← Общие книги

Общие книги · id 36501

التدريب وأهميته في العمل الإسلامي

محمد بن موسى الشريف

Полный текст (193 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

من الزاد الكثير والمدد الكبير، وهو هناك حيث يلتقي العبد بربه في خلوة وفي نجاء، وفي تطلع وفي أنس، تفيض منه الراحة على التعب والضنى، وتفيض منه القوة على الضعف والقلة، وحيث تنفض الروح عنها صغائر المشاعر والشواغل، وترى عظمة التكليف وضخامة الأمانة فتستصغر ما لاقت وما تلاقي من أشواك الطريق. إن الله رحيم كلف عبده الدعوة ونزل عليه القرآن، وعرف متاعب العبء وأشواك الطريق، فلم يدع نبيه ﷺ بلا عون أو مدد، وهذا هو المدد الذي يعلم سبحانه أنه هو الزاد الحقيقي الصالح لهذه الرحلة المضنية في تلك الطريق الشائك، وهو هو زاد أصحاب الدعوة إلى الله في كل أرض وفي كل جيل، فهي دعوة واحدة، ملابساتها واحدة، وموقف الباطل منها واحد، وأسباب هذا الموقف واحدة ووسائل الباطل منها واحد، وأسباب هذا الموقف واحدة، ووسائل الباطل هي ذاتها وسائله، فلتكن وسائل الحق هي الوسائل التي علم الله أنها وسائل هذا الطريق. والحقيقة التي ينبغي أن يعيش فيه أصحاب الدعوة إلى الله هي هذه الحقيقة التي لقنها الله لصاحب الدعوة الأولى ﷺ ، هي أن التكليف بهذه الدعوة ينزل من عند الله فهو صاحبها، وأن الحق الذي تنزلت به لا يمكن مزجه بالباطل الذي يدعو إليه الآثمون الكفار؛ فلا سبيل إلى التعاون بين حقها وباطلهم أو الالتقاء في منتصف الطريق

стр. 72

بين القائم على الحق والقائمين على الباطل، فهما نهجان مختلفان وطريقان لا يلتقيان. فأما حين يغلب الباطل قوته وجمعه على قلة المؤمنين وضعفهم لحمة يراها الله، فالصبر حتى يأتي الله بحكمه، والاستمداد من الله والاستعانة بالدعاء والتسبيح ليلاً طويلاً هي الزاد المضمون لهذا الطريق. إنها حقيقة كبرى لا بد أن يدركها ويعيش فها رواد هذا الطريق)) (١). رابعاً: التدريب على مواجهة الطغاة: إن الله تعالى كلف رسله عليهم الصلاة والسلام الإبلاغ والإنذار، وساعدهم على هذا بمعجزات وأسعفهم بآيات بينات، ولقد أعد الله تعالى بعض أنبيائه فتربوا على التعامل مع هذه المعجزات. وليس أعظم ولا أدل على هذا من قصة موسى ﵊، فالله تبارك تعالى أرسله إلى أمتي القبط وبني إسرائيل، وهي مهمة صعبة ولا شك، كلن الله تعالى أعانه فدرَّبه قبل الرسالة وأثناءها، إذ مرَّت عليه أحداث جسام قبل الرسالة صقلته وهيَّأته، ولعل أبرز ما هيَّاه الله

стр. 73

تعالى به السنوات التي قضاها عند شعيب ﵊. ثم إن الله تعالى اصطفاه في مشهد مهيب بطريقة لم تتكرر في عظمتها ومهابتها وقوَّتها لنبي آخر، وكان في هذا حكماً كثيرة، منها - والله أعلم - تدريبه ليواجه هيبة فرعون وصورته التي تصوَّر عليها من العظمة والطغيان. ثم إن اله تعالى درَّبه على موجهة فرعون تدرياً كافياً شاملاً للمهمة التي أرسله من أجلها ﷻ ، والمتأمل لقصته في كتاب الله تعالى يعلم هذا، فقد قال ﷻ : (وما تلك بيمينك ياموسى * قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مئارب أخرى * قال ألقها ياموسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى * قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى * وأضمم يدرك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء ءاية أخرى * لنريك من ءايتنا الكبرى * اذهب إلى فرعون إنه طغى) (١). أليس إلقاؤه العصا وتحوّلها إلى حية أمام ناظريه نوعاً من التدريب على مواجة رهبة الموقف قبل حدوثه،

стр. 74

وكذلك الحال - أيضاً - في ضم موسى يدَه إلى جناحه وظهور عظيم بياضها ونورها الآدم شديد السمرة ﷺ . والله ﵎ كان قادراً على تثبيت موسى لأول وهلة، لكن من الحكم في هذا الصنيع هو أن ندرك أن الله سنناً في كونه يجب احترامها والتدريب على التعامل معها. ثم إن الله تعالى جرَأ نبيَّه موسى ﵊ على مواجهة الطاغية وماذا يقول له وكيف يرد، فقال: (فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى) (١). وطمأنه تعلى بقوله: (إنني معكما أسمع وأرى) (٢)، (قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بئاياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) (٣). فهل بعد هذا التدريب تدريب؟! خامساً: مواقف مختلفة: ومن المواقف التدريبية في كتاب الله تعالى - أيضاً - ما علمه رسول محمداً ﷺ من كيفية الإجابة على الأسئلة المستقبلية، فمن ذلك:

стр. 75

(سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (١). (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخدوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا * قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليما) (٢). وهذه الإجابات على الأسئلة المستقبلية فيها تثبيت وطمئنان، وفيها تدريب على مواجهة المواقف الحرجة الصعبة. ومن ذلك ما جاء في قضية داود ﵇، فقد أرشده الله تعالى وبيَّن له كيف يصنع الدروع حتى يتدرب عليها ويحسن صنعها، فقال جل من قائل: ( .. وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد وأعملوا صالحاً) (٣).

стр. 76

والمعنى: ألنَّا له الحديد فجعلناه في يده كالعجين يصرفه كيف يشاء، من غير نار ولا ضرب مِطرَقة، وأمرناه بعمل دروع سابغات، والسَّرْد: نَسْجُ كل ما يخشن ويغلظ، واستعير هنا لنظم الحديد وعمله دروعاً. ومعنى: (وقدر في السرد) أي: اجعل حلقها على مقاديرَ متناسبة، وقيل: لا تعمل الحلقات صيرة فتضعف فلا يقوى الدرع على الدفاع، ولا كبيرة فيُنال صاحبها من خلالها. وقد علَّمه الله تعالى كيف يصنع هذه الدروع على هيئة حِلَق، وإلا فقد كانت تصنع قبل ذلك صفائح (١)، فسردها وخَلّقها داود ﵇ فجمعت بين الخفة والتحصين (٢). وقيل أن الله تعلى علَّم داود ﵇ صنعة الدروع وما كانت تعرف قبل ذلك (٣)، ولعل على هذا يدل قوله تعالى: (وعلمناه صنعة لبؤس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون) (٤).

стр. 77

المطلب الثاني: تأصيل التدريب من السنة المطهرة كان النبي ﷺ حريصاً على تبليغ الدين على أتمِّ وجه، وقد صنع بأبي هو وأمي ﷺ ، وفي سبيل ذلك كان حريصاً على عدة أمور، منها: أن يدرب أصحابه رضي الله تعالى عنهم على أعمال متنوعة ليحسنوا قيادة الأمة من بعده ﷺ . هذا وإن هناك عدداً وافراً من المواقف التدريبة في سنة المصطفى ﷺ يظهر معها بوضوح مدى العناية الفائقة التي أولاها النبيّ ﷺ لهذه المسألة المهمة، ويظهر معها - أيضاً - عظمة هذا الدين وصلاحيته لكل زمان ومكان؛ فمن تلك المواقف: ١ - تدريب الصحابة على الدعوة وطرائقها: لما أرسل النبي ﷺ معاذا إلى اليمن علَّمه كيف يصنع، ودربه على الكلام مع القوم الكافرين فقال ﷺ :

стр. 78

((ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)) (١). ففي هذا الحديث تدريب لمعاذ على مواجهة أهل اليمن، وفي صحيح مسلم أنه قال له ﷺ : ((إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب)) (٢) فوصفهم له ﷺ حتى يكون على معرفة بمن سيقدم عليهم، ولأن أهل الكتاب يُفترض أن يكونوا أكثر قبولاً للدعوة من غيرهم من الوثنيين. هذا، وقد دربه - أيضاً - على التدرج في الدعوة، إ لا فائدة من دعوة قوم إلى فروع وهم عن الأصول غافلون، ولا فائدة من دعوتهم إلى أصل كان غيره أولى منه وأجدر بالدعوة إليه. ٢ - تدريب الصحابة على القضاء والفتوى: كان النبي ﷺ يعهد إلى بعض الصحابة بالقضاء

стр. 79

والفتوى ((على أنَّا نعلم أن فتاوى الصحابة لم يكن القصد منها إلا التمرين على الاجتهاد)) (١)، وذلك لأنه ليس لأحد أن يفتي أو يقضي بحضرة رسول الله ﷺ ، ولكن الغرض هو تدريب الصحابة ﵃ على شؤون القضاء والفُتيا بحضرته ﷺ . فعن عقبةَ بن عامر الجهني (٢) رضي الله تعالى عنه قال: جاء رسولَ الله ﷺ خصمان، فقال: ((اقضِ بينهما))، قال: أنت أولى بذلك مني يارسول الله، قال: ((وإن كان)) قال: فإذا قضيت بينهما فما لي؟ قال: ((إن كنتَ قضيت بينهما فأصبحت القضاء فللك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة)). ومثل هذا - أيضاً - جاء عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما (٣).

стр. 80

وفي قضاء عقبة وعمرو ﵄ بين يدي رسول الله ﷺ تدريب على القضاء بحضرته وتعليم. وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: ((بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضياً، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء؟! فقال: ((إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينَّ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء))، قال: فما زلت قاضياً، أو: ما شككتُ في قضاءٍ بعدُ)) (١) ولا ينسى في هذا المقام أمره ﷺ سعد بن معاذ أن يحكم في يهود بني قريظة بحضرته ﷺ ، فلما حكم فيهم حكمه الشهير المعروف، صوب حكمه، وهذا نوع من التدريب والتعليم.

стр. 81

٣ - تدريب الصحابة على إدارة بعض شؤون دنياهم: كان النبي ﷺ يدرِّب الصحابة على إدارة بعض شؤون دنياهم حتى يكتفو ويبتعدو عن ذلِّ الحاجة والقلة، فمن ذلك ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رجلاً من الأنصار أتى النبي ﷺ يسأله، فقال: ((أما في بيتك شيء؟)). قال: بلى، حِلْسّ (١) نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقَعْبٌ (٢) نشرب فيه الماء. قال: ((ائتني بهما)). قال: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ بيده وقال: ((من يشتري هذين؟)) قال رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال: ((من يزيد على درهم؟)) مرتين أو ثلاثاً. قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاريِّ وقال: ((اشترِ بأحدهما

стр. 82

طعاماً فأنبذه (١) إلى أهلك واشترِ بالآخر قدوماً (٢) فأتني به)). فأتاه به فشدَّ رسول الله ﷺ عوداً بيده، ثم قال له: ((اذهب فاحتطب وبِع، ولا أرينَّك خمس عشر يوماً))، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصابَ عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً. فقال رسول الله ﷺ : ((هذا خير لك من أن تجيء المسألة نُكتةً في وجهك (٣) يوم القيامة. إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مُدقِع (٤)، أو لذي غُزمٍ مُفظِع (٥)، أو لذي دم موجع (٦)) (٧).

стр. 83

ففي هذا الحديث تعليم من النبي ﷺ وتدريب لهذا الصحابي الكريم ﵁، بل هو تعليم وتدريب لك الأمة من بعده، وإرشاد لها إلى الأخذ بأسباب العلم والتدريب للرقي بالأمة إلى المجد والعلياء.

стр. 84

المطلب الثالث: تأصيل التدريب من عمل السلف الصالح ﵃ ومن تبعهم قد كان للصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم من صدر هذه الأمة أعمال في التدريب على شؤون العمل الإسلاميّ، وتبعهم على ذلك جماعات من الخلف كانت لهم أياد بيضاء في هذا الباب، فمن تلك النماذج: ١ - تدريب عمر أبا موسى الأشعري ﵄ وشريحاً على القضاء: هذا عمر رضي الله تعالى عنه يدرب شريحاً (١) على القضاء قائلاً:

стр. 85

((اقض بما استبان لك من كتاب الله، فإن لم تعمل كل كتاب الله فاقض بما استبان لك من قضاء رسول الله ﷺ ، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله ﷺ فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح)) (١) وفي تفصيل أطول وتدريب أوسع بيَن عمر لأبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما أصول القضاء فكان فيما قاله له: (( ... آسِ الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حِيْفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على المدعي واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحلَّ حراماً أو حرّم حلالاً، ومن ادَّعى حقاً غائباً أو بينة فاضرب له أمداً ينتهي إليه، فإن بيّنه أعطيته بحقه، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعلماء، ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإنّ الحق قديم لا يُبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل،

стр. 86

والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجرَّباً عليه شهادة الزور أو مجلوداً في حد، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة، فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان. ثم الفهمَ الفهمَ فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال (١) ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق، وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر عند الخصومة ... فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ... )) (٢). ٢ - تدريب عمر رضي الله تعالى عنه الناس على القوة والاخشيشان: قد كانت حال الفاروق معروفة في هذا الباب، لكنه لم يكتف بحاله بل أراد حمل الناس على أن يكونوا أقوياء فيهم خشونة الرجال وقوتهم، فها هو يقول لأهل الشام: ((ائتزروا وارتدوا (٣)، وانتعلوا وألقوا الخفاف، وارموا الأغراض (٤)، وألقوا الُّركُب وانزوا نزواً على الخيل (٥)، وعليكم بالمَعَدِّيَّة (٦)، ودعوا التنعم وزي العجم ... )). وقال أيضاً لأهل حمص: ((علِّموا أولادكم الرماية والفروسية والسباحة ... وتمعددوا (٧)، واخشوشنوا، واستقبلوا حر الشمس بوجوهكم، وارموا

стр. 87

الأغراض، وانزوا على الخيل نزواً)) (١). ٣ - التدريب على قراءة القرآن العظيم: كان جبريل ينزل بالقرآن العظيم على النبي ﷺ فيتعلم منه كيفية نطقه وتجويده، ثم إن النبي ﷺ علَّم الصحابة كيفية نطق القرآن العظيم وتجويده، وجهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم في تعليم التابعين وتدريبهم على كيفية نطق القرآن العظيم وتجويده، وكان عدد منهم رضي الله تعالى عنهم قد تفرَّغوا لهذه المهمة الجليلة، منهم: الفاروق عم وعثمان وعلي وابن مسعود وغيرهم

стр. 88

رضي الله تعالى عنهم، وأخذ عنهم التابعون وأقرأوا تابعيهم .. وهلمَّ جرّا. وهذا أبو الدرداء (١) رضي الله تعالى عنه، كانت له طريقة فريدة يعلِّم بها الناس القرآن، وذلك بجامع دمشق، فكان إذا صلَّى الفجر اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريف، ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم رجع على عريفه، فإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء فسأله عن ذلك. وكان عدة من يقرأ في المسجد ألفاً وستمائة ونيفاً، فإذا أحكم واحد منهم القراءة ترك عريفَه وقرأ على أبي الدرداء (٢). فهذه الطريقة الفريدة في التدريب على قراءة القرآن العظيم مما يحسن ذكره هاهنا في التأصيل لأهمية التدريب وبيان أخذ أسلافنا به على وجه حسن.

стр. 89

٤ - التدريب على قضايا علمية منوعة: ثم إنه كان في سلف هذه الأمة وخلفها رجال عظماء وعلماء كبراء حرصوا على أن يكون لهم تلاميذ يقتفون أثرهم من بعدهم وينسجون على منوالهم، فعلَّموهم ودرَّبوهم، وهذا مأثور معروف، فقد كان لأبي حنيفة رحمة الله تعالى أصحاب يتعلمَّون منه ويتدرَّبون، وكذلك كان للإمام مالك والشافعي وأحمد، وكثير غيرهم من أئمة الهدى ورؤوس الرشاد. وعلى هذا درج السلف والخلف، وظهر ما يسمى بالمعيد، وهو الذي تدرَّب على إعادة الدرس بعد الشيخ للطلبة، وبرزت المدارس الفقهية الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، وهي - على الحقيقة - حلقات علم وتدريب على أصول المذهب وكيفية الاستنباط بموجب تلك الأصول، وكان المشايخ يدربون طلابهم على الاستنباط والتصنيف، وكانوا يشجعوهم على مناقشة الآراء الفقهية بجرأة وقوة حتى تتكون عند أولئك الطلاب الملكات الفقيهة المهمة. وهناك بعض العلوم لا تفهم إلا بالتدريب والمشافهة كالتجويد والقراءات، وأصول الفقه والمنطق والفلسفة، وقد كان التدريب علامة بارزة في هذه الحقول العلمية، وقد ذكر بعض الأئمة في بعض كتبهم جوانب من التطبيقات والتدريبات على بعض مطلوبات الشارع الحكيم في جانب

стр. 90

الزهد والرقائق، منها - على سبيل المثال -التدريب على التأثر بقراءة القرآن الكريم، فقد قال الإمام النووي (١) مدرباً على البكاء والتأثر عند قراءة القرآن: ((وطريقة تحصيل البكاء أن يتأمل ما يقرأ من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود، ثم يفكر في تقصيره فيها، فإن لم يحضره عند ذلك حزن وبكاء فليبك على فقد ذلك فإنه من المصائب)) (٢). نماذج من المربِّين المدرِّبين ١ - قال الأستاذ عبد البديع صقر، رحمه الله تعالى: ((عرفنا في مصر شيخاً ممن يُقتدي بهم كان من عادته أن يلتقي بتلاميذه من الشباب في رحلات تستمر يوماً أو بعض يوم، فإن لم يتيسر ذلك ففي لقاءات داخل المدينة. يصلي بهم صلاة طويلة مظمئنة يقرأ فيها من طوال

стр. 91

المفصِّل من آيات القرآن، ثم يقدمهم تباعاً للإمامة، يدرِّبهم تدريباً فيهم الثقة بأنفسهم، ويضطرهم - من بَعْدُ - للحفظ والتجويد، ويتناولون طعاماً مشتركاً، وأثناء تناول الطعام يذكر لهم ما ورد عن رسول الله ﷺ في آداب الطعام والشراب. ويقوم وإياهم بتدريبات رياضية يذكرهم خلالها بما ورد في آداب الرمي والسباق والقوة والجهاد. يجلس معهم جلسات روحية للذكر والتدبر وتلاوة القرآن، تتخللها - أحياناً - القصص المشوقة والحكايات اللطيفة، ويغلب فيها التأثر والبكاء من خشية الله - أحياناً - حتى ترقَّ القلوب. ويدعوهم لقيام الليل بالعبادة فرادى أو جماعات ويكون هو أسبقهم لذلك. ويدربهم على أساليب الخطابة والدعوة مع نقد متبادل للخطباء بعضهم لبعض حتى يفك عقدة ألسنتهم ويعطيهم الخطوة الأولى لتصدر الجماهير)) (١). ٢ - الإمام حسن البنا رحمه الله تعالى: كان من ميزات هذا الإمام المجدد الكثيرة أنه مُربِّ

стр. 92

مدرِّب، وفي حياته مواقف كثيرة من التدريب العمليّ لكني سأورد بعضها مكتفياً بها عن البعض الآخر: كان يجتمع ببعض إخوانه فيخرج بهم إلى مكان حدده لهم، فيحدثهم في شؤون الدعوة، ويصلُّون خلفه المغرب والعشاء، ويتناولون سوياً طعاماً خفيفاً، ويتذاكرون ويتسامرون قليلاً، وبعد صلاة العشاء بقليل ينامون على الأرض في حجرة واسعة، ثم يستيقظون قبل الفجر بساعتين فيتوضأون، ويتهجدون بعض ركعات فرادى، ثم يتلو عليهم جزء من القرآن العظيم متحلقين، ثم يلقي عليه الأستاذ الإمام درساً في التكوين النفسيّ والإيمانيّ والعلميّ للداعية، وكيفية التجنب لمواطن الزلل في التاريخ القديم والمعاصر، ثم يترك وقتاً قبل الفجر للاستغفار، ثم بعد أداء الصلاة ينصرف بهم إلى تفسير بعض آيات من القرآن العظيم، وثم إذا سمح المكان لتأدية بعض أنواع الرياضات أدَّوها، ثم ينصرفون (١). وهذا الأمر يتكرر مرة أو مرتين كل شهر، هذا عدا عن صيام يوم أو يومين كل أسبوع والإفطار سوياً حتى تتعمق معاني الإيمان والأخوة (٢).

стр. 93

أليست هذه الطريقة المذكورة هنا والطريقة التي ذكرها الأستاذ عبد البديع صغر قبلها أجدر على الداعية وأَعْوَدَ بالنفع عليه من عشرات المحاضرات في قيام الليل وتربية النفس؟ بلى والله، وإن هذا التدريب يحمل النفس على التجرد والثبات والتضحية، ويحملها على تحمل تبعات الدعوة. وقد كان له في باب التدريب على الدعوة يدٌ طولى، وما سطره بيده خير شاهد على هذا إذ قال: ((فكرت إن أدعو إلى تكوين فئة من الطلاب الأزهريين وطلاب دار العلوم للتدريب على الوعظ والإرشاد في المساجد ثم في القهاوي والمجتمعات العامة، ثم تكوين منهم بعد ذلك جماعة تنتشر في القرى والريف والمدن الهامة لنشر الدعوة الإسلامية، وقرنت القول بالعمل، فدعوت لفيفاً من الأصدقاء للمشاركة في هذا المشروع والجليل ... كنا نجتمع في مساكن الطلاب في مسجد شيخون بالصليبة ونتذاكر جلال هذه المهمة وما تستلزمه من استعداد علميّ وعمليّ، وخصصت جزءاً من كتبي كالإحياء للغزالي وبعض كتب المناقب والسيَر لتكون مكتبة دورية خاصة بهؤلاء الإخوان، يستعيرون أجزاءها ويحضِّرون موضوع الخطب والمحاضرات منها. وجاء الدور العمليّ بعد هذا الاستعداد العلميّ،

стр. 94

فعرضت عليهم أن نخرج للوعظ في القهاوي، فاستغربوا ذلك وعجبوا منه وقالوا: إن أصحاب القهاوي لا يسمحون بذلك ويعارضون لأنه يعطل أشغالهم، وإن جمهور الجالسين على هذه المقاهي قوم منصرفون إلى ما هم فيه، وليس أثقل من الوعظ، فكيف نتحدث في الدين والأخلاق لقوم لا يفكرون إلا في اللهو الذي انصرفوا إليه؟ وكنت أخالفهم في هذه النظرة وأعتقد أن هذا الجمهور أكثر استعداد لسماع العظات من أي جمهور آخر، من جمهور المسجد نفسه؛ لأن هذا شيء طريف وجديد عليه، والعبرة بحسن اختيار الموضوع، فلا نتعرض لما يجرح شعورهم، وبطريقة العرض (١) فتعرض بأسلوب شائق جذاب، وبالوقت فلا يطيل عليهم القول. وقد بدأ هذا الفريق بتجربته، وأخذوا بزيارة بعض المقاهي، ولقد كان شعور السامعين عجيباً، وكانوا ينصتون في إصغاء ويستمعون في شوق، ونحن سعداء بهذا النجاح)) (٢). وقد ألقى الإمام أكثر من عشرين خطبة في مقاهٍ متعددة استغرقت كل واحدة منها ٥ - ١٠ دقائق، ثم استمر

стр. 95

هو ومنم معه على هذا العمل برهة من الزمان (١). وواضح أن الحاجة للدعوة بالمقاهي كانت بسبب انصراف الشباب عن المساجد آنذاك وعكوفهم على المقاهي والملاهي، أما اليوم فقد تبدل الحال، والحمدلله، لم يعد للوعاظ حاجة لهذا الأسلوب إلا نادراً.

стр. 96

الفصل الثاني عرض لبعض طرائق التدريب في بعض القضايا المهمة

стр. 97

مدخل إن التدريب يشمل أموراً كثيرة أعظم من أن تحصر في كتاب أو يتحدث عنها في عجالة كهذه؛ إذ قلَّما أمر يهم المسلم في شؤون الدعوة إلا وهو محتاج فيه إلى تدريب، لكني سأتخيَّر نواحي محددة أرى - والله تعالى أعلم - أنها ألصق بالحاجة من غيرها وأنها مجالات يقصِّر الدعاة فيها - أو أكثرهم - تقصيرً بيناً لا لسبب إلا أنهم لم يدربوا أنفسهم على خوض غمارها والتوسع في تناولها، وسأذكرها ذكراً لا يتناولها تفصيلاً، إذ هذا الكتاب لا يحتمل هذا التوسع، لكني سأركز على التدريب أكثر من التوسع، لكني سأركز على التدريب أكثر من التوسع في الجانب النظريّ.

стр. 98

التدريب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إسلاميّ متفق عليه، لكن كيف يؤدي هذا الواجب؟ ومتى يقدم المرء على النصح ومتى يُحجم؟ وماهي قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ إلى آخر هذه الأسئلة التي تتعلق بهذا الأمر المهم. والذي يعني به هذا المبحث هو التدريب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإيجاد هذا الباعث في نفوس الصالحين؛ وذلك لأن جمهور غالبة من الدعاة والصالحين قد قصروا في هذا الباب، وتركوه حتى صار بينهم وبينه نُفرة طبيعية، لا لشيء إلا لأن كل متروك مهجور يكون بينه وبين النفس الإنسانية نُفرة ووحشة. ولقد كثرت المصنفات في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستقر في النفوس وجوبه وأهميته،

стр. 99

لكن كيف يؤمر وينهي؟ ولقد درس هذا الموضوعَ طلابٌ كثر في المعاهد الدراسية وفي غيرها، ولكن التطبيق أمر آخر؛ إن الطبيب يدرس ست سنوات لكن لا يسمح له مزاولة المهنة إلا بعد سنة امتياز سابعة يدرَّب فيها على أيدي أطباء مهرة، وبعد ذلك يمنح الشهادة بأنه أهل وحائز للمهارة المطلوبة، وقس على ذلك المهندسين والفنيين .. فكيف يتخلف عن هذا الأمر المهم - وهو التدريب العلمي - الطلبة الدارسون لقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ولا بد أن يعلم أن التدريب مهم غاية الأهمية في هذا الباب لأنه يكفل عدم الغلو والشطط أو التساهل، ويكفل التقليل من الأخطاء العلمية في هذا الباب، وفي الوقت نفسه يحفظ الداعية من اليأس والإحباط اللذيْن قد ينتجان من نفرة المدعو أو خشونته أو غير ذلك، أو ينتجان من رؤية الداعية كثيرة المنكرات وقلة حيلته وضعفه في هذا الباب. الخطوات العملية في هذا الباب: ١ - مصاحبة داعية بصير مجرب ، والتلقي على يديه كيفية تطبيق قواعد الأمر والنهي بدون تساهل ولا غلو؛ فقد كان عدد من السلف يأمرون بالمعروف

стр. 100

وينهون عن المنكر في رجال صالحين تخيروهم على عينهم وارتضوهم في هذا الباب، منهم هشام بن حكيم بن حزام (١) ﵄ حيث كان يأمر بالمعروف في رجال معه (٢)، منهم عبد الرحيم بن محمد العَلْثي البغدادي (٣) الذي كان شيخ بغداد في وقته ومن أجلِّ علماء الحديث، وكان ملتزماً بالسنة زاهداً، وكان له أتباع وأصحاب يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٤). ٢ - مصاحبة رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جولاتهم الدعوية ، والاستفادة مما عندهم من خير كثير في هذا الباب، ويمكن أن

стр. 101

يتمَّ هذا بتنسيق محدد في زمان الإجازات ونحوها، ويمكن أن يكون هذا التنسيق بالتوظف في الهيئة لمدة زمنية محددة تطوعاً واحتساباً، وهذه فرصة حسنة؛ إذا لا أعلم بلداً في الدنيا فيها هيآت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- على هذا النحو الذي هو عليه - إلا في هذا البلد المبارك. ٣ - إنشاء معهد خاص للتدريب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والإشراف على تطبيق هذه الشعيرة المباركة على أيدي علماء شجعان أقوياء مجربين بصرين؛ فإن هذه الأمة بحاجة ماسة إلى مثل هذه المؤسسات الدعوية المهمة. ٤ - التدريب على الصبر على الإيذاء النفسيّ والجسديّ ، وطريق المرء إلى هذا هو تفهم وتدبر هذه الآية الكريمة (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) (١)، وأيضاً معرفة سير الأنبياء والصالحين قبله وكيف أوذوا وصبروا.

стр. 102

٥ - التدرب على الشجاعة ومحاولة اكتساب ما يمكن اكتسابه من هذه الصفة المهمة ، والطريق إلى التطبع بهذه الصفة والتزود منها تدبر هذه الآية (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (١) وأمثالها من الآيات، وقراءة سير الشجعان والأبطال، فإن هذا يعود على المرء بفائدة كبيرة. ٦ - الاطلاع على سير الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من الأنبياء والصالحين ، فإن هذا يقوي المرء ويشجعه ويسكبه استهانة بعواقب الأمر والنهي التي يقف دونها أكثر الدعاة والصالحين وتؤثر فيهم أيما تأثير، فهذا الإمام العالم الحافظ العابد تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ثم الدمشقي الحنبليّ، كان عجباً في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ كان ((لا يرى منكراً إلا غيَّره بيده أو بلسانه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم))، ورآه أحد الصالحين وهو يريق خمراً، فجذب صاحب الخمر السيف فلم

стр. 103

يخف الحافظ منه بل أخذه من يده، وكان قوياً في بدنه، وكثيراً ما كان بدمشق ينكر ويكسر آلات اللهو. و ((كان بعض أولاد صلاح الدين قد عملت لهم طنابير (١) وكانوا في بستان يشربون، فلقي الحافظ الطنابير فكسرها)) وقال الحافظ عن هذه الحادثة: ((فلما كنت أنا وعبد الهادي عند حمام كافور إذا قوم كثير معهم عصيّ فخففت المشي وجعلت أقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فلما صرت على الجسر لحقوا صاحبي فقال: إنا ما كسرت لكم شيئاً هذا هو الذي كسر، فإذا فارس يركض فترجّل وقبَّل يدي وقال: الصبيان ما عرفوك)) وكان قد وضع الله له هيبة في النفوس إلى أشياء من هذا القبيل تراجع في سيرته (٢). فبمثل هذه الأخبار والقصص يتشجع المتردد الخائف ويقبل ويتوكل ويحتسب. ٧ - زجُّ النفس وإغماسها في الأمر بالمعروف والنهي

стр. 104

عن المنكر من خير الوسائل للتدرب عليه، والخطأ وارد ومقبول من المبتدئ، وقد قيل للبنا رحمه الله تعالى: ((نريد أن تعلمنا الخطابة وفنون الدعوة، فأجاب قائلاً: سيروا في القرى وطرقات الأرياف مرة في اليابس ومرة في الطين، وخالطوا هذا الشعب المؤمن وعندها يفتح الله عليكم وهو الفتاح العليم)) (١). ٨ - التدرج في التطبيق مع البصيرة النافذة والحكمة والموعظة الحسنة ؛ فإن هذا من شأنه أن يرسخ عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في النفوس. بهذه القواعد التدريبية العلمية وأمثالها يتدرب الدعاة عملياً على هذه العبادة الواجبة والشعيرة الربانية الثابتة، وينكسر الحاجز النفسيّ الذي حال بينهم وبينها سنوات طوالاً، ويشعرون أثناء أداء هذه العبادة بلذة إيمانية رائعة، ويرفعون عن الأمة إثم فرض الكفاية هذا، والله أعلم.

стр. 105

التدريب على مواجهة المواقف الحرجة الحياة المعاصرة مليئة بالمواقف الحرجة التي يجب أن تواجَه على نحو يساعد على تخطِّيها والتخلص منها، والشخص الذي يعيش حياته بلا تخطيط معرض لتلك المواقف، وينبغي إعداد النفس وتدريبها عليها. ومثال على تلك المواقف: رجل صالح يدخل المسجد يوم الجمعة وقد غاب الإمام فتتعلق به الأنظار ويرغب إليه أن يؤدي الجمعة، فماذا هو صانع؟ إن أحجم عيب عليه ذلك الإحجام، وإن أقدم على غير استعداد عيب عليه ذلك الإقدام. وقد حضرت - وأنا طفل صغير- موقفاً مشابهاً في إحدى المساجد الكبرى التي لها فضل في الإسلام، وذلك وقت صلاة الجمعة حيث غاب الإمام، وصار الناس يكلف بعضهم بعضاً بالإمامة، فصعد المنبر -بعد لأْي- أحد

стр. 106

((الدكاترة)) الشرعيين، فلم يستطع أن يؤدي الخطبة على وجه مقبول وأُرْتج عليه تماماً، فعجبت من حال ذلك الذي بلغ في العالم النظريّ مبلغاً حسناً ثم هو لا يستطيع القيام بمهمة يسيرة نسبياً. ومثال آخر: شخص عهد إليه بكتابة مقال أو بحث، ولم يسبق له أن صنع ذلك الصنيع قبل ذلك، وقد يكون الذي عهد إليه فِعلَ ذلك مديره في المدرسة أو أستاذه أو مدير الشركة أو المصنع ونحو ذلك مما لا يملك له رداً ولا صرفاً فماذا يصنع؟ إن هذه المواقف وأمثالها تحتاج إلى إعداد نفسيّ وذهنيّ، وتصميم على تجاوز ذلك الموقف، فيجدر بالشخص - خاصة الصالح الداعية - أن يعدَّ نفسه دوماً لمواجهة تلك المواقف وأمثالها بالتدريب والتهيؤ. وهناك طريقتان للتدرب على مواجهة المواقف الحرجة: الطريقة الأولى تكون باجتماع عدد من الدعاة، والطريقة الأخرى يكون الداعية منفرداً فيها بنفسه، ولعل الطريقتين تكمل الواحدة منهما الأخرى.

стр. 107

الطريقة الأولى: وهي طريقة عملية لطيفة لإعداد النفس حتى تعتاد المواقف الحرجة وتتجاوزها، وليس بالإمكان توقع موقف بعينه، لكن يمكن أن يتدرب الداعية على مواجهة مواقف يظن أنها جامعة لغيرها وتندرج تحتها باقي المواقف، وهذه الطريقة تتخلص في أن يجتمع أشخاص - وليكونوا ستة مثلاً - في حي أو مدرسة أو جامعة أو غير ذلك، ثم إنهم يتناوبون في تكليف بعضهم بعضاً بمواقف محرجة صعبة، فيكلَّف واحد منهم بأن يقوم فيتحدث في عشر دقائق - مثلا - عن موضوع يلقي عليه، ويكلف الآخر بأن يخطب كخطبة الجمعة بكل شروطها وسننها وآدابها لمدة ربع ساعة مثلاً، ويكلف ثالث بتصنيف رسالة في موضوع محدَّد، ويُعطى وقتاً محدداً لإنجازها، ويطلب من رابع الذهاب إلى سوق محدَّد والقيام بمهمة النصح والإرشاد، ثم العودة وتلاوة النتائج على الآخرين، ويكلَّف خامس بتدريس مادة محددة لباقي الأفراد، ثم يطلب من الآخرين نقده وتبيين أخطائه. ثم تجتمع تلك المجموعة كرَّات ومرَّات، ويعاد التكليف بالتكاليف السابقة لأشخاص مختلفين، مع مزج ذلك بأفكار جديدة، وبتكرار هذا ونحوه بعتاد الشخص المتدرب على مواجهة العديد من المواقف الصعبة مما

стр. 108

يسهِّل عليه تجاوز أمثال تلك المواقف مستقبلاً. ولابد أن يراعى في أفراد المجموعة التجانس والإخاء والمودة، ويمكن لهم أن يستعينوا ببعض الكتب والأشخاص حتى تسهل عليهم مهمتهم، والله تعالى أعلم. الطريقة الأخرى: وهي أ، يعد الداعية نفسه لمواجهة المواقف الحرجة إعداداً منفرداً، وذلك بأن يقرأ تجارب من سبقه، وأن يفكر فيما يمكن أن يقابله من مواقف محرجة في دعوته، وما يمكن أن يفاجئه ولم يفكر فيه من قبل أو يحسب له حساباً. ومن لطيف ما قرأته في هذا الباب أن الأستاذ الداعية عبد البديع صقر ﵀ كان قد أعد أسئلة قَدّر أنها قد تواجه كل داعية وكلّ محاضر مخالط للناس، ويبدو أنه سردها بعد أن اصطفاها من الأسئلة التي وجهت له ولأمثاله من الدعاة، ثم إنه لم كتف بذلك بل قام بالإجابة عليها إجابة نموذجية - فيما يظن - حتى يُذهب من نفوس الدعاة والمحاضرين هيبة مواجهة الأسئلة التي لم يعدوا لها جواباً من قبل ن وهذه الأسئلة والأجوبة متنوعة في عدة مجالات: الشرعية، والسياسية، والدعوية. ثم أنه بعد فراغه من الأسئلة والأجوبة أورد بعض

стр. 109

القضايا التي هي مثار شبهات وقام بالإجابة عليها، وذلك نحو الجهاد، والاكتفاء بالأخذ من القرآن الكريم، وتقسيم الدين إلى باطن وظاهر، إلخ ... (١). نحو هذا المسلك المبتكر يربى في الدعاة الثقة بالنفس ويدربهم على مواجهة الناس بحصيلة جيدة واقعية من الفهم الشرعي والثقافة الإسلامية، ولعل من أجمل ما يُعد به الداعية نفسه في كلتا الطريقتين المذكورتين آنفاً أن يقرأ كتب الذكريات التي كتبها دعاة فطاحل وُوجهوا ما يطبع في نفس القارئ القدرة على مواجهة المواقف الصعبة المماثلة التي قد يُقدَّر عليه أن يواجهها، والله تعالى أعلم.

стр. 110

التدريب على الإلقاء ليس على جماهير الصالحين - اليوم - أصعب من إلقاء المواعظ على الناس في الخطب وغيرها، أو الحديث المباشر المؤثر. ويتهرب جمهرة صالحة من الناس من هذا كل التهرب بدعوى عدم القدرة، والعجيب أنهم لا يبذلون وسعهم لإصلاح هذا العيب؛ فهذا خلف بن هشام (١) - أحد أئمة علماء السلف - يقول: أشكال علي باب من النحو فأنفقت فيه ثمانين ألف درهم حتى أتقنته (٢)، سبحان الله
следующие страницы →