٦٩٦٧ - عمر: وسُئل عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ (ذُرِّيَّتَهُمْ) (١)﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية فقال سُئل عنها ﷺ فقال: ((إنَّ الله تعالى خلق آدم، ثم مسح ظهرهُ بيمينه فاستخرج منهُ ذريةً، فقالُ: خلقتُ هؤلاءِ للجنة
⦗١٣٢⦘ وبعمل أهل الجنة يعملونَ، ثم مسحَ ظهرهُ فاستخرج منهُ ذريةً فقالَ: خلقتُ هؤلاء للنار وبعمل أهلِ النارِ يعملونَ)). فقال رجلٌ: يا رسولَ الله ففيمَ العملُ؟
فقال: ((إنَّ الله إذا خلقَ العبد للجنةِ استعملهُ بعملِ أهلِ الجنةِ حتى يموت على عملٍ من أعمالِ أهلِ الجنةِ، فيدخلهُ به الجنةَ، وإذا خلقَ العبدَ للنارِ استعملهُ بعملِ أهلِ النارِ حتى يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهلِ النارِ، فيدخلهُ به النارَ)). لمالكِ والترمذي وأبي داود (٢).
стр. 7212
٦٩٦٨ - ولابن أحمد عن أُبيّ بن كعبٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية: قال جمعهم فجعلهم أرواحًا، ثمَّ صورهم فاستنطقهم فتكلموا، ثمَّ أخذوا عليهمُ العهد والميثاق ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] قال: فإني أشهدُ عليكمُ السمواتِ السبعَ، وأشهدُ عليكم آباءكم أن تقولوا يوم القيامةِ لم نعلم بهذا، اعلموا أنهُ لا إله غيري، ولا ربَّ غيري، ولا تُشركوا بي شيئًا، إني سأرسلُ إليكم رسلي يذكرونكُم عهدي وميثاقي، وأُنزلُ عليكُم كُتبي، قالوا: شهدنا بأنك ربنا وإلهنا لا ربَّ لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، فأقروا، ورفع عليهم آدمُ ﵇ لينظر إليهم، فرأى الغنىَّ والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال يا ربِ: لولا سويتَ بين عبادك؟
قال: إني أحبُّ أن أشكر، ورأى الأنبياءَ فيهم مثلُ السرجِ عليهم، وخصوا بميثاقٍ آخر في الرسالةِ والنبوة وهو قولهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ - إلى قوله- وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] كان في تلك الأرواحِ فأرسلهُ إلى مريم فحدّث عن أبي أنهُ دخلَ مِن فيها (١).
стр. 7213
٦٩٦٩ - وللترمذي عن أبي هريرةَ رفعهُ: ((لمَّا خلق الله آدمَ مسحَ ظهرهُ فسقطَ من ظهره كلُ نسمةٍ هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامةِ، وجعلَ بينَ عينيّ كلِ إنسانٍ منهم وبيصًا من نورٍ، ثم عرضهُم على آدم، فقال: أي رب
⦗١٣٣⦘ من هؤلاء؟
قال: ذريتك: فرأى رجلاً منهم فأعجبهُ وبيصُ ما بينَ عينيهِ، فقالَ أي رب: من هذا؟
قال: داود، فقال: رب كم جعلت من عمرهِ؟
قالًَ ستينَ سنةً، قالَ رب: زدهُ مِن عمري أربعينَ سنةً، فلمَّا انقضى عمرُ آدم إلا أربعينَ جاءهُ ملكُ الموتِ، فقال آدمُ أو لم يبقَ من عمري أربعينَ سنةً؟
قال: أو لم تعطها ابنك داودَ؟
فجحدَ آدمُ فجحدت ذريتُه، ونسى آدمُ فأكل من الشجرة فنسيت ذريتهُ، وخطئ فخطئت ذريتُه)) (١).
стр. 7214
٦٩٧٠ - سمرةُ بنُ جندبٍ رفعه: ((لمَّا حملت حواءُ طافَ بها إبليسُ، وكان لا يعيشُ لها ولدٌ فقالَ: سميهِ عبد الحارثِ فسمتهُ، فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطانِ وأمره)) (١). للترمذي.
стр. 7215
٦٩٧١ - ابنُ مسعودٍ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ [الأعراف: من الآية١٧٥] قال: هو بلعمُ أو قال: بلعام. للكبير (١).
стр. 7216
٦٩٧٢ - ولهُ عن ابن عمرو بنِ العاصِ: أنها نزلت في أمية بن أبي الصلتِ (١).
стр. 7217
٦٩٧٣ - ابن الزبيرِ ما نزلت: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] إلا في أخلاقِ الناسِ (١).
стр. 7218
٦٩٧٤ - وفي روايةٍ: أمر الله نبيهُ أن يأخذ العفو من أخلاقِ الناسِ. للبخاري وأبي داود (١).
стр. 7219
٦٩٧٥ - ابنُ جبير: قلتُ لابن عباسٍ سورة الأنفالِ؟ قال نزلت في بدرٍ. للشيخين (١).
стр. 7220
٦٩٧٦ - سعد: لمَّا كانَ يومُ بدرٍ جئتُ بسيفٍ، فقلتُ: يا رسولَ الله إنَّ الله قد شفى (قلبي) (١) من المشركينَ أو نحو هذا، هبْ لي هذا السيف،
⦗١٣٤⦘ فقال: ((هذا ليس لي ولا لك))، فقلتُ: عسى أن يُعطى هذا السيفُ من لا يُبلي بلائي، فجاءني الرسولُ: ((وقال إنك سألتني وليس لي، وأنُه قد صار لي، وهو لك))، فنزلت: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَال﴾ الآية [الأنفال: ١]. لمسلم وأبي داود والترمذي (٢).
стр. 7221
٦٩٧٧ - ابنُ عباسٍ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ الله الصُّمُّ الْبُكْم﴾ الآية [الأنفال: ٢٢]، هُم نفرٌ من بني عبدِ الدارِ. للبخاري (١).
٦٩٧٩ - عقبةُ بنُ عامر رفعه: ((﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إنَ القوةَ الرميَ، ثلاثًا)). لمسلم والترمذي وأبي داود (١).
стр. 7224
٦٩٨٠ - ابنُ عباسٍ: لمَّا نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] كُتب عليهم أن لا يفر واحدٌ من عشرةٍ ولا عشرونَ من مائتين، ثم نزلت: ﴿الْآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُم﴾ الآية [الأنفال: ٦٦]، فكتب أن لا يفرَّ مائةٌ من مائتينِ (١).
стр. 7225
٦٩٨١ - وفي روايةٍ: لمَّا نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] شقَّ ذلك على المسلمين فنزلت: ﴿الْآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُم﴾ الآية فلمَّا خفف الله عنهم من العدةِ نقصَ عنهم من الصبرِ بقدرِ ما خفف عنهم. للبخاري وأبي داود (١).
стр. 7226
٦٩٨٢ - عمرُ: لمَّا كانَ يومُ بدرٍ وأخذ ـ يعني النبيَّ ﷺ ـ الفداءَ، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ - إلى قوله- لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨] ثمَّ أحلَّ لهم الغنائمَ (١).
стр. 7227
٦٩٨٣ - ابنُ عباس: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] كان الأعرابي لا يرثُ المهاجر ولا يرثهُ المهاجرُ، فنسخت، فقال: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]. هما لأبي داود (١).
стр. 7228
سورة براءة
стр. 7229
٦٩٨٤ - حذيفةُ: قال التي تسمونها سورة التوبة هي سورةُ العذابِ، وما تقرءونَ منها مما كنا نقرأُ إلا ربُعها. للأوسط (١).
стр. 7230
٦٩٨٥ - ابنُ عباس: قلتُ لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني؟ وإلى براءة وهي من المئينِ، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطرَ بسمِ الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبعِ الطوالِ، ما حملكُم على ذلك؟
قال عثمانُ: كانَ رسولُ الله ﷺ مما يأتي عليه الزمانُ وهو تنزلُ عليه السورُ ذواتُ العددِ، وكان إذا نزل عليه شيءٌ دعا بعض من كان يكتبُ فيقول: ((ضعوا هؤلاء الآيات في السورةِ التي يُذكر فيها كذا وكذا)) فإذا نزلت عليهِ الآياتُ، فيقولُ: ((ضعوا هذه الآية في السورة التي يُذكرُ فيها كذا وكذا))، وكانتِ الأنفالُ من أوائل ما نزلَ بالمدينةِ، وكانت براءةُ من آخرِ القرآنِ نزولاً، وكانت قصتُها شبيهةً بقصتها، فقبض ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجلِ ذلك قرنتُ بينهما، ولم أكتب سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتُها في السبعِ الطوالِ. للترمذي وأبي داود (١).
стр. 7231
٦٩٨٦ - ابنُ جبير: قلتُ لابنِ عباسٍ سورة التوبةِ: قالَ بل هي الفاضحةُ، ما زالت تقولُ: ومنهُم ومنهم، حتى ظنوا أن لا يبقى أحدٌ إلا ذُكرَ فيها، قلتُ سورةُ الأنفالِ: قال: نزلت في بدرٍ، قلتُ: سورةُ الحشرِ: قال: نزلت في بني النضيرِ. للشيخين (١).
стр. 7232
٦٩٨٧ - أبو هريرة: أنَّ أبا بكرٍ بعثهُ في الحجةِ التي أمرهُ رسولُ الله ﷺ قبل حجةِ الوداع في رهطٍ يؤذنون في الناس يومَ النحرِ، أن لا يحج بعد العامِ مشركٌ ولا يطوفُ بالبيت عريانٌ (١).
стр. 7233
٦٩٨٨ - وفي رواية: ثمَّ أردفَ النبيُّ ﷺ بعليّ، فأمرهُ أن يؤذنَ ببراءةَ، فأذن معنا في أهل مني ببراءة، أن لا يحجَ بعد العامِ مشركٌ، ولا يطوفَ بالبيتِ عريانٌ (١).
стр. 7234
٦٩٨٩ - وفي أخرى: ويوم الحجِ الأكبرِ يومُ النحرِ، والحجُ الأكبرُ الحجُ، وإنما قيل الحجُ الأكبرُ منِ أجلِ قولِ الناسِ: العمرة الحجُ الأصغرُ، قال فنبذ أبو بكرٍ إلى الناسِ في ذلك العامِ، فلم يحجَّ في العامِ القابلِ الذي حجَّ فيه النبيُّ ﷺ حجةَ الوداعِ مشركٌ، وأنزلَ الله في العامِ الذي نبذ فيهِ أبو بكرٍ إلى المشركين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس﴾ الآية [التوبة: ٢٨]، وكان المشركون يوافون بالتجارةِ فينتفعُ بها المسلمونُ، فلمَّا حرَّم الله على المشركين أن يقربوا المسجدَ الحرامَ، وجد المسلمون في أنفسهم مما قُطعَ عليهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة: ٢٨] ثمَّ أحلَّ في الآية التي تتبُعها الجزية، ولم تؤخذ قبل ذلك، فجعلها عوضًا مما منعهُم من موافاةِ المشركين بتجاراتهم، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالله وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩]، فلمَّا أحلَّ الله ذلك للمسلمينَ عرفُوا أنهُ قد عاضهُم أفضلَ مما خافُوا، ووجدوا عليهِ مما كان المشركون يوافون به من التجارةِ. للشيخين وأبى داود والنسائي (١).
стр. 7235
٦٩٩٠ - على: وقد سُئلَ بأيِّ شيءٍ بُعثت في الحجةِ؟ قال: ((بعثتُ بأربعٍ: لا يطوفنَ بالبيتِ عريانٌ، ومن كان بينه وبين النبيِّ ﷺ عهدٌ فهو إلى مدتهِ، ومن لم يكُن لهُ عهدٌ فأجلُه أربعة أشهرٍ، ولا يدخل الجنة إلا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يجتمع المشركون والمؤمنون بعد عامهم هذا)). للترمذي (١).
стр. 7236
٦٩٩١ - جابر: أنَّ النبيَّ ﷺ حين رجع من عمرةِ الجعرانةِ بعث أبا بكرٍ على الحجِ فأقبلنا معهُ، حتى إذا كنَّا بالعرجِ ثوب للصبح ثم استوى ليكبرَ، فسمع الرغوةَ خلفَ ظهرهِ، فوقف عن التكبير، فقال: هذه رغوةُ ناقةِ رسولِ الله ﷺ الجدعاءَ، لقد بدا لرسولِ الله ﷺ قفي الحجِ، فلعلهُ يكونُ رسولُ الله ﷺ فنصلي معه، فإذا عليٌّ عليها، فقال لهُ أبو بكرٍ: أميرٌ أم رسولُ؟
قال: لا بل رسولٌ، أرسلني رسولُ الله ﷺ ببراءةَ أقرؤها على الناس في مواقف الحجِ، فقدمنا مكة، فلمَّا كان قبل الترويةِ بيومٍ، قام أبو بكرٍ فخطبَ الناسُ، فحدثهُم عن مناسكهم، حتى إذا فرغ، قام عليٌّ فقرأ على الناسِ براءةَ حتى ختمها، ثمَّ كان يومُ النحرِ، فأفضنا، فلمَّا رجع أبو بكرٍ خطب الناسَ فحدثُهم عن إفاضتهم، وعن نحرهم، وعن مناسكهم، فلمَّا فرغ قام عليٌّ فقرأ على الناسِ براءة، حتى ختمها، فلمَّا كان يومُ النفرِ الأولِ، قام أبو بكرٍ فخطبَ الناسَ، فحدثهُمْ كيف ينفرون، وكيف يرمونَ، يعلمهُم مناسكهم، فلمَّا فرغ قام عليٌّ فقرأ على الناسِ براءة، حتى ختمها. للنسائي (١).
стр. 7237
٦٩٩٢ - حذيفةُ: قال ما بقى من أصحاب هذه الآيةِ، يعني: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] إلا ثلاثةٌ، ولا بقى من المنافقين إلا أربعةٌ، فقال أعرابيّ: إنكم أصحابُ محمدٍ تخبرون أخبارًا لا ندري ما هي، تزعمون أن لا منافق إلا أربعةً، فما بالُ هؤلاء
⦗١٣٨⦘ الذين يبقرون بيوتنا، ويسرقون أعلاقنا؟
قال: أولئك الفُسَّاقُ، أجل لم يبق منهم إلا أربعةٌ، أحدهم شيخٌ كبيرٌ لو شرب الماء البارد لما وجد بردهُ. للبخاري (١).
стр. 7238
٦٩٩٣ - النعمانُ بنُ بشير: كنتُ عند منبر النبيِّ ﷺ ، فقال رجلٌ: ما أبالي أن لا أعملَ عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج وقال آخرُ: ما أبالي أن لا أعملَ عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجدَ الحرامَ، وقال آخرُ: الجهادُ في سبيل الله أفضلُ مما قلتُم، فزجرُهم عمرُ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبرِ رسولِ الله ﷺ وهو يومُ جمعةٍ، ولكن إذا صليتُ الجمعةَ دخلتُ فاستفتيتُهُ فيما اختلفتم فيهِ، فنزل: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِالله﴾ [التوبة: ١٩] إلى آخرها. لمسلم (١).
стр. 7239
٦٩٩٤ - عديُّ بنُ حاتمٍ: أتيتُ النبيَّ ﷺ وفي عنقي صليبٌ من ذهبٍ، فقال يا عديّ: اطرح عنك هذا الوثنَ، وسمعتُهُ يقولُ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله﴾ [التوبة: ٣١] قال: ((إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانُوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلُوهُ، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموهُ)). للترمذي (١).
стр. 7240
٦٩٩٥ - زيدُ بنُ وهبٍ: مررتُ بالربذة فإذا بأبي ذرٍ، فقلتُ لهُ: ما أنزلك منزلك هذا؟
قال: كنتُ بالشامِ فاختلفتُ أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ [التوبة: ٣٤] فقال معاويةُ: نزلتْ في أهلِ الكتابِ، فقلتُ: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك كلامٌ، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلىَّ عثمانُ أن أقدم المدينةَ، فقدمتُها، فكثر علىَّ الناسُ حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرتُ ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيتَ وكنتَ قريبًا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمَّروُا علىَّ حبشيًا لسمعتُ وأطعتُ. للبخاري (١).
стр. 7241
٦٩٩٦ - ابنُ عباسٍ: لمَّا نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] كبر ذلك على المسلمين، فقال عمرُ: أنا أفرجُ عنكم، فانطلق فقال: يا نبي الله إنُه كبر على أًصحابكَ هذه الآيةُ، فقال: ((إنَّ الله لم يفرض الزكاةَ إلَاّ لطيِّب ما بقى من أموالكُم، وإنما فرض المواريث، وذكر كلمةً لتكون لمن بعدكم))، فكبر عمرُ ثمَّ قال لهُ: ((ألا أخبرك بخير ما يكنزُ المرءُ؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرتهُ، وإذا أمرها أطاعتْهُ، وإذا غاب عنها حفظتهُ)). لأبي داود (١).
стр. 7242
٦٩٩٧ - ابنُ عمرو بن العاص: كانت العربُ يحلون عامًا شهرًا وعامًا شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في كلِّ ستةٍ وعشرين سنةً مرةً، وهو النسيءُ الذي ذكرهُ الله تعالى في كتابهِ، فلمَّا كان عامُ حج أبو بكرٍ بالناسِ، وافق ذلك العامُ الحجَ، فسماهُ الله الحجُ الأكبرُ، ثم حجَّ النبيُّ ﷺ من العامِ المقبلِ، فاستقبل الناسُ الأهلةَ، فقال ﷺ : ((إنَّ الزمان قد استدار كهيئتهِ يوم خلق الله السمواتِ والأرض)). للأوسط (١).
قلتُ لعلهُ إلا في كلِّ ستةٍ وثلاثين سنةً، لأن الباعث لهم على الإِنساءِ وهو أن يأتي الحجُّ كلَّ عامٍ في زمن الثمار ليجلبها عليهمُ الحجاج، إنما يقتضي أن يستدير الحجُ في تسع ذي الحجةِ في كلِ ستٍ وثلاثين تقريبًا، فلو أحلُّوا محرمًا في عامٍ ومحرمًا وصفر في الثاني، ومحرمًا فقط في الثالث وحجوا في تاسع الحجة في الأعوامِ الثلاثة، ثم أحلُّوا صفر وربيع في الرابع وصفر فقط في الخامس، وصفر وربيع في السادس، وحجُّوا في تاسعِ المحرم في هذه الثلاثة، وهكذا في بقيتها، فإنَّ عود الحجِ إلى تاسعِ ذي القعدة إنما يكونُ في تلك المدةِ، وبهذه يكونُ للحديث معنى صحيحٌ. والله أعلم.
стр. 7243
٦٩٩٨ - ابنُ عباسٍ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [التوبة: ٤٤]، فنسختها التي في النورِ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ - إلى غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: ٦٢]. لأبي داود (١).
стр. 7244
٦٩٩٩ - أبو مسعودٍ البدريّ لمَّا نزلت آيةُ الصدقةِ كنَّا نُحاملُ على ظهورنا، فجاء رجلٌ فتصدقَ بشيءٍ كثيرٍ، فقالوا مراءٍ، وجاء رجلٌ فتصدق بصاعٍ، فقالوا: إنَّ الله لغنيُّ عن صاعِ هذا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] (١). الآية.
стр. 7245
٧٠٠٠ - ابن عمر: لمَّا تُوفى عبدُ الله- يعني ابن أبي بن سلول- جاء ابنه عبدُ الله إلى النبيِّ ﷺ فسألهُ أن يعطيهُ قميصهُ يكفِّنُ فيهِ أباهُ، فأعطاهُ، ثم سألهُ أن يُصلِّي عليهِ، فقام ليصلي عليهِ، فقام عمرُ فأخذ بثوبه ﷺ ، فقال يا رسول الله: تُصلي عليه وقد نهاك ربك أن تُصلي عليه؟
فقال ﷺ : ((إنما خيرني الله تعالى قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّة﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيد على السبعين)) قال: إنهُ منافقٌ، فصلى عليهِ ﷺ فنزل: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً - إلى فَاسِقُونَ﴾ (١). هما للشيخين والنسائي.
стр. 7246
٧٠٠١ - ولهُ وللبخاري والترمذي عن عمر نحوهُ وفيه: أتصلي على ابن أبيّ وقد قال يوم كذا وكذا؛ كذا وكذا؟
أعدد عليه قولهُ، فتبسم ﷺ ، وقال: ((أخِّر عني يا عمرُ))، فلمَّا أكثرتُ عليهِ، قال: ((أما إنِّي خيرتُ)) بنحوه.
وفيه: فعجبتُ بعدُ من جرأتي على رسولِ الله ﷺ يومئذٍ، والله ورسولهُ أعلمُ (١).
стр. 7247
٧٠٠٢ - ابنُ عباسٍ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ - عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] قام رسول الله ﷺ يوم الجمعةِ خطيبًا، فقال: ((قُم يا فلانُ فاخرج فإنك منافقٌ، اخرج يا فلانُ فإنك منافقٌ، وأخرجهم بأسمائهم ففضحُهم، ولم يكن عمرُ شهد تلك الجمعة لحاجةٍ كانت لهُ، فلقيهم عمرُ وهم يخرجون من المسجدِ فاختبأ منهم استحياءً أنهُ لم يشهد الجمعة، وظنَّ أن الناس قد انصرفوا واختبئُوا هم من عمر، وظنوا أنهُ قد علم بأمرهم، فدخل عمرُ المسجد، فإذ الناسُ لم ينصرفوا، فقال له رجلٌ أبشر يا عمر: فقد فضح الله المنافقين اليوم، فهذا يومُ العذابِ الأولِ، والعذابِ الثاني عذابُ القبرِ)) (١). للأوسط بضعيف.
стр. 7248
٧٠٠٣ - على: سمعتُ رجلاً يستغفرُ لأبويه وهما مشركانِ، فقلتُ لهُ: أتستغفرُ لأبويك وهما مشركان؟
فقال استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشركٌ، فذكرتُ ذلك للنبيِّ ﷺ ، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] (١). للترمذي والنسائي.
стр. 7249
٧٠٠٤ - كعبُ بنُ مالكٍ:
⦗١٤٢⦘ لم أتخلَّفْ عن النبيِّ ﷺ في غزوةٍ غزاها قطُّ، إلا في غزوة تبوكٍ، غير أني قد تخلَّفتُ في غزوة بدرٍ ولم يُعاتب أحدٌ تخلف عنها، إنما خرج يريدُ عير قريشٍ حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعادٍ، ولقد شهدتُ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبُ أنَّ لي بها مشهد بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أذكرُ في الناس منها، وكان من خيري حين تخلفت من غزوة تبوكٍ أني لم أكن قطُّ أقوى ولا أيسر مني حينَ تخلفتُ، والله ما جمعتُ راحلتين قطُّ حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن ﷺ يريدُ غزوةً إلا ورَّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوةُ، فغزاها ﷺ في حرٍ شديدٍ، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، واستقبل عدوًا كثيرًا، فجلى للمسلمين أمرهُم ليتأهبُوا أهبةَ غزوهم، وأخبرهُم بوجههِ الذي يريدُ، والمسلمون معه ﷺ كثيرٌ لا يجمعُهم كتابٌ حافظ، فقلَّ رجلٌ يريدُ أن يتغيب إلا ظنَّ أنَّ ذلك سيخفي ما لم ينزل فيه وحيٌ، وغزا ﷺ تلك الغزوة حين طابتِ الثمارُ والظلالُ، فأنا إليها أصعرُ، فتجهز ﷺ والمسلمون معهُ، وطفقتُ أغدوا لكيّ أتجهز معُهم فأرجع ولم أقض شيئًا، وأقولُ في نفسي أنا قادرٌ على ذلك إذا أردتُ، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمرَ بالناس الجدُّ، فأصبح ﷺ غاديًا ولم أقض من جهازي شيئًا، ثم غدوتُ فرجعت ولم أقضِ شيئًا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعُوا وتفارط الغزو، فهممتُ أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلتُ، ثم لم يُقدَّر ذلك لي، وطفقتُ إذا خرجتُ في الناسٍ بعد خروج النبيِّ ﷺ يحزنني أن لا أرى لي أسوةً إلا رجلاً مغموصًا عليه في النفاقِ، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاءِ، ولم يذكرني النبيُّ ﷺ حتى بلغَ تبوكَ، فقالَ وهو جالسٌ في
القوم بتبوك: ((ما فعلَ كعبُ بنُ مالكٍ)) فقال رجلٌ من بني سلمة: يا رسول الله حبسهُ برداهُ والنظر في عطفيهِ، فقال له معاذُ بنُ جبلٍ:
⦗١٤٣⦘ بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت ﷺ ، فبينا هو على ذلك رأى رجلاً مبيضًا يزول به السرابُ، فقال ﷺ ((كُن أبا خيثمة)) فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدَّق بصاع التمر حين لمزهُ المنافقون، فلمَّا بلغني أنَّ النبيَّ ﷺ قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثِّي، فطفقتُ أتذكرُ الكذب وأقولُ بم أخرجُ من سخطهِ غدًا، وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلمَّا قيل إنَّ النبيَّ ﷺ قد ظلَّ قادمًا، زاحَ عني الباطلَ حتى عرفتُ أنني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعتُ صدقهُ، وأصبحَ ﷺ قادمًا، وكان إذا قدم من سفرٍ بدأ بالمسجدِ فركع فيه ركعتينِ، ثم جلس للناس، فلمَّا فعل ذلك جاءه المخلَّفُون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً، فقبل منهم علانيتهم وبايعهُم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئتُ، فلمَّا سلمتُ تبسَّم تبسُّمَ المغضب، ثم قال: ((تعال)) فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يديهِ، فقال لي: ((ما خلفكَ، ألم تكن قد ابتعتَ ظهرك؟)) قلتُ يا رسول الله: إني والله لو جلستُ عند غيركَ من أهلِ الدنيا لرأيتُ أني سأخرجُ من سخطه بعذرٍ، ولقد أُعطيتُ جدلاً، ولكني والله لقد علمتُ أني لئن حدثتك اليوم حديث كذبٍ ترضى بهِ عني، ليوشكنَّ الله أن يُسخطك علىَّ، ولئن حدثتك حديثَ صدقٍ تجدُ علىَّ فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، والله ما كان لي من عذرٍ، والله ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسر مني حين تخلفتُ عنك، فقال ﷺ : ((أمَّا هذا قد صدقَ، فقم حتى يقضي الله فيكَ))، فقمتُ وثار رجالٌ من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي والله ما علمناك
أذنبتَ ذنبًا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى النبيِّ ﷺ بما اعتذر إليه المخلَّفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفارُ النبيِّ ﷺ لك، فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردتُ أن أرجع إلى النبيِّ ﷺ فأكذِّبَ نفسي، ثم قلتُ لهم: هل لقى هذا معي من أحدٌ؟
قالوا: نعم، لقيهُ معك رجلانِ، قالا: مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قلتُ: من هما؟
قالوا: مرارةُ بن الربيع العامري وهلالُ بن أمية الواقفىُّ، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسوةٌ، فمضيتُ حين ذكروهما لي، ونهى ﷺ المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثةُ من بين من تخلَّف عنهُ، فاجتنبنا الناسُ، أو قال تغيروا لنا، حتى تنكَّرت لي في نفسي الأرضُ فما هي بالأرض التي أعرفُ، فلبثنا
⦗١٤٤⦘ على ذلك خمسين ليلةً، فأمَّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيانِ، وأمَّا أنا فكنتُ أشبَّ القومِ وأجلدَهُمْ، فكنتُ أخرجُ فأشهد الصلاة وأطوفُ في الأسواقِ، فلا يكلمُني أحدٌ، وآتي رسولَ الله ﷺ فأسلمُ عليه وهو في مجلسهِ بعد الصلاةِ فأقولُ في نفسي: هل حرَّك شفتيه بردِّ السلامِ أم لا؟
ثمَّ أصلي قريبًا منهُ وأسارقُهُ النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إلىَّ فإذا التفتُ نحوهُ أعرض عني حتى إذا طالَ علىَّ ذلك من جفوةِ المسلمين، مشيتُ حتى تسورتُ جدار حائطِ أبي قتادةَ، وهو ابنُ عمي، وأحبُّ الناسِ إلىّ، فسلمتُ عليه، فوالله ما ردَّ عليَّ السلامَ، فقلت له يا أبا قتادةَ: أنشدك بالله هل تُعلمني أني أحبُّ الله ورسولهُ؟
فسكتَ، فعدتُ فناشدتُهُ، فسكت، فعدتُ فناشدتُهُ، فقال: الله ورسولهُ أعلمُ، ففاضت عيناي، وتوليتُ حتى تسورتُ الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينةِ إذا نبطىٌّ من نبط أهلِ الشامِ ممن قدمَ بطعامٍ يبيعُهُ بالمدينة، يقولُ: من يدلُّ على كعبِ بنِ مالكٍ؟
فطفق الناسُ يشيرون له إلىَّ حتى جاءني، فدفع إلىَّ كتابا من ملكِ غسانَ، وكنتُ كاتبًا فقرأتُهُ، فإذا فيه أمَّا بعدُ: فإنه قد بلغنا أنَّ صاحبكَ قد جفاك، ولم يجعلك الله بدارِ هوانٍ ولا مضيعةٍ، فالحق بنا نواسك، فقلتُ حين قرأتُها: وهذه أيضًا من البلاء، فتيممتُ بها التنورَ فسجرُتها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحيُ، وإذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني، فقال إنهُ ﷺ يأمركَ أن تعتزل امرأتكَ، فقلتُ: أطلقهَا أم ماذا؟
قال: لا بل اعتزلها فلا تقربها، وأرسل إلى صاحبيَّ بمثلِ ذلك: فقلتُ لامرأتي: الحقي بأهلكِ وكوني عندُهم حتى يقضي الله في هذا الأمرِ، فجاءتِ امرأةُ هلالٍ إلى النبيِّ ﷺ فقالت: إنَّ هلالاً ضائعٌ ليس له خادمٌ، فهل تكره أن أخدمهُ؟
قال: ((لا، ولكن لا يقربنَّك)) فقالت: إنهُ والله ما بهِ حركةٌ إلى شيءٍ، ووالله ما زال يبكي منذُ كان من أمرهِ ما كانَ، إلى يومِهِ هذا، فقال: لي بعضُ أهلي: لو استأذنتُ النبيَّ ﷺ في امرأتكَ، فقد أذن لامرأةِ هلالٍ أن تخدمهُ، فقلتُ: لا أستأذنُ فيها رسول الله ﷺ ، وما يدريني (ما) (١)
يقولُ إذا استأذنتُهُ، وأنا رجلٌ شابٌ، فلبثتُ بذلك عشرَ ليالٍ، فكمل لنا
⦗١٤٥⦘ خمسونَ ليلةً مِن حين نهى عن كلامنا، فلما صليتُ صلاةَ الفجرِ صباحَ خمسينَ ليلةً على ظهرِ بيتٍ من بيوتنا، فبينا أنا جالسٌ على الحالِ التي ذكر الله منا، قد ضاقت علىَّ نفسي، وضاقت علىَّ الأرضُ بما رحُبت، سمعتُ صوت صارخٍ أوفى على سلعٍ، يقولُ بأعلى صوتِهِ: يا كعبَ بن مالكٍ أبشر، فخررتُ ساجدًا، وعلمتُ أنه قد جاء فرجٌ، وآذن رسولُ الله ﷺ الناسَ بتوبةِ الله علينا، حين صلى صلاةَ الفجرِ، فذهب الناسُ يبشروننا، فذهب قبل صاحبيَّ مبشرونَ، وركضَ رجلٌ إلىَّ فرسًا، وسعى ساعِ من أسلم قبلي فأوفىَ على الجبلِ، فكان الصوتُ أسرع من الفرسِ، فلمَّا جاءني الذي سمعتُ صوتهُ يبشرني، نزعتُ له ثوبيَّ فكسوتهما إياهُ ببشارتِهِ، والله ما أملكُ غيرهُما يومئذٍ، واستعرتُ ثوبينِ فلبستُهما وانطلقتُ أتأمم النبيَّ ﷺ يتلقاني الناسُ فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة، ويقولون لتهنك توبةُ الله عليك، حتى دخلنا المسجد، فإذا رسولُ الله ﷺ حولهُ الناسُ، فقام طلحة بن عبيد الله يهرولُ حتى صافحني وهناني، والله ما قام رجلٌ من المهاجرين غيره، فكان كعبٌ لا ينساها لطلحةَ، وقال: فلمَّا سلمتُ على رسولِ الله ﷺ ، قال وهو يبرقُ وجههُ منَ السرور: ((أبشر بخير يومٍ مرَّ عليك منذُ ولدتك أمُّك))، فقلتُ: أمن عندك يا رسول الله أم من عندِ الله؟
فقال: ((بل من عندِ الله))، وكان ﷺ إذا سُرَّ استنارَ وجههُ حتى كأنَّ وجهَهُ قطعة قمرٍ، وكنَّا نعرفُ ذلك، فلمَّا جلستُ بين يديه قلتُ: يا رسول الله إنَّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسولهِ، فقال: ((أمسك بعض مالك فهو خيرٌ لك))، فقلتُ: فإني أمسكُ سهمي الذي بخيبر، وقلتُ: يا رسولَ الله إنما نجاني الله بالصدقِ وإنَّ من توبتي أن لا أحدِّثَ إلا صدقًا ما بقيتُ، فوالله ما علمتُ أحدًا من المسلمين أبلاهُ في صدقِ الحديث منذُ ذكرتُ ذلك للنبيِّ ﷺ أحسن مما أبلاني الله، والله ما تعمدتُ كذبةً منذُ قلتُ ذلك لرسولِ الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقى، فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ
⦗١٤٦⦘ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ - إلى- رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ - إلى - ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٨: ١١٩] والله ما أنعمَ الله علىَّ من نعمةٍ قطُّ بعد إذ هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي في رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبتُهُ فأهلكَ كما هلك الذين كذبوا، إنَّ الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شرَّ ما قال لأحدٍ، فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِالله لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ - إلى - ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥: ٦٩] كُنَّا خلفنا أيُّها الثلاثةُ عن أمر أولئك الذين قبل منهم ﷺ حين حلفوا لهُ، فبايعهُم واستغفر لهم، وأرجأ ﷺ أمرنا حتى قضى فيه الله بذلك، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وليس الذي ذكر مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفهُ إيانا وإرجاؤه أمرنا عمَّن حلف له واعتذر إليه فقبل منهُ (٢).
стр. 7250
٧٠٠٥ - وفي روايةٍ: قال ما من شيءٍ أهمًُّ إلىَّ من أن أموت فلا يُصلي علىَّ النبيُّ ﷺ ، أو يموت رسولُ الله ﷺ فأكون من الناسِ بتلك المنزلةِ لا يُكلمني أحدٌ منهم ولا يُسلِّمُ علىَّ ولا يصلي علىَّ، وأنزل الله توبتنا على نبيه ﷺ حين بقى الثلثُ الآخرُ من الليل، وهو عند أمِّ سلمة، وكانت مُحسنةٌ في شأني، مُعينةٌ بأمري، فقال ﷺ يا أمَّ سلمة: ((تيب على كعبٍ))، قالت: أفلا أرسلُ إليهِ فأبشرهُ؟
قالَ: ((إذًا يحطمكم الناسُ فيمنعونكم النوم سائر الليلِ)) (١).