتلقى أجراً، وهذا يشمل كل عامل ذكراً كان أو أنثى، وكذلك عمال المياومة، ومن يقومون بأعمال عرضية أو موسمية مؤقته (٢)، وبالرجوع للقانون الفلسطيني نرى أن ميدان التعويض يتحدد في الأمور الآتية: ١. أن تقع الإصابة (٣) أثناء العمل لدى صاحب العمل. ٢. أن تكون الإصابة بسبب العمل. ٣. الإصابة التي تقع في الطريق إلى العمل ذهاباً وإياباً. ٤. أمراض المهنة التي تظهر للعامل. (٤) أما التعويض عن الوفاة، فالأصل أن الواجب في القتل العمد هو القصاص، إلا إذا عفا ولي المقتول، أو يسقط القصاص عن القاتل لسببٍ ما، وهنا يُصار إلى الدية، أما القتل شبه العمد فيُصار إلى الدية (٥) عند الحنفية والشافعية والحنابلة (٦) إلا إذا عفا ولي المقتول، وإذا كان الأصل في القتل العمد القصاص من الجاني، فإنه يقابله في القتل الخطأ التعويض المالي (الدية) لقوله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ

стр. 178

أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ (١)، وقد نصّ قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (١٢٠) وفي الفقرة الأولى أنه:" إذا أدّت إصابة العمل إلى الوفاة أو نتج عنها عجز كلي دائم استحق الورثة في الحالة الأولى والمصاب في الحالة الثانية تعويضاً نقدياً يعادل أجر (٣٥٠٠) ثلاثة آلاف وخمس مائة يوم عمل، أو ٨٠% من الأجر الأساسي عن المدة المتبقية حتى بلوغه سن الستين أيهما أكثر" (٢) وكأن القانون قد اكتفى بعشر سنوات قادمة للعامل يستحق عليها الأجر، وهذا يضرّ بالعمّال صغار السن الذين يتعرضون لحوادث تُعجزهم عن العمل، أما نسبة ٨٠% من الأجر الأساسي فهو قليل، ولماذا تُخصم ٢٠% من أجره الأساسي؟. وتكون الوفاة مباشرة أو متأخرة بسبب حادث العمل، وتخصيص الوفاة بسبب حادث العمل من أجل تمييز هذا التعويض عن المعاش الذي يُعطى للعامل بسبب حادث الوفاة الطبيعية في ظل قانون التأمينات الاجتماعية، وبالرجوع إلى قانون العمل الفلسطيني وكذلك قانون التأمينات الاجتماعية - الذي تم تعطيله ولا يُعمل به - نجد أنهما قد ساويا من حيث مقدار التعويض ما بين حالة الوفاة وحالة العجز الكلي الناتج عن إصابة العمل، إلا أن قانون التأمينات الاجتماعي قد أضاف إلى النفقات مصروفات الجنازة، وهو ما لم يتناوله قانون العمل الفلسطيني، بل نصّ في مادته رقم (١٢٠) على أنه:" إذا أدت إصابة العمل إلى الوفاة أو نتج عنها عجز كلي دائم استحق الورثة في الحالة الأولى والمصاب في الحالة الثانية تعويضاً نقدياً يعادل أجر (٣٥٠٠) يوم عمل، أو ٨٠% من الأجر الأساسي عن المدة المتبقية حتى بلوغه سن الستين أيهما أكثر" (٣)، ونصت المادة رقم (٢٣) من قانون التأمينات الاجتماعية على أنه:"إذا أدّت إصابة العمل إلى وفاة المؤمن عليه، تدفع المؤسسة معاشاً شهرياً يعادل٨٠% من الأجر يوزع على المستحقين وفقاً لأحكام هذا القانون" (٤). وعند فقد عضو من أعضاء الجسد أو فقدان منفعته فإنه تجب الدية كاملة في كل ما كان في إتلافه ذهاب منفعة الجنس، لأن إتلاف منفعة الجنس كإتلاف النفس، سواء كانت هذه المنفعة في عضوٍ واحد لم يخلق الله غيره في الإنسان، أو في عضوين أو أكثر، وتفويت منفعة العضو تكون بإبانة العضو أو ذهاب معنى العضو مع بقاء العضو مجرد صورة. وتنقسم الأعضاء في الجسم إلى أقسام عدّة هي:

стр. 179

القسم الأول: ما لا نظير له في الجسم وهي" الأنف، اللسان، الذكر، مسلك البول والغائط، الصلُب، شعر الرأس وشعر اللحية، الجلد" وهذه تجب فيها الدية كاملة. (١) القسم الثاني: ما له في البدن اثنان وهي" اليدان، الرجلان، العينان، الأذنان، الشفتان، الحاجبان، اللحيان - العظمان اللذان فيهما الأسنان السفلى- الثديان والحلمتان، الأنثيان - الخصيتان - الإليتان - ما علا وأشرف من الظهر عن استواء الفخذين، الأسكتان - اللحم المحيط بالفرج من جانبيه- "وهذه تجب في الواحد منهما نصف الدية وفي الثنتين الدية كاملة. (٢) القسم الثالث: ما له في البدن أربعة وهي " أشفار العينين أو الجفون، أهداب العينين" وهذه في الواحدة الربع، وفي الاثتين النصف. (٣) القسم الرابع: ما له في البدن عشرة وهي" أصابع اليدين والرجلين" وفي الأصبع الواحد عشر الدية. (٤)

стр. 180

القسم الخامس: ما له في البدن أكثر من عشرة (الأسنان)، وفي ديتها خلاف طويل لا حاجة لذكره. وما ذكر من الأقسام الخمسة يكون في ذهاب العضو بمنفعته، غير أنه قد تذهب المنفعة ويبقى العضو مجرد صورة لا نفع يُرجى منه، فمن جنى على إنسان فذهب سمعه أوبصره أو نطقه وجب في كل معنى من هذه المعاني كمال الدية (١)، ولو بقيت صورة العضو سالمة وموجودة، حيث جاء في تبيين الحقائق" وكل عضو ذهب نفعه ففيه دية، كيدٍ شُلّت، وعينٍ ذهب ضوؤها، لأن وجوب الدية يتعلق بتفويت جنس المنفعة، فإذا زالت منفعته كلها وجب عليه موجبه كله، ولا عبرة للصورة بدون المنفعة لكونها تابعة" (٢)، وذكر صاحب الغني:" أن من أتلف حاسة أو أذهب منفعة من هذه المنافع فكأنه أذهب نفساً وأتلفها، ومن المعلوم أن في النفس الدية الكاملة" (٣) وسأبذل جهدي في استخلاص القول في المعاني التي تجب فيها الدية: أولاً: العقل، وذلك لأنه من أعظم المنافع وأجلّها، وهو أكثر ما يُميّز الإنسان عن غيره من المخلوقات كونه محل المعرفة وشرط التكليف، من أجل هذا جعل الرسول ﷺ في ذهابه الدية الكاملة فقال:" وفي العقل الدية" (٤) وإذا ذهب بعض العقل استحقت الدية بقدر ما ذهب، حيث ورد في بعض كتب الفقه" ولو جُنّ من الشهر يوماً كان له جزء من ثلاثين جزءاً من الدية، وإن جُنّ في النهار دون الليل أو بالعكس كان له جزء من ستين جزءاً" (٥)، أما إذا كان القدر الذاهب من العقل غير معلوم فيُترك الأمر للاجتهاد وتقدير الحاكم. ثانياُ: السمع، اتفق أهل العلم على أن السمع إذا ذهب من الأذنين ففيه الدية كاملة لقول النبي ﷺ :" وفي السمع الدية" (٦) ولما روي أيضاً أن رجلاً رمى رجلاً بحجر في رأسه فذهب سمعه وعقله ولسانه

стр. 181

ونكاحه، فقضى عمر بن الخطاب ﵁ بأربع ديات" (١) وذلك لأن السمع حاسة تختص بمنفعته فأشبهت حاسة البصر. ثالثاً: البصر، وفي ذهاب ضوء العينين الدية كاملة. (٢) رابعاً: الكلام. خامساً: الشم. سادساً: الذوق، وهو القوة المنبثقة في العصب المفروش على اللسان يدرك بها المطعوم مع مخالطة الرطوبة الموجودة في الفم. سابعاً: تعويج الرقبة وتصعير الوجه، حيث جاء في المغني:" وفي الصعر الدية، والصعر أن يضربه فيصير وجهه في جانب" (٣). ثامناً: لا خلاف في وجوب الدية في تعطيل قوة الجماع، ولا خلاف بين الفقهاء في وجوبها عند تعطيل القدرة على المشي، ولكن المالكية خالفوا الجمهور في علاقة الجماع والمشي بالصلب، فهم يفرقون بين محل المعنى وسبب التعطيل، فهم يوجبون في كسر الصلب مع ذهاب قوة الجماع ديتين، لأن محل الجماع في غير الصلب قياساً على ذلك إذا كُسر صلبه، ويتبع ذلك ذهاب مشيه وجماعه فله ثلاث ديات. (٤) وما سبق أن ذكرناه من معاني الأعضاء أغلبها متفق على أن في ذهابه الدية كاملة، وقد اختلف الفقهاء في تحديد المعاني التي يجب في ذهابها كمال الدية، فقد ذكر الشافعية أن المعاني التي يجب فيها الدية هي" العقل، السمع، البصر، الشم، الذوق، المشي، الجماع، الإمناء، الإحبال، لذة الجماع، لذة الطعام، الكلام، إبطال الصوت، قوة البطش، المشي، المضغ" (٥) ولم يوجبوها في الصعر لأن تفويت الجمال عندهم لا يوجب الدية، أما الحنفية فيرون أن كل معنى يفوت تجب فيه الدية، حيث جاء في تبيين الحقائق:" وكل عضو ذهب نفعه ففيه الدية" (٦)، وذكر المالكية من المعاني" العقل والسمع

стр. 182

والبصر والنطق والصوت والذوق وقوة الجماع" (١)، والحديث يتركز على فوات المنفعة كلها، وهذا فيه الدية كاملة، أما إذا فات بعض المعنى وجب فيه بعض الدية بنسبة ما فات، وإن كان هناك اختلاف في تقديره ما بين سهل في التقدير كذهاب الإبصار من عين واحدة، أو السمع من أذن واحدة فهذا لا يحتاج إلى جهد كبير في تقديره لأن النسبة المئوية الذاهبة معروفة ٥٠% فتقابلها نصف الدية ٥٠% من الدية. وما يصعب تقديره من فوات المنفعة (٢) وهنا تبرز حاجة التقرير الطبي الذي تقدمه اللجنة الطبية الموثوقة لتقدير نسبة العجز عند المصاب، وقد نص قانون العمل الفلسطيني في المادة رقم (١٢٠) في الفقرة الثانية على أنه:" إذا ترتب على إصابة العمل عجز جزئي دائم يستحق المصاب تعويضاً نقدياً يعادل نسبة العجز إلى العجز الكلي الدائم" (٣)، ولكن القانون لم يوضح المقصود بالعجز الكلي، بل ترك بيان ذلك لشرّاح القانون، فمنهم من قال بأنه:" فقدان مقدرة العامل عن العمل سواء كان هذا العمل يُستخدم فيه، أو الأعمال التي كان قادراً على القيام بها، أم أي عمل آخر" (٤)، وهذا ليس بالأمر الحادث، بل سبقت إليه الشريعة الإسلامية قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمن، ذلك أن علياً ﵁ أمر الذي أصيب بصره بأن عُصبت عينه الصحيحة وأعطى رجلاً بيضة، فانطلق بها وهو ينظر إليها حتى لم يبصرها فخطّ عند أول ذلك خطاً في الأرض، ثم أمر بعينه المصابة فعُصبت وفُتحت الصحيحة، وأعطى رجلاً البيضة بعينها، فانطلق بها، وهو ينظر إليها حتى خفيت عنه، فخطّ عند أول ما خفيت عنه خطاً، ثم علم ما بين الخطين من المسافة، وعلم مقدار ذلك من منتهى رؤية العين الصحيحة فأعطاه قدر ذلك من الدية (٥)، وبقدر ما فات من الكلام بعدد الحروف التي ذهبت، حيث تقسم الدية على الحروف التي للسان فيها عمل. أما نسبة تعويض العامل عن إصابته التي الحقت به عجزاً كاملاً وبتقرير من لجنة طبية مختصة، فقد أوجد القانون للعامل خيارين يختار أيهما شاء، فنصت المادة رقم (١٢٠) في الفقرة الأولى منه على أنه:" إذا أدت إصابة العمل إلى الوفاة أو نتج عنها عجز كلي دائم استحق الورثة في الحالة الأولى والمصاب في الحالة الثانية تعويضاً نقدياً يُعادل اجر (٣٥٠٠) ثلاثة آلاف وخمس مائة يوم عمل أو ٨٠% من الأجر الأساسي عن المدة المتبقية حتى بلوغه سن الستين أيهما

стр. 183

أكثر" (١)، وقد تناول قانون التأمينات الاجتماعية - غير المعمول به - مسألة العجز الدائم بشيءٍ من التفصيل وكان ذلك لمصلحة العامل فجاء في المواد رقم (٢٣ و ٢٤):" إذا أدت إصابة العمل إلى عجز كلي دائم استحق المصاب معاشاً شهرياً يعادل ٨٠% من الأجر حتى وفاته، ويوزع على المستحقين من بعده وفقاً لأحكام هذا القانون، وإذا أدت إصابة العمل إلى عجز جزئي دائم تقدر نسبته بـ ٣٥% فأكثر استحق المصاب معاشاً شهرياً يعادل نسبة عجزه إلى معاش العجز الكلي الدائم حتى وفاته ويوزع على المستحقين من بعده وفقاً لأحكام هذا القانون، وإذا أدت إصابة العمل إلى عجز جزئي دائم تقدر نسبته بأقل من ٣٥% استحق المصاب تعويض الدفعة الواحدة بما يعادل نسبة عجزه إلى معاش العجز الكلي الدائم عن أربعين شهراً" (٢) أما العجز المؤقت وحرصاً من الشريعة الإسلامية على رفع المنازعات بين المسلمين ذكر الفقهاء (٣) الجراح التي تستوجب التعويض وهي: الخارصة: وهي الجروح التي تشق الجلد دون ظهور الدم. الدامية: ما يسيل منها الدم. الباضعة: ما تبضع اللحم - أي تقطعه-. السمحاق: وهي الجرح الواصل إلى السمحاق، بمعنى وصول الجرح إلى الجلدة بين اللحم وعظم الرأس. الموضحة: ما يوضح العظم. الهاشمة: ما تهشم العظام أي تكسره. المنقلة: ما تنقل العظم من موضعه إلى موضع آخر. الآمّة: وهي التي تفضي إلى أم الدماغ. الدامغة: ما تخرق جلدة أم الدماغ. وفي كل منها خلاف طويل بين الفقهاء، وهناك من الجروح والإصابات ما يُرجع في تقدير نسبة العجز من أثرها إلى ولي الأمر أو الحاكم، وعليه تقدير المقابل (الأرش) بأن يقوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يقوّم ومعه الجناية ولكنها قد برئت، فما أنقصته الجناية فله مثله من الدية، ويكون وقت تقدير التعويض بعد البرء من الإصابة، لأن الفقهاء يرتبون التعويض على حصول النقص، أما إذا أصيب العامل وخضع للعلاج اللازم ثم قام بعد ذلك من غير نقص، فقد اختلف الفقهاء في حاله،

стр. 184

وهل يستحق التعويض أم لا؟ وقال جماعة من أهل العلم: لا شيء في جناية لم تترك عيباً، وبذلك قال الحنابلة والشافعية. (١) وقال آخرون، لا يستحق المصاب الذي برئ من دون نقص تعويضاً، وبذلك قال المالكية (٢) أن الجاني تلزمه أجرة الطبيب وثمن الدواء، وهو قول عند الحنفية (٣)، وقد أفتى العلماء المعاصرون بأن الإصابة التي تصيب العامل أثناء عمله في مصنع أو شركة ونحوها ينظر فيها، فإن كانت ناتجة عن تقصير أو إهمال من الشركة فإنها ضامنة لأنها المتسببة في هذا الضرر الذي لحق بالعامل، أما إذا كانت الشركة قد اتخذت كافة الإجراءات والاحتياطات اللازمة ولم يحدث منها تقصير أو إهمال فإنها لا تضمن، لأن الأصل في فعل (إصابات) الجمادات (الآلات) أنها جُبَار (٤)، ولا يخلو نزول الضرر ببدن العامل من أمرين لا ثالث لهما:" الأول: أن يكون رب العمل متعدياً بالعمل، بأن كان يعمل فيما لا يملك العمل فيه، لمخالفة ذلك العمل للقوانين المتبعة في البلاد. الثاني: أن يكون رب العمل غير متعدٍ في عمله، بمعنى انه موافق لكل القوانين والأنظمة المتَّبعة في البلاد. ففي الحالة الأولى (أن يكون رب العمل متعدياً) لا يخلو موقف العامل من هذا العمل أن يكون عالماً بتعدي رب العمل أو عدم علمه، وفي الحالة الثانية (عدم تعدي صاحب العمل) فلا يعدو كونه متسبباً أو غير متسبب. وقد انطلق الباحثون في هذه الحالات السابقة من قول الرسول ﷺ :" العجماء جرحها جُبار، والبئر جُبار، والمعدِن جُبار، وفي الركاز الخمس" (٥) وقد جاء في توضيح هذا الحديث:" من حفر بئراً في طريق المسلمين، وكذا في ملك غيره بغير إذن فتلف بها إنسان، فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر، والكفارة في ماله، وإن تلف بها غير آدمي وجب ضمانه في مال الحافر، ولو حفر بئراً في ملكه أو في موات فوقع بها إنسان أو غيره فتلف فلا ضمان إذا لم يكن منه تسبب إلى ذلك ولا تغرير،

стр. 185

وكذا لو استأجر إنساناً ليحفر له البئر فانهارت فلا ضمان عليه" (١)، وقد تلخصت آراء الفقهاء في هذه المسألة على النحو الآتي: ١. أن من تعدّى فعمل في ما لا يملك ولا مأذونٌ له بالعمل فيه فهلك به إنسان ضمنه صاحب العمل. ٢. أن العامل إذا عمل في غير ملك صاحب العمل مع علمه بأن صاحب العمل متعدٍ في ذلك وحصل له ضرر فالضمان عليه، وإن لم يعلم فالضمان على صاحب العمل. ٣. من عمل في ملكه متبعاً بذلك كل القوانين والأنظمة ثم هلك بهذا العمل إنسان فلا ضمان عليه، لأنه غير متعدِّ (٢). وعلى ما تقدم فإن العامل الذي يعمل في مؤسسة فلا يخلو من كونه يعلم أن هذه المؤسسة تخالف الشرع الإسلامي والقوانين المعمول بها في بلاده فإنه يُعتبر متعدياً في هذه الحالة، فإن تلف بعض من بدنه فهو ضامن، لأنه يعمل فيما لا يجوز له شرعاً مع علمه بذلك، وأما إن كان لا يعلم بمخالفة عمله للشرع الإسلامي أو للقوانين الصحيحة الصادرة من ولي الأمر فتلف شيء من بدنه فضمان ذلك على رب العمل، أما إن عمل العامل في مؤسسة يوافق عملها شرع الله والأنظمة الموضوعة لترتيب أحوال العامل، ثم تلف بدنه أو شيء منه، فلا يخلو ذلك من كون صاحب العمل متسبباً في ذلك التلف فيضمن ما تسبب بتلفه، وذلك كأن يسلّم صاحب العمل آلات صناعية لا تصلح للعمل على وجه السلامة للعامل ليعمل فيها، فإن هلاك العامل أو جزءاً منه يكون بتسبب رب العمل، وأما إذا لم يكن رب العمل متسبباً في ضرر العامل، كأن يكون قد سلّمه آلات جيّدة المواصفات ولكن التلف حصل ببدن العامل بقدر الله وبدون تسبب من ربّ العمل فلا يضمن في هذه الحالة. (٣) والذي أميل إليه- والله تعالى أعلم - أنه ومن أجل الجمع بين الآراء الفقهية فإنه لا يجوز إهدار دم يسيل من الجسم، وكذلك الألم الذي يعانيه المصاب، مع أن المصاب لا يستعيد قوته العادية إلا بعد وقت قد يكون ليس قصيراً، ثم إن الفقهاء في الزمن الماضي لم يكونوا يعانون من تكاليف العلاج الباهظة كما يعانيها الناس اليوم، ولم يعايشوا تكاليف العلاج الباهظة، لذا فقد حكموا بالعرف السائد لديهم.

стр. 186

ثم إنه ينبغي اعتبار أجرة الطبيب وثمن الدواء واجبة على الجاني، أو صاحب العمل، وبهذا أخذ قانون العمل الفلسطيني الذي نصّ في المادة (١١٨) على أنه:" وفقاً لأحكام القانون والأنظمة الصادرة يتكفل صاحب العمل بمايلي: ١. علاج العامل المصاب إلى أن يتم شفاؤه، وتغطية كافة النفقات العلاجية اللازمة بما فيها نفقات الخدمات التأهيلية ومستلزماتها. ٢. جميع الحقوق المترتبة على الإصابة ولو اقتضت مسؤولية طرف ثالث". (١) وقد نصّت المادة رقم (١٨) من قانون التأمينات الاجتماعية -المعطَّل- على أنه:"تشمل الرعاية الطبية ما يلي:- ١. تكاليف الخدمات التشخيصية والعلاجية والصيدلية والإقامة في المستشفى وفقاً للتعليمات التي يصدرها المجلس. ٢. تكاليف العلاج في الخارج بناء على قرار من اللجنة الطبية. ٣. نفقات انتقال المصاب من مكان العمل أو السكن إلى جهة العلاج والعكس. ٤. الخدمات التأهيلية الطبية بما في ذلك الأطراف والأجهزة الصناعية التعويضية المقررة من اللجنة الطبية. ٥. نفقات إعادة التأهيل المهني والوظيفي التي يحتاجها المصاب" (٢)، ولكن السؤال الذي يمكن للعمّال المصابين أن يسألوه: هل للمصاب في عمله تعويض عن المدة التي يعجز فيها عن الكسب والعمل؟. الواضح أن جمهور الفقهاء لا يرون للمصاب تعويضاً عما فاته من العمل، لأنهم يمنعون التعويض عن الجرح الذي برئ صاحبه دون إحداث نقص في الجسم، فيكون منع التعويض عن فوات العمل من باب أولى، وقد تحدث الفقهاء عن هذه المسألة كما جاء في العقود الدريّة:" إذا ضرب يد غيره فكسرها وعجز عن الكسب فعلى الضارب المداواة والنفقة إلى أن يبرأ، وإذا برئ وتعطلّت يده وشلّت وجبت ديتها" (٣)، ولكن هذا النص لا يدل على قول الحنفية بتعويض العامل عن عجزه عن الكسب طوال فترة الإصابة وذلك لسببين:

стр. 187

الأول: لا يرى الإمام أبو حنيفة التعويض في الجرح الذي برئ من غير نقص. (١) الثاني: إن الحنفية لا يجيزون التعويض عن المنافع بشكل عام، وذلك لأنهم لا يعدّونها مالاً. (٢) وكذلك المالكية لا يرون تعويض المصاب إن لم يحدث الجرح نقصاً، قياساً على رأيهم في كون المنافع تُضمن بالاستعمال ولا شيء فيها بالتعطيل (٣)، أما الحنابلة فلا يرون تعويض المصاب الذي تعطّل عن الكسب بسبب الإصابة، لأن المعطَّل عن العمل بسبب الإصابة ينطبق عليه أنه ممنوع من غير حبس (٤)، وللشافعية في المسألة رأيان: الأول: لا تعويض للمصاب لعجزه عن العمل. الثاني: يلزم له التعويض. (٥) ومن العلماء المعاصرين من عرّف العجز المؤقت بقوله:" المرض أو الإعياء الذي يُصيب العامل بسبب العمل أو نتيجة له أو لأجله فيُقعده عن العمل مدة زمنية تبدأ من الإعلان عن وقوع الحادث المسبب للمرض، ولغاية إعلان الطبيب المختص عن شفائه، حيث تقرر اللجنة الطبية المختصة وقت بدء المرض ووقت شفائه، أو المدة الزمنية اللازمة تحديداً إلى الشفاء من المرض واللازمة للعلاج، وهي مدة التعطيل الواجب التعويض عنها، وبيان أن العامل أصبح قادراً على العودة إلى ممارسة عمله بانتظام" (٦). وينبغي ابتداءً تحديد الأجر الذي يُتخذ أساساً لحساب التعويض، إذ جعله قانون العمل الفلسطيني الأجر الأساسي مضافاً إليه العلاوات والبدلات، وقد ألزم قانون العمل الفلسطيني بدفع الأجر من اليوم الأول لوقوع الإصابة، وإذا استحق العامل تعويضاً فإنه يتقاضاه حسب طبيعة عمله، فالعامل الذي كان يتقاضى أجره أسبوعياً فإنه يتقاضى تعويضه أسبوعياً أيضاً، وكذلك العامل الذي كان يتقاضى أجره شهرياً، وهذا الأمر غفل عن تنظيمه قانون العمل الفلسطيني. وقد يُثار خلاف حول استحقاق العامل تعويضاً بدل إجازته الأسبوعية وهنا" لم يرد في قانون التأمينات نص بشأن استحقاق العامل المصاب التعويض بدل الأجر اليومي عن أيام الراحة الأسبوعية التي تقع في فترة العجز المؤقت، ولكن شرّاح قانون التأمينات الاجتماعية يرون أن للعامل حق

стр. 188

التعويض عن أيام الراحة الأسبوعية" (١)، في حين يرى الباحث أن العامل الذي يتقاضى أجره كل شهر يستحق التعويض عن أيام إجازته الأسبوعية؛ لأن الأجر هو كتلة واحدة، أما عمال المياومة فلا حق لهم في تعويض هذه الإجازة، وبالرجوع إلى المادة رقم (٧٢) من قانون العمل الفلسطيني يُلاحظ أن أيام الراحة الأسبوعية تكون مدفوعة الأجر. وبخصوص المدة التي يستمر فيها صاحب العمل بدفع التعويض للعامل الذي يُعاني من عجزٍ مؤقت فلم يُحدد قانون التأمينات الاجتماعية المدة القصوى للاستمرار في دفع التعطيل اليومي بل جعله طيلة مدة عجزه، أما قانون العمل الفلسطيني فقد حدد دفع التعويض عن العجز المؤقت بمدة ١٨٠ يوما، حيث نصت المادة رقم (١١٩) من قانون العمل الفلسطيني على أنه:" إذا حالت إصابة العامل دون أداء العامل لعمله يستحق العامل ٧٥% من أجره اليومي عند وقوع الإصابة طيلة عجزه المؤقت بما لا يتجاوز ١٨٠ يوماً" (٢) وحول هذا النص تبدو الملاحظات الآتية: ١. لا تحول الإصابة دون أداء العمل إلا إذا كانت متوسطة أو كبيرة، وهذا يعني أن العامل تعرض لحادثٍ ليس بالبسيط، وإعطاء القانون للعامل هذه النسبة من راتبه الشهري قد يُلحق ظلماً بالعامل، ولماذا حُرم العامل النسبة الباقية من راتبه؟ ٢. لم يوضح القانون موقفه إذا تجاوز العجز المؤقت المدة التي ضربها القانون (١٨٠ يوم)، وهل يُعطى أجراً؟ أم يُعاقب هو وأسرته نتيجة تفانيه في عمله؟. ٣. لم يُجب قانون العمل الفلسطيني عن استمرارية العقد بعد هذه المدة، إذا يظهر تناقض بين هذه المادة والمادة رقم (٢١) من نفس القانون التي تنص في الفقرة الخامسة على أن ينتهي عقد العمل الفردي:" بوفاة العامل أو إصابته بمرض أو عجز أقعده عن العمل لمدة تزيد على ستة أشهر" (٣) وهو ما يعني إنهاء عقد العامل وإقالته بحكم القانون. ٤. يقترح الباحث أن يُعطى العامل راتبه الشهري كاملاً خلال الشهر الأول من عجزه المؤقت، ثم يُكتفى براتبه الأساسي دون الزيادات عليه طيلة فترة عجزه المؤقت. ونؤكد أن التعويض عن العجز المؤقت دون إحداث نقص في الجسم ملازمة لحقوق العامل في الترقيات والمكافآت، غير أن العامل المتضرر من حادث العمل يمكن أن يُحرم من هذه التعويضات وما يلحق بها في حالات منها:

стр. 189

١. إذا امتنع العامل المصاب من اتباع العلاج الموصوف له من الجهة الطبية المعتمدة دون مبرر. ٢. إذا رفض الامتثال للمراقبة الطبية، كأن يتقاعس عن تنفيذ التوجيهات والإرشادات التي تماثله للشفاء. (١) ٣. إذا كانت الإصابة ناتجة عن فعل متعمد من العامل المصاب. ٤. إذا كانت الإصابة بتأثير الخمر أو المخدرات، وهذا الفعل وما قبله نصت عليه المادة رقم (١٢٣) من قانون العمل الفلسطيني. (٢) ٥. أضاف قانون الخدمة المدنية الفلسطيني سبباً آخر لحرمان الموظف من التعويض وهو انقضاء سنتين على وقوع إصابة العمل دون المطالبة بهذا الحق، إلا إذا كان التأخير ناتجاً عن عدم استقرار حالة الموظف المصاب وفق تقرير اللجنة الطبية. (٣) وقد دلّت السنة النبوية المطهرة على مشروعية التعويض، ومن ذلك ما جاء في الصحيح أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي ﷺ في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فِلق الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول:" غارت أمكم" ثم حبس الخادم حتى أُتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة إلى التي كُسرت صحفتها وأمسك المكسورة في بيت التي كُسرت فيها" (٤)، بهذا النص وغيره استدل الفقهاء ﵏ على مشروعية التعويض، وأصّلوا لذلك قواعد كلية صيانة لأموال الناس من كل اعتداء، وجبراً لما فات منها بالتعويض كقولهم: الضرر يزال، والضرر لا يزال بالضرر، وقال الإمام ابن القيم ﵀": اقتضت السنة التعويض بالمثل ... "، وقال: "الأصل الثاني: أن جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة، حتى الحيوان، فإنه إذا اقترضه رد مثله، ... وإذا كانت المماثلة من كل وجه متعذرة حتى في المكيل والموزون، فما كان أقرب إلى المماثلة، فهو أولى بالصواب، ولا ريب أن الجنس إلى الجنس أقرب مماثلة من الجنس إلى القيمة، فهذا هو القياس وموجب النصوص" (٥) وفي المادة رقم (١٢٨) من قانون العمل الفلسطيني نصّ على انه:" إذا ظهرت على العامل أعراض أحد أمراض المهنة الواردة في الجدول الملحق بالقانون خلال سنتين من تاريخ انتهاء خدمته

стр. 190

يلتزم صاحب العمل بجميع الحقوق المقررة له وفقاً لأحكام هذا الباب من القانون" (١) وهي لفتة تُحتسب للقانون، خصوصاً أن بعض الأمراض لا يظهر تأثيرها وعلاماتها الظاهرة مباشرة، ولكن هذا يلحق الضرر بصاحب العمل، إلا إذا أضفنا شرطاً بعدم عمل هذا العامل بأي أعمال قد تسبب أو تساعد في ظهور هذا المرض. وفي المادة رقم (١٣٠) من القانون نصت على انه:" يُحسب التعويض المستحق وفقاً لأحكام هذا الباب على أساس متوسط الأجر لآخر ثلاثة أشهر" (٢) وقد يثور تساؤل لماذا متوسط الأجر في الأشهر الثلاثة الأخيرة؟ ولماذا لا يكون لآخر شهر عمله العامل؟ ويبقى الغموض في النص الذي محلّه: هل متوسط الأجر مع إضافاته؟ أم هو الأجر الأساسي؟.

стр. 191

المبحث السادس: حق العامل في مكافأة نهاية الخدمة والتقاعد وفيه مطلبان. المطلب الأول: مكافأة نهاية الخدمة في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني. المطلب الثاني: الراتب التقاعدي في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني.

стр. 192

المطلب الأول مكافأة نهاية الخدمة في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني إن ارتباط العامل بعمله وإتقانه يؤلف العلاقة الطيبة بين العامل وصاحب العمل، وبالتالي غالباً ما يبادر صاحب العمل على إكرام العامل بمختلف الوسائل المتوفرة لديه، وتتنوّع هذه المكافآت التي تُعطى للعمّال والموظفين، ولكن نشير إلى أن هذه المكافآت تظهر عند انتهاء العقد أو إنهاؤه، وفي ظروف معروفة لدى الطرفين، ومن هذه المكافآت ما بات يسمى بمكافأة نهاية الخدمة، ويمكن تعريف هذا المصطلح الحادث من خلال توضيح معاني مفرداته، ثم بيان المعنى الإجمالي له، فكلمة مكافأة تعني: الجزاء مقابل العمل الذي يقوم به العامل أو الموظف. (١) نهاية: تُشير هذه الكلمة إلى انتهاء الخدمات التي يقدمها العامل للمنشأة لسببٍ ما، سواء كانت هذه المنشأة حكومية أو أي جهة تشغيلية أخرى. الخدمة: تلك الخدمات التي كان يقوم بها العامل أثناء وظيفته، وبمعنى آخر هي السبب لثبوت المكافأة. أما تعريف هذا المصطلح مع اجتماع كلماته فهو:" تلك المبالغ المستحقة لمنسوبي المنشأة عند تركهم الخدمة، نظير الخدمات التي حصلت عليها المنشأة منهم خلال مدة الخدمة، وذلك وفقاً لمتطلبات نظامية، أو نتيجة التزام طوعي من المنشأة" (٢)، كما يمكن تعريفها بأنها" حق مالي جعله القانون للعامل على رب العمل، بشروط محددة، تقتضي أن يدفع الثاني للأول عند إنهاء خدمته، أو لمن يعولهم مبلغ نقدي دفعة واحدة، يُلاحظ في تحديد مقداره مدة الخدمة وسبب إنهائها والراتب الشهري الأخير للعامل" (٣) وتعتبر هذه المكافأة ثمرة لالتزام يفرضه القانون على صاحب العمل، وذلك لصالح العامل، و ليس لطرفي العقد دور في تحديدها ولا في كيفية احتسابها، وإنما القانون هو الذي يوضح ذلك، كما أن هذه المكافأة تعتبر إلزامية في حق صاحب العمل وذلك في حالات مخصوصة نصّ عليها القانون، أما مقدارها فإنه يتحدد بناءً على سبب ترك العمل ومدة العمل ومقدار الراتب الأخير، وبعد تلمّس

стр. 193

الحكمة القانونية من هذا الحق نجدها العدالة التي تقتضي التخفيف من وطأة ترك العامل لعمله الذي أمضى سنوات في خدمة صاحب العمل. ولبحث التكييف الفقهي لهذه المكافأة يتبادر لنا مجموعة من الاحتمالات، وهل يمكن اعتبارها دَيناً للموظف في ذمة صاحب العمل؟ أم هي استحقاق معلّق بشيء في المستقبل؟ وهذه الاحتمالات هي على النحو الآتي: الاحتمال الأول: أن تكون هذه المكافأة جزءاً من أجرة العامل، وإذا كانت كذلك فإنها تكون دَيناً للعامل على صاحب العمل، ولكن اعتبارها كذلك يتعارض مع أحكام الأجرة في الفقه الإسلامي، فتجعل العقد فاسداً، وذلك لأن مقدار المكافأة لا يمكن حسابه إلا عند انتهاء العقد، لخضوعه لعدة عوامل كالمدة التي يقضيها العامل في العمل، والأجرة الشهرية الأخيرة، والسبب الذي كان وراء إنهاء عقد العمل، ما يعني أن هذه العوامل السابقة تُدخل الجهالة على أهم جزء من أجزاء الإجارة وهو عنصر الأجرة فيجعلها مجهولة. ثم إن اعتبار المكافأة من الأجرة يعلّق استحقاق هذا الجزء من الأجرة على حدوث أمور مستقبلية، وهي قد تقع وقد لا تقع، وهذا نوع من أنواع الغرر الذي يؤثر في جميع عقود المعاوضات، والتي تعتبر الإجارة واحدة منها، لذا ما كان تمليكاً محضاً لا يدخل عليه التعليق قطعياً، كما يؤخذ على هذا الاحتمال أن العامل بتسليم نفسه لصاحب العمل استحق هذا الجزء، وبالتالي لا يجوز أن يخرج من ملكه إلا بموافقته أو بوفاته، فتنتقل هذه الحقوق إلى الورثة فيتم تقسيمها بينهم حسب القواعد الشرعية المتعلقة بالميراث، فلا يجوز أن يُحرم منها العامل أثناء حياته، وينتفع بها الورثة بعد الوفاة، وهذا الحرمان في الوقت الذي ينصّ القانون على حرمان العامل من هذه المكافأة كأن يُقدم العامل على عملٍ يودي بحياته، أو يتعمد إلحاق أضرار جسيمة بصاحب العمل، لذا فإن كل هذه المناقشات تُخرج مكافأة نهاية الخدمة من دائرة الأجر -والله تعالى أعلم بالصواب -، وبناءً على هذا الاحتمال الذي هو اعتبار المكافأة من الأجرة المتأخرة للعامل فإنها لا تخلو من أحد أمرين: الأول: أن يشترطها العامل في العقد، وهذا شرط جائز، لقول الرسول ﷺ :" المسلمون على شروطهم" (١). الثاني: أن لا يشترطه العامل لنفسه، ولم يذكره رب العمل في عقد العمل، وهذه الحالة لا تخلو من أمرين أيضاً:

стр. 194

الأول: أن يكون تعويض نهاية الخدمة متعارفاً عليه بين أصحاب تلك المهنة عرفاً عاماً شائعاً، فعندئذ يجب التعويض ويستحق العامل مكافأة نهاية الخدمة لنزول العرف بين الناس كالشرط بينه. الثاني: أن يكون التعويض ليس متعارفاً عليه بين عمّال تلك المهنة أو المؤسسة، ففي هذه الحالة لا يكون تعويض نهاية الخدمة حقاً للعامل، كونه لم يشترطه باللفظ ولم ينصّ عليه العقد، ولا هو مما تعارف عليه أهل المهنة. (١) الاحتمال الثاني: أن تكون هذه المكافأة نوع من أنواع التعويض عن كل الأضرار التي لحقت بالعامل خلال فترة عمله، ولكنّ هذا الاحتمال مستبعد كون التعويض عادةً ما يستحقه العامل عن الضرر الذي يلحق به، وفي الفقه الإسلامي لا يستحق العامل أي تعويضٍ إلا مقابل ضرر لحق به، بل وأحدث نقصاً في جسم الإنسان، ومكافأة نهاية الخدمة تثبت بدون الضرر، ولو تضرر العامل من تركه للعمل لم يكن ربّ العمل غالباً هو المتسبب، ولو حصل ضرر فإن العامل يطلب التعويض وكذلك مكافأة نهاية الخدمة، حيث نصّ قانون العمل الفسطيني في المادة رقم (٤٧) على أنه:" مع احتفاظه بكافة حقوقه، يستحق العامل تعويضاً عن فصله تعسفياً مقداره أجر شهرين عن كل سنة قضاها في العمل، على أن لا يتجاوز التعويض أجره عن مدة سنتين" (٢) كما أننا لو اعتبرناها تعويضاً عن ضرر لم يجز للقوانين إنقاصها، مع أن القوانين التي أوجبتها تتراوح نسبة النقص فيها. الاحتمال الثالث: اعتبار مكافأة نهاية الخدمة علاوة تشجيعية للعامل، ولكن هذا النوع لا تتوفر فيه عناصر التشجيع، وإنما تخضع لمعيار السنوات التي أمضاها العامل في عمله، أما الحوافز التشجيعية فإنها تخضع لتفاني العامل في عمله أو نسبة المبيعات التي يحققها العامل، أو التزامه بالدوام الرسمي، أو ما يُعبَّر عنه اليوم (بالتقارير السنوية عن أداء العامل) فبناءً على ذلك يستحق العامل التحفيز والتشجيع، بعكس مكافأة نهاية الخدمة التي تجب للعامل بغضّ النظر عن موجبات العلاوات التشجيعية. الاحتمال الرابع: اعتبار هذا النوع من المكافآت بمثابة الدين المرجو، وذلك إذا كانت حقاً للموظف لا يقبل الإلغاء، وقد وضع أصحاب هذا الاحتمال مؤشرين لاعتبارها كذلك هما: الأول: عدم قابليتها للإلغاء. الثاني: استطاعة العامل صرفها متى شاء وبمحض إرادته، فهي بذلك تكون ملكا تاماً. (٣) الاحتمال الخامس: اعتبار مكافأة نهاية الخدمة التزام بالتبرع، وذلك بحكم القانون له سبب مهم، وهو الخدمة الوظيفية (٤)، ويستند أصحاب هذا الاحتمال إلى اهتمام الفقه المالكي بالالتزام بالتبرع، حيث

стр. 195

اعتبروه من موجبات الاستحقاق المالي (١)، وهو ما يخضع لنفس المستند الذي يقوم عليه الضمان الاجتماعي والتعاون بين الناس، وهذا التعاون وإن كان في أصله من المباحات إلا أن ولي الأمر قد يُلزم به بعض المنشآت والجهات المشغّلة للعمال، وذلك أن أكثر عقود العمل هي مما يسمى بعقود الإذعان، حيث لا يكون للعامل خيار إلا بين القبول بالعمل المشروط التي يفرضها صاحب العمل، أو رفض العمل والبقاء في عداد العاطلين عن العمل والكسب، ويرى الباحث - والله أعلم بالصواب - تخريج هذا النوع من المكافآت على صلاحية ولي الأمر في إنشاء بعض الحقوق والواجبات على الأفراد، لاقتضاء في المصلحة للعمال ولأصحاب العمل، وفي ذلك تأمين للعامل وطمأنينة نفسه، وهو ما يدفعه لبذل كل ما في وسعه من جهد وخبرة في العمل، ويندرج هذا تحت باب السياسة الشرعية، ولكن لا بدّ من مراعاة أعراف الناس، وخصوصاً عُرف أصحاب المهنة التي يعمل فيها هذا العامل، لذلك لا ينبغي فرض هذه المكافأة لشخص بعينه، مع أن جمهور العمّال في نفس المهنة لم يتعارفوا فيما بينهم على استحقاق هذه المكافأة. ثم إننا إذا اعتبرنا مكافأة نهاية الخدمة حقاً ذا طبيعة خاصة تنشئه الدولة أو ولي الأمر استبعدنا بذلك كل الاحتمالات السابقة، لأن المكافأة عندئذ لا تكون نتاج لعقد المعاوضة، فلا تتأثر بالغرر ولا بالجهالة، أما قانون العمل الفلسطيني فقد نصّ في مادته رقم (٤٥) على أن:" للعامل الذي أمضى سنة من العمل الحق في مكافأة نهاية خدمة مقدارها أجر شهر عن كل سنة قضاها في العمل على أساس آخر أجر تقاضاه دون احتساب ساعات العمل الإضافية، وتحتسب لهذا الغرض كسور السنة" (٢)، لكنه وضّح في المادة رقم (٤٢) وفي الفقرة الثانية على أنه:" يحق للعامل إذا استقال من عمله خلال السنوات الخمس الأولى ثلث مكافأة نهاية الخدمة، وثلثي مكافأة نهاية الخدمة إذا كانت الاستقالة خلال السنوات الخمس التالية، ويستحق المكافأة كاملة إذا أمضى عشر سنوات أو أكثر في العمل" (٣). ومما يؤخذ على هذا النص أنه لم يفرّق بين استقالة العامل وإقالته، وهو ما يتطلب وجود مادة أخرى توضح حق العامل في مكافأة العامل عند إقالته، وذلك بذكر القيود التي بناءً عليها يُحرم العامل من هذه المكافأة، كما أنه لم يأت على استحقاق العامل لمكافأة نهاية الخدمة بعد إنهاء فترة التجربة بنجاح، وهذا راجع إلى الاختلاف في الطبيعة القانونية للعقد الذي يكون تحت الاختبار، وقد خلص

стр. 196

فقهاء القانون إلى ثلاثة آراء في طبيعة هذا العقد، أولها: أنه عقد معلق على شرط نجاح التجربة، والثاني: انه عقد تمهيدي مؤقت، فإذا نجحت التجربة أُبرم عقد باتّ بين الطرفين ولا تُحتسب أقدمية العامل إلا من هذا الوقت، والثالث: أنه عقد معلق على شرط فاسخ، فإذا انقضت مدة الاختبار دون تحقق الشرط الفاسخ أصبح العقد باتاً وأنتج كل آثاره، ومع هذا الرأي يميل الباحث، وبالرغم مما سبق فإن من العلماء المعاصرين من اشترط شروطاً لصحة التعويض عند نهاية الخدمة كالآتي:" ١. أن يكون التعويض معلوماً، (في السنة أجرة شهر). ٢. أن يشرطاه في العقد. ٣. إن لم يشرطاه في العقد تنصيصاً، فيجب أن يكون معمولاً به عرفاً عاماً في تلك المهنة. ٤. إذا كان التعويض مشروطاً بالعرف، فيجب أن لا يتضمن العقد نفيه. ٥. إذا كان التعويض مقابل كل سنة أجرة شهر- كما هو الحال المعمول به- فيجب أن لا تقل مدة العقد عن سنة كاملة. ٦. أن لا يفسخ رب العمل العقد قبل انتهاء السنة، لأجل تفويت التعويض على العامل. ٧. أن لا يفسخ العامل العقد قبل نهاية السنة، فإن فسخ العامل قبل نهاية السنة فلا شيء له- عملاً بالعرف-." (١)

стр. 197

المطلب الثاني الراتب التقاعدي في الشريعة الإسلامية وقانون العمل الفلسطيني تُحدثنا كتب التاريخ أن الخليفة عمر بن الخطاب ﵃ رأى رجلاً عجوزاً ضرير البصر يستعطي الناس فسأله ما الذي ألجأك إلى هذا الحال؟ فيجيبه الرجل: إنها الحاجة والسنّ، فيأخذ عمر بيده إلى بيت المال ويقول للخازن: أنظر هذا وأمثاله فو الله ما أنصفناه إن أكلنا شيبته ثم نخذله عند الهرم، ثم خصص للرجل مبلغاً مالياً يحصل عليه كل شهر، وفي عقد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد لأهل الحيرة بالعراق - وكانوا من النصارى-: "وجعلت لهم، أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعِيل من بيت مال المسلمين هو وعياله (١). وقد عرفت المملكة العربية السعودية أول نظام تقاعد سنة ١٩٤٤م، وكان هذا النوع من التأمين يهدف إلى تامين الموظف ومن يعولهم تجاه الحاجات الاقتصادية التي قد تنشأ عن فقد العامل دخله من عمله أو وظيفته بانتهاء خدمته. ويُقصد بالتقاعد:" الاستغناء عن الخدمات المقدمة من الموظف بعد وصوله السن القانوني للتقاعد، حيث يتراوح السن القانوني في أغلب الدول ما بين سن (٦٠ - ٦٥ سنة) " (٢)، ويُمكن حصر أسباب التقاعد في: ١. عامل العمر. ٢. عامل المرض. ٣. عامل المدة القانونية. أما الراتب الذي يستحقه العامل بعد تعرّضه لأحد الاحتمالات السابقة (راتب التقاعد) فيُمكن تعريف هذا المصطلح الحادث بأنه:" مبلغ من المال يستحقه بصفة دورية شهرية العامل أو الموظف الذي انتهت خدمته، على الدولة أو المؤسسة المختصة بالتأمينات الاجتماعية إذا تحققت فيه شروط معينة تتعلق بمدة الخدمة التي دفع عنها اشتراكات شهرية، وبالسن التي وصل إليها عند انتهاء خدمته، والأسباب التي أدّت إلى هذا الانتهاء، ويستحقه العامل طوال حياته، فإن توفي استحقه بنسب حددها

стр. 198

القانون طائفة من ورثته، كما يستحقها هؤلاء الورثة مباشرة إذا انتهت خدمة العامل بالوفاة، وتنتهي مدة استحقاقها للورثة ببلوغ سن معينة، أو أسباب أخرى محددة" (١). وعرّفه بعض العلماء بقولهم:" مبلغ مالي يُصرف للموظف حال حياته بعد بلوغه سناً معينة - يفترض غالباً مظنة العجز والشيخوخة- وينتقل من بعد وفاته للمستحقين" (٢)، ولتكييفه الشرعي لا بد من الإشارة إلى أن الراتب التقاعدي ليس أجراً مؤجل التسليم، بدليل أن هناك شروطاً لاستحقاقه، وهناك أسباباً للحرمان منه، ولو كان جزءاً من الأجرة لكانت له صفاتها من حيث الاستحقاق المؤكد، وكذلك إمكانية المطالبة بهذا المال بمجرد تقديم العمل المطلوب منه، كما يجب أن تكون الأجرة معلومة، ومبلغ التقاعد غير معلوم، حيث لا سبيل لمعرفة مقداره وذلك لارتباطه بالباقي من عمر الإنسان بعد خروجه من الخدمة، وهو ما يعني أن تسميته راتباً تسمية مجازية لمشابهته الراتب الشهري في الربط بفترات شهرية. ويقوم نظام التقاعد على الاحتمال كأي نظام تأميني آخر، فقد يُدفع للصندوق عن الموظف القليل، ثم يموت أو يعجز عن العمل، فيُدفع له أو لعائلته الكثير، وكذلك العكس، فقد يُدع للصندوق عن الموظف الكثير، ثم يموت ولا يكون له مستحق عنه حسب النظام، فلا يأخذ شيئاً مما دفع، ويتنوع الراتب التقاعدي إلى نوعين: النوع الأول: الراتب التقاعدي الذي تلتزم به الدولة لموظفيها المدنيين والعسكريين. النوع الثاني: الراتب الذي تعطيه المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية. ويُموّل صندوق التقاعد من مصدرين هما: المصدر الأول: ما يُقتطع من راتب الموظف الذي ينطبق عليه النظام. المصدر الثاني: ما تدفعه وزارة المالية إلى هذا الصندوق من مبالغ مماثلة لما يُقتطع من راتب الموظف، وقد وضّح الدكتور علي السالوس (٣) فكرة التقاعد وتكييفها الفقهي بقوله:"يُعتبر الراتب التقاعدي أحد أنواع التأمين الاجتماعي وليس تأميناً خاصاً بشخص يخشى خطراً معيناً، ولا يندرج تحت التأمين التجاري، وإنما هو تأمين عام لا يهدف إلى الربح، ولكن يهدف إلى مساعدة مجموعة من

стр. 199

الأفراد قد يكثر عددهم جداً فيصل إلى الملايين، مثل ما تقوم به دول للتأمين على أبنائها من العمال والموظفين مما يُعرف بنظام التقاعد أو المعاشات، فتقتطع من الأجور والرواتب نسبة معينة، فإذا بلغ سن التقاعد أو وصل إلى المعاش يُصرف له معاش شهري، أو يأخذ مكافأة مالية تساعده في حياته، وكذلك ما يُعرف بالتأمينات الاجتماعية والتأمينات الصحية" (١)، ولبيان الحكم الشرعي في هذا النوع من الاستحقاقات الطبيعية للعامل، أعرض لوجهتي النظر في حكمه الشرعي: الفريق الأول: وهم القائلون بحلّ معاشات التقاعد (٢)، وقد استدلوا بتعليلين هما: التعليل الأول: أنه يظهر في نظام التقاعد التبرع، حيث عن الموظف متبرع بما يؤخذ من راتبه الشهري، وكذلك الدولة أو الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية متبرعة بما تدفعه لصندوق التقاعد عن موظفيها، كما أن الدولة ممثلة في ولي الأمر معنية برعاية الموظف وبمن يعول بعد نهاية خدمته وكبر سنه فما تقتطعه من مرتبه شهريًّا تضيف عليه نسبة تماثل لما اقتطعته منه أو نحوها وتقوم بتشغيلها وتنميتها ثم يصرف له كامل النسبتين بعد تقاعده، وإنما أتت شبهة الربا عند بعض الناس من حيث إن الموظف يدفع مالاً على أقساط قليلة فيأخذ أكثر منها عند تقاعده من الوظيفة، وليس كذلك، إذ حقيقة الأمر أن ما دفعته الدولة من نسبة هو تبرع وليس لقاء عمل، إذ مقابل العمل هو الراتب الشهري الذي يستلمه الموظف آخر الشهر، فهذا من الدولة شبيه بالمكافأة، وأيضًا مما يؤكد أن المعاش التقاعدي عقد تبرع لا معاوضة. التعليل الثاني: أن الدولة لا تمتلك ما اقتطعته من رواتب الموظفين، وإنما هو موقوف لهم لحين الحاجة، وهذا بخلاف التأمين التجاري الذي تمتلك شركة التأمين أقساط المؤمنين بمجرد دفعها للشركة. الفريق الثاني: القائلون بالتحريم (٣)، وقد احتجوا بمايلي: ١. أن نظام التقاعد نوع من أنواع التأمين، ولا يختلف عن التأمين التجاري في أصله ومشروعيته، فهو يشتمل على الربا والغرر. ٢. يشتمل راتب التقاعد على ربا الفضل، وذلك لأن معاش التقاعد هو عبارة عن بيع نقود مجهولة المقدار بنقود مجهولة المقدار، وقد تكون أكثر منها أو أقل، كما أن هذا الراتب يشتمل على ربا النسيئة حيث إن أحد العوضين في رواتب المتقاعدين مؤجل إلى أجل غير مسمى.

стр. 200

٣. يُعتبر راتب التقاعد نوعاً من أنواع القمار، وذلك لأنها معاوضة تعتمد على الحظ، فقد يدفع الموظف أقساطاً يسيرة ثم يستحق مبالغ كبيرة والعكس. ٤. إن معاشات التقاعد مخالفة لقواعد الميراث الشرعية، لأنه إذا توفي الموظف يستحق راتبه من كان يعولهم قبل موته، وذلك حسب أنظمة التقاعد دون اعتبار لباقي الورثة. (١) وبعد عرض فكرتي الإباحة والتحريم حول معاشات التقاعد، يميل الباحث - والله تعالى أعلم - لجواز هذا النوع من الرواتب للأسباب الآتية: ١. اندراج هذا النوع من أنواع الرواتب تحت باب التكافل والتضامن بين أفراد المجتمع المسلم، فقد عرف العرب مبكراً هذه الفكرة فنشأت بصورة علمية عند ظهور الإسلام الذي يهدف للإقامة مجتمع الكفاية والعدل والمساواة. ٢. أن العمّال وجمهور الموظفين يعانون اليوم من قلة موارد دخلهم، ويعتمدون على الراتب الشهري الذي قلّما يدخرون منه، فيأتي راتب التقاعد ليسد حاجتهم في الوقت الذي غالباً ما يعجزون عن العمل. ٣. غياب الدولة الإسلامية التي تتكفل في الغالب بتأمين الدخل للعاجزين عن العمل وبشكل مجاني، وهي ملزمة بذلك. ٤. في رواتب التقاعد تخفيف من نسبة الفقر والعوز المنتشرة والمتزايدة. ٥. في رواتب التقاعد احترام للموظف العامل ومكافأة له. ٦. ينبغي التنبيه إلى أمر غاية في الأهمية، ألا وهو استثمار هذه الأموال المقتطعة من رواتب الموظفين وتلك المدفوعة من الجهة المشغّلة، حيث لا يجوز استثمارها بالوسائل الربوية المنتشرة في زمننا المعاصر، ولا بدّ من الحرص على إبعادها عن الوسائل المحرمة الأخرى، قد صدرت فتاوى معاصرة حول موقف الموظف المسلم الذي يعلم أن راتبه التقاعدي يتم تشغيله في الربا من الحكومة، وهذا حرام على الدولة ولا دخل للموظف فيه، حيث لم يؤخذ رأيه في تشغيل ما يخصه، فهي المرابية وهي الظالمة، والموظف لم يرض بذلك بل هو مجبر عليه (٢)، كما يحرم الاشتراك في أي صندوق إذا كانت أمواله تشغل بطرق محرمة شرعاً مثل تشغيل الأموال في البنوك الربوية بالفائدة، ومثل المتاجرة بأسهم الشركات التي يحرم التعامل بأسهمها، ومثل تشغيل الأموال في البورصات العالمية لأن أكثر

стр. 201

تعاملاتها محرمة شرعاً (١)، ولا يجوز الانتفاع بتلك الأموال انتفاعاً شخصياً كأن ينفقها الشخص على نفسه أو على أهله فهذه الأموال لا تحل للشخص أبداً، ولا يحل له إنفاقها في مصالحه الشخصية كتسديد الضرائب المترتبة على المشترك أو في استخراج رخصة بناء. وعليه إنفاق تلك الأموال على الفقراء والمحتاجين والغارمين والمؤسسات الخيرية ومصالح المسلمين العامة كبناء مدرسة أو مستشفى أو تجهيز شارع ونحو ذلك. وقد أفتى بذلك طائفة من علماء العصر منهم فضيلة الشيخ العلامة مصطفى الزرقا -رحمة الله عليه- حيث قال:"لا يجوز الانتفاع بتلك الأموال انتفاعاً شخصياً كأن ينفقها الشخص على نفسه أو على أهله فهذه الأموال لا تحل للشخص أبداً، ولا يحل له إنفاقها في مصالحه الشخصية كتسديد الضرائب المترتبة على المشترك أو في استخراج رخصة بناء. وعليه إنفاق تلك الأموال على الفقراء والمحتاجين والغارمين والمؤسسات الخيرية ومصالح المسلمين العامة كبناء مدرسة أو مستشفى أو تجهيز شارع ونحو ذلك" (٢)،وقد أفتى بذلك طائفة من علماء العصر فقالوا:" إن التدبير الصحيح الشرعي في هذه الفوائد أن يأخذها المودع من المصرف دون أن ينتفع بها في أي وجه من وجوه الانتفاع فعليه أن يأخذ تلك الفوائد التي يحتسبها له المصرف الربوي عن ودائعه ويوزعها على الفقراء حصراً أو قصراً لأنهم مصرفها الوحيد" (٣)، ويختلف الراتب التقاعدي عن مكافأة نهاية الخدمة في أمور جوهرية منها: ١. أن الملتزم بالراتب التقاعدي ليس صاحب العمل، وإنما المؤسسة العامة ذات الشخصية الاعتبارية، وهي الدولة أو المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية. ٢. مكافأة نهاية الخدمة لا تستحق إلا للعامل الذي يدفع أقساطاً تقتطع من راتبه بصورة دورية، وفي بعض البلدان (الأردن) إذا كان صاحب العمل مؤسسة خاصة وجب عليها دفع أقساط إلى لمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية تعادل ما يفرضه قانون العمل من مكافأة نهاية الخدمة، أما إذا كان رب العمل هو الدولة نفسها اقتُصر على موظفيها. ٣. إذا توفرت شروط معينة تتعلق بعمر الموظف وعدد الأشهر التي دفع أقساطها استحق الموظف راتباً تقاعدياً له أو لبعض ورثته، فإذا تخلفت هذه الشروط استحق مبلغاً مالياً يُحسب بطريقة محددة يُراعى فيها مدة خدمته وراتبه السنوي، وهو ما يسمى بمكافأة التقاعد.

стр. 202

المبحث السابع: حق العامل في الشكوى والتقاضي والتظاهر والإضراب عن العمل وحق الابتكار ، ويشمل المطالب الآتية: المطلب الأول: الشكوى والتقاضي المطلب الثاني: التظاهر والإضراب عن العمل المطلب الثالث: حق الابتكار

стр. 203

المطلب الأول الشكوى والتقاضي نظمت الشريعة الإسلامية قبل أربعة عشر قرناً من الزمن العلاقة بين العبد وربه ابتداءً، ثم بين العباد بعضهم البعض، وبالتالي اهتمت الشريعة الإسلامية بتنظيم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، فالإسلام لم يترك أطراف العقد دون رقيب أو حسيب، فعمل على إشاعة العدل ونشر الأمن والطمأنينة بين فئات العمال، ومن هنا جاءت الآيات القرآنية المطهّرة والأحاديث النبوية الشريفة التي تحذر من الظلم، بل وتطالب المجتمع برفعه عن المظلوم، ومن هذه الآيات قول الله : ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ﴾ (١)، وكذلك قوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وفي الحديث القدسي يقول الله :" يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضالّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أُطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليلِ والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إِنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب واحد منكم ما نقص من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عِبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه" (٣). وبهذه النصوص ومثلها قرر الإسلام مبدأ العدل والمساواة، ولكن النفس البشرية - الأمّارة بالسوء- قد تسيطر على صاحبها فتدفعه لأن يظلم أو ينتقص حقاً من حقوق الغير بدوافع عدّة، لهذا شرع الإسلام للمظلوم أن يرفع مظلمته لصاحب الأمر، بغضّ النظر عن هذه المظلمة، وعلى ولي الأمر النظر في الشكوى المرفوعة إليه، وأن يأخذ الحق من الظالم ويُعطيه لصاحبه، ودفعاً للظلم أباحت الشريعة الإسلامية وسائل عدة للتظلّم، ومن هذه الوسائل الاحتجاج لولي الأمر، ولهذه الوسيلة شاهد من حياة النبي ﷺ ، حيث جاءه رجل وقال له:" يا رسول الله أمرني مولاي أن أقدّد لحماً

стр. 204

(اللحم المشرّر أو ما قُطِع منه طِوالاً) (١)، فجاءني مسكين فأطعمته منه، فعلم بذلك مولاي فضربني، فدعاه النبي ﷺ وقال له:" لمَ ضربته؟ قال: يُطعم طعامي بغير أن آمره، فقال النبي ﷺ :" الأجر بينكما" (٢) ويُستفاد من هذا الحديث أن للعامل حق الشكوى على صاحب العمل إذا شعر بظلمه له، كما يؤخذ منه واجب العامل في المحافظة على أموال صاحب العمل وأن لا يتصرف فيه إلا بإذنه (٣)، وقد عُرف للمغيرة بن شعبة (٤) ﵃ عبداً (٥) كان يصنع الرحاء، وكان المغيرة بن شعبة ﵃ يستعمله كل يوم بأربعة دراهم، فلقي العبد عمر بن الخطاب ﵃ وقال: يا أمير المؤمنين إن المغيرة قد أكثر عليّ فكلمه أن يخفف عليّ، فقال له عمر ﵃: اتق الله وأحسن إلى مولاك، ومن نية عمر أن يلقى المغيرة فيكلمه في التخفيف عنه، فغضب العبد وقال: يسعُ الناس كلهم عدله غيرك، وعزم على أن يقتله، فصنع خنجراً له رأسان، فشحذه وسمّه ... " (٦)، وتتنوع أساليب الاحتجاج على الظلم الواقع على العمال، فمنها الاحتجاج بالرسائل الموقعة من العمال أو من ينوب عنهم، وهذه الرسائل تصل لصاحب العمل أو من ينوب عنه، كذلك الاعتصام السلمي تعبيراً عن عدم الرضا، ومنها أيضاً اللجوء إلى القضاء، ولم ينصّ قانون العمل الفلسطيني على اعتبار الشكوى على صاحب العمل حقاً للعامل، وإنما أشار في المادة رقم (٣٩) منه على أنه:" لا يمكن اعتبار الحالات التالية بوجه الخصوص من الأسباب الحقيقية التي تبرر إنهاء العمل من قبل صاحب العمل ... إقدام العامل على رفع قضية أو مشاركته في إجراءات ضد صاحب العمل بإدعاء خرق القانون، وكذلك تقديمه لشكوى أمام الهيئات الإدارية المختصة" (٧)، ومن الوسائل المتاحة لدى العمل للتظلم ما بات يُعرف اليوم بالمظاهرات والإضراب عن العمل.

стр. 205

ومع تقريرنا لحق العامل في التقاضي نُشير إلى صاحب الاختصاص في النظر في شكاوى العمال، حيث إن المتتبع لتطور التاريخ الإسلامي يجد حرصاً شديداً من ولاة الأمر- وفي مقدمتهم رسول الله ﷺ على الاستماع إلى تظلّمات المسلمين وشكاويهم، فقد تنوعت أسالبيهم في الاهتمام بتحقيق العدل، فكانوا يقومون بمراقبة حركة الناس اليومية في أسواقهم وأعمالهم (١)، ومن الخلفاء في العصور الإسلامية من كان يجلس مرتين في اليوم صباحاً ومساءً يستمع إلى المظالم (٢)، ومع نشأة الحكومات المعاصرة برزت الحاجة إلى سماع شكاوى المواطنين - ومنهم فئة العمال- حرصاً على تحقيق العدل، وكان ذلك من خلال تأسيس هيئات خاصة لذلك، وقد بدأت إرهاصات إنشاء مثل هذه الهيئة عام ١٧٠٩م عندما نفى الروس ملك السويد إلى تركيا وتأثر بنظام قاضي القضاة، وفي عام ١٧١٣م عيّن ملك السويد ممثلاً للشعب للرقابة على موظفي الحكومة وحماية المواطنين من الظلم، وفي عام ١٨٠٩م أنشأت السويد جهازاً رسمياً رقابياً مرتبطاً بالمجلس التشريعي أُطلق عليه (حامي العدالة) (٣)، ثم لحقت بذلك بعض الدول العربية والإسلامية، فشكّلت المملكة العربية السعودية والباكستان والكويت هيئات رسمية لمتابعة الشكاوى والتظلمات من الناس. أما في الإسلام فكان يقوم الخليفة أو الوزير أو الوالي بالنظر في هذه الشكاوى، وقد يقوم الوالي أو ولي الأمر بتكليف أحد ممن يثق به في مساعدته في هذا الأمر (٤)، وأحياناً توكل المظالم والمنازعات البسيطة إلى المحتسب في كل قطاع، فالمظالم والمنازعات التي تنشأ في السوق يقوم بحلها القائم على حسبة السوق، ويُمكن أن يقوم القائم بأعمال الحسبة على الأجور والعمال بحل المنازعات البسيطة بين العمال وأصحاب العمل، وذلك لأن أعمال المحتسب تتعدّى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث يمكن اعتباره محكمة عمالية (٥)، وقد تم مؤخراً إنشاء محكمة عمالية تتولي الفصل في تظلمات العمال وشكاويهم في فلسطين.

стр. 206

المطلب الثاني التظاهر والإضراب عن العمل قررت الشريعة الإسلامية الغرّاء الوفاء بالالتزامات من كلا الطرفين، حيث قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (١)، ومن الوسائل التي يُمكن للعامل اتباعها للتعبير عن احتجاجه على صاحب العمل الإضراب عن العمل. وقد عرّف علماء اللغة الإضراب بقولهم:" أضربت عن الشيء: كففت وأعرضت، وضرب عنه الذكر وأضرب عنه: صرفه، ويُقال: ضربت فلاناً عن فلان: أي كففته عنه" (٢) فالإضراب بهذا المعنى يتضمن معنى الكفّ، وكذلك الإعراض عن الشيء هو الامتناع عنه. أما تعريف الإضراب في الاصطلاح فهو:" توقف أو امتناع العامل عن أداء مهامه التي وكّل بها، بدون سابق إذن من موكله أو رب العمل لغرض الحصول على إحدى حقوقه بالعدل" (٣)، أو هو:" اتفاق مجموعة من العمال فيما بينهم على الامتناع عن القيام بالعمل المتفق عليه لوجود نزاع عمالي، والغرض منه الحصول على حقوقهم التي تتعلق بشروط العمل أو ظروفه" (٤) ويتنوع الإضراب إلى أنواع ثلاثة هي: النوع الأول: الإضراب عن الطعام، وغالباً ما يكون هذا النوع داخل السجون والمعتقلات، وقد عايشته ولمست أثره الإيجابي في المعتقلات الإسرائيلية. النوع الثاني: الإضراب العام، وغالباً ما يلجأ إليه العمّال بعد إهدار صاحب العمل- وهو الدولة - حقوقهم. النوع الثالث: الإضراب الفئوي، وتقوم به فئة معينة من الشعب، يجتمعون على مهنة واحدة، أو يعملون في وظيفة واحدة، وقد عايشنا إضراب المعلمين والعاملين في الجامعات الفلسطينية مرات عديدة، ونحن بصدد الحديث عن هذا النوع دون غيره من الأنواع، نظراً لارتباطه بموضوع الرسالة. ومن المقرر بداية أنه لا بدّ من مسوّغ لهذا الإضراب، ويمكن أن تتنوع المسوغات ومنها:

стр. 207

١. سلب العامل أحد حقوقه التي سبق الحديث عنها أو غيرها. ٢. عدم حصول العامل على جدوى محققة بعد مطالبة العامل بحقوقه، سواء كان ذلك شفوياً أو كتابياً، أو بأيٍ من الطرق المتاحة للعامل. ٣. سكوت الدولة وعدم تدخلها لإقامة العدل بين العمال وأصحاب العمل. ٤. عدم استجابة أصحاب العمل لتهديدات العمّال بالإضراب عن العمل. ٥. وجود فجوة فعلية وواسعة بين الأجر الذي يتقاضاه العامل ومتطلبات الحياة. يُعتبر الإضراب من النوازل الفقهية، حيث ورد عن النبي ﷺ أحاديث تضع للباحث المعاصر قواعد عامة للتعامل مع تلك النوازل، كقوله:" ليُّ الواجد يُحلّ عرضه وعقوبته" (١)، وقوله ﷺ :" مطل الغني ظلم، ومن اتبع على مليء فليتبع" (٢) ويمكن أن نفهم من هذا الحديث: أن الظلم المالي لا يختص بأخذ مال الغير بغير حق، بل يدخل فيه كل اعتداء على مال الغير، أو على حقه بأي وجه يكون، فمن غصب مال الغير، أو سرقه، أو جحد حقاً عنده للغير، أو بعضه، أو ادّعى عليه ما ليس له من أصل الحق أو وصفه، أو ماطله بحقه من وقت إلى آخر، أو أدّى إليه أقل مما وجب له في ذمته - وصفاً أو قدراً - فكل هؤلاء ظالمون بحسب أحوالهم. والظلم ظلمات يوم القيامة على أهله. ثم إننا نتعلم من الحديث حُسن الاستيفاء، وأن من له الحق عليه أن يتّبع صاحبه بمعروف وتيسير، لا بإزعاج وتعسير، ولا يمتنع عليه إذا وجهه إلى جهة ليس عليه فيها مضرة ولا نقص، فإذا أحاله بحقه على قادر على الوفاء غير مماطل ولا ممانع فليتحوّل عليه، فإن هذا من حسن الاستيفاء والسماحة. ولهذا ذكر الله تعالى الأمرين في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) وقد دعا النبي ﷺ لمن اتصف بهذا الوصف الجميل، فقال: "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى (طلب

стр. 208

قضاء الحاجة) " (١)، فالسماحة في مباشرة المعاملة، وفي القضاء، يرجى لصاحبها كل خير ديني ودنيوي، لدخوله تحت هذه الدعوة المباركة التي لا بدّ من قبولها، وإذا كان مطلُ الغني ظلماً وجب إلزامه بأداء الحق إذا شكاه غريمه، فإن أدّى وإلا عُزّر حتى يؤدي، أو يسمح غريمه، وهذا الحديث أصل في باب الحوالة، وأن من حُوّل بحقه على رجل مليء، فعليه أن يتحول، وليس له أن يمتنع، كما أن امتناع الموسر عن دفع ما عليه من التزامات مادية وكذلك مماطلته في الدفع يُحلُّ عرضه وعقوبته، فما بالنا إذا كان المماطل هو ربّ العمل، وهنا وجب على ولي الأمر التدخل لفضّ النزاع ومعاقبة رب العمل لمماطلته في الدفع، وقد انقسم العلماء المعاصرون في رأيهم الشرعي للإضراب إلى فريقين: الفريق الأول: وهؤلاء منهم من أجاز التظاهر والإضراب عن العمل على إطلاقه (٢)، وذلك لأن رب العمل أخلّ بالعقد، وفي هذا إشارة إلى الإضراب عن العمل الذي يكون بسبب عدم استلام العمال لرواتبهم، ومن هذا الفريق من أجاز الإضراب عن العمل ولكن بضوابط كعدم الإضرار بالمصلحة العامة، (٣) ومنهم من سئل الإضراب عن العمل لتحقيق بعض المطالب للعامل أو تحسين بعض الأوضاع فأجاب:" إن الإضراب إخلال في عقد العمل بين العامل من جهة، وصاحب العمل من جهة أخرى، ولقد دعى الله في كتابه الكريم إلى الالتزام والوفاء بالعهود والمواثيق والعقود التي يقطعها الإنسان على نفسه تجاه الغير، ولا بدّ من أن يقوم العامل بجميع الأعمال الموكلة إليه على الوجه الذي يرضي الله تعالى، مصداقا لقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (٤) وقد يصاحب

стр. 209

الإضراب بعض المفاسد وأعمال الشغب ومظاهر العنف، وهذا ما لا يرتضيه الشارع بناءً على القاعدة الفقهية: درء المفاسد أولى من جلب المنافع، وهناك العديد من الوسائل التي يمكن اللجوء إليها لتحقيق المطالب، وقد تكون أكثر فاعلية وجدوى من الإضراب، كالتظلّم لدى المسئولين ومخاطبتهم وجدالهم بالتي هي أحسن، والإنسان العاقل لا يترك باباً وفق أسس سليمة شرعية، إلا ويطرقه، أما الانقطاع عن العمل بسبب عدم دفع الأجور والرواتب فهذا جائز، لأن رب العمل أخل بالعقد، فللعامل أن ينقطع عن العمل حتى يدفع له أجره" (١). وقد استدل من قال بإباحة التظاهرات والإضرابات بالأمور الآتية: أولاً: قال الله : ﴿لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ (٢) فهذا يدل على أنه من ظُلم يجوز له أن يشتكى ويرفع صوته ويعلن ذلك، فكيف إن كان الظلم عامّاً ووقع على كثير من أبناء الأمة إن لم يقع على الأمة بأسرها، ألا يعطيها ذلك الحق في أن تعلن ذلك بشكل جماعيّ وفرديّ؟، لذلك يجوز للعمال إذا كانوا على الحق وقضيتهم عادلة أن يحتشدوا؛ ليعلنوا عن الظلم الذي وقع عليهم وأن يطالبوا برفعه. ثانياً: قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم (٣)، حيث علّق الإمام ابن القيم ﵀ على ذلك بقوله:" لمّا كانت المقاصد لا يُتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها" (٤). ثالثاً: تعتبر هذه الاعتصامات والإضرابات من قبيل العادات وليس من قبيل العبادات، ولم يرد دليل شرعي يمنعها. الفريق الثاني: وقد منع هذا الفريق الإضراب عن العمل لمبررات ساقها كل من أفتى بالمنع، فقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن حكم الإضراب عن العمل في بلد مسلم للمطالبة بإسقاط النظام العلماني فأجاب ﵀:" إن قضية الإضراب عن العمل سواء كان هذا العمل خاصاً أو بالمجال

стр. 210

الحكومي لا أعلم له أصلاً من الشريعة ينبني عليه، ولا شك أنه يترتب عليه أضرار كثيرة حسب حجم هذا الإضراب شمولاً، وحسب حجم هذا الإضراب ضرورة، ولا شك أنه من أساليب الضغط على الحكومات" (١)، وهناك من ذهب بعيداً ليعتبر المظاهرات والإضرابات من قبيل الإفساد في الأرض، لافتاً إلى أن هذه الأعمال حتى إذا لم تشهد أعملاً تخريبية فهي تصدّ عن ذكر الله. (٢) ويرى الباحث - والله تعالى أعلم - أن الإضراب منه ما هو مشروع في مقصده ووسيلته، ومنه ما ليس كذلك، وبالتالي يٌعتبر لجوء العمال للمطالبة بحقوقٍ مهضومة أو مسلوبة، والتعبير عن ذلك بالطرق السلمية التي تخلو من التخريب والتدمير والتعطيل لمصالح العامة، من الأمور التي تُبيحها الشريعة الإسلامية، وقد استند الباحث في ترجيحه على الأمور الآتية: أولاً: إن الإضراب عن العمل هو إخلال بالواجب، ويتنافى مع الوفاء بالعقد المأمور به في قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (٣)،وصاحب العمل مطالب بالوفاء بالتزاماته تجاه العامل حتى لا يضطر إلى الإضراب. ثانياً: ينبغي على العامل تسليم نفسه لصاحب العمل طيلة المدة المتفق عليها، وذلك للقيام بالأعمال الموكلة إليه وبما يُرضي الله ، كما يلتزم صاحب العمل بدفع الأجرة للعامل على النحو المتفق عليه. ثالثاً: إذا أخلّ صاحب العمل بدفع رواتب موظفيه يتحرك العمّال بخطوات احتجاجية للتعبير عن تظلمهم من عدم دفع رواتبهم، وهذه الخطوات الأصل فيها الإباحة، ولكنها مشروطة بشروط منها عدم التأثير سلباً على مصلحة العمل أو المصلحة العامة. رابعاً: إذا أراد العمّال المطالبة بزيادة رواتبهم المتفق عليها جاز لهم ذلك، نظراً لعدم وجود ما يمنعهم من ذلك، ولكن لا ينقطعوا عن العمل إلا إذا رفض صاحب العمل ذلك الطلب، وكان هناك حاجة ماسّة لزيادة الرواتب. خامساً: لا بدّ من اعتبار أمرين مهمين عند الإقدام على هذه الخطوة هما:

стр. 211

١. مشروعية هذه الوسيلة. ٢. مشروعية الغاية من هذه الوسيلة. فإذا كانت الوسيلة إلى الإضراب مباحة، والغاية منه واجبة، فإن الوسيلة لتحقيق الغاية تصبح واجبة، لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وخلاف ذلك إذا كانت الوسيلة محرّمة أو اتخذت لغاية غير مشروعة، وهو ما عبّر عنه الدكتور فتحي الدريني ﵀ أن استعمال الحق يعتمد على أمرين هما:" الأول: طهارة الباعث وشرف النية، حتى لا يعبث الهوى أو المصلحة الخاصة في التصرف. الثاني: النظر في مآل التصرف الصادر من صاحب هذا الحق. (١) " سادساً: لا يجوز للعامل الإضراب عن العمل للمطالبة بغير مستحقاته، فإذا ترتب على الإضراب عن العمل مفسدة أكبر من المنفعة المرجوّة فلا يجوز القيام بهذه الخطوة، كتعطيل المستشفيات عند امتناع الأطباء عن العمل أو إغلاق الصيدليات أمام المرضى، وفي هذه الحالات يكون درء المفاسد عن الناس أولى من جلب المنافع للعمّال، وقد قامت الشريعة الإسلامية أصلاً لتحقيق المصالح، حيث قال الإمام الشاطبي (٢) - رحمه الله تعالى -:" أنّا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد" (٣). وهنا ينبغي التنويه والتساؤل: هل يستحق المشارك في الإضراب أجرة عن المدة التي شارك فيها؟ ويرى الباحث - والله تعالى أعلم - أن الإضراب المشروع في مقصده ووسيلته يستحق العامل فيه الأجر كاملاً , وإذا لم يكن الإضراب مشروعاً لا يستحق أجر المدة التي انقطع فيها عن العمل. وقد راعى قانون العمل الفلسطيني حق العامل في المشاركة في الإضراب عن العمل، فنصّ في المادة رقم (٦٦) على أنه:" وفقاً لأحكام القانون الإضراب حق مكفول للعمال للدفاع عن مصالحهم" (٤)، في حين سرد بعض التفصيلات التي نوافقه على بعضها ونختلف معه في البعض الآخر، فمثلاً اشترط قانون العمل الفلسطيني على ضرورة توجيه تنبيه كتابي من قِبل العمال إلى إدارة المنشأة أو المؤسسة وإلى الوزارة المعنية قبل أسبوعين، وهنا نوافق على المبدأ حفاظاً على مصلحة

стр. 212

العمل وصاحبه، ولكنّ اشتراط ذلك بأن يكون قبل أسبوعين فيه إطالة لانتظار العامل، أما بيان الأسباب فهذا جيد حتى تكون إدارة المنشاة لديها تصور عن مطالب العمّال. ثم إن اشترط القانون أن يكون التنبيه الكتابي الذي يوجَه إلى المنشأة أن يكون موقعاً من ٥١% من عدد العمّال يناقض تخويل العمّال من يمثلهم، فإذا اتفق العمّال على من يُمثلهم فما الحاجة بعد ذلك لتوقيع أكثر من نصف العمال؟ بل ينبغي الاكتفاء بقرار اللجنة الممثلة للعمال، كما أن القانون منع الإضراب خلال إجراءات النظر في النزاع الجماعي وهذا حفاظاً على مصلحة العمل، أما إيقاف الإضراب بعد عرض النزاع على جهة الاختصاص فهذا إفشال لخطوة الإضراب والاحتجاج، وذلك لاحتمالية استمرار النظر في النزاع أشهر أو سنوات، كما أنه يُحظر على العمّال استئناف إضراب جديد لوجود الخصومة، وقد نصّت المادة رقم (٦٧) من قانون العمل الفلسطيني على أنه:" ١ - يجب توجيه تنبيه كتابي من قبل الطرف المعني بالإضراب أو الإغلاق إلى الطرف الأخر وإلى الوزارة قبل أسبوعين من اتخاذ الإجراء موضحا أسباب الإضراب أو الإغلاق. ٢ - يكون التنبيه قبل أربعة أسابيع في المرافق العامة. ٣ - في حال الإضراب يكون التنبيه الكتابي موقعا من ٥١% من عدد العاملين في المنشأة علي الأقل وفي حال الإغلاق أثناء إجراءات النظر في النزاع الجماعي. ٤ - لا يجوز الإضراب أو الإغلاق أثناء إجراءات النظر في النزاع الجماعي. ٥ - يترتب علي عرض نزاع العمل الجماعي على جهة الاختصاص وقف الإضراب أو الإغلاق" (١)

стр. 213

المطلب الثالث حق الابتكار تعددت النوازل المعاصرة التي شغلت بال الباحثين والمختصين، مما حدا بالفقيه المسلم أن يُدلي بدلوه في سبيل الوقوف على حكمها الشرعي، وكان من هذه النوازل تلك الحقوق التي سُميت بالحقوق المعنوية، وكل ما في حكمها كالاسم التجاري وحقوق الإنتاج العلمي (الذهني) وحقوق التأليف وحقوق الابتكار (حق الإبداع) التي هي موضوع حديثنا في هذا المطلب بعون الله وتوفيقه. أما الاختراع في اللغة: فأصل الخرع يُطلق على الرخاوة في كل شيء، ويطلق كذلك على الشق، مما يعني أن الاختراع يُطلق على الاشتقاق، فيُقال خرعته أي شققته، ويُقال: أنشأه وابتدعه، واخترع الرجل كذباً: أي اشتقه، واخترع فلان الباطل إذا اخترقه (١)، وبناءً على ذلك فإن الاختراع هو إحداث شيء على غير مثال سابق، ويكون المخترع هو من أحدث هذا الشيء وابتدعه (٢). وفي الاصطلاح: "هو إخراج ما في الإمكان والعدم إلى الوجوب والوجود" (٣) وفي هذا التعريف ما يوضّح أن العامل المخترع يُجهد نفسه بتحويل الأفكار المتواجدة في ذهنه ومخيلته إلى محسوسٍ يتجسّد في الجهاز أو المختَرع الجديد، وفي هذا التعريف وما يشابهه ما يجعله عاماً، حيث يشمل غير الاختراعات فيشمل هذا التعريف القصائد الشعرية والأمور الثقافية، أما مفهوم الاختراع بمعناه المعاصر الذي يتعلق بالأمور الصناعية التي يخترعها العامل فهو:" كل ابتكار جديد قابل للاستعمال، سواء كان متعلقاً بمنتجات صناعية جديدة أم بطرق ووسائل مستخدمة أم بهما معاً" (٤) وقد أضاف بعض الفقهاء المعاصرين قيداً مهماً، وهو أن يكون هذا الاختراع أو الابتكار يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية فقال بعضهم:" كل ابتكار مباح، قابل للاستعمال، يتعلق بمنتجات صناعية، أو طرق

стр. 214

ووسائل مستخدمة، أو بهما معاً" (١)، أما الابتكار فقد عرّفه علماء اللغة بأنه كل من بادر إلى الشيء فقد أبكر إليه في أي وقت كان، أو لم يُسبق إلى هذا الشيء (٢)، واصطلاحاً الابتكار هو:" الصور الفكرية التي تفتقت عنها الملكة الراسخة في نفس العالم أو الأديب ونحوه مما يكون قد أبدعه ولم يسبقه إليه أحد" (٣)، وهو يشمل" الحقوق الأدبية كحق المؤلف في استغلال كتابه، والصحفي في امتياز صحيفته، والفنان في أثره الفني من الفنون الجميلة، كما يشمل الحقوق الصناعية والتجارية مما يسمونه اليوم بالملكية الصناعية، كحق مخترع الآلة ومبتدع العلامة الفارقة التي نالت الثقة، ومبتدع العنوان التجاري الذي أحرز الشهرة" (٤) ولهذا فإن العامل الذي التزم بمقتضيات عقد العمل مع صاحب العمل قد تعتريه ظروف فيتوصل إلى اختراع لم يسبقه إليه أحد، وقد عرّف بعض الفقهاء المعاصرين حق الإبداع بقولهم:" حق مالي مبتكر، يرد على شيء غير مادي، يتميز بالسبق والتفوق والأصالة، واستقطاب أنظار الجمهور إليه" (٥)، ويُراد بالاختراع قانوناً:" الوصول إلى طرائق أو وسائل جديدة في أساليب النتاج الأمر الذي يترتب عليه تقدم سواء في مستوى الآلات والأدوات، وسواء على مستوى نوعية المواد المنتجة" (٦)، ونزيد للقارئ بيان أنواع هذه الابتكارات التي يتوصل إليها العمّال، فيمكننا تقسيمها باعتبارات مختلفة هي على النحو الآتي: التقسيم الأول: باعتبار الأصالة والتبعية، حيث تتنوع إلى نوعين: الأول: الاختراعات الأصلية، وتتمثل في الأمور التي لم يسبقه إليها أحد، ولم يعتمد على معطيات أو محاولات سابقة. الثاني: الاختراعات التابعة أو المشتقة من اختراعات كبرى سابقة لها، كأن يقوم أحد العمال بتطوير جهاز صنعه وابتكره غيره، فيعمل على تطويره ليتحمل درجة حرارة أعلى، فمثل هذا النوع من التطوير

стр. 215

مبنيٌ على اختراع سابق، وفي ذلك يقول أحد المتقدمين:" واعلم أن هذه الصنائع استخرجها الحكماء، ثم تعلم الناس منهم بعضها، وصارت وراثة بين الحكماء للعلماء، ومن العلماء للمتعلمين، ومن الأستاذين للتلامذة، ومن التلامذة للصناع، وكان ولا يزال لكل حرفة زعيم أو نقيب أو شيخ أو عريف، ويُسمى شيخ الحرف كلها بسلطان الحرافيش ثم كُنّي عنه احتشاماً بشيخ الحرف والصنائع" (١). التقسيم الثاني: باعتبار النفع والضرر، حيث يُمكن تقسيم الاختراعات بهذا الاعتبار إلى نوعين: الأول: اختراعات نافعة، ولا بدّ من الإشارة هنا أن معيار النفع هنا هو موافقة الشرع الإسلامي، فمن النفع أن يستفيد الناس من هذا الاختراع في حياتهم العامة، كاختراع وسائل المواصلات والاتصالات، وحتى لو انحرف بعض الناس في استخدام هذا النوع من الاختراعات فاستخدمها في الممنوع فإنها تأخذ حكم المنع. الثاني: اختراعات ضارة، وأيضا يُعتبر في الضرر الميزان الشرعي، إذ بميزان الشرع يُحكم على نفع الأشياء أو ضررها، كأداوات السرقة أو ما يُعتبر اليوم أسلحة الدمار الشامل، وقد صدر عن المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي قراراً حول الآلات التي يتم اختراعها، حيث جاء فيه:" إن كل أداة حديثة وصل إليها الإنسان بما علّمه الله، وسخّر له من وسائل؛ إذا كانت تخدم غرضاً شرعياً أو واجباً من واجبات الإسلام، وتحقق فيما لا يتحقق من دونها، تصبح مطلوبة بقدر درجة الأمر الذي تخدمه وتحققه من المطالب الشرعية، وفقاً للقاعدة الأصولية: ما يتوقف عليه الواجب فهو واجب" (٢). ولم تتحدث كتب الفقه الإسلامي القديمة عن حق الاختراع وغيره من الحقوق المعنوية؛ وذلك لأن المؤلفين لم يكونوا على خوف من سرقة منجزاتهم، وكذلك تشجيع الأمراء للعلماء، وبمعنى آخر كان الجو السائد هو احترام العلماء ومكافأتهم على منجزاتهم، كذلك نرى أنه قد جرى العرف على عدم وجود ما يُسمى اليوم بـ (مالية الابتكار) وإنما وجد ما يُعتبر من الأُعطيات والهبات، وهذه تعتبر من باب التبرعات، أما بداية استعمال هذا اللفظ من الناحية القانونية فقد بدأ منذ عام ١٨٨٦م في مؤتمر برن في سويسرا، حيث شاركت ثلاث وسبعون دولة كلها غربية إلا تونس والجزائر والمغرب ولبنان والهند، وقد نتج عن هذا المؤتمر توقيع اتفاقية دولية لحماية المصنفات الأدبية والفنية، وهذا على الصعيد القانوني، أما على سبيل الجهود الفقهية الإسلامية فكانت بذرتها في مجلة عالم الكتب الصادرة في الرياض بالمملكة العربية السعودية التي خصصت العدد الرابع من المجلد الثاني للعام ١٩٨٢م
следующие страницы →