٦٤٠٣ - عائشة: قلت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يومٌ كان أشد من يوم أحدٍ؟.
قال: ((لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت يوم العقبة؛ إذ عرضتٌ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلالٍ، فلم يُجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فوفعت رأسي، وإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريلُ فناداني، فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملك
⦗٥٤١⦘ الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم على، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين قال ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا)). للشيخين (١).
стр. 6617
٦٤٠٤ - عبد الله بن جعفر: لما توفى أبو طالبٍ خرج النبيُّ ﷺ ماشيًا على قدميه إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، فانصرف فأتى ظل شجرةٍ فصلى ركعتين، ثم قال: ((اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريبٍ ملكته أمري، إن لم تكن غضبان على فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك أو تُحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله)). للكبير (١).
стр. 6618
٦٤٠٥ - جابر: كان النبيُّ ﷺ يعرضُ نفسه على الناس بالموقف، فيقول: ((هل من رجلٍ يحملني إلى قومه؟ فإنَّ قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي)) فأتاه رجل فقال ﷺ له: ((من أنت))؟ قال: من همدان قال: ((فهل عند قومك من منعةٍ))؟ قال: نعم، ثم إنَّ الرجل خشى أن يُخفره قومه فقال: آتيهم فأخبرهم، ثم آتيك من قابلٍ قال: ((نعم))، فانطلق وجاء وفد الأنصار في رجب. لأحمد (١).
стр. 6619
٦٤٠٦ - محمود بن لبيد: لما قدم أنس بن نافعٍ مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذٍ، يلتمسون الحلف من قريشٍ على قومهم من الخزرج، سمع بهم النبي ﷺ ، فأتاهم فجلس إليهم، فقال لهم: ((هل لكم إلى خيرٍ مما جئتم إليه))؟ قالوا: وما ذاك؟
قال: ((أنا رسولُ الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل عليَّ كتابًا، ثم ذكر الإسلام، وتلا عليهم القرآن))، فقال إياسُ: أي قومي، هذا والله
⦗٥٤٢⦘ خيرٌ مما جئتم إليه، فأخذ أنس ابن نافع حفنةً من البطحاء فضرب بها وجه إياسٍ، وقام ﷺ عنهم وانصرفوا إلى المدينة فكانت وقعة بعاثٍ فلم يلبث إياس أن هلك، ولم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلمًا، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس. لأحمد والكبير (١).
стр. 6620
٦٤٠٧ - ابن إسحاق: لما أراد الله تعالى إظهار دينه وإعزاز نبيه ﷺ ، خرج ﷺ في الموسم الذي لقى فيه الأنصار، وهم فيما يزعمون ستة فيهم جابر بن عبد الله بن ريابٍ. للكبير (١).
стр. 6621
ذكر العقبة الثانية والثالثة
стр. 6622
٦٤٠٨ - عروة: لما حضر الموسم حجَّ نفرٌ من الأنصار من بني النجار معاذ بن عفراء وأسعد بن زرارة، ومن بني زريقٍ رافعٌ بن مالكٍ وذكوان بن عبد القيس، ومن بني عبد الأشهل أبو الهيثم بن التيهان، ومن بني عمرو بن عوفٍ عويمر بن ساعدة، وأتاهم النبيُّ ﷺ ، وقرأ عليهم القرآن، فلمَّا سمعوهُ اطمأنُّوا إلى دعوته وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب من ذكرهم إياهُ بصفته وما يدعوهم إليه، فصدقوه وآمنوا به، وقالوا له: لقد علمت الذي بين الأوس والخزرج من الدماء، ونحن لله ولك مجتهدون فامكث على اسم الله حتى نخبر قومنا بشأنك، وندعوهم إلى الله ورسوله، ولعل الله يصلح أمرنا، فإننا اليوم متباغضون، فإن تقدم علينا اليوم ولم نصطلح لم تكن لنا جماعةٌ عليك، ونحن نواعدك الموسم من العام القابل، فرضى ﷺ ، ورجعوا إلى قومهم، فأخبروهم ودعوهم سرًا، حتى قلَّ دارٌ من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناسٌ، ثم بعثوا إلى النبيِّ ﷺ أن ابعث لنا من قبلك رجلاً يدعو الناس بكتاب الله فإنه أدنى أن يتبع، فبعث إليهم مصعب بن عميرٍ، فنزل على أسعد بن زرارة، فجعل يدعو الناس
⦗٥٤٣⦘ ويُفشي الإسلام وهم في ذلك مستخفون، ثم إنَّ مصعبًا وأسعد ذات يومٍ مستخفيان في تعليم جماعةٍ أخبر بهم سعدُ بنُ معاذٍ وأتاهم في لأمته ورمحه، فقال: علام تأتينا في دورنا بهذا الفريد الطريح يُسفه ضعفاءنا، لا أراكما بعد هذا في جوارنا، فرجعوا ثم إنهم عادوا الثانية، فاجتمعوا فأخبر بهم سعد فأتاهم فواعدهم وعيدًا دون الأول، فلما رأى أسعد منه لينًا قال: يا ابن خالتي اسمع من قوله، فإن سمعت منكرًا فاردده، وإن سمعت خيرًا فأجبه، فقال: ماذا تقول؟ فقرأ مصعب ﴿حم﴾ ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف:٢] ﴿إِنَّا جعلناه قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فقال سعد: وما اسمع إلا ما اعرف، فهداه الله، ولم يظهر الإسلامُ حتى رجع إلى قومه
فدعا بني عبد الأشهل إلى الإسلام، وأظهر إسلامه فأسلموا، إلا من لا يذكر، فكانت أول دارٍ من دور الأنصار أسلمت بأسرها، ثم إنَّ بني النجار أخرجوا مصعب بن عميرٍ فانتقل إلى سعدٍ، فلم يزل يُهدى على يديه حتى قلَّ دارٌ من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناسٌ، وأسلم أشرافهم وأسلم عمرو بن الجموح، وكسروا أصنامهم، فكان المسلمون أعز أهلها، وصلح أمرهم ورجع مصعب إلى النبي ﷺ وكان يُدعى المقُرئ. للكبير بلين وإرسال (١).
стр. 6623
٦٤٠٩ - كعب بن مالكٍ: ذُكر أنه لما قدم اثنا عشر رجلاً من العقبة وقد أمرهم النبيُّ ﷺ أن يوافوه في القابل، فوافاه سبعون رجلاً. للكبير بلين (١).
стр. 6624
٦٤١٠ - عنه: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا ومعنا البراء بن معرور سيدنا، وقال لنا: إني رأيتُ أن لا أدع الكعبة مني بظهرٍ، وأن أصلي إليها، قلنا لا تفعل، ونبينا ﷺ إنما يصلي إلى الشام، وكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام، وصلى إلى الكعبة،
⦗٥٤٤⦘ حتى قدمنا مكة فذهبتُ معه إلى النبيِّ ﷺ فوجدناه مع العباس فسلمنا عليه، فقال لعمه: أتعرف هذين؟
قال: نعم، هذا البراء بن معرورٍ سيد قومه، وهذا كعب بن مالكٍ، فوالله ما أنسى قوله ﷺ : الشاعرُ؟
قال: نعم، فأخبره البراء بصلاته إلى الكعبة، فقال ﷺ : لقد كنت على قبلةٍ لو صبرت عليها، فرجع البراء إلى قبلة الشام، وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس كذلك، نحن أعلم به منهم.
قال: وخرجنا إلى الحج فواعدنا النبيَّ ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق، وكنا نكتم أمرنا من معنا من المشركين، منهم عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، فأخبرته ودعوته إلى الإسلام فأسلم وشهد معنا العقبة نقيبًا، فبتنا تلك الليلة في رحالنا إلى ثلث الليل، فخرجنا نتسلل مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة سبعون رجلاً وامرأتان، نسيبةُ بنت كعب النجارية
⦗٥٤٥⦘ وأسماء بنت عمرو السلمية، فجاءنا ﷺ ومعه عمهُ العباس وهو يومئذٍ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويوثق، فلما جلسنا كان العباس أول من تكلم فقال: يا معشر الخزرج إن محمدًا منا حيث علمتم، وقد منعناه من قومنا وهو في عز ومنعةٍ في بلده، فقلنا قد سمعنا ما قلت: فتكلم يا رسول الله فخذ لربك ولنفسك ما أحببت، فتكلم فتلا ودعا إلى الله ورغَّب في الإسلام فقال: ((أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم))، فأخذ البراء بن معرور بيده فقال: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحرب.
وقال أبو الهيثم بن التيهان: يا رسول الله إنَّ بيننا وبين الرجال حبالاً أي عهودًا وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك وأظهرك الله أن ترجع وتدعنا؟ فتبسم ﷺ وقال: ((بل الدم الدم، والهدمُ الهدمُ، أنا منكم وأنتم مني أحاربُ من حاربتم وأسالم من سالمتم))، وقد قال ﷺ : ((أخرجوا إلىَّ اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم))، فأخرجوا تسعةً من الخزرج وثلاثةً من الأوس، فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطانُ بأنفذ صوتٍ سمعته: يأهل الجباجب أي المنازل هل لكم في مذمم والصباة معه قد أجمعوا على حربكم فقال ﷺ : ((هذا أزبُّ العقبة ارتفعوا إلى رحالكم))،
⦗٥٤٦⦘ فرجعنا فلما أصبحنا غدت علينا جلةُ قريشٍ فقالوا: يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، والله ما من العرب أحدٌ أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فانبعث مشركو قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيءٌ وما علمناه، وصدقوا لم يعلموا ما كان منا، فقام القوم وفيهم الحارث بن هشام ابن المغيرة وعليه نعلان جديدان فقلت كلمةٌ: كأني أريد أن أشرك القوم بها: أما تستطيع يا أبا جابر وأنت سيدنا أن تتخذ نعلين مثل نعلي هذا الفتى من قريشٍ؟
فسمعها الحارث فخلعهما ورمى بهما إلىَّ، قال: والله لتنتعلنهما. فقال أبو جابر: أحفظت والله الفتى، أردد عليه نعليه فقلت: والله لا أردهما فألٌ والله صالحٌ لئن صدق الفأل لأسلبنه. لأحمد والكبير (١).
стр. 6625
٦٤١١ - وزاد: أنَّ النقيب لبني النجار أسعد بن زرارة، ولبني سلمة البراء بن معرورٍ وعبد الله بن عمرو بن حرام، ولبني ساعدة سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، ولبني زريقٍ رافع بن مالكٍ بن العجلان، ولبني الحارث بن الخزرج عبادة بن الصامت، ولبني عبد الأشهل أسيد بن حضيرٍ، وأبو الهيثم ابن التيهان، ولبني عمرو بن عوفٍ سعد بن خيثمة (١).
стр. 6626
٦٤١٢ - الشعبي: انطلق النبي ﷺ مع العباس إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة قال: ((ليتكلم متكلمكم ولا يُطيلُ فإنَّ عليكم من المشركين عينا)) قال قائلهم وهو أبو أمامة: سل يا محمد لربك ولنفسك ولأصحابك ما شئت قال: ((أسألُ لربي أن
⦗٥٤٧⦘ تعبدوهُ ولا تُشركوا به شيئًا، ولنفسي ولأصحابي أن تأوونا وتنصرونا وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم)) قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: ((لكم الجنة)) قالوا: فلك ذلك. لأحمد (١).
стр. 6627
٦٤١٣ - وللكبير عن عبادة بن الصامت: أنَّ أسعد بن زرارة قال: يا أيها الناسُ هل تدرون ما تبايعون عليه محمدًا ﷺ ؟ إنكم تبايعونه أن تُحاربوا العرب والعجم والجن والإنس، فقالوا: نحن حربٌ لمن حاربه وسلمٌ لمن سالمهُ (١).
стр. 6628
٦٤١٤ - وللكبير عن ابن شهاب: ممن شهد العقبة أوس بن يزيدٍ بن أصرم، وأوس بن ثابتٍ، وأسعد بن زرارة، والبراء بن معرورٍ، وبشير بن سعدٍ، وجابرُ بن عبد الله بن عمرو، وجبارُ بن صخرٍ، والحارث بن قيسٍ بن مالكٍ، وذكوان بن عبد القيس، ورافع بن مالكٍ، وسعد بن عبادة، وسعد بن خيثمة، وسلمة بن سلامة، وظهير بن رافعٍ، وكعبُ بن مالكٍ، وأبو بردة بن نيار (١).
стр. 6629
٦٤١٥ - وزاد عن عروة: منهم ظهير بن الهيثم، وثابت بن أجدع، وزيد ابن لبيدٍ، وسعد بن الربيع، وسهل بن عتيكٍ، وعمرو بن عزمة بن ثعلبة، وعقبة بن عمرو بن ثعلبة، يكنى أبا مسعود (١).
стр. 6630
٦٤١٦ - عمر: قام رسول الله ﷺ بمكة يعرضُ نفسه على قبائل العرب قبيلةً قبيلةً في الموسم ما يجد أحدًا يُجيبه حتى جاء الله بهذا الحي من الأنصار لما ساق لهم من الكرامة فآووه ونصروه، فجزاهم الله عن نبيهم خيرًا، والله ما وفينا لهم كما عاهدناهم إنا قلنا لهم نحن الأمراء وأنتم الوزراء ولئن بقيت إلى رأس الحول لا يبقى لي عاملٌ إلا أنصاري. للبزار بضعف (١).
стр. 6631
هجرته ﷺ إلى المدينة
стр. 6632
٦٤١٧ - عائشة: لم أعقل أبوىَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يومٌ إلا يأتينا فيه رسول ﷺ بكرةً وعشيةً، فلما ابتُلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟
قال: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي فقال: إن مثلك لا يخرج ولا يخرج؛ إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جارٌ فارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف في أشراف قريشٍ فقال لهم: أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟
فأنفذت قريشٌ جواره وقالوا له: مر أبا بكرٍ فليعبد ربه في داره وليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكرٍ فلبث يعبد ربه في داره، ثم بدا له فابتنى مسجدًا بفناء داره وكان يُصلي فيه، فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم (وهم) (١) يعجبون منه، وكان رجلاً بكاءً إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك كفار قريشٍ فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا: إنا كنَّا أجرنا أبا بكرٍ بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا وأعلن فيه، فأته، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى فاسأله أن يرد إليك ذمتك، فأتاه فقال قد علمت الذي عاقدتُ لك عليه، فإما أن تقتصر عليه، وإما
⦗٥٤٩⦘ أن ترد لي ذمتي، فقال أبو بكر: إني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله.
والنبي ﷺ يومئذٍ بمكة، فقال ﷺ للمسلمين: ((إني أريت دار هجرتكم سبخةً ذات نخل بين لابتين)) فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان بالحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له ﷺ : ((على رسلك إني أرجو أن يؤذن لي)) قال أبو بكرٍ: وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟
قال: ((نعم)) فحبس أبو بكرٍ نفسه على النبي ﷺ وعلف راحلتين من ورق السَّمر وهو الخبط أربعة أشهرٍ، فبينا نحن يومًا جلوسٌ في بيت أبي بكرٍ في نحر الظهيرة، قال قائلٌ لأبي بكرٍ: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها، قال أبو بكر: فداءٌ له أبي وأمي، والله ما جاء به هذه الساعة إلا أمرٌ، فجاءنا فاستأذن فأذن له فدخل، فقال لأبي بكرٍ: ((أخرج من عندك))؟
قال أبو بكرٍ: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله قال: ((فإني قد أذن لي في الخروج)) قال أبو بكرٍ: الصحابة يا رسول الله؟
فقال رسول الله ﷺ : ((نعم)) قال أبو بكر: فخذ إحدى راحلتيَّ هاتين، فقال ﷺ ((بالثمن)) فجهزناهما أحب الجهاز ووضعنا لهما سفرةً في جرابٍ، فقطعت أسماء من نطاقها فربطت به فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق.
ثمَّ لحق ﷺ أبو بكرٍ بغارٍ في جبل ثورٍ، فمكثا فيه ثلاث ليالٍ، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكرٍ، وهو غلامٌ شاب ثقف لقنٌ، يدلجُ من عندهما بسحرٍ فيصبح بمكة كبائتٍ، فلا يسمع أمرًا يكادان به إلا أتاهما بخبره حين يختلط الظلامُ، ويرعى عليها عامر بن فهيرة مولى أبي بكرٍ منحةً من غنمٍ فيريحها عليهما حين تذهب ساعةً من العشاء، فيبتان في رسلٍ، فاستأجر النبيُّ ﷺ وأبو بكرٍ رجلاً من بني الديل هاديًا خريتًا، وقد غمس حلفا من آل العاص ابن وائلٍ، وهو على دين قريشٍ، أمَّناه فدفعا إليه
⦗٥٥٠⦘ راحلتيهما وواعداه غار ثورٍ بعد ثلاثٍ، فأتاهما، فارتحلا ومعهما عامرُ بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق الساحل، قال ابن شهابٍ: أخبرني عبد الرحمن بن مالكٍ عن أبيه عن سراقة بن جعشم قال: جاءنا رسلُ قريشٍ يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ ديةً، كلُ واحدٍ منهما لمن قتله أو أسره، فبينا أنا جالسٌ في قومي بني مدلجٍ أقبل رجلٌ منهم فقال: يا سراقة إني رأيت أسودةً بالساحل أراها محمدًا وأصحابه فعرفت أنهم هم، فقلت: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعةً، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي فتحبسها علىَ، فأخذت رمحي فخرجت من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فاستخرجت الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا؟
فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيتُ الأزلام تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفتُ وأبو بكرٍ يُكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررتُ عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمةً إذا لأثر يديها عثانٌ ساطعٌ في السماء مثل الدخان، فاستقسمتُ بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم الأمان، فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم فوقع في نفسي حين حُبست عنهم أن سيظهر أمر النبي ﷺ ، فقلت له: إنَّ قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم بما يريد الناس بهم، فعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني إلا أن قالا: أخف عنَّا ما استطعت، فسألته أن يكتب لي كتاب أمنٍ فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي رقعةً من أدم ومضى ﷺ ، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة أنه ﷺ لقى الزبير في ركبٍ من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسى الزبير النبي ﷺ وأبا بكرٍ ثياب بياضٍ، وسمع المسلمون بالمدينة مخرج النبي ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداةٍ إلى الحرَّة فينتظرونه
⦗٥٥١⦘ حتى يردهم حرُّ الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظارهم، فلما آووا إلى بيوتهم أوفى يهوديٌّ على أطمٍ لأمرٍ يُنظر إليه فبصر بالنبي ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السرابُ، فلم يملك أن قال بأعلى صوته يا معشر العرب هذا جدُّكم الذي تنتظرونه، فثار المسلمون إلى السلاح فلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرَّة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوفٍ، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكرٍ للناس وجلس ﷺ صامتًا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير النبي ﷺ يجيء أبا بكرٍ حتى أصابت الشمس النبي ﷺ ، فأقبل أبو بكرٍ حتى ظل
عليه بردائه فعرفه الناس ﷺ عند ذلك، فلبث في بني عمرو بن عوفٍ بضع عشرةً ليلةً، وأسس المسجد الذي أُسس على التقوى وصلى بهم فيه، ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناسُ حتى بركت عند مسجد الرسول بالمدينة، وهو يُصلى فيه يومئذٍ رجالٌ من المسلمين؛ وكان مربدًا للتمر لسهلٍ وسهيلٍ؛ يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال ﷺ حين بركت راحلته: ((هذا إن شاء الله المنزل)) ثم دعا الغلامين فساومهما بالمربد؛ ليتخذه مسجدًا، فقال: لا بل نهبه لك يا رسول الله، ثم بناه مسجدًا ثم فطفق ينقل معهم اللبن في بنيانه، ويقول وهو ينقلُ:
هذا الحمالُ لا حمالُ خيبر. ... هذا أبر ربنا وأطهر.
اللهم إنَّ الأجر أجر الآخرة. ... فارحم الأنصار والمهاجرة.
فتمثل بشعر رجلٍ من المهاجرين لم يسم لي.
قال ابن شهابٍ: لم يبلغنا أنه ﷺ تمثل بيت شعرٍ تام غير هذه الأبيات. للبخاري (٢).
стр. 6633
٦٤١٨ - البراء بن عازب: جاء أبو بكر إلى أبي في منزله فاشترى منه رحلاً، فقال لعازبٍ: ابعث معي ابنك يحمله، فحملته، وخرج أبي معه ينتقد ثمنه فقال له: يا أبا بكرٍ كيف صنعتما ليلة سريت مع النبي ﷺ ؟
قال: نعم أسرينا ليلتنا حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق، حتى
⦗٥٥٢⦘ رفعت لنا صخرة طويلةٌ لها ظلٌ فنزلنا عندها، فسويت بيديَّ مكانًا ينام فيه ﷺ في ظلها، ثم بسطت عليه فروةً، ثم قلت نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك، فنام وخرجت أنفض ما حوله فإذا أنا براعٍ مقبلٌ بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا فقلت: لمن أنت؟
فقال: لرجلٍ من أهل المدينة، فقلت: أفي غنمك لبنٌ؟
قال: نعم، قلت: أفتحلب لي؟
قال: نعم، فأخذ شاةً، فقلت: انفض الضرع من الشعر والتراب والقذا، فحلب لي في قعبٍ معه كثبةً من لبنٍ، ومعي إداوةً أرتوي فيها النبي ﷺ ليشرب منها ويتوضأ، فأتيت النبي ﷺ فوافقته حين استيقظ، فصببتُ على اللبن من الماء حتى برد أسفله، فقلت: يا رسول الله اشرب من هذا اللبن فشرب وشربت حتى رضيت، ثم قال: ((ألم يأن للرحيل؟)).
قلت: بلى، فارتحلنا بعد مازالت الشمس واتَّبعنا سراقة بن مالك ونحن في جلدٍ من الأرض، فقلتُ يا رسول الله: أتينا، فقال: ((لا تحزن إنَّ الله معنا)) فدعا عليه فارتطمت فرسهُ إلى بطنها، فقال: إني علمتُ أنكما دعوتما علىَّ، فادعوا لي والله، لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا رسول الله ﷺ فنجا فرجع لا يلقى أحدًا إلا قال: كفيتم ما هاهنا، ولا يلقى أحدًا إلا ردّه ووفى لنا (١).
стр. 6634
٦٤١٩ - وفي رواية: قال سراقة: هذه كنانتي فخذ سهمًا منها فإنك ستمر على إبلي وغلماني بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، قال: ((لا حاجة لي)) فقدمنا المدينة ليلاً تنازعوا أيهم ينزل عليه، فقال: ((أنزل على بني النجار أخوال بني عبد المطلب أكرمهم بذلك))، فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمانُ والخدم في الطريق ينادون يا محمد يا رسول الله. للشيخين (١).
стр. 6635
٦٤٢٠ - أبو بكر: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رءوسنا، فقلت: يا رسول الله لو أنَّ أحدهم (نظر) (١) إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال: ((يا أبا بكرٍ ما ظنك باثنين الله ثالثهما)). للشيخين والترمذي (٢).
стр. 6636
٦٤٢١ - أنس: أقبل النبيُّ ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكرٍ، وأبو بكرٍ شيخٌ يعرفُ، ورسولُ الله ﷺ شابٌ لا يُعرف، فيلقى الرجل فيقول: يا أبا بكرٍ من هذا الرجلُ الذي بين يديك؟
فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسبُ الحاسبُ أنه إنما يعني به الطريق، وإنما يعني سبيل الخير، فالتفت أبو بكسر فإذا هو بفارسٍ قد لحقهم فقال: يا رسول الله هذا فارسٌ قد لحقنا، فالتفت ﷺ فقال: ((اللهمَّ أصرعُه)) فصرعته فرسه ثم قامت تحمحم، فقال يا نبي الله مرني بما شئت، قال: ((تقف مكانك لا تترك أحدًا يلحق بنا)) فكان أول النهار جاهدًا على النبي ﷺ ، وآخره مسلحةً له، فتزل ﷺ جانب الحرَّة، ثم بعث إلى الأنصار فجاءوا فسلمُوا عليهما، فقالوا: اركبا آمنين مطاعين، فركبا وحفوا دونهما بالسلاح فقيل في المدينة: جاء نبيُّ الله، جاء نبيُّ الله، وأشرفوا ينظرون، فأقبل يسير حتى نزل دار أبي أيوب. للبخاري مطولاً (١).
стр. 6637
٦٤٢٢ - البراء: أول من قدم علينا من أصحاب النبيِّ ﷺ مصعب بن عميرٍ، وابن أمِّ مكتومٍ فجعلا يقرآن القرآن، ثم جاء عمارٌ وبلالٌ وسعدٌ، ثم جاء عمر في عشرين من الصحابة، ثم قدم النبيُّ ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيءٍ فرحهم به، حتَّى لرأيتُ الولائد والصبيان يقولون هذا رسول الله قد جاء، فما جاء حتَّى قرأت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] في سور مثلها من المفصل (١).
стр. 6638
٦٤٢٣ - أبو عثمان النهدي: سمعت ابن عمر يغضب إذا قيل له: إنه هاجر قبل أبيه، قال: ابن عمر: قدمت أنا وعمر على رسول الله ﷺ المدينة فوجدناه قايلاً، فرجعنا إلى المنزل فأرسلني عمر فقال: اذهب فانظر هل استيقظ؟
فوجدته قد استيقظ فبايعته ثم انطلقت إلى عمر فجئنا نهرول فبايعه ثم بايعته. هما للبخاري (١).
стр. 6639
٦٤٢٤ - جرير رفعه: ((إنَّ الله أوحى إلىَّ، أيُّ هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك؛ المدينة أو البحرين أو قنسرين)). للترمذي (١).
стр. 6640
٦٤٢٥ - أبوة موسى: بلغنا مخرج النبيِّ ﷺ ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهما؛ أبو بدرة وأبو رهم في بضعةٍ وخمسين رجلاً من قومي، فركبنا سفينةً فألقتنا إلى النجاشي، فوافقنا جعفرًا وأصحابه عنده، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لنا وما قسم لأحدٍ غاب عن فتحها إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، وكان ناسٌ يقولون لنا سبقناكم بالهجرة، فدخلت أسماء بنت عميسٍ وهي ممن قدم معنا على حفصة فدخل عمر فقال حين رأى أسماء من هذه؟
قالت: أسماء بنت عميسٍ، قال: الحبشية هذه، البحرية هذه؟
قالت: نعم، فقال: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم فغضبت وقالت: كلَاّ والله، كنتم معه يُطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنَّا في أرض البعداء البغضاء في الحبشة وذلك في الله وفي رسوله، وأيم الله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ ، فلمَّا جاء ﷺ أخبرته فقال: ((ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرةٌ واحدةٌ، ولكم أهل السفينة هجرتان)) قالت:
⦗٥٥٥⦘ فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالاً يسألوني عن هذا الحديث ما من الدنيا شيءٌ همَّ به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم ﷺ . للشيخين (١).
стр. 6641
٦٤٢٦ - ابن عباس: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر من المهاجرين؛ لأنهم هجروا دار المشركين وكان من الأنصار مهاجرون لأنَّ المدينة كانت دار شركٍ، فجاءوا إلى رسول الله ﷺ ليلة العقبة (١).
стр. 6642
٦٤٢٧ - عد الله بن السعدي: قلت: يا رسول الله يزعمون أنَّ الهجرة قد انقطعت، قال: ((لن تنقطع الهجرةُ ما قوتل الكفار)) (١).
стр. 6643
٦٤٢٨ - يعلى بن أمية: أتيتُ النبي ﷺ بأبي أمية يوم الفتح فقلت: بايع أبي على الهجرة فقال: ((أبايعه على الجهاد وقد انقطعت الهجرة)) (١).
٦٤٣٠ - ابن عمرو بن العاص: قال رجلٌ: يا رسول الله أيُّ الهجرة أفضل؟
قال: ((أن تهجر ما كره ربك)) وقال: ((الهجرة هجرتان؛ هجرة الحاضر وهجرة البادي؛ أما البادي فيجيب إذا دعى، ويُطيع إذا أمر، وأما الحاضر فهو أعظمها بليةً وأعظمها أجرًا)). هي للنسائي (١).
стр. 6646
٦٤٣١ - معاوية رفعه: ((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)). لأبي داود (١).
стр. 6647
٦٤٣٢ - سهل بن سعد: ما عدوا من مبعث النبي ﷺ ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة. للبخاري (١).
стр. 6648
٦٤٣٣ - عروة: ومكث النبي ﷺ بعد الحج بقية ذي الحجة والمحرم وصفر، ثم إن المشركين أجمعوا أمرهم ومكرهم حين ظنوا أنه ﷺ خارجٌ، وعلموا أن له بالمدينة مأوى ومنعةً، وبلغهم إسلام الأنصار وأجمعوا على أن يقتلوه أو يسجنوه أو يخرجوه، فأخبره الله بمكرهم وقال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله وَالله خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] وبلغه ﷺ في ذلك اليوم الذي أتى فيه دار أبي بكرٍ أنهم مثبتوه إذا أمسى على فراشه، وخرج من تحت الليل هو وأبو بكرٍ قبل غار ثورٍ، وعمد عليُّ فرقد على فراشه يواري العيون، وبات المشركون يأتمرون أنهم يقتحمون على صاحب الفراش فيوثقونه، فكان ذلك حديثهم حتى أصبحوا، فإذا على يقومُ عن الفراش، فسألوه عن النبي ﷺ فقال: لا علم لي به، فعلموا أنه خرج فركبوا في كل وجهٍ يطلبونه، وبعثوا إلى أهل المياه يجعلون لهم جعلاً عظيمًا، وأتوا ثورًا حتى طلعوا فوق الغار، وسمعا أصواتهم فأشفق أبو بكرٍ، فقال له ﷺ : ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] ودعا ﴿فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]. للكبير مطولاً بلينٍ وإرسال (١).
стр. 6649
٦٤٣٤ - أنس وغيره: قالوا لما كان ليلة بات ﷺ في الغار أمر الله شجرةً فنبتت في وجه الغار، وأمر العنكبوت فنسجت على وجهه، وأمر حمامتين وحشيتين فوقعتا بفم الغار، وأتى المشركون حتى كانوا منه ﷺ قدر أربعين ذراعًا، فنظر رجلٌ منهم فرأى الحمامتين، فقال لأصحابه: رأيت حمامتين على فم الغار فعرفت أن ليس فيه أحدٌ، فسمع ﷺ قوله، فعلم أنَّ الله قد درأ بهما عنه، فسمت عليهما وفرض
⦗٥٥٧⦘ جزاءهما، واتخذا في حرم الله فرخين، فأصل كل حمامٍ في الحرم من فراخهما. للبزار والكبير بخفي (١).
стр. 6650
٦٤٣٥ - جابر: أن أبا بكرٍ وجد في الغار جحرًا فألقمه عقبه حتى أصبح، لئلا يخرج على النبي ﷺ منه شيءٌ، فأقاما في الغار ثلاثًا ثم خرجا، حتى نزلا بخيمات أمِّ معبدٍ فأرسلت إليه بشفرةٍ وشاةٍ فقال ﷺ : ((اردد الشفرة وهات لي فرقًا)) فأرسلت إليه أن لا لبن فيها، قال: ((هات لي فرقًا)) فجاءته بفرقٍ، فضرب ظهرها، فاجترت ودرت، فحلب فملأ القدح فشرب وسقى أبا بكرٍ ثم حلب فبعث به إلى أمِّ معبد. للبزار. بخفي (١).
стр. 6651
٦٤٣٦ - خنيس بن خالد: أنَّ النبي ﷺ ومن معه مروا على خيمتي أمِّ معبدٍ الخزاعية، وكانت امرأةٌ جلدةٌ تسقي وتطعمُ، فسألوها لحمًا وتمرًا ليشتروه منها فلم يصيبوا عندها شيئًا، وكان القوم مرملين مسنتين فنظر ﷺ إلى شاةٍ في الخيمة، فقال: ((ما هذه الشاة يا أم معبدٍ))؟
قالت: خلفها الجهد عن الغنم، قال: ((فهل بها من لبنٍ))؟
قالت: هي أجهد من ذلك، قال: ((أتأذنين أن أحلبها))؟
قالت: بلي بأبي أنت وأمي، فدعا بها فمسح على ضرعها وسمى الله ودعا لها في شاتها، فدرت واجترت، فحلب ثم سقاها وسقى أصحابه حتى رووا وشرب آخرهم، ثم حلب ثانيًا حتى ملأ الإِناء، ثم غادره عندها، ثم بايعها وارتحلوا فقل ما لبثت أن جاء زوجها أبو معبدٍ أعنزًا عجافًا، فلمَّا رأى اللبن عجب، وقال: من أين هذا يا أمَّ معبدٍ ولا حلوبة في البيت؟
قالت: لا والله إلَاّ أنه مر بنا رجلٌ مباركٌ من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي، قالت: رأيتُ رجلاً ظاهرُ الوضاءة، أبلج الوجه، حسنُ الخلق، لم تُعبه ثجلةٌ، ولم تزر به صعلةٌ، وسيمٌ قسيمٌ في عينيه دعجٌ، وفي أشفاره وطفٌ، وفي صوته صحلٌ، وفي عنقه سطعٌ، وفي لحيته كثافةٌ، أزج أقرنُ، إن صمت فعليه الوقارُ، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيدٍ، وأحلاه وأحسنهُ من قريبٍ، حلو المنطق لا هذرٌ ولا نزرٌ، كأن نطقهُ خرزات نظم ربعٍ لا تشنؤه من طولٍ ولا تقتحمه من قصرٍ،
⦗٥٥٨⦘ غصنٌ بين غصنين، فهو أنضر الثلاثةً منظرًا، وأحسنهم قدرًا، له رفقاءُ يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا أمره، محفودٌ محسودٌ لا عابسٌ ولا مفندٌ قال أبو معبد: هو والله صاحبُ قريشٍ الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلنَّ إن وجدت إلى ذلك سبيلاً، وأصبح صوتٌ بمكة، يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو يقول:
جزى الله ربُّ الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى فاهتدت به ... لقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيا لقصى ما زوى الله عنكم به ... من فعالٍ لا تجارى وسؤدد
ليهن بنى كعبٍ مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائلٍ فتحلبت ... عليه صريحًا ضرة الشاة مزبد
فغادرها رهنًا لديها بحالبٍ ... يرددها في مصدرٍ ثم مورد
فلما سمع حسان بن ثابتٍ أنشأ يجيب الهاتف ويقول:
لقد خاب قومٌ زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليهم ويغتدي.
ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قومٍ بنورٍ مجدِّد
هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد.
وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد.
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كلِّ مسجد.
وإن قال في يومٍ مقالة غائب فتصديقها ... في اليوم أو في ضحى الغد.
ليهن أبا بكرٍ سعادة جده. ... بصحبته من يسعد الله يسعد.
للكبير. بخفي (١).
стр. 6652
٦٤٣٧ - قيس بن النعمان: لما انطلق النبي ﷺ وأبو بكرٍ مستخفين نزلا بأبي معبد، فقال: والله إنَّ شاءنا لحوائل فما بقى لنا لبن، فقال ﷺ : ((فما تلك الشاة))؟ فأتى بها
⦗٥٥٩⦘ فدعا بالبركة عليها ثم حلب عسا فسقاه، ثمَّ شربوا، فقال: أنت الذي تزعم قريش أنك صابئ؟ قال: ((إنهم ليقولون)) قال: أشهد أن ما جئت به حق، ثم قال: أتبعك، قال: ((لا، حتى تسمع أنا قد ظهرنا فأتبعه بعد)). للبزار برجال الصحيح (١).
стр. 6653
٦٤٣٨ - أوس بن عبد الله بن حجر الأسلمي: أنه مرَّ به النبي ﷺ مع أبي بكرٍ بحذوات الجحفة فحملهما على فحل إبله وبعث معهما غلامًا له، فقال: لا تفارقهما حتى يقضيا حاجتهما منك ومن جملك، فسلك بهما ثنية الرمحا ثم ثنية الكوبة ثم المرة ثم شعب ذات كشطٍ ثم المدلجة ثم الغابة ثم ثنية المرة ثم المدينة، ثم رد ﷺ الجمل والغلام إلى سيده، وأمره أن يأمر سيده أوسًا أن يسم إبله في أعناقها؛ لأنه كان مغفلاً لا يسم الإِبل. للكبير بخفي (١).
стр. 6654
٦٤٣٩ - صهيبٌ رفعه: ((أريت دار هجرتكم سبخةً بين ظهراني حرةٍ، فإما أن تكون هجرٌ، وإما أن تكون يثرب)) فخرج ﷺ إلى المدينة معه أبو بكر، وهممت أن أخرج معه وصدني فتيانٌ من قريشٍ، ثم خرجت فلحقني منهم ناسٌ يريدون ردي، فقلت لهم: هل لكم أن أعطيكم أواقي من ذهبٍ وحلةً سيراء وتخلون سبيلي؟
ففعلوا فبعثتهم إلى مكة، فقلت: أحفروا تحت أسكفة الباب فإن تحتها الأواقي، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلة. وخرجت حتى قدمت عليه ﷺ ، فلمَّا رآني قال: ((ربح البيع ثلاثًا)) فقلت: يا رسول الله، ما سبقني إليك أحدٌ، وما أخبرك إلا جبريل ﵇. للكبير بخفي (١).