الولايات المتحدة الاميركيه كان بقلم القس إبراهيم متري رحباني في كتابه (المسيح السوري) المطبوع في أميركا عام ١٩١٦ (١).
دور المسلمين والعرب في أمريكيا في المواجهة
إذا كنا عرضنا في السابق للدور الذي يمكن ان تقوم به الكنائس المختلفة والكنائس العربية في مواجهة الصهيونية المسيحية، فإن هناك دور مهم وحيوى يمكن ان يقوم به المسلمون والعرب داخل أمريكا، بسبب تاريخهم الطويل وثقلهم العددى الذى يمكنهم إذا ما تعاونوا مع الجماعت الاخرى، من تشكيل قوه ضاغطه ومؤثرة في صناعة القرار في أمريكا. ويكفي ان نعلم ان المسلمون كانوا من اوائل النازلين بأمريكا. يقول بول فندلى: "قدم المسلمون إلى شواطئ أمريكا طواعية، وكان بعضم بين اوائل النازلين بأمريكيا الشمالية، وتشير وثيقة قديمة إلى ان البحارة المسلمين قدموا إلى أمريكيا الشمالية عام ١١٧٨، اى قبل ثلاثة قرون من رحلة كولمبس الأولى. وكان بعض اولئك البحارة من الصين وآخرون من غرب افريقيا. وفي عام ١٣١٠ كان مسلمون من منطقة مالى في افريقيا، اول من استكشفوا المناطق الداخلية التى اصبحت فيما بعد الولايات المتحدة، مستخدمين نهر المسيسبى طريق مرور لهم. وفي عام ١٤٩٢، كان عدة بحارة مسلمين بين بحارة كولمبس اثناء رحلته الناجحة إلى العالم الجديد. وحمل معه ايضاً وثيقه يشير فيها العالم العربى الادريسى إلى ثمانية مستكشفين قد اكتشفوا قارة جديدة قبل ذلك بعدة سنوات" (٢).
وهذا التاريخ الطويل للمسلمين في أمريكيا، والذي لن يعجب الانجلوسكسون، يعطي مشروعية تاريخية للوجود العربي الإسلامي في أمريكا. والمشروعية التي نقصدها تنبع من كوننا كمسلمين وعرب اصحاب رسالة حضارية انسانية تحترم الآخر وتتفاعل معه. والدليل على ذلك انه عندما اكتشف المسلمون أمريكا قبل كولمبس، لم يسرقوا ويدمروا ويقتلوا اهل البلاد الاصليين، بل تفاعلوا معهم، وبنوا
стр. 982
مسجداً، ساهم في تأخير نهب أمريكا وابادة سكانها بعض الوقت. والمأمل ان يساهم وجودهم المتزايد الآن في أمريكا، في اعادة الامور إلى نصابها، واعادة الوجه الانساني لهذه القاره الذي سرقه الصليبيون الجدد.
وبالرغم من صعوبه المهمة فأنه بإمكان المسلمين والعرب، القيام بذلك أو على اقل تقدير المساهمه به، من خلال التعاون مع الجماعت الأخرى المناهضة للوضع الحالي، يساعدهم في ذلك تزايد عددهم. ففى الوقت الحاضر تؤكد المصادر الاحصائيه الرسمية في أمريكا أن عدد المسلمين المتواجدين في أنحاء الولايات المتحده الأمريكيه بصورة رسميه يبلغ سبعة ملايين توزيعهم كالتالي: مليون مسلم أمريكي من أصول عربيه، ٣ مليون مسلم أمريكي من أصول امريكيه وغير عربيه، ٣ مليون مسلم أمريكي من أصول غير امريكيه اغلبهم من باكستان والهند وإيران وتركيا والدول العربيه. أما مجموع إحصاء الأمريكيين من أصول عربيه المقيمين بصورة رسميه في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكيه فيبلغ ثلاثة ملايين عربي توزيعهم كالتالي: مليون مسلم بنسبة ٣٣% (الجالية الثانية في أمريكا)، ٣٠٠ الف بروتستانتي بنسبة ١٠%، ٧٥٠ الف أرثوذكسي يوناني وكلداني بنسبة ١٩%، ٦٠ الف أرثوذكسي مصري بنسبة ٢%، مليون و ١٠٨ الف كاثوليك روم بنسبة ٣٦% الجالية الأولى في أمريكا" (١).
وبالرغم من هذا التاريخ الطويل والوزن العددي للمسلمين والعرب في أمريكا الا ان تأثيرهم في الحياة العامه حتى الآن لا يتناسب مع حجمهم وامكانياتهم. ففي حين قام بعض المسلمون، المنخرطون في انشطة تنظيمية وانشطة ذات صلة بالسياسة العامة، بخطى واسعه، مؤثرة في مجال التفاهم بين الديانات المختلفة، الا انهم ليسوا سوى جزء صغير من الجماعة الإسلامية في أمريكيا، حيث لا يزال عدد المسلمين المشاركين في المؤسسات الإسلامية في أمريكا قليل، غير انه يتضح ان هذه المشاركة تزداد اثناء الفترات العصيبة (٢). واذا اعتمدنا لوائح العضوية والحضور في المؤتمرات السنوية التى تعقدها اكبر منظمتين اسلاميين، نستطيع ان نقدر
стр. 983
عدد المسلمين المنخرطين في النشاط المنظم، لكن افضل التقديرات المبنية عليها تعطى رقماً لمجموع هؤلاء، لا يتجاوز مائتى الف ناشط، اما بقية المسلمين، وهم اكثر من ستة ملايين نسمة، فإنهم اكثرية صامته تقف على الهامش، ولا تقدم اى دعم، حتى انها تحجم عن المساعدة بالمال. ولهذا فقد احس قادة التنظيمات والجمعيات الإسلامية بهذا الامر، فبدءوا يركزون جهودهم لحث المسلمين على الانحراط في النشاطات العامه، حيث اثمر ذلك وبدأ يحرز المسلمون الأمريكيون، تدريجياً مكانه بارزة في الحكم، ويظهرون المهارة في مزاولة السياسة بعدما كانوا، لسنوات طويلة، في موقع المتفرج، وباتوا ينتخبون لتولى المناصب الرسمية، ويساعدون مرشحين آخرين على الفوز في الانتخابات، ويمارسون دوراً قيادياً في انشطة الاحزاب السياسية والانشطة السياسية الحكومية، ويؤسسون حضوراً في السلطة القضائية للدولة (١).
ويرى فندلى، ان سبباً رئيسياً من اسباب بقاء الانماط المعادية للاسلام، هو واقع المسلمين الأمريكين الذين ما زالوا غير منظمين إلى حد بعيد، رغم وجودهم في أمريكيا منذ امد طويل. وعلى الرغم من تعاظم عددهم، فإن قيادتهم الوطنية لم تتبلور الا مؤخراً. يضاف إلى ذلك ان المسلمين الأمريكيين ليس لهم ثأثير يذكر في قرارات تغطية الاخبار بأى وسيلة من وسائل الاعلام، ومرد ذلك جزئياً إلى انخراط عدد قليل فقط منهم في ميدان الصحافة وامتهانها. فمعظم الاخبار التى تنشر وتبث في أمريكيا، يكتبها صحافيون لا يملكون معلومات وافية عن الإسلام، أو يملكون معلومات مضللة. واذا اراد المسلمون ان يكون لهم صوت مسموع في أمريكا فعليهم الاعلان جهراً عن هويتهم الإسلامية. والبحث عن وسائل تمكنهم من عرض حقيقة دينهم على غير المسلمين. فالرد على الافكار المنمطه، عبر تدابير تصحيحية متفاعلة مع الغير، هو امر اساسى، ولكن اتخاذ خطوات تتحكم بالوضع ولا تنتظر وقوع الواقعة للرد عليها، على القدر ذاته من أهمية الامر الأول. لهذا يجب على المسلمين الظهور بمظهر لائق في الدول التي يقيمون فيها، فعندما يهمل احد المسلمين واجبه كمواطن أو يسلك سلوكاً سيئاً، فإنه يجلب المعاناة للمسلمين كافة.
стр. 984
وعدم الطعن في كل صورة تشوه الإسلام، بل عدم الطعن في اى تقرير عن احداث مسيئة إلى الإسلام، تقع في اماكن بعيدة، مثل اندونيسيا والفلبين وافغانستان، يحمل المسلمين الأمريكيين عبئاً اضافياً مهما يكن مصدر الاساءة، ولهذا فإنه ينبغى لكل مسلم ان يشعر بواجب الدفاع عن ديانته ازاء تشوه حقائقها (١).
فالعداء للعرب والمسلمين، الذي كان على الدوام جزءاً من الايديولوجية الغربية، يكاد يتحول الآن إلى هواية شعبية. هذا العداء تغذيه الرأسمالية العالمية الحريصة على تبرير استغلالها وعدوانها وتسخر في خدمته أدوات اعلامها الجهنمية، وهو يستند ايضاً إلى اسس اخرى كثيرة، بعضها تاريخي جيوبوليتيكي والآخر ثقافي ديني. على اننا نحن العرب والمسلمين نحسن صنعاً لو بدأنا، ليس بهم وبدوافعهم، ولكن بالصورة التي تطرحها افعالنا وقيمنا وأنماط سلوكنا وتفكيرنا- حكاماً وسواحاً وشعوباً- في اذهان العالم المعاصر، غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، لنعرف هل تجعلهم هذه الصورة أدنى إلى التعاطف مع قضايانا وثورتنا، وبوجه خاص ثورة فلسطين، ام هم ادنى إلى الوقوع في شراك العداء التي تنصبها لنا الصهيومية والامبريالية في كل مكان (٢).
العلاقات العربية الأميركية
يعرض الأستاذ (محمد حسنين هيكل) في كتابه (الإمبراطورية الأميركية والإغارة على العراق) تحليلاً قيماًً لحاضر ومستقبل العلاقات العربية الأمريكية، يمكن الاستفاده منه في وضع استراتيجيه خارجيه ودولية لعلاقات الدول العربية مع أمريكا والعالم، حيث يقول: تحيط بالعلاقات العربية الأميركية بيئة تتكون من شبه مستحيلات أربعة تبدو وكأنها أضلاع صندوق مغلق، وهي كما يراها هيكل:
١ - صعوبة إقامة صداقة حقيقية مع الإمبراطورية الأميركية, لأن تلك فرصة أفلتت من زمن طويل، فقد تبدت لها احتمالات ممكنة سنة ١٩٤٥، ولكنها تبددت عام ١٩٤٨.
стр. 985
٢ - خطورة الدخول في عداء مطلق مع الإمبراطورية الأميركية, لأن هذه الدرجة من العداء تصل بحركة الأشياء إلى الصدام العنيف، وذلك تحد لا تستطيع الأمة احتماله، فهو في اللحظة هذه وللزمن المرئي يفوق طاقتها أو يتعدى مواردها.
٣ - منزلق الاندفاع إلى النهاية في مثل هذا العداء بدون حد، لأن ذلك يصل بأصحابه إلى حالة من الكراهية العاجزة تضرهم بأكثر مما تصيب غيرهم، وتلك وصفة فشل أكثر منها نجاح بشري.
٤ - استحالة الصبر إذا توهم العرب أن بإمكانهم تجاهل الإمبراطورية الأميركية وتركها لعوامل الزمن تعريها وتكسر شوكتها، كما حدث لإمبراطوريات سبقتها، لأن وزن الحقائق لا يسمح بمثل هذا التجاهل، فالواقع الراهن له أحكامه، وانتظار الظنون فرض يصعب اعتماده للتصرف الآني مع وجود الإمبراطورية الأميركية بسطوتها وبأسها في قلب العالم العربي بطلبه مرة أو بطلبها مرات.
وبالرغم من هذه البيئه الشائكة التى تحيط بالعلاقات العربيبة الأمريكية الا ان الاستاذ هيكل يرى أن السياسة الأميركية برغم أنها تبدو أمام العرب عاصفة من العنف الأحمق والجامح، فإن ذلك ينبغي ألا يخيف ويغري بالفرار، لأن واحدا من أهم دروس التاريخ أن الإمبراطوريات العاتية تكابر حتى تصل إلى الذرى العالية، ثم تكتشف عند الوصول هناك أن البقاء فادح التكاليف، وعندها تظهر حتمية النزول، لكن الإمبراطوريات تعاند وساعتها يبلغ العنف مداه، وذلك ما حدث لكل الإمبراطوريات سابقاً، من الإمبراطورية الرومانية في العالم القديم، إلى الإمبراطوريتين الكبريين في التاريخ الإسلامي (الأموية والعباسية) في العصر الوسيط، إلى الإمبراطوريات الأوروبية في العصرين القريب والحديث. فتلك الإمبراطوريات جميعاً بلغت الذرى زمن الصعود، وكلها بعد ذلك وبسب أعباء وتكاليف الإمبراطورية اضطرت إلى النزول على السفوح، وكلها في حالة الصعود استعانت بالقوة، وكلها في اتقاء النزول قاومت بالعنف.
وذلك ما يحدث للإمبراطورية الأميركية, وإن كان في حالتها يستدعي قدراً أكثر من الحرص والتدقيق، لأن هذه الإمبراطورية فصيلة تختلف عما سبقها، فهي تملك من عوامل القوة الاقتصادية والمالية ما يتفوق على سابقاتها طوال التاريخ، وهذه الإمبراطورية توظف لخدمة أهدافها أقوى وأكبر منجزات التقدم الإنساني في
стр. 986
جميع المجالات. وعاشت الإمبراطورية الأميركية بعيدة عن أي تهديد مباشر لأرضها وسكانها، وراكمت من أسباب القدرة والثروة مدداً وفيراً، وبالتالي قدراً ضخماً من المناعة والثقة بالنفس يزيد أحياناً على الحد. وتملك هذه الإمبراطورية سطوة في السلاح لم تتوافر لغيرها من الإمبراطوريات مع وجود توافق حرج بين التكنولوجيا العسكرية والتكنولوجيا المدنية. واستطاعت الإمبراطورية الأميركية أن تعرض من جاذبية النموذج ما يمهد لتوسعها وانتشارها، بغواية في أساليب الحياة تعزز وسائط القوة. وتمكنت الإمبراطورية الأميركية من أسلوب جديد في السيطرة، يقوم على نظام شديد الجرأة والجسارة إلى درجة الاقتحام والاختراق لخصوصيات الدول والشعوب، والقدرة على خطف وعي الآخرين وارتهانه أسير إعلام مصور وملون، مكتوب وناطق يعطي لنفسه احتكار وضع جدول اهتمامات الرأي العام العالمي وسحب الآخرين وراءه وجرهم مهرولين. ولكن الحكمة الصوفية القائلة "عند التمام يبدأ النقصان" صادقة بالعرفان والبرهان (١).
عشرات الأسلحة لمواجهة أمريكا
إن العالم الإسلامي والعربي بالرغم من ضعفه في الجوانب العسكرية والاقتصادية والسياسية، فإنه يظل يمثل أمة لها فكر وعقيدة وثقافة متميزة ترفض الولاء لغير الله، وذلك ما ترفضه أميركا التي تريد أن تطبع العالم بنموذجها في الحياة، واعتماد العولمة واقتصاد السوق والديمقراطية الغربية. وهذا ما أدى بها إلى اتخاذ موقف معاد للمسلمين بسبب تمسكهم بعقيدتهم التي لم يتمكن الغرب من زحزحتهم عنها رغم قوته وضعفهم. ومن هنا احتدم الصراع بين هاتين الحضارتين الغربية والإسلامية على جبهات عدة، منها الجبهة السياسية ويتم ذلك عبر مختلف هيئات الأمم المتحدة خاصة مجلس الأمن، والجبهة الاقتصادية حيث تعمل الولايات المتحدة على استغلال اقتصاديات الدول الإسلامية والهيمنة على خيراتها، والجبهة الثقافية إذ يتم من خلالها فرض القيم الغربية والعولمة الفكرية وإشاعة حرية
стр. 987
المعتقد والإباحية وحرية الإعلام وفق نموذج أميركي جاهز التنفيذ. وأخيراً الجبهة العسكرية وهي الجبهة المفتوحة على مصراعيها في فلسطين بدعمها التام لإسرائيل، وفي أفغانستان وسوريا وباكستان والعراق باعتماد سياسة، من ليس معنا فهو ضدنا" (١).
من هنا فإن التركيز الأميركي على العالم الإسلامي يعبر عن تخوف من إقصاء أكثر منه عن قدرة على توسيع الإمبراطورية ويكشف قلق أميركا أكثر مما يعبر عن قوتها. والتركيز على العالم العربي يفسر أساساً بضعف هذا الأخير الذي يفتقر إلى وجود دولة قوية. فهو بطبيعته كبش فداء. وعليه فالعالم العربي يعد مسرحاً لاستعراض قوة أميركا التي بمقدورها أن تحقق فيه انتصارات، تذكر سهولتها بألعاب الفيديو. ولهذا يعد الخيار الأمريكي المناوئ للعرب خيار السهولة وليس مدروساً. فالعرب يعاملون بسوء لأنهم ضعفاء، ولأن لديهم النفط، ولأنه لا يوجد لوبي عربي فعال في اللعبة السياسية الداخلية الأمريكية (٢).
هكذا تريد أمريكا من عالم الإسلام حكاماً ومنظمات وشعوباً .. إن يصير الإسلام والمسلمون حملاً وديعاً قبالة الذئب الأمريكي لكي يغدو قصعة مشاعة يلتهمها ذوو الأنياب الحادة دون إن ينغصهم شيء أو يعترضهم عارض (٣). ولكن هنالك حقيقة تغيب عن بال أمريكا، وهي أنه ما من قوة على وجه الأرض، تستطيع بالغة ما بلغت أن تقضي على الإسلام، ولو رافقتها كل أنواع المكر وأساليب الزيف والخداع، ومهما أعدت لذلك من الجيوش والأموال والتقنيات والخطط (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون) الأنفال: ٣٦. (ذلكم وان الله موهن كيد الكافرين) الأنفال: ١٨.
ومن خلال عرضنا للتاريخ والفكر الامريكى اتضح لنا انه لا معايير اخلاقيه وانسانيه تحكم العقل الأمريكي الا عقلية الصراع والبقاء للأقوى الذي جسدته ثقافة رعاة البقر (الكاوبوي) في سنوات الهجرة الأولى إلى أمريكا وتجسدها الآن طائرات الاباتشي وأسلحة التدمير الشامل والصواريخ العابرة للقارات والقنابل الحرارية،
стр. 988
ولذلك ليس للعالم أن يتوقع من أمريكا إلا سياسات الأذى والعدوان، والإثم ونهب الثروات والاعتداء على الحرمات بعد أن تترجم إرادتها المحركة لاقتراف ذلك إلى (قوانين) دوليه (وشعارات) معولمه تتمثل فيما تدعي انه: (قرارات مجلس الأمن) (الشرعية الدولية) وأمثال ذلك. لذلك من العبث أن يضيع العرب والمسلمون أوقاتهم في الحج إلى واشنطن، والطواف بالبيت الأبيض والتلبية في الكونجرس ومناشدة الشعب الأمريكي، ومن الأفضل لهم أن يركزوا جهودهم فيما نراه على أربعة محاور:
١ - بناء الجبهة الداخلية بناءاً لا تقل متطلباته عن التضحية بدول التجزئة من اجل دولة الوحدة، وبالسلطة الفردية المطلقة من اجل سيادة الأمة الواحدة، وبالسياسات الظالمة من اجل العدل، وبالدنيا من اجل الاخره وباختصار الاعتماد على الله والنفس وبناء القوة الذاتية وتفجير القوى الكامنة.
٢ - القيام بحملة دعويه اسلاميه - عربيه عالميه في أمريكا وغيرها من محاور الطغيان، حملة غايتها إعادة هذا المغولي الجديد إلى إنسانيته وتوجيه قوته المفرطة لإنقاذ نفسه وإنقاذ الانسانيه من عواقب (دارونيته الاجتماعيه المدمره).
٣ - ولتكون الحملة الدعويه المنشودة فاعله ومفيدة، يجب إنشاء مركز بحوث ودراسات تختص بدراسة أسس التفكير الاستراتيجي الأمريكي ومساراته المستقبلية بقصد التعرف على أساليبه والخروج به من سجن الشهوات إلى حرية النظر ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والاخره ومن عبادة البترول والدولار إلى عبادة الله وحده مع مراعاة أمرين مهمين:
أ - الصبر والأيمان بالنصر والتحوط من الاصابه بمرض هذا المغولي الجديد.
ب - الحذر من النموذج الإسلامي الذي تريده لنا الولايات المتحدة، وتضغط على الدول العربية والإسلاميه لتلقينه إلى الأجيال القادمة، كما فعل الإمبراطور قسطنطين الرابع عندما اجبر المجامع المسيحية الأولى على إخراج مسيحية رومانية.
٤ - انه مهما قيل عن جبروت الولايات المتحدة وقوتها ودقة تنظيماتها وامتداد اذرع مخابراتها، فيجب إلا يغيب عن بالنا أن أمماً سابقه بلغت اكثر مما بلغته الولايات
стр. 989
المتحدة من الرفعة والمنعه فلما طغت وتجبرت استبدلها الله بغيرها، وتلك سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا (١).
وهنا يتساءل المرء أحيانا إلا يمكن إن يوجه المستضعفون في الأرض من أبناء الأمة الإسلاميه المقهورة ضربات موجعة لأمريكا ومصالحها بعيداً عن التفجيرات ولعلعة الرصاص وأعمال العنف وخطف الطائرات؟ بعيداً عن كل ما يدفع (المحاولة) بالإرهاب ويعطي لأمريكا ومدللتها إسرائيل فرصاً أوسع للرد البربري الذي قد تكون خسائره التي تلحق بعالم الإسلام اكبر بكثير جداً مما يلحق بأمريكا نفسها، إلا يمكن استخدام سلاح النفط الذي يملك المسلمون في العالم المساحة الأكبر من مقدراته، ألا يمكن اعتماد سلاح المقاطعة للبضائع والمنتجات الأمريكيه التي تغذي الدخل القومي الأمريكي بمردود أسطوري يمكنها جنباً إلى جنب مع سياقات أخرى من حماية موازنتها المالية من الميل أو العجز، ألا يمكن إن يتفق العمال في كل مكان من عالم الإسلام على رفض شحن أو تفريغ السفن المحملة بالبضائع المصدرة أو المستوردة من أمريكا والتي تعين هي الاخرى الدخل القومي الأمريكي على إن يحفظ توازنه، ويمكن الإدارة الأمريكيه من ثم من إن تكون اكثر قدرة اقتصادية وعسكرية على التحكم بمصائر المسلمين في كل مكان؟ ألا يمكن إن تتردد الحكومات العربية والإسلاميه، ولو قليلاً في عقد صفقات السلاح العتيق (الستوك) الذي تبيعه إياها أمريكا بمليارات الدولارات بعد إن توشك على إلقائه في البحر إذ لم تعد جدوى من استعماله في زمن القفزات النوعية الاسطوريه في صناعة السلاح؟
ألا يمكن إن يتردد أرباب المال العربي والمسلمون في وضع أرصدتهم ذات الأرقام الفلكية في المصارف والمؤسسات المالية الأمريكيه، فيما يجعل الولايات المتحدة تتحقق بأكثر من مردود من جراء هذه الحالة قد يكون أولها توظيف هذه الأرصدة عبر أنشطتها الاقتصادية والتنموية في سياقاتها كافه وقد لا يكون آخرها التلويح بتجميد هذه الأرصدة حيثما ارتأت امريكه ضرورة إنزال العقاب بهذه الجهة أو تلك من المؤسسات المالية والاقتصادية في عالم الإسلام أو بهذا الرجل أو ذاك من ناشطي المسلمين في دوائر المال والاقتصاد. مجرد تساؤل ومرئيات قد تخطئ وقد
стр. 990
تصيب .. وإذا كان غاندي قد قاد أربع مائة مليون هندي في مجابهة (سلبية) للوجود الاستعماري في الهند فتمكن من الإمساك بخناقه، أفلا يكون بمقدار مليار وربع المليار من مسلمي العالم، يملكون الموقع والنفط والمعادن والمال .. إن يضيقوا الخناق على أمريكا لكي تكف على الأقل عن دعمها المطلق لإسرائيل التي تمارس ضد الشعب الفلسطيني واحدة من ابشع المجازر في التاريخ المعاصر (١).
خطة عمل عربيه لمواجهة صهيونية الحركة المسيحية الأصولية
بالرغم من ان هناك اليوم طوائف مسيحية مختلفة ومتعددة، فإن ما يعنينا هنا المذهبين الكاثوليكي والارثوذكسي، لان المذهب البروتستانتي خضع لعملية تهويد منظمة ابعدته عن روح المسيحية السمحمه. ومن هنا فإن التفاهم الإسلامي - المسيحي لكبح جماح الصهيونية المسيحية، فوق أنه ممكن، ومتوفر، فإنه سيكون شديد الفعالية، ذلك لأن الكنيسة الكاثوليكية - خلافا للبروتستنية - هي كنيسة مركزية موحدة، ويلتزم أبناؤها بفكرها اللاهوتي التزاماً شديداً، ثم إنها غير معنية على الإطلاق بأيديولوجية الكنيسة البروتستنتية التي تعلم أبناءها أن الله يتعامل مع الأمم حسب تعامل هذه الأمم مع إسرائيل، وأن عدم الوقوف إلى جانب إسرائيل هي معاداة الله، كما أن الكنيسة الكاثوليكية غير معنية بالأيدلوجية اليهودية البروتستنتية التي تزعم أن اليهود هم شعب الله المختار، وأن الله منح اليهود وعداً أبدياً بفلسطين.
وبالرغم من انعقاد عدة مؤتمرات للحوار الإسلامي - المسيحي شارك فيها وشجعها الفاتيكان ودول ومؤسسات إسلامية متعددة، الا انها لم تتصد لهذه القضية الأساسية، ولم تشكل فرق عمل لوضع منهجية مشتركة تنطلق من ثوابت إيمانية ومن قناعات مشتركة لمواجهة خطر المسيحية الصهيونية. فالمواجهة يجب ان تشمل اقامة حوار بناء وهادف مع كافة المذاهب المسيحية وبالذات الكاثوليكية والارثوذكسية وذلك من اجل اقامة تحالف مع هذه الكنائس للتصدى وفضح المخططات العدمية للصهيونية المسيحية، والتى لا تهدد العرب والمسلمين فقط، بل
стр. 991
تهدد المسيحية ذاتها وتخرجها عن اطارها الصحيح، كديانه للمحبه والسلام، من خلال عملية التهويد المنظم للصهيونية المسيحية.
وفي كتابه (البعد الدينى في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربى - الصهيونى) - اقترح د. يوسف الحسن خطة عمل عربيه لمواجهة صهيونية الحركة المسيحية الاصوليه شملت العناصر التالية (١):
١ - إعداد دراسة جادة ومفصله حول مواد التعليم في مدارس الأحد والمدارس الدينية، حيث تهدف الدراسة لاستكشاف العناصر الخفية والظاهره للاتجاهات الصهيونية والمؤيدة لاسرائيل، وتقديم ذلك إلى قادة مسيحيين ممن يتعاطفون مع وجهة النظر العربية، مثل المجلس الوطني للكنائس وذلك بهدف تشجيعهم على المطالبة بإصلاح برامج التعليم في المدارس الدينية وبخاصة مدارس الاحد.
٢ - دعم وتشجيع عقد مؤتمرات دينيه مسيحية في الولايات المتحدة الأمريكيه وفي الوطن العربى، وبشكل دوري ومنتظم تناقش فيها مسائل العلاقات بين الدين وحقوق الإنسان، بهدف استكشاف وكشف استخدام الصهيونية السياسية للتوراه.
٣ - تنظيم برامج زيارات دوريه متبادله لقادة مسيحيين أمريكيين للدول العربية، ولقادة مسيحيين عرب من مثقفين ورجال دين إلى الولايات المتحدة الأمريكيه، وإيجاد صلات عمليه بين الكنائس العربية والكنائس الأمريكيه وبخاصة الكنيسة الكاثوليكيه ومؤسساتها المختلفه.
٤ - تنظيم حملة واعيه ومستمره في الصحافة ومحطات الراديو والتلفزة في الولايات المتحدة الأمريكيه، مستخدمة اللغة الكنسيه نفسها لتفنيد عدم صحة مقولات الصهيونية المسيحية مثل اطروحة شعب الله المختار ووضع مدينه القدس.
٥ - دعم وتشجيع نشر معلومات معده بشكل علمي وميسر حول الإسلام ومعالجاته للقضايا الاجتماعية والسياسية ونظرته إلى الأديان الأخرى، بما في ذلك الدور العربي والإسلامي في نقل وتطوير وحفظ الحضارة الانسانيه، وذلك في محاولة للرد على اطروحات الاصوليه المسيحية التي تركز على وحدانية التراث المسيحي - اليهودي للانسانيه.
стр. 992
٦ - وضع أسس حوار دائم بين الإسلام والمسيحيه واليهوديه، واستحداث أقسام داخل المنظمات والمعاهد والمراكز والمؤسسات الإسلاميه في الوطن العربي، مختصة بهذا الحوار وتنظيمه ونشر أبحاثه وقراراته.
٧ - إعداد أفلام وثائقيه وسينمائيه متنوعه موجهة إلى الجمهور الأمريكي، تروى قصة العرب ودورهم في الحضارة الانسانيه وكذلك البعد الديني لاحتلال إسرائيل لفلسطين وأراض عربيه اخرى، إضافة إلى مسائل اليهود في التاريخ العربي وغير ذلك من القضايا، التي يمكن أن تشكل رداً على السينما الصهيونية المسيحية التي تعمل على تشويه صورة العرب.
٨ - دعم وتشجيع إقامة صلاة إفطار دوريه من اجل القدس والسلام والعدل في فلسطين، يدعى إليها رجال دين مسيحيون عرب وقيادات من الكونغرس ورجال دين من مختلف الطوائف المسيحية الأمريكيه، ويصدر عنها قرارات أو بيانات.
٩ - دعم وتشجيع نشر و (زرع) مقالات وأخبار حول مسائل تتعلق بحقوق الإنسان الفلسطيني في الأراضي العربية المحتلة والقدس كمدينه للسلام، وإثارة اسئله توراتيه حول معتقدات المسيحيين في العهد القديم والتشكيك بالملكية غير المشروطه لليهود في فلسطين.
١٠ - دعم وتشجيع (تعيين ضباط اتصال) لروابط ومنظمات مسيحية امريكيه في الأقطار العربية، لتسهيل الاتصال وتوفير التحليل والفهم والتفهم الموضوعين للقضايا المشتركة والخلافيه.
١١ - دعم وتشجيع إيفاد واستقبال (بعثات لتقصي الحقائق) في ما يتعلق بفلسطين، تضم رجال دين وعلماء لاهوت وصحفيين مختصين بهذه الشؤون.
١٢ - لاول مره في التاريخ اصبح لدى الاصولية المسيحية تقنية الأقمار الصناعية للاتصال عبرها مع العالم (ولنشر الكتاب المقدس في كل انحاء الكرة الارضيه). وأي خطة للمواجهة لا بد أن تشمل عناصرها استخدام هذه الوسائل التقنية المعاصره.
١٣ - إصدار (مجلة متخصصه) توزع على مستوى الولايات المتحدة الأمريكيه إما بشكل اسبوعي أو شهري وموجهة إلى المجتمع الكنسي، لمعالجة المسائل الدينيه والقضايا السياسية والاجتماعية من منظور مسيحي يخدم وجهة النظر العربية المشتركه.
стр. 993
١٤ - تشجيع دعم نشاطات مسيحية غير صهيونية في إطار العمل التشريعي للجان الكونغرس، وبخاصة في مجال تقديم شهادات الاستماع ( Testimony) في المسائل الدينيه المسيحية.
١٥ - تنظيم حمله من اجل القدس، حيث ستظل مدينة القدس ومستقبلها في السنوات القادمه محور مناقشات واسعه، داخل أروقة واجتماعات الكونغرس الأمريكي، وفي صحافة مؤسسات الكنائس المسيحية، فضلاً عن منظمات الحركة الصهيونية اليهوديه.
١٦ - إنشاء إدارات أو لجان دائمه في المؤسسات الدينيه العربية بحيث تختص بشؤون الأديان السماوية والعقائد الاخرى، وتدريس الديانتين المسيحية واليهوديه في المعاهد والكليات الإسلاميه، بهدف تنمية فهم افضل لهاتين الديانتين وتوفير مناخ صحي موضوعي لحوار بين الأديان السماوية وبخاصة بين المسلمين والمسيحيين.
١٧ - بناء جسور منظمه بين المؤسسات الدينيه العربية وبخاصة مجلس كنائس الشرق الأوسط، وبين المجلس القومي للكنائس في الولايات المتحدة الأمريكيه بهدف التأثير في صياغة مواقفه وسياساته تجاه القضايا، وتبادل المعلومات والبيانات والزيارات وتبني مشروعات مشتركة في أنحاء متفرقة من العالم مثل مشروعات الاغاثه الانسانيه (١).
стр. 994
الفصل الثالث
الحوار بين الأديان والحضارات
في اطار حربها الضروس على الامه العربية والإسلامية، ولانجاح حربها الصليبية الجديدة، عمدت الولايات المتحدة وبريطانيا وبعض الدوائر الغربية إلى خوض هذه الحرب على كافة الصعد، حيث احتلت عملية تشويه صورة العرب والمسلمين اولوية رئيسة في اجندتها من اجل كسب المعركة، وذلك لتبرير كل ما تقوم به من دعم وتأييد لجرائم اسرائيل في المنطقة، ولتبرير جرائمها وتدخلها في شؤون المنطقة منذ عقود طويلة. لهذا فقد عمدت أمريكا على كافة المستويات إلى خلق صوره مخيفه للعرب والمسلمين مستغله صوراً نمطيه رسمها كثير من المستشرقفيين والمبشرين الغربيون عن الإسلام والعرب منذ زمن طويل، وقاموا من خلال مؤسساتهم ومراكز ابحاثهم بتضخيم هذه الصوره وتعميمها على الرأي العام المحلي والدولي، بل وفي احيان كثيره عمدوا إلى خلق هذه الصور وابرازها، كما حث في ما يسمونه (الحرب ضد الارهاب).
وبالتأكيد فإن أمريكا في سعيها الدؤوب هذا لا يعنيها حدوث ايه تفاهم أو تقارب بين الأديان أو حدوث اي حوار حقيقي بين الحضارات، لان هذا يعنى نهايه الكذب والتضليل وانكشاف عدم مصداقية كافة الصور النمطية المشوهه عن العرب والمسلمين، والتى سعت هى وغيرها من الدوائر الصهيونية المعادية للعرب والمسلمين إلى ترسيخها في وجدان الرأى العام العالمي والغربي بصفة خاصه، وما يحدث الآن على الساحه خير دليل على ذلك من خلال تخويف الجميع مما يسمى الارهاب الإسلامى الذي صنعته هى، وبدأت في التدخل في المناهج الدراسيه والخطب الدينية، ومصارف الزكاه والصدقات، وما يجب وما لا يجب .. الخ. بحيث اصبحت محاربة ما يسمى (بالتطرف الإسلامي) الشغل الشاغل للعالم كله، لان أمريكا تريد ذلك، حيث تناسى الجميع _لان أمريكا تريد ذلك ايضاً- اصناف التطرف اليهودي والمسيحي الصهيوني، وتطرف المحافظون الجدد حكام البيت الابيض.
стр. 995
وهنا تقول المستشرقة (آرمسترونغ): "إن الإعلام الغربي يثير انطباعات بأن التشدد والتزمت الديني الذي يتسم بالعنف ويسمي (التعصب) هو ظاهرة إسلامية بحتة، لكن الحقيقة هي أن التعصب ظاهرة عالمية طفت علي السطح في كل الأديان الرئيسية ... فهناك تعصب يهودي (١)، وتعصب مسيحي، وتعصب هندوسي، وتعصب بوذي بل وتعصب كونفوشي. ولكن تعصب الأسواق هو أسوأ تلك الأنواع من التعصب، حيث أدي بشكل غير مباشر إلي نشوء كل ما سبق ذكره من صنوف التعصب. وكان أول أشكال التعصب قد ظهر في العالم المسيحي في الولايات المتحدة أوائل القرن العشرين". وتستطرد آرمسترونغ وتقول: "من بين ديانات التوحيد الثلاثة، كان الإسلام آخر الأديان التي ظهر فيها التيار المتعصب ... أواخر الستينيات والسبعينيات. وفي ذلك الوقت، كان التعصب قد أخذ من المسيحيين واليهود كل مأخذ" (٢).
ولكن مثل هذه الحقيقة التى تقولها المستشرقة آرمسترونغ وغيرها من العلماء والمفكريين الغربيين المنصفين، لا تروق لقادة أمريكا وبريطانيا وجموع اليمين المسيحي المتطرف، بل لا بد من ابقاء صورة الإسلام الارهابى والمتطرف الذى يهدد الحضارة الغربية. "فالأمريكي الابيض لم يفكر فيما فعله في الهنود الحمر وفيما فعل القراصنة البيض في الخمسة عشر مليوناً من العبيد السود الافارقه، الذين خطفوهم من أفريقيا وباعوهم في أسواق النخاسة، وفيما فعل الصرب من مجازر ومذابح لمسلمي البوسنه، وما فعله الأمريكان في هيروشيما، وما يفعله الاستعمار الأوروبي والأمريكي الآن في القارة الافريقيه في بلاد الماس والذهب .. زائير ورواندا وبوروندى. أين بربرية الإسلام المزعومة من هذه الإبادة والقتل الجماعي وخطف الملايين وبيعهم في أسواق العبيد وفي تشريد الشعب الزائيري
стр. 996
وموته جوعاً في الغابات ونهب خيراته وثرواته وإثارة طوائفه ليقتل بعضها بعضاً. وأين هذه الجرائم والفتن والمذابح مما فعل بالمسلمون في الأندلس" (١).
ان المسلمين لم يأتوا إلى الأندلس غزاة، ولم يفتحوا بلاد الروم والفرس، ولا بلاد أوروبا كما فتحها المغول والتتار للنهب والسلب، وانما دخلوها يحملون ديناً وكتاباً وحضارة .. دخلوها كرسل علم وكطلائع تنوير واعمار .. ولم يغترفوا من ثروات أوروبا ما اغترفت ونهبت من ثروات مستعمراتها في افريقيا. كما ان العرب والمسلمون لم يعرفوا في عقيدتهم وتاريخهم تجارب الإبادة والطرد الجماعي والعزل العنصري والممارسات الفاشية والنازية، بينما شهد الغرب ولادة تجارب الحروب الصليبية التي ستبقى وصمه عار تلطخ تاريخ أوروبا، وشهد الغرب الإبادة الوحشية للشعوب في العالم الجديد وخاصة في القارة الاميركيه وشهد تجارة الرقيق بكل بشاعاتها والتي استنزفت طاقات إفريقيا السوداء لقرون، وشهد الغرب أيضا ظاهرة الاستعمار الكولونيالي بكافة وجوهه، فكان الناهب للخيرات والطارد للبشر والمستوطن لأرضهم، في حين لم يشهد العالم الإسلامي في ذروة تألقه أي شيء من هذا. وقد شكل بقاء الاقليات في العالم الإسلامي، بكل ما تملك من خصوصيات ثقافية ودينيه دليلا على حضارة تؤمن فعلاً وقولاً بحق الآخر في الوجود والتميز والمشاركة (٢).
ولكنهم في أوروبا وأمريكا يحاولون الآن طمس هذه الحقيقة ويحاولون تزوير التاريخ وينفقون الملايين لتشويه الإسلام وتبشيع صورته .. فهو إرهاب وجرائم قتل وتفجير قنابل وإشعال حرائق .. في الصفحات الأولى من جميع جرائدهم. لقد انتهت الشيوعية ولم يبق لهم عدو سوى الإسلام. هذا هو المعنى الذي يغرسونه في كل صفحة، وفي كل عمود وفي كل خبر ليستقر في وجدان العالم تمهيداً للعدوان الذي يدبرونه على الإسلام واهله (٣).
стр. 997
نظرية صراع الحضارات
في اللحظة التى بدأ حوار الأديان والحضارات يشق طريقه بنجاح، جاء منظرو صراع الحضارات محاولين قطع الطريق على هذا الحوار، فكانت نظرية نهاية التاريخ (لفوكوياما)، وصراع الحضارات لهنتغتون. فالمصلحه الأمريكية والصهيونية تتطلب تصعيد الصراع بأيه طريقه، ولهذا تظهر الفبركة والاكاذيب والتلفيق للوصول إلى الهدف. فعندما طرح هنتجون كتابه صراع الحضارات وتنبأ أو بمعنى اصح حدد العدو الجديد للغرب ممثلاً بالإسلام والصين، سعى إلى حشد اوروبا بكاملها مع أمريكيا كجبهه موحدة ضد الإسلام، جاعلاً الصراع وكأنه صراع بين الحضارة المسيحية والإسلام، متناسياً وبشكل متعمد ان الحضارة المسيحية ليست وحدة واحدة كما وضحنا في هذا الكتاب، فاوروبا بشكل عام كاثوليكية المذهب، وهو على النقيض من المذهب البروتستانتى السائد في أمريكا. ولكن من اجل حشد اكبر قدر من الحلفاء لفكرة صراع الحضارات، تناسى هنتجتون هذه الفروقات والتاريخ الطويل من الصراع بين البروتستانت والكاثوليك في اوروبا وأمريكا وحشدهم في جبهة واحدة ضد الإسلام. ومما يوضح سوء النية عند هنتجتون ومحاولته تضليل الرأى العام هو انه في كتابه الجديد (من نحن؟ تحديات الهوية الوطنية الأمريكية)، يتراجع عن فكرة الحضارة المسيحة الموحدة، إلى فكرة (الثقافة الانجلو بروتستانية) باعتبارها المصدر الرئيس للهوية الامريكة، بل والاهم من ذلك هو انه يرى ان اختلاط الأمريكيين بغيرهم من اصحاب الثقافات الاخرى بالاضافة إلى هجرة الاقليات من أمريكيا اللاتينة (كاثوليك) واوروبا، يشكل خطر على الهوية الأمريكية.
ولحماية هذه الهوية فإن هنتجتون يرى ان ذلك يمكن ان يتم من خلال توحيدهم في مواجهة الخطر الإسلامي، حيث يرى أن العداء للإسلام والحضارة الإسلامية قد يساعد بشكل كبير في تحقيق التفاف الأميركيين المنشود حول هويتهم الوطنية في المستقبل المنظور، حيث يطرح هنتنغتون رؤية لإعادة بناء الهوية الأميركية تقوم على استشراف بعض التغيرات الجذرية الإيجابية الطارئة على المجتمع الأميركي في الفترة الأخيرة، التي من شأن تأكيدها عودة الروح للهوية الوطنية الأميركية. ويعني هنتنغتون بهذه التغيرات تحولين أساسيين، أولهما عودة الأميركيين للدين المسيحي
стр. 998
(يعنى البروتستانتيه) وزيادة دور المسيحية في الحياة العامة الأميركية، وثانيهما الدور الذي يمكن أن يلعبه الإسلام كعدو أساسي جديد لأميركا (١).
ومن خلال مقارنة ما طرحه هنتجتون في كتابه (صراع الحضارات)، وكتابه الجديد (من نحن؟ تحديات الهوية الأمريكية) يتضح لنا ان اهم ما يعنى هنتجتون هو ابقاء الإسلام كعدو اساسي لأمريكا، وتفعيل دور الدين الممسيحي (بشقه البروتستانتى) في الحياة العامه، اى زيادة نفوذ التيار المسيحي الاصولي الذي يتطلع إلى تحقيق الخرافات والنبوءات التوراتية. ولهذا فإن الدكتور (زكاء الله) كان محقاٌ في كتابه (الصليب والهلال) عندما فند مقولة صدام الحضارات، وبين الترابط بينها وبين الرؤية التي يتوقعها سفر الرؤيا لنهاية العالم، والتي تقول بقيام معركة هرمجدون التي ستدوم ثلاث سنوات ونصف السنة، وتبدأ بسبب العرب حسب أحد التفسيرات المتداولة، ليقيم بعدها المسيح دولة الرب. وقد تطورت أشكال التفسيرات والتصورات لرؤية المعركة الأخيرة، لتتبلور في النهاية في مقولة صدام الحضارات التي خرج بها صموئيل هنتنغتون، دون أن يستطيع الخروج من الرؤيا الكارثية التي صورتها العقيدة المسيحية عندما بشرت بحرب ضروس تبدأ بسبب العالم العربي (٢).
وهكذا فإن نظرية صراع الحضارات التى قال بها هنتغتون، استاذ العلوم السياسية ومدير مؤسسة (جون أولين) للدراسات الاستراتيجية بجامعة هارفارد، تؤكد بإيجاز على إن الغرب وأمريكا بالذات، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي بحاجة ماسة إلى عدو جديد يوحد دوله وشعوبه (٣) وان الحرب لن تتوقف حتى لو سكت السلاح وأبرمت المعاهدات، ذلك إن حرباً حضارية قادمة ستستمر بين المعسكر الغربي الذي تتزعمه أمريكا، وبين طرف آخر قد يكون عالم الإسلام أو الصين. اما نظرية نهاية التاريخ (لفوكوياما) فتسعى إلى إلغاء البعد التاريخي، ووضع الأمم والجماعات كافه عراة قبالة الصنميه الاقتصادية التي تنزع إلى تسوية الجميع إزاء مطالبها، لكنها من
стр. 999
وراء هذا تزيد أغنياء العالم وطواغيته غنى وجبروتاً وفقراءه ومستضعفيه فقراً واستبعاداً. إنها بشكل من الأشكال مناورة فكريه تمنح خلفيات تنظيريه لممارسات تتجاوز ابتداءً منظومة القيم الخلقية وثوابت العقائد والأديان والمطالب الاساسيه للإنسان، ومن وراء هذه المناورة تكمن الخبرة الصليبية واليهودية والاستعمارية والرأسمالية. إن إلغاء الذاكرة التاريخية، وتحكيم الصنميه الاقتصادية المتسلحة بكل قوى العلم والتكنولوجية والتفوق العسكري وحتى السياسي، للغرب لن يجعل الفقير غنياً وينزل بالاغنياء لكي يقاربوا الفقراء، بل ستجعلنا وكل المستضعفين في الارض ينسلخون عن تاريخهم، ويفقدون تميزهم ويزدادون التصاقاً بالقوى المتحكمة في آليات الاقتصاد العالمي. ان تجريد العالم من بطانته الروحية، والوجود من تجذره في الغيب، ومنح السلطة المطلقة للاقتصاد، سوف يميل بالميزان، وسيكون الانسان هو الخاسر الوحيد (١).
ولا شك أن إيديولوجية كهذه لا بد أن تعتبر الإسلام عقبة كأداء لا بد من إزالتها من الطريق ولا سبيل للحوار معها، بل حتى المذاهب المسيحية الأرثوذكسية ملزمة بالتحول إلى ما تعتقده تلك الإيديولوجية إن هي أرادت النجاة من (الحرب الأخيرة) قبيل عودة المسيح .. ! "فأسطورة (نهاية العالم) هذه وعودة المسيح آخر الزمان كما يروج لها هذا التدين السائد اليوم في أمريكا هي التي تلقفها وألبسها لبوساً ليبرالياً كلاً من فرانسيس فوكوياما في كتابه عن نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ثم صامويل هانتنجتون في حديثه عن صدام الحضارات! ومن العجيب أن يعكس هذا الفكر الليبرالي ذلك النوع من الفكر الديني وينتهي معه إلى التبشير بمصير مأساوي للإنسانية!. لقد أجمعت الدراسات على مبلغ تدين الشعب الأمريكي، مقارنة بالشعوب الأوروبية، إلا أن الحقيقة الصادمة توضح أن هذا التدين في الأغلب لا يساعد على قيام تفاهم حضاري، لأنه تدين عدواني الطابع، منغلق التفكير، إرهابي النزعة، يبشر بعالم مخيف حقا! " (٢).
стр. 1000
حوار الأديان والحضارات
يناقش الكاتب الإيطالي (أمبرتو إيكو) مقولة صراع الحضارات أو الثقافات التي تفسر الحرب الأميركية على العالم الإسلامي وحرب المسلمين عليها، ويتساءل ان كانت الحرب هي الشكل العادل للعنف .. وهل يعتبر ما يجري صراعاً بين الشرق والغرب على غرار الحروب الصليبية؟ ويجيب ايكو على ذلك مستبعداً مقولة صراع الحضارات في تفسير ما يجري، ويدعو بقوة إلى مقاومة نزعة العداء الحضاري والثقافي لأن كلفتها تضر بالغرب، وقد تلحق به الهزيمة، فقد تداخل الشرق بالغرب، وتداخلت المصالح والعلاقات على نحو لم يعد ممكناً حمايتها إلا بالتعاون والعمل المشترك من خلال الحوار بين الأديان والحضارات (١).
فالبشرية في عصرنا الحاضر تعاني من أزمات سياسية وانفجارات اجتماعية وهجرات سكانية وفجوات عميقة اقتصادية وتناقص في الموارد الطبيعية، ودمار متواصل للبيئة وارتفاع في وتيرة العنف والغلو. كما يشهد العالم تحولات كيفية غير مسبوقة خاصة في مجالات الثورة التكنولوجية الثالثة، والتي يصعب فهم تأثيرها على القيم والعلاقات والأفكار والثقافات، دون إعمال العقل والحوار. كما تبرز صعوبة إدراك حقيقة القواعد والعلاقات والمشاعر والبناء الاجتماعي والحدود التي تقوم عليها الحضارات، ومدى تغير دلالاتها عبر الزمان والمكان، ومدى تأثر اتجاهاتها بالضغوط الخارجية والأزمات الداخلية ... وغير ذلك. كما يخشى أن يؤدي استمرار وجود الصور النمطية لحضارة عند أخرى إلى تغذية ضروب الكراهية الجماعية خاصة في المجتمعات التي تنتشر فيها الجهالة والتعصب والخرافات، فيتحول الاختلاف إلى نزاع، وإذا نشب النزاع، فقد يتحول إلى عنف إذا لم يكن هناك حوار و (ثقافة حوار)، والتي تعلي من قيمة التسامح، وتحترم مبدأ كرامة الإنسان وحريته في الاختيار، وتقبل مبدأ التنوع والتعددية الحضارية بدلاً من فرض (النموذج) والهيمنة (٢).
стр. 1001
فلا يكاد يمر يوم إلا تحمل لنا الأحداث الجارية في الساحة الدولية نذر صدام ديني وحضاري بين ما يدعى بالثقافة اليهودية المسيحية الغربية، والثقافة العربية الإسلامية. فنقاط التماس كثيرة، إلى درجة أن هانتغتون قال بأن حدود الإسلام المختلفة (دامية). فمن هذه الساحات: المعترك الفلسطيني حيث الصراع العربي الصهيوني يقدم خطأ في الإعلام الغربي و كأنه صراع بين اليهودية والإسلام. ومن هذه الساحات الحروب الأهلية في السودان وفي بعض مناطق إفريقيا مثل ساحل العاج وإرتريا ونيجيريا. حيث تطرح العلاقة بين الديانتين المسلمة والمسيحية إشكالات حادة. و بعد أحداث ١١ سبتمبر، نشطت بعض المجموعات المتطرفة في الولايات المتحدة الأمريكية ضد الإسلام والمسلمين رابطة خطأ بين الإسلام والإرهاب، من منظور كون الإسلام يدعو للتعصب والكراهية والعنف. وفي منطقتنا كررت بعض الأصوات المتشددة مقولات مماثلة، ومعتبرة إختلال الموازين في التعامل مع القضايا العربية والإسلامية العادلة عدوانا وحربا ضد الإسلام.
إن هذا الوضع المتأزم الذي تدفعه التيارات المتطرفة من الجانبين للإنفجار، يستدعي من العقلاء المنصفين من الديانات السماوية الثلاث الوقوف بحزم ضد الغلو والتشدد والإرهاب، بتوظيف قيم السلم والتسامح التي تزخر به النصوص المقدسة (١). ولهذا دعي الكثيرون أنه حيال هذا العالم المعقد المتشابك المهدد، لابد من حوار يكفل اجتماع الفرقاء والشركاء، ويضمن احتواء ما أمكن من أزمات وكدمات تبدأ صغيرة أو وطنية وتتدرج لتطال أمداً بعيداً (٢). فلم يعد بالإمكان - في هذا العصر - تقوقع الذات عن الآخر، إذ أصبح تشابك العلاقات الإنسانية، وما تواجهه من تحديات تجاه قضايا مشتركة، يفرض على الذات ان تدخل في الحوار، من أجل المصلحة العامة التي تجمع بين البشر، بطريقة وبأخرى، وهذا الواقع يؤكد ان مسألة الحوار بين الأديان والحضارات ترقى إلى مستوى الضرورة التي ينبغي ان تقابل بالجدية
стр. 1002
اللازمة. وهنا يجب ان نشير إلى ان رسالة الإسلام ومبادئه لا يمكن ابدا ان تدعو إلى الصدام والصراع مع الحضارات والديانات الاخرى، والإسلام الحقيقي هو اسلام المحبة والسلام والاخاء واحترام الآخر ونبد العنف والتطرف، والدفاع عن القيم النبيلة واحترام حقوق الانسان وتحقيق العدالة والقضاء على الفقر والنفتاح على كل الحضارات الانسانية (١).
أهمية الحوار
مما تقدم يتضح لنا اهمية الحوار مع الآخر والذي جعله ديننا الإسلام طريقاً للدعوه ومخاطبه الآخرين للوصول إلى الحقيقة. ولعل حضارتنا العربية والإسلامية هي (الأعلى) صوتاً وفعلاً في رسالتها (الحوارية) خاصة وهي تولي منزلة عليا للعقل والعلم والحرية، وتدعو البشرية للتعارف والتفاهم: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). وهذه هي رسالة الحضارة (٢). وبالتأكيد فإن التعارف لا يتم الا من خلال الحوار الجاد والبناء الذى يعرض الحق بجلاء ويقدر ويحترم آراء ومواقف الآخرين.
لقد كان الحوار قبل الإسلام كما في الحضارة والفلسفة اليونانية فناً قائماً بذاته، فالمحاورة تحدد موضوعاً للدراسة، وليس القصد منها الخروج بنتيجة بصدد المشكلات المعروضة بقدر ما تجعلنا أقدر على الجدل في كل الموضوعات، فهدف المحاورات لم يكن إمداد الناس بالمعلومات والمعارف، بل تقديم مساعدة على التدريب على فنون الجدل. أما الهدف الأساسي للحوار في الإسلام فهو وصول الناس إلى الحق بالطريقة التي تعمق الإيمان في نفوسهم، فالإسلام ينطلق في فهمه للحوار من فكرة أن الله فطر الإنسان على الجدل (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) ليواجه الحياة بكل ما فيها من أوضاع وملابسات وأفكار بعقلية منفتحة قلقة لا تستقر على حال، وهذا ما يجعله في بحث دائم مستمر عن الحق والأفضل والأكثر صواباً، فثمة ما هو صواب وما هو أكثر صواباً، والشك هو طريق اليقين أو إثبات اليقين
стр. 1003
ورسوخه. وترى الإنسان لا يستقر على حال فتراه يفتش عن الشيء وضده، عن الحق والباطل، فلا يتيقن إلا ليتململ في رحلة جديدة من الشك، ولا يشك إلا ليبدأ رحلته الطويلة نحو اليقين. وقد رأينا في علاقات الدول والأفراد اضطراباً حين يفشل الحوار أو يفتقد، فقتل قابيل أخاه هابيل عندما فشل الحوار بينهما، ولكن يبقى العقل هو القوة الصالحة للحكم على الأشياء وميزانا يزن به صحة القضايا وفسادها، حتى في يوم القيامة لا يقف الإنسان مكتوف اليدين أمام مصيره بل يترك له مجال الدخول في حوار وجدال يدافع به عن نفسه على أساس العدالة التي تحترم في الإنسان حقه الطبيعي في الدفاع عن نفسه حتى أمام الله الذي يعلم كل شيء (١).
ومن هنا فإن اهمية الحوار تكمن أنه يمكن أن يكون أساساً لتجتمع الإنسانية حوله، وعلى الإنسان الاطلاع على أفكار الآخرين، ففي ذلك فهم لفكر الآخر. فالحوار في هذا السياق هو أحد الأفكار والحلول المهمة للخروج من مأزق العنف والتطرف. ففي مقابل الغياب الكبير المفزع للحوار في حياتنا وعلاقاتنا وعملنا، هناك حضور كبير للحوار في القرآن الكريم ومقاصد الشريعة الإسلامية، حتى يكاد يكون قضية أساسية، فنجد في القرآن الكريم مواضع لا تعد ولا تحصى للحوار، الحوار بين الله والملائكة، (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) والحوار بين الله وإبليس، والحوار بين الله والأنبياء، وحوار الأنبياء مع قومهم، وحوار الأنبياء والصالحين مع أنفسهم. ونجد في القرآن دعوة إلى الحوار في العلم والدعوة والحياة، (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن). (٢).
والحوار بهذا المعنى ليس فقط لتوضيح القضايا التي يختلف عليها، ولكنه يقرب الناس بعضهم من بعض، ويخلق حركة فكرية ومجتمعاً متعلماً متحركاً. وغياب الحوار في المجتمع يجعله مجتمع قهر وعنف، وغيابه في علاقات الأفراد يجعلهم جزراً معزولة بعضها عن بعض، ويحول همومهم إلى الغرق في الذات والدوران حولها، حتى درجة المرض والهوس. وغياب الحوار بين الدول يعطل مصالحها ويضر بشعوبها ويجعلها تتحمل جهوداً وتكاليف زائدة يمكن الاستغناء عنها وتوفيرها أو
стр. 1004
استخدامها في المصالح والاحتياجات. ويمكن أن نجعل الحوار منهجاً للتربية، وتكوين القناعات، وأسلوب الحركة الفكرية في التنشئة، وتهيئة الروح الموضوعية في مواجهة مسائل الخلاف، وفي تقبل الفكرة المضادة بطريقة عقلانية واقعية. فموضوع الحوار يرتبط بالتكوين الداخلي لشخصية الإنسان المسلم الذي يريد له الإسلام أن يفكر كيف يتعلم ويدعو الناس ويفتح قلوبهم وعقولهم على الحق والصواب، ولا بد من الحوار حتى تستمر الحياة في حالة الضعف أو القوة، وفي حالة الحرب أو السلم، فلا أحد يستطيع أن يستغني عنه مهما علا شأنه أو كانت قوته، فرداً كان أو مجموعة أو مجتمعاً أو دولة (١).
فالعالم المعاصر الذي يتسم بالتونع والتعددية، والذي يرتبط ببعض عبر آلاف من اقنية الاتصال، سيطرح أمام الوعي الديني حتماً مشكلات العلمنة وحوار الأديان. وهو ما اكده احد العلماء المسلمين، حيث قال: "ان قوة الاتصالات بالعالم المعاصر، ستفتح آفاقاً وإمكانيات عريضة لإدراك التقاليد الدينية المغايرة، الأمر الذي يجعل حوار الإسلام الجدي مع الديانات الأخرى في منتهى الأهمية والضرورة. ولهذا فإن مفكري الشرق الدينيين الأكثر عمقاً واطلاعاً يدركون بصورة أكبر فأكبر، ان بلوغ تدين أكثر ملاءمة واتستقاً مع الظروف العصرية الراهنة، يمكن ان يحدث فقط في شروط تؤمن التحرر من الكراهية الطائفية والشعور بالتفوق والتميز" (٢).
وبهذا تكون قضية الحوار هي إحدى الهموم الكبيرة للعاملين في الدعوة والتربية والتعليم والإعلام والسياسة والدبلوماسية والتجارة والتسويق، وتتزايد الحاجة إليه كأساس للثقافة والعمل والتعليم والعلاقات والتنظيم. ونلاحظ على سبيل المثال ازدهار البرامج الحوارية مع تنامي الفضائيات والإنترنت، حتى يكاد يكون الحوار هو السمة الأساسية للفضائيات والإنترنت، وتعتمد عليه تماماً مؤسسات التعليم عن بعد والتعليم المستمر، فمن دونه تفقد هذه البرامج جوهرها وجدواها (٣).
стр. 1005
ورغم بلوغ الحضارة الإسلامية في العصر العباسي ذروتها وقيادتها للعالم في العصر الوسيط آنذاك، فقد تعايشت مع الحضارات الأخرى في وئام وانسجام. ومن هنا فإن الحوار الحضاري كما يعرضه الإسلام لا يعد استجابة لظرفية زمنية خاصة، بل هو مشروع يتميز بالشمولية والاستمرارية ينبع من مبدأ جعل سعادة الإنسان غاية ذلك الحوار، أي أنه يقوم على مبدأ تحقيق إنسانية الإنسان، فالإنسان هو كائن حساس، فريد متميز واسع الدوائر الوجودية، ذو خصائص عقلية وروحية وأخلاقية شاملة، فضلا عن أنه خليفة الله في الأرض.
ومن خلال معاصرته لتجربة تاريخية مرة تسبب فيها الاستعمار بكوارث ومآس حلت بالإنسانية، وقسمت الشعوب وفرقتها إلى عرقيات وطوائف متنافرة طرح المفكر الإسلامي (سعيد النورسي) في رسائله (رسائل النور) مفهوماً بديلاً موضوعياً لفكرة صدام الحضارات من خلال طرح مبدأ (التكامل) بدل (الصراع)، و (التعايش) بدل (الإقصاء)، شريطة أن يقوم الحوار بين الحضارات على قدم المساواة وعلى احترام تعدد الثقافات، وبحيث لا ينحصر في مجرد حوارات كلامية بين الناس، بل يكون فلسفة نابعة من جوهر الإيمان، إيمان الإنسان بأن الله خلق البشرية لحكمة وغاية محددة تتمثل في التآلف والتساكن لتحقيق أمر رباني وهو تعميم الخير ودفع الشر. فالحوار ليس وسيلة لحل النزاعات الدولية وحسب، بل هو أسلوب للتعارف والتعايش والتكافل بين الشعوب من أجل تحسين ظروف البشرية وهو ما يسميه النورسي (مسلك الخلة والأخوة) (١) أو بعبارات (د. محمد عابد الجابري) (ثقافة السلام) والذي يدعو "إلى بناء تصور مشترك لها من خلال اهتمام الحوار بين الأديان بموضوع الضرورات الخمس ذلك لأن هذه الضروريات، أعني حفظ النفس والعقل والنسل والمال والدين هي أساس كل سلام وبدونها لا يتحقق السلام، لا السلام مع النفس ولا السلام مع الجار ولا السلام بين الأمم. وفي هذا الصدد أرى أنه بالإمكان تأسيس
стр. 1006
رؤية جديدة سلمية وسليمة للمشاكل والتحديات التي يواجهها الضمير الديني والأخلاقي في عصرنا" (١).
إن الإسلام هو دون شك دين قائم على الحوار بمعانيه المختلفة، ومستوياته المتباينة المتعددة. فهو بداية حوار بين الله ﷻ والإنسان، لإقناعه بالإستجابة لنداء الوحي والهداية. فليس الإيمان إنصياعاً بالإكراه بل نتيجة إقتناع بآيات التنزيل التي توجه نظر الإنسان إلى أدلة الخلق وعبر التاريخ وحالات النفس الإنسانية. وهو حوار مع المشرك الذي يؤمن بتعدد الآلهة وعبادة الأصنام لإقناعه عقلياً وشعورياً بمبدأ التوحيد والتنزيه المطلق للذات الإلهية. وهو حوار مع الدهري الملحد الذي لا يؤمن بدين ولا معاد ولا رسالة لإستمالته لطمأنينة اليقين ونور النبوة وبراهين التوحيد. وهو حوار من داخل الدائرة الإبراهيمية مع أهل الكتاب الذين يشكل إمتدادا لهم و ختماً لرسالتهم التي تمهد له وتؤكده و تدل عليه (٢).
علاقة المسلم بالآخر عموما
لما كان الإسلام ديناً عالمياً وخاتم الأديان، فإنه في روح دعوته وجوهر رسالته لا يرمي إلى تسنم (المركزية الدينية) التي تجبر العالم على التمسك بدين واحد، إنه ينكر هذا القسر عندما يرى في تعددية الشرائع الدينية سنة من سنن الله تعالى في الكون، لان دعوة الإسلام إلى التفاعل مع باقي الديانات والحضارات تتبع من رؤيته إلى التعامل مع غير المسلمين الذين يؤمنون برسالاتهم السماوية، فعقيدة المسلم لا تكتمل إلا إذا آمن بالرسل جميعاً، بيد أنه لا يجوز أن يفهم هذا التسامح الانساني الذي جعله الإسلام أساساً راسخاً لعلاقة المسلم مع غير المسلم، على أنه انفلات أو استعداد للذوبان في أي كيان من الكيانات التي لا تتفق مع جوهر هذا الدين. فهذا التسامح لا يلغي الفارق والاختلاف، ولكنه يؤسس للعلاقات الانسانية التي يريد الإسلام أن تسود حياة الناس. فالتأكيد على الخصوصيات العقائدية والحضارية
стр. 1007
والثقافية، لا سبيل إلى إلغائه، ولكن الإسلام لا يريد لهذه الخصوصيات أن تمنع التفاعل الحضاري بين الأمم والشعوب والتعاون فيما بينها (١).
ومن ينظر إلى العقيدة الإسلامية يجد أنها عقيدة تتسع لجميع الناس لا تريد أن تلغي الآخر بل هي تعترف أن هناك آخر، هناك مَن يخالفها في العقيدة وهناك مَن يخالفها في الشريعة وهناك مَن يخالفها في السياسة وهناك ... ولكن أهم الخلافات هي الخلافات العقائدية والقرآن قرر أن هذا الاختلاف واقع بمشيئة الله، ومشيئة الله لا تنفصل عن حكمته، أي الحكمة الإلهية والمشيئة الإلهية اقتضتا أن يكون الناس مختلفين في الدين، لأن الله لو أراد الناس أن يكونوا على دين واحد وعلى نهج واحد لخلق الإنسان على غير هذه الصورة. ومادام لكل إنسان عقله وإرادته فلابد أن يتغير الناس في اتجاهاتهم الدينية وغير الدينية وهذا ما يقرره القرآن بوضوح حيث يقول الله تعالى (ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) أي على دين واحد وعلى منهج واحد (ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ مختلفين ﴿إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ). المفسرون يقولون ولذلك أي وللاختلاف خلقهم .. خلقهم ذوي عقول مختلفة وإرادات مختلفة وملكات مختلفة ولهذا لابد أن تتغير أديانهم وتختلف فهذا واقع ولذلك خلقهم. ولذلك مَن يريد أن يلغي الآخرين ويريد أن يجمع الناس على دين واحد أو على نهج واحد هذا يخالف المشيئة الإلهية.
فالتنوع مطلوب حسب نص القرآن الكريم، وهو من آيات الخلق السامية، كما في قوله تعالى: (ومن آياته خلق السماوات والأرض وإختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين). فليس من هدف الإسلام حمل الناس على ملة واحدة أو عقيدة مشتركة، بل إن إختلافهم مطلوب مقصود (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك و لذلك خلقهم). ويبين القرآن الكريم الحكمة من الإختلاف بأنها (التعارف) و (التعاون على البر و التقوى) و (التسابق إلى الخير)، بما فصلته الآية الكريمة: (ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا و لو شاء الله
стр. 1008
لجعلكم أمة واحدة و لكن ليبلوكم في ما أتاكم فأستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون). ولهذا السبب أعلن الإسلام حرية العقيدة ونبذ الإكراه في الدين و وضع ضوابط دقيقة لتعميق خط التفاعل و التعارف بين بني البشر الذين يتفقون في أصولهم و عمود نسبهم (كلكم لآدم و آدم من تراب)، كما يتفقون في قدراتهم المعرفية و العقلية و الروحية، و لا يتمايزون إلا بسلوكهم الأخلاقي و ميزاتهم الروحية المكتسبة المتاحة لجميع الناس (١).
فالإسلام يعترف بالآخر ويقيم العلاقات مع الأخر على أسس ثابتة حتى وهو يعترف بأن الآخرين كفار. وهنا الإسلام يقيم أشياء أساسية في فكر الإنسان وفي نفسيته تنشأ ما نسميه التسامح، التسامح الديني من خلال:
أولا: اعتقاده أن هذا الاختلاف واقع بمشيئة الله وهذا يريح الإنسان.
ثانياً: أنه إذا كان هناك مهتدى وهناك ضال وهناك مؤمن وهناك كافر وهناك بار وهناك فاجر فحساب هؤلاء الناس ليس للإنسان ولكنه إلى الله وليس في هذه الدنيا ولكن في يوم الحساب، الله سيفصل بين هؤلاء ويقول القرآن ﴿إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿اللَّهُ رَبُّنَا ورَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا ولَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ هذا أمر آخر يريح الإنسان مع الذين يختلفون معه.
ثالثاً: أن الإسلام يكرم الإنسان من حيث هو إنسان بغض النظر عن جنسه أو دينه أو لونه أو لغته أو إقليمه أو طبقته ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ولذلك النبي ﵊ كما روي البخاري ومسلم أنهم مروا عليه بجنازة فقام الرسول ﵊ لها واقفا احتراما للميت فقالوا يا رسول الله إنها جنازة يهودي. فقال أليست نفس. فما أروع الموقف وما أروع التعليل نفسه" أليست نفس".
رابعاً: الإسلام يقيم العلاقة بين الناس جميعا على أساس العدل، عدل الله لجميع خلق الله يهودي نصراني مجوسي وثني ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ الشنآن شدة البغض سواء شدة بغضهم لكم أو
стр. 1009
بغضكم لهم لا يمنع هذا أنك تحكم بالعدل فالعدل مطلوب، والقرآن أنزل الله فيه تسع آيات من سورة النساء تدافع عن يهودي أُتهم ظلما، حيث ان احد المسلمين سرق ولكن اهله وقبيلته أرادوا أن يلصقوا التهمة بأحد اليهود، وذهبوا إلى النبي يعرضون حجتهم حيث كاد النبي ﵊ ان يصدقهم ويدافع عن هذا المسلم ويتهم هذا اليهودي، وهنا نزل القرآن يبرئ اليهودي ويعاتب النبي ﵊ أنه هم بتصديق هؤلاء ويقول الله تعالى في هذه الآيات ﴿إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ولا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً، واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً، ولا تُجَادِلْ عَنِ الَذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ لا تحامي عنهم ﴿ولا تُجَادِلْ عَنِ الَذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ إلى آخر الآيات التسع في الدفاع عن هذا اليهودي (١).
ومما تقدم يتضح لنا ان بنية الإسلام في الأصل بنية حوارية يشكل فيها "الاعتراف بالآخر" أولى مميزاتها بل أساساً يتنزل فيها منزلة "العقيدة". ذلك أن القرآن لم يثبت شرعية وجوده ويدافع عن اختياراته وبدائله إلا عبر أخلاقيات الحوار والنقاش، بل ربما انفرد القرآن، من بين نصوص الأديان الكتابية الأخرى، بذلك الحرص القوي الذي يطبع جل آياته، على محاولة طرح اختياراته الإصلاحية عبر أسلوب الجدال والحوار ومحاولة البرهان والتدليل على اختياراته وبدائله وإقناع مخالفيه بها ... وما هو أهم في كل هذا "اعترافه" الضمني والصريح بذلك التراكم المعرفي والأخلاقي الذي يمثله تاريخ الديانات الكتابية وسيرها الحثيث نحو الإصلاح والتصحيح والكمال العقائدي والأخلاقي، الأمر الذي اقتضى من الإسلام، قرآنا وسنة، ضرورة الاعتراف ب"الآخر" باعتباره مساهما فعالا في ذلك التطور الفكري والأخلاقي القابل دوما للإصلاح و"التتميم". من ثم جاءت تلك التأكيدات المتتالية في القرآن تذكر المؤمنين به قبل غيرهم، أنهم يمثلون حلقة من سلسلة من تلك "الحنيفية" التي يعتبر إبراهيم الخليل ﵇ واسطة عقدها، ولبنة أساسية فيها. وحيث ذلك، أُمر المسلمون في تعاملهم مع "أهل الكتاب"، ورغم الخلافات الواردة، ان
стр. 1010
يبادروا إلى الاعتراف بهم، وأن يكونوا متسامحين معهم وأكثر تفتحاً وأبعد عن التعصب، وأن يقولوا: "آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيؤون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون" (١).
الحوار بين الأديان
مثل الحوار قاعدة أساسية ومنهجية من قواعد الدعوة الإسلامية، التي يعود تاريخها إلى اللحظة الأولى لانطلاق رسالة الإسلام، وقد تم بناء هذه القاعدة وتأصيلها بدءاً بقوله سبحانه "إقرأ باسم ربك الذي خلق" ومروراً بقوله: إدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" وانتهاءًُ بقوله سبحانه سبحانه (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله).
وقد سجل القرآن الكريم، وسجلت السنة النبوية نماذج الحوار بمختلف مستوياته وأساليبه ليعلم الناس جميعاً بأن هذا الدين إنما تبنى دعوته على الاقتناع والبينة والحجة العقلية ولا مجال فيه- أبداً- للإكراه على الإيمان به أو الدعوة إليه "لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". وإذا كان الحوار ضرورياً في مرحلة الدعوة المكية والمدنية وما تلاهما فهو اليوم أشد ضرورة وأكثر أهمية في ظل ثورة الاتصالات الحديثة التي تبث عبر أجواء من التوتر، وافتعال الصراع ونشر ثقافة القوة.
لهذا فقد أولى الرسول (ص) منذ بداية الدعوة الإسلامية اهتماماً خاصاً بأهل الكتاب والحوار معهم ودعوتهم للإسلام، وذلك لأنهم أصحاب ديانات سماوية سابقة جاء الإسلام ليرث أهم ما فيها وليضيف إليها ما تحتاجه البشرية في مسيرتها إلى يوم الدين، يقول الله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى" (سورة الشورى: الآية ١٣) واهتمام الرسول (ص) بدعوة أهل الكتاب، كان لاعتقاده بأنهم سيكونون أول من سيؤمن به وبدعوته
стр. 1011
بسبب التشابه الكبير بين ما جاء به الإسلام وبين ما هو موجود في كتبهم .. هذا بالإضافة إلى أنهم كانوا ينتظرون ظهور نبي في بلاد العرب كما جاء في البشارات الموجودة في كتبهم. ولذلك كان الرسول الكريم يطمع في ان يكون اهل الكتاب عوناً له في استئصال الشرك والكقر من الجزيرة العربية اولا ثم نشر الدعوى للعالمين.
وقد جاءت اولى بوادر ذلك الموقف من النجاشي ملك الحبشة الذي احتضن المسلمين وأمنهم من غذر واضطهاد قريش حتى اشتد عودهم وعادوا إلى مكه ليستمروا في دعوتهم، حيث تطلع الرسول الكريم إلى موقف اقوى من اهل الكتاب من الدين الجديد فاسلم قليل منهم وبقى جزء كبير على دينهم ودخل الرسول معهم في حوارات ومجادلات كثيرة، فرد عليهم القرآن وعلم النبي كيف يجادلهم بالتي هي أحسن بأسلوب منطقي يقدم الحق جلياً من غير التعرض لشخصيات الأنبياء ولا لرسالتهم (١)، حيث نهى القرآن عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن في قوله تعالى:"ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون" (سورة العنكبوت: الآية ٤٦) ففي قوله تعالى لا تجادلوا نهي عن مبادئتهم بالجدال في نصوص وطقوس دينهم وفي قوله إلا بالتي هي أحسن استثناء يجيز الرد عليهم إذا بدءونا بالجدال، فليكن الرد عليهم بالتي هي أحسن حتى لا نتعرض لنبيهم ولا لكتابهم (٢) ومن التي هي أحسن، ذكر مواضع الاتفاق بين المتجادلين والانطلاق منها إلى مواضع الخلاف، أما مواضع الاختلاف، فالحكم فيها إلى الله يوم القيامة، يقول تعالى: "وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون، الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون" (سورة الحج: الآية ٦٨).
стр. 1012
وقد سار النبي (ص) على خطى التوجيهات القرآنية في دعوته ومجادلته لأهل الكتاب، فدخل معهم في مجادلات ومناقشات عديدة رواها القرآن والسنة النبوية المطهرة. فقد جرت مناقشات كثيرة بين الرسول (ص) وبين اليهود حول الكتب المقدسة وكان محسور بن سبحان هو المتحدث باسم اليهود. فقال للرسول ما دليلك على أن القرآن من عند الله، فنزل قوله تعالى: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" (سورة النساء: الآية ٨٢) وناقشهم الرسول في أمور كثيرة أخرى، مثل ادعائهم بأنهم الأخيار وأنهم بمنجاة عن النار، وفي مجادلات أخرى، أجرى مقارنة بين كتبهم المحرفة وبين القرآن، وأيدته آيات القرآن وسجلت هذه المحاورات والمجادلات، ومن ذلك قوله تعالى: "من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولوا سمعنا وعصينا" (سورة النساء: الآية ٤٦)، "يحرفون الكلام عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به" (سورة المائدة: الآية ١٣). وقد دخل كثير من اليهود في الإسلام بعد هذه المجادلات والمحاورات مثل عبد الله بن سلام وثعلبة بن أسيد وأسيد بن عبيد وغيرهم.
كما جرت مناقشات وحوارات بين الرسول (ص) وبين النصارى سجلها القرآن الكريم وعلم الرسول كيف يرد عليهم، فمن المعروف أن النصارى يدعون أن عيسى ﵇ لا يناظره شخص آخر لكونه وجد من غير أب، وبالغوا في هذا الادعاء حتى أنكروا نبوة محمد ص وتمسكوا بنبوة عيسى ووصلوا به إلى الألوهية، فرد الله عليهم بقوله: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون" (سورة آل عمران: الآية ٥٩). وجرت مناقشات ومجادلات بين الرسول (ص) ونصارى نجران حيث ذكر هؤلاء أن المسيح إله لأنه أحيا الموتى وأبرأ المرضى، فقال لهم الرسول ص إن ذلك كان بعون الله وتلا عليهم قوله تعالى: "ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم، أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وأبرئ الأكمة والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله" (سورة آل عمران: الآية ٤٩). وسأل واحداً منهم الرسول (ص) قائلا: أتريدنا يا محمد أن نعبدك كما نعبد عيسى؟ فقال لهم الرسول (ص): معاذ الله أن نعبد غير الله ولست إلا عبد الله، ونزل قوله تعالى " وما كان لبشر أن يوتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول
стр. 1013
للناس كونوا عباداً لي من دون الله " (سورة آل عمران: الآية ٧٩) وعلى أثر هذه المجادلات والمناقشات أسلم نفر من النصارى.
وهكذا لاحظنا كيف أن الرسول (ص) كان يجادل ويحاور أهل الكتاب بلين ورفق وبالتي هي أحسن لكي لا يتعرض أو يسيء إلى أنبيائهم وكتبهم، التي جعل الإسلام الإيمان بها أصل من أصول الإيمان والعقيدة، بل انه سمح لوفد النصارى القادم من نجران لزيارته بالإقامة في مسجد المدينة المنورة. وفي المساء، وعندما رغب النصارى بأداء صلاتهم، سمح لهم النبيّ بذلك. وقد سار المسلمون في أيام الرسول ص وفيما بعد على هدي هذا الطريق السليم في حوارهم ومجادلتهم لأهل الكتاب، مما أدى إلى ظهور علم جديد لدى المسلمين هو علم مقارنة الأديان. هذا العلم الذي يعد من مفاخر المسلمين، لأنه من الطبيعي أن لا يظهر هذا العلم قبل الإسلام لأن الأديان قبل الإسلام لم يعترف أي منها بالآخر، وكان كل دين يعد ماعداه من الأديان هرطقة وضلالاً، فجاء الإسلام وكان موقفه من الأديان الأخرى ينضوي تحت اتجاهين:
فمن الناحية النظرية يعلن الإسلام أنه الحلقة الأخيرة من سلسلة الأديان وأنه بالتالي ورث أهم ما في الأديان من حسنات وأضاف إلى ذلك ما تحتاجه البشرية في مسيرتها إلى يوم الدين، أما من الناحية الواقعية فيعترف الإسلام بالوجود الفعلي لجماعات غير مسلمة ويتحدث عن أهل الكتاب وأهل الذمة وينظم حقوقهم وواجباتهم (١). ومن هنا كان اهتمام المسلمين بهذا العلم، فألفوا فيه الكثير من الكتب التي تبين عظمة الإسلام وفساد العقائد الأخرى وما دخل عليها من تحريف وتوضح ايضاً ان الإسلام جاء ليكمل الدين للعالمين ويعيد اصحاب الديانات الاخرى إلى الطريق القويم الذى ضلوا عنه مع الزمن. وقد كانت الوسيلة لذلك هي كما فعل رسول الله ﷺ عن طريق اظهار نقاط الاتفاق بين الإسلام وهذه الديانات وتوضيح ان المسلمون يؤمنون بهذه الديانات ورسلها ويعظمونهم ويجلونهم، وان الإسلام جاء ليكمل هذه الديانات. ويجب أن نشير هنا إلى أن هذا العلم لم يكن لدى المسلمين وسيلة للحط والاستهزاء بالأديان الأخرى، بل أنه كان
стр. 1014
دراسة وصفية علمية تؤدي إلى نتائجها الطبيعية عن طريق الحجة التي تخاطب العقل بهدوء وموضوعية من غير تعصب أو جحود (١)؟
ويعد النوبختي أول من ألف في هذا العلم في كتابه «الآراء والديانات»، كما كتب المسعودي كتابه عن الديانات، ثم جاء المسبحي وألف كتابه «درك البغية في وصف الأديان والعبادات». ثم ازداد التأليف في هذا العلم بعد ذلك، وظهرت الكتب التي كتبت عن الملل والنحل مثل كتاب «الملل والنحل» للشهرستاني، «والفصل في الملل والأهواء والنحل» لابن حزم الأندلسي، وكتاب «الفرق بين الفرق» للبغدادي (٢)، وألف الأمام الغزالي كتابه «الرد الجميل لألوهية عيسى بصريح الإنجيل» ويكشف عنوانه عن موضوعه بجلاء، فالغزالي يرد فيه رداً جميلاًً موضوعياً على قول النصارى بألوهية عيسى (، وقد اعتمد في رده هذا على ما جاء في الإنجيل الذي في أيدي النصارى والذي يقدسونه ويجعلونه كتاب دينهم وحجتهم (٣) كما أن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية كتب موسوعته الضخمة التي أطلق عليها «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»، وجاء تلميذه ابن القيم الجوزيه ليضع كتابه «هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى». كما انه نتيجه للتسامح الديني في الاندلس فقد دخلت بعض الشخصيات الأوربية في حوار جدي مع فقهاء مسلمين، حيث كانوا جميعا على علم أنهم يعبدون إلها واحدا، وهو إله إبراهيم ويعقوب وإسحق.
ولقد نشر مجلد جديد يحتوي على تسعة مقالات تتناول الحوار الديني في العصور الوسطى وكانت بؤرة موضوع البحث منطقة شبه جزيرة أسبانيا والبرتغال، وقد نقلت مأثورات واقعية من فرنسا عن هذا الحوار الفكري، منها: أن بطرس آبيللار كتب مقالا على شكل حوار بين الأديان، وأن بطرس فينيرابلس كلف العلماء الأسبان بمهمة ترجمة القرآن (٤).
وهكذا نلاحظ إلى أي مدى اهتم المسلمون بهذا العلم واتخذوه وسيلة موضوعية مهذبة للحوار ولدعوة أهل الكتاب ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وليبينوا
стр. 1015
لهم ما دخل دينهم من تحريف، وليؤكدوا ما جاء في القرآن والسنة حول ذلك. ولكن هذا العلم اختفى لفترة معينة في عصور الضعف الإسلامية ولكنه عاد مرة أخرى في عصرنا الحاضر، ومن الذين ألفوا في هذا العلم الدكتور أحمد شلبي في سلسلة مقارنة الأديان بالإضافة إلى بعض العلماء الآخرين الذين كتبوا كتب متنوعة عن الديانات الأخرى مثل كتاب «تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم» للأستاذ محمد عبد الله دروزة وكتاب «محاضرات في النصرانية» للشيخ محمد أبو زهرة، وكتاب «الديانات» لمحمد مظهر وكتاب «الإسلام دين العلم والمدنية» للإمام محمد عبده وغيرهم كثيرون.
وهكذا نرى أن دعوة أهل الكتاب ومجادلتهم والحوار معهم عبر التاريخ الإسلامي كانت تتم على أساس من الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن بدون تحدي أو إثارة. فإذا كنا في عصرنا الحاضر جادين في دعوة أهل الكتاب ومجادلتهم، يجب علينا أن نضع نصب أعيننا ما جاء في القرآن الكريم من آيات حددت علاقتنا بأهل الكتاب وحددت طرق دعوتهم ومجادلتهم والحوار معهم. وهنا يقول الشيخ محمد الغزالي في تفسيره لقوله تعالى: "فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة يبننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير" (سورة الشورى: الآية ١٥) يقول: أن الأمر بالدعوة باقي إلى آخر الدهر لا يبطله شيء، وكذلك النهي عن أتباع الزائفين، ونحن المسلمين نحمل حقائق الوحي كله منذ بعث الله المرسلين، ونعلم أن أهل الكتاب نسوا كثيراً وتاهوا في طرق لا حصر لها، ومهمتنا أن نذكرهم بما نسوا، ونريهم الصراط المستقيم، ووسيلتنا الترفع والتسامح وعدم الانسياق وراء الشحناء والتذكير الدائم بأن المصير إلى الله (١).
فالداعية الذي يريد مثلاً أن يدعو أهل الكتاب ويجادلهم، يردهم إلى كتابهم الحق ويذكرهم بأقوال رسولهم ويوضح لهم أن الرسل كلهم أخوان اصطفاهم الله من خلقه وجعلهم سفراء بينه وبين عباده، ويدلل لهم على أن اللاحق منهم يقف على أثر السابق وأن الواجب على الناس جميعاً أن يؤمنوا بكل الرسل بلا استثناء لأن
стр. 1016
الله هو الذي أرسلهم وهو الذي أمر بالإيمان بهم (١)، قال تعالى: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير " (سورة البقرة: الآية ٢٨٥) فإذا هم أجابوه شرح لهم العقيدة الصحيحة ثم ثنى بمبادئ الإسلام وفرائضه مبيناً أن الإسلام هو دين جميع البشر، قال تعالى: "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" (سورة آل عمران: الآية ٨٥) أما إذا لم يجيبوه، فيكون قد أدى أمانة البلاغ، وأمرهم وحسابهم بعد ذلك إلى الله. وهكذا فإن علاقة المسلمين بأتباع الأديان الأخرى تدور على محور واحد، عرض مبادئ الإسلام بوضوح ورد الشبهات بأدب، وإعطاء فرصة للتأمل والحكم المتأني، فلا استعجال ولا استغلال، أنه البلاغ الخالي من الإكراه الذي يخلى بين كل امرئ وضميره فإن شاء أسلم وإن شاء بقي حيث هو وحسابه إلى الله.
فحوار الإسلام مع الديانتين اليهودية و المسيحية كما دشنه النبي، صلى الله عليه و سلم، و وضع أصوله ثم سار على هديه الكريم خلفاؤه الراشدون يرتكز على أربعة مبادئ أساسية هي: قبول الإختلاف و التنوع - عدم الإكراه على الدين التعاون على البر و التقوى -تحريم العدوان و تقييد الحرب أخلاقيا. حيث لا تزال هذه المبادئ تشكل خلفية ثمينة و صالحة لحوار مستقبلي ناجع و منفتح بين الديانات الثلاث (٢).
ويجب - قبل أن نخوض في التفاصيل - أن نثبت حقيقة مهمة، وهي أن المسلمين يؤمنون بكل الأنبياء ويعتبرون تراث الأنبياء تراثهم، ويعتبرون رسالتهم الإسلامية امتداداً لرسالات الأنبياء الذين جاءوا من قبلهم، وأن الدعوة التي دعا إليها الأنبياء هي نفس الدعوة التي دعا إليها محمد ﷺ وبالتالي فإن رصيد تجربة الأنبياء في دعوتهم للحق وعبادة الله وحده لا تنفصم عن دعوة المسلمين ورصيد تجربتهم. وانظر إلى قوله سبحانه ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، فهي رسالة التوحيد التي يدعو إليها كل رسول. وعندما كان يكذب أي قوم رسولهم فقد كان ذلك تكذيباً لجميع المرسلين، وتأمل
стр. 1017
قوله تعالى في ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾، ﴿كذبت عاد المرسلين﴾، ﴿كذبت ثمود المرسلين﴾، ﴿كذبت قوم لوط المرسلين﴾، ﴿كذب أصحاب الأيكة المرسلين﴾ (١). فقد اعتبر الإسلام أنبياء الماضي وعقلاءه وحكماءه أنبياءه وعقلاءه وحكماءه. وجعل من خير الماضي وصلاحه خيره وصلاحه. ووجد ذلك تعبيره المكثف في الحديث القائل بان خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام (٢).
اليهود والنصارى في القرآن والسنة
من الجلي أن القرآن الكريم عندما يتحدث عن اليهودية والمسيحية لا يتحدث عن ديانات غريبة، بل يعتبرها تعبيرات مختلفة عن نفس الدين الإلهي الذي هو الإسلام من حيث هو تسليم لله و توحيد له، و لذا أطلق صفة المسلم على النبي إبراهيم، ﵇، و إعتبر مختلف أنبياء التوحيد مسلمين. فالفرق بين الإسلام و الديانتين الإبراهيميتين الأخريتين لا يتعلق بطبيعة العقيدة أو القيم أو الرؤية، بل في بعض الجزئيات التي إقتضتها تحولات الزمن و إعتبارات التاريخ. فالإسلام هو دين إكتمال المسار الإبراهيمي، و بذا كان لا بد أن يتسم بالمرونة و الإنفتاح و اليسر ليستوعب إختلاف السياقات المكانية و الزمانية. فهو، لهذا السبب، دين يقوم على إحترام الإختلاف و التعددية و قبول حرية الرأي و العقيدة (٣). وقد ورد في القرآن عدد كبير من الآيات التي تأمر المسلمين بمعاملة أهل الكتاب (النصارى واليهود) أحسن معاملة وكان عنوان التعاون معهم في المجتمع الإسلامي على اساس القاعدة العامة التي رآها الفقهاء: (لهم ما لنا ـ وعليهم ما علينا) (٤). فقال الله تعالى في سورة الممتحنة، آية ٨: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين". كما قال تعالى في
стр. 1018
سورة العنكبوت آية ٤٦: "ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي احسن الا الذين ظلموا منهم".
فالنصوص الإسلامية إختطت إطارا دقيقا للتعامل مع أهل الكتاب أساسه البر و التودد لمن يسالم المسلمين و لا يعتدي عليهم: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم إن تبروهم و تقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون " (سورة الممتحنة آيه ٨). فالتمييز هنا واضح وصريح بين المعتدي و المحارب والمهادن المسالم، والأصل في علاقة المسلم بأخيه اليهودي والمسيحي هو التعاطف والتعاون، ويحذر القرآن الكريم من التعميم الخاطئ المتمثل في الحكم على أهل ديانة ما بسلوك بعض المنتمين إليها: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل و هم يسجدون. يؤمنون بالله و اليوم الآخر و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يسارعون في الخيرات و أولئك من الصالحين. و ما يفعلوا من خير فلن يكفروه و الله عليم بالمتقين " (سورة آل عمران) و قد طبّق الرسول، صلى الله عليه و سلم، و خلفاؤه الراشدون هذه التعاليم الربانية أحسن تطبيق، و تمثلوها في علاقاتهم بالأقوام والملل الذين تعاملوا معهم في مراحل تأسيس الدولة الإسلامية وخلال عهود توسعها (١).
وقد امتدح القرآن الصالحين من اهل الكتاب كما يمتدح غيرهم من المؤمنين فقال الله تعالى في سورة آل عمران آية ٧٥: "ومن أهل الكتاب من ان تأمنه بقنطار يؤده اليك" وقوله تعالى: "يسارعون في الخيرات و أولئك من الصالحين".
ويبين لنا التاريخ أنه عندما بلغ نبأ موت النجاشي للرسول (ص) استدار إلى جمع المصلين وقال لهم: "لقد مات اليوم أحد الصالحين. إذاً، فانهضوا وصلّوا من أجل أخيكم"؛ ثم أمَّهم للصلاة. ويرى بعض المسلمين أن النجاشي قد اعتنق الإسلام سراً، إذ أنهم لا يستطيعون قبول فكرة صلاة النبي محمد على روح شخص غير مسلم، لكن الخبراء بتاريخ الإسلام يقولون أن النبي صلّى عليه لكونه مسيحياً صالحاً قام
стр. 1019
أيضاً بحماية مريديه من الاضطهاد على أيدي القبائل غير المسلمة في أول عهد الإسلام. وهناك عشرات الاحاديث النبوية التي تدعو المسلمون لمعاملة اهل الكتاب من اليهود والنصارى احسن معاملة، وقد حرم على المسلمين ايذاءهم أو الاعتداء على املاكهم، أو معابدهم، أو اكل حقوقهم. وكل عهد يعطي لغير المسلمين من النصارى واليهود، عهد يستوجب التنفيذ حسب الشريعة الإسلامية، وقد عاهد الخلفاء المسلمون النصارى واليهود على كثير من الامور بعد انتهاء الحرب، فتضمنت عهودهم (حمايتهم، والحفاظ على حريتهم الشخصية والدينية، وإقامة العدل بينهم والانتصاف من الظالم) (١). وجاء في الحديث (من ظلم معاهداً، أو كلفه فوق طاقته فانا حجيجه) (٢). ولهذا قرر الإسلام المساواة بين الذميين والمسلمين. فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وكفل لهم حريتهم الدينية، وذلك بعدم إكراه احد منهم على ترك دينه. قال الله تعالى في سورة البقرة الآية ٢٥٦ ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾. ومن حق اهل الكتاب ان يمارسوا شعائر دينهم فلا تهدم لهم كنيسة ولا يكسر لهم صليب، يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه (اتركوهم وما يدينون). بل من حق زوجة المسلم (اليهودية والنصرانية) ان تذهب إلى الكنيسة أو المعبد، ولا يحق لزوجها في منعها من ذلك.
فإحترام ما تقرره الأديان والعقائد هذا من الأسس الأولى لا نتدخل في شؤونهم حتى أن الإسلام بلغ من التسامح ذروة أنه لا يفرض عليهم الأشياء التي يحرمها الإسلام إذا كانت مباحة عندهم ... مثل أكل الخنزير وشرب الخمر، الخمر أم الخبائث عند المسلمين ومن الكبائر والموبقات ولكن الإسلام يقول للذمي: مادام دينك أباحها لا نحرمها وكل ما في الأمر لا تروجها عند مسلم. ويعتبر الخمر والخنزير في مذهب الإمام أبي حنيفة مالا متقوما من أتلف خمرا لذمي يهودي أو نصراني عليه أن يغرم ثمنها. وفي أيام دخول التتار إلى دمشق أسروا ناس من المسلمين ومن اليهود ومن المسيحيين وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ومعه جماعة من علماء المسلمين عند هولاكو يطلبون منه فك الأسرى فقالوا له سنطلق لك سراح
стр. 1020
المسلمين فقط. فقال لهم أهل ذمتنا قبل أهل ملتنا والله لا أخرج قبل أن يفك أسر الجميع. وهكذا الدفاع عن أهل الذمة واجب على المسلمين حتى قال علماء المسلمين أن إيذاء الذمي أشد إثما من إيذاء المسلم، غيبة الذمي أشد في الإثم من غيبة المسلم لأن هذا معتبر كأن المسلمين هم المسؤولين عنه (١).
كما سوى الإسلام بين اهل الذمة وبين المسلمين في العقوبات (٢) قال الزهري (دية اليهودي، والنصراني، وكل ذمي مثل دية المسلم). ولهذا كان يقف المسلمون امام القانون مع النصارى واليهود سواء بسواء حتى ولو كان المسلمون من الخلفاء الراشدين أو من الصحابة. وعن انس ﵁ قال: رهن النبي ﷺ درعاً عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيراً لأهله ". وعن عائشة ﵂ قالت: ان النبي (اشترى طعاماً من يهودي إلى اجل ورهنه درعاً من حديد، وفي لفظ: توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهون عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير. رواهما البخاري ومسلم (٣).
الحوار الإسلامي المسيحي
من خلال ما تقدم اتضح لنا كيف استطاع الإسلام أن يؤسس قاعدة متينه للحوار بين المسيحية والإسلام منذ البدايات الأولى ويستوعب اهل الكتاب من النصارى تحت كنفه ويضع الاسس والقواعد التى تحكم العلاقة معهم ويتجلى ذلك في عهد النبي، صلى الله عليه و سلم، لنصارى نجران في آخر عهد البعثة النبوية حيث عبر هذا العهد عن هذه الرؤية المنفتحة المتسامحة للاسلام، فنص على ما يلي: و لنجران و حاشيتها، و لأهل ملتها، و لجميع من ينتحل دعوة النصرانية في شرق الأرض و غربها، قريبها و بعيدها، فصيحها و أعجمها، جوار الله و ذمة محمد النبي رسول الله، و على أموالهم، و أنفسهم و ملتهم، و غائبهم و شاهدهم، و عشيرتهم، و بيعهم، و كل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير. لا يغير أسقف من أسقفيته، و لا