← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 36496

أحكام الاكتتاب في الشركات المساهمة

حسان السيف

Полный текст (122 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الأول التكييف الفقهي للشركة المساهمة، ولعملية الاكتتاب، والآثار المترتبة على ذلك وفيه مبحثان المبحث الأول: التكييف الفقهي للشركة المساهمة، والآثار المترتبة على ذلك. المبحث الثاني: التكييف الفقهي لعملية الاكتتاب، والآثار المترتبة على ذلك.

стр. 37

المبحث الأول التكييف الفقهي للشركة المساهمة والآثار المترتبة على ذلك تبين لنا في التمهيد أن الشركة المساهمة كما عرفها النظام: شركة ينقسم رأس مالها إلى أسهم متساوية القيمة، وقابلة للتداول، ولا يسأل فيها الشركاء إلا بقدر أسهمهم، ثم إن النظام ينص على أن الشركة المساهمة يديرها مجلس إدارة تعينه الجمعية العامة كما هو نص المادة (٦٦) من النظام، ونصت المادة (٦٨) على أنه: (يجب أن يكون عضو مجلس الإدارة مالكا لعدد من أسهم الشركة لا يقل قيمتها عن عشرة آلاف ريال)، كما جاء في النظام الطرق التي يتم بها مكافأة أعضاء مجلس الإدارة إذ نصت المادة (٧٤) على أنه: (يجوز أن تكون هذه المكافأة راتبا معينا أو بدل حضور جلسات أو مزايا عينية أو نسبة معينة من الأرباح ويجوز الجمع بين اثنين أو أكثر من هذه المزايا). وخلاصة هذا كله تقتضي أن الشركة المساهمة عبارة عن رأس مال يقدمه الشركاء، ويديره بعضهم مقابل جزء زائد من الربح، أو أجر معين نظير عملهم، أو مقابل الاثنين معاً، ولا يسأل فيها الشركاء إلا بقدر أسهمهم. ولما كانت هذه الخصائص مشابهة لخصائص شركة العنان التي يذكرها الفقهاء المتقدمون، فقد خرج بعض العلماء المعاصرين (١) الشركة المساهمة على أنها شركة العنان بناء على التشابه بينهما في بعض الخصائص.

стр. 38

وشركة العنان هي عند الفقهاء: الشركة التي يشترك فيها رجلان بماليهما على أن يعملا فيه بأبدانهما والربح بينهما. قال ابن قدامة (١): وهي جائزة بالإجماع، وإنما اختلف في بعض شروطها (٢). كما أن الحنابلة ذكروا صورة قريبة جداً لصورة الشركة المساهمة وهي كون أحد الشركاء يعمل في الشركة دون الآخر، حيث جاء في الإنصاف: (فإن اشتركا على أن العمل مع أحدهما في المالين صح، ويكون عنانا ومضاربة ... فهذه الشركة تجمع شركة ومضاربة، فمن حيث أن كلا منهما يدفع المال تشبه شركة العنان، ومن حيث إن أحدهما يعمل في مال صاحبه في جزء من الربح هي مضاربة. أ. هـ. وهي شركة عنان على الصحيح من المذهب) (٣). وتكييف الشركة المساهمة على أنها شركة عنان هو ما نصت عليه المادة (١٤) من نظام المحكمة التجارية الصادر عام ١٣٥٠هـ (٤). ويمكن أن يناقش هذا التخريج بأن التشابه في بعض الخصائص بين الشركة المساهمة، وشركة العنان لا يعني كون الشركة المساهمة شركة عنان لعدة أمور: أولا: أن هناك فروقاً أساسية بين شركة المساهمة وشركة العنان

стр. 39

تدل على أن إلحاق الشركة المساهمة بشركة العنان فيه تكلف ظاهر، ومن أهم تلك الفروق المسؤولية المحدودة للشركاء في الشركة المساهمة بينما لم نجد أحداً من الفقهاء قال: بمحدودية المسؤولية في شركة العنان. ثانيا: أن التشابه بين شركتين في بعض الخصائص قائم حتى في تلك الشركات القديمة، فمن المعلوم أن بعض خصائص شركة العنان مشابهة لخصائص شركة المضاربة، كما أن بعض خصائص شركة المضاربة مشابه لخصائص شركة المفاوضة، ولم يجعل الفقهاء هذه الشركات شركة واحدة، ولم ينزلوا بعض أحكامها على بعض. ثالثا: أنه لا يعلم دليل شرعي يربط مشروعية الشركات الحديثة بكونها مشابهة للشركات القديمة المذكورة في كتب الفقهاء، بل القاعدة الشرعية تنص على أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه منها، وأما الشركات التي تناولها الفقهاء المتقدمون في كتبهم، فلا تعدو أن تكون عبارة عن الشركات التي كانت سائدة في تلك الأيام، ومعروفة لديهم آنذاك، ولا يعني ذلك حصرا لأنواع الشركات الجائزة والمشروعة في تلك الشركات التي أوسعوها جانب التحقيق والتأصيل (١). وعلى هذا، فالمنهج السليم في النظر في هذه الشركة هو عرض خصائصها على أدلة الشرع مع استصحاب القاعدة الشرعية المتفق عليها وهي أن الأصل في المعاملات الإباحة بناء على قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولما كانت الشركة المساهمة بهذه الصورة لم تخالف نصا شرعيا ولم تتضمن محذوراً شرعياً مجمعاً عليه، فإن التكييف الفقهي الصحيح لها مماثل لتكييف نظام الشركات السعودي (٢)، لأنها

стр. 40

شركة حديثة لا مانع منها شرعا، وهذا هو فحوى قرار المجمع الفقهي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي بشأن الشركات الحديثة، ومما جاء فيه: * أولا: التعريف بالشركات الحديثة: ١ - شركات الأموال: هي الشركات التي تعتمد في تكوينها وتشكيلها على رؤوس أموال الشركاء، بغض النظر عن الشخصية المستقلة لكل مساهم، وتكون أسهمها قابلة للتداول. وتنقسم إلى: أ- شركة المساهمة: هي الشركة التي يكون رأسمالها مقسما إلى أسهم متساوية قابلة للتداول، ويكون كل شريك فيها مسؤولاً بمقدار حصته في رأس المال ... كما جاء في القرار: * ثانيا: الأصل في الشركات الجواز إذا خلت من المحرمات والموانع الشرعية في نشاطاتها، فإن كان أصل نشاطها حراما كالبنوك الربوية أو الشركات التي تتعامل بالمحرمات كالمتاجرة بالمخدرات والأعراض والخنازير في كل أو بعض معاملاتها، فهي شركات محرمة لا يجوز تملك أسهمها ولا المتاجرة بها. كما يتعين أن تخلو من الغرر والجهالة

стр. 41

المفضية للنزاع، وأي من الأسباب الأخرى التي تؤدي إلى بطلان الشركة، أو فسادها في الشريعة .... ) (١). المطلب الثاني: الآثار المترتبة على ذلك يترتب على مشروعية الشركة المساهمة أن على الشراء فيها الالتزام بالقواعد النظامية المنظمة لأحكامها ما لم تشتمل تلك القواعد على محذور شرعي، ومن ذلك ما جاء في قرار المجمع الآنف ذكره والذي نص على أن الشركة: ( .... يتعين أن تخلو من الغرر والجهالة المفضية للنزاع، وأي من الأسباب الأخرى التي تؤدي إلى بطلان الشركة أو فسادها في الشريعة .... ) (٢). وكذلك من المحذورات الشرعية التي يتعين أن تخلو منها الشركات المساهمة ما جاء في نص القرار أنه: (يحرم على الشركة أن تصدر أسهم تمتع أو أسهم امتياز أو سندات قرض) (٣). ومن الآثار المترتبة على ذلك أيضا أنه (في حالة وقوع خسارة لرأس المال، فإنه يجب أن يتحمل كل شريك حصته من الخسارة بنسبة مساهمته من رأس المال) (٤). ومن الآثار أيضا أن المساهم في الشركة (يملك حصة شائعة من موجوداتها بمقدار ما يملكه من أسهم، وتبقى ملكية الرقبة له إلى أن تنتقل إلى غيره لأي سبب من الأسباب، من تخارج أو غيره) (٥). فكل هذه الآثار ناتجة عن إقرار الشركة المساهمة كما هي عليه في العصر الحديث مع منع كل ما يتعارض مع الشريعة من بعض المعاملات المشتملة عليه، إذ أن ما هو محرم منها ليس من أساسيات الشركة المساهمة ونحن نرى الكثير من الشركات المساهمة القائمة والتي حققت نجاحات كبيرة مع خلوها من تلك المعاملات المحظورة شرعا. * * * * *

стр. 42

المبحث الثاني التكييف الفقهي لعملية الاكتتاب والآثار المترتبة على ذلك المطلب الأول: التكييف الفقهي لعملية الاكتتاب سوف نبين هنا التكييف الشرعي لعملية الاكتتاب التي تمر نظاما بثلاث مراحل: المرحلة الأولى: طرح أسهم الشركة للاكتتاب، وهو ما يسميه النظام بدعوة الجمهور، إذ جاء في المادة (٥٥) من نظام الشركات أن دعوة الجمهور للاكتتاب العام تكون بنشرة تشتمل على أهم البيانات عن الشركة ومنها: ١ - أسماء المؤسسين ومحال إقامتهم ومهنهم وجنسياتهم. ٢ - اسم الشركة وغرضها، ومركزها الرئيسي. ٣ - مقدار رأس المال المدفوع ونوع الأسهم وقيمتها وعددها ومقدار ما طرح منها للاكتتاب العام، وما اكتتب به المؤسسون، والقيود المفروضة على تداول الأسهم. ٤ - المعلومات الخاصة بالحصص العينية والحقوق المقررة لها. ٥ - المزايا الخاصة الممنوحة للمؤسسين أو لغيرهم. ٦ - طريقة توزيع الأرباح. ٧ - بيان تقديري لنفقات تأسيس الشركة. ٨ - تاريخ بدء الاكتتاب ونهايته ومكانه وشروطه.

стр. 43

٩ - طريقة توزيع الأسهم على المكتتبين إذا زاد عدد الأسهم المكتتب بها على العدد المطروح للاكتتاب. المرحلة الثانية: تعبئة المكتتب لطلب الاكتتاب، وهو ما نصت عليه المادة (٥٧) بأن يوقع المكتتب أو من ينوب عنه وثيقة تشتمل بصفة خاصة، على اسم الشركة وغرضها ورأس مالها وشروط الاكتتاب واسم المكتتب وعنوانه ومهنته وجنسيته وعدد الأسهم التي يكتتب بها، وتعهد المكتتب بقبول نظام الشركة كما تقرره الجمعية التأسيسية، ويكون الاكتتاب منجزاً غير معلق على شرط، ويعتبر أي شرط يضعه المكتتب كأن لم يكن. المرحلة الثالثة: تخصيص الشركة لكل مكتتب عدد الأسهم التي طلبها، وقد نصت المادة (٥٩) على أنه إذا جاوز عدد الأسهم المكتتب بها العدد المطروح للاكتتاب، وزعت الأسهم على المكتتبين بنسبة ما اكتتب به كل منهم. وهذه المراحل هي المراحل الأساسية في نظام الاكتتاب، وقد تبين لنا من التكييف النظامي للاكتتاب التأسيسي للشركة المساهمة أنه عقد بين المكتتب والمؤسسين، وعلى هذا فإن التكييف الفقهي الصحيح للاكتتاب التأسيسي للشركة هو أنه عقد مشاركة بين المؤسسين وبين المكتتبين بواسطة مدير الاكتتاب، وأما مراحل الاكتتاب الثلاث فسوف نبين تكييفها الفقهي على النحو الآتي: أما المرحلة الأولى: فهي في الواقع مجرد عرض وبيان لأعراض الشركة ونظامها، وبيان لعدد الأسهم المطروحة وصفتها وقيمتها كما يعرض التجار سلعهم في المتاجر ونحوها، وتعد هذه المرحلة الخطوة الأساسية في كل العقود، لأن العقود لابد فيها من حصول العلم الكافي بحقيقته وتفاصيله قبل إتمام التعاقد. وأما المرحلتان الثانية والثالثة من مراحل الاكتتاب التأسيسي

стр. 44

فتكييفهما الفقهي هو أنهما إيجاب وقبول بين المكتتبين والمؤسسين، وذلك بواسطة الكتابة. وأما الاكتتاب اللاحق لتأسيس الشركة، فقد تبين لنا من تكييفه النظامي أنه عقد بين المكتتبين وبين الشركة بشخصيتها الاعتبارية المستقلة، وعليه فإن التكييف الفقهي للاكتتاب اللاحق لتأسيس الشركة هو أنه عقد بيع بين الشركة والمكتتبين. والتعاقد بالكتابة جائز شرعا بناء على أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة، ولم يأت دليل شرعي يمنع التعاقد بالكتابة، بل دلت الأدلة الشرعية على اعتبار الكتابة في المعاملات المالية كما جاء في آية الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فدلت الآية على اعتبار الكتابة في الدين، وما كان وسيلة لإثبات الحق جاز أن يكون صالحا لانعقاده (١)، كما أن الله أمر بالوفاء بالعقود، ولم يقيد طرق التعاقد بطرق معينة، وما كان كذلك فالمرجع فيه إلى عرف الناس وعادتهم. قال شيخ الإسلام ﵀: (المرجع في العقود إلى عرف الناس وعادتهم، فما عده الناس بيعا فهو بيع، وما عدوه إجارة فهو إجارة، وما عدوه هبة فهو هبة، وهذا أشبه بالكتاب والسنة وأعدل، فإن الأسماء منها ما له حد في اللغة كالشمس والقمر، ومنها ما له حد في الشرع كالصلاة والحج، ومنها ما ليس له حد لا في اللغة ولا في الشرع، بل يرجع إلى العرف كالقبض، ومعلوم أن اسم البيع والإجارة والهبة في هذا الباب لم يحدها الشارع، ولا لها حد في اللغة، بل يتنوع ذلك بحسب عادات الناس وعرفهم، فما عدوه بيعا فهو بيع، وما عدوه هبة فهو هبة، وما عدوه إجارة فهو إجارة) (٢). وقد تعارف الناس في هذا الزمان على التعاقد بالكتابة ولا يسع

стр. 45

الناس في هذا العصر إلا العمل بطريق الكتابة لحفظ الحقوق وتوثيقها خاصة في مثل الاكتتاب في الشركات المساهمة، إذ من الصعب حصول الإيجاب والقبول بين ملايين المكتتبين وبين مدير الاكتتاب بغير طريق الكتابة، وقد أصدر المجمع الفقهي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي قرارا بشأن الاكتتاب في صكوك المقارضة وهو مماثل في حقيقته للاكتتاب في أسهم الشركات المساهمة، ومما جاء في ذلك القرار: (يقوم العقد في صكوك المقارضة على أساس أن شروط التعاقد تحددها (نشرة الإصدار)، وأن (الإيجاب) يعبر عنه (الاكتتاب) في هذه الصكوك، وأن (القبول) تعبر عنه موافقة الجهة المصدرة. ولابد أن تشتمل نشرة الإصدار على جمع البيانات المطلوبة شرعاً في عقد القراض (المضاربة) من حيث بيان معلومية رأس المال وتوزيع الربح مع بيان الشروط الخاصة بذلك الإصدار، على أن تتفق جميع الشروط مع الأحكام الشرعية) (١). المطلب الثاني: حكم الاكتتاب المسألة الأولى: حكم الاكتتاب من حيث الأصل: الاكتتاب كما تبين من تكييفه الفقهي هو عقد مشاركة بالنسبة للاكتتاب التأسيسي، وعقد بيع بالنسبة للاكتتاب اللاحق لتأسيس الشركة، والأصل في العقود والبيوع الحل والإباحة كما قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ما لم يكن المبيع أو الثمن محرما، أو يتم التعاقد بصورة محرمة شرعا، فإذا كان المبيع والثمن مباحين وتم التعاقد بصورة خالية من المحذورات الشرعية فالعقد جائز ومعتبر شرعا، وعلى

стр. 46

هذا فإن الأصل في الاكتتاب الإباحة، وقد تطرأ عليه الأحكام الخمسة وفق ما تكون عليه نشاط الشركة المساهمة، وهو ما سنبينه في المسألة الثانية في هذا المطلب. المسألة الثانية: حكم الاكتتاب بالنظر إلى نشاط الشركة: الحكم على كل شركة مساهمة بعينها يتطلب من الباحث النظر في نشاط الشركة على وجه التفصيل مما نصت عليه في نظامها إن كانت شركة جديدة، أو مما نصت عليه في نظامها وما تمارسه من أعمال في الواقع إن كانت شركة قائمة. والشركات المساهمة تنقسم من حيث موافقة نظامها وأنشطتها للشريعة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: شركات نصت في نظامها على أنها لا تمارس إلا الأعمال المباحة شرعاً، ولا تتعامل بالربا إقراضاً أو اقتراضاً، والتزمت بذلك في الواقع إن كانت شركة قائمة، فالاكتتاب في هذه الشركات مباح شرعا بناء على أن الأصل في البيع الإباحة ولم تتضمن هذه الشركات محذوراً شرعياً، فكان حكمها هو حكم الاكتتاب في الأصل. القسم الثاني: شركات نصت في نظامها على ممارستها للأعمال المحرمة شرعاً أو كانت أغلب أنشطتها في الواقع أنشطة محرمة، مثل البنوك الربوية، ومثل الشركات التي تتاجر في السلع المحرمة كالخمور والملاهي والقمار، فهذه الشركات لا يجوز الاكتتاب فيها مطلقاً لأن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه، ولأن الاكتتاب في هذه الشركات من التعاون على الإثم والعدوان، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته السابعة ما يلي: (لا خلاف في حرمة الإسهام في

стр. 47

شركات غرضها الأساسي محرم، كالتعامل بالربا، أو إنتاج المحرمات، أو المتاجرة بها) (١). القسم الثالث: شركات نصت في نظامها على أنها تمارس أعمالا مباحة شرعا ولم تنص على ممارسة أعمال محرمة شرعا، ولكنها في الواقع تمارس بعض الأعمال المحرمة شرعاً، كأن تقترض بالربا أو تودع بالربا أو تستثمر في استثمارات محرمة لم تنص عليها في نظامها. وقد اختلف أهل العلم في حكم الاكتتاب في هذه الشركات، وقبل أن نستعرض الأقوال يحسن أن نحرر محل النزاع في المسألة فنقول وبالله التوفيق: عامة أهل العلم لا يختلفون في (٢): ١ - أن الاكتتاب في الشركات التي يغلب عليها المتاجرة في استثمارات محرمة محرم ولا يجوز. ٢ - حرمة الكسب المحرم من الشركات المساهمة ولو كان يسيرا، ووجوب إخراجه من نصيب كل سهم والتخلص منه. ٣ - حرمة مباشرة إجراء العقود المحرمة بالشركة وإثم الموظفين المباشرين لها من أعضاء مجلس الإدارة وغيرهم. ٤ - إن الواجب على كل مساهم في الشركات المساهمة أن يبذل ما يستطيع لمنع الشركة من ممارسة الأنشطة المحرمة، وذلك بالتصويت في الجمعية العمومية للمساهمين بمعارضة هذه الأعمال والمطالبة بإيقافها. واختلفوا في حكم الاكتتاب والتداول في الشركات المساهمة التي أنشأت لأغراض مباحة ولكنها تقترض قروضاً محرمة أو تستثمر في أنشطة محرمة على النحو الآتي:

стр. 48

القول الأول: جواز الاكتتاب في هذه الشركات، ويجب على المكتتب إذا استلم أرباحاً من الشركة أن يتحرى مقدار الجزء المحرم من الربح ويتخلص منه دون أن ينتفع به أو يدفع به ضريبة حكومية أو ما شابهها. وهذا هو قول عدد من الهيئات الشرعية في البنوك وجمع من العلماء المعاصرين (١). أدلتهم: استدل أصحاب هذا القول بأدلة متعددة ترجع في مجملها إلى الأدلة التالية: الدليل الأول: قاعدة يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا: وهذه القاعدة دل عليها قول النبي ﷺ : «من باع عبداً له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع» (٢)، فهذا الحديث دل على جواز بيع مال العبد تبعا للعبد دون مراعاة شروط الصرف في البيع، مما يدل على جواز بيع ما يحرم بيعه استقلالا إذا بيع تبعا لما يجوز بيعه (٣). وكذلك دل على هذه القاعدة قوله ﷺ : «من باع نخلاً بعد أن يؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترطها المبتاع» (٤)، ومن المعلوم أن بيع

стр. 49

الثمرة قبل بدو صلاحها محرم، لكن لما كانت تابعة لأصلها اغتفر فيها ما لم يغتفر لو كانت مستقلة بالعقد. (وعلى ضوء ذلك فهذا النوع من الأسهم وإن كان فيه نسبة بسيطة من الحرام لكنها جاءت تبعا، وليست أصلا مقصودا بالتملك والتصرف، فما دامت أغراض الشركة مباحة، وهي أنشئت لأجل مزاولة نشاطات مباحة، غير أنها قد تدفعها السيولة أو نحوها إلى إيداع بعض أموالها في البنوك الربوية، أو الاقتراض منها، فهذا العمل بلا شك عمل محرم يأثم فاعله (مجلس الإدارة) لكنه لا يجعل بقية الأموال والتصرفات المباحة الأخرى محرمة، وهو أيضا عمل تبعي وليس هو الأصل الغالب الذي لأجله أنشئت الشركة) (١). ونوقش هذا الدليل: بأنه قياس مع الفارق، لأن إباحة شراء أسهم شركة تمارس أنشطة محرمة يلزم منه تجويز استمرار ملك الشخص لذلك السهم، وبالتالي استمرار مزاولة الأنشطة المحرمة، وهذا ما لا تدل عليه هذه القاعدة ولا أدلتها المبنية عليها، فإن إباحة تملك مال العبد تبعا له لا يلزم منه إجازة بيع المال بالمال بلا تقابض أو تماثل، وكذلك بيع الثمرة قبل بدو صلاحها تبعا لأصلها لا يلزم منه تجويز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها (٢). الدليل الثاني: الاستدلال بقاعدة: "الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة" (٣): ويدل على هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٨٧]. ومن تطبيقات هذه القاعدة: إباحة بيع العرايا لحاجة عامة الناس للتفكه، فأقيمت الحاجة العامة هنا منزلة الضرورة الخاصة المبيحة للمحرم، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يجوز للحاجة

стр. 50

ما لا يجوز بدونها كما جاز بيع العرايا للتمر" (١). ووجه الاستدلال بهذه القاعدة: "أن حاجة الناس تقتضي الإسهام في هذه الشركات الاستثمارية لاستثمار مدخراتهم فيما لا يستطيعون الاستقلال بالاستثمار فيه، كما أن حاجة الدولة تقتضي توجيه الثروة الشعبية إلى استخدامها فيما يعود على البلاد والعباد بالرفاهية والرخاء، فلو قلنا بمنع بيع الأسهم أو شرائها لأدى ذلك إلى إيقاع أفراد المجتمع في حرج وضيق حينما يجدون أنفسهم عاجزين عن استثمار ما بأيديهم من مدخرات" (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا يسلم بوجود الحاجة للاستثمار في هذه الأسهم لا بالنسبة للشركات ولا للأفراد، أما الشركات فلا حاجة تجعلها تقترض أو تودع بالربا، فإن الشريعة فيها من صور التمويل والاستثمار المباحة ما يغني عن المعاملات المحرمة، "لاسيما بعد أن استنبط علماء الفقه، والاقتصاد من مسائل الفقه معاملات تسهل على الناس التعامل مع المصارف بحيث يستفيد منها أرباب المشاريع بإقامة مشروعاتهم، وتستفيد منها المصارف بالربح الذي تطمح إلى تحقيقه مثل المضاربة، والشركات الخالية من الربا بأنواعها المتعددة، ومثل السلم والمرابحة" (٣). كما أنه لا يسلم أن منع الناس من بيع هذه الأسهم وشرائها يوقعهم في الحرج والضيق، لأن مجالات الاستثمار المباحة متعددة ومتنوعة، ولا تعد هذه الشركات إلا جزءاً يسيراً من مجالات الاستثمار المختلفة، "ولو فرضنا أن الاستثمار في الأسهم يحقق حاجة ومصلحة

стр. 51

للبلد فما القول في الاستثمار في الأسهم العالمية؟ والتي أصبحت تضارع في نفوذها وسيطرتها سوق الأسهم المحلية" (١). الدليل الثالث: قياس ملكية الأسهم في الشركات المختلطة على ملكية الرقيق بجامع أن المسؤولية في كل منهما محدودة بمقدار القيمة الكلية (٢): وقد ذكر الفقهاء أنه: "لا ينبغي الإذن لغير المأمون ومتعاطي الربا، فإن فعل وكان يعمل بالربا تصدق السيد بالربح، وإن جهل ما يدخل عليه من الفساد في البيع استحب التصدق بالربح لعدم اليقين بالفساد" (٣). "فمالك السهم إذا عرف ما يدخل على الشركة من الفساد تصدق به وإذا لم يعلم استحب له أن يتصدق بالربح الناتج من أعمال الشركة، وذلك إنما هو على سبيل الاستحباب ولا وجه حينئذ للقول بتحريم الاستثمار في هذه الشركات، وإلا لكان حراما على المسلم أن يمتلك عبدا يعمل بالربا" (٤). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس مع الفارق، لأن انتقال ملكية العبد لمالك جديد لا يقتضي انتقال ملكية ما يستثمره لما كان تحت المالك الأول، بل الدليل يقتضي خلافه كما هو نص حديث ابن عمر: «من باع عبداً وله مال فماله للذي باعه» (٥)، بخلاف شراء أسهم الشركات المساهمة فإنه يقتضي انتقال كل ما للسهم وما عليه من حقوق والتزامات ومنها الاستثمارات والقروض وغيرها. القول الثاني: تحريم الاكتتاب في الشركات المساهمة التي أنشئت لأغراض مباحة ولكنها تقترض قروضا محرمة أو تستثمر في أنشطة محرمة.

стр. 52

واختار هذا القول اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ومجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي (١). أدلتهم: استدل أصحاب هذا القول بعدد من الأدلة منها: الدليل الأول: عموم الأدلة الشرعية المحرمة للربا ومنها: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وحديث جابر ﵁: «أن النبي ﷺ لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء» رواه مسلم (٢). والاكتتاب أو المساهمة في الشركة التي تقترض أو تستثمر في الربا هو ممارسة للربا، سواء كان المكتتب مباشراً لذلك أو كانت تلك الممارسة وكالة عند بماله، ولا يصح عقلاً أن يقال إن المساهم في الشركة بريء من تلك الممارسات إذا كان عالماً بها لأنه ليس مكرهاً على وضع أمواله فيها، ولا تبرأ ذمة المسلم من العمل المحرم إلا إذا كان جاهلاً أو مكرهاً على ذلك العمل. ونوقش هذا الاستدلال: بأن القول بإجازة المساهمة في مثل هذه الشركات لا يلزم منه أكل الربا بل يجب على المساهم التخلص من النسبة المحرمة وصرفها في وجوه البر. وأجيب عن هذا الاستدلال من وجهين: ١ - إن المساهم وإن كان لا يأكل الربا فهو يؤكله لمن تقترض منه الشركة بفائدة، وبهذا يشمله لعن الرسول ﷺ (٣).

стр. 53

٢ - إن الجزء المحرم لا يكون في الأرباح فقط بل يتسرب لرأس المال، وذلك لأن نظام الشركات يلزم الشركات المساهمة بتجنيب جزء من الأرباح كل عام ليكون احتياطيا للشركة، فإذا تجاوز هذا الاحتياطي ـ المشتمل على شيء من الربح المحرم ـ نصف رأس المال جاز للشركة (١) أن تتصرف بما زاد عن نصف رأس المال منه بزيادة رأس مالها عبر ضم هذا الاحتياطي لرأس المال، كما أن للشركة أن تغطي بهذا الاحتياطي الخسائر التي تمس برأس مالها وبذلك تصبح العوائد المحرمة جزءاً لا يتجزأ من رأس مال الشركة المساهمة ويتعذر التخلص منها. الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]: والمساهمة في هذه الشركات هو من قبيل المعاونة على أكل الحرام وتأكيله، وهذا من أعظم الإثم. الدليل الثالث: إن منع الناس من الاكتتاب أو الإسهام في هذه الشركات فيه مصلحة عظيمة، إذ أنه يجعل هذه الشركات تكف عن هذه الممارسات المحرمة، لأن الشركات المساهمة لا تقوم على رؤوس أموال عامة الناس ولا تستغني عنها، وبالتالي فإنها سوف تسلك السبل المشروعة للاقتراض أو الاستثمار إما اختياراً أو اضطراراً. وفي المقابل فإن إباحة ذلك يترتب عليه تشجيع تلك الشركات على الاستمرار والتمادي في هذه الأعمال المحرمة شرعا، والشريعة جاءت بسد الذرائع المفضية إلى المحرم، وإباحة المساهمة في هذه الشركات يعارض هذا المبدأ بل يناقضه.

стр. 54

الترجيح: لاشك أن هذه المسألة من أكثر المسائل التي دار حولها الجدل والخلاف بين الفقهاء لما فيها من الإشكالات المتعددة. والمتأمل لهذا الخلاف يجد أن الحكم بحرمة تلك الاستثمارات للشركة المختلطة متفق عليه بين الفريقين، بيد أن الخلاف واقع في حكم الاشتراك في الشركة لمن لا يرضى هذه الممارسات المحرمة فيها ويتخلص من الربح المحرم فيها، وكلا القولين له حظ كبير من النظر والاستدلال المعتبر، ولكن يزداد الإشكال حين نعلم أن الشركات التي اتفق على إباحة الإسهام فيها وهي الشركات التي لا تقترض ولا تودع بالربا لا تكاد تخلو من استثمارات محرمة، إما بالإجماع كممارسة الربا مباشرة وغيره من المعاملات المحرمة والتي قد لا تبينها الشركة في قوائمها المالية، وكذلك قد تكون لديها ممارسات أو استثمارات يعتبرها القائلون بحرمة الشركات المختلطة ممارسات محرمة، ومن أبرز تلك الممارسات المضاربة في شركات أخرى تقترض أو تودع بالربا (١)، فالقول بحرمة المساهمة في الشركات المختلطة يلزم منه القول بحرمة المساهمة في الشركات التي تسمى بالنقية لأن تلك الشركات تستثمر جزءا من أموالها في الشركات المختلطة، ولهذا فإنه لابد من قول وسط يجمع شتات المسألة، وهو القول بأن الاكتتاب في الشركات المختلطة يجوز للحاجة إذا كانت نسبة الاستثمارات المحرمة في الشركة قليلة جداً ومغمورة بالنسبة للاستثمارات المباحة فيها، مع وجوب بذل الوسع في التخلص من النسبة المحرمة من الربح، وعدم الرضى بتلك الممارسات، والسعي الحثيث لإيقافها. وتقييد حكم الإباحة بالحاجة وضح المراد بها ونص عليها بعض

стр. 55

العلماء، ومنهم الشيخ عبد الله بن منيع إذ يقول حفظه الله: "إن الحاجة المبررة لتداول هذه الأسهم لا تعتبر ما دامت مجرد دعوى حتى تثبت، فمتى استطاع الفرد أن يجد مجال استثمار لا شبهة في كسبه، وكان عنصر المخاطرة في هذا المجال ضعيفا، فيجب على هذا الفرد أن يستبرئ لدينه وعرضه وأن يكتفي بما هو حلال محض عما فيه الاشتباه والارتياب، فرسول الله ﷺ يقول: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل مالك حمى إلا وإن حمى الله محارمه (١)» (٢). * * * * *

стр. 56

الفصل الثاني إدارة وتسويق عملية الاكتتاب وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول: مسؤوليات مدير الاكتتاب. المبحث الثاني: التكييف الفقهي للعلاقة بين الشركة المساهمة، ومدير الاكتتاب. المبحث الثالث: ضمان الإصدار.

стр. 57

المبحث الأول مسؤوليات مدير الاكتتاب مدير الاكتتاب له وظيفة هامة عند الاكتتاب في الشركات المساهمة، وذلك أن الشركة المساهمة حينما تريد أن تطرح أسهما للاكتتاب فإن الأنظمة لا تسمح لها بأن تطرحها مباشرة للناس، بل لابد أن يكون ذلك بواسطة ما يسمى بمدير الاكتتاب. ومن أهم المهام التي يقوم بها مدير الاكتتاب: ١ - تقديم المشورة لجهة الإصدار بشأن حجم الإصدار، ومدى مناسبته وتوقيته. ٢ - إدارة الاكتتاب، وما يترتب على ذلك من إتمام جميع الإجراءات الإدارية والقانونية. ٣ - تسويق الأسهم للجمهور عبر الوسائل التسويقية المتاحة (١).

стр. 58

المبحث الثاني التكييف الفقهي للعلاقة بين الشركة المساهمة ومدير الاكتتاب المطلب الأول: إدارة الاكتتاب وعلاقتها بعقد الوساطة المالية (السمسرة) ذكرنا في المبحث السابق أن من المهام الرئيسية لمدير الاكتتاب تسويق الأسهم للجمهور عبر الوسائل التسويقية المتاحة، وهذا التسويق يتم بإحدى طريقتين: الأولى: أن يقتصر عمل مدير الاكتتاب على تسويق الاكتتاب للمستثمرين والوساطة بين الشركة والمكتتبين حتى إتمام إجراءات الاكتتاب، وذلك من غير تعهد بتغطية الاكتتاب فيما لو لم يحصل الاكتتاب بالأسهم المطروحة أو بحد أدنى منها، ويتم تقدير أجرة مدير الاكتتاب في هذه الحالة إما بمدة عمله في إدارة الاكتتاب بغض النظر عن مقدار العمل، أو يكون تقدير الأجرة بمقدار العمل الذي يقوم به مدير الاكتتاب. الثانية: أن يكون التسويق مصحوباً بتعهد من مدير الاكتتاب بتغطية كامل الكمية المطروحة، أو حد أدنى منها وهو ما يسمى بـ: (ضمان الإصدار)، وله صور متعددة منها: أن يلتزم المدير بشراء ما يتبقى من الأسهم بعد انتهاء الاكتتاب مقابل مبلغ محدد عوضاً عن هذا الالتزام، ومن صوره أن يقوم مدير الاكتتاب بشراء الأسهم من الشركة بسعر أقل من قيمة بيعها على المكتتبين، حيث يمثل الفرق ثمن مصروفات مدير

стр. 59

الاكتتاب بالإضافة إلى ربحه (١). ومن هنا تتبين العلاقة الوثيقة بين إدارة الاكتتاب وعقد الوساطة المالية (السمسرة)، فمدير الاكتتاب يقوم بمهمة الوسيط بين الشركة والمكتتبين سواء ضمن مدير الاكتتاب بيع كل الأسهم المطروحة أم لم يضمن بيعها، فهو في كلتا الحالتين يعد سمساراً للشركة. المطلب الثاني: أنواع الوساطة المالية في الاكتتاب وهي نوعان النوع الأول: الوساطة المقدرة بالزمن: وذلك بأن يتم الاتفاق بين الشركة ومدير الاكتتاب على طرح أسهم الشركة للاكتتاب، وتسويقها في مدة معينة على أن يستحق مدير الاكتتاب أجره المسمى بانقضاء المدة المحددة لعمله في إدارة الاكتتاب بغض النظر عما تم تسويقه من الأسهم المطروحة. وهذه الوساطة المقدرة بالزمن جائزة باتفاق الفقهاء لأنها من قبيل الإجارة على عمل مباح قد حدد له مدة معينة وأجرة معلومة، والإجارة جائزة بإجماع أهل العلم (٢). النوع الثاني: الوساطة المقدرة بالعمل: وذلك بأن يتم الاتفاق بين الشركة المساهمة ومدير الاكتتاب على تفاصيل العمل الذي سيقوم به مدير الاكتتاب ويستحق المدير أجره بإتمامه للعمل المتفق عليه. وقد اختلف الفقهاء في حكم تقدير أجرة الوسيط بالعمل على قولين:

стр. 60

القول الأول: جواز ذلك، سواء كان العمل قليلاً أو كثيراً. وهو قول بعض الحنفية والمالكية في المشهور عندهم والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: ما رواه ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بنصف ما يخرج منها على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم (٢). الدليل الثاني: أن الرسول ﷺ وأبا بكر استأجرا عبد الله بن أريقط هاديا خريتا، وهو الماهر بالهداية، ليدلهما على طريق المدينة (٣). وجه الاستدلال من الدليلين: أنه ﷺ جعل أجرتهم في مقابل عمل معلوم، فدل ذلك على جواز تقدير أجرة الوسيط بالعمل بجامع الإجارة في الكل. الدليل الثالث: أنه يجوز عقد الإجارة مقدرًا بزمن، فجاز مقدراً بعمل كالخياطة (٤). القول الثاني: تحريم ذلك سواء كان العمل قليلاً أم كثيراً. وهو المذهب المعتمد عند الحنفية (٥). واستدلوا بما يلي: إن تقديره بالعمل فيه غرر وجهالة، فالبيع قد يتم بكلمة واحدة، وقد لا يتم بعشر كلمات، ثم إن الوسيط لا يستطيع القيام بالعمل بنفسه إلا إن ساعده البائع، فاختل شرط من شروط صحة الإجارة وهي أن تكون على عمل معلوم أو إلى أجل معلوم (٦).

стр. 61

ونوقش استدلالهم: بأن الغرر هنا مغتفر لحاجة الناس للتقدير بالعمل، لأن من شروط تحريم الغرر عدم حاجة الناس له، ولذا نقل ابن عابدين (١) عن بعض الحنفية ممن قال بالجواز تعليلهم كون الغرر مغتفرا هنا بحاجة الناس له. قال ﵀: (سئل محمد بن سلمة (٢) عن أجرة السمسار، فقال: أرجو أنه لا بأس به، وإن كان في الأصل فاسداً، لكثرة التعامل به، وكثير من هذا غير جائز فجوزوه لحاجة الناس إليه كدخول الحمام) (٣). الترجيح: القول الذي يترجح هو القول بجواز تقدير الأجرة بالعمل لقول أدلته وسلامتها من المناقشة. وعلى هذا فإنه يجوز للشركة المساهمة أن تتعاقد مع مدير الاكتتاب على قيام المدير بعمل معين ويستحق مدير الاكتتاب أجرته عند إنجازه لذلك العمل. * * * * *

стр. 62

المبحث الثالث ضمان الإصدار المطلب الأول: بيان المراد بضمان الإصدار ضمان الإصدار هو أحد الاحتياطات التي تلجأ لها بعض الشركات المساهمة عند طرح أسهمها للاكتتاب، وذلك لتضمن بيع جميع الأسهم المطروحة أو حد أدنى منها، وقد عرف مجمع الفقه الإسلامي في القرار رقم ٦٥/ ١/٧ ضمان الإصدار بأنه: (الاتفاق عند تأسيس شركة مع أن يلتزم بضمان جميع الإصدار من الأسهم أو جزء من ذلك الإصدار) (١). وعند التأمل في الواقع العملي نجد أن ضمان الإصدار له صور متعددة منها: ١ - أن يلتزم مدير الاكتتاب بشراء ما يتبقى من الأسهم المطروحة بعد اكتتاب عامة الناس فيها بقيمتها الاسمية بدون مقابل على هذا الضمان. ٢ - أن يلتزم مدير الاكتتاب بشراء ما يتبقى من الأسهم المطروحة بعد اكتتاب عامة الناس فيها بقيمتها الاسمية مقابل مبلغ مقطوع على هذا الالتزام. ٣ - أن يلتزم مدير الاكتتاب بشراء ما يتبقى من الأسهم المطروحة بعد اكتتاب عامة الناس بأقل من قيمتها الاسمية. ٤ - أن يشتري مدير الاكتتاب من الشركة المساهمة جميع الأسهم

стр. 63

المطروحة للاكتتاب قبل طرحها للاكتتاب بسعر أقل من السعر المحدد لبيعها على المكتتبين ويمثل الفارق بين القيمتين المصروفات الإدارية للأعمال التي قام بها مدير الاكتتاب إضافة إلى ربحه من شرائه للأسهم ثم بيعها على المكتتبين. ولما كان لضمان الإصدار أكثر من صورة اختلفت الآراء في التخريج المناسب له بناء على الاختلاف في تصوير ضمان الإصدار. المطلب الثاني: التخريجات الشرعية لضمان الإصدار الفرع الأول: تخريجه على عقد الضمان: تخريج ضمان الإصدار على عقد الضمان هو ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي في قراره رقم ٦٥/ ١/٧، حيث جاء فيه: إن "ضمان الإصدار: هو الاتفاق عند تأسيس شركة مع من يلتزم بضمان جميع الإصدار من الأسهم أو جزء من ذلك الإصدار. وهو تعهد من الملتزم بالاكتتاب في كل ما تبقى مما لم يكتتب فيه غيره، وهذا لا مانع منه شرعا إذا كان تعهد الملتزم بالقيمة الاسمية بدون مقابل لقاء التعهد، ويجوز أن يحصل الملتزم على مقابل عن عمل يؤديه ـ غير الضمان ـ مثل إعداد الدراسات أو تسويق الأسهم" (١). المسألة الأولى: مستند هذا التخريج: إن تعهد الملتزم بالاكتتاب فيما يتبقى من الأسهم فيه معنى الضمان، إذ أن مدير الاكتتاب يضمن للشركة المساهمة بيع أسهمها، وذلك يتم إما باكتتاب المستثمرين في كل الأسهم المطروحة، أو اكتتاب المستثمرين في بعضها وشراء مدير الاكتتاب لما يتبقى من الأسهم بعد الاكتتاب.

стр. 64

المسألة الثانية: ما يترتب على هذا التخريج: رتب القائلون بهذا التخريج على ذلك حرمة أخذ مدير الاكتتاب أجرا مقابل هذا التعهد، وأن يكون شراؤه للأسهم المتبقية بالقيمة الاسمية دون مقابل، لأن أخذ الأجر على الضمان محرم، وقد علل المجمع حرمة أخذ الأجر على الضمان بأنه يشبه القرض الذي جر نفعا على المقرض، وذلك ممنوع شرعاً (١)، فمنع القائلون بهذا التخريج أخذ الأجر على هذا الضمان، وكذلك منعوا شراء مدير الاكتتاب للأسهم المتبقية بأقل من قيمتها الاسمية، وأجازوا الصورة الأولى من صور ضمان الإصدار المتمثلة في التزام مدير الاكتتاب بشراء ما يتبقى من الأسهم المطروحة بعد اكتتاب عامة الناس فيها بقيمتها الاسمية بدون مقابل على هذا الضمان، كما أجازوا لمدير الاكتتاب أخذ أجرة على قيامه بإعداد الدراسات وتسويق الأسهم وغير ذلك من الأعمال الأخرى. المسألة الثالثة: مناقشة هذا التخريج: يمكن أن يناقش هذا التخريج من وجوه: الوجه الأول: عدم التسليم بأن هذا التعهد من قبيل الضمان فليس كل تعهد يعد ضمانا ًبالمعنى الذي يذكره الفقهاء، فالفقهاء يذكرون الضمان ويريدون به: ضم ذمة الضامن إلى المضمون عنه في التزام الحق، فيثبت في ذمتهما جميعا (٢). وتعهد مدير الاكتتاب في هذه الصورة ليس فيه ضم لذمته إلى ذمة أخرى، بل هو مجرد تعهد بشراء الأسهم المطروحة للاكتتاب أو شراء جزء منها.

стр. 65

الوجه الثاني: التسليم بتسمية هذا التعهد من قبيل الضمان تجوزا، ومع ذلك فالمعنى الذي من أجله حرم أخذ أجر على الضمان ليس متحققا في صورة ضمان الإصدار، وهو كونه يشبه القرض الذي جر نفعا على المقرض، إذ أن ضمان الإصدار لا قرض فيه ولا مقرض، بل هو مجرد ضمان من مدير الاكتتاب للشركة المساهمة بشراء ما يتبقى من أسهمها بعد الاكتتاب، والأجر الذي يأخذه مدير الاكتتاب هو مقابل هذا التعهد. الفرع الثاني: تخريجه على بيع الوضيعة: بيع الوضيعة: بيع بمثل الثمن الأول، مع نقصان شيء معلوم منه، وهو جائز باتفاق الفقهاء من حيث الجملة (١). المسألة الأولى: مستند هذا التخريج: إن الشركة المساهمة تبيع الأسهم المتبقية على مدير الاكتتاب بالقيمة الاسمية لتلك الأوراق ناقصاً نسبة محددة، ويمثل الفرق بين القيمة الاسمية وسعر البيع على مدير الاكتتاب الربح المتحقق لمدير الاكتتاب. المسألة الثانية: ما يترتب على هذا التخريج: يترتب على هذا التخريج جواز شراء مدير الاكتتاب لأسهم الشركة المصدرة بأقل من قيمتها الاسمية، لأن هذا الفارق يمثل ربح مدير الاكتتاب من هذه العملية، وهو ربح مباح لأنه ناتج عن عملية بيع وشراء حقيقية. المسألة الثالثة: مناقشة التخريج: نوقش هذا التخريج من وجهين: الوجه الأول: إن مدير الاكتتاب لا يتملك الأسهم الحقيقية، يدل على ذلك أن الشركة المصدرة للأسهم تشترك على مدير الاكتتاب أن يبيع

стр. 66

السهم بالقيمة الاسمية، وليس له الزيادة على ذلك، ولو كان مالكا للأسهم لما كان لها أن تقيده بذلك. ويمكن أن يجاب على هذا: بعدم التسليم بذلك، بل إن هذا البيع حقيقي يتملك فيه مدير الاكتتاب الأسهم حقيقة، وأما شرط الشركة المساهمة هنا، فهو شرط صحيح لأنه شرط مباح لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، وفيه مصلحة للبائع والمبيع. الوجه الثاني: إن في العقد غررا، ووجه ذلك: أن النسبة المتبقية بعد تصريف الأسهم والتي التزم مدير الاكتتاب بشرائها، غير معلومة، فقد يكون المتبقي مليون سهم، أو ألف سهم، أو لا يتبقى شيء. ويمكن أن يجاب على هذا: بأن هذا الاعتراض مبني على خلاف الفقهاء في حكم ما لو باعه بعضا من الصبرة ـ دون تسمية ذلك البعض ـ كل قفيز بدرهم. وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: التحريم: وهذا هو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والظاهرية والمعتمد عند الحنابلة (١). واستدلوا: بأن الثمن مجهول حالة العقد، فالعقد فيه غرر. ونوقش استدلالهم: بأن الجهالة هنا ليست مفضية للمنازعة، لأن الثمن معلوم وهو قدر ما يقابل كل جزء من المبيع، والغرر منتف في الحال لأن القفيز قدر معلوم، وثمن ما يقابل هذا القدر معلوم، فانتفى الغرر ههنا، لأن الجهالة كما تنتفي بالعلم بثمن السلعة بالجملة فهي تنتفي بالعلم بثمن السلعة بالتفرقة.

стр. 67

القول الثاني: جواز هذه البيع: وهو قول عند المالكية، والحنابلة (١). واستدلوا: بالقياس على ما لو آجره الدار كل شهر بدرهم مع عدم العلم بمدة الاستئجار، وكذا ما لو آجره كل دلو بتمرة كما روى علي ﵁ أنه استقى لرجل من اليهود كل دلو بتمرة، وجاء به إلى النبي ﷺ فأكل منه (٢). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول بجواز هذا البيع لقوة ما استدلوا به وسلامته من المناقشة. وعلى هذا نقول إن الجهالة في مقدار الأسهم التي ستؤول إلى ملكية مدير الاكتتاب غير مؤثرة، لأن العلم بسعر السهم الواحد كاف في نفي الجهالة كما هو القول الراجح في المسألة السابقة. الترجيح في حكم ضمان الإصدار: يرى الباحث أنه لا يمكن تخريج ضمان الإصدار تخريجاً واحداً يشمل جميع صوره، وذلك لاختلاف صور ضمان الإصدار وإن اتحدت في المسمى. وعلى هذا يمكن أن يقال: إن ضمان الإصدار إن كان التزاماً مجردا من قبل مدير الاكتتاب للشركة المساهمة بشراء ما يتبقى من الأسهم بعد الاكتتاب بأقل من قيمتها الاسمية بدون عوض على هذا الالتزام كان ذلك بيع وضيعة بين الشركة المساهمة ومدير الاكتتاب، وهو مماثل لبيع بعض الصبرة كل قفيز منها بدرهم، وهو بيع جائز شرعاً على الصحيح من قولي الفقهاء.

стр. 68

وإن كان ضمان الإصدار تمثل في تسويق مدير الاكتتاب للأسهم المطروحة والتزامه بشراء ما يتبقى من الأسهم بعد التسويق بقيمتها الاسمية فإنه جائز شرعاً إن كان ذلك الالتزام بدون عوض مقابل لهذا الالتزام لأنه مماثل لبيع بعض الصبرة كل قفيز منها بدرهم، فإن كان ذلك الالتزام مقابل عوض محدد فهو محرم شرعاً لأن فيه غرراً ظاهراً. وإن كان ضمان الإصدار تمثل في شراء مدير الاكتتاب لجميع الأسهم قبل طرحها للاكتتاب بأقل من قيمتها الاسمية ثم قام بتسويقها لحسابه بالقيمة الاسمية، كان ذلك العقد بيع وضيعة محض لا مدخل للوساطة فيه. * * * * *

стр. 69

الفصل الثالث الاكتتاب باسم شخص آخر وفيه تمهيد، وأربعة مباحث المبحث الأول: استعمال المكتتب لاسم غيره في الاكتتاب. المبحث الثاني: الاكتتاب باسم الزوجة والأولاد. المبحث الثالث: اكتتاب الولي بأسماء القُصَّر الذين تحت ولايته. المبحث الرابع: التوكيل في الاكتتاب.

стр. 70

تمهيد تكييف حق الاكتتاب حق الاكتتاب من الحقوق التي استجدت في عصرنا الحاضر، وقد ازداد اهتمام الناس به بسبب ارتفاع القيمة السوقية للأسهم بشكل عام مقارنة بقيمتها عند طرحها للاكتتاب، مما جعل كثيرا من الناس يحاول الحصول على أكبر قدر ممكن من الأسهم عبر الاكتتاب بأكبر عدد ممكن من أسماء الذين يحق لهم الاكتتاب، ولكون ذلك مرتبطاً بعدد الأسماء المكتتب بها، نشأت سوق سوداء لبيع وشراء حق الاكتتاب بالأسماء. ولما أصبح هذا الحق بهذه المثابة كان لزاماً البحث في التكييف الفقهي لهذا الحق لأنه ينبني عليه معرفة مدى شرعية تداول هذا الحق واستعماله، سواء كان ذلك بعوض أو بغير عوض. وبالنظر في تقسيم الحق عند الفقهاء نجد أشمل تقسيم للحق عندهم هو تقسيمه إلى خمسة أقسام: ١ - حق الملك: كحق السيد في ملك مال عبده المكاتب. ٢ - حق التملك: كحق الأب في تملك مال ولده. ٣ - حق الانتفاع: كحق الجار في وضع خشبة على جدار جاره إذا لم يضر به. ٤ - حق الاختصاص: كحق الاختصاص بمكان في مسجد أو في سوق ونحو ذلك فيكون السابق إلى ذلك المكان أحق به من غيره.

стр. 71

٥ - حق التعلق لاستيفاء الحق: كحق المرتهن بالرهن، فتكون جميع أجزاء الرهن محبوسة بكل جزء من الدَّيْن حتى يستوفى جميعه (١). ومن الفقهاء من فرق بين تمليك الانتفاع وتمليك المنفعة، "فتمليك الانتفاع نريد به: أن يباشر هو بنفسه فقط، وتمليك المنفعة هو أعم وأشمل، فيباشر بنفسه، ويمكن غيره من الانتفاع بعوض، كالإجارة، وبغير عوض كالعارية" (٢). ومما سبق يتبين أن الأصل في حق الانتفاع أنه يكون الانتفاع به لمن أبيح له، لكن إذا علم أن المملك لهذا الحق يبيح لمن ملكه إياه بذله لغيره بعوض أو بغير عوض جاز للمنتفع به ذلك، "فهذا الحق قد يكون مطلقاً عن القيود، وقد يكون مقيداً، والإطلاق والتقييد فيه يرجع إلى السبب الذي أثبت هذا الحق، فإذا كان السبب مقيداً اقتصر استيفاء الحق على صاحبه، وإن كان غير مقيد فلا يقتصر عليه بل له أن يستوفيه بنفسه وله أن يملكه لغيره" (٣). وعلى هذا يقال إن حق الاكتتاب هو حق انتفاع، وقد ملكته الدولة للناس بشروط وقيود معينة تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، والواجب الالتزام بتلك القيود والضوابط المنظمة لطريقة الانتفاع بهذا الحق. * * * * *

стр. 72

المبحث الأول استعمال المكتتب لاسم غيره في الاكتتاب المطلب الأول: استعمال الاسم بعوض استعمال الاسم بعوض يكون بأن يتيح صاحب الاسم لشخص آخر أن يكتتب باسمه مقابل مبلغ مقطوع. وقد اختلف العلماء المعاصرون في حكم هذه المعاملة على قولين: القول الأول: جواز هذه المعاملة. واستدل أصحاب هذا القول بأن هذه المعاملة بيع، والأصل في البيع أنه مباح إذا سلم من المحظورات الشرعية، وهذا البيع ليس فيه محظور شرعي. القول الثاني: أن هذه المعاملة محرمة شرعاً. وقد أفتى بهذا اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية (١) وعدد من العلماء المعاصرين (٢). واستدل أصحاب هذا القول بأن هذه المعاملة اشتملت على عدة محظورات شرعية منها:

стр. 73

١ - أن المشتري يأخذ بالاسم أكثر مما يستحقه من الأسهم ويضيق بذلك على المساهمين الآخرين. ٢ - أن في ذلك مخالفة للأنظمة التي وضعت لتحقيق العدالة وتوزيع الأسهم على أكبر عدد ممكن من عامة الناس، وهذا يوافق مقصدًا من مقاصد الشريعة التي تحث على جعل المال دُولة بين الناس وتنهى عن جعل المال دُولة بين الأغنياء، ومن ذلك ما ذكره من الحكمة في جعل الفيء لأصناف من المحتاجين والمعوزين، وعلل ذلك بقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]. ٣ - أن هذا العمل مظنة الخلاف والخصومة بين المتبايعين. الراجح: الراجح هو القول الثاني لقوة ما استدلوا به، ولأن اشتمال هذه المعاملة على ما ذكروه من المحرمات يسقط ما تمسك به أصحاب القول الأول من أن الأصل في البيع الحل والإباحة، خاصة أن في بيع هذا الحق غررًا ظاهرًا مما يفتح باب النزاعات والخصومات. المطلب الثاني: استعمال الاسم بغير عوض صورة هذه المسألة أن يتيح شخص لآخر أن يكتتب باسمه مجاناً بلا مقابل. وقد اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على قولين: القول الأول: الجواز (١): واستدلوا بدليلين: الدليل الأول: إن اكتتاب الشخص باسمه حق له يجوز أن يبذله لمن شاء، ما

стр. 74

دامت الجهة التي أعطته هذا الحق لم تمنعه من بذله لغيره بلا عوض. الدليل الثاني: القياس على جواز إهداء الشخص أسهمه بلا عوض لشخص آخر بعد الاكتتاب، فكما أنه يجوز له إهداء تلك الأسهم لغيره بعد الاكتتاب يجوز له بذل منفعة الاكتتاب باسمه لغيره قبل الاكتتاب. القول الثاني: التحريم (١): واستدلوا: بأن ذلك يترتب عليه إضرار ببقية المساهمين، والقاعدة الشرعية أنه لا ضرر ولا ضرار. الترجيح: الراجح هو القول الأول لقوة ما استدلوا به بشرط أن لا يكون ذلك ممنوعا نظاما، وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني من أن في ذلك إضرارا ببقية المساهمين، فيمكن أن يناقش بأن هذا إضرار بحق لأن الاكتتاب بالاسم حق لصاحب الاسم وبذله لغيره بلا مقابل جائز ما دامت أنظمة الدولة لا تمنع ذلك. المطلب الثالث: استعمال الاسم على سبيل المشاركة في الربح وصورة هذه المسألة أن يتفق صاحب الاسم مع شخص آخر على أن يتشاركا في دفع مبلغ الاكتتاب، ومن ثَمَّ يتشاركا في اقتسام أرباح الأسهم. وهذه الصورة جائزة شرعا إذا اشتملت على الضوابط الآتية: ١ - أن يكون تقسيم الربح بينهما على سبيل الشيوع، كأن يكون لكل واحد منهم نصف الربح أو يكون لأحدهما ثلث الربح وللآخر الثلثان.

стр. 75

٢ - أن لا يكون تقسيم الربح صورياً، كأن يكون لصاحب الاسم ٥ % والباقي لشريكه. وإنما كان القول بجواز هذه الصورة لسلامتها من المحظورات التي تترتب على بيع الاسم مقابل مبلغ مقطوع، لأن المشاركة تتحقق فيها مصلحة لصاحب الاسم ولمن يشاركه، كما أن نظام الشركات ينص على جواز اشتراك أكثر من شخص في ملكية سهم واحد على أن يسجل باسم أحدهما. وقد أفتى بجواز هذه الصورة عدد من العلماء المعاصرين (١). * * * * *
следующие страницы →