← Общие книги

Общие книги · id 36501

التدريب وأهميته في العمل الإسلامي

محمد بن موسى الشريف

Полный текст (193 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ج تخصيص قدر من الزمن يكفل للجميع المشاركة بدون أن يكون ذلك على حساب التركيز والاختصار. ح تسجيل كل الأفكار وتمكين الجميع من الاطلاع عليها مهما بدت غريبة أو شاذة. خ عدم تقويم الاقتراحات أو السماح بالتعليق عليها أو انتقادها عند طرحها في البداية. د تحديد المشكلة وتذكير الحاضرين بها من حين لآخر وكلما دعت الحاجة. استخلاص النتائج: إن الهدف من طرح الأفكار بهذه الصورة التلقائية الحرة هو الوصول إلى نتائج واقعية منبثقة من المعلومات التي تم جمعها. ولتحقيق ذلك ينبغي الإعداد للجلسة على الوجه التالي: أ ((دع كل مشارك يذكر مزايا اقتراحاته ومساوئها. ب رتِّب المقترحات حسب الأولوية والجدوى. ت ابحث عن الطرق الممكنة لتنفيذ أفضل الاقتراحات.

стр. 142

ث اختر المقترحات الأقرب إلى تحقيق الهدف. ج أحل المقترحات المختارة على الجهات المختصة)) (١).

стр. 143

التدريب على التخلص من المصطلحات السلبية هناك بعض المصطلحات من الكلمات والجمل لها دلالات سلبية في واقعنا وأحوالنا، ولها دلالات محبطة لمن يسمعها، وقد يتأثر بها - سلباً - تأثراً كبيراً، وهذا لكوننا قد نشأنا على تراخ وضعف، ولم نعتد أخذ الأمور بقوة وجد وحزم، وقد قال الله تعالى: (خذوا مآ ءاتيناكم بقوةٍ) (١)، لكن هذا هو واقعنا وعلينا أن نواجهه لنصلحه ونقوِّمه إن شاء الله تعالى. وتلك المصطلحات السلبية: ١ - سأحاول فعل كذا وكذا يوماً ما: هذا التعبير يشي بالتردد وعدم الاهتمام بالموضوع على وجه كافٍ، أو يشي بالضعف وعدم الثقة بالنفس، ويا

стр. 144

حبذا لو استعمل مصطلح بديل أكثر حزماً وجدية، نحو: سأنجز كذا وكذا إن شاء الله تعالى، فهذا المصطلح وأمثاله يرسخ في نفس القائل والمقول له الثقة والاطمئنان. والنبي ﷺ نقلت عنه أحاديث كثيرة تتضمن عدداً من الأوامر والتوجيهات التي تتطلب استجابة من الصحابة ﵃ فلم يُحفظ - والله أعلم - عن أحد منهم قوله: سأحاول فعل كذا وكذا استجابة لأمر النبي ﷺ ، بل كانوا يجيبونه ﷺ : أنا يا رسول الله، أو: نحن يا رسول الله، فقد كان ﷺ يأمرهم بأوامر متعددة متنوعة فيسارعون إلى الإجابة بلا تردد ولا تلكؤ، وكان النبي ﷺ في بعض الأحيان يربطهم بالمشيئة ليربيهم على ملاحظتها، فقد وصف لهم نعيم الجنة فلما قال لهم: ((فهل من مشمر؟: إن شاء الله))، فقالوا: إن شاء الله (١)، فلم يقل الصحابة ﵃: سنحاول أن نكون المشمرين، بل أجابوا بما هو لائق بحالهم ﵃. وقال ﷺ لجرير بن عبد الله البجليّ (٢): ((ألا تريحني

стр. 145

من دّي الخَلَصة؟)) - صنم في خثعم، فقال: بلى، فانطلق في خمسين ومائة فارس ... (١). فاستجابته فورية ﵁، وجوابه حازم. وقال ﷺ : ((من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسولَه؟)) فاستجاب له محمد بن مسلمة (٢) ﵁ استجابة رائعة وقتل ذلك اليهودي (٣). وهكذا نجد أن خير الأجوبة أحزمها وأشرعها استجابة لأوامر الله ورسوله ﷺ ، وشر الأجوبة ما يُكسى برداء التردد أو الضعف أو التراخي، والله أعلم. ٢ - أنا خَلقت هكذا، أو: ليس عندي أحسن من هذا، أو: هذه إمكاناتي وقدراتي: وهذا ونحوه من المصطلحات له أثر سيئ، وهو مورث للتخذيل والضعف؛ وذلك لأن المرء يكون حاله بحسب ما يرى نفسه، وهو الذي يضع من نفسه أو يرفعها

стр. 146

لا الناس، وإن أراد المجد والعلو فلن يجد معوقات أمامه - إن شاء الله تعالى -، فقد قال جلَّ من قائل: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلبا) (١). ولا أحفظ جواباً لأحد من الصحابة يماثل ما ذكرته، بل كانت حياتهم كلها جد وتشمير ومحاولة للوصول إلى الأعلى والأفضل، فالنبي ﷺ كان يحفزهم بمحفزات كثيرة، فيرى منهم الاستجابة والالتزام، فقد قال لهم ﷺ : ((أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟)) (٢) ((أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟)) (٣) ونحو هذا من الأسئلة التي لم يواجَه النبي ﷺ بإعلان الضعف والعجز، ولكن تساءلوا ﵃ عن الكيفية، وهذا هو الحال اللائق بهم ﵃. وهذا الصحابي الذي جاء النبي ﷺ فقال: إن شرائعَ الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بأمر لا أزال أتشبت به، فقال له ﷺ : ((قل: آمنتُ بالله، ثم استقم)) (٤)، فهذا

стр. 147

الصحابي ﵁ لم يعلن العجز، ولم يرد الأمر بل طلب الدلالة على أمر جامع يتمسك به. وهذا الصحابي الضرير لما جاء يستأذن رسول الله ﷺ في الصلاة ببيته، فقال له رسول الله ﷺ : ((هل تسمع النداء بالصلاة؟)) قال: نعم، قال: ((فأجب)) (١). فامتثل رضي الله تعالى عنه على أنه كان له عذر واضح، فلم ينقل عنه إظهار العجز أو القصور. ٣ - أنت السبب، أو أنت الملوم، أو غير ذلك مما ينبئ باللوم والاتهام للآخرين: وهذه المصطلحات ونحوها تستعمل في الهروب من الواقع والتملص من المسؤولية الشخصية، ويا حبذا لو استبدل به كلمة: أنا السبب أو نحوها مما ينطوي على تحمل الأمانة والشعور بالمسؤولية، فاستعمال مثل هذا المصطلح البديل يورث الاطمئنان على أهلية الشخص وأنه لا يلغي بتبعة تقصيره على الآخرين. هذا نبي الله آدم ﵊ لما عصى ربَّه بالأكل من الشجرة لم يقل لربه ﵎ مثلاً: أنت قدَّرت عليَّ أو أنت كتبت علي، إنما قال ﷺ :

стр. 148

(ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) (١). ويجوز - في ميزان الأدب - أن ينسب المرء إلى نفسه التقصير، أو ينسبه إلى نفسه والآخرين ولو لم يكن له علاقة به، فهذا نبي الله يوسف ﵊ لما خاطب أباه بما جرى بينه وبين إخواته، قال: (يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) (٢). فقد نسب ﵊ ظلم إخوته له إلى الشيطان، وجعل الأمر مشتركاً بينهم، ولم يكن له علاقة ألبتة بما جرى ﵊، بل كانوا هم الظالمين قطعاً، مع ذلك لم ينسب إليهم ما حدث أدباً منه ﵊. فيجب إذاً على كل منا أن يكون على المظنون به من تحمل المسؤولية، والإقرار بالتقصير وعدم الهروب بإلقاء التبعة على الآخرين، وقصة كعب بن مالك ﵁ في تحمله المسؤولية عن تخلفه عن غزوة تبوك، والإقرار

стр. 149

الكامل بذلك بين يدي رسول الله ﷺ معروفة مشهورة، وأيضاً قصة حاطب بن أبي بَلْتعة ﵁ (١) وإقراره الكامل بما صنع من إخبار قريش بالغزو، فلم يحاول التملص ولا التهرب رضي الله تعالى عنه، وهكذا ينبغي أن نكون إذا وقعنا في خطأ، حمانا الله تعالى وإياكم. ٤ - هذا الأمر صعب أو مشكل أو فيه مخاطرة: وهذه المصطلحات وأمثالها - إن قيلت على غير وجهها - تنبئ عن قصور في التصوير وضعف في أخذ ما ينبغي أخذه بقوة، وهذا الشخص المردد لهذه المصطلحات إنما يرددها غيرَ مدرك لما تورثه في نفسه من عقبات وحواجزَ قد يصعب عليه تجاوزها طيلة حياته. وينبغي على المرء أن يدرب نفسه على استعمال بعض المصطلحات التي تعينه وتفتح له آفاقاً بعد آفاق، كأن يقول - مثلاً - في نفسه: هذا فيه تحدِّ لي وأنا أهل له إن شاء الله تعالى، أو أن يقول: هذه فرصة عظيمة إن انتهزتها فتحت لي مجالاتٍ عظيمة، أو أن يقول: سأذلل كل العقبات - إن شاء الله تعالى - حتى يتذلل هذا الأمر

стр. 150

ويسهل، وأمثال هذه الجمل التي تعين على تحقيق المراد. لما خرج النبي ﷺ طالباً عير قريش وخرج معه عدد من أصحابه رضي الله تعالى عنهم، فوجئوا بما لم يكن في حسبانهم، إذ برز لهم جيش كثيف نسبياً، فلما استشار النبي ﷺ أصحابه لم يقل أحد منهم: هذه مشكلة، أو هذه مخاطرة، أو هذا أمر صعب، بل تنوعت كلماتهم لفظاً واتفقت معنى في وجوب التصدي لهذا الجيش وإعلان مساندتهم الكاملة للنبي ﷺ رضي الله تعالى عنهم ما أحسن استجابتهم وأكرم نفوسهم. وحدِّث ولا حرج عما يورثه انتهاز الفرص وعدم الالتفات إلى الصعاب من مجد ورفعه، فهذا الحديث مستلذ مستطاب وعليه أمثلة كثيرة من تاريخنا الإسلامي: فتح مكة، وفتح بيت المقدس، وعين جالوت، وحرب رمضان سنة ١٣٩٣، وغير ذلك كثير مبثوث في التاريخ، والله المسؤول أن يرجع لنا أمجادنا التليدة وأوطاننا السلبية. ٥ - أنا أعرف تماماً ما يجري حولي ومطلع عليه: هذا المصطلح يورث قائلة الغرور أو الغفلة، وذلك لأنه ينشئ بهذا المصطلح وأمثاله سداً منيعاً بينه وبين الناس؛ إذ يحجمون عن نصحه أو إبلاغه بما هو في أمسِّ

стр. 151

الحاجة لمعرفته وإدراكه، ويظن المسكين أنه قد أحاط بكل شيء علماً. وقد كان النبي ﷺ وهو الموحى إليه المسدَّد المؤيَّد يراجَع في بعض الأمور والشؤون، فلا يجد غضاضة في ذلك، ولا يجد مَن يراجعه حرجاً من مراجعته تلك لأنه يعلم أن النبي ﷺ قد أفسح له الطريق بقوله: ((الدين النصيحة)). قلنا: لمن؟ قال: ((ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم)) (١). فمثل هذا الكلام المشجْع قد فتح الباب على مصراعيه للمراجعة والنصيحة، فلم يؤثر عنه ﷺ امتناع عن تقبل النصح أو ترفع عنه أو استنكاف له، ولم يشعر الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذا أبداً، فهذا الحُباب بن المنذر ﵁ (٢) يقول للنبي ﷺ : يارسول الله، أهذا منزل أنزلكَه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: ((بل هو الرأي والحرب والمكيدة)). فقال الحباب: يا

стр. 152

رسول الله، إن هذا ليس بمنزل!! (١) ثم أشار عليه برأي آخر فأخذ به رسول الله ﷺ . بل قد وصف المنافقون رسول الله ﷺ بأنه أُذُن أي يستمع ويصغي لك من يخبره بشيء، قال تعالى: (ويقولون هو أذن قل خير لكم) (٢). وهكذا إذا شعر الناس أن شخصاً ما يتقبل كلامهم ونصائحهم ويقبل عليها، ويأخذ بالنافع منها بعد أن يسمعها بصدر رحب، فإنهم سيوالونه بالنصح الثمين والتذكير المهم الذي يرفع من شأن الشخص ويجنبه المزالق والأخطاء الفادحة. وليس أقضل - في باب التدريب على تجاوز هذا المصطلح - من تعليم النفس التواضع، وقراءة الأحاديث التي رفعت قدره وحذرت من الكِبْر وأهله، وقراءة سير السلف الصالحين، ومصاحبة المربين الصالحين تحمي من هذا الغرور الخطير والكبر الأثيم. ٦ - جملة من الألفاظ المحبطة: إن كثيراً من الناس يطلق ألفاضاً لا يدرك خطورتها،

стр. 153

أو أنه يواجه الناس بعبارات تورثهم الإحباط والضيق، وقد ينصرفون بالكامل عن أهدافهم إذا تعودوا من الشخص المشارك لهم أن يواجههم بمثل هذه العبارات. وقد بيَّن أحد الباحثين عدداً من هذه الألفاظ المستعملة في بعض الشركات والمؤسسات، والتي تنذر بخرابها وإفلاسها، وإعراض الناس عنها، وذلك نحو:

стр. 154

١ - لم تستخدم أبداً هذه الطريقة من قبل. ٢ - لا تتحرك بسرعة زائدة ٣ - فلننتظر ونرى. ٤ - ليست مشكلتنا. ٥ - هذا مبكْر جداً. ٦ - هذا متأخر جداً. ٧ - لن تستطيع أبدا أن تقنع الآخرين بذلك. ٨ - لن تصلح. ٩ - ليس لدينا القوى العاملة. ١٠ - أنا متأكد أنها لن تصلح. ١١ - لن يعلمني شاب مراهق كيف أدير هذه المنظمة. ١٢ - ستزيد النفقات العامة. ١٣ - أنت لا تفهم مشكلتنا. ١٤ - تلك مسؤوليتهم ولست مسؤوليتنا. ١٥ - دعنا نشكَّل لجنة. ١٦ - لو كان فيه خير لاقترحه البعض. ١٧ - فلنناقش هذا في فرصة أخرى. ١٨ - حجمنا صغير/ كبير جداً بالنسبة إلى ذلك. ١٩ - لا توجد لوائح تتعلق بذلك. ٢٠ - لماذا الجديد الآن؟ ٢١ - لقد جرَّبنا هذا من قبل. ٢٢ - مناسب نظرياً لكن هل يمكن أن نطبقه عملياً؟ ٢٣ - عصري زيادة عن اللزوم. ٢٤ - من طراز عتيق جداً ٢٥ - ليست في الميزانية. ٢٦ - لسنا على استعداد لها. ٢٧ - وهذا يعني المزيد من العمل. ٢٨ - فلنجعلها في شكل مكتوب ٢٩ - لن تصلح في صناعتنا. ٣٠ - كلام فارغ. ٣١ - لدينا مشاريع كثيرة جداً الآن. ٣٢ - لقد ظل الحال هكذا لمدة عشر سنوات، فلابد أن كل شيء على ما يرام. ٣٣ - عدنا إلى هذه السيرة. ٣٤ - لا أرى أي علاقة. ٣٥ - اللوائح لا تمكننا من ذلك. ٣٦ - ليست في الخطة (١)

стр. 155

بمثل هذه التعبيرات تتهدم المؤسسات أو تتراجع تراجعناً كبيراً، وذلك لما تورثه من الإحباط أو الغرور، وبمثل تلك التعبيرات يحبط الأشخاص وتوضع سدود أمام طموحاتهم، ويستطيع الشخص - بسهولة - إذا اعتاد التفوّه بها وأمثالها أن يقضي على طموح جماعة كبيرة من الناس، والله تعالى أعلم.

стр. 156

التدريب على انتهاز الفرص الحياة التي يحياها المرء تجري في كثير من الأحيان على وتيرة واحدة، رتيبة ليس فيها شيء جديد - كما يقال - لكن قد تلوح في الأفق فرصة تغير مجرى حياة الشخص كلية، وتؤثر في سيره في هذه الحياة، وقد لا تلوح هذه الفرصة إلا مرة واحدة في حياته، فإن انتهزها واستغلَّها استقامت له وصحَّت وإلا انصرفت عنه وولَّت. وشرط انتهاز الفرصة أن يكون الشخص مدركاً أنها فرصة، فكم من أشخاص تلوح لهم فرص ثم لا يستفيدون منها لعدم إدراكهم أنها فرصة قد لا تتكرر، لذلك شرعت لنا الاستخارة وحببت إلينا الاستشارة، وكان النصح لعامة المسلمين من الأصور الأصلية في شرعنا المطهر، و ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه - أو قال: لجاره - ما يحب لنفسه)) (١).

стр. 157

والفرصة قد تكون مركزاً وجاهاً ومنصباً يخدم به المرء دينه وأهل دينه خاصةً في المناصب العالمية، ومثالها - اليوم - منصب مدير اليونيسكو، الذي يُتنافس عليه، فمن فاز به وسخره لخدمة دينه فقد فاز. والفرصة قد تكون تجارة سانحة تعود على صاحبها بالمال الجزيل فيستفيد منه فائدة جليلة في دينه ودنياه، والمال اليوم عصب الحياة كما هو معلوم. والفرص كثيرة لا يمكن حصرها ولا الدلالة عليها وإلا لم تصبح فرصة. والنبي ﷺ قد انتهز عدة فرص في حياته الشريفة، فلقاؤه المشركين ببدر فرصة، وفتحه مكة بعد أن نقضت قريش العهد مع خزاعة، فاهتبل النبي ﷺ تلك الفرصة السانحة وفتح مكة وأزال عنها الأصنام والشرك، وكانت بوابة لدخول أهل الجزيرة كلهم في الإسلام، فما أعظمها من فرصة، وما أحسن اقتناصها. وهذا عمر رضي الله تعالى عنه انتهز الفرصة السانحة بوجود كثير من الصحابة الأبطال رضي الله تعالى عنهم واتفاق كلمة الناس عليهم ففتح بهم أجزاء كبيرة من

стр. 158

الإمبراطوريات ذوات الحضارات، وأنارها بالإسلام بعد ظلام طويل. وهذا عثمان رضي الله تعالى عنه انتهز فرصة وجود الصحابة رضي الله تعالى عنهم في المدينة، فجمع الناس على مصحف إمام واحد اتفقت كلمة الصحابة عليه، وصار للناس إماماً مجمعاً عليه، فحمى الله تعالى به من شر كثير واختلاف عريض وفساد كبير. وهذا الحسن رضي الله تعالى عنه انتهز فرصة اجتماع أكثر الناس عليه فتنازل لمعاوية رضي الله تعالى عنه عن الخلافة وحقن دماء المسلمين واستحقَّ السيادةَ التي وصفه بها رسول الله ﷺ معجزة له حين قال: ((إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) (١). وهذا رجاء بن حيوة (٢) رحمه الله تعالى رحمة

стр. 159

واسعة، استغلَّ الفرصة العظيمة حين وجد من سليمان بن عبد الملك رحمه الله تعالى إقبالاً عليه وإصغاءً له وحباً لعمر بن عبد العزيز فأقنعه أن يعهد لعمر بالخلافة من بعده، وسهل ما يتصوره سليمان من عقبات من قبل هشام أخيه وغيره من بني أمية، ومضت الخلافة لعمر ﵁ فأعادها راشدة كما كانت، وجرى على يديه خير كيثير. وهذا المأمون (١) أعجب بعلي بن موسى الرضا (٢) رحمها الله تعالى إعجاباً بالغاً، وانتهزَ فرصةَ أن بيده مقاليد الأمور، ووجد رجلاً صالحاً عاقلاً أهلاً للخلافة، فولاَّه ولاية العهد ولم يأبه لاعتراضات بني العباس، صحيح أن علي بن موصى توفي سنة ٢٠٣ قبل وفاة المأمون بخمس عشرة سنة، لكني أتحدث عن الأصل، وهو وجود فرصة وانتهازها وتوجيهها للخير والصلاح.

стр. 160

والمتوكِّل (١) انتهز فرصة توليه الخلافة وقام بإنهاء فتنة خلق القرآن التي امتدت أعواماً طويلة، وأحيا السنة وكرَّم الإمام أحمد رحمهما الله تعالى، فقطع دابر فتنة كادت تعصف بصفاء العقيدة ونقائها. ونظام الملك الوزير الصالح (٢) الذي انتهز فرصة إقبال الدولة عليه فبنى مدارس عرفت بالمدارس النظامية في بغداد ونيسابور وغيرهما، وعيَّن كبار العلماء مدرِّسين فيها. وعون الدين ابن هُبيرة (٣) الوزير الصالح انتهز فرصة وزارته وأكرم العلماء وطلبة العلم، وأجرى عليهم أرزاقاً،

стр. 161

وجعلهم المقربين إليه، وعمل أعمالاً جليلةً من البر والعدل. ونور الدين زنكي (١) انتهز فرصة سلطنته على رقعة واسعة من البلاد الإسلامية، وقام بافتتاح سلسلة طويلة من المعارك مع الصليبيين الذين عاثوا في الديار الشامية زماناً طويلاً، ومهد الطريق لخلفة صلاح الدين الذي استغلَّ فرصة سانحة جداً وأخرج الصليبيين من بيت المقدس بعد احتلال طويل دام قرابة تسعين سنة. وهذا الأشرف خليل السلطان المملوكيّ (٢) الذي انتهز فرصة مناسبة فطرد الصليبيين من عكا آخر معاقلهم هناك، وطهر الساحل الشامي والديار الإسلامية منهم.

стр. 162

والسلطان العظيم محمد الفاتح (١) الذي مدحه النبي ﷺ بقوله: ((لتفتحنَّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش)) (٢)، هذا السلطان انتهز الفرصة السانحة المهمة وقام بفتح القسطنطينية القلعة الشامخة التي حاول كثير من الخلفاء والملوك فتحها فما تيسَّر لهم، فانتهز تلك الفرصة العظيمة، وافتتحها ودوي الأذان في جنباتها، وقهر الكفار قهراً عظيماً، ولله الحمد. والسلطان العظيم أورانك زيب عالم كَير (٣) الذي حكم دولة المغول شمال الهند خمسين سنة، انتهز فرصة

стр. 163

توليه السلطنة وأتى بأعمال مجيدة عظيمة منها تقريب العلماء، ووضع كتاب ((الفتاوى الهندية)) بمساعدة علماء النهد له، وأعاد العدل ورفع مظالم كثيرة، وألغى الضرائب والمكوس. والإمام محمد بن عبد الوهاب الذي انتهز فرصة سانحة ونشر العقيدة الصحيحة بين سكان نجد وما حولها بالتعاون مع الأمير محمد بن سعود، فقامت دولة الدين فتية، ولله الحمد. وهكذا الفرص إذا انتهزت وسخرت لصالح الإسلام والمسلمين فإنها تكون في غاية الفائدة ويكون منتهزُها مشكوراً مأجوراً إن شاء الله تعالى، والله أعلم. التدريب على انتهاز الفرص: إذا كانت الفرص وانتهازها على هذه الأهمية البالغة فيجب أن يدرب المرء نفسه على تحسس الفرص وإحسان انتهازها على الوجه المقترح الآتي: أولاً: ... إحسان تتبع الأخبار وتَسَقُّطها ، فإن كثيراً من الصالحين لا يأبهون بالأخبار ولا يتتبعونها التتبع الكافي إهمالاً منهم لها، أو زاهداً فيها، فيحسن بالمرء إذا أن يطَّلع على بعض الجرائد

стр. 164

والمجلات النافعة، ويتسمع الأخبار من مصادرها المتاحة. والأمر الغريب أن بعض من قلَّ فهمه يَنْبز مَن يتتبع أخبار المسلمين ومخططات الكافرين بأنه يريد معرفة فقه الواقع، وكأن فقه الواقع عيب يعاب على الناس وينبزون به! ثانياً: ... إحسان قراءة الوقائع بدون إفراط ولا تفريط ، ولا مبالغة ولا غلوِّ ولا شطط، فإن آفة الأخبار رواتها، والعجب ممن يهول الأمور تهويلاً يؤدي إلى الإحباط، أو يهون من شأنها تهويناً يؤدي إلى التقصير في تتبعها وإدراكها، فإن كلا الرجلين قد أخطأ القصد ومال إلى الإفراط أو التفريط. ثالثاً: توسيع ((الأفق)) ، فإن ضيقه يؤدي بالمرء إلى فقدان فرص كثيرة، أو إلى توهم ما ليس بشيء فرصة عظيمة، ويحصل للمرء ((سعة الأفق)) هذه بكثرة اطِّلاعه وتعدد رحلاته، ومقابلته لكثير من المجربين ممن صقلتهم الأيام، بالإضافة إلى ما رُزقه من موهبة فطرية ونظرات صائبة قوية.

стр. 165

رابعاً: ... إحسان بناء العلاقات بالناس خاصة الوجهاء والمقدَّمين منهم ، فإنهم - عادةً - الباب الذي يولج منه لانتهاز الفرص، والنبي ﷺ كان يولي هؤلاء عناية خاصة ويكرمهم ويرفع قدرهم (١). خامساً: ... الإقدام والعزم ، فإن النكوص والتردد والضعف بضيع الفرصة ويهدرها، قال تعالى (فإذا عزمت فتوكل على الله) (٢)، وقال الشاعر: إذا هبَّبت رياحك فاغتنمها ... فإن الخافقات لها سكونُ وإن ولدت نياقك فاحتلبها ... فلا تدري الفصيل لمن يكونُ سادساً: ... قراءة تاريخ الذين انتهزوا الفرص ممن ذكرتهم آنفاً وأمثالهم من المسلمين وغيرهم ، فإن تجاربهم نافعة، وتعلم المرء طرقاً متنوعة في هذا الباب، وخير ما يعين على هذا قراءة كتب السير وكتب الذكريات والمذكرات. سابعاً: ... استشارة أهل الخبرة في هذا الباب ، والاستفادة مما عندهم من تجارب، وكانت العرب قديماً

стр. 166

تقول: ما ندم من استخار، وما خاب من استشار. هذه بعض طرائق تعلم انتهاز الفرص ليُخدم بها الإسلام وأهله، والله تعالى أعلم.

стр. 167

التدريب على المحاسبة والمساءلة والتقويم لابد من إرساء مبدأ المحاسبة والمساءلة في كل أعمال المسلم، فالمحاسبة والمساءلة ترتفعان بالشخص إلى تحقيق ما هو مسؤول عنه ومطالب به، والعكس منذلك صحيح، فإذا غابت المحاسبة والمساءلة تدهور العمل وقلَّ العطاء. والله ﵎ يحاسب عبادَه يوم القيامة، ويرغبهم بمحاسبة أنفسهم قبل ان يُحاسبوا، والعباد يحاسب بعضهم بعضاً على الأموال والحقوق أشد المحاسبة، فالدعاة أحرى أن يحاسب بعضهم بعضاً، ويوقف بعضهم بعضاً على مسؤوليته في الدعوة إلى الله تعالى، فلو أخذت مراكز الدعوة والمكاتب التعاونية وهيآت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخذ بهذا كل العاملين للإسلام، لو أخذوا جميعهم بهذا المبدأ لاستقامت أمور كثيرة معوجَّة، ولصُححت أوضاع خاطئة كثيرة.

стр. 168

لماذا يكون ثقيلاً على النفس ((قيام شخص بمحاسبة شخص آخر ومساءلته ومناقشته في عيوبه أو هفواته، وبالخصوص إذا كان الشخص مساوياً للشخص في المكانة الاجتماعية، أو بخصوصية أكبر إذا كان الناصح أو الناقد أو المناقش شخصاً أقلَّ من الآخر في قليل أو كثير .. كم من أخوة ذابت، وصداقات تهاوت، وزمالة انتكست لأن الأخ أو الصديق أو الزميل حاول ألا ينتظر أو يمارس الحيادية الفارغة أو المجاملة عند صدور خطأ من الشخص، بل ناقش فيه فوراً ... )) (١). هذا، وقد كان النبي ﷺ يقيد من نفسه الشريفة الكريمة، وما ذلك إلا ضرب من المحاسبة في الذروة منها والكمال، فعن أُسيد بن حُضير (٢) ﵁ أن النبي ﷺ طعنه في خاصرته بعود، فقال: أصبِرْني (٣)، فقال: ((اصطبر))، قال: إن عليك قميصاً وليس عليَّ قميص، فرفع النبي ﷺ عن قميصِه فاحتضَنه وجعل يقبَّل

стр. 169

كَشْحه، قال: إنما أردت هذا يا رسول الله (١). وقال الشافعي: روي من حديث عمر أنه قال: ((رأيت رسول الله ﷺ يعطي القَوَد من نفسي)) (٢). فهذه أصول في المحاسبة يجب أن تراعي وتُؤدَّى. والنبي ﷺ كان يحاسب العمَّال، فقد ((استعمل رسول الله ﷺ رجلاً من الأَسْد (٣) على صفات صدقات بني سُلَيم يُدعى ابنَ اللُّتْبِيَّة، فلما جاء حاسبه)) (٤). وقال العينيّ (٥) رحمه الله تعالى:

стр. 170

((فيه من الفقه جواز محاسبة المؤتمن، وأن المحاسبة تصحح أمانته، وهو أصل فعل عمر رضي الله تعالى عنه في محاسبة العمال)) (١). هذا النبي ﷺ قد نبَّه أبا بكر الصديق ﵁ على أمر لم يُرضِه أن يصدر من أبي بكر ﵁، فعن عائذ بن عمرو رضي الله تعالى عنه أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: والله ما أخذت سوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر ﵁: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيِّدهم؟ فأتى النبيَّ ﷺ فأخبره، فقال ((يا أبا بكر لعلك أغضبتَهم، لئن كنتَ أغضبتَهم لقد أغضبتَ ربَّك)). فأتاهم أبو بكر ﵁ فقال: يا إخوتاه، أغضبتُكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي (٢). قال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى: ((هذا الإتيان كان وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية، ... وفيه مراعاة قلوب الضعفاء وأهل الدين وكرامهم وملاطفتهم)) (٣).

стр. 171

وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يعلِّم الأمة المحاسبة والتقويم فيقول: ((إنما أنا متَّبع ولست بمبتدع، فإن استقمتُ فبايعوني، وإن زِغْتُ فقوِّموني ... )) (١). إذاً المحاسبة ليس فيها محذور - إن شاء الله تعالى - وعلى كل من وَلِيَ أمراً من أمور المسلمين أن يتقبل المحاسبة بصدر رحب، وهي أسهل عليه من الحساب الأخرويّ، أو أنها تُسهِّل عليه الحساب الأخرويّ. التدريب على المحاسبة والتقويم: سأذكر في باب التدريب على المحاسبة والتقويم قواعد عامة لا تغني عن تفصيلات ليس هذا مكانها، فمن ذلك: ١ - إنشاء المجالس التقويمية: لابد لإحسان التقويم والمحاسبة من إنشاء مجالس تقويمية خاصة في كل هيئة ومؤسسة داعية للإسلام، فإن هذا المجلس خطوة صحيحة في طريق الدعوة، ولا بد أن يعطى هذا التقويم الزمان الكافي بدون ملل ولا

стр. 172

انقطاع وفق برنامج معد سلفاً متفق عليه بين أعضاء المجلس التقويميّ. ٢ - المصارحة والقوة: حتى يكون للتقويم أثره الصحيح لا بد من المصارحة بالأخطاء ونقدها بقوة - لا تخلو من أدب - فإن المجاملة والمواربة لا تصلحان في هذا المقام الخطير الشأن، والقسوة في هذا المقام تشبه قسوة الجراح على المريض حين يسرِّح مشرطه في جسده لكنه يُقدِّر أن هذا التسريح سيكون له أجمل العواقب وأحسنها، فلا يصح إذاً أن يغضب المرء من القوة والمصارحة حال التقويم، بل يبادر بالاعتذار المتلوِّ بالتصحيح، وعلى المقوِّم أن يحزم حيناً ويلين أخرى بحسب الحال والموقف، حتى لا يسير بمن معه على وتيرة واحدة من الحزم أو اللين فيفسد العمل. ٣ - الشمول: ينبغي أن يكون التقويم شاملاً لكل مناحي العمل فلا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولا شاردة إلا قيَّدها، ولا واردة إلا قوَّمها وأعدَّ له العدَّة اللازمة، وبغير ذاك قد ينفذ الخلل في ثنايا الصغائر ليقبلها كبائر، وقد يهدم البنيانَ الشامخَ زوالُ لبنة منه أو اختلالها.

стр. 173

٤ - التذكير حيناً بعد حين بأهمية العمل: إن للمجالس التقويمية أثراً بالغاً في التذكير بأهمية العمل والحرص على تجديد العهد به في متناول يده، وهذا الأصل معلوم في دين الإسلام، فالله تعالى كان يثبت نبيَّه ﷺ حيناً بعد حين في آيات كثيرات: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسُل ما نثبت به فؤادك) (١)، (فلعلك باخع نفسك على ءاثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) (٢)، (ما ودعك ربك وما قلى) (٣). ٥ - صقل العاملين: إن العاملين للإسلام لفي حاجة بالغة إلى انتهاج هذا الطريق التقويميّ والتمسك به، لكنهم قد يكونون في حاجة إلى الالتحاق بدورات تدريبية تعينهم على إحسان التقويم، والغرف التجارية والمراكز الدعوية كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمندوبيات الدعوية محالٌّ صالحة لإقامة مثل هذه الدورات لما للقائمين عليها من خبرة مناسبة، والعالم الغربي اليوم أهله في الذروة السامقة لطرق التقويم والمحاسبة؛ إذ أن حرص القوم على المال أداهم

стр. 174

إلى أن يضعوا قواعد لجلبه وحفظه، ومن ثم التقويم والمحاسبة فيه في الغاية من الدقة والضبط، فلو أخذنا بتلك القواعد المتجددة في عملنا الإسلامي لأفلحنا إن شاء الله تعال، والله تعال أعلم.

стр. 175

التدريب على الاخشيشان والتقلل من المباحات انقلبت كثير من المفاهيم والموازين في هذا العصر، وأصبح الترف - على سبيل المثال - هو القاعدة السائدة عند كثير من الناس، والأنكى والأشد أن يستمرئ الصالحون الترف ويبتعدوا عن الاخشيشان والتقلل وكأنهما وصمة عار أو هوان. إننا نتقلب - بحمد الله تعالى - في نعم عظيمة علينا أن نشكرها وأن نقدرها حق قدرها، ومن شكر النعم الأخذ منها بقدر وعدم التوسع فيها توسعاً يؤدي إلى نسيان المعاني العلية ويفضي إلى الكسل والإخلاد إلى الأرض، وعلى كل منا أن يدرِّب نفسه على الارتفاع عن كثير من المباحث واللذائذ حتى إن كانت متيسرة وسهلة عليه. إن الملايين الجائعة في العالم الإسلامي لهي أحق بتوجيه الأموال الفائضة إليها لا أن نتمتع بها وننسى إخواننا

стр. 176

المسلمين الذين يتضورون جوعاً ويموتون برداً. إن مشكلة الترفّه أنه يجلب الحقد: حقد الضعفاء والفقراء ما لم يشعروا بالمواساة الصادقة الكريمة، وقد يكون هذا الحقد من بعض الصالحين الذي يعيشون ظروفاً صعبة، ويلاحظون تمتعك بكل المباحث واللذائذ، وقد يقال: وهل يحق الصالح؟ أقول نعم، قد يَزلّ، وهل هو ملّك أو معصوم؟ نعم إن حقده خطأ، لكن الذي دعاه إليه ما يراه من ترفه وانشغال بالكماليات عند قوم وتضرره هو ومَن على شاكلته حتى لا يكادون يجدون كفايتهم. إن النبي ﷺ كان يتمتع باللذائذ والمباحاث لكن بقدر، وفي أوقات دون أوقات، ولذائذه ومتعه ﷺ لا تقارن بما عليه كثير من الناس - حتى الصالحين - اليوم في متعهم ولذائذهم، فقد كان ﷺ يحب الحلوى والعسل، وكانت النساء قد حُبِّبن إليه، وحُبِّب إليه الطيب، وكان يحب الكَتِف، ويعرف منه الصحابة رضي الله تعالى عنهم ذلك ويهدون إليه. وقد يقال: ما للاخشيشان ولموضوع الكتاب: التدريب على العمل الإسلامي؟ وأقول: إن للترف مدخلاً كبيراً في تأخير العمل الإسلامي، بل قد يهدمه، لأن للمترفين شأناً بعيداً عن شأن

стр. 177

العاملين الباذلين المجاهدين المضحِّين، والمترف يصعب عليه ترك لذائذه ومحبوباته، ومن ثَمَّ يصعب عليه أ، يعمل عملاً قوياً مؤثراً في الحياة من حوله، لذلك كان لابد من نوع من الاخشيشان والتقلل من المباحث يربط المرء بالمعاني العلية ويخرجه من دائرة الالتزام اليوميّ بمحبوباته وشهواته ومراداته. وهكذا كان السلف صدر الأمة ﵃ يخشوشنون أحياناً كثيرة ويتمتعون قليلاً، وما كانوا في تمتعهم - إذا تمتعوا - إلا أتقياء بزرة أنقياء، رضي الله تعالى عنهم. وقد كان النبي ﷺ على غاية من الاخشيشان لا يكاد يبلغه فيها أحد، هذا مع تمتعه في بعض الأوقات، وتناوله بعض اللذائذ والمباحات كما بيَّنت آنفاً. هذا وقد كان قادراً - بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه - على أن يكون ملكاً نبياً، لكنه ارتضى معيشة الزهد والتقلل لانها أقرب إلى الكمال، وقد ساس أهله ﷺ حتى ارتضوا تلك المعيشة، وخيَّرهن بين التوسع وفراقهن وبين الرضا بمعيشته ﷺ ، فارتضينه كلهن رضي الله تعالى عنهن. هذه عائشة رضي الله تعالى عنها تخبر عروة

стр. 178

رحمه الله تعالى - ابن أختها -: ((وإن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار))، فيتعجب عروة ويقول: ما كان يُعيشُكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء ... إلخ (١). وقال أنس: ((ما أعلم النبي ﷺ رأى رغيفاً مرققاً حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطاً (٢) بعينه قط)) (٣). وهذه عائشة رضي الله تعالى عنها تخبر أنه ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام بُرِّ ثلاث ليالٍ تباعاً حتى قبض (٤). ودخل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على رسول الله ﷺ وهو على حصير، قال: فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثَّر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وقَرَظ (٥) في ناحية في

стр. 179

الغرفة، وإذا إهاب معلق (١)، فابتَدَرتْ عيناي (٢)، فقال: ((ما يبكيك يا ابن الخطاب؟)) فقال: يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثَّر في جنبك، وهذه خِزانتك لا أرى بها إلا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت نبي الله وصفوته وهذه خزانتك؟ قال: ((يا ابن الخطاب: أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟)) (٣). أما حال السلف من الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهم الذين تربوا على ما شاهدوا النبي ﷺ عليه، وتدربوا على وصيته: ((إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخَلق فلينظر إلى من هو أسفل منه)) (٤). يعني أن النبي ﷺ يعلِّم أصحابه إذا ضاقت على أحدهم الدنيا أن يقارن بينه وبين من هو في ضيق أكبر وضنك أشد حتى يحمد لله تعالى ويرضى بحاله.

стр. 180

وهكذا درج أصحابه رضي الله تعلى عنهم، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد عُلم حاله من الاخشيشان والضيق الذي اختاره لنفسه ولم يفرضه عليه أحد، وقد لقي يوماً جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه وقد ابتاع لحماً بدرهم، فقال: ما هذا ياجابر؟ قال: قَرِم أهلي - أي اشتدت شهوتهم - فابتعت لهم لحماً بدرهم، فجعل عمر يردد: قَرِم أهلي، حتى تمنيت أن الدرهم سقط مني ولم ألقَ عمر، وفي رواية: أوَكلما اشتهيتم اشتريتم؟ (١) قال الإمام الحَلِيمي (٢) معلقاً على هذه الحادثة: ((لا ينبغي أن تعود النفس، ربما تميل به إلى الشره ثم يصعب تداركها، ولتُرَضْ من أول الأمر على السداد - أي على الاستقامة في المأكل والمشرب وعدم الفساد بالتوسع فيهما - فإن ذلك أهون من أن تدرب على الفساد ثم يجتهد في إعادتها إلى الصلاح، والله أعلم)) (٣). وجاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فسأله: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له
следующие страницы →