٥ - حق التعلق لاستيفاء الحق: كحق المرتهن بالرهن، فتكون جميع أجزاء الرهن محبوسة بكل جزء من الدَّيْن حتى يستوفى جميعه (١).
ومن الفقهاء من فرق بين تمليك الانتفاع وتمليك المنفعة، "فتمليك الانتفاع نريد به: أن يباشر هو بنفسه فقط، وتمليك المنفعة هو أعم وأشمل، فيباشر بنفسه، ويمكن غيره من الانتفاع بعوض، كالإجارة، وبغير عوض كالعارية" (٢).
ومما سبق يتبين أن الأصل في حق الانتفاع أنه يكون الانتفاع به لمن أبيح له، لكن إذا علم أن المملك لهذا الحق يبيح لمن ملكه إياه بذله لغيره بعوض أو بغير عوض جاز للمنتفع به ذلك، "فهذا الحق قد يكون مطلقاً عن القيود، وقد يكون مقيداً، والإطلاق والتقييد فيه يرجع إلى السبب الذي أثبت هذا الحق، فإذا كان السبب مقيداً اقتصر استيفاء الحق على صاحبه، وإن كان غير مقيد فلا يقتصر عليه بل له أن يستوفيه بنفسه وله أن يملكه لغيره" (٣).
وعلى هذا يقال إن حق الاكتتاب هو حق انتفاع، وقد ملكته الدولة للناس بشروط وقيود معينة تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، والواجب الالتزام بتلك القيود والضوابط المنظمة لطريقة الانتفاع بهذا الحق.
* * * * *
стр. 72
المبحث الأول
استعمال المكتتب لاسم غيره في الاكتتاب
المطلب الأول: استعمال الاسم بعوض
استعمال الاسم بعوض يكون بأن يتيح صاحب الاسم لشخص آخر أن يكتتب باسمه مقابل مبلغ مقطوع.
وقد اختلف العلماء المعاصرون في حكم هذه المعاملة على قولين:
القول الأول: جواز هذه المعاملة.
واستدل أصحاب هذا القول بأن هذه المعاملة بيع، والأصل في البيع أنه مباح إذا سلم من المحظورات الشرعية، وهذا البيع ليس فيه محظور شرعي.
القول الثاني: أن هذه المعاملة محرمة شرعاً.
وقد أفتى بهذا اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية (١) وعدد من العلماء المعاصرين (٢).
واستدل أصحاب هذا القول بأن هذه المعاملة اشتملت على عدة محظورات شرعية منها:
стр. 73
١ - أن المشتري يأخذ بالاسم أكثر مما يستحقه من الأسهم ويضيق بذلك على المساهمين الآخرين.
٢ - أن في ذلك مخالفة للأنظمة التي وضعت لتحقيق العدالة وتوزيع الأسهم على أكبر عدد ممكن من عامة الناس، وهذا يوافق مقصدًا من مقاصد الشريعة التي تحث على جعل المال دُولة بين الناس وتنهى عن جعل المال دُولة بين الأغنياء، ومن ذلك ما ذكره من الحكمة في جعل الفيء لأصناف من المحتاجين والمعوزين، وعلل ذلك بقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧].
٣ - أن هذا العمل مظنة الخلاف والخصومة بين المتبايعين.
الراجح:
الراجح هو القول الثاني لقوة ما استدلوا به، ولأن اشتمال هذه المعاملة على ما ذكروه من المحرمات يسقط ما تمسك به أصحاب القول الأول من أن الأصل في البيع الحل والإباحة، خاصة أن في بيع هذا الحق غررًا ظاهرًا مما يفتح باب النزاعات والخصومات.
المطلب الثاني: استعمال الاسم بغير عوض
صورة هذه المسألة أن يتيح شخص لآخر أن يكتتب باسمه مجاناً بلا مقابل.
وقد اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: الجواز (١):
واستدلوا بدليلين:
الدليل الأول:
إن اكتتاب الشخص باسمه حق له يجوز أن يبذله لمن شاء، ما
стр. 74
دامت الجهة التي أعطته هذا الحق لم تمنعه من بذله لغيره بلا عوض.
الدليل الثاني:
القياس على جواز إهداء الشخص أسهمه بلا عوض لشخص آخر بعد الاكتتاب، فكما أنه يجوز له إهداء تلك الأسهم لغيره بعد الاكتتاب يجوز له بذل منفعة الاكتتاب باسمه لغيره قبل الاكتتاب.
القول الثاني: التحريم (١):
واستدلوا: بأن ذلك يترتب عليه إضرار ببقية المساهمين، والقاعدة الشرعية أنه لا ضرر ولا ضرار.
الترجيح:
الراجح هو القول الأول لقوة ما استدلوا به بشرط أن لا يكون ذلك ممنوعا نظاما، وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني من أن في ذلك إضرارا ببقية المساهمين، فيمكن أن يناقش بأن هذا إضرار بحق لأن الاكتتاب بالاسم حق لصاحب الاسم وبذله لغيره بلا مقابل جائز ما دامت أنظمة الدولة لا تمنع ذلك.
المطلب الثالث: استعمال الاسم على سبيل المشاركة في الربح
وصورة هذه المسألة أن يتفق صاحب الاسم مع شخص آخر على أن يتشاركا في دفع مبلغ الاكتتاب، ومن ثَمَّ يتشاركا في اقتسام أرباح الأسهم.
وهذه الصورة جائزة شرعا إذا اشتملت على الضوابط الآتية:
١ - أن يكون تقسيم الربح بينهما على سبيل الشيوع، كأن يكون لكل واحد منهم نصف الربح أو يكون لأحدهما ثلث الربح وللآخر الثلثان.
стр. 75
٢ - أن لا يكون تقسيم الربح صورياً، كأن يكون لصاحب الاسم ٥ % والباقي لشريكه.
وإنما كان القول بجواز هذه الصورة لسلامتها من المحظورات التي تترتب على بيع الاسم مقابل مبلغ مقطوع، لأن المشاركة تتحقق فيها مصلحة لصاحب الاسم ولمن يشاركه، كما أن نظام الشركات ينص على جواز اشتراك أكثر من شخص في ملكية سهم واحد على أن يسجل باسم أحدهما.
وقد أفتى بجواز هذه الصورة عدد من العلماء المعاصرين (١).
* * * * *
стр. 76
المبحث الثاني
الاكتتاب باسم الزوجة والأولاد
المطلب الأول: الاكتتاب باسم الزوجة
وصورة هذه المسألة: أن يكتتب الزوج باسم زوجته بغير عوض.
وحكم هذا مبني على تكييف حق الاكتتاب، وقد تبين لنا أنه حق انتفاع، والزوجة تملك هذا الحق ولا سلطان للزوج عليها فيه إلا برضاها قياسا على حرمة أخذ الزوج شيئا من مال الزوجة إلا برضاها.
قال الشوكاني (١) ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩]. قال ﵀: الخطاب للأزواج، أي لا يحل للأزواج أن يأخذوا مما دفعوه إلى نسائهم من المهر شيئا على وجه المضارة لهن، وتنكير (شيئا) للتحقير، أي شيئا نزرا فضلا عن الكثير، وخص ما دفعوه إليهن بعدم حل الأخذ منه مع كونه لا يحل للأزواج أن يأخذوا شيئاً من أموالهن التي يملكنها من غير المهر لكون ذلك هو الذي تتعلق به نفس الزوج، وتتطلع لأخذه دون ما عداه مما هو في ملكها، على أنه إذا كان أخذ ما دفعه إليها لا يحل له كان ما عداه ممنوعا منه بالأولى ... قال ابن عباس ﵁: كان الرجل يأكل من مال
стр. 77
امرأته الذي نحلها وغيره لا يرى أن عليه جناحا، فأنزل الله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾، فلم يصح لهم بعد هذه الآية أخذ شيء من أموالهن إلا بحقها) (١).
وعلى هذا فإن الزوج يحرم عليه الاكتتاب باسم زوجته إلا برضاها سواء كان ذلك بغير عوض أو بالمشاركة، لأن حق الزوجة في الاكتتاب هو في حكم الأجنبي بالنسبة للزوج.
كما أن مما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام هو أنه لا يجوز الاكتفاء بسكوت الزوجة في ذلك بل لابد أن يكون بذلها هذا الحق لزوجها عن طيب نفس منها كما قال تعالى في شأن المهر: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
قال الشوكاني ﵀: (في قوله: ﴿طِبْنَ﴾ دليل على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم، إنما هو طيبة النفس، لا مجرد ما يصدر منها من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس ... وما أقوى دلالة هذه آية على عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المقيدة للتمليك بمجردها لنقصان عقولهن وضعف إدراكهن، وسرعة انخداعهن، وانجذابهن إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب أو ترهيب) (٢).
المطلب الثاني: الاكتتاب باسم الأولاد
والمراد به اكتتاب الوالد بأسماء أولاده بغير عوض، وقد قررنا فيما سبق أن حق الاكتتاب هو من حقوق الانتفاع، وأنه حق متقوَّم بمال، وعلى هذا فإن هذه المسألة مبنية على مسألة أخرى وهي حكم أخذ الوالد شيئا من مال ولده.
стр. 78
وقد اختلف أهل العلم في حكم أخذ الوالد شيئاً من مال ولده على قولين:
القول الأول: أن الأب ليس له أن يأخذ من مال ولده إلا بقدر حاجته.
وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية (١).
واستدلوا بقول النبي ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» رواه البخاري (٢).
وجه الاستدلال: أن هذا الحديث عام في تحريم أموال الناس من الأولاد وغيرهم، وعلى هذا فمال الولد محرم على والده إلا بطيب نفس منه.
القول الثاني: جواز أخذ الوالد من مال ولده ما شاء سواءً كان الوالد محتاجاً لما يأخذه أو غير محتاج له، صغيراً كان الولد أم كبيراً.
وهو قول الحنابلة، واشترطوا للجواز ثلاثة شروط:
١ - أن لا يجحف بالابن ولا يضر به، ولا يأخذ شيئاً مما تعلقت به حاجته.
٢ - أن لا يأخذ من مال ولد فيعطيه ولداً آخر، وذلك لأنه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه، فلأن يمنع من تخصيصه بما أخذ من مال ولده الآخر أولى.
٣ - أن لا يكون الأخذ في مرض موت أحدهما المخوف (٣).
واستدلوا بما روته عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن
стр. 79
أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» رواه الترمذي (١)، ولأن الله تعالى جعل الولد موهوباً لأبيه فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤].
وجه الاستدلال: إن الله جعل الأولاد هبة لآبائهم، وما كان موهوبا للرجل كان له أخذ ماله، كما أن السيد له أن يأخذ من مال عبده ما شاء.
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الثاني، وذلك لصحة ما استدلوا به وسلامته من المناقشة، وأما دليل أصحاب القول الأول فهو عام يخصصه دليل أصحاب القول الثاني.
وعلى هذا نقول إن الوالد له أن يكتتب بأسماء أولاده إذا كان الابن مستغن عن الربح المتوقع من الاكتتاب، على أن لا يبذل الأب ذلك لابن آخر، وأن لا يكون في مرض أحدهما المخوف.
* * * * *
стр. 80
المبحث الثالث
اكتتاب الولي بأسماء القصر الذين تحت ولايته
الولي على الأيتام القصر كلفه الله برعاية أموالهم وتصريفها فيما يعود عليهم بالمصلحة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
قال الشوكاني ﵀: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ هي ما فيه صلاحه وحفظه وتنميته، فيشمل كل وجه من الوجوه التي فيها نفع لليتيم وزيادة في ماله، وقيل: المراد ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: التجارة (١)، فهذا يدل على أن الولي لا يجوز له التصرف بمال اليتيم إلا بالأحظ لماله، فالواجب التصرف بأسماء القصر بالأحظ لهم، فإن كان الأحظ لهم أن يكتتب بأسمائهم مشاركة معهم وذلك لعدم قدرتهم على دفع المبلغ المحدد للاكتتاب جاز له ذلك، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
قال الشيخ ابن سعدي ﵀: (أخبرهم تعالى أن المقصود إصلاح أموال اليتامى بحفظها وصيانتها والاتجار فيها .... وفي هذه الآية دليل على جواز أنواع المخالطات في المآكل والمشارب والعقود وغيرها) (٢).
أما إن كان الأحظ لهم أن يكتتبوا بأسمائهم بلا مشاركة مع غيرهم وكانوا يملكون المال الكافي لذلك، فلا يجوز للولي مشاركتهم ولا بيع أسمائهم، والله أعلم.
* * * * *
стр. 81
المبحث الرابع
التوكيل في الاكتتاب
الاكتتاب في الشركات المساهمة يستلزم القيام بإجراءات متعددة تستهلك الكثير ممن الوقت والجهد خاصة مع إقبال الناس على الاكتتاب، لذا فإن كثيرا من الناس يفضل توكيل غيره لإتمام إجراءات الاكتتاب، وسوف نبين في هذا المبحث الضوابط الشرعية للتوكيل في الاكتتاب.
وقد بين أهل العلم أن الوكالة جائزة شرعاً بنص الكتاب والسنة وبإجماع الأمة، أما في الكتاب فمنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦]. قال ابن قدامة ﵀: (فيجوز العمل عليها، وذلك بحكم النيابة عن المستحقين) (١).
وأما السنة فما رواه أبو هريرة ﵁: أن رجلا أتى النبي ﷺ يتقاضاه فأغلظ، فهم به أصحابه، فقال رسول الله ﷺ : «دعوه فإن لصاحب الحق مقالا، أعطوه سنا مثل سنه ... » رواه مسلم (٢)، فقوله ﷺ : «أعطوه سنا مثل سنه» توكيل في قضاء الدين.
وأما الإجماع فقد نقله ابن قدامة ﵀ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، فإنه لا يمكن كل واحد فعل ما يحتاج إليه (٣).
стр. 82
والوكالة لا تصح ولا تنعقد إلا بالإيجاب والقبول الدالين عليها (١)، وعليه فإن التوكيل في الاكتتاب بالكتابة يعد إيجاباً ورضى الموكل بالوكالة باستلامه للوكالة ونحو ذلك يُعد قبولاً.
وإذا انعقدت الوكالة كان الوكيل مؤتمناً على ما وكل عليه، فلا يضمن ما تلف بيده من مبلغ الاكتتاب إلا إن تعدى أو فرط، ولكل من الوكيل والموكل فسخ عقد الوكالة متى شاؤوا قبل إتمام إجراءات الاكتتاب لأن الوكالة عقد جائز، وتنفسخ الوكالة أيضا بموت الوكيل أو الموكل أو فقد أحدهما للأهلية (٢).
* * * * *
стр. 83
الفصل الرابع
تمويل الاكتتاب
وفيه ثلاثة مباحث
المبحث الأول: التمويل بالإقراض.
المبحث الثاني: التمويل بالبيع بالآجل.
المبحث الثالث: التمويل بالمشاركة.
стр. 84
المبحث الأول
التمويل بالإقراض
المطلب الأول: الإقراض بفائدة نسبية على مبلغ القرض
وصورة هذه المعاملة أن تقوم الجهة الممولة بإقراض العميل مبلغاً ليكتتب به مقابل فائدة نسبية على مبلغ القرض، كأن تفرض على العميل ١% من مبلغ القرض.
فإذا اقترض العميل من البنك مائة ألف ريال تحتسب عليه الجهة الممولة مائة وألف ريال. والحكم في هذه المعاملة أنها محرمة شرعاً لأنها من ربا الجاهلية الذي أجمع أهل العلم على تحريمه.
قال ابن رشد (١) ﵀: (فأما الربا فيما تقرر في الذمة فهو صنفان: صنف متفق عليه، وهو ربا الجاهلية الذي نهي عنه، وذلك أنهم كانوا يسلفون بالزيادة وينظرون، فكانوا يقولون: أنظرني أزدك) (٢).
وقال ابن عبد البر (٣) ﵀: (وقد أجمع المسلمون نقلا عن
стр. 85
نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا، ولو كان قبضة من علف أو حبة) (١).
المطلب الثاني: الإقراض بمقابل مبالغ مقطوعة (الرسوم الإدارية)
الفرع الأول: الرسوم الإدارية التي بقدر تكلفة العمل:
وصورة هذه المعاملة أن تقوم الجهة الممولة بإقراض العميل مبلغا ليكتتب به وتحتسب عليه مبلغا مقطوعا يسمى (الرسوم الإدارية) ن ويريدون بذلك تعويض البنك عن تكاليف الخدمات وأجور الموظفين الذين يقومون بخدمة المقترضين.
وقد أجاز جمع من أهل العلم المعاصرين أخذ الجهة الممولة لهذه الرسوم الإدارية إذا كانت بقدر تكلفة العميل على اعتبار أنها رسوم حقيقية مقابل عمل الجهة الممولة في إجراءات الإقراض.
وكلام العلماء المتقدمين يدل على جواز مثل ذلك، من ذلك ما ذكروه في أخذ أجرة المثل على عقود التبرعات وثمن الجاه كما لو قال رجل لآخر: اقترض لي مائة ولك عشرة، فإنه يصح ذلك لأن الزيادة في مقابل ما بذله المقترض من جاهه للمقترض له (٢).
وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي برقم ١٣ (١/ ٣) جاء فيه:
(أ- بخصوص أجور خدمات القروض في البنك الإسلامي للتنمية:
стр. 86
أولا: يجوز أخذ أجور عن خدمات القروض على أن يكون ذلك في حدود النفقات الفعلية) (١).
ويرى الباحث أنه يجب تقييد الجواز بأن تكون الرسوم الإدارية مبلغاً مقطوعاً محدداً لا تختلف باختلاف مبلغ القرض ما دام عمل الجهة الممولة في القرض لا يختلف باختلاف قيمة القرض زيادة أو نقصا، وعلى هذا فلا يصح أن تكون الرسوم والحال هذه نسبة مئوية من مبلغ القرض تزيد كلما كان مبلغ القرض أكبر لأنها حينئذ تكون حيلة لأخذ الفائدة الربوية.
الفرع الثاني: الرسوم الإدارية التي تزيد عن التكلفة الفعلية لعملية التمويل:
إذا كانت الرسوم الإدارية التي تأخذها الجهة الممولة أكثر من التكلفة الفعلية لعملية التمويل فهي محرمة شرعاً لأنها تصبح حينئذ فائدة ربوية في الحقيقة، وقد سبق أن تبين لنا إجماع أهل العلم على حرمة أخذ الزيادة على القرض (٢)، وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي برقم ١٣ (١/ ٣) جاء فيه:
(أ- بخصوص أجور خدمات القروض في البنك الإسلامي للتنمية:
ثانيا: كل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة لأنها من الربا المحرم شرعا) (٣).
وعلى هذا فالواجب على الجهات الممولة من بنوك وغيرها تحري الدقة عند تقييم الكلفة الفعلية لعملية التمويل حتى لا تقع في الربا المحرم.
* * * * *
стр. 87
المبحث الثاني
التمويل بالبيع بالآجل
المطلب الأول: كيفية التمويل بالبيع بالآجل
التمويل بالبيع بالآجل من أكثر طرق التمويل شيوعا في عصرنا الحاضر، وصورتها تتمثل في بيع الجهة الممولة للمتمول سلعة من السلع بثمن آجل يكون أعلى من ثمنها حالا، ومن ثم فإن المتمول يبيع هذه السلعة ليتمول من ثمنها، وفي هذه المعاملة مصلحة للجهة الممولة بأخذها زيادة مقابل التأجيل، ومصلحة للمتمول بحصوله على سلعة بثمن آجل لينتفع من ثمنها بعد بيعها بثمن حال.
المطلب الثاني: حكم التمويل بالبيع بالآجل
التمويل بالبيع بالآجل كما تبين من تصويره أنه معاملة بيع مع تأجيل الثمن، لأن المشتري أراد بذلك الحصول على النقد من بيع السلعة بثمن حال.
وهذه المعاملة لها أصل في الشريعة وهو ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال رسول الله ﷺ : «أكل تمر خيبر هكذا؟»، قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : «لا تفعل، بع الجميع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا»
стр. 88
رواه البخاري (١).
ففي هذا الحديث أمر الرسول ﷺ الرجل أن يبيع سلعة له ليتمول من خلال بيعها النقد الذي يحتاجه لشراء سلعة أخرى، وهنا في التمويل بالبيع بالآجل يشتري المتمول سلعة ما ثم يبيعها ليتمول النقد الذي يحتاجه، وعلى هذا فإن التمويل بالبيع بالآجل جائز إذا كان بيعا حقيقية لا صوريا، ولا حيلة لأكل الربا، وبهذا يكون التمويل بالبيع بالآجل جائز بالشروط الآتية:
١ - أن يتحقق في عقد البيع بين الممول والمتمول كل شروط البيع، خاصة الشروط التي إذا تخلفت كان البيع صورياً وحيلة لأكل الربا أو ربح ما لم يضمن، وأهمها شرط تملك الممول للسلعة وقبضه لها قبضا حقيقيا قبل أن يبيعها على المتمول.
٢ - أن يقبض المتمول السلعة التي اشتراها قبضا حقيقيا، وتدخل في ضمانه قبل أن يبيعها.
٣ - ألا يبيع المتمول السلعة على الممول أو وكيله أو شريكه لئلا تصبح المعاملة بيع عينة محرم.
٤ - ألا يوكل المتمول الممول في بيع السلعة له.
* * * * *
стр. 89
المبحث الثالث
التمويل بالمشاركة
المطلب الأول: أنواع التمويل بالمشاركة
الفرع الأول: المشاركة بالعمل (المضاربة):
وصورة هذه المعاملة أن يتعاقد المكتتب مع الجهة الممولة عقد مشاركة وتكون الشركة بينهما شركة مضاربة، فتقدم الجهة الممولة المال للمكتتب ويقوم المكتتب بعمل إجراءات الاكتتاب باسمه، ثم تباع الأسهم بعد ذلك ويكون الربح بينهما على ما اتفقا عليه، وفي حال الخسارة تكون الخسارة على المصرف، والمكتتب يضيع عليه عمله.
الفرع الثاني: المشاركة بالمال (العنان):
وصورة هذه المعاملة أن يتعاقد المكتتب مع الجهة الممولة عقد مشاركة وتكون الشركة بينهما شركة عنان، فيدفع المكتتب جزءاً من مبلغ الاكتتاب وتدفع الجهة الممولة الجزء الآخر، ثم تباع الأسهم بعد ذلك ويكون الربح بينهما على ما اتفقا عليه وفي حال الخسارة تكون الخسارة بينهما على قدر ماليهما.
المطلب الثاني: حكم التمويل بالمشاركة
حكم التمويل بالمشاركة بنوعيه مبني على حكم شركتي المضاربة والعنان، وهاتان الشركتان مما أجمع الفقهاء على جوازه شرعاً، وقد
стр. 90
نقل الإجماع على ذلك ابن رشد وابن قدامة وغيرهما من أهل ... العلم (١).
وعلى هذا يقال إن التمويل بالمشاركة بنوعيه جائز شرعاً، وهو أيضا جائز نظاماً (٢)، لأن نظام الشركات يقر اشتراك أكثر من شخص في تملك الأسهم على أن ينوب عن الشركاء أحدهم ليكون مسؤولاً في مواجهة الشركة.
كما أن في التمويل بالمشاركة حل لمشكلة بيع وشراء الأسماء الممنوعة نظاما، وهو البديل الأمثل لغير المقتدرين مالياً على الاكتتاب.
ومن هنا يوصي الباحث أن تقوم الجهات التمويلية والبنوك على وجه خاص بعمل تعاوني وذلك بتمويل غير المقتدرين مادياً على الاكتتاب من جميع فئات المجتمع وفق مبدأ المشاركة بالعمل (المضاربة) خاصة أن البنوك تستطيع أن تحمي نفسها من تلاعب الناس باستعادة الفائض المسترد بعد الاكتتاب، وكذلك ضمان حقها من بيع الأسهم المخصصة، لأن كل هذه العمليات لا تتم إلا بواسطة البنك نفسه، وبهذا العمل تتحقق مصالح عديدة لجميع الأطراف وتنتفع كافة فئات المجتمع من المشاريع الاستثمارية في البلد.
المطلب الثالث: الاعتراضات الواردة على التمويل بالمشاركة
الفرع الأول: عدم تملك الممول للأسهم تملكا حقيقيا:
هذا الاعتراض مستنده أن الأسهم تسجل باسم المكتتب لأن نظام الشركات يوجب تسجيل السهم باسم شخص واحد فقط، وعليه فإن الممول لا يتملك الأسهم تملكا حقيقيا.
стр. 91
لكن ما يرد هذا الاعتراض هو القول بأن نظام الشركات وإن كان يوجب تسجيل الأسهم باسم شخص واحد فقط فإنه يجيز مشاركة أكثر من شخص في ملكية السهم، فقد جاء في المادة ٩٨ من نظام الشركات ما يلي: (تكون أسهم شركة المساهمة غير قابلة للتجزئة في مواجهة الشركة، فإذا تملك السهم أشخاص متعددون وجب عليهم أن يختاروا أحدهم لينوب عنهم في استعمال الحقوق المختصة بالسهم ويكون هؤلاء الأشخاص مسؤولين بالتضامن عن الالتزامات الناشئة عن ملكية السهم).
وعلى هذا يقال إن تسجيل الأسهم باسم المكتتب لا تعني بالضرورة تملكه لها لوحده بل هو إجراء نظامي بحت لا يعارض كون السهم مملوكا لأكثر من شخص، ويكفي في إثبات ملك الممول لنصيبه عقد المشاركة الموقع بين الممول والمكتتب.
الفرع الثاني: بيع الممول حصته من الأسهم قبل قبضها:
هذا الاعتراض مبني على أن قبض الممول لحصته من الأسهم لا يتم إلا بتسجيلها باسمه، ولما كان الممول يبيع أسهمه قبل تسجيلها باسمه، كان بيعه لها في هذه الصورة بيعا قبل القبض وهو محرم شرعاً.
ويمكن مناقشة هذا الاعتراض بعدم التسليم بأن عدم تسجيل الممول لحصته من الأسهم باسمه يترتب عليه عدم قبضه لها، لأنه لا يوجد دليل يدل على أن قبض الشيء لا يكون إلا بتسجيله باسم مالكه، خاصة وأن تسجيل الأسهم باسم الممول في هذه الصورة متعذر نظاما، وعليه فيكفي في إثبات القبض عقد المشاركة الموقع بين العميل والممول.
الفرع الثالث: توكيل المتمول بالاكتتاب والقبض والبيع:
يراد بهذا الاعتراض القول بأن عقد المشاركة عقد صوري، لأن المكتتب المتمول يقوم بالاكتتاب والقبض والبيع، والممول مهمته فقط تحويل المبلغ إلى حساب المتمول.
стр. 92
ويمكن مناقشة هذا الاعتراض بأن توكيل المتمول بالاكتتاب والقبض والبيع ليس فيه محذور شرعي، لأن عقد المشاركة هنا سواء كان مشاركة بالمال أو بالعمل يترتب عليه توكيل أحد الشريكين بالقيام بجميع الأعمال اللازمة لذلك، وهو جائز في شركتي المضاربة والعنان كما فصلنا ذلك في موضعه، وذلك لأن المكتتب حينما يقوم بذلك يقوم به بصفته أصيلا عن نفسه لأنه شريك للممول، وكذلك بصفته وكيلا عن شريكه الممول.
* * * * *
стр. 93
الفصل الخامس
التخصيص
وفيه ثلاثة مباحث
المبحث الأول: تعريف التخصيص.
المبحث الثاني: التخصيص في النظام.
المبحث الثالث: التكييف الفقهي لعملية التخصيص.
стр. 94
المبحث الأول
تعريف التخصيص
أولا: تعريف التخصيص لغة: التخصيص مصدر خصص، من خصه بالشيء يخصه خصاً، وخصوصاً، وخصوصية، وخصصه، واختصه، أي: أفرده به دون غيره، ويقال: اختص فلان بالأمر وتخصص له إذا انفرد به (١).
ثانيا: تعريف التخصيص اصطلاحا: لم يحدد نظام الشركات تعريفا معينا للتخصيص، ولم أجد من عرفه بتعريف خاص، لكن يمكن أن يعرف بأنه: إعلان الشركة قبول إيجاب المكتتبين المتضمن بيان نصيب كل مكتتب من أسهمها.
والمناسبة بين التعريف اللغوي، والتعريف الاصطلاحي تتمثل في أن التعريف اللغوي للتخصيص يراد به: إفراد الشخص بالشيء دون غيره، كما أن التخصيص بالمعنى الاصطلاحي يراد به: إفراد كل مكتتب بعدد من الأسهم تكون ملكاً له ينفرد به عن غيره ويختص به.
* * * * *
стр. 95
المبحث الثاني
التخصيص في النظام
التخصيص هو المرحلة الأخيرة من مراحل الاكتتاب في النظام، والأصل في هذه المرحلة أن يخصص لكل مكتتب عدد الأسهم التي اكتتب بها، ولذلك لم يتطرق النظام إلى هذه الجزئية لكنه بيَّن أمراً آخر أكثر أهمية منه، وهو ما يتعلق بالاكتتاب الذي يفوق فيه عدد الأسهم المكتتب بها العدد المطروح منها للاكتتاب.
فقد نصت المادة ٥٩ من نظام الشركات على أنه في هذه الحالة توزع (الأسهم على المكتتبين بنسبة ما اكتتب به كل منهم مع مراعاة ما يقرره وزير التجارة في كل حالة بالنسبة لصغار المكتتبين).
ومعنى ذلك أنه في حالة كون الأسهم المطلوبة من قبل المكتتبين أكثر من الأسهم المعروضة للاكتتاب، فإن الأسهم يتم تخصيصها بالطريقة النسبية وذلك بإعطاء كل مكتتب ما يقابل ما يمثله عدد الأسهم التي اكتتب بها بالنسبة لعامة المكتتبين (١).
* * * * *
стр. 96
المبحث الثالث
التكييف الفقهي للتخصيص
المطلب الأول: التكييف الفقهي لعملية التخصيص
تبين في المباحث السابقة أن التخصيص إعلان يتضمن بيان أمرين رئيسيين:
الأول: موافقة الشركة المساهمة على اكتتاب كل مكتتب على حدة.
الثاني: بيان نصيب كل مكتتب من أسهم الشركة.
فأما الأمر الأول: فتكييفه الفقهي أنه قبول من الشركة ـ التي تعتبر في هذه الصورة البائع ـ، لإيجاب المكتتب ـ الذي يعتبر في هذه الصورة المشتري ـ وإيجاب المشتري هو ما تم من قبله من تعبئته لاستمارة الاكتتاب وتقديمه لها أثناء فترة الاكتتاب السابقة للتخصيص.
وأما الأمر الثاني: فتكييفه الفقهي يختلف بحسب مطابقة عدد الأسهم المخصصة لعدد الذي اكتتب به المكتتب، فإن كان مطابقاً لها فهو بيع لسلعة معلوم قدرها ولا إشكال فيه.
وإن كان عدد الأسهم غير مطابق لما اكتتب به المكتتب فهو بيع لبعض مبيع مقسم إلى أجزاء، معلوم قدر كل جزء منها، ومعلومة قيمته، غير أن نصيب المشتري من هذه الأجزاء غير معلوم، ففيه جهالة من هذه الجهة، وهذه المعاملة يسميها أهل العلم بيع بعض الصبرة ـ دون تسمية
стр. 97
ذلك البعض ـ كل قفيز منها بدرهم، وقد بينا الخلاف فيها في مبحث سابق، وتبين لنا أن البيع بهذه الصورة جائز في أصح قولي أهل العلم، لأن الجهالة كما تنتفي بالعلم بثمن السلعة بالجملة فهي تنتفي بالعلم بثمن السلعة بالتفرقة (١).
المطلب الثاني: حكم استثمار أموال الاكتتاب قبل التخصيص
بعد إغلاق الاكتتاب وقبل الانتهاء من إجراءات التخصيص تحبس أموال المكتتبين عند مدير الاكتتاب فترة محدودة ريثما تكتمل إجراءات التخصيص، ويرد الفائض من أموال المكتتبين إليهم، ويحرص مدير الاكتتاب على الاستفادة من وجود هذه الأموال عنده قدر الإمكان، فهل لمدير الاكتتاب استثمار تلك الأموال في تلك الفترة؟
ولكي نعرف حكم ذلك لابد أن نعرف التكييف الفقهي لوضع تلك الأموال عند مدير الاكتتاب في تلك الفترة.
وبالتأمل في ذلك نجد أن يد مدير الاكتتاب على تلك الأموال يد ضمان، وهو ملتزم بتسليم الشركة نصيبها من تلك الأموال، وملتزم كذلك بإعادة الفائض منها إلى المكتتبين بعد التخصيص، وعلى هذا يكون التكييف الفقهي لهذه الصورة أنها قرض، وبناءً عليه فإنه يجوز لمدير الاكتتاب استثمار تلك الأموال في مجالات مشروعة وله غنمها وعليه غرمها.
стр. 98
الفصل السادس
تداول أسهم الشركات في مرحلة الاكتتاب
وفيه أربعة مباحث
المبحث الأول: تعريف التداول.
المبحث الثاني: التكييف الفقهي للسهم.
المبحث الثالث: كيفية قبض السهم وأثر ذلك في عملية التداول.
المبحث الرابع: حكم تداول أسهم الشركات في مرحلة الاكتتاب.
стр. 99
المبحث الأول
تعريف التداول
أولا: تعريف التداول لغة:
التداول مصدر مشتق من الدول، والدولة هي: العقبة في المال والحرب سواء، وقيل: الدولة بالضم في المال، والدولة بالفتح في الحرب.
وقيل: هما سواء فيهما، يضمان ويفتحان، يقال: صار الفيء دولة بينهم يتداولونه مرة لهذا ومرة لهذا، ومنه قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧].
ويقال: تداولت الشيء الأيدي، أي: أخذته هذه مرة وهذه مرة، ويقال: دالت الأيام، أي: دارت بين الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] (١). فالمعنى اللغوي مداره على التناقل والتعاقب، سواء كان ذلك في المال، أو في النصر، أو في غير ذلك من الأمور التي يتناقلها الناس أو تنتقل بنفسها.
ثانيا: تعريف التداول اصطلاحاً:
نص نظام التداول الصادر من مؤسسة النقد العربي السعودي على أن التداول يراد به: أي عملية شراء أو بيع لورقة مالية لقاء مقابل (٢).
شرح التعريف:
(أي عملية شراء أو بيع): أي أن التداول يكون بالشراء بالنظر المشتري وبالبيع بالنسبة للبائع.
стр. 100
(لورقة مالية): هذه تشمل الأوراق المالية بمختلف صورها، ومنها أسهم الشركات المساهمة.
(لقاء مقابل): ويراد به ثمن الورقة المالية.
المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي:
تظهر المناسبة بين التعريفين جلية، إذ أن من المعاني اللغوية للتداول: تناقل الشيء وتبادله، والمعنى الاصطلاحي مداره حول الشراء والبيع الذي هو في حقيقته انتقال للسلعة من مالك إلى مالك آخر، وبهذا تتضح المناسبة بين المعنيين.
* * * * *
стр. 101
المبحث الثاني
التكييف الفقهي للسهم والآثار المترتبة على ذلك
المطلب الأول: التكييف الفقهي للسهم
يعد السهم في الشركات المساهمة بخصائصه الحالية من الأموال التي تميزت بخصائص متعددة لم تكن معهودة فيما مضى، وهو نتيجة للتطور الاقتصادي في العصر الحاضر.
وقد اختلف تكييف الفقهاء للسهم بناء على اختلاف نظرة كل منهم إلى حقيقة السهم والقيمة التي يمثلها، فمن نظر إلى قيمة السهم الحقيقية والتي تتمثل في موجودات الشركة وأموالها وأصولها اختلف تكييفه للسهم عن تكييف من نظر إلى قيمة السهم السوقية وما تتعرض له من ارتفاع وانخفاض بسبب المضاربة والتداول النشط لهذه الأسهم.
وفيما يلي نعرض آراء كل من الطرفين وأدلتهم:
القول الأول: أن السهم حكمه حكم ما يمثله من موجودات الشركة المساهمة من عروض أو نقود أو ديون أو منافع، فيختلف حكمه باختلاف حكم تلك الموجودات.
واختار هذا القول جمع من العلماء المعاصرين (١).
стр. 102
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
الدليل الأول:
إن السهم عبارة عن مستند لإثبات حق المساهم في الشركة، فلا قيمة له في نفسه، وإنما قيمته تتمثل فيما يمثله من موجودات الشركة، ولذا فيجب أن يأخذ السهم حكم موجودات الشركة.
نوقش هذا الدليل:
إن السهم لو كان يمثل موجودات الشركة فحسب لكانت أسهم الشركات لا تتغير قيمتها إلا بتغير قيم تلك الموجودات، بيد أن الواقع بخلاف ذلك، فالعامل الأساس في ارتفاع أسهم الشركات المساهمة هو حجم العرض والطلب، لذلك نجد أن أسهم بعد الشركات الخاسرة أعلى سعرا من أسهم الشركات الرابحة، مما يدل على أن السهم لا يمثل موجودات الشركة فقط، وإنما موجودات الشركة عامل مساعد على ارتفاع السهم أو انخفاضه.
القول الثاني:
إن التكييف الفقهي للأسهم هو أنها عروض تجارة، لأن ملاك الأسهم في الغالب يتخذونها للاتجار بها يكسبون من المتاجرة بها كما يكسب كل تاجر من سلعته، فهي بهذا الاعتبار عروض تجارة مهما كانت موجودات الشركة.
وقال بهذا القول عدد من العلماء المعاصرين (١).
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
الدليل الأول:
قول النبي ﷺ : «من باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع» (٢).
стр. 103
وجه الاستدلال: أن هذه الصورة جاز فيها بيع المال تبعا للعبد لأن رغبة المبتاع في العبد لا في المال الذي معه فجاز ذلك لأنه دخل في البيع تبعا، فأشبه أساسات الحيطان، والتمويه بالذهب في السقوف (١).
والمشتري للسهم كذلك، فإنه حين يشتري السهم ليس مقصوده ما يمثله السهم من موجودات الشركة وإنما يقصد القيمة السوقية للسهم، يدل على ذلك أن السهم تكون قيمته أضعاف أضعاف ما يمثله من موجودات الشركة، ورغم ذلك فإن مشتري السهم يرضى به لأنه يعلم أن المؤثر الحقيقي في قيمة السهم هو حجم العرض والطلب لا ما يمثله السهم من موجودات الشركة، ولذا تجد كثير من المضاربين ينظر عند الشراء إلى حجم العرض والطلب لا إلى موجودات الشركة.
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الثاني وهو أن الأسهم في حقيقتها عروض تجارة لأنها أصبحت سلعة تباع وتشترى وترتفع قيمتها وتنخفض وفق العرض والطلب، لكني أرى أن هذا التكييف خاص بأسهم الشركات المساهمة المتداولة في البورصة، دون غيرها من أسهم الشركات التي قد يكون لتقييمها عوامل مختلفة عن هذه الشركات، والله أعلم.
المطلب الثاني: الآثار المترتبة على هذا التكييف
هذا الخلاف في حقيقة السهم ليس خلافا لفظيا وإنما هو خلاف معنوي، وثمرته أنه على القول الصحيح في تكييف السهم بأنه
стр. 104
من عروض التجارة فإنه تطبق عليه أحكام عروض التجارة من حيث البيع، فيجوز بيعها وتداولها كغيرها من الأعراض غير الربوية بغض النظر عن موجودات تلك الشركة عن نقود وغيرها، وكذلك تجري عليها أحكام زكاة عروض التجارة وغيرها من الأحكام التي تجري على العروض.
* * * * *
стр. 105
المبحث الثالث
كيفية قبض السهم وأثر ذلك في عملية التداول
تداول الأسهم في العصر الحاضر أصبح يعتمد اعتماداً أساسياً على التقنيات الإلكترونية الحديثة، خاصة مع نشاط أسواق الأسهم وإقبال عامة المستثمرين عليها، مما يتطلب سرعة في قبض الأسهم وتسليم أثمانها، ولهذا أصبح قبض الأسهم في العصر الحاضر يتم عبر القيد المصرفي في المحافظ الاستثمارية، فهل هذا القيد كاف في تحقق القبض الشرعي للأسهم، وبالتالي تترتب آثار القبض عليه؟
عامة أهل العلم أن المعتبر في القبض هو ما جرى عليه عرف الناس وعادتهم، قال شيخ الإسلام ﵀: (المرجع في العقود إلى عرف الناس وعادتهم، فما عده الناس بيعا فهو بيع، وما عدوه إجارة فهو إجارة، وما عدوه هبة فهو هبة، وهذا أشبه بالكتاب والسنة وأعدل، فإن الأسماء منها ما له حد في اللغة كالشمس والقمر، ومنها ما له حد في الشرع كالصلاة والحج، ومنها ما ليس له حد لا في اللغة ولا في الشرع، بل يرجع إلى العرف، كالقبض) (١).
فالمعتبر في القبض هو ما جرى عليه عرف الناس خاصة فيما لم يرد فيه نص، وقد جرى العرف على اعتبار القيد المصرفي للأسهم قبضا معتبرا تترتب آثاره عليه، لأن القيد المصرفي لحساب المشتري يمكنه من التصرف فيه، بالبيع والرهن وغير ذلك من التصرفات، وهذا الرأي هو قول عامة العلماء المعاصرين، وممن قال به اللجنة الدائمة للبحوث
стр. 106
العلمية والإفتاء (١) ومجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي في قراره رقم (٦/ ٤/٥٥) وجاء فيه:
(أولا: قبض الأموال كما يكون حسياً في حالة الأخذ باليد، أو الكيل أو الوزن في الطعام، أو النقل والتحويل إلى حوزة القابض، يتحقق اعتباراً وحكماً بالتخلية مع التمكين من التصرف ولو لم يوجد القبض حسا، وتختلف كيفية قبض الأشياء بحسب حالها واختلاف الأعراف فيما يكون قبضاً لها.
ثانيا: إن من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعاً وعرفاً:
١ - القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل ومن تلك الصور:
أ- إذا أودع في حساب العميل مبلغ من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية.
ب- إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المصرف في حالة شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل .... ) (٢).
وأما أثر ذلك على عملية التداول فإنه يترتب عليه أن المشتري للأسهم لا تدخل في ضمانه ولا يجوز له أن يتصرف فيها ببيع أو غيره قبل أن يقبضها القبض المعتبر لها كما بيناه آنفاً.
стр. 107
المبحث الرابع
حكم تداول أسهم الشركات في مرحلة الاكتتاب
المطلب الأول: حكم تداول الأسهم قبل طرحها للاكتتاب
تمر الأسهم بعدة مراحل قبل أن تدرج في السوق المعدة لتداول أسهم الشركات المساهمة، وهذه هي المرحلة الأولى والتي يكون فيها المؤسسين قد تملكوا جزءا من أسهمها ولما يتم طرح بقية الأسهم للاكتتاب العام، فما هو حكم تداول المؤسسين لتلك الأسهم؟
للإجابة على هذا السؤال لابد من الإشارة إلى ما تضمنته المادة رقم (١٠٠) من نظام الشركات السعودي، إذ نصت المادة على أنه (لا يجوز تداول الأسهم النقدية التي يكتتب بها المؤسسون أو الأسهم العينية أو حصص التأسيس قبل نشر الميزانية وحساب الأرباح والحساب عن سنتين ماليتين كاملتين لا تقل كل منهما عن اثني عشر شهرا من تاريخ تأسيس الشركة، ويؤشر على هذه الصكوك بما يدل على نوعها وتاريخ تأسيس الشركة والمدة التي يمتنع فيها تداولها).
فهذه المادة تنص على منع بيع تلك الأسهم نظاماً، وذلك لما فيه من المصلحة العامة لبقية المساهمين في الشركة، حتى يتحمل المؤسسون مسؤولياتهم في السنوات الأولى للشركة ويبذلوا وسعهم في إنجاحها وتحقيق الاستقرار لها، وبعد ذلك يمكن للمؤسسين بيع أسهمهم عند انتهاء فترة الحظر.
стр. 108
وقد استثنت هذه المادة حالات يجوز فيها للمؤسسين بيع أسهمهم وبيانها على النحو الآتي:
(يجوز خلال فترة الحظر نقل ملكية الأسهم النقدية وفقا لأحكام بيع الحقوق:
١ - من أحد المؤسسين إلى مؤسس آخر.
٢ - من أحد المؤسسين إلى أحد أعضاء الإدارة لتقديمها كضمان للإدارة.
٣ - من ورثة أحد المؤسسين في حالة وفاته إلى الغير).
ففي هذه الحالات الثلاث يجوز نظاما بيع المؤسسين، ويمنع بيعها فيما عداها من الحالات، ولاشك أن الحكم الشرعي يتوافق مع هذا الحكم النظامي لأنه من قبيل السياسة الشرعية التي تحقق المصلحة العامة.
المطلب الثاني: حكم تداول الأسهم بعد الاكتتاب، وقبل التخصيص
هذه هي المرحلة الثانية التي تمر بها الأسهم، وهي المرحلة الأولى بعد الانتهاء من الاكتتاب وقبل التخصيص. وقد تبين لنا فيما مضى أن هذه المرحلة هي المرحلة التي تم فيها الإيجاب من جهة المكتتبين ولما يتم بعد القبول من جهة الشركة المساهمة أو مدير الاكتتاب، وعلى هذا فإن هذه الأسهم لم تدخل بعد في ملكية المكتتبين فلا يجوز تداولها لأنه من بيع ما لا يملك.
المطلب الثالث: حكم تداول الأسهم بعد التخصيص، وقبل الإذن بالتداول
هذه هي المرحلة الثالثة التي تمر بها الأسهم وهي المرحلة الثانية بعد الاكتتاب، وتكون هذه المرحلة بعد التخصيص، وفيها يتم إعلام المكتتبين بقبول اكتتابهم وإعلام كل مكتتب بنصيبه من الأسهم، وهذه
стр. 109
المرحلة هي التي تسبق إدراج الشركة المساهمة في السوق المعدة لتداول الأسهم، وبالتالي فإن حكم تداول الأسهم في هذه المرحلة يكون على التفصيل الآتي:
أولا: أن يكون المكتتب علم نصيبه من الأسهم لكنه لم يقبضها ولم تدخل في حيازته، ففي هذا الحال لا يجوز له بيعها ويحرم تداولها لأنه بيع للسلعة قبل قبضها وهو محرم شرعاً.
ثانيا: أن يكون المكتتب علم نصيبه من الأسهم وقبضا، ففي هذه الحال يجوز له بيعها، ولكن المشتري لهذه الأسهم لا يجوز له بيعها إلا بعد أن يقبضها القبض التام، ومعلوم أنه لا يمكن أن يقبضها إلا بعد إدراج أسهم الشركة في سوق التداول.
المطلب الرابع: حكم تداول الأسهم بعد التخصيص والإذن بالتداول
هذه هي المرحلة الأخيرة، وفيها يتم إدراج أسهم الشركة في السوق ويسمح فيها بالتداول، وهذه المرحلة يجوز فيها تداول الأسهم مطلقاً لأن التداول فيها يكون مصحوباً بقبض الأسهم، ولا يخفى أن حكم الجواز في هذه المرحلة وما قبلها من المراحل مقيد باشتمال التداول على المعايير الشرعية المعتبرة، والله أعلم.
стр. 110
الخاتمة
الحمد لله الذي يسر بمنه وكرمه إتمام البحث، أحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا كما يحب ربنا ويرضى، وفي ختام هذا البحث سوف أورد أهم النتائج التي توصلت لها من خلال هذا البحث وهي على النحو الآتي:
١ - إن التعريف الدقيق للاكتتاب في الشركات المساهمة هو أنه (دعوة توجهها الشركة المساهمة إلى أشخاص غير محددين سلفاً للإسهام في رأس المال، وذلك بأن يدفع الشخص قيمة عدد معين من الأسهم فتعطيه الشركة من أسهمها ما يقابل ما أخذته منه من مال).
٢ - إن التعريف الدقيق للشركة المساهمة هو أنها: (الشركة التي ينقسم رأس مالها إلى أسهم متساوية القيمة، وقابلة للتداول، ولا يسأل الشركاء فيها إلا بقدر قيمة أسهمهم، ولا يجوز أن يقل عدد الشركاء فيها عن خمسة).
٣ - إن السهم هو: (النصيب الذي يشترك به المساهم في رأس مال الشركة، ويتمثل في صك يعطى للمساهم، يكون وسيلة في إثبات حقوقه في الشركة).
٤ - إن للسهم ثلاث قيم، القيمة الإسمية وهي: ناتج قيمة رأس مال الشركة على عدد الأسهم، والقيمة الدفترية وهي: النصيب الذي يستحقه السهم في صافي أموال الشركة بعد خصم ديونها والتزاماتها، والقيمة السوقية، وهي: قيمة السهم في سوق الأوراق المالية، وهي خاضعة للارتفاع والانخفاض، تبعا لعوامل كثيرة تتعلق بالسوق المالية وحجم العرض والطلب فيها.