← Общие книги

Общие книги · id 36505

الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم

يوسف الطويل

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الله هو الذي أرسلهم وهو الذي أمر بالإيمان بهم (١)، قال تعالى: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير " (سورة البقرة: الآية ٢٨٥) فإذا هم أجابوه شرح لهم العقيدة الصحيحة ثم ثنى بمبادئ الإسلام وفرائضه مبيناً أن الإسلام هو دين جميع البشر، قال تعالى: "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" (سورة آل عمران: الآية ٨٥) أما إذا لم يجيبوه، فيكون قد أدى أمانة البلاغ، وأمرهم وحسابهم بعد ذلك إلى الله. وهكذا فإن علاقة المسلمين بأتباع الأديان الأخرى تدور على محور واحد، عرض مبادئ الإسلام بوضوح ورد الشبهات بأدب، وإعطاء فرصة للتأمل والحكم المتأني، فلا استعجال ولا استغلال، أنه البلاغ الخالي من الإكراه الذي يخلى بين كل امرئ وضميره فإن شاء أسلم وإن شاء بقي حيث هو وحسابه إلى الله. فحوار الإسلام مع الديانتين اليهودية و المسيحية كما دشنه النبي، صلى الله عليه و سلم، و وضع أصوله ثم سار على هديه الكريم خلفاؤه الراشدون يرتكز على أربعة مبادئ أساسية هي: قبول الإختلاف و التنوع - عدم الإكراه على الدين التعاون على البر و التقوى -تحريم العدوان و تقييد الحرب أخلاقيا. حيث لا تزال هذه المبادئ تشكل خلفية ثمينة و صالحة لحوار مستقبلي ناجع و منفتح بين الديانات الثلاث (٢). ويجب - قبل أن نخوض في التفاصيل - أن نثبت حقيقة مهمة، وهي أن المسلمين يؤمنون بكل الأنبياء ويعتبرون تراث الأنبياء تراثهم، ويعتبرون رسالتهم الإسلامية امتداداً لرسالات الأنبياء الذين جاءوا من قبلهم، وأن الدعوة التي دعا إليها الأنبياء هي نفس الدعوة التي دعا إليها محمد ﷺ وبالتالي فإن رصيد تجربة الأنبياء في دعوتهم للحق وعبادة الله وحده لا تنفصم عن دعوة المسلمين ورصيد تجربتهم. وانظر إلى قوله سبحانه ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، فهي رسالة التوحيد التي يدعو إليها كل رسول. وعندما كان يكذب أي قوم رسولهم فقد كان ذلك تكذيباً لجميع المرسلين، وتأمل

стр. 1017

قوله تعالى في ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾، ﴿كذبت عاد المرسلين﴾، ﴿كذبت ثمود المرسلين﴾، ﴿كذبت قوم لوط المرسلين﴾، ﴿كذب أصحاب الأيكة المرسلين﴾ (١). فقد اعتبر الإسلام أنبياء الماضي وعقلاءه وحكماءه أنبياءه وعقلاءه وحكماءه. وجعل من خير الماضي وصلاحه خيره وصلاحه. ووجد ذلك تعبيره المكثف في الحديث القائل بان خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام (٢). اليهود والنصارى في القرآن والسنة من الجلي أن القرآن الكريم عندما يتحدث عن اليهودية والمسيحية لا يتحدث عن ديانات غريبة، بل يعتبرها تعبيرات مختلفة عن نفس الدين الإلهي الذي هو الإسلام من حيث هو تسليم لله و توحيد له، و لذا أطلق صفة المسلم على النبي إبراهيم، ﵇، و إعتبر مختلف أنبياء التوحيد مسلمين. فالفرق بين الإسلام و الديانتين الإبراهيميتين الأخريتين لا يتعلق بطبيعة العقيدة أو القيم أو الرؤية، بل في بعض الجزئيات التي إقتضتها تحولات الزمن و إعتبارات التاريخ. فالإسلام هو دين إكتمال المسار الإبراهيمي، و بذا كان لا بد أن يتسم بالمرونة و الإنفتاح و اليسر ليستوعب إختلاف السياقات المكانية و الزمانية. فهو، لهذا السبب، دين يقوم على إحترام الإختلاف و التعددية و قبول حرية الرأي و العقيدة (٣). وقد ورد في القرآن عدد كبير من الآيات التي تأمر المسلمين بمعاملة أهل الكتاب (النصارى واليهود) أحسن معاملة وكان عنوان التعاون معهم في المجتمع الإسلامي على اساس القاعدة العامة التي رآها الفقهاء: (لهم ما لنا ـ وعليهم ما علينا) (٤). فقال الله تعالى في سورة الممتحنة، آية ٨: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين". كما قال تعالى في

стр. 1018

سورة العنكبوت آية ٤٦: "ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي احسن الا الذين ظلموا منهم". فالنصوص الإسلامية إختطت إطارا دقيقا للتعامل مع أهل الكتاب أساسه البر و التودد لمن يسالم المسلمين و لا يعتدي عليهم: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم إن تبروهم و تقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون " (سورة الممتحنة آيه ٨). فالتمييز هنا واضح وصريح بين المعتدي و المحارب والمهادن المسالم، والأصل في علاقة المسلم بأخيه اليهودي والمسيحي هو التعاطف والتعاون، ويحذر القرآن الكريم من التعميم الخاطئ المتمثل في الحكم على أهل ديانة ما بسلوك بعض المنتمين إليها: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل و هم يسجدون. يؤمنون بالله و اليوم الآخر و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يسارعون في الخيرات و أولئك من الصالحين. و ما يفعلوا من خير فلن يكفروه و الله عليم بالمتقين " (سورة آل عمران) و قد طبّق الرسول، صلى الله عليه و سلم، و خلفاؤه الراشدون هذه التعاليم الربانية أحسن تطبيق، و تمثلوها في علاقاتهم بالأقوام والملل الذين تعاملوا معهم في مراحل تأسيس الدولة الإسلامية وخلال عهود توسعها (١). وقد امتدح القرآن الصالحين من اهل الكتاب كما يمتدح غيرهم من المؤمنين فقال الله تعالى في سورة آل عمران آية ٧٥: "ومن أهل الكتاب من ان تأمنه بقنطار يؤده اليك" وقوله تعالى: "يسارعون في الخيرات و أولئك من الصالحين". ويبين لنا التاريخ أنه عندما بلغ نبأ موت النجاشي للرسول (ص) استدار إلى جمع المصلين وقال لهم: "لقد مات اليوم أحد الصالحين. إذاً، فانهضوا وصلّوا من أجل أخيكم"؛ ثم أمَّهم للصلاة. ويرى بعض المسلمين أن النجاشي قد اعتنق الإسلام سراً، إذ أنهم لا يستطيعون قبول فكرة صلاة النبي محمد على روح شخص غير مسلم، لكن الخبراء بتاريخ الإسلام يقولون أن النبي صلّى عليه لكونه مسيحياً صالحاً قام

стр. 1019

أيضاً بحماية مريديه من الاضطهاد على أيدي القبائل غير المسلمة في أول عهد الإسلام. وهناك عشرات الاحاديث النبوية التي تدعو المسلمون لمعاملة اهل الكتاب من اليهود والنصارى احسن معاملة، وقد حرم على المسلمين ايذاءهم أو الاعتداء على املاكهم، أو معابدهم، أو اكل حقوقهم. وكل عهد يعطي لغير المسلمين من النصارى واليهود، عهد يستوجب التنفيذ حسب الشريعة الإسلامية، وقد عاهد الخلفاء المسلمون النصارى واليهود على كثير من الامور بعد انتهاء الحرب، فتضمنت عهودهم (حمايتهم، والحفاظ على حريتهم الشخصية والدينية، وإقامة العدل بينهم والانتصاف من الظالم) (١). وجاء في الحديث (من ظلم معاهداً، أو كلفه فوق طاقته فانا حجيجه) (٢). ولهذا قرر الإسلام المساواة بين الذميين والمسلمين. فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وكفل لهم حريتهم الدينية، وذلك بعدم إكراه احد منهم على ترك دينه. قال الله تعالى في سورة البقرة الآية ٢٥٦ ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾. ومن حق اهل الكتاب ان يمارسوا شعائر دينهم فلا تهدم لهم كنيسة ولا يكسر لهم صليب، يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه (اتركوهم وما يدينون). بل من حق زوجة المسلم (اليهودية والنصرانية) ان تذهب إلى الكنيسة أو المعبد، ولا يحق لزوجها في منعها من ذلك. فإحترام ما تقرره الأديان والعقائد هذا من الأسس الأولى لا نتدخل في شؤونهم حتى أن الإسلام بلغ من التسامح ذروة أنه لا يفرض عليهم الأشياء التي يحرمها الإسلام إذا كانت مباحة عندهم ... مثل أكل الخنزير وشرب الخمر، الخمر أم الخبائث عند المسلمين ومن الكبائر والموبقات ولكن الإسلام يقول للذمي: مادام دينك أباحها لا نحرمها وكل ما في الأمر لا تروجها عند مسلم. ويعتبر الخمر والخنزير في مذهب الإمام أبي حنيفة مالا متقوما من أتلف خمرا لذمي يهودي أو نصراني عليه أن يغرم ثمنها. وفي أيام دخول التتار إلى دمشق أسروا ناس من المسلمين ومن اليهود ومن المسيحيين وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ومعه جماعة من علماء المسلمين عند هولاكو يطلبون منه فك الأسرى فقالوا له سنطلق لك سراح

стр. 1020

المسلمين فقط. فقال لهم أهل ذمتنا قبل أهل ملتنا والله لا أخرج قبل أن يفك أسر الجميع. وهكذا الدفاع عن أهل الذمة واجب على المسلمين حتى قال علماء المسلمين أن إيذاء الذمي أشد إثما من إيذاء المسلم، غيبة الذمي أشد في الإثم من غيبة المسلم لأن هذا معتبر كأن المسلمين هم المسؤولين عنه (١). كما سوى الإسلام بين اهل الذمة وبين المسلمين في العقوبات (٢) قال الزهري (دية اليهودي، والنصراني، وكل ذمي مثل دية المسلم). ولهذا كان يقف المسلمون امام القانون مع النصارى واليهود سواء بسواء حتى ولو كان المسلمون من الخلفاء الراشدين أو من الصحابة. وعن انس ﵁ قال: رهن النبي ﷺ درعاً عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيراً لأهله ". وعن عائشة ﵂ قالت: ان النبي (اشترى طعاماً من يهودي إلى اجل ورهنه درعاً من حديد، وفي لفظ: توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهون عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير. رواهما البخاري ومسلم (٣). الحوار الإسلامي المسيحي من خلال ما تقدم اتضح لنا كيف استطاع الإسلام أن يؤسس قاعدة متينه للحوار بين المسيحية والإسلام منذ البدايات الأولى ويستوعب اهل الكتاب من النصارى تحت كنفه ويضع الاسس والقواعد التى تحكم العلاقة معهم ويتجلى ذلك في عهد النبي، صلى الله عليه و سلم، لنصارى نجران في آخر عهد البعثة النبوية حيث عبر هذا العهد عن هذه الرؤية المنفتحة المتسامحة للاسلام، فنص على ما يلي: و لنجران و حاشيتها، و لأهل ملتها، و لجميع من ينتحل دعوة النصرانية في شرق الأرض و غربها، قريبها و بعيدها، فصيحها و أعجمها، جوار الله و ذمة محمد النبي رسول الله، و على أموالهم، و أنفسهم و ملتهم، و غائبهم و شاهدهم، و عشيرتهم، و بيعهم، و كل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير. لا يغير أسقف من أسقفيته، و لا

стр. 1021

راهب من رهبانيته .. و لا يطأ أرضهم جيش .. و أن أحمي جانبهم، و أذب عنهم و عن كنائسهم و بيعهم و بيوت صلواتهم .. و أن أحرس دينهم و ملتهم أين كانوا .. بما أحفظ به نفسي و خاصيتي و أهل الإسلام من ملتي (١) ". وجاء الخليفة الراشد الأول ابو بكر الصديق ليسير على نفس النهج وارسل وصية ليزيد بن أبي سفيان أمير جنده الذاهب إلى الشام، يحدد فيها إطار علاقة المسلمين بالديانات الأخرى ويؤصل لقانون و أخلاقيات الحرب في الإسلام يقول فيها: إنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم و ما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له .. و إني أوصيك بعشر: لا تقتل إمرأة و لا صبيا. و لا كبيرا هرما. و لا تقطعن شجرا مثمرا. و لا تخربن عامرا. و لا تعقرن شاة و لا بعيرا إلا المأكلة و لا تحرقن نخلا و لا تغرقنه، و لا تغلل و لا تجبن " (٢). وما نستخلصه من هذه الوثائق المرجعية الأساسية هو أن أحكام التمييز و الفصل ليست هي المقياس الأصلي لعلاقة المسلمين بأهل الكتاب، بل إن الإسلام يعتمد معيار الدولة المدنية غير الدينية التي تقوم العلاقة بين مواطنيها على أساس المصلحة المشتركة و التعاون على دفع الظلم و تحقيق العدل وبسبب هذه المبادئ والاخلاقيات فقد كان مجئ الإسلام - خلافاً لتعصب الأباطرة البيزنطيين- يبدو تحريراً لليهود وللمسيحيين الذين كانوا يسمون (الهراطقة)، أي تحريراً لمعظم سكان المنطقة ما عدا المحتلين البيزنطيين ... ولذا عندما اقترب المسلمين من سورية وفلسطين استقبلوا - على أنهم محررون- من قبل الجماهير العربية المهيأة من الناحية الدينية للاعتراف بمبدأ التوحيد الواضح في الإسلام الذي يرى في ابراهيم وموسى وعيسى رسلاً من عند الله وأنبياء قد سبقوا (محمداً). يقول ميشيل السوري: "إن الله المنتقم قد أرسل إلينا بالعرب لينقذونا من الرومان. إن كنائسنا لم ترجع إلينا فقد احتفظ كل بما يملك .. ولكن العرب حررونا من وحشية البيزنطيين وحقدهم علينا".

стр. 1022

لهذا فإن التعصب القمعي لدى الأباطرة البيزنطيين يتيح لنا أن نفهم كيف تم حسم مصير سورية وفلسطين بمعركة واحدة، هي معركة اليرموك في العشرين من آب عام ٦٣٦ وكيف سحق الجيش البيزنطي وكيف تفجر ذلك العصيان قبل معركة اليرموك بين صفوف الجنود المسيحيين الأرمن في الجيش الامبراطوري، وكيف انسحب المسيحيون العرب السوريون من الجيش البيزنطي إبان المعركة .. وهكذا وجد جيش الروم نفسه وحيداً فتم سحقه .. ثم وصلت جيوش المسلمين دون قتال إلى ابواب دمشق .. وفي القدس عرض البطريرك المسيحي سوفرونيوس الصلح شريطة أن يأتي الخليفة نفسه إلى القدس لضمان تنفيذ شروط هذا الصلح، وقبل الخليفة بذلك ... ويذكر الاخباريون العرب ان الخليفة عمر لم يقبل الدعوة التي وجهها اليه بطريرك القدس إلى اقامة الصلاة في إحدى كنائس القدس خوفاً من أن يتخذ بعض المسلمين المتحمسين ذلك ذريعة لتحويل الكنيسة إلى مسجد تخليداً لذكرى مروره بها. وخلال حكم الامويين كانت سياسة الخلفاء الامويين تتسم بالتسامح والانفتاح حتى ان بعض المسيحيين كمنصور بن سرجون وابنه وحفيده المعروف بيوحنا الدمشقي تقلدوا مناصب هامة في خزينة الدولة وماليتها فكانوا شخصيات مرموقة في نظام الحكم (١). وبعدها في ظل الحكومات الإسلامية المختلفة عاش المسيحيون في امن وسلام ومارسوا عقائدهم بحرية ولم يتعرضوا للاضهاد الا على يد الغزاة الغرباء، ولهذا كانت العصور الإسلامية في معضمها عصور ذهبية لاتباع الديانه المسيحية والأديان الاخرى، حيث اعتبر الإسلام خيمة جامعة للأديان كلها على اختلافهاً ونموذجاً رفيعاً للتعايش وحضناً رحيماً يتسع للتعددية في الرأي والمعتقد (٢). ولم يحاول الإسلام اجبار اهل الكتاب على تغيير دينهم وطالب دائماً بالحوار معهم (المجادلة)، اي ضمن لهم حرية الفكر حسب مفهومنا المعاصر، وترك لهم حق اتخاذ القرار. وقد كان موقف القرآن الكريم بشكل عام ايجابياً من المسيحية من الناحيتين السياسية والسلوكية (٣).

стр. 1023

وهنا يعترف القمص ابراهيم لوقا بهذه الحقيقة فيقول: ان نبي الإسلام قد حفظ للديانة المسيحية مركزها، وأيد جلالها، واثبت صحة الكثير من تعاليمها .. واحترم كتبها المنزلة (١). ولكي نفهم كيف استطاع المسيحيون ان يعيشوا في اطار الحضارة الإسلامية العربية ويشعروا انهم من لحامها وسداها وانهم ليسوا غرباء عنها بل من العناصر الفاعلة في تشييد الحضارة العربية ومساعدة اخوانهم المسلمين لصيانة عقائدهم في مختلف ميادين العلوم ومقتضيات الحضارة، يجب ان نشير إلى ان ذلك يعود إلى الاسس المشتركة بين الديانتين المسيحية والإسلامية ومواطن الالتقاء في ميادين الحياة (٢). مثل الايمان باله واحد خالق السموات والارض الحي القيوم الغفور الرحيم بعبادة والمحب لهم والذي يحيي ويميت، وكذلك الايمان بالرسل والانبياء وبفضل الله ونعمه علينا ولذلك يكرس المؤمن كل اعماله لطاعه الله وعبادته وحمده وشكره على نعمه الكثيره التى سخرها له والتى يجب ان يستعملها بحكمة اذ انه سيحاسب على كيفية تصرفه. ان نقاط الالتقاء ومحاوره عديدة بين المسيحية والإسلام، وبالتالي بين المؤمنين المسيحيين والمؤمنين المسلمين. وسب ذلك اللقاء يكمن في كون الدينين ينبعان من مصدر واحد في الاساس هو مصدر التوحيد السامي - الابراهيمي- فالمسيحية فخورة بكونها تسير على المنوال الذي نسجه ابراهيم، والإسلام كذلك، يعلن، بكل صراحة، انه لم يأت بعقيدة جديدة، بل ان جل ما قام به هو تصحيح ما شاب الايمان الابراهيمي التوحيدي من انحرافات وغموض وشوائب. فالإسلام هو في نظر علماء الدين المسلمين - الحركة التصحيحية اللازمة والتي كانت منتظرة، لتنقذ الدين الحنيف، دين ابراهيم الخليل، من كل انحراف أصابه، خلال حقبات الزمن، وتطهره من كل وهن اصابه أو شرك أو خطأ ادخله الناس، زوراً وجهلاً، على عقيدة الإسلام الاصيلة، وايمان التوحيد الخالص.

стр. 1024

وكما المسيحية تقول عن نفسها إنها لم تبدع ديانه جديدة إنما هي بناء روحي يقوم على قواعد ترقى بنا بعيداً في الزمن، من آدم وحواء إلى هابيل وشيت .. إلى نوح، فسام، فابراهيم، ومن ابراهيم إلى موسى وداود وسليمان، ومن سليمان الحكيم إلى يوحنا- يحيى والمسيح. انها إذا، واسفارها التي هي كتب العهد الجديد، ليست سوى إتمام للبناء التوحيدي، الابراهيمي- الموسوي، الذي تجلى ووصل إلى قمته بولادة المسيح وبشارته. انها الاكمال لتلك العمارة التي بدأت بآدم وحواء .. وهي مستمرة إلى اليوم. وكما تلتقي المسيحية "الموسوية- اليهودية" في كثير من المحاور وفي عديد من النقاط الهامة، وكما تفترق المسيحية عن الموسوية في بعض المجالات وفي عدد من المحاور، كذلك يلتقي الإسلام المسيحية في كثير من محاور الايجاب وفي عديد من النقاط المشتركة المركزية، ويعود ليفترق عنها في بعض المجالات وعند عدد من المحاور (١). ان هذا الارث الزاخر لموقف الإسلام من المسيحيين ومن الديانه المسيحية يمكن ان يكون افضل منطلق للحوار بين الإسلام والمسيحية. فالإسلام كدين سماوى خاتم جاء معترفاً بالمسيحية وبرسالة السيد المسيح ﵇، حيث ان ما ورد في القرآن والسنة عن السيد المسيح ﵇ وامه مريم العذراء، سيكون له أثر كبير في التسريع في الحوار وجعل كثير من المسيحيين يتفهمون الإسلام ورسالته الخالدة بما سيكون له دور مهم في التقريب بين الديانتين السماوييتين بما يخدم قضية الانسان على الارض ويساهم في مواجهة المسيحية الصهيونية، ومحاولاتها لتشويه صورة الإسلام والمسلمين. وبالرغم من انعقاد عدة مؤتمرات للحوار الإسلامي - المسيحي شارك فيها وشجعها الفاتيكان ودول ومؤسسات إسلامية متعددة، الا انها لم تتصد لكثير من القضايا الأساسية، ولم تشكل فرق عمل لوضع منهجية مشتركة تنطلق من ثوابت إيمانية ومن قناعات مشتركة لمواجهة الاخطار التي تواجه الجميع وبالذات خطر المسيحية الصهيونية. فالمواجهة يجب ان تشمل اقامة حوار بناء وهادف مع كافة

стр. 1025

المذاهب المسيحية وبالذات الكاثوليكية والارثوذكسية وذلك من اجل اقامة تحالف مع هذه الكنائس للتصدى وفضح المخططات العدمية للصهيونية المسيحية، والتى لا تهدد العرب والمسلمين فقط، بل تهدد المسيحية ذاتها وتخرجها عن اطارها الصحيح، كديانه للمحبه والسلام، من خلال عملية التهويد المنظم للصهيونية المسيحية. وربما يكون كتاب " المسيح المسلم " للدكتور طريف الخالدى نموذج ممتاز للتعريف بالإسلام وموقفه من رسالة السيد المسيح ﵇ سيسهم بكل تأكيد في اثراء الحوار الإسلامى المسيحى. المسيح المسلم (١) هذا الكتاب يمتاز بميزتين، الأولى أنه فريد في نوعه ومضمونه, والثانية أنه يحمل رسالة بالغة الأهمية موجهة إلى القارئ الغربي. فموضوع الكتاب هو صورة السيد المسيح في التراث العربي الإسلامي, ومنهجه هو حصر الأدبيات والأقوال والقصص التي وردت في كتابات المؤرخين والأدباء والشعراء العرب والمسلمين عن السيد المسيح. وتتمثل أهمية مثل هذا الكتاب في أنه يهشم إحدى الصور النمطية في المخيلة الغربية عن الإسلام ونظرته إلى المسيحية, وهي نظرة لا أصل لها, خاصة عند غالبية الناس العاديين. فهذه النظرة تفترض عداء مستحكماً بين الإسلام والمسيحية, وبالتالي وجود نظرة عداء تجاه السيد المسيح بين المسلمين. والغريب أنه مقابل هذا العداء المفترض بين المسيحية والإسلام, بين محمد وعيسى, هناك افتراض تقارب وعلاقة تكاملية بين اليهودية والمسيحية أثمرت ما صار يطلق عليه البعض "التقاليد أو الحضارة المسيحية اليهودية المشتركة", وذلك في سياق جهد محموم, لا تبتعد عنه السياسة ومرتبط بالمسيحية المتصهينة في الولايات المتحدة, لتخفيف وطأة "عقدة الذنب" التاريخية والعداء الكبير بين المسيحية واليهودية جراء ما يحمله المسيحيون من مشاعر ضد اليهود كونهم "قتلوا المسيح" بحسب رواياتهم.

стр. 1026

وفي مقابل "الغفران" الذي تصكه أدبيات المسيحية المتصهينة لليهود على تلك "الجريمة" والتقارب المفتعل بين الديانتين هناك توكيد لعلاقة العداء المتوهم بين الإسلام والمسيحية تنسحب على طبيعة النظرة العدائية لنبي الإسلام محمد, وتفترض أن نظرة مشابهة لها موجودة عند المسلمين تجاه السيد المسيح. فلا تدرك غالبية مسيحيي العالم, وفي مقدمتهم مسيحيو الغرب, أن المسلمين يعتبرون المسيح نبياً من أنبيائهم, ويوقرونه كما يوقرون محمداًً, وأنهم يصلون عليه كلما ذكر ويردون ﵇، وأنه لا يجوز بحسب قيم الإسلام إلا أن يخص المسيح وسائر الأنبياء بالاحترام والطاعة والتقدير, فضلاً عن أن يجول بخاطر المسلمين أن يعادوا أحد الأنبياء ويتطاولوا عليه كما يتم التطاول على سيدنا محمد (ص) مثلاً في الأدبيات الغربية المسيحية. وعلى ذلك فإن النظرة العدائية هي في الواقع باتجاه واحد، من قبل الغربيين تجاه نبي الإسلام, لأن النظرة التي بالاتجاه المعاكس, أي من قبل المسلمين إزاء السيد المسيح هي نظرة تبجيل لنبي مرسل. لكن السؤال الذي يبرز هنا هو هل هناك خصوصية بارزة لتعامل النص القرآني, ومن ثم الأدبيات العربية الإسلامية, مع السيد المسيح تمنحه موقعاً متميزاً عن الأنبياء الآخرين الوارد قصصهم في القرآن؟ والجواب هو نعم ولا في الوقت نفسه. ففي حين أن بعض القصص الخاص بأنبياء آخرين يأخذ مساحة أكبر, أو أن ذكر بعض الأنبياء يتردد بشكل أكثر من السيد المسيح, من ناحية التكرار أو عدد المرات فإن ثمة خصوصية معينة للمسيح تتمثل في أنه كان آخر الأنبياء قبل النبي محمد, وأنه وصف في القرآن بأنه "روح الله" و"كلمة الله" كما أنه "ابن مريم" الذي لا أب له. لكن النص القرآني شديد التركيز على أن عيسى ابن مريم إن هو إلا بشر كغيره من العباد وأنه ليس إلها ولا يدعي الألوهية. كما أن هناك رفضاً موازياً لعقيدة التثليث المسيحية, وتوكيد بارز على مبدأ الألوهية الواحدية- الله الواحد الأحد الذي لا شريك له. وهذا التركيز الشديد هو الذي يثير وأثار حفيظة العديد من علماء اللاهوت المسيحيين في قرائتهم للقرآن. ومن هنا فإن المسيح "القرآني" وافق من ناحية المسيح "الإنجيلي" حيث صورته طافحة بالحب والألفة والتوقير, لكن في الوقت نفسه خالفه من ناحية رفض قصة الصلب التي يقول الإنجيل بأنها حدثت, كما والأهم من ذلك التوكيد على بشرية السيد المسيح وعدم ألوهيته. وكان أن اعتبر

стр. 1027

البعض أن رفض القرآن لفكرة ألوهية المسيح وصلبه لن يؤدي إلى أي مصالحة تاريخية بين الديانتين وبالتالي فإنه لا مغزى للصورة الإيجابية عن المسيح في القرآن. وبشكل عام يتناول النص القرآني قصص المسيح عبر أربعة أشكال أو مراحل، قصص مرحلة ولادة المسيح وما رافقها, وقصص المعجزات الخاصة به كإحياء الموتى وشفاء المرضى, وقصص الحوارات التي دارت بينه وبين الله, ثم الآيات الكثيرة التي توكد على بشريته وعبوديته لله. أما النصوص الورادة عن المسيح في الكتابات العربية والإسلامية فهي في مجملها مثيرة وتقدم معرفة رائدة وفريدة من نوعها، فيها نقرأ أحاديث منسوبة إلى السيد المسيح تنقل لنا عظمة حكمته وروحه الشفافة, ونقرأ قصصا عن رأفته بالناس ونبوته وتضحياته, وكلها تؤكد على بشريته انسجاماً مع الرؤية القرآنية والإسلامية له. والسيد المسيح يتبدى لنا عبداً لله, وليس بإله, وهي السمة الأبرز والأهم لـ"المسيح المسلم" (١). وفي مقابل هذه النظره الايجابية تجاه المسيحيه والسيد المسيح، فاننا نجد نظره مغايره تماماً لدى المسيحيين تجاه الإسلام والرسول الكريم، حيث قوبلت المبادرة الحوارية للإسلام بذلك النوع من "الإنشاء الإيديولوجي" الذي نستطيع نعت تاريخه، باعتراف بعض الأوساط المسيحية المعاصرة، بأنه كان مجرد تاريخ للكذب على الإسلام (٢) الأمر الذي أضفى على ردود الفعل المسيحية القديمة طابعا أكثر عنفاً وأغزر إنشاءً وأبعد أثراً على المستوى النفسي والثقافي، مما شكل في الواقع عائقا أمام التفاهم بين الطرفين وحال دون الاشتراك في بناء حضارة إنسانية مشتركة. وحسب شهادة المستشرق المعاصر الكبير "يوسف فإن إيس" في كتاب صدر له سنة ١٩٧٨ "إن ما يسمعه المرء أو يقرؤه عن الإسلام في وسائل الإعلام الغربية [الحديثة] والطريقة التي يتحدث بها المثقفون في الغرب عموما عنه، لهو شيء مزعج جدا، مزعج بمعنى مزدوج: أولا بسبب المعلومات غير الصحيحة والآراء

стр. 1028

الخاطئة، وثانيا بسبب النبرة الشيطانية المخيفة التي يتم بها عرض هذه الأحكام عن الإسلام" (١). وفي احدى الندوات المخصصة لدراسة سبل تعزيز التعاون بين الأديان، تركّزت معظم المناقشات، علي ما لدي المسيحيين من أفكار خاطئة عن الإسلام. ومن الصور النمطية الكثيرة التي جري تناولها، برزت خمسٌ اعتُبرت العائق الأكبر أمام الانسجام والتعاون بين الديانات والثقافات. فهي تربط الإسلام بالإرهاب والتعصّب واستعباد المرأة وانعدام التسامح تجاه غير المسلمين والعداء للديموقراطية وعبادة إله غريب وانتقامي (٢). وهذه الصور كما يقول "بول فندلي" ليست بعيده عن ان الصور المزيفه عن الإسلام، التى حملتها من مرحلة الطفولة، فقد استمرت طويلاً في تجربتى إلى حد يجعلنى لا افاجئ بوجود أمريكيين آخرين يحمملون افكاراً خاطئه مماثله. وثمة ما يثير الاحساس بحراجة الحال، لدى التأمل بهذا الكم الهائل من الصور النمطية المضللة عن الإسلام، الذى تدفق، عاماً بعد آخر، من صفوف مدارس الاحد في انحاء أمريكا، من دون ان يواجه الطعن. اذ ان الملايين من الشباب القابلين للتأثر ربما تقبلوا هذه التضليلات كحقيقة، ونقلوها، على مر السنين، كما هى، بلا تصحيح، إلى ملايين آخرين من الناس (٣). ويوضح بول فندلي كيف تمكن من تغيير نظرته للاسلام بعد ان عايش المسلمين وعرفهم عن قرب حيث يقول: كانت عدن أول محطة لي في استكشاف العالم الإسلامي. في ذلك البلد النائي تعرّفت، للمرة الأولي، إلي ديانة يؤمن بها أكثر من بليون نسمة يشغلون أنحاء العالم كافة. إنهم جماعة دينية لا يفوقها عدداً سوي المسيحيين الذين يبلغ تعدادهم ما يزيد علي بليوني نسمة. وفي المحطات التالية التي توقفتُ فيها، فتحت عينيّ علي ثقافة مستندة إلي الشرف والكرامة وقيمة كل إنسان، علاوة علي التسامح وطلب العلم؛ وهي معايير، عرفت، في ما بعد، أنها متأصّلة عميقاً في الدين الإسلامي. إنها أهداف كانت ستلقي استحسان أجدادي المسيحيين. ولكن مع هذه المعتقدات الأساسية والمشتركة، يواجه المسلمون

стр. 1029

مصاعب يومية في مجتمع أميركا المسيحيّ في غالبيته. إن معظم الأميركيين لا يعرفون أيّ مسلم؛ وما زالوا غافلين عن وجود المسلمين المتنامي بوتيرة سريعة في الولايات المتحدة. ولم يناقشوا يوماً الإسلام مع أي شخص مطّلع علي هذا الدين. ولم يقرأوا يوماً آية واحدة من القرآن الكريم. وتنبع معظم تصوّراتهم عن الإسلام من الصور السلبية المزيّفة التي تظهرها التقارير الإخبارية، والأفلام والمسلسلات التلفزيونية، والحوارات في الإذاعة والتلفزيون (١). وقد اشرنا سابقاً إلى دور المبشريين والمستشرقيين في رسم هذه الصوره المشوهه عن الإسلام والمسلمين ولهذا فإن ايه محاوله جديده للحوار بين المسيحية والإسلام يجب ان تبدأ بمراجعة الدراسات الإستشراقية المتأثرة بمناخ الحروب الصليبية لتنقيتها من ما خالطها من دس و تشويه لصورة الإسلام و نبيه و قيمه و شعائره، مع الإستفادة من كبار المستشرقين المنصفين الذين أشادوا بروحانية الإسلام و سماحة قيمه وتسامحه. ولا بد هنا من التنويه بالخطوات الإيجابية التي قطعتها الكنيسة الكاتولوكية منذ المجمع الفاتيكاني وصدور وثيقة Nostra Actate عام ١٩٦٥ التي تبنت الحوار مع المسلمين والإنفتاح عليهم، من منطلق تعزيز المحبة الوحدة بين أتباع الديانات التوحيدية. فقد نص المجمع الفاتيكاني بوضوح على "أن الكنيسة تنظر بتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون الله الأوحد، الحي القيوم، الرحيم القدير، خالق السماء والأرض، الذي وجه كلامه إلى البشر، و إنهم يسعون في الخضوع بكل نفوسهم لأحكامه الحقة كما خضع إبراهيم لله، الذي ينتمي إليه الإيمان الإسلامي بطيبة خاطر. و أنهم يجلون يسوع كنبي، و إن لم يعترفوا به كإله، و يكرمون مريم أمه العذراء ... وإذا كانت قد نشأت، على مر القرون، منازعات و عداوات كثيرة بين المسيحيين و المسلمين، فالمجمع المقدس يحض الجميع على أن يتناسوا الماضي، و

стр. 1030

يسعوا في تحقيق تفاهم صادق بينهم، و يعملوا معا على صيانة و دعم العدل في المجتمع و القيم الأخلاقية، و أيضا السلم و الحرية لجميع البشر " (١). كما أعلن البابا بول السادس الرؤية الجديدة للعالم الإسلامي في خطاب بابوي بعنوان"كنيسته"-أي كنيسة السيد المسيح- قال فيه:"من الصواب أن تعجب بأولئك الناس-يعني المسلمين - لكل ما هو طيب وحق" "في عبادتهم لله (جل في علاه) ". ولقد تأكد هذا الموقف في الخطاب البابوي الذي صدر بعد ذلك بشهرين سنة ١٩٦٤م بعنوان "نور لكل الأمم"، الذي جاء فيه أن "مبدأ الخلاص يشمل أيضاً أولئك الذين يُقرُّون بوجودالخالق وفي مقدمتهم المسلمون (٢). وقد أنشئت في سنة ١٩٧٤م لجنتان: لجنة لليهودية، وأخرى للإسلام ضمن كيان واحد يطلق عليه الآن " المجلس البابوي للحوار بين الأديان. إن هذه المقاربة الجديدة تفتح الباب واسعا للحوار البناء بين المسلمين الذين لم يكن لهم أصلا مشكل عقدي مع الديانة المسيحية، و إن كان لا بد من التنبيه إلى أن بعض التيارات الأصولية المسيحية المتطرفة لاتزال تتمسك بالصورة المشوهة السابقة، و من بينها الحركات الصهيونية المسيحية في أمريكا. و قد إستمعنا لبعض رموز و أركان هذا التيار يسب الإسلام و ينعته بالديانة الزائفة الشريرة بعد تفجيرات نيويورك في سبتمبر ٢٠٠١ (٣). ولكن تزايد الوجود الإسلامي في الغرب ادى إلى زياده المعرفه بالإسلام، حيث يعتبر هذا الوجود عنصرا أساسيا في حسابات التفاعل من تعايش وصراع حضاريين بين المسيحية واليهودية من جهة والإسلام من جهة أخرى، وقد أدى هذا التواجد إلى بروز مجموعة من الظواهر المستحدثة كتزايد عدد المساجد والمراكز الإسلامية والجمعيات الخيرية والمدنية التي حقق بعضها نجاحات

стр. 1031

كبيرة، حيث وصلت مصداقيتها إلى مستوى الجمعيات الدولية غير الحكومية. وعن طريق التزاوج والاحتكاك اعتنق كثير من الغربيين الإسلام، وبهذا فتحت جبهة جديدة في التفاعل الحضاري بقيادة الجاليات المسلمة في الدول الغربية التي بدأت تشكل أحد أبواب الانبعاث الحضاري للإسلام في ظل التطور العلمي والتكنولوجي الذي يشهده الغرب، غير أن هذا الباب تعتريه صعوبات مهمة أبرزها وأخطرها التهمة بالإرهاب (١). وعلى العموم فأنه في اطار العلاقة بين الإسلام والمسيحية في عصرنا الحاضر فإن هناك الكثير مما يمكن انجازه لتعزيز الحوار الهادف والبناء بين الجانبين بما يخدم قضيه الانسان على هذه الارض. فالخلاف بين الجانبين ليس كبيراً، بل ان نقاط الالتقاء اكثر من الخلاف. فلا داعي لان نختلف ونتعارك ونحن واقفون على عتبة إيمانية مشتركة، وما يقربنا من بعضنا البعض اكثر بكثير مما يبعدنا. والمعاشرة بالمعروف مع كل الطوائف والأديان المخالفة هي اصل من أصول الشريعة الإسلاميه، والمسلمون اكثر اعترافاً من المسيحيين بصلة القربى بين الأديان (٢). وامام مجموع هذه الحقائق الثابته، نقف بحيرة وعجب لنسأل: اين الحل الذي يجب ان يولد، ليبدأ المجهود المشترك الهادف إلى فتح مجال الحوار الحقيقي الجدى بين نصارى العالم ومسيحييه من جهه، وبين مسلمي العالم ومؤمنيه من جهة آخرى، للوصول إلى فهم عميق يجمع المؤمنين كافة كل المؤمنين، في مناخ واحد من الاحترام المتبادل الصريح اولاً، والتخطيط الواضح لبدأ عمل بناء مشترك، على ساحة الارض كلها ثانياً. فمستقبل البشرية والانسان ومصير الكرة الارضية ومن عليها مرهون، في الزمن الآتي، لقيام مثل هذا التعاون البناء المشترك، الذي يدعو اليه الناس، وندعو اليه نحن معهم، بكل ما اوتينا من قناعة وكد وحماسة. فإن الذي يجمع بين محمد والمسيح هو في الواقع، اكثر بكثير من الذي يفرق! أنه يجب علينا الا ننسى ايضاً أنه، بالرغم من وجود محاور هامة تجمع بين ديانتي التوحيد، فإن في الامر كثيراً من النقاط العديدة التي يفترق فيها المسيحيون والمسلمون، بعضهم عن

стр. 1032

البعض الآخر. لذلك وجب بدء العمل الصادق لاقامة الحوار الواجب انطلاقاً من قبول كل دين للدين الآخر والاعتراف له بحقه في الوجود والاعراب عن نفسه وحقائقه وايمانه. فعلى صخرة مثل هذه المبادئ وعلى ارضية متينه من الصراحة في التعامل والصدق في الأخذ والعطاء، يمكننا أن نبدأ دراستنا لمحاور الافتراق، دون ان نقع في محاذير التحيز والانحراف، والرياء والتقوقع، ومحاولة ذر الرماد في العيون والعقول (١). الحوار بين الإسلام واليهودية ربما يستغرب البعض طرح فكرة حوار بين الديانتين اليهودية والإسلامية في عصرنا الحاضر الذى يشهد صراعاً مريراً بين اتباع الديانتين من منطلقات ايديلوجيه ربما يرى البعض انها بعيده عن الدين، حيث كانت ارض فلسطين ملتقى هذا الصراع بين اسرائيل وحلفائها من ناحية والدول العربية والإسلامية من ناحية اخرى. وبالتأكيد فإن هذا الصراع زاد من الجفاء والبعد بين اتباع الديانتين السماويتين ولم يعد بالامكان البحث عن نقاط الالتقاء والتقارب والبحث عن الاصل المشترك لهاتين الديانتين ومحاوله الالتقاء عند قواسم مشتركه ربما ستساهم في وضع حد لهذا التدهور والحرب المستعره في المنطقة منذ زمن بعيد، والاهم انها يمكن ان تكون خطوه مهمه في ايقاف استغلال الصهيونية والاصوليون المسيحيون لهذه القضيه لتنفيذ مخططاتهم العدمية في المنطقة والعالم. وكما اتضح لنا في السابق فان التاريخ الإسلامي كما تعامل مع الديانه المسيحية والمسيحيين بتسامح وانصاف وحفظ لهم حقوقهم الدينيه والمدنية في ظل الدولة الإسلامية منذ عهد الرسول (ص) وحتى بداية انهيار الدولة الإسلامية، فقد كان الحال كذلك مع اليهود حيث عاشوا في امن وسلام خلال فترات الحكم الإسلامى ولم يتعرضوا للاضطهاد والمضايقه كما حدث معهم في اوروبا بل وصل العديد منهم إلى مناصب عليا في الدوله الإسلامية واسهموا في تطورها وازدهارها وكانت لهم الملاذ الامين من بطش الاوربيين قديماً وحتى وقت قريب. وهنا ينبه

стр. 1033

المؤرخ (رابوبور) إلى " أنه بعد فتح فلسطين على يد المسلمين فقد تحسن وضع اليهود على نحو ملموس وزاد نشاطهم الثقافي. ومع عهد الخلفاء المسلمين استطاعت أكاديمية طبريا أن تنتقل إلى القدس لتصبح مركز اشعاع ثقافي: فلقد جرى فيها تثبيت النصوص العبرانية للعهد القديم. وفي فلسطين تم آنذاك تأليف أجمل تراتيل الصلوات الدينية اليهودية. ولم يتعرض اليهود والمسيحيون في ارض الإسلام إلى اضطهادات ومذابح كتلك المذابح الضخمة التى جرت في الغرب ومنها المذابح الدموية العارمة ابان احتلال الصليبيين للقدس (١). واذا كان الحال كذلك فلابد لنا من البحث عن الخلل الذى حدث لهذه العلاقه وهو بالتأكيد كان بسبب الهجمه الصليبيه الصهيونية الحديثه في عصرنا الحاضر، مما يعنى اننا يجب ان نبدأ بمحاولات للحوار مع اتباع الديانه اليهودية انطلاقاً مما ورد في ديننا الإسلامى عسى ان يساهم ذلك في اعادة بعض اليهود إلى الصواب ويعرفهم بحقيقة ديننا الإسلامى الذى يعتبر اليهودية ديانه سماوية وكيف اننا كمسلمين نجل ونقدر الانبياء جميعاً ولا نفرق بين احداً منهم، حيث يعتبر الباحثون في علم الأديان، ان الرسالات الثلاث: الموسوية- اليهودية والمسيحية- النصرانية والإسلام هي، في الواقع، متصلة بعضها بالبعض الآخر: زمنياً وتاريخياً وتسلسلياً، وجفرافياً ومناطقياً واقليمياً، عقيدة ومبادئ وتعاليم. فهي تلتقي في كثير من الشؤون والمجالات، والمبادئ والتعاليم. ويؤكد معظم الباحثين انها حلقات ثلاث في عقد واحد فريد. ومن اجل ذلك، وفي سبيل الموضوعية العلمية، لا يستطيع الباحث الجدي ان يلج عالم المسيحية والإسلام، دون الانطلاق - ولو بايجاز - من الدين اليهودي لان الولوج إلى دائرة: الكتاب المقدس من جهة، والقرآن المجيد من جهة اخرى لا يمكن ان يكون متكاملاً، متيناً وعميقاً، اذ لم يتطرق الباحث فيه إلى التوحيد الابراهيمي الذي بدأ - زمنياً وتاريخياً- مع خليل الرحمن ابراهيم المطيع لله ومع ابنيه اسماعيل واسحق ثم مع حفيده يعقوب والاسباط ابناء يعقوب. ذلك ان عقد

стр. 1034

التوحيد الفريد القيم: بدأ حلقة، حلقة، ودرة، درة .. إلى ان انتهى برسالة القرآن ودعوة محمد، الرسول العربي (١). وكما اسلفنا فقد حرص الرسول الكريم على دعوة اليهود للدين الإسلامي وحاورهم وجادلهم وفي بداية الفترة المدنية بعد الهجرة إلى مكه عقد الرسول (ص) حلفاً ومعاهدة مع اليهود تجسد في دستور المدينة لينظم العلاقة بين الامة المسلمة الناشة باليهود ضمن دولة مدنية قائمة على التنوع تجسيدا موضوعيا للرؤية القرآنية للتنوع الديني. فمن بنود هذا الدستور الذي تتجاوز بنوده الخمسين: لليهود دينهم و للمسلمين دينهم ... و من تبعنا من يهود فإن لهم النصر و الأسوة، غير مظلومين و لا متناصر عليهم ... و أن بطانة يهود و مواليهم كأنفسهم .. و أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، و على اليهود نفقتهم، و على المسلمين نفقتهم، و أن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ... و أن بينهم النصح و النصيحة و البر المحض من أهل هذه الصحيفة دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه ". ومن الواضح من هذه المعاهدة التي تكرس تحالفا متينا بين المسلمين و اليهود انها تقوم على المساواة المطلقة و حقوق المواطنة المتماثلة - لإن إختلاف الدين لم يكن له أثر في طبيعة العلاقة بين المجموعتين المتعايشتين، و لم ينحل العقد إلا بغدر قبائل يهود المدينة التي إختارت الإنحياز للخط المناوي للمسلمين (٢) واصرت على موقفها من الدعوة الجديدة ووقفت موقفاً عدائياً من الإسلام والمسلمين منذ ظهور الإسلام، وتآمرت مع المشركين لاخفاء نور الإسلام وسحق دعوته، ولهذا فقد اضطر الرسول ﷺ ان يعاملهم بالمثل فحاربهم، وعاهدهم، ولكنهم خانوا، وخدعوا فتم اجلاؤهم عن الجزيرة العربية، ليس لانهم يهود، بل لخياناتهم. وبعد ان انتصر الإسلام على المشركين، وعلى اليهود، وتمت له السيطرة اصبح اليهود، شأنهم شأن النصارى، يعاملون معاملة طبيعية كمواطنين، ما لم يخرجوا على النظام، ويمتنعوا عن القيام بواجباتهم

стр. 1035

المفروضة عليهم. فحقوقهم محفوظة طالما أدوا واجباتهم. وهذا لا ينطبق عليهم وحدهم كأصحاب دين مغاير، بل ينطبق على المسلمين ايضاً الذين يخرجون على النظام ويخالفون القوانين والانظمة التي ارساها الإسلام. ومما يؤكد ذلك ان الرسول (ص) عامل اليهود بعد غزوة خيبر بروح التسامح حتى انه اوصى عامله معاذ بن جبل (بأن لا يفتن اليهود عن يهوديتهم) (١). وعندما دخل الخليفة عمر بن الخطاب مدينة القدس عام ٦٣٨ م، منح أهل القدس وبطريركها سافرونيوس عهداً بالسلم والحماية صار يعرف بعهد عمر أو بميثاق عمر بالإضافة إلى ذلك، ولتأكيد حماية الأماكن المقدسة للنصارى واليهود والعناية بها، عهد عمر بحماية كل مكانٍ من الأمكنة المقدسة الرئيسية، والعناية به، إلى أسرةٍ مسلمة مختلفة (٢). وعلى هذا النحو عومل يهود البحرين اذ لم يكلفوا الا دفع الجزية وبقوا متمسكين بدين آبائهم (٣). ونتيجة هذه المعاملة كما يذهب د. اسرائيل ولفستون فقد كان اليهود في اغلب مدن العراق يخرجون لاستقبال جيوش المسلمين بالحفاوة والاكرام لانهم كانوا يؤثرونهم على غيرهم اذ يرون فيهم قوماً يؤمنون باله موسى وابراهيم. وقد ازدادت هذه الروابط متنه مع امتداد الزمن حتى دخل اليهود في جيوش المسلمين ليناضلوا معهم في اقاليم الاندلس (٤). وهكذا فإن معاملة اليهود في ظل الحكم الإسلامي عبر التاريخ، لم تكن وليدة صدفة، ولا مجرد كرم اخلاقي من الحكام المسلمين، وانما كان ذلك بسبب العقيدة الإسلامية التي تلزم اصحابها حكاماً ومحكومين، بحماية اصحاب الديانات الاخرى، ومعاملتهم كمواطنين لهم حقوقهم التي لا يجوز المساس بها ولهم احترامهم كأصحاب ديانات سماوية يعترف بها الإسلام ويعترف برسلهم "آمن الرسول بما انزل

стр. 1036

اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله، وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله". فالإسلام ينظر إلى اليهود باعتبارهم أهل كتاب سماوي وأهل دين سماوي هم مع المسيحيين ولهم أحكام خاصة في الإسلام دون غيرهم من الناس فلهم حق المؤاكلة نأكل من ذبائحهم ونتزوج من نساءهم (وطَعَامُ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ والْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُم) فالإسلام أجاز للمسلم أن يتزوج يهودية أو نصرانية. ما معنى أنه يتزوج يهودية أو نصرانية يعني تصبح هذه ربة بيته وشريكة حياته وموضع سره وأم أولاده. فهناك رابطتان طبيعيتان رابطة النسب والدم ورابطة المصاهرة، وحينما يتزوج الإنسان يضيف إلى عائلته عائلة أخرى عن طريق المصاهرة ويصبح أبو الزوجة جد أولاده أمها جدة أولاده إخوانها أخوال أولادها أخواتها خالات أولاده وهؤلاء لهم حقوق الأرحام وذوي القربى فينشأ هذه اللحمة كلحمة النسب. وبالرغم من ان الكتب المقدسة الموجودة الآن تعتبر من وجهة نظر الإسلام كتب محرفة، وليست كما نزلت على موسى وعيسى ﵉، الا ان ذلك لم يمنع الإسلام بالزام المسلمين باحترام المؤمنين بها وحماية كنائسهم، واتاحة الفرصة لهم للتمتع بممارسة عباداتهم بالشكل الذي يعتقدونه. كما والزم الإسلام المسلمين بحماية حقوق غير المسلمين، ليس فقط بحرية العبادة، بل بحرية العمل والتملك، والحياة الحرة الكريمة، واعتبر الإسلام ان الاعتداء على احد من هؤلاء هو خروج على التعاليم الإسلامية، ما داموا يؤدون واجابتهم والتزاماتهم، ويؤدون الطاعة اللازمة، ولا يخرجون على النظام العام والقوانين والانظمة التي حددها الإسلام للمسلمين وغير المسلمين.

стр. 1037

اليهود في ظل الحكم الإسلامي (١) لقد واجه اليهود عبر التاريخ الطويل للبشرية انواعاً متعددة من الاضهادات والمظالم، لاسباب مختلفة، يعزيها بعض المؤرخين إلى اسباب ذاتية تتعلق باليهود انفسهم، أو بسبب وظائفهم الاقتصادية، كما يعزيها البعض الآخر إلى اسباب خارجة عن إرادة اليهود، بسبب الاغيار الذين يحملون عقيدة مخالفة لهم، أو لأسباب اقتصادية أو سياسية أو غير ذلك. وقد صَوَّرَ المؤرخون اليهود في القرن التاسع عشر التجربة اليهودية في القرون الوسطى في ظل الإسلام باستخدام مصطلحات رومانطيقية شبه أسطورية على العكس تماماً من تاريخ الاضطهاد والقمع الذي عاشه اليهود الذين قطنوا في العالم المسيحي في القرون الوسطى، حيث قيل عن يهود الأراضي العربية وخاصة أولئك الذين عاشوا في أسبانيا المسلمة انهم عاشوا في عصر ذهبي أو ربما طوباوي (٢)، مقارنه بما شهده اليهود من مذابح واضطهادات في معظم البلاد الاوروبية ـ ان لم يكن جميعها ـ شرقيها وغربيها، فقد حصل ان واجهوا الطرد والحرمان والمذابح (٣). كما واجهوا احراق كتبهم الدينية كالتلمود في كثير من البلاد الاوربية في الوقت الذي كان فيه موسى بن ميمون (الذي كان يعمل في قصر الخليفة المسلم في بلاد الاندلس) يكتب عن التلمود والفلسفة اليهودية بحرية في ظلم الحكم الإسلامي (٤). وحتى اللغة العبرية التي اختفت تماماً في القرن الثالث قبل الميلاد وحلت محلها اللغة اليونانية والارامية، لم يتم احيائها الا بعد ستة عشر قرناً وذلك في القرن الثالث عشر الميلادي .. العصر الذهبي للاسلام (٥).

стр. 1038

هذا وقد وصل انتشار العقيدة اليهودية- حينما لم تكن اليهودية محصورة في حدود أمة- إلى قمته في بابل ثم في بغداد في القرن التاسع أيام الخلفاء المسلمين، حتى إن كبير احبار اليهود كان يقيم في بلاط الخلفاء وله مكانة تفوق مكانة كبار النصارى. وقد برز في هذه الفترة من ازدهار العقيدة اليهودية تحت ظل الخلافة العربية شخصيات يهودية في العراق ومصر ... وكان انحسار الثقافة اليهودية على أثر انحسار الامبراطورية العربية التي ازدهرت في ظلها تلك الثقافة. ثم كان مركز تألق اليهودية من بعد ذلك في اسبانيا تحت ظل الخلافة الإسلامية حيث ظهر فيها ونبغ (امراء) الطائفة اليهودية مثل (حسدهي بن سبروت) وزير الخليفة في قرطبة، وصموئيل وزير سلطان غرناطه، وهناك فلاسفة ولاهوتيون وشعراء (سليمان بن جابيرول ويهودا هاليفي ولاسيما موسى بن ميمون) ظهروا ونبغوا في تلك المرحلة التي يسميها أندريه شوراكي (المرحلة الذهبية) لليهود في اسبانيا المسلمة حيث أثمر التلاقح اليهودي - العربي أنضج ثماره واحلاها (١). ففي حين كانت اوروبا الغربية المسيحية تضطهد اليهود باسم الدين وتذيقهم الوان العذاب في القرون الوسطى، وتضطرهم على النزوح إلى شرقي اوروبا وغربيها، كانت الدول العربية توليهم اسمى المناصب وتعترف لهم بحق المساواة المطلقة فيتجرون ويثرون، يبلغون شأناً في السياسة والادارة والاقتصاد لم يسبق له مثيل (٢). وهكذا عاشوا في بلاد المسلمين لهم ذمة الله وذمة رسوله وذمة جماعة المسلمين وكان لهم ثروات هائلة ووصلوا إلى القرب من أهل الحل والعقد ومن قرب السلطان حتى في بعض الأحيان حسدهم المسلمون أنهم أصبحوا مقربين من أولى الأمر ومن السلاطين، وهناك شاعر مصري ساخر اسمه الحسن ابن خرقان له أبيات يقول فيها: يهود هذا الزمان قد بلغوا غايات آمالهم وقد ملكوا المجد فيهم والمال عندهم ومنهم المستشار والملك

стр. 1039

يا أهل مصر إني نصحت لكم تهودوا فقد تهود الملك (١). هكذا تمتّع اليهود والمسيحيون الذين عاشوا في العالم الإسلامي بتسامح شرعي بوصفهم "أهل الذمة"، حيث لم تتكون في الإسلام قوانين خاصة لليهود كتلك التي تَكَوّنَتْ في العالم المسيحي، حيث كان يهود القرون الوسطى يعتبرون أقناناً للمجلس الملكي وفي بعض الأحيان مارست الكنيسة سلطتها المطلقة على اليهود متذرعة بمبدأ كنسي قديم يتعلق بعبودية اليهود الأبدية. إن التشريعات الإسلامية التي تتعلق بحياة اليهود تجسدت في ميثاق عمر الذي أُدْخِلَ في الشريعة الإسلامية. وقد حُوفِظَ على التنظيمات أو التشريعات كما هي بدون تغيير على مرور الزمن ونادراً ما تم خرقها. ولأسباب مهمة أخرى أيضاً لم يُصَب التجار اليهود المتجولين في الفلك الإسلامي بوصمة الآخرية (أي كونهم آخرين) التي عانى منها اليهود في أوربا. لأنهم كانوا من سكان الشرق الأدنى الأصليين وليسوا مهاجرين كما في الغرب اللاتيني، وغالباً لا يمكن تمييزهم جسمانياً من جيرانهم العرب المسلمين (٢). يقول الكاتب اليهودي الماركسي إبراهام ليون في كتابه "المفهوم المادي للمسألة اليهودية " والذي علق عليه الكاتب اليهودي مكسيم ردنسون: "عامل الإسلام اليهودية بتسامح يفوق التسامح الذي لاقاه هذا الدين ـ من جانب المسيحية ـ كتيار ايديولوجي اعترف بحقه بالبقاء بالرغم من الهزيمة التي لحقت به". ويقول ايضاً في: وفي ظل الامبراطورية الإسلامية والدويلات التي قامت على اشلائها، والتي احتفظت فيما بينها بصلات وثيقة، ازدهرت التجارة بين مناطق متباعدة، وتقدم الانتاج الزراعي الخاص بكل اقليم من الاقاليم، وراجت الصناعات اليدوية، وشارك اليهود كسائر عناصر السكان في هذا التقدم، ومارس عدد كبير منهم التجارة كما يقول ـ جواتين ـ: " لقد ادت هذه الثورة ـ البرجوازية ـ إلى الاسراع في تحويل اليهود من شعب يمارس بالدرجة الأولى المهن اليدوية إلى جماعة تهتم بصورة

стр. 1040

رئيسية بالتجارة .. وعندما وجد اليهود انفسهم ابان العصر الإسلامي امام حاضرة ميركانتيلية قابلوا التحدي وتحولوا بدورهم إلى امة تتكون من رجال الاعمال وباشروا بالقيام بدور رئيسي في نهضة الحضارة الجديدة (١). وقد وجد اليهود الذين لم يعانوا الاضطهاد القاسي حيث كانوا يقيمون ملجأ لهم في البلدان المجاورة، وخاصة خارج البلدان المسيحية، في العالم الإسلامي الذي فتح لهم صدره (٢). ويقول الكاتب اليهودي المعادي للصهيونية الفرد ليلنتال: وكما اشار المؤرخون اليهود فان العصر الذهبي لليهودية امتد من القرون البادئة عام ٧١١ ب. م عندما عاش اليهود متمتعين بالنفوذ والاحترام تحت السلطة الإسلامية في اسبانيا والبرتغال. وحين اضطر اليهود إلى الفرار من وجه مجالس التفتيش المسيحية وجدوا ملجأ لهم في شمال افريقيا والشرق الاوسط. ان ما يعرف في الغرب بالعداء للسامية لم ينشأ في العالم العربي في يوم من الأيام، ان العرب لم يكونوا قط معادين لليهود، والإسلام يعتبر موسى وابراهيم كما يعتبر يسوع انبياء ... وفي مصر عاش اليهود طوال الف سنة جنباً إلى جنب مع المسلمين ـ وبعضهم من احفاد اليهود القدماء الذين خلفهم موسى وراءه عند خروجه من مصر، وفر آخرون إلى مصر بعد التدمير الأول الذي انزله البابليون بهيكل القدس، وفي عام ٢٥٠ ق. م يحدثنا فيلو انه كان في الاسكندرية يهوداً اكثر مما كان في القدس، ووجد اليهود ملاذاً لهم في مصر نجاهم من الاضطهادات النصرانية في اسبانيا والبرتغال خلال القرن الخامس وكذلك اثناء الثورة الروسية والحكم الهتلري. ولا ريب في ان الغزو الاسرائيلي لمصر قد وضع حداً لهذا الملاذ المصري ليهود العالم (٣). وجاء في كتاب "تاريخ العرب: ولقد لقى اليهود من محاسنة المسلمين فوق ما لقيه النصارى برغم مما في بعض الآيات القرآنية من تنديد بهم. والسبب انهم كانوا قليلي العدد فلم يخشى آذاهم، وقد وجد المقدسي سنة ٩٨٥م ان اكثر الصيارفة وارباب البنوك في سوريا يهود واكثر الكتبة والاطباء نصارى ونرى في عهد عدد من

стр. 1041

الخلفاء واخصهم المعتصد (٨٩٢ ـ ٩٠٢م) انه كان لليهود في الدولة مراكز هامة. وكان لهم في بغداد مستعمرة كبيرة ظلت مزدهرة حتى سقوط المدينة. وقد زار هذه المستعمرة بنيامين التطيلي حول سنة ١١٦٩ م فوجد فيها عشر مدارس للحاخامين وثلاثة وعشرين كنيساً منها واحد رئيسي مزدان بالرخام المخطط ومجمل بالذهب والفضة، وافاض بنيامين في وصف الحفاوة التي لاقاها رئيس اليهود البابليين من المسلمين بصفته سليل بيت داوود النبي ورئيس الملة الاسرائيلية (ريش جاوثا) في الارامية أي امير السبي أو بصفته في الواقع زعيم جميع اليهود الذين يدينون بالطاعة للخلافة في بغداد. فقد كان لرئيس الحاخاميين هذا من السلطة التشريعية على ابناء طائفته مثل ما كان للجاثليق على جميع النصارى، وقد روى انه كانت له ثروة ومكانة واملاك طائلة فيها الحدائق والبيوت والمزارع الخصبة، وكان إذا خرج إلى المثول في حضرة الخليفة ارتدى الملابس الحريرية المطرزة وعمامة بيضاء موشاة فيها الجواهر واحاط به رهط من الفرسان وجرى امامه ساع يصيح باعلى صوته (افسحوا درباً لسيدنا ابن داوود) (١). وهكذا فأنه ليس من المدهش أن اليهود الذين عاشوا في الأراضي الإسلامية في العصور الوسطى لم يحفظوا أية ذاكرة جماعية عن عنف قام به مسلمون ضد اليهود، ناهيك عن معاداة السامية. و هذا على خلاف شديد مع إخوانهم الذين عاشوا في الأراضي المسيحية والذين رسموا تاريخهم على شكل سلسلة طويلة من المعاناة. ولكن هنالك سلسلة واحدة من العنف تأتي إلى الذاكرة. وهي المذابح والتحويل القسري التي قامت به طائفة متعصبة من الموحّدين في شمال أفريقيا وأسبانيا في القرن الثاني عشر ضد اليهود والمسيحيين وحتى المسلمين المنشقين أو الذين لا يوافقون طريقتهم. وهذا الاضطهاد هو الذي أجبر عائلة ميمون على هجرة وترك أسبانيا والاغتراب (٢). وفي ظل الدولة العثمانية تمتع اليهود في فلسطين، التي كانت خاضعة للحكم العثماني، منذ سنة ١٥١٧ م وفي اماكن اخرى من الامبراطورية العثمانية، بقسط

стр. 1042

كاف من الحرية الدينية، لم تكن من نصيبهم في أي بلد اوروبي، فخلال الحكم العثماني، لم تتخذ اية اجراءات رسمية تستحق الذكر، تناهض اليهود أو تميز بينهم وبين باقي السكان، كما كان الحال في معظم الدول الاوروبية ان لم يكن فيها كلها (١). فقد عاش اليهود تحت الحكم العثماني بسلام لكنهم كانوا يلاقون دوماً في اوروبا الشرقية تمييزاً وكراهية قوية كانت تتفاقم من وقت لآخر لتنتهي بالمذابح (٢). وتؤكد (الموسوعة اليهودية) بان السلطان عبد الحميد الثاني عامل يهود الدولة العثمانية معاملة طيبة، ويشهد بذلك بعض المقربين اليه من اليهود امثال "ارمينيوس فامبري " الصديق الشخصي للسلطان الذي صرح: انه من خلال الصداقة المستمرة التي تربطني بالسلطان منذ سنوات طويلة كانت لي الفرصة للتعرف على معاملته الطيبة لليهود. وكان اول حاكم تركي يعطيهم المساواة امام القانون مع رعاياه المسلمين، وعندما استلم الحكم امر باعطاء رواتب شهرية لحاخام تركيا الاكبر وبمعنى آخر عامل الحاخام كما يعامل كبار موظفي الدولة واتخذ تقليداً بان يرسل سنوياً في عيد الفصح إلى حاخام القسطنطينية ثمانية آلاف فرنك لتوزع على فقراء اليهود في العاصمة التركية، وعندما منعت حكومة كريت المحلية في عام ١٨٨١م مشاركة اليهود في الانتخابات البلدية الغى عبد الحميد هذه الانتخابات ووبخ السلطات لتعديها على حقوق اليهود (٣). ويعزو بعض المؤرخين (غير المسلمين) سبب بقاء اليهود على قيد الحياة إلى استضافة المسلمين وحمايتهم لهم. يقول ج. ه. جانسن في كتابه "الصهيونية واسرائيل وآسيا:" وفي مناسبتين من التاريخ اليهودي في اوروبا نرى ان بقاء اليهود على قيد الحياة يعود إلى استضافة وحماية الحكام المسلمين، كانت الفترة الأولى في القرن السادس عندما وضعت الفتوحات الإسلامية في اسبانيا حداً للاضطهاد اليهودي على يد المسيحيين هناك، ومنذ القرن العاشر فصاعداً أخذ الضغط على اليهود في اوروبا الغربية في الازدياد ببطء حتى إذا ما اطل القرن السادس عشر كانت تلك

стр. 1043

المنطقة بكاملها قد افرغت من اليهود ما عدا بعض الجيوب الصغيرة والمبعثرة، حيث انتقلت الجاليات اليهودية نحو الشرق ووجدت ملجأ لها في الامبراطورية العثمانية (١). لقد ألّفَ اليهود في أراضي الأشكنازي (أوربا الوسطى والشرقية) عدداً كبيراً من القصائد والمراثي في أثر الاضطهادات التي تعرضوا لها والشهداء الذين سقطوا منهم وخاصة بعد مذابح اليهود في الراينلاند وفي أماكن أخرى خلال الحملة الصليبية الأولى، وقد أُدْخِلَ قسم كبير من هذا النصوص الرثائية إلى الطقوس الدينية والتي ما زالتْ تُتْلى في المعابد إلى يومنا هذا. وعلى العكس من هذا، ومن بين آلاف القصائد العبرية التي كُتِبَتْ خلال القرون الإسلامية الكلاسيكية، فإن القصيدة العبرية الوحيدة من العصور الوسطى التي تنوح وتبكي على اضطهاد تعرض له اليهود في أرض عربية هي قصيدة تبكي و تنوح على استئصال المجتمعات اليهودية في شمال أفريقيا وأسبانيا خلال حكم الموحّدين (٢). منع هجرة اليهود إلى فلسطين كانت صلة اليهود بفلسطين عبر التاريخ وقبل وجود الصهيونية الاستعمارية، مجرد صلة دينية عاطفية ولم يكن لهم اية مطامع سياسية، وكان هذا الامر قبل السبي البابلي، الذي قام به نوخذ نصر، اذ انه من الثابت تاريخياً ان اليهود كانوا موزعين في العالم العربي، وغير العربي، في ذلك الوقت، ولم يكونوا مجتمعين فقط في فلسطين، بل كانوا مواطنين في كثير من الدول. كانت صلة اليهود بفلسطين مجرد صلة دينية عاطفية ورغبة لدى بعض الفئات اليهودية المتدينة في الاقامة قرب الاماكن المقدسة للتعبد وممارسة الطقوس الدينية لقضاء ايامهم الاخيرة في المدن الاربعة المقدسة (القدس، صفد، طبرية، الخليل) ناهيك عن ان اليهود المتدينيين كانوا يؤمنون بفكرة بعث الدولة اليهودية في فلسطين بحدوث

стр. 1044

معجزة الهية يظهر معها المسيح المنتظر الذي سيعيد بناء "هيكل سليمان " ويقود العالم نحو الخير والسلام (١). وقد شهد اليهود في حياتهم بين المسلمين في العالم الإسلامي، اكرم حياة وعوملوا أطيب معاملة، كانت مضرب المثل لليهود في الاقطار الاخرى. وقد شهد على ذلك المؤرخون اليهود والنصارى، بالاضافة إلى المؤرخين المسلمين، فمنذ ان فتح المسلمون فلسطين، سمح الخليفة عمر بن الخطاب لليهود بالعودة إلى القدس ومنحهم قطعة ارض على جبل الزيتون لاقامة الصلوات، كما سمح لهم بعد ذلك السلطان صلاح الدين الايوبي بالعودة بعد الاضطهاد والابادة التي لاقوها اثناء الحروب الصليبية، واخيراً سمح لهم العثمانيون بالعودة إلى فلسطين بعد طردهم من الاندلس (٢). وبعد خضوع فلسطين للحكم العثماني في اوائل القرن السادس عشر، بدأ يهود اوروبا يهاجرون اليها واقاموا في الاماكن المقدسة، القدس، طبريا، صفد، الخليل. وفي منتصف القرن الثامن عشر هاجر عدد من يهود بولندا وروسيا إلى فلسطين بسبب اضطهادهم هناك، واستقر معظمهم في صفد وطبريا حيث لاقوا تحت حكم ضاهر العمر الحماية والامن. كما لاقوا من مختلف السلاطين العثمانين المعاملة الحسنة، ثم ازداد عددهم في اوائل القرن التاسع عشر بعد ان ازداد تدفقهم من اسبانيا بسبب مظالم فرديناند الكاثوليكي وفيليب الثاني. ويسمى هؤلاء اليهود بالسفارديم أي اهل الكتاب (٣). وحين وافق السلطان سليمان عام ١٥٦٢م على تحويل مدينة طبريا إلى مدينة يهودية عارض المسيحيون، وتدخل البابا مع الصدر الاعظم لافساد المشروع ورفض العمال العرب ان يعملوا ولكن والي

стр. 1045

دمشق ساعد على اتمام بناء السور الا ان التطور توقف بموت السلطان سليم سنة ١٥٧٤ (١). ولم يواجه المهاجرون اليهود أي عقبة سياسية لان زعماء المسلمين لم يرفضوا في أي فترة السماح لليهود القادمين من البلدان الاجنبية بدخول فلسطين والاستيطان فيها. ولم يمنح هذا السماح للمسيحيين الغربيين، وبعد وصول اول فوج من المستوطنين الصهيونيين من رومانيا عام ١٨٨٢م اصدر السلطان عبد الحميد لاول مرة في التاريخ، عام ١٨٨٥م، امراً يسمح بدخول اليهود كحجاج فقط لا كمستوطنين. على ان القانون لم ينفذ ابداً بصرامة، ولكن هذا القانون وما تلاه من قوانين تقيد الهجرة كانت تنطبق فقط على اليهود الاجانب، اما مئات الآلاف من المواطنين اليهود في البلدان المحيطة بفلسطين والخاضعة للامبراطورية العثمانية فقد كان باستطاعتهم دوماً الاستيطان في فلسطين (٢). ففي الماضي كان يباح للاجنبي الاتجار مع البلاد العثمانية والمكوث فيها دون ان يملك اقل قطعة من الارض، لان الشرع الإسلامي لا يبيح له دخول البلاد الإسلامية الا إذا قبل احد امرين الجزية أو الإسلام، واذا دخلها فلا يقيم بها الا لاجل معين إلى ان تغير ذلك في ٧ صفر ١٢٨٤هـ (١٨٥٦م) بصدور الخط الهمايوني الذي يساوي بين حق الاجنبي وحق العثماني في الامتلاك العقاري بالبلاد العثمانية. ولكن الاوامر الجديدة كانت تستثنى اليهود الاجانب من التملك في فلسطين. وقد اشارت جريدة المؤيد في ٥/ ١١/١٨٩١م بان الدولة العلية كانت قد رحبت بالمهاجرين من يهود روسيا فكانت بذلك اعرف الدول بحقوق الانسانية ولكنها رأت بعد ذلك انهم يفدون إلى البلاد التي يقصدونها زمراً وجماعات بحيث يضيق عنهم قضاء تلك البلدان، فلما تدبر الباب العالي في المضار التي تلحق الرعايا العثمانية من وفودهم بهذه الصفة اضطرت ان تمنع دخولهم الاراضي العثمانية (٣).

стр. 1046

لقد كان وصول المهاجرين اليهود إلى اراضي الدولة العثمانية ـ ومنها فلسطين ـ يستقبل بعدم المبالاة، وينظر اليه نظرة انسانية، خاصة ان هؤلاء المهاجرين كانوا يأتون للاقامة من اجل العبادة، ويهربون من المذابح التي يلاقونها في بلاد اخرى ليست من العالم الإسلامي. ولا يعقل ان يخطر ببال المهاجرين الاساءة إلى العرب في قطرهم وهم الذين رحبوا بهم وافسحوا لهم صدرهم الآن وعلى مدى عصور التاريخ (١). ظهور الصهيونية والعداء لليهود هكذا نجد ان المعاملة الطيبة، التي لا مثيل لها في أي بلد آخر، التي لاقاها اليهود في العالم الإسلامي لم تتغير الا بعد نشوء الصهيونية التي ابتكرها ورعاها، وخطط لها ونفذها المستعمرون غير اليهود اولاً ثم حفنة من عملائهم اليهود الصهاينة بعد ذلك كحل لمشكلة اليهود في اوروبا وتحقيقاً لنبوءات توراتية. فهذا العداء- كما يقول الشيخ القرضاوي- لم نبتكره نحن لسنا الذين اخترعنا هذا العداء .. اليهود عاشوا بين المسلمين وبين ظاهراني المسلمين قرون عديدة حتى حينما اضطهدتهم أوروبا ولفظتهم أوروبا لم يجدوا صدرا حنونا ولم يجدوا كهفا يؤوون إليه ويعيشون فيه آمنين مطمئنين إلا دار الإسلام .. أوطان المسلمين هي التي وسعتهم. ولكن عندما احتل اليهود أرض فلسطين وشردوا أهلها وفعلوا ما فعلوا فهم الذين بدؤوا بالعداء ولم نبدأ نحن بالعداء. ويضيف: بل أنا أقول ربما كان اليهود أقرب إلى المسلمين من ناحية العقيدة ومن ناحية الشريعة أكثر من المسيحيين لأن اليهود لا يؤلهون موسى ليست عندهم عقيدة تثليث هم لا يؤلهون موسى كما يُؤله المسيحيون عيسى ابن مريم هم من ناحية الشريعة في كثير من الأشياء يتفقون مع المسلمين. النصارى لا يذبحون اليهود يذبحون، النصارى لا يختنون أبناءهم اليهود يختنون، النصارى لا يحرمون الخنزير اليهود يحرمون الخنزير .. النصارى لا يحرمون التماثيل ومعابدهم وكنائسهم مليئة بالتماثيل اليهود يحرمون التماثيل، أشياء كثيرة يتفق فيها اليهود مع

стр. 1047

المسلمين فليست المشكلة مع اليهود مشكلة عقيدة ولا شريعة إنما هي مشكلة أطماع وأشياء جعلت هذا الموقف منذ العهد النبوي مع اليهود ثم في عهدنا هذا منذ بدؤوا يطمعون في أرض الإسراء والمعراج أرض فلسطين المقدسة المباركة (١). وهكذا نجد انه ليس هناك من مبرر اطلاقاً، للاعتداء على أي قطر من اقطار العالم الإسلامي، (بسبب اضطهاد اليهود)، أو (بسبب اللاسامية)، أو (بسبب المسألة اليهودية) التي لم يكن قد وقع عليهم بسببها أي اذى في العالم الإسلامي. فلم يكن هناك اضطهاد، ولا مذابح، بفضل سماحة الإسلام والمسلمين. ولم يكن هناك لا سامية في العالم الإسلامي، خاصة في العالم العربي لان العرب هم اساس العرق السامي. ولم يكن هناك مشكلة يهودية في أي قطر عربي أو اسلامي لانهم كانوا يعاملون احسن معاملة يلقاها اخوانهم في الدين في أي بلد في العالم. وكان من الأولى ان تحل مشكلتهم عند من اوجدوها. عند اولئك الذين اوقعوا فيهم المذابح والاضطهادات، وعند الذين اخترعوا اللاسامية ومارسوها، وعند اولئك الذين اوجدوا المشكلة اليهودية. ان معذبي اليهود كانوا غربيين: الجرمان واللاسامية توجد في أمريكا وفي بريطانيا، كما توجد في كثير من البلدان الغربية ولكنها لم توجد في البلدان العربية قط (٢). وحتى قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨م لم تسيطر الصهيونية على اليهود الشرقيين لانهم لم يعانوا من اللاسامية في البلدان التي اقاموا فيها (٣). ولكن انقلب بعد ذلك كل شيء، بفضل مخططات الاستعمار الغربي الذي بدأ بالتعاون مع عملائه الصهاينة ـ بافتعال القتل والحرق والدمار ضد المواطنين اليهود في البلاد الإسلامية والعربية خاصة، مما ادى وعن سابق تخطيط إلى تهجير مئات الآلوف من اليهود العرب إلى إسرائيل ليشاركوا في بناء الدولة الاسرائيلية. يقول الفرد ليلينتال: والغريب العجيب ان يقف اليهود من العرب هذا الموقف العدائي الوحشي وهم الذين نعموا في ظل الدولة العربية الإسلامية بالسلام والرخاء، بينما يتعرضون في اوروبا لضروب الاضطهاد: لقد منحهم الإسلام الحرية

стр. 1048

واعتبرهم "اهل الكتاب " واتاح لهم الفرصة للوصول إلى المراتب العليا في الدولة وشجع وأكرم من نبغ منهم من الشعراء، والفلاسفة، والعلماء، والاطباء، والمؤرخين .. وفي هذا الوقت بالذات كانوا يعتبرون في اوروبا "قتلة الرب" و "جلادي المسيح" وكانوا متكتلين في جماعات مغلقة على ذاتها، وبسب هذه العزلة عانوا الواناً من الزراية والاضطهاد وكثيراً ما اخذوا بجريرة آثار لم يرتكبوها (١). فرغم حسن معاملة الإسلام لليهود فإنهم اعتبروه مجرد صياغة بشرية لمادة من التوراة أو التلمود، وحاولوا احتواء الإسلام بكل الوسائل، ولم ينظروا إلى ما أثبتته نصوصه من تحريف الأحبار لأصل اليهودية، وما أدخلوه بموجب ذلك التحريف من كذب وتزوير، لذلك استخدم أحبار اليهود في زمن الرسول ﷺ مختلف الكيد، ووصفهم القرآن بأنهم أشد عداوة للذين آمنوا، كما حاولوا إدخال كثير من التشويه إلى مصادر الإسلام، أطلق عليه المفسرون مصطلح "الإسرائيليات". وفي العصر الحديث ربطت الصهيونية بين الإسلام والتخلف، وبينه وبين الأصولية والإرهاب، ومعاداة الحضارة الغربية، كل ذلك من أجل تشويه صورته، وحجب حقيقته، وحاولت بكل الوسائل أن تحجب الآراء اليهودية التي تدعو إلى الحوار بين الإسلام واليهودية، أو التي لا تعتبر الإسلام عدوا لليهود (٢). وهكذا انتج النزاع العربي اليهودي حول فلسطين قضية سياسية جديدة أثّرتْ على تاريخ اليهودية في القرون الوسطى في العالم الإسلامي. لقد استغل كلا الجانبين الصراع وعدّل قراءة خرافة التعايش الطوباوي بين الدينين لخدمة أغراضه السياسية. فقد لوّح العرب وكذلك مؤيدي القومية العربية براية التناغم والتآلف والتوافق العربي-اليهودي في الماضي وألقوا باللوم على الصهيونية المعاصرة لعدائها للعرب في الوقت الحاضر. بالمثل، استبدل عدد من الكُتّاب الصهاينة نظرية العصر الذهبي بما أدعُوُه النظرية المضادة -الاضطهاد الإسلامي أو الفهم البكائي الحزين للتاريخ العربي اليهودي. وزعم أؤلئك المُعَدِّلُون (الذين عدّلوا النظرة التاريخية السائدة) أن الحياة اليهودية في الإسلام بدايةً بالنبي محمد (ص) تميزت

стр. 1049

بالصعوبة والمشقة والاضطهاد تماثل بالمرارة المعاناة الفظيعة التي شهدتها الحياة اليهودية في العالم المسيحي. وهذا يتضمن ان معاداة السامية عند العرب ليست أمراً جديداً ولكنه مرض مزمن قديم، وليس من المحتمل أن يذهب أو يزول حتى لو قامت إسرائيل بتنازلات سياسية كبيرة من أجل سلام الأمة الفلسطينية الناشئة (١). ولكن إذا انتهى يوما ما الصراع بين العرب واليهود بصورة تامة، عندئذ سيُصْبِحَ ممكناً رؤية الماضي مرة أخرى ليس، بالطبع، كتعايش طوباوي بين الدينين ولكن كزمن عاش فيه اليهود مغروسين في مجتمع إسلامي في تعايش خلاّق مشتركين في أمور كثيرة ومتحررين إلى درجة كبيرة من البغضاء ومعاداة السامية التي عانى منها إخوانهم في الأراضي المسيحية (٢). الحوار مع اليهود بين الرفض والقبول أصدر مركز زايد للتنسيق والمتابعة دراسة تناولت موضوع "الموقف اليهودي والإسرائيلي من الحوار مع المسيحية والإسلام"، حيث وقفت عند ذلك الموقف عبر التاريخ، والمحددات التي حكمته، والخلفيات التي وجهته، بصورة تجمع بين استحضار الوثائق والشواهد، وتحليل الآراء والوقوف عند أبعادها، بأسلوب علمي رصين. وتتبعت الدراسة موضوع الحوار في الديانة اليهودية بصورة عامة، فبينت مرتكزاته، وأسلوبه، ومعوقات قيامه، وكيف توجه اليهود إلى الانعزالية، والحذر من الاحتكاك والحوار مع الشعوب الأخرى، رغم ما فرضه عليهم منطق التاريخ من علاقات مع بعض المجتمعات عن طريق المصاهرة والاختلاط، وإن كانت علاقات ظلت دائما محل ريبة وحذر، وموضع تأثيم من قبل التيار العريض من معتنقي اليهودية، بل إن الجدل الذي دار حول ظاهرة الاختلاط، ولو عن طريق المصاهرة، نظرت إليه أسفار العهد القديم باعتباره مهددا لديانة بني إسرائيل التوحيدية، مما

стр. 1050

دعا بعض أنبياء اليهود، مثل عزرا ونحميا إلى المطالبة بتحريم الزواج من الأجنبيات مطلقا، لئلا يؤثر على نقاء الدم الإسرائيلي. (١) وخلصت الدراسة إلى أن مجتمعا، كالمجتمع اليهودي والإسرائيلي، لا يمكن أن يقبل بالحوار؛ لاعتقاده الديني بأنه صفوة البشر التي اختارها الإله، وأعطاها العهد، وبشرها بالخلاص، وخصها بالطهارة والفضل، وأن غيره "أغيار أغراب " لا تنبغي مخالطتهم، ولا العيش معهم لتدنيهم ودنسهم؛ الأمر الذي فرض أن يقام الحي اليهودي الخالص (الجيتو) في المدن الأوروبية خلال القرون الوسطى، والذي شجعته الصهيونية في العصر الحديث؛ بل على أساس من فكرته، وتذمرا من واقعه كان البحث عن وطن بديل، وكانت فلسطين أرض الميعاد والخلاص. وتضيف الدراسة: "أن موقف اليهود من الحوار مع الإسلام كان سلبيا، ومحكوما بنظرة سياسية قوامها إقناع المسلمين بأحقية اليهود في فلسطين، واستصدار فتاوى من أئمة الإسلام تحرم الجهاد ضد المحتلين، وتقرن بين العمليات الاستشهادية من أجل الدفاع عن النفس والأرض بالانتحار، وتصف الفلسطينيين بالإرهابيين (٢). اما الشيخ يوسف القرضاوي فيرى: ان الإسلام يرحب بالحوار دائما ومنهج الدعوة الإسلامية كما شرحه القرآن الكريم" ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" الحكمة والموعظة الحسنة مع الموافقين والجدال مع المخالفين ولكن القرآن قيد هذا في آية أخرى في قوله تعالى "ولا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ" إلا الذين ظلموا منهم الظلمة من أهل الكتاب ليس بيننا وبينهم حوارونحن نرفض الحوار مع حاخامات اليهود الذين يعيشون في إسرائيل ويؤيدون ما تقوم به إسرائيل من مظالم. إنما هناك يهود يعارضون قيام إسرائيل ويرون أن قيام إسرائيل ضد حكم الله هؤلاء نحاورهم نجلس معهم أما هؤلاء الذين يؤيدون البطش والجبروت الإسرائيلي والاستكبار في

стр. 1051

الأرض وقتل الناس بغير حق هؤلاء لا نضع أيدينا في أيديهم نحن مع الحوار ولكن الحوار لمن يستحق الحوار. ويضيف الشيخ القرضاوي: ان يهود هذا العصر هم يهود عصر الرسالة يعني من ناحية العقيدة ومن ناحية الشريعة ... ونحن الآن لا نتكلم من حيث عقيدتهم وشريعتهم لكن نتكلم من حيث المظالم التي ارتكبوها هذا هو سبب العداء بيننا وبينهم المعركة بيننا وبين اليهود ليست من أجل العقيدة بعض الناس يمكن ان يظن أننا نحارب اليهود من أجل عقيدتهم هذا خطأ نحن لا نحارب اليهود من أجل عقيدتهم نحارب اليهود من أجل الأرض التي اغتصبوها وشردوا أهلها من أجل أنهم احتلوا الأرض هذا هو سبب المعركة بيننا أما اليهود كيهود ليس بيننا وبينهم معركة (١). وتخلص دراسة مركز زايد إلى القول: بخصوص الحوار مع اليهودية، فلا بد من التمييز الواضح بين الجانب المتعلق بالمعتقدات و القيم الدينية والجانب المتعلق بالتوظيف السياسي والأيديولوجي لهذه القيم و المعتقدات كما هو شأن الفكر الصهيوني الذي قامت عليه الدولة الإسرائيلية المغتصبة و العدوانية. و لئن كان الإسلام يعترف برسالة موسى و يعظم أنبياء بني إسرائيل، و يقترب من حيث أحكامه و تعاليمه من الشريعة اليهودية، فإن النصوص التلمودية و شروح الهالاخاه المعتمدة لدى المؤسسة الدينية اليهودية لا تزال مشبعة بالكراهية و الحقد على الديانة المسلمة و لا تزال رافضة الإعتراف برسالة الإسلام، و من ثم فإن أي حوار مطلوب بين الإسلام و اليهودية يتطلب أولا تصحيح هذا الخلل الخطير في التعامل مع الديانات الأخرى (٢). ويجب الاشارة هنا إلى ان كثير من المؤرخين يغرق عند مواجهتهم لادعاءات اليهود المعاصرين بحقهم في فلسطين في الانشغال بعلوم الآثار، وذكر الشعوب التي استوطنت أو حكمت أو مرت على فلسطين وكم حكم كل منها هذه الأرض

стр. 1052

ليخرجوا في النهاية بنتيجة مؤداها ضآلة الفترة والمساحة التي حكم فيها اليهود عبر التاريخ مقارنة بالعرب والمسلمين، ورغم أن هذا الجانب مفيد في رد ادعاءات اليهود من النواحي التاريخية والعقلية المنطقية، إلا أن كثيراً من هؤلاء الكتاب والمؤرخين يقعون في خطأين كبيرين حسبما يظهر لنا: - الأول: اعتبار تراث الأنبياء الذين أرسلوا إلى بني إسرائيل أو قادوهم تراثاً خاصاً باليهود فقط، وهذا ما يريده اليهود!! - الثاني: الإساءة إلى سيرة عدد من أنبياء بني إسرائيل باستخدام الاستدلالات المستندة إلى توراة اليهود المحرفة نفسها، وهم عندما يستخدمونها فإنما يقصدون الإشارة إلى "السلوك المشين" لبني إسرائيل وقادتهم عندما حلوا في فلسطين، ليضعفوا من قيمة دولتهم ويبينوا انحطاط مستواهم الحضاري، ويدخل أصحاب هذا المنهج في الاستدلال بما ذكرته الإسرائيليات من اتهام للأنبياء بالغش والكذب والزنى واغتصاب الحقوق وقتل الأبرياء، في محاولات لإثبات قسوة ومكر ولؤم اليهود وتشويه صورة حكمهم ودولتهم في ذلك الزمان. يضاف إلى ذلك امر مهم جداً وهو ان بعض الذين تصدوا للبحث في تاريخ بني اسرائيل قد اتوا على كل شئ في تاريخ اليهود نفياً والغاء، .. حيث تعرضت التوراة لنقد قاس من قبل عديد من الباحثين، وقد تراوح هذا النقد من ابداء ملاحظات مهمة حول مصداقية وقائع جاءت في التوراة أو القيمة الحقيقية لبعض الاسفار، إلى النفي الكامل لقدسية التوراة وصدق الديانه اليهودية. وتأتي خطورة الرؤية الاخيرة من انها لا تصطدم مع العقيدة اليهودية وحدها .. اذ ان النفي المطلق لليهودية انما يصطدم تماماً بالمسيحية والإسلام على السواء .. وعلى ذلك فإن نفي التوراة انما يعني ضمناً نفي الانجيل والقرآن معا (١). وهنا يجب ان ننبه إلى ان القرآن الكريم كفانا مؤونة التعرف على أخلاق اليهود وفسادهم وإفسادهم، غير أن أنبياءهم وصالحيهم أمر آخر، فالأنبياء خير البشر، ولا ينبغي الإساءة إليهم والانجرار خلف الروايات الإسرائيلية المحرفة، التي لا تسيء للأنبياء فقط وإنما لله ﵎. لقد حرف اليهود التوراة، وساروا على نهج

стр. 1053

التوراة المحرفة في أخلاقهم وفسادهم وإفسادهم محتجين بما نسبوه إلى أنبيائهم كذباً وزوراً، ومن الواجب على المؤرخين وخصوصاً المسلمين ألا يندفعوا في استقرائهم لتاريخ فلسطين إلى اتهام أنبياء الله بما افتراه عليهم اليهود وذلك في سبيل إثبات حق الأقوام الأخرى في فلسطين (١). ولكن قد يظن بعض المسلمين أنه إعمالاً لقاعدة المعاملة بالمثل، يعامل اليهود في البلاد العربية والاوربية بمثل ما يعاملون به المدنيين في فلسطين وهو القتل ومصادرة الاموال أو سلبها. واعتقد ان هذا تصرف لا يقبله الإسلام "لا تزر وازرة وزر اخرى"، ولكن من المؤسف ان بعض المسلمين اليوم تبنوا عدداً من صفات وخواص معاداة السامية الأوربية بعد أن تأسْلَمَتْ كراهية اليهود هذه، أي اتخذت طابعاً إسلامياً مدعوماً بخليط من نصوص معادية لليهود من المصادر الإسلامية، تلك النصوص التي لم يكن من أهمية لها ولا تأثير لها على معاملة المسلمين لليهود في القرون السابقة. ولكن بعد ظهور الصهيونية واسرائيل كان متوقعاً ان يعتم موقف العداء هذا على أي فهم متوازن لماضي الإسلام الحقيقي ومواقفه وسياسته المتسامحة المتساهلة تجاه اليهود والأقليات غير المسلمة الأخرى. كما ان هنالك عدد من اليهود من البلاد العربية الذين يعيشون الآن في إسرائيل استبدلوا ذاكرة القبول الإسلامي لليهود وفترة الانسجام الكبير في الماضي ببغض ومقت شديد ضد الإسلام في الوقت الحاضر. ولهذا يجب أن تبذل الجهود في كل أنحاء العالم سواء في الشرق الأوسط أو أوربا أو أميركا من أجل تشجيع فهم أكثر توازناً للعلاقات اليهودية الإسلامية في القرون الوسطى وذلك بدعوة المسلمين واليهود من أجل استكشاف الثقافة المشتركة في الماضي (٢). فهل يمكن لمتغيرات سياسية أن تخفف من حدة هذا العداء

стр. 1054

كالوصول إلى حل سياسي لأزمة الشرق الأوسط، لأن العيش في تسامح محفور في الذاكرة التاريخية (١). آفاق الحوار الإسلامي مع الديانات التوحيدية في العصر الحاضر (٢) من المؤكد أن الحوار الإسلامي مع الديانات الأخرى اليوم يختلف كليا من حيث الأهداف والآليات عن تجربة الحوار السابقة في العصور الوسطى، لإختلاف السياقات وتغير أنماط التدين وأشكال حضور الدين في المجتمعات المعاصرة بالمقارنة مع المجتمعات الإسلامية والمسيحية الوسيطة التي كانت تنتظم بحسب مقاييس الدين. ومع ذلك فإنه يجب الحفاظ على لب الرؤية الإسلامية المنفتحة والمتسامحة من أجل جدال بالتي هي أحسن مع الحضارتين اليهودية والمسيحية. ويمكن أن نقسم الرهانات المستقبلية لهذا الحوار إلى ثلاثة ملفات حيوية: ملف ديني، و ملف حضاري، و ملف إستراتيجي. أما الملف الديني فيتعلق بضرورة التغلب على أنماط التشويه و سوء الفهم الموروثة عن حقبة الصراعات الدينية السابقة و الحروب الصليبية. و لا يكون ذلك إلا بتشجيع الدراسات المقارنة بين الديانات الثلاث لتبيان الأوجه المشتركة الكبيرة بينها، و للتدليل على أن الفروق الطفيفة بينها لا تشكل عائقا للتعايش والتفاعل بينها. ففي الساحة الغربية يجب مراجعة الدراسات الإستشراقية المتأثرة بمناخ الحروب الصليبية لتنقيتها من ما خالطها من دس و تشويه لصورة الإسلام و نبيه وقيمه وشعائره، مع الإستفادة من كبار المستشرقين المنصفين الذين أشادوا بروحانية الإسلام وسماحة قيمه وتسامحه. ولا بد هنا من التنويه بالخطوات الإيجابية التي قطعتها الكنيسة الكاتولوكية منذ المجمع الفاتيكاني وصدور وثيقة Nostra

стр. 1055

Actate عام ١٩٦٥ التي تبنت الحوار مع المسلمين والإنفتاح عليهم، من منطلق تعزيز المحبة والوحدة بين أتباع الديانات التوحيدية. فقد نص المجمع الفاتيكاني بوضوح على "ان الكنيسة تنظر بتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون الله الأوحد، الحي القيوم، الرحيم القدير، خالق السماء والأرض، الذي وجه كلامه إلى البشر، و إنهم يسعون في الخضوع بكل نفوسهم لأحكامه الحقة كما خضع إبراهيم لله، الذي ينتمي إليه الإيمان الإسلامي بطيبة خاطر. و أنهم يجلون يسوع كنبي، و إن لم يعترفوا به كإله، و يكرمون مريم أمه العذراء ... وإذا كانت قد نشأت، على مر القرون، منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيين والمسلمين، فالمجمع المقدس يحض الجميع على أن يتناسوا الماضي، ويسعوا في تحقيق تفاهم صادق بينهم، ويعملوا معا على صيانة ودعم العدل في المجتمع والقيم الأخلاقية، وأيضا السلم والحرية لجميع البشر" (١). إن هذه المقاربة الجديدة تفتح الباب واسعا للحوار البناء بين المسلمين الذين لم يكن لهم أصلا مشكل عقدي مع الديانة المسيحية، وإن كان لا بد من التنبيه إلى أن بعض التيارات الأصولية المسيحية المتطرفة لاتزال تتمسك بالصورة المشوهة السابقة، ومن بينها الحركات الصهيونية المسيحية في أمريكا. و قد إستمعنا لبعض رموز وأركان هذا التيار يسب الإسلام و ينعته بالديانة الزائفة الشريرة بعد تفجيرات نيويورك في سبتمبر ٢٠٠١. أما بخصوص اليهودية، فلا بد من التمييز الواضح بين الجانب المتعلق بالمعتقدات و القيم الدينية والجانب المتعلق بالتوظيف السياسي والأيديولوجي لهذه القيم والمعتقدات كما هو شأن الفكر الصهيوني الذي قامت عليه الدولة الإسرائيلية المغتصبة والعدوانية. ولئن كان الإسلام يعترف برسالة موسى ويعظم أنبياء بني إسرائيل، ويقترب من حيث أحكامه وتعاليمه من الشريعة اليهودية (في مقابل المسيحية التي لا شرائع لها)، فإن النصوص التلمودية و شروح الهالاخاه المعتمدة لدى المؤسسة الدينية اليهودية لا تزال مشبعة بالكراهية والحقد على الديانتين
следующие страницы →