الأرض وقتل الناس بغير حق هؤلاء لا نضع أيدينا في أيديهم نحن مع الحوار ولكن الحوار لمن يستحق الحوار.
ويضيف الشيخ القرضاوي: ان يهود هذا العصر هم يهود عصر الرسالة يعني من ناحية العقيدة ومن ناحية الشريعة ... ونحن الآن لا نتكلم من حيث عقيدتهم وشريعتهم لكن نتكلم من حيث المظالم التي ارتكبوها هذا هو سبب العداء بيننا وبينهم المعركة بيننا وبين اليهود ليست من أجل العقيدة بعض الناس يمكن ان يظن أننا نحارب اليهود من أجل عقيدتهم هذا خطأ نحن لا نحارب اليهود من أجل عقيدتهم نحارب اليهود من أجل الأرض التي اغتصبوها وشردوا أهلها من أجل أنهم احتلوا الأرض هذا هو سبب المعركة بيننا أما اليهود كيهود ليس بيننا وبينهم معركة (١).
وتخلص دراسة مركز زايد إلى القول: بخصوص الحوار مع اليهودية، فلا بد من التمييز الواضح بين الجانب المتعلق بالمعتقدات و القيم الدينية والجانب المتعلق بالتوظيف السياسي والأيديولوجي لهذه القيم و المعتقدات كما هو شأن الفكر الصهيوني الذي قامت عليه الدولة الإسرائيلية المغتصبة و العدوانية. و لئن كان الإسلام يعترف برسالة موسى و يعظم أنبياء بني إسرائيل، و يقترب من حيث أحكامه و تعاليمه من الشريعة اليهودية، فإن النصوص التلمودية و شروح الهالاخاه المعتمدة لدى المؤسسة الدينية اليهودية لا تزال مشبعة بالكراهية و الحقد على الديانة المسلمة و لا تزال رافضة الإعتراف برسالة الإسلام، و من ثم فإن أي حوار مطلوب بين الإسلام و اليهودية يتطلب أولا تصحيح هذا الخلل الخطير في التعامل مع الديانات الأخرى (٢).
ويجب الاشارة هنا إلى ان كثير من المؤرخين يغرق عند مواجهتهم لادعاءات اليهود المعاصرين بحقهم في فلسطين في الانشغال بعلوم الآثار، وذكر الشعوب التي استوطنت أو حكمت أو مرت على فلسطين وكم حكم كل منها هذه الأرض
стр. 1052
ليخرجوا في النهاية بنتيجة مؤداها ضآلة الفترة والمساحة التي حكم فيها اليهود عبر التاريخ مقارنة بالعرب والمسلمين، ورغم أن هذا الجانب مفيد في رد ادعاءات اليهود من النواحي التاريخية والعقلية المنطقية، إلا أن كثيراً من هؤلاء الكتاب والمؤرخين يقعون في خطأين كبيرين حسبما يظهر لنا:
- الأول: اعتبار تراث الأنبياء الذين أرسلوا إلى بني إسرائيل أو قادوهم تراثاً خاصاً باليهود فقط، وهذا ما يريده اليهود!!
- الثاني: الإساءة إلى سيرة عدد من أنبياء بني إسرائيل باستخدام الاستدلالات المستندة إلى توراة اليهود المحرفة نفسها، وهم عندما يستخدمونها فإنما يقصدون الإشارة إلى "السلوك المشين" لبني إسرائيل وقادتهم عندما حلوا في فلسطين، ليضعفوا من قيمة دولتهم ويبينوا انحطاط مستواهم الحضاري، ويدخل أصحاب هذا المنهج في الاستدلال بما ذكرته الإسرائيليات من اتهام للأنبياء بالغش والكذب والزنى واغتصاب الحقوق وقتل الأبرياء، في محاولات لإثبات قسوة ومكر ولؤم اليهود وتشويه صورة حكمهم ودولتهم في ذلك الزمان.
يضاف إلى ذلك امر مهم جداً وهو ان بعض الذين تصدوا للبحث في تاريخ بني اسرائيل قد اتوا على كل شئ في تاريخ اليهود نفياً والغاء، .. حيث تعرضت التوراة لنقد قاس من قبل عديد من الباحثين، وقد تراوح هذا النقد من ابداء ملاحظات مهمة حول مصداقية وقائع جاءت في التوراة أو القيمة الحقيقية لبعض الاسفار، إلى النفي الكامل لقدسية التوراة وصدق الديانه اليهودية. وتأتي خطورة الرؤية الاخيرة من انها لا تصطدم مع العقيدة اليهودية وحدها .. اذ ان النفي المطلق لليهودية انما يصطدم تماماً بالمسيحية والإسلام على السواء .. وعلى ذلك فإن نفي التوراة انما يعني ضمناً نفي الانجيل والقرآن معا (١).
وهنا يجب ان ننبه إلى ان القرآن الكريم كفانا مؤونة التعرف على أخلاق اليهود وفسادهم وإفسادهم، غير أن أنبياءهم وصالحيهم أمر آخر، فالأنبياء خير البشر، ولا ينبغي الإساءة إليهم والانجرار خلف الروايات الإسرائيلية المحرفة، التي لا تسيء للأنبياء فقط وإنما لله ﵎. لقد حرف اليهود التوراة، وساروا على نهج
стр. 1053
التوراة المحرفة في أخلاقهم وفسادهم وإفسادهم محتجين بما نسبوه إلى أنبيائهم كذباً وزوراً، ومن الواجب على المؤرخين وخصوصاً المسلمين ألا يندفعوا في استقرائهم لتاريخ فلسطين إلى اتهام أنبياء الله بما افتراه عليهم اليهود وذلك في سبيل إثبات حق الأقوام الأخرى في فلسطين (١).
ولكن قد يظن بعض المسلمين أنه إعمالاً لقاعدة المعاملة بالمثل، يعامل اليهود في البلاد العربية والاوربية بمثل ما يعاملون به المدنيين في فلسطين وهو القتل ومصادرة الاموال أو سلبها. واعتقد ان هذا تصرف لا يقبله الإسلام "لا تزر وازرة وزر اخرى"، ولكن من المؤسف ان بعض المسلمين اليوم تبنوا عدداً من صفات وخواص معاداة السامية الأوربية بعد أن تأسْلَمَتْ كراهية اليهود هذه، أي اتخذت طابعاً إسلامياً مدعوماً بخليط من نصوص معادية لليهود من المصادر الإسلامية، تلك النصوص التي لم يكن من أهمية لها ولا تأثير لها على معاملة المسلمين لليهود في القرون السابقة. ولكن بعد ظهور الصهيونية واسرائيل كان متوقعاً ان يعتم موقف العداء هذا على أي فهم متوازن لماضي الإسلام الحقيقي ومواقفه وسياسته المتسامحة المتساهلة تجاه اليهود والأقليات غير المسلمة الأخرى. كما ان هنالك عدد من اليهود من البلاد العربية الذين يعيشون الآن في إسرائيل استبدلوا ذاكرة القبول الإسلامي لليهود وفترة الانسجام الكبير في الماضي ببغض ومقت شديد ضد الإسلام في الوقت الحاضر.
ولهذا يجب أن تبذل الجهود في كل أنحاء العالم سواء في الشرق الأوسط أو أوربا أو أميركا من أجل تشجيع فهم أكثر توازناً للعلاقات اليهودية الإسلامية في القرون الوسطى وذلك بدعوة المسلمين واليهود من أجل استكشاف الثقافة المشتركة في الماضي (٢). فهل يمكن لمتغيرات سياسية أن تخفف من حدة هذا العداء
стр. 1054
كالوصول إلى حل سياسي لأزمة الشرق الأوسط، لأن العيش في تسامح محفور في الذاكرة التاريخية (١).
آفاق الحوار الإسلامي مع الديانات التوحيدية في العصر الحاضر (٢)
من المؤكد أن الحوار الإسلامي مع الديانات الأخرى اليوم يختلف كليا من حيث الأهداف والآليات عن تجربة الحوار السابقة في العصور الوسطى، لإختلاف السياقات وتغير أنماط التدين وأشكال حضور الدين في المجتمعات المعاصرة بالمقارنة مع المجتمعات الإسلامية والمسيحية الوسيطة التي كانت تنتظم بحسب مقاييس الدين. ومع ذلك فإنه يجب الحفاظ على لب الرؤية الإسلامية المنفتحة والمتسامحة من أجل جدال بالتي هي أحسن مع الحضارتين اليهودية والمسيحية. ويمكن أن نقسم الرهانات المستقبلية لهذا الحوار إلى ثلاثة ملفات حيوية: ملف ديني، و ملف حضاري، و ملف إستراتيجي.
أما الملف الديني فيتعلق بضرورة التغلب على أنماط التشويه و سوء الفهم الموروثة عن حقبة الصراعات الدينية السابقة و الحروب الصليبية. و لا يكون ذلك إلا بتشجيع الدراسات المقارنة بين الديانات الثلاث لتبيان الأوجه المشتركة الكبيرة بينها، و للتدليل على أن الفروق الطفيفة بينها لا تشكل عائقا للتعايش والتفاعل بينها. ففي الساحة الغربية يجب مراجعة الدراسات الإستشراقية المتأثرة بمناخ الحروب الصليبية لتنقيتها من ما خالطها من دس و تشويه لصورة الإسلام و نبيه وقيمه وشعائره، مع الإستفادة من كبار المستشرقين المنصفين الذين أشادوا بروحانية الإسلام وسماحة قيمه وتسامحه. ولا بد هنا من التنويه بالخطوات الإيجابية التي قطعتها الكنيسة الكاتولوكية منذ المجمع الفاتيكاني وصدور وثيقة Nostra
стр. 1055
Actate عام ١٩٦٥ التي تبنت الحوار مع المسلمين والإنفتاح عليهم، من منطلق تعزيز المحبة والوحدة بين أتباع الديانات التوحيدية.
فقد نص المجمع الفاتيكاني بوضوح على "ان الكنيسة تنظر بتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون الله الأوحد، الحي القيوم، الرحيم القدير، خالق السماء والأرض، الذي وجه كلامه إلى البشر، و إنهم يسعون في الخضوع بكل نفوسهم لأحكامه الحقة كما خضع إبراهيم لله، الذي ينتمي إليه الإيمان الإسلامي بطيبة خاطر. و أنهم يجلون يسوع كنبي، و إن لم يعترفوا به كإله، و يكرمون مريم أمه العذراء ... وإذا كانت قد نشأت، على مر القرون، منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيين والمسلمين، فالمجمع المقدس يحض الجميع على أن يتناسوا الماضي، ويسعوا في تحقيق تفاهم صادق بينهم، ويعملوا معا على صيانة ودعم العدل في المجتمع والقيم الأخلاقية، وأيضا السلم والحرية لجميع البشر" (١).
إن هذه المقاربة الجديدة تفتح الباب واسعا للحوار البناء بين المسلمين الذين لم يكن لهم أصلا مشكل عقدي مع الديانة المسيحية، وإن كان لا بد من التنبيه إلى أن بعض التيارات الأصولية المسيحية المتطرفة لاتزال تتمسك بالصورة المشوهة السابقة، ومن بينها الحركات الصهيونية المسيحية في أمريكا. و قد إستمعنا لبعض رموز وأركان هذا التيار يسب الإسلام و ينعته بالديانة الزائفة الشريرة بعد تفجيرات نيويورك في سبتمبر ٢٠٠١.
أما بخصوص اليهودية، فلا بد من التمييز الواضح بين الجانب المتعلق بالمعتقدات و القيم الدينية والجانب المتعلق بالتوظيف السياسي والأيديولوجي لهذه القيم والمعتقدات كما هو شأن الفكر الصهيوني الذي قامت عليه الدولة الإسرائيلية المغتصبة والعدوانية. ولئن كان الإسلام يعترف برسالة موسى ويعظم أنبياء بني إسرائيل، ويقترب من حيث أحكامه وتعاليمه من الشريعة اليهودية (في مقابل المسيحية التي لا شرائع لها)، فإن النصوص التلمودية و شروح الهالاخاه المعتمدة لدى المؤسسة الدينية اليهودية لا تزال مشبعة بالكراهية والحقد على الديانتين
стр. 1056
المسيحية والمسلمة ولا تزال رافضة الإعتراف برسالة الإسلام، ومن ثم فإن أي حوار مطلوب بين الإسلام واليهودية يتطلب أولا تصحيح هذا الخلل الخطير في التعامل مع الديانات الأخرى.
و في الساحة الإسلامية، لا بد من مراجعة بعض الأحكام الفقهية والتأويلات الدينية التي تنظر نظرة مناوئة لأتباع الديانات الأخرى، ومنها أحكام أهل الذمة التي تحتاج إلى اعادة دراسة لتتناسب مع مفهوم دولة المواطنة المدنية الحديثة. وكثيرا ما يفهم من آيات السيف الواردة في سورة براءة أن علاقة الإسلام بأهل الكتاب بعد إنتصار الإسلام أصبحت تقوم على الحرب لفرض الإستسلام والجزية. ولقد فند العلامة رشيد رضا في تفسيره "المنار" هذه الصورة مبينا أن المقصود من الآيات المذكورة وخصوصا الآية ٢٩ " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر و لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون "هو" أنها تعني قاتلوا الفريق من أهل الكتاب، عند وجود ما يقتضي وجوب القتال كالإعتداء عليكم أو على بلادكم أو إضطهادكم وفتنتكم عن دينكم أو تهديد أمنكم وسلامتكم". ففي القرآن مائة آية موزعة على ٤٨ سورة تأمر بالتعامل الحسن مع أهل الكتاب، في مقابل تلك الآيات التي نزلت في سياق محدود معروف.
فقوانين الشريعة المحكمة والمفصلة تحمي غير المسلمين الذين يعيشون في أقطار إسلامية. ولكن نال من هذا الاتساق بدرجة كبيرة التنافس بين الإسلام والمسيحية على الهيمنة العالمية والذي تمثل في صورة مصغرة في الحروب الصليبية ومنذ وقت قريب تنامى الخلاف بين الإسلام والمسيحية؛ بسبب قيام دولة إسرائيل، ومساعدة الغرب لها مساعدة غير مشروطة، بزعامة الولايات المتحدة (١).
وربما ساهم ذلك في رسم صور نمطية عن الغرب االمسيحي والمسيحية بعيده عن الفهم القرآنى، فلم يعد السيد المسيح حاضرا بأفكاره وروحه السلامية في حياتنا نحن المسلمين حضورا ملائما يكافئ الشخصية وحضورها القرآني.
стр. 1057
والمثير أننا عندما نحاول الاقتراب منه فلا يكون إلا من خلال الفروق العقائدية حيث تنتشر أشرطة وكتب تنفي الصلب والتأكيد على أن الله رفعه إليه، وهذه حدود عقائدية لا مجال للتلاعب فيها أو التنازل عنها، أو حتى المحاباة بادعاء أي تقريب. لكن أن نختصر الشأن القرآني في هذه المعاني وننسى أن نقد القرآن لعقائد أهل الكتاب لم ينسحب على الحياة الاجتماعية (أن تبروهم) .. والعلاقات الإنسانية (أليست نفسا) .. بل تساكنوا في حياة تعاقدية أثراها التعدد وحفظها التوحد (ولا يزالون مختلفين) ولذلك خلقهم، وتجسد ذلك في دستور المدينة بين المسلمين واليهود ولولا افسادات اليهود لرأينا تجربة تعددية نادرة وفريدة.
أما الملف الحضاري فيتعلق بعلاقة حوار الديانات بحوار الحضارات الذي هو من الشعارات الأساسية المطروحة اليوم. فمع أن الحضارة الغربية ليست كما هو معروف حضارة يهودية - مسيحية، إلا أنه لا يمكن إنكار أهمية هذا العامل الديني في تشكلها التاريخي - فهي الحضارة التي ورثت الإمبراطوريات المسيحية الوسيطة، وإستوعبت التراث الديني اليهودي والمسيحي في مفاهيمها وقيمها الحضارية والسلوكية. فالمشكل المطروح اليوم هو هل يشترك المسلمون مع اليهود والمسيحيين في القيم والمفاهيم المؤسسة للحضارة الحديثة؟ لقد طرح هذا السؤال بحدة وقوة بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١. ومن أبرز تجلياته الرسالة التي بعثها ستون مثقفا أمريكيا من المحافظين المتدينين إلى مثقفي العالم الإسلامي يطالبنوهم فيها بالإندماج في الثقافة العالمية الحديثة بالإنطلاق من خمسة مبادئ، لا يرون أن الإسلام يقرها وهي:
١ - إن البشر يولدون متساوين في الكرامة كما في الحقوق.
٢ - الشخصية الإنسانية هي العنصر الأساسي في المجتمع، وتكمن شرعية دور الحكم في حماية هذه الشخصية، والمساعدة في تأمين فرص التفتح الإنساني لها.
٣ - يرغب البشر بطبيعتهم في البحث عن غاية الحياة و مقاصدها.
٤ - حرية الضمير والحرية الدينية من الحقوق التي لا يمكن إنتهاكها في الشخصية الإنسانية.
стр. 1058
٥ - القتل بإسم الله مخالف للإيمان بالله وهو يشكل خيانة عظمى لكونية الإيمان الديني (١).
وبطبيعة الأمر، ليس للمسلمين إعتراض على هذه المبادئ الخمسة التي أصّلها الإسلام وشدد عليها منذ أربعة عشر قرنا بتكريسه تكريم الإنسان، وتحريم قتل النفس بغير حق، ورفضه الإكراه في الدين، ومطالبته بالعدل بين الناس .. ومع ذلك، فلا بد للمسلمين من بذل جهد علمي وفكري واسع لتفسير وشرح منطلقاتهم الحضارية، وتنقية دينهم من شوائب التطرف والتشدد التي ليست منه وإنما هي من دس وتشويه مجموعات وحركات الغلو والتنطع.
ولا بد في هذا السياق من التنبيه إلى الأصول الشرقية للديانات السماوية التي نزلت في نفس الأرضية الحضارية والتي أنزل فيها الإسلام، فلا عبرة إذن بالتمييز بين قيم حضارية شرقية وغربية متناوئة، بل يتعين البحث عن جذورهما المشتركة وأنماط التأثر والتأثير الواسعة بينهما ضمن التراث الإنساني الشامل.
فرسالة النبي إبراهيم ﵇، ظهرت في بلاد الرافدين وإنتقلت عبر ذريته بين مصر والجزيرة العربية وفلسطين. وكانت لغة السيد المسيح هي الآرامية القريبة من العربية .. وكما إستوعبت الحضارة العربية- الإسلامية التراث اليوناني - الروماني ونقلته إلى الغرب الحديث بعد تطويره فكانت صلة الوصل الضرورية بين هذا التراث والنهضة الأوروبية، فإن الحضارة الإسلامية لا تجد اليوم غضاضة في هضم قيم ومعارف الحضارة الغربية الحديثة التي هي في الحقيقة أول حضارة كونية بالمعنى الصحيح للعبارة لأنها حصيلة إمتزاج مختلف الثقافات والديانات وفي مقدمتها حضارتنا وديننا.
أما الملف الإستراتيجي، فيتعلق بالتصور الشائع في بعض الأوساط الغربية بكون الإسلام هو العدو الإستراتيجي الجديد الذي خلف الخطر الشيوعي، بالإستناد لما نلمسه اليوم من تنامي أنشطة الإرهاب و العنف التي تستهدف البلدان الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. ويبين المفكر والكاتب البريطاني فريد
стр. 1059
هاليداي، ضحالة هذه النظرية التي يسميها بنظرية الفراغ، معتبرا أن ليس من مقارنة بين الخطر الشيوعي والإسلام الذي يجب أن لا يخلط بينه وبين حركات التطرف والإرهاب، منتهيا إلى "أن أساس مقاربتنا لقضية العالم الإسلامي والعلاقات الدولية .. يجب ألا يكون الدين أو النص أو العقيدة، بل النظر إلى الممارسات الفعلية للشعوب والدول وتفحص كيفية إستعمالها للدين، وليس العكس". فالمشكلات الإستراتيجية المعقدة التي يطرحها الإرهاب اليوم لا علاقة لها بالدين الإسلامي، بل هي مشاكل تفسر بأزمة إنتقال النظام الدولي من توازنات الحرب الباردة إلى نمط الأحادية القطبية الذي لم يعزز بعد توازناته. والإرهاب الذي لا دين له ولا حضارة بل هو ظاهرة عرفتها وتعرفها حاليا كل السياقات والمجالات الحضارية، إستهدف العالم الإسلامي أكثر من غيره، ولا بد من تحديد دقيق لمفهومه وطرق التعامل الفعال معه، للتمييز بينه وحق المقاومة المشروعة ضد الإحتلال ضمن ضوابط القانون الدولي. ويمكن للحوار الديني أن يلعب دورا فاعلا في تجنيب العالم مخاطر العنف والإرهاب، من خلال غرس قيم التسامح والسلم، إلا أن هذا الهدف مشروط بعوامل أربعة أساسية يتوجب التنبيه إليها وهي:
- الدفاع عن الشرعية الدولية وفكرة الشراكة بين الأنظمة الإقليمية التي يتكون منها النظام الدولي بما فيها النظام الإقليمي العربي - الإسلامي الواسع والنظام الإقليمي الغربي برافديه الأساسيين الأوروبي والأمريكي.
- السعي المشترك لحل القضايا الشائكة العالقة التي تسمم العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي هي العقدة المستعصية في العلاقة بين المسلمين واليهود.
- عزل ومحاربة حركات الإرهاب والعنف التي ترفع كذبا اللافتة الدينية سواء كانت يهودية كما في صهيونية شارون المتعصبة والتي تدعمها الأحزاب الأصولية الأرتدوكسية-، أو مسيحية أو مسلمة.
- بناء تحالف قوي بين أتباع الديانات الثلاث للتنسيق ضد المخاطر الكبرى التي يواجهها العالم، وأهمها إنتشار أسلحة الدمار الشامل والأسلحة غير التقليدية التي تستأثر بها الدول الصناعية المتقدمة، وإنتشار الجريمة والعنف، وتلوث البيئة، وتفكك الأسرة، وإنفلات التقنيات الجديدة من التوجيه الأخلاقي والتسديد الروحي.
стр. 1060
حوار الإسلام والغرب
فكرة الحوار بين الإسلام والغرب، أو "حوار الحضارات" تناولها كثيرون من قبل، ومازالت الدعوة اليها تتجدد واللقاءات تعقد بين الحين والآخر لكن ذلك لم يقلل من اهمية الموضوع اذ ان احداث السنة الأولى من الالفية الثالثة، وما تلا تلك الاحداث، بينت للكثيرين ان نمط العلاقات بين عالم الإسلام وعالم الغرب اخذ منحنى جديداً، فالموقف بين الجانبين تجاوز حالة التوثر ودخل مرحلة الحرب الفعلية الشاملة، وهى حرب اعلامية ونفسية وسياسية وقتالية، قام ويقوم بها جانب واحد، بينما غرق الطرف الآخر في ردود الافعال الناتجة عنها. ومع تطور المعركة واختلاط دخانها بدخان الاعلام صار التحرك كله يجرى في ساحة معتمة تسللت وتتسلل اليها قوى جديدة متغايرة الاهداف متعارضة، مما يزيد المسرح حلكه وظلاماً. والايام والسنوات القادمة تبدو حبلى بمزيد من الاخطار التى لا يعلم مداها الا الله. ولذا فإن الحوار صار أكثر ضرورة، ومازال في درجة من الاهمية كبيرة، وان اهميته تستلزم محاولات اخرى جريئة دائبة، لتناوله بأساليب جديدة، ومن خلال رؤى متعددة ومتنوعة (١). فقد بدا واضحا أمام الغالبية العظمى من المهتمين بإنهاء الصراع المحتدم حاليا بين الديانات والحضارات المختلفة، والذي تعددت صوره، ودرجات حدته من التراشق بالاتهامات إلى التراشق بالأسلحة المدمرة دون تحقيق النصر النهائى لأى طرف، أن الطريق الوحيد المتبقى هو التحاور بهدف إيجاد حد أدنى من الأسس المشتركة للتعايش السلمى ونبذ العنف (٢).
في اطار هذا الفهم ينطلق د. دكتور عبد الله أبو عزة في كتابه "حوار الإسلام والغرب" من خلال رؤية محورية فحواها ان بين الإسلام والغرب كثيراً من المبادئ والعناصر الثقافية المتماثلة المشتركة، وهى عناصر رئيسية عند الجانبين، مع اقدار من الاختلاف حول بعض الامور المهمة وامور اخرى اقل اهمية. فإذا انضافت إلى ذلك المصالح المشتركة التى يفرضها الوجود المشترك - وهو وجود لا خيار فيه حيث يعيش الجميع فيما سمى "القرية العالمية"، أو في: بيت زجاجى"لا يحتمل العبث-
стр. 1061
يغذو مشروع الحوار، أو مشاريع الحوار، قمينه بالاهتمام الجدى من جانب كل الاطراف التى تعيش في هذا البيت الزجاجى- افرادا وجماعات - لمصلحة جميع سكان القرية ولضمان الحد الادنى من امنهم وسلامتهم. ومنهجية المؤلف في هذا المشروع البحثي ترمى إلى رصد هذه العناصر الثقافية المشتركة، ثم تجليتها وابرازها وتأكيد اصالتها عند الجانبين على اساس ان ذلك سيكون قاعدة يمكن الانطلاق منها لتحديد اسباب العداوات، توطئة لازالة الجفاء تدريجياً، ولاغراء مجتمع القرية الصغيرة بالاعتراف بوحدته الانسانية ولتحفيزه لتأكيد هذه الوحدة، والدفاع عنها في واقع الحياة العملية على الصعيدين الدولى والثنائي، وبالحوار الايجابي المثمر البناء (١).
يقول الدكتور كمال أبو المجد: بعيدا عن التعصب والتخويف المتبادل هناك عناصر مشتركة بين الحضارتين الغربية والإسلامية ترشحانهما للتواصل والحوار والتفاهم والتعاون وتبادل الخبرات وتحولان دون الصدام والمواجهة، فلا ننسى ان الحضارة الغربية قامت تاريخيا على ساقين، ساق هيلينية يونانية غير مؤمنة، وساق مسيحية روحية مؤمنة، وبسبب هذه الساق الروحية المؤمنة نبتت في نسق القيم المغذي للحضارة الغربية اوضاع ومقولات وقيم ومبادئ كثيرة الشبه بما يحمله الإسلام للانسانية من قيم في العلاقات، هذا العصر المغذي للحضارة الأوروبية بزاده الروحي والاخلاقي يفتح بابا هائلا للتواصل والحوار والتكامل بين الحضارتين الغربية والإسلامية (٢).
من هنا ينطلق د. دكتور عبد الله أبو عزة في كتابه "الحوار بين الإسلام والغرب" مركزاً على محور رئيسي واحد فحواه ان بين عالم الإسلام وعالم الغرب كثيراً من عناق الاتفاق والتشابه، ملخصاً ذلك بالقول: المتفق عليه أكبر بكثير من عناصر الفرقة»، ناهيك على أنه أشمل وأعمق أثراً.، حيث يتناول أبو عزة في كتابه عناصر الاتفاق عبر ألفي سنة من التاريخ ليكشفها في المسيحية قبل ظهور الإسلام بست قرون، مستمرة بعد انبثاق عالم الإسلام، إلى جانب ذلك تناول الاحوال والتيارات العقدية والفكرية في الغرب متتبعاً التغيرات المهمة في منظور الحركات
стр. 1062
الكبيرة والصغيرة بدءاً من انقسامات وصراعات القرن الرابع الميلادي، مروراً بحقبة سيطرة روما وبابويتها وعصر الاصلاح الديني البروتستنتي وانبعاث الفكر التوحيدي وتأسيس العلمانية السياسية ثم الاجتماعية وظهور التيارات المناوئة للكنيسة والدين كله وتتبع مسيرة البحث العلمي الذي عاد ينشد الحقيقة الأولى وصولاً إلى البحث العلمي في الالفية الثالثة (١).
وفي نفس الاطار حاول جارودي ان يلخص جذور هذه العلاقة بين الغرب والشرق حتى قبل الإسلام بوقت طويل حيث يقول: ان اتصال الاوربيين بالشرق العربي وارتباطهم به هو موقف ثابت في تاريخ اوروبا (ما عدا الحملات الصليبية وحركة الاستعمار وصنيعته الصهيونية) .. وهذا الموقف لا يعود إلى الموقع الجغرافي للشرق فحسب بل لان الغرب يستمد جذوره الروحية من الشرق. فالفلسفات التي سبقت سقراط قد نمت وتطورت في اسيا الصغرى حيث ولد تاليس وبارمينيد وزينون وهيرقليط وغيرهم. أما الانحسار فكان بسبب الحروب الميدية .. ثم راحت آسيا تمد ثانية العالم الهلنستي ليعطي ما اعطى من ديانات خلاصية بينما كانت افريقية ومصر على وجه الخصوص توحيان إلى فيثاغورس وافلاطون ما توحيان، اما الاسكندر في عبوره إلى الهند فقد تابع حلمه بأن يربط الهلنستية بحضارة آسيا. وحينما كان العالم الهلنستي يحتضر في قوقعة (المدنية) الآيله إلى الانهيار حاول الاسكندر ان يبدع عالماً جديداً .. وهكذا تلاقت - في اثناء عبوره الهند - فلسفة اليونان بحكمة الهند بينما راحت الاسكندرية في افريقية تتحول إلى اكبر مركز للاشعاع الروحي في كل منطقة البحر المتوسط على مفترق الطرق فيما بين آسيا وافريقية واوروبا المتوسطية.
وانطلاقاً من القدس في فلسطين وانطاكية في سورية والاسكندرية في مصر راحت تنتشر صوب الغرب الموجات المسيحية الأولى محملة برسالة عالمية شاملة. وفي الشرق الادنى انطلق (آباء الكنيسة) من كابادوقية (في تركيا اليوم) ومن انطاكية يبشرون بالعقيدة الجديدة كما بشر آباء الكنيسة من الاسكندرية (في مصر
стр. 1063
اليوم) ومن قرطاجه (في تونس اليوم) حيث عاش القديس أوغسطين. وبعد ذلك قام شارلمان عام ٧٩٧ وقبل ان يصبح امبراطور الغرب بالتحالف مع خليفة المسلمين هارون الرشيد، كما عقد فرانسوا الأول عام ١٥٥٣ حلفه مع سليمان القانوني سلطان الامبراطورية العثمانية. ثم جاءت الفصول المرة التي مثلها الصليبيون والاستعماريون والصهاينة بمزاعمهم في التفوق وممارساتهم الدموية ... لتكون نقيضاً لتلك التقاليد العريقة التي عملت على التبادل المثمر فيما بين الشرق والغرب ... كان ذلك كله نقيضاً للمصالح الاقتصادية والسياسية والروحية لاوروبا (١).
تشابك المصالح
ان تشابك المصالح المشتركة التى يفرضها الوجود المشترك بين الغرب والعالم الإسلامي في عصرنا الحاضر ادى إلى فتح آفاق جديدة للحوار بين الغرب والعالم الإسلامي، فعلى الصعيد الاقتصادي تعتمد اوروبا اليوم في نصف ما تحتاجه من النفط على الشرق الاوسط وتستورد ٧٠% مما تحتاجه من العالم العرب .. وكذلك تحتاج فرنسا إلى النسبة نفسها من غاز الجزائر. ان حجم علاقة فرنسا التجارية بالجزائر وحدها يفوق اربعة اضعاف حجم علاقتها التجارية باسرائيل. وقل الشئ نفسه عن اوروبا كلها، فنصف صادرات الدول العربية تتجه صوب اوروبا التي تصدر إلى العالم العربي ١٢% من صادراتها اى ما يعادل صادراتها إلى الولايات المتحدة. ان الدول العربية سواء كانت مصدرة أو مستوردة هي افضل شريك تجاري لاوروبا. نعم يمكن لهذه العلاقات الاقتصادية القائمة اليوم ان تتسع وتزدهر وتصبح اشد التحاماً بين اوروبا والعالم العربي وبلدان العالم الثالث غير المنحازة (٢). ولكن لابد من ضبط هذه العلاقة على اسس سليمة قائمة على العدل والاحترام المتبادل.
فنحن لا ننكر أن للغرب مصالح في بلاد المسلمين، كما أن للمسلمين كذلك مصالح في بلاد الغرب، تماماً كما أن لكل شعب مصالح لدى الشعوب الأخرى، فالناس في النهاية جنس بشري واحد، يعيشون على أرض واحدة، هم جميعاً عباد الله،
стр. 1064
والأرض كلها أرض الله. لكن أن تكون هذه المصالح وحيدة الجانب، أي مجرد مطامع للغرب في بلاد المسلمين، لا يهمه سوى كيف يستخلصها منهم فهذا هو ما يرفضه الإسلام ويرفضه المسلمون، بل ويرفضه كل إنسان سوي. المسلمون ليسوا مجرد أرض تنهب، ثم ترش بالماء لتخصب، فتنهب من جديد، وليسوا بقرة تعلف لتحلب. المسلمون بشر كما الغربيون بشر! لهم مثلهم حق الحياة، وحق الكرامة، وحق السيادة على أنفسهم وأرضهم. المسلمون قوم ككل الأقوام، لهم شخصيتهم المتميزة، وحقوقهم المستقرة، وهويتهم الواضحة، وحضارتهم المتفردة، ولهم في بلاد الغرب مصالح، كما للغربيين في بلادهم مصالح، ولهم في بلاد الشرق مصالح، كما للشرقيين في بلادهم مصالح، تستخرج ويتم تبادلها بالتعاون والوفاق، لا بالقهر والإلزام.
فإذا أقر الغرب بتبادل المنافع والمصالح، وتلاقح الأفكار والرؤى، وتمازج الثقافات وتعاون الحضارات، فلا يبقى ثمة للغرب أي مبرر للخوف على مصالحه. والقلق على مستقبل علاقاته مع المسلمين، في ظل حكم الإسلام، لأن الإسلام يقوم على السلام والتعاون، والعلاقات الدولية السليمة، ويؤكد على الالتزام بالعقود والوفاء بالعهود، واحترام المواثيق والمعاهدات، وان رجال الإسلام، هم في الحقيقة والواقع خير من يمثل هذه المبادئ والقيم الإسلامية، ويفي بالعهود والمواثيق، وهم بريئون كل البرائة من تهم الجمود والتحجر والعنف والإرهاب والتطرف وما إلى ذلك من هذه النعوت الظالمة، التي لا تمت إلى الواقع بصلة.
أما إذا أنكر الغرب هذا المبدأ، كما يفعل اليوم، ولم يهتم الا بمصالحه فقط، وراح يغلفها بالديمقراطية والحرية والنظام الدولي الجديد، والعولمة وسوى ذلك مما يتوسل به الغرب لتحقيق مطامحه ومطامعه الخاصة، والوصول إلى التسلط على المسلمين والسيطرة على بلادهم ومقدراتهم، ونهب ثرواتهم، وشل أراداتهم، - كما هو حاله اليوم - وجرّد إعلامه، وسلاحه الثقافي والتقني، وجرّ أساطيله الاقتصادية والسياسية والعسكرية لحرب المسلمين، ومسخ هويتهم ومحق شخصيتهم - كما فعل دائماً ولا يزال يفعل اليوم - فان تخوفه حينئذ سيكون مبرراً، وإن قلقه سيكون في محله لأنه لن يجد المسلمين مطواعين لرغباته وممارساته تلك، ولن يكون الغرب الا خاسراً في معركته تلك، إن آجلاً أو عاجلاً، وحينئذ لن تكون نتيجة العدوان
стр. 1065
الغربي أن يخسر الغرب مصالحه في بلاد المسلمين فقط، بل ربما اكثر من ذلك بكثير (١).
لقد شهد المسلون كيف أن الغرب يمارس نفاقه عن طريق دعوته للديمقراطية بينما هو يقوم بخلق ومساندة أقسي وأعنف الأنظمة الديكتاتورية في العالم في بلدانهم! وشهدوا أيضاً لهاث أوروبا وراء سوق مشتركة أدت إلي وحدة باسم الاتحاد الأوروبي بين دول تتكلم بلغات مختلفة وتعتنق معتقدات مختلفة وتتفاوت في تاريخها وثقافاتها. وفي حين خاضت معظم تلك الدول الأوروبية أسوأ الحروب العالمية فإن وحدتها من جديد كانت أمراً رغب به الغرب فتم ذلك. لكن الغرب لا يسمح باتحاد أو توحد العالم العربي أو المسلمين، ولا حتي بالقيام بأبسط التسويات أو التعديلات بين حدود دول العالم العربي الصغيرة ودويلاته التي رسم الغرب خارطتها بعد الحرب العالمية الأولي. لقد شاهد المسلمون بأم أعينهم كيف تتفاوت الثروة في مجتمعاتهم أكثر فأكثر، وأن مصادرهم الطبيعية وعائداتها تنتقل إلي أيدي القلة المتنفذة من أبناء جلدتهم والتي تسلمها بدورها إلي القلة الغربية علي هيئة ودائع يمكن أن تتعرض إلي التآكل أو التجميد أو، في أفضل الأحوال، إلي استثمارات تفضي إلي ثراء الآخرين بينما دولهم تصرخ بأعلي صوتها طلبا للاستثمارات والمشاريع (٢).
وفي ختام كتابه "الإسلام والغرب" يقول د. عبد الله ابو عزه: وما اود ان اقوله عن غذنا المشترك، فهو التذكير بأننا - عالم الإسلام وعالم الغرب- نعيش في بيت زجاجي، هذا الكوكب الصغير الذي يسمى بـ كرة الارض، والذي لم يعد يتحمل اى عبث. ان الاستناد إلى القوة والقهر في التعامل بين الشعوب لن يؤدى الا إلى خراب ودمار يصيب جميع السكان (٣). ومن هنا فإن الحاجة تتصاعد إلى طرح نموذج اسلام اوربي ليس لقدم المسلمين وتزايدهم المطرد في هذه القارة وحسب، بل لضرورات تتصل بالقضايا الكبرى التي تهم البقاء الانساني في هذه الأيام، فهناك دعوة جادة لتعميق الحوار بين الأديان، فعلى حد تعبير العلامة هانس كنغ في كتابه القيم
стр. 1066
"مشروع لأخلاق عالمية: "لا سلام عالمياً بل سلام بين الأديان، ولا سلام بين الأديان بلا حوار بين الأديان، ولا حوار بين الأديان بلا دراسات جادة وأبحاث موضوعية. فهناك رغبة عالمية صادقة وملحة لصياغة انسان جديد يؤمن بالتنوع الثقافي ويدعو إلى الموازنة بين الروح والمادة، لمواجهة أمراض التكنولوجيا، وفي مقدمتها الغاء الهوية، وتفتيت وحدة الكيان الانساني، وتمزيق الطبيعة وتعميق الفروق الطبقية بين الناس والشعوب والأوطان". وتتأكد هذه الحاجة مع تعالي الصيحات التي تدعو إلى توكيد بل إلى تأسيس ثقافة التسامح التي تتوقف بدورها على الاعتراف بثقافة الآخر (١).
الحوار بين الديانات والحضارات لماذا ؟
يشهد العالم الحديث في ظل الموجة الثالثة أو "عهد القطيع والقبيل الإلكتروني" بلغة "فريدمان" تحولات غير مسبوقة تنذر بإحداث تأثير كبير في منظومات القيم والعلاقات والثقافات .. وعلى الرغم من التطور المذهل الذي يشهده قطاع الاتصالات فقد لاحظ الباحثون بمرارة أنه كلما زادت وسائل الاتصالات كلما قل التواصل! وكلما زادت الآليات الكفيلة بتقريب المتباعدين كلما تقوقع أبناء الحضارة على أنفسهم، وباتوا أقل إحساسا لحرارة مشاعر ومشاغل الغير، وأكثر اعتدادا واعتزازا بذواتهم وبشكل دوغمائي. وتبدو الصورة التي يمكن تقديمها لعالم اليوم متنافرة في جزئياتها، بل ومتعارضة في بعض منها! ففي الوجه الأول نعيش في عالم متلاحم متشابك المصالح والوسائل والغايات، بشكل جعل الكثيرين ينأون بأنفسهم عن الارتباط بكيانات قطرية ضيقة، وينعون الدولة الوطنية التي باتت في منظور الاجتماعيين كبيرة جدا عند مواجهة المشاكل الصغرى، وصغيرة جدا حين مواجهة المشاكل الكبرى! وفي الجانب الآخر من الصورة شهد تزايدا مقرفا لتيارات العنف والكراهية وتناميا متسارعا للأقليات الفكرية والطائفية وتفتيتا للأغلبية إلى
стр. 1067
مجموعات فسيفسائية ولوبيات متناحرة، فضلا عن تسارع وتيرة نمو قوى العنف والتدمير التي تهدد مصير البشرية (١).
فها نحن نرى كيف ان العولمة الأميركية تأخذ أشكالاً متقدمة ولاسيما على الصعيدين السياسي والعسكري, إذ أصبح من الواضح أن أميركا تريد فرض عولمتها على العالم ولو بقوة السلاح, مما جعل الجميع يشعر بأن الهيمنة والظلم والاجرام والوحشية الأمريكية هى كابوس نتطلع إلى يوم الخلاص من وطأته والانعتاق من أسره في يوم من الايام ومن هنا يبدو حوار الحضارات بديلاً مهماً لهذه العولمة البشعة التي تريد أن تصبغ العالم بلون واحد، وهذا ما دعا كثير من المفكرين، إلى الدعوة إلى وجوب ترسيخ مبدأ حوار الحضارات والأديان، على اسس الايمان بوحدة النسيج الانساني، وتكامله في مواجهة من يعتقد بمبدأ التسلط الثقافي والفكري لدرجة نفي الاخرين وتهميش وجودهم.
لقد حان الوقت للحوار بين الثقافات، لو أراد الإنسان أن يعبر دون أن يموت، العتبة الثالثة من تاريخه ... العتبة الأولى كانت ولادة الإنسان وإرادته الأوليه التي ساعدته على مواجهة الحياة ... الثانية كانت ولادة الحضارة مع الزراعه ... الثالثة تتلاعب بالنواة والذره وقلب المادة ومن سماتها هذا التلاعب في الجينات الذي هو قلب الحياة. فقد اصبح الآن للانسان القدرة على إلغاء كل إنجازاته ومكاسبه السابقه، وله أيضا القدرة التكنيكية عبر سيطرته على الذرة أن ينهي أي اثر للحياة على الارض. لقد قادت أحلام احتواء الطبيعة لديكارت وفاوست إلى انهيار العالم وإهدار غالبية الطاقات الطبيعية، وقادت نظريات وعقائد آدم سميث إلى تحويل الإنسان إلى رجل آلى خاو يتلاعب بالعقول والقلوب، هذا بالرغم من ان هناك حضارات أخرى تلك التي في آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا والإسلام، عاشت على أسس علاقات أخرى مع الطبيعة والإنسان والله - (الإلهي) فالمشكلات المطروحة في إطار كوكبي تتطلب إجابة في إطار كوكبي (٢).
стр. 1068
وفي اعتقادنا وتقديرنا ان الحوار والالتقاء بين كل من آمن بالله واليوم الآخر سوف يؤدي- بكل تأكيد- إلى ان يصبح الايمان اكثر عمقاً واقوى ازدهاراً واكثر كثافة وضياء، سواء بين الناس والشعوب والامم من جهة، أو بين الدول والمؤسسات العامة والخاصة، الحكومية وغير الحكومية من جهة اخرى. وغني عن القول - وكلنا يعرف تماماً تلك الحقيقة المرة- انه، وحتى يومنا هذا، لا يزال اكثر من نصف سكان الارض، لا يعرفون من هو اله ابراهيم ولا يؤمنون بالاله الكائن الاعلى، الخالق، الديان. ومن ما لا شك فيه ان اي اسهام في عملية التغذية وحركة الدعم لتيار الفهم والتفهم بين سائر المؤمنين بالله الكائن الخالق، الديان، يعتبر عملاً ايجابياً خيراً، وجهداً بناءً مباركاً. فالمؤمنين، كل المؤمنين، اكانوا يهوداً ام مسيحيين أو مسلمين، عليهم ان يبذلوا جملة من المساعي والاهتمامات في سبيل الوصول إلى احياء تلك "الورشة القديمة- الحديثة" وتنشيطها. ورشة المشاركة والحوار بين كل مؤمن ومؤمن آخر من هؤلاء الذين اهتدوا إلى وجود الصانع الازلي. وهذا الاسهام المطلوب والمسعى المرجو اللذين نتحدث عنهما، لا بد لهما، مهما كان حجمها محدوداً، ورقعة اتساعها ضيقة، من ان يأتيا- إذا ما قاما على المثابرة وطول الاناة- بثمار يانعة ناضجة خيرة (١).
ان حقيقة ما نواجهه ليس صراع حضارات، بل هو صراع بين الحضارة الانسانية، والهجمة الدونية التى اختارت المال والذهب كرب خاص لها، وجعلت منه عصب الحياه في هذا الزمان اللانسانى (٢). ولهذا لن تحل المشكلات التي تواجه البشرية الآن إلا إذا توجهنا وتوصلنا إلى إعادة تكوين النسيج الإنساني المخرب والمدمر بأربعة قرون من الاستعمار والهيمنة الغربية ولن نحلها إلا إذا توجهنا لتطوير حوار حقيقي للحضارات بين كل ثقافات العالم. ان النقطة الرئيسيه في الحضارة الغربية وعلى رأسها الأمريكية هي افتقادها لاي روح، فليس لديها أي مشروع جماعي من اجل مستقبل الانسان، اللهم الا تطوير انتاجها واستهلاكها اعتمادا على
стр. 1069
التفوق في السلاح وهذا ما جاهد هنتنجتون في اخفائه، بزغم المواجهة بين الحضارة اليهوديه المسيحيه والحلف الإسلامي الكونفوشيوسي (١).
إن الحوار الذي نريده بين الحضارات، حوار يحول دون استمرار الحضارات في النظر إلى بعضها البعض من خلال مرآة مكسورة ... حوار يقوم على الإيمان بوحدة الأصل البشري وعلى مبدأ التعارف والتسامح الثقافي في مواجهة العنصرية ونفي الآخرين ... حوار يؤكد المشترك الإيجابي بين الحضارات، ويقر بأنه لا وجود "لحضارات زائفة" ويزيل ويمحو ذهنية المحاصر في عقل بعض الحضارات. والحوار لا بد أن ينطلق من استعداد كل حضارة لفهم الأخرى، وتجنب إصدار أحكام مسبقة عليها، والاتفاق على إعادة صياغة صورة الآخر في إطار من التسامح، والرغبة المشتركة في بلورة قيم إنسانية، لإحداث التفاعل الحضاري، وقد تساعد في ذلك معطيات المجتمع العالمي الجديد القائم على إنتاج المعلومات وتداولها بشكل سريع وميسور وواسع يتجاوز الحدود الجغرافية للحضارات وللثقافات (٢).
ففي غياب الحوار المطلوب بين مكونات المجتمع الدولي الواحد يخشى أن تتوزع شعوب المعمورة إلى فئتين: فئة تمارس عبادة الذات، وأخرى تمتهن حرفة (نفي الآخر) ... والمفارق أن هذه القطيعة المترتبة على غياب الحوار تأتي في وقت تتناسل فيه التشريعات النبيلة الداعية إلى مزيد من الإنصاف والعدل والتسامح، وفي وقت تتزايد فيه أعداد دعاة الرفق بالإنسان والحيوان، وتتأكد الحاجة إلى الحوار في عالم يدفع خمسة ملايين من أبنائه قربانا لآلهة الحرب كل عقد من الزمن ويعيش أكثر من خمسه الفقر والمعاناة، ويعاني في مجموعه من (شيء من الخوف والجوع ونقص في الأموال والأنفس والثمرات)، عالم سكانه مهووسون بصناعة الأنماط المقولبة في حق الغير، ومسكونون بالتنابز بالألقاب، تسوده الديمقراطية وتتأصل منه الدكتاتورية، يمجد التعددية على المستوى القطري ويكفر بها على المستوى العالمي ... تدعو تعاليمه ومواثيقه إلى المساواة والعدل والإنصاف والتسامح، بينما
стр. 1070
يشكو سكانه الغبن والقهر والاغتراب والاستلاب والقلق والغثيان وكل مفردات الفلسفة الوجودية (١).
فالهدف الرئيسي من حوار الحضارات هو مساعدة الاخرين ليس فقط عبر متخصصين أو بعض الفلاسفة ولكن بالجموع الشعبية العريضة- من هنا فان المشكلات العالمية المطروحة اليوم وان كان أهمها قد ولد بسبب هيمنة خاصه وطويلة للغرب لا يمكن حلها إلا عن طريق حوار مع الحضارات غير الغربية، من اجل تخيل وتصور وتعايش علاقات جديده بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان والإنسان، وبين الانسان والمقدس. هكذا فقط يمكن أن نفتح أفق ثقافه كوكبيه مرسخه عبر اتحاد حقيقي للانسانيه لا عن طريق تركيبة تلفيقية ولكن مبنية على مفهوم مغاير لفكر الهيمنة بحيث تكون تركيبة سيمفونيه تعزفها الثقافات المختلفة. والطريق مفتوح أمام الشعوب التي خضعت كليا للغرب لكي تنجو من تنميه فرضها الاستعمار وكانت تنميه اجنبيه غريبة عن الثقافة الاصليه لتلك الشعوب. ولا يعني ذلك أبدا أن ننكر مساهمة الغرب بل يعني أن نعطي الغرب مكانة كاملة وليس اكثر من مكانه وخاصة في تنسيق قوى العلم والتكنولوجيا مع اهداف انسانيه حقيقيه. وبهذه الطريقة وحدها يمكن استكمال الملحمة الانسانيه على ظهر هذا الكوكب. ولقد كتب رائد فضاء حط قدميه على سطح القمر، عند عودته. "بدت الأرض من هنا رائعة الجمال مضيئة وبدت موحدة يسودها السلام وكانت هذه أول مرة ترمق فيها عين بشريه الأرض بنظرة شاملة وفي فضاء لا يحده الأفق. فهل سنصل إلى إدراك هذه الصورة ونتمسك بها في المستقبل؟ " (٢).
بالطبع يمكن تحقيق هذه الصوره من خلال حوار جاد بين الحضارات والثقافات يقوده مثقفين منفتحيين يؤمنون بذلك الحوار، حيث ستكون المهمة الأولى للمثقفين هي كشف الاكاذيب التي تسود المراجع المدرسية ووسائل الإعلام وهما اللذان يخدمان الغرب للإبقاء على هيمنته بأيديولوجيات مغالطة عن حداثته، وليس ثمة افتراض واحد عن تلك الحداثة المزعومة لا يعد افتراء وكذبا (٣). فبنسيانهم لما
стр. 1071
استعاروه من آسيا (ومن إفريقيا فيما بعد ومن باقي العالم عبر الاسكندريه) كانوا يعدون كل ما لا ينتمي للعالم الإغريقي وكل من لا يتكلم لغتهم برابرة، خالقين بذلك من هذه العزلة الاصطناعية الهائلة أسطورة المعجزة اليونانية (١).
ولكن الاتجاه إلى الاعتقاد بأن التاريخ يبدأ (بنا)، وبان الماضي لا يمكن ادراكه الا على أنه تحضير وانتظار لما سيحدث (لنا) ... لم يكن وفقاً على المسيحية وحدها، وذلك من سوء الطالع. نعم إن مثل هذا المفهوم للتاريخ المكتوب على انه تبشير بمستقبل جاهز منجز، يتيح لكل طرف أن يعد نفسه خاتمه للملحمة الإنسانية وغاية التاريخ وحدثاً فريداً ووحياً لا يأتيه الباطل. وبهذا المنظور يصبح كل (ماض) حدثاً عفى عليه الزمن ويكون كل ابداع جديد انحطاطاً ومروقاً!
ان العبريين وقد ادعوا لانفسهم الامتياز بالوعد وبانهم شعب الله المختار، واليونان باحتقارهم المتعالي (للبرابره) أى لكل ماليس يونانياً، والرومان بما لديهم من (عقدة) التفوق والامتياز ثم الكنيسة التي خلفتهم مدعية العالمية (الكاثوليكية)، وأولئك المسلمين الذين انغلقوا على خصوصيتهم ففسروا الآيه القرآنية ( .. خير أمة أخرجت للناس) لا على أنها دعوة والتزام بل على أنها امتياز مكتسب، وذلك بروح من الاكتفاء المتعجرف ... إن هؤلاء وأولئك كانوا يعدون أنفسهم محور العالم شأنهم شأن أباطرة الصين القديمة (٢).
ان الحوار الجاد بين الحضارات يعني أيضا وقف عمليات الاستيعاب والاستلحاق بين الحضارات، ويهدف إلى "عقلنة" سلوك الدول داخل هذه الحضارات، ومنع أو عرقلة استخدام الدول "القوة" لأغراض الهيمنة. وفي الوقت نفسه فإن الحوار بين الحضارات يسهم في تثبيت السمة الرئيسية للثقافات الإنسانية وهي استجابتها للتطور والاغتناء بالتفاعل فيما بينها، كما يسهم الحوار في "عقلنة" النزاعات التي قد تنشأ أثناء تثبيت الهويات الثقافية لهذه الحضارات، أو التي تتوالد في ظروف الأزمات الاقتصادية، نتيجة حدوث احتكاكات بين أبناء الحضارات المختلفة خلال موجات
стр. 1072
الهجرات السكانية عبر حدود دوائر هذه الحضارات أو تلك النزاعات التي قد تسببها هجرات غير شرعية، وتغذيها فروق ومشكلات سياسية وعقيدية وتاريخية.
إن من فوائد الحوار وغاياته أبطال المناخات المفعمة بالمخاوف ومشاعر العنصرية والكراهية، وتوفير المناخ الملائم لتبادل الوافد النافع من الثقافة والعلم والخبرة. إن الحوار بين الحضارة يعني أن تتبادل العلوم والمخترعات، وليس مجرد الثقافة والإعلام والآداب والفنون، وإلا كان التبادل تبادلا محدودا، ويفتح المجال للهيمنة الثقافية واحتلال العقل ومسخ الثقافات الأخرى. إن الحوار لا يعني نسيان أو تجاهل التميز بين الحضارات، لكن العزلة عن التأثيرات الحضارية الأخرى أمر صعب مثله مثل التبعية أو الذوبان. وهكذا فإن الدعوة للحوار، هي دعوة للتسامح والتعايش مع الآخرين، وإنكار لنزعات التفوق والسيطرة، وهي نظرة لقضايا المستقبل، وتعبير عن إرادة الحضارات المعاصرة لمعالجة هذه القضايا، وعن قناعتها بضرورة التعاون للنجاح في ذلك (١). فالحوار يقتضي سلفا تعددية الفاعل وخلافية القضية، والتساوي بين المباشرين لهذا الفعل النبيل، وهو عملية تتيح للمشارك فيها التحول إلى فاعل ومفعول معه بدل مفعول فيه بلغة النحاة. فالحوار على حد تعبير أدغارموران يقتضي المساواة، فلا حوار بين العبد والسيد، ويمكن كل فرد من عرض وجهة نظره وبراهينه، إنه استعداد للاستماع للآخر وإقرار بكونه يستحق أن ينصت إليه إذا تحدث، وأن يتحدث إذا أراد .. وبديهي كذلك أن لا حوار إلا في القضايا المعلقة التي لا تحظى بدرجة الإجماع، كما أن التعددية في الحوار شرط لقيامه وإلا لتحول من Dialogue إلى مونولوج Monologue حديث المرء إلى نفسه!
يقول المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد في مقدمة الترجمة العربية لكتابه الشهير (الثقافة والإمبريالية): إن فكرة التعددية الثقافية لا تؤدي بالضرورة إلى الهيمنة والعداوة, بل تؤدي إلى المشاركة, وتجاوز الحدود, وإلى التواريخ المشتركة والمتقاطعة، وهذا يعني إن حوار الحضارات والثقافات ينبغى أن يعزز التسامح والتفاهم ويعمل على إشراك الآخر، واستكشاف القيم المتبادلة عن الثقافة الأخرى للمساهمة في إزالة الكليشيهات والصور النمطية .. هذا مع ضرورة طرح
стр. 1073
القضايا الجدية للنقاش والابتعاد عن الوعظ والتصريحات المغلفة بالنوايا الحسنة (١). وفي اعتقادنا أن بإمكان المفكر المسلم المساهمة الإيجابية في مد جسور من ذلك "التعارف" الإنساني انطلاقا من قيمه الاجتماعية والدينية التي تناديه دوما أنه "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين" (٢).
وبموجب هذه الآية فإن الكف عن العدوان العقدي وعن العدوان السياسي، خاصة في أجلى مظاهره وهو الاستعمار والطرد من الأرض، إن الكف عن ذلك كفيل بإقامة جسور من الحوار المتكافئ بقصد التفاهم، وجسور من التسامح والتعايش بقصد التساكن "والتبشير" بغد أفضل وبتاريخ مفتوح، لا بحرب آخر الزمان! ولا ريب أن المفكر المسلم المعاصر يتحمل مسؤولية إعادة بناء هذه المفاهيم والقيم الإيجابية في ثقافته الإسلامية خدمة للحضارة الإنسانية جمعاء، بعيدا عن الأهداف الإيديولوجية والتوظيفات السياسوية والتسيب الفكري الذي قد يطال تلك المفاهيم (٣). ولهذا يتوجب على علماء الدين المسلمون بذل ما هو أكثر من المجهودات الشفهية في سبيل خدمة حوار الأديان والحضارات .. ويكمن عملهم الفعلي في تأسيس نظام قيمي جديد لدى مريديهم، ينظر لاختلاف الأديان على أنه حق شخصي ومنبع للغنى الثقافي، وليس موضوع نزاع أو عداء. عليهم أن يقبلوا ويعلموا أتباعهم قبول أن للحقيقة الإلهية تأويلات مختلفة وأن ينظروا لهذه التأويلات من حيث تكاملها بدلا من النظر إليها على أنها تلغي بعضها بعضاً. إن من الضرورات اليوم أن يبذل الجهد لتحقيق مبدأ الحوار مع الآخر وفق عقد اجتماعي يحترم الحريات ويصون الحقوق ويؤمن الإنسان من الخوف (٤).
لقد آن الأوان لاعادة النظر في العديد من المسلمات الراسخة في اذهاننا عن صورة الآخر، كما أن على الغرب بخاصة ان يقدم صورة موضوعية ونزيهه عن العرب
стр. 1074
والمسلمين. ان الغرب ليس كيانا واحداً بل يمتاز بالتنوع والاختلاف، كما أن المجتمعات العربية والإسلامية تعيش في ظل التنوع الثقافي والديني والاجتماعي. واذا كان صحيحا ان الغرب اخترع وصنع الصورة التى يريدها عن المسلمين والعرب، فإن المسلمين ايضا صنعوا صورتهم عن الغرب، فلا العالم الإسلامي يظهر على حقيقته ولا الغرب يظهر على حقيقته. واذا كنا ننتقد تشويه الغرب صورة المسلمين والعرب، الا اننا لا ننتبه إلى ان صورة الغرب ليست أقل تشويها (١) ..
ان الحل الوحيد الممكن لجوع البعض وبطالة البعض الآخر وهجرة الجياع في بحثهم الوهمي عن العمل، هو تغيير جذري لعلاقة الغرب مع العالم الثالث، مع وضع نهاية لسيادة الغرب ولتبعية الجنوب لان التبعية هي التي تنتج التخلف، نحن نعيش عالما مشطورا بين الشمال والجنوب، وفي الشمال كما في الجنوب، بين من يملكون ومن لا يملكون شيئا: ال ٢٠% الأكثر ثراء على الكوكب يحوزون ٨٣% من الداخل العالمي، وال ٢٠ % الأكثر فقرا يحوزون ١.٤ %. وحيث إن الاستعمار خلال خمسة قرون ونظام بريتون وودز خلال نصف قرن قد خلقا عدم المساواة هذا بين الشعوب، فان التبادل الحر يعمل على تفاقم السيطرة والتبعيه. ويرى جارودي في كتابه "كيف نصنع المستقبل" ان تغيير الانحرافات الراهنه يمكن ان يتم من خلال:
اولا: تدمير الاسطوره التي تضفي كلمة ديمقراطية على حرية السوق ... فالسوق الحر قاتل للديمقراطية ... (بواسطة تراكم الثروة في قطب والبؤس والفقر في القطب الآخر). وهذا يتضمن بعض القرارات السياسية التي تعمل على التحرر من العولمة المزعومة للاقتصاد، أي من الإرادة الأمريكيه التي تريد إن تجعل من أوروبا ومن باقي العالم مستعمرة تفتح منافذ أمام اقتصادها الخاص في جميع المجالات: من المنتجات الزراعية إلى الصناعات الفضائية ومن المعلومات إلى السينما.
ثانياً: ضرورة اعادة حرية تأسيس علاقات جديدة جذرياً مع العالم الثالث، وهذا يعني:
стр. 1075
١ - ان "باندونج" (١) جديده ضرورية من اجل إن يكون القرن الحادي والعشرون علامة على نهاية عصر ما قبل التاريخ الحيواني للإنسان حيث كانت الثروة في عالم مشطور، حكرا على أقلية ضئيلة وتقتضي التبعية والاستغلال، بل وموت الجزء الأكبر من البشريه.
٢ - إن بعث الوحدة الإنسانية لا يمكن إن يتم بواسطة العنف والسلاح اللذين كانا يفصمان عراها، ولكنه يتم بواسطة تحالف كل القوى الإنسانية حقا: من الاقتصاد إلى الثقافة إلى الايمان.
٣ - ان ضعف الشعوب المضطهدة الحالية راجع في جزء كبير منه إلى انقسامها نتيجة خلافات وحروب استشارها ودعمها سادة العالم الحاليون. فالمهمة الأولى هى وضع نهاية لهذا التمزق عن طريق التفاوض السلمي بشأن كل هذه الصراعات التي تخدم القاهرين.
٤ - إن يرفضوا بشكل جماعي دفع الديون المزعومة لصندوق النقد الدولي، وذلك لإن على الغرب دينا ثقيلا تجاه العالم الثالث. ... فمن يسدد لهنود أمريكا استنزاف كل قارتهم ... ومن يعيد إلى الهند القديمة مصدرة النسيج، ملايين الأطنان من القطن التي أخذت من المزارعين بثمن بخس، وأدت لتحطم الصناعة الحرفية للنساجين الهنود لصالح الشركات الكبرى في لانكشاير؟ ... من يعيد لإفريقيا حياة ملايين من أبنائها الأقوياء الذين حملوا كعبيد لأمريكا بواسطة جلابي العبيد الغربيين طوال ثلاثة قرون؟ (٢).
تأسيس نظام قيمي جديد
الهدف من هذه الأفكار المتنوعة هو الإعداد للقرن الحادي والعشرين لنحياه كاملا. ذلك لأننا إذا واصلنا هذه الإنحرافات القائمة، فإننا نوشك على تدمير الإنسان، وقتل مليارات من البشر جوعا في الجنوب، وتحميله باتباع نموذج التنمية الغربي ما يوازي ضحايا هيروشيما كل يومين. لتصبح الحياة بلا هدف أو أفق، ما لم نوقف هذا
стр. 1076
الشرخ المتعاظم في العالم، ستتقاقم البطالة والإقصاء والعنف والمخدرات. إن هذا نداء للمقاومة ضد تفريغ العالم من المعنى، ونداء لتشييد عالم موحد وواحد، يتأسس على مبادئ تختلف تماما عن تلك المبادئ التي قادت الغرب بأجمعه إلى الإنحطاط، وقادت العالم إلى الاحتضار. فلقد ماتت الآمال خلال النصف الأخير من القرن، نتيجة حربين مات فيها ٨٠ مليون قتيل (١).
ان ما سمي بالحلم الأمريكي يحاول احكام قبضته على العالم محاولاً تحويل كافة الاحلام الجميلة والقيم النبيلة لمئات المفكرين والمثقفين على مر العصور إلى كوابيس مرعبة تزلزل الكيان الانساني على الارض وتهدد بإفناء الحضارة الانسانية. ولكن لنعلم يقيناً وعلماً قاطعاً بأن طريق الشر بفساده وباطله مسدود، وبأن الديمومة هى للحق والخير والجمال في الوجود ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، أبداً وسرمداً والا لما كان الله وكان الشيطان وحده منذ عهود بعيده (٢). ولهذا فإن روجيه جارودى بعد أن كشف بشاعة النمط الأمريكي، دعا إلى تأسيس نظام قيمي جديد للنهوض وبناء مستقبل الانسانية، حيث يقول: أن النهضة الإنسانية، بل ومجرد بقاء الإنسانية، يستلزم بناء المستقبل على أسس أخرى. إن كشف حساب هذا القرن لا يوضح إفلاس ماركس الذي خانوا اشتراكيته، بل يوضح إفلاس آدم سميث الذي اندفعت ليبراليته إلى نتائجها القصوى، فأصبحنا مهددين بانتحار كوكبي (٣).
واليوم يكون ضروريا محاكمة ثقافة وحضارة الغرب على أساس دورها الهدام للثقافات الاخرى طبقا للفكرة الملعونة (الشعب المختار) (التي تتم عبر رفض الآخر وإنكاره حتى إبادته) (٤). فالغرب يرفض ويدين المختلفين، وهو بهذا الرفض للأشكال الانسانيه الأخرى يحمل أسباب انهياره النهائي، ويضع مستقبل الانسانيه في خطر حقيقي، فقد تخطى الزمن تلك الاحاديه للثقافة الغربية وهيمنتها المهددة بالانشطار. فالقرية العالمية ملك للجميع، ضمن ما تعارف عليه العالم من القوانين
стр. 1077
والمواثيق الدولية العامه. وايه قوة تتجاوز ذلك وتستهين به سوف تكسب عداوة جميع الشعوب، وربما لن تقوى على الصمود لكل هذا العداء عندما يتراكم ويشتد (١).
لقد إستطاعت أمريكا، بالفعل وفي خلال أسابيع، أن تصدِّع جسوراً إنسانية بَنَتْها الشعوب لُبنةً لُبنةً، وأعلَتْها القرون الطويلة مدماكاً مدماكاً. وقد أثبت النظام العالمي الجديد الذي أنشأته أنه لا يتورّع عن تغيير وجه العالم إلى الأسوأ والأقبح، وأن يهدّد مصير الإنسانية كلّها، إذا ما أُصيبت مدينة أميركية أو إسرائيلية بمكروه. ولعلّه، بذلك، يقدِّم برهاناً على عدم أهليته ليحكم العالم وليكون مؤتَمَناُ على المصائر. وهذا الواقع الذي تكشّف يكفي للحكم عليه و يقضي بتغييره. وقد أصبح هذا التغيير واجباً إنسانياً أوّل لحفظ الوجود. فلا أمَلَ بالسلامة، إلاّ إذا أبكر العالم في معرفة هذه الحقائق، وسارع إلى المواجهة، وتمكّن من وضع الظلاميات جميعاً في محجر واحد، حيث تتناهش هي، ولا تنهش لحم الشعوب وقلب الحضارة كما تفعل الآن. المهمّة الأولى، في عملية التغيير ورسالته، هي منع حصول الكارثة، بمنع هذا النظام من التقدّم نحوها والدفع إليها. وهي مهمّة فورية، وعلى دول العالم وشعوبه أن تتجنّد لها. والمهمّة الثانية هي إيجاد ضمانات المستقبل وإنشاؤها. ضمانات القوى العظمى كارثة، والضمانات العسكرية فاسدة وخطرة، والضمانات السياسية التقليدية قاصرة (٢).
فهناك مرحلة تاريخية تحتضر، هي تلك المرحلة التي سادها الغرب (حسب الأصل اللغوي للكلمة: البلاد التي تغرب فيها الشمس) منذ خمسة قرون، وهناك مرحلة أخرى في طريقها للميلاد في البلاد التي تشرق فيها الشمس: الشرق (٣). http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٤/١/١-٢٦-١.htm - TOP#TOP فكيف نفتح آفاقاً جديدة ومستقبلاً يتسم بالإنسانية بعيداً عن حقول الأطلال التي خلفها التاريخ الحيواني للإنسان والذي يكتمل مع القرن العشرين؟ لابد إذن من كشف الأخطاء في بوصلة التاريخ الإنساني. فلقد كان الانفصال الأول للغرب هو ما قام به سقراط (والذي يقول عنه نيتشه إنه كان بداية الإنحطاط)، وتابعاه أفلاطون
стр. 1078
وأرسطو. فلقد أفسدوا التاريخ العقلي للغرب بفلسفة "الوجود" التي كانت أساساً لكل الهيمنة، ولقد حاولنا أن نستعيد "فلسفة العمل" وهي فلسفة بقية الإنسانية منذ ميلاد الأداة الأولى، من المقبرة الأولى ومن الحلم الأول في حياة خالدة إبداعية.
وكان الإنفصال الثاني للغرب هو الحروب الصليبية وحروب الاستيلاء ومحاكم التفتيش ضد حكمة الشرق. وكان الإنفصال الثالث للغرب تلك "النهضة" المزعومة التي استخدمت الاكتشافات العلمية والتكنولوجية في الشرق (مثل البوصلة، والبارود، والمطبعة) لتحويلها إلى أدوات للسيطرة على الشعوب والأرواح. لقد بدأ هذا الانفصال عام ١٤٩٢، مع الإبعاد الأخير للثقافات الشرقية، بالاستيلاء على غرناطة، وغزو وتحطيم ثقافات سكان أمريكا الأصليين، بالجوع إلى الذهب بدءاً بكريستوفر كولومبوس. إنها إذن ٢٥٠٠ سنة من فلسفة السيطرة. ولا بد من تحديها، وفتح آفاق جديدة أمام الإنسان، واقتراح أن تستبدل بوحدة العالم تحت سيطرة الإمبريالية تلك الوحدة السيمفونية، ويستلزم ذلك الاستعانة بحكمة وثقافة العوالم الثلاثة لنضع الإنسانية في الطريق الصحيح للإزدهار المتبادل لكل الثقافات لكي نصد المرامى القاتلة للمركزية العنصرية الغربية، ونوقف الهيمنة.
لقد تسبب الغرب في حربين عالميتين اودت الأولى بحياة ثمانية ملايين من البشر، بينما اودت الثانية بحياة خمسين مليوناً. واذا كان بعض الساسة الغربيين يفتخرون بأن الديمقراطية الغربية جلبت إلى العالم فترة سلام استمرت ستين سنة فان هذا الادعاء يجانب الصواب، وينسب إلى ديمقراطية عالم الغرب انجازاً ليس من انتاجها، اذ السلام الذي ساد منذ عام ١٩٤٥ انما توفر بحماية قوة الردع النووى المتوازنة. والآن زال ذلك التوازن باختلالات بنيويه في كيان احد جانبيه، ومن غير المستبعد ان يستبد الغرور أو العناد ببعض القوى فيتم تدمير البيت الزجاجي، ولا تخلو الاجواء من ارهاصات بذلك. واذا كان الردع النووى قد زال أو ضعف اثره، فلابد ان يحل محله رادع آخر هو الوفاق الانساني المحكوم بالمواثيق والقوانين الدولية، ومبادئ المساواة والديمقراطية الحقيقية- وليس المتأكلة- بين البشر، وبين الدول كما هى بين الجماعات والافراد (١).
стр. 1079
ان منع الكارثة لا يكفي لضمان المستقبل. إنه يمنح الإنسانية فرصةً لإستعادة أنفاسها ولإستيعاب ما يحدث بأبعاده المصيرية، من دون أن تكون المقصلة فوق رأسها، مستقبل الإنسانية، في رأينا، إمّا يكون دورة حضارية جديدة، أو لا يكون. هذا يعني، على وجه التحديد، أنّ ثمة نظرة أُخرى إلى الإنسان والحياة والكون يجب أن تسود بكامل منظومتها المفهومية والقيَمية والخُلُقية، وبكامل عدّتها السياسية. بلوغ هذا الهدف هو أعظم تحدٍّ تواجهه الإنسانية، لا لتجميل حياتها بل لحفظ بقائها. إنه بناء جديد لا تُُمكن إشادته دفعةً واحدة، بل مدماكاً مدماكاً. حسبنا الآن أن نؤسّس له ونتّجه إليه (١).
ولهذا لابد من العثور على معايير اخرى للتقدم، تختلف عن معايير قوة التقنيات والثروة "الناتج القومي"، لنعرف التنمية بازدهار الإنسان وليس بالنمو الاقصادي. ويفترض هذا على المستوى العقائدي أن نعطي الإنسان بعده الأساسي: وهو التسامي، على الا يكون التسامي .. تعبيراً عن الإله الملك، الذي يحكم مصائر البشر والإمبراطوريات من الخارج ومن أعلى، ولكن أن يكون ذلك التسامي منبثقاً من عمل الإنسان الخلاق، مع الوعي بأن الله حين خلق الإنسان فلكي يكدح الإنسان لملاقاة الله متخذاً منه مثلاً أعلى. ولذلك لا بد من التخلي عن الظن الخاطئ بأن "التاريخ المقدس" إنما هو تاريخ قبيلة واحدة، ذلك أن هذا التاريخ ينبع من كل عائلات العالم، ومن كل الثقافات، وكل الحضارات، ومن الهند الأمريكية ومن أفريقيا وآسيا (٢).
لهذا يجب ان نعمل على تأسيس ثقافة جديدة: ثقافة الحياة لا ثقافة الموت / ثقافة الحوار لا ثقافة الامر، ثقافة الشخصانية والجماعية وليست ثقافة الفردية / ثقافة المحبة والحب وليست ثقافة الحقد والكره / ثقافة السماح والتسامح وليس ثقافة الثار / ثقافة الانفتاح وليس ثقافة الانغلاق / ثقافة قبول الاخر وليس ثقافة الغاء الاخرين / ثقافة البناء والاعمار وليس ثقافة الهدم / ثقافة الانا تصبح النحن
стр. 1080
وليس ثقافة الانا والانا فقط / ثقافة العلم والمعرفة وليس ثقافة الجهل والتخلف. هذا هو المناخ الملائم لصنع قيم جديدة ... على اسس الحق والخير والجمال.
ان الازمة التي نعيشها هي أزمة حضارة وصَلتْ إلى الطريق المسدودة، لعلّة في قِيَمها، ومفاهيمها، وعقليتها الخُلُقية، وكامل نظرتها إلى الوجود ومبادىء تعاملها معه. هي عدائية وإعتدائية على الإنسان والطبيعة وأجيال المستقبل. من هنا أنّ ضمانات المستقبل لا تكون إلاّ بثورة في الحضارة تقيم التوازن المفقود مع ثورة الوسائل، وتُنشىء محرِّضات إنسانية جديدة تستنفر خيرَ ما في الإنسان لا شرَّ ما في غرائزه المتوحّشة. المجتمعات هي الطرف الأصيل في هذه الثورة-الضمانة، وهي موضوعها ومسرحها وأداتها والوسيلة (١). وهذا يفترض أيضاً على الصعيد الجمالي، تغيير دراسة العمل الإبداعي للإنسان، حتى لا نحصر الجمال في النماذج الغربية وحدها، والتي قدمها الإغريق وعصر النهضة في القرن السادس عشر. وبهذه الطريقة وحدها، يمكن للفن الخروج من قيود وحدود أرسطو، فلا نحكم على الفنون بمعايير التشريح والمنظور في عصر النهضة وحدها، (ومقاييس بومبي التي أعقب كبار الرواد طوال ثلاثة قرون). ونتحرر أيضاً من القيد الآخر، لأن مجرد النفي والعصيان أدى إلى تدهور الفن المسمى "الفن المعاصر"، والذي توهم أنه يصبح فناً "حديثا" كلما زاد جهلاً بالماضي، حتى أصبح هذا الفن يشمل بعض اللوحات أو النحت مما يشبه الأراضي المليئة بالنفايات، وأصبح يثير الضجيج بدلاً من الموسيقى، وحول الرقص إلى حركات هستيرية تخلو من أي معنى إنساني (٢).
قد انتهت الحضارة الاوربية إلى علاقة استهلاكية مع الطبيعة وتقلصت جماليات الزمان المبدع في الموسيقى وفي الرسم فحلت المقطوعات القصيرة السريعة الايقاع التي تختلس الوقت وتبتره واللوحات السريعة التي سطعت بديلاً عن الزمان الكامل للابداع وذلك لمسايرة عامل الانتاج والاستهلاك. كان الكلداني يتطلع إلى جماليات السماء دوماً فورث عنه طاليس اليوناني علم الفلك .. اما فيثاغورس فقد كان ابناً باراً لعلوم الجماليات المصرية التي ابدعت الاهرامات .. كل تلك
стр. 1081
الحضارات التاريخية التي لا يمكن القول بأنها بائدة قد منحت عالم اليوم مقدماته العلمية، بعد ان انفتحت على قيم الكون الجمالية (١).
يقول أحد كبار الفنانين المجددين في هذا القرن، ورائد التكعيبية "خوان جريس": "إن عظمة الفنان تتوقف على قوة الماضي الذي يحمله داخله، وليس ذلك لتقليد القدامى، أو الحفاظ على الموروث، ولكن لتجديد شعلة الرسالة التي كان أعظم حملة لوائها يعملون لإعلان الإمكانية الدائمة لتجديد إنسانية الكائن البشري". وهذا يفترض على الصعيدين السياسي والاقتصادي، تحطيم أصنام "العلوم الإنسانية" المدعاة التي تتمثل طريقتها في شف علوم الطبيعة، وإقامة مبادئ - على هذا النحو - تحط من قيمة الإنسان. إن الرجل الاقتصادي الذي لا بد له من أن يكون أحد هذين النموذجين: إما منتجاً، وإما مستهلكاً، متحركاً طبقاً لأغرضه الخاصة، هو أساس قاتل يحاول "الاقتصاديون" إخفاءه عن طريق آلات حسابية وهمية، لإعطاء مظاهر علمية لما هو في الواقع أيديولوجية موجهة لتنظير وتبرير نظام ظالم موجود وقائم. إن قلب المستقبل هو إعادة البحث، والتقديم الذاتي لكل المفاهيم الأخرى للإنسان، المولودة من خلال ثقافات أخرى، وتقديم السبل لخلق ظروف وشروط تقنية واقتصادية، وسياسية وروحية للجميع، تسمح لكل كائن إنساني (إمرأة أو رجل) بأن يصبح أكثر إنسانية، بمعنى أن يصبح "شاعراً" بالمعنى العميق للكلمة: وهو ان يصبح مبدعاً للنسخة الاصلية للمستقبل المحتمل (٢).
يقول رجل من الهنود الحمر معلقاً على همجية الرجل الابيض الذي افسد كل شئ عندما غزا أمريكا كاشفاً عن خواءه الروحي والانساني: نعتبر هذه البلاد قسمتنا ونعرف إن الرجل الأبيض لا يفهمنا، تستوي هذه الأرض عنده والأرض المجاورة لأنه الغريب الذي تسلل في ظلمات الليل فنال من هذه الأرض كل ما تمنى، انه لا يرى الأرض أختا له بل عدوا يقهره ولا يعبأ، انه يسرق الأرض من أبنائها ولا يعبأ، هذه قبور آبائه ومهاد أبنائه منسية، وها هو ينظر إلى أمه السماء فلا يراها إلا سلعة تسرق أو تباع كالأغنام والخرز إن جشعه يلتهم الأرض فلا يغادرها إلا صحراء ... لا
стр. 1082
يترك هذا الرجل الأبيض حيث يحل ويرحل شبرا من ارض دون ضجيج، لم يبق لديه مكان لسماع حفيف الأوراق وتفتحها في الربيع (١).
стр. 1083
الفصل الرابع
أمتنا ودورها الحضاري
ان امتنا بما تمتلك من ارث حضارى عريق، لازالت تمتلك من المقومات ما يمكنها من استنبات مشروعها الحضارى النهضوى وتخلق تراكمات تمكنها من بناء مركز قوة، وقاعدة هامة من قواعد ارتكاز الشعوب المقهورة في كفاحها المفتوح ضد المشروع الاستكبارى الصهيونى المتوحش. وهذا ليس بجديد عليها. فقد تمكنت من ذلك في الواقع العملى التاريخى. فهى حملت بتجربتها العملية الطمأنينة والسلام، وجسدت على ارض الواقع كيفية تحقيق التطور الانسانى المشترك دون اخضاع ولا خضوع، ليس لمن اعتنق الإسلام فحسب، بل لكل الشعوب التى احتكت بها (١).
فبلادنا العربية هى مهد الحضارات الانسانية، وعلى ارضها كانت الدعوة الأولى لرفض عبودية الانسان، والى عبادة اله واحد احد. فبينما كانت قبائل العالم القديم، كل يسعى إلى اله خاص يختص بها، جاء سيدنا ابراهيم ابو الانياء برسالة التوحيد، توحيد البشر جميعاً على عبادة اله واحد. فكل البشر متساوون امام هذا الخالق، لهم نفس الحقوق والواجبات اياً كان اصلهم أو انتمائهم الجغرافى. وبنى مع ابنه اسماعيل الكعبة المشرفة - بيت الله الحرام - من دخلها فهو آمن بغض النظر عن المكان الذى اتى منه أو القبيلة التى يحمل اسمها. واستحوذت الكعبة كمنارة لحضارة التسامح والاخاء والمساواة والامن على افئدة الناس جميعاً في المنطقة، مما اثار حسد الاقوام الاخرى التى سعت إلى تدمير هذه المنارة الجديدة، فكانت محاوله ابرهه ملك الحبشه لهدم الكعبه، رمز التوحيد والعدل والمساواة بين الشعوب، ولكن كان للكعبة رب يحميها.
واستمر الصراع بين الاتجاه الانسانى الذى يرى في الانسان قيمه بحد ذاته، يجب ان تسخر كل الاشياء لخدمته، وبين نظره ترى ان الانسان كغيره من الاشياء لا قيمة له بحد ذاته كانسان، بل ان مدى قوته وسيطرته وما يملك هى التى تحدد
стр. 1084
قيمته، حيث كان اليهود اول من حاد عن طريق الصواب، بعد ان قام احبارهم بتوجيه الديانة اليهودية التى نزلت على سيدنا موسى عن مسارها التوحيدى، حيث جعلوا منها ديانة مغلقة وخاصة باليهود دون غيرهم، واعتبروا انفسهم شعب الله المختار، حيث كان ذلك خلال السبى البابلى، التى كتبت خلاله اغلب اسفار ما تسمى بالتوراه الحالية، لتخدم مصالح طبقه من اليهود، لتبرير الاستيلاء على الارض والرغبه في السيطره والنهب، ولتصبح التوراة وثيقة عنصرية تحرض ضد الانسان، وتبيح المحظورات في سبيل جمع المال، وعاتوا في الارض فساداً وتحكموا بواسطة مهنة الربا الخالية من كل اخلاق وشرف في اوضاع كثير من الشعوب، ولذلك تعرضوا لانتقام الآخرين وحروبهم. واخترعوا لهم اله خاص بهم (يهوه) اله حرب وشر يقود اتباعه لتدمير كل الشعوب بهدف السيطرة على ثرواتهم لتصبح ملكاً خاصاً لهم. "واصبح منذ هذه اللحظة أي شخص لا ينتمي للاثنتين عشرة قبيلة لا يمثل جزءاً من الشعب المختار من الله عن طريق هبة الأرض والوحي بالشريعة، وهكذا وجد الآخرون أنفسهم كالبرابرة بالنسبة لليونان مطرودين من الحضارة الوحيدة الحقيقية: الحضارة اليهودية.
"وبعد تسعة قرون جاء المسيح، ودعوته الكونية التي حشدت اكبر طاقة في تاريخ البشر والآلهة، تلك الآلهة التي كان يجري تصورها حتى ذلك الحين على أنها ملوك جبابرة، وفتح الطريق الأول لحياة مبدعه بتحطيم الممنوعات القديمة وخصوصية الشريعة، وبقطيعة مع المفهوم القبلي والوثني لإله جزئي ومنحاز قد اختار شعباً محدداً، مذكرا بأن الله هو أبو كل البشر ... جاء عيسى ﵇، هادياً للبشرية، ومنقذاً لها من سطوة الحاخامات والمرابين، وليطهر الهيكل من رجسهم، وليؤكد للناس جميعاً معانى الاخوه والمحبة والسلام والرحمة، ولكن هذه الدعوة لم تسلم من التشويه على يد بعض الادعياء، الذين كان لادعائاتهم اليد الطولى في حدوث الانقلاب البروتستانتى باسم الاصلاح الدينى، والذى اعاد المسيحية إلى احضان اليهودية. وكان هناك رجل يعرف جيداً كلتا الثقافتين وهو بولس الطرطوسي .. وقد أنجز توليفة منادياً فيها بزعامة يسوع، وبلور مذهباً لا يرجع أبداً إلى كلمات
стр. 1085
يسوع وممارساته في حياته لكي يجعل من النجار الفقير في الناصره: مسيح (باليونانية خر يستو Christos) اليهود وخليفة داود" (١).
ثم جاء الإسلام الحنيف مكملاً لرسالة الحق، لخدمة الانسان واسعاده، دين رحمة ومساواه وعدل، ليوحد العرب ويرفع الظلم عنهم وعن شعوب كثيره استعبدتها امبراطوريات ذلك الزمان، فدخل الناس في دين الله افواجاً، ونشأت حضاره اسلامية عظيمه وحدت شعوب وقبائل من اقصى المغرب إلى اقصى المشرق تحت رايه واحده، وجد الجيمع في ظلها الامن والسكينه والسلام، والفرصه للابداع والتطور. فقد فتح المسلمون عبر تاريخهم الطويل صدورهم لغير المسلمين: يهوداً ونصارى ومجوساً وأتاحوا للعناصر ذات الكفاية منهم احتلال مواقعهم الاجتماعية والوظيفية في إطار من مبدأ تكافؤ الفرص، لم تعرفه أمة من الأمم عبر التاريخ. لقد اسهم غير المسلمين في صنع حضارة الإسلام واغنائها دونما أية عقد أو حساسيات من هذا الجانب أو ذاك، كما فتح الطريق أمامهم للوصول إلى أعلى المناصب، بدءاً من الكتابة في الدواوين وانتهاءً بمركز الوزارة نفسها، وأتيح لأبناء الأديان والمذاهب الاخرى إن يتحركوا في ساحات النشاط الاقتصادي والمالي بحرية فنموا ثرواتهم وارتفعوا بمستوياتهم الاجتماعية بما يوازي قدراتهم على العمل والنشاط، وملئوا بهذا وذاك مساحة واسعة في ميدان النشاط الاقتصادي والمالي جنباً إلى جنب مع مواطنيهم المسلمين (٢).
وعلى صعيد التوسع الجغرافي، كان المسار الإسلامي آخذا بالصعود والتفوق حتى استطاع المسلمون فتح مدينة القسطنطينية عام ١٤٥٣ عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، ثم تواصل زحفهم حتى كادوا يدخلون فيينا عاصمة النمسا عام ١٦٨٣، متوجين بذلك مسيرة ألف سنة من الفتوحات والانتصارات بدأت في الشام والعراق في القرن السابع الميلادي، وتواصلت في آسيا وأفريقيا وأوروبا. وصاحب تلك الحملات العسكرية تجارة واسعة ومتنوعة وممتدة في القارات الثلاث، وحركة ثقافية وعلمية وفنية. وظهرت حضارة اسلامية متميزه وفريدة شاركت في صنعها جميع
стр. 1086
الشعوب. فالإسلام يتميز عن غيره من الأديان بأنه دين المساواة الذي حرر الناس من الإقطاع الفارسي والطائفية الهندية والأرستقراطية الغربية، ورفض التفرقة على أساس الجنس أو اللون أو الثراء أو المكانة الاجتماعية.
انهيار الامبراطورية الإسلامية وصعود الغرب
بعد هذه الاندفاعه القوية التى استمرت اكثر من عشرة قرون، بدأ المد الإسلامي بالتوقف والانحسار فتوقفت الانتصارات، وبدأ الانحسار من أنحاء مختلفة من العالم. فخلال فترة أواخر القرن الخامس عشر ومطلع القرن السادس عشر، شهدت الساحة التاريخية ثلاث إمبراطوريات إسلامية رئيسية: الإمبراطورية العثمانية في الأناضول وسورية وشمال إفريقيا والجزيرة العربية، والإمبراطورية الصفوية في بلاد فارس، والحضارة المغولية في الهند. وقد اعتنقت معظم دول شرق آسيا (الملايو، أندونيسيا ... إلخ) الإسلام علي يد التجار المسلمين. وفي تلك الأثناء، كانت أوروبا بصدد تطوير حضارة جديدة أوجدت نظاماً قائماً علي رأس المال علي أنقاض النظام الزراعي. وحدث تطور صناعي وتجاري كبير في الغرب في حين ان المجتمعات الإسلامية لم تواكب هذه النهضة وبدأت في الانحدار.
ففي الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر بدأ انحسار المد الإسلامي، وتوقفت حركة الترجمة الكبرى وتوقف الإنتاج العلمي والمعرفي، وبدأ الأوروبيون يحرزون تقدما ملموساً في فنون الحضارة. وبقدوم ما يسمى (المعرفة الجديدة) بدؤوا يتقدمون بسرعة، وسبقوا التراث العلمي والتكنولوجي ثم الثقافي للعالم الإسلامي بأشواط طويلة. فقد كان السلطان العثماني في أوائل القرن السادس عشر الميلادي تشغله المنافسة الكبرى مع المماليك في مصر والشام وإيران الصفوية، واستطاع السلطان (سليم الأول) أن ينهي دولة المماليك ويفتح البلاد العربية كلها. ولكن الصراع العثماني-الصفوي استمر حتى القرن التاسع عشر، واستهلك هذا الصراع المسلمين وألهاهم عما يدور في أوروبا غير بعيد عنهم من تقدم وتطور. فعندما استطاع فاسكو دي غاما الوصول بحراً من البرتغال إلى رأس الرجاء الصالح في نهاية القرن الخامس عشر، فتح طريقاً بحرياً بين أوروبا وآسيا متجاوزا المجال الإستراتيجي
стр. 1087
للطريق السابق الذي كان يسيطر عليه المسلمون. وبدأ البرتغال والإسبان والهولنديون ينشئون قواعد لهم، في جنوب شرق آسيا وفي الموانئ والسواحل المطلة على المحيط الأطلسي والمحيط الهندي، لتأمين طرق التجارة والتحكم فيها. وكانت القارة الأميركية مصدراً للموارد والهيمنة التي لم تصلها القوة الإسلامية العثمانية، ومكنت الأراضي الخصبة والمعادن التي امتلكها الأوروبيون من الاستغناء عن كثير من المنتوجات القادمة من الشرق الأوسط وآسيا، ونشطت المهارات التجارية والحرفية (١).
وكانت هزيمة الأتراك في فيينا عام ١٦٨٣ بداية تحول وانكسار، وتبعتها هزائم متوالية ومتواصلة في مالطة عام ١٦٨٤، وفي المواجهة مع روسيا عام ١٦٩٦ عندما استولى القيصر الروسي بطرس الأكبر على مدينة أزوف على البحر الأسو. ومنذ القرن الثامن عشر وبعده، أصبحت الدول الإسلامية تتهاوي الواحدة تلو الأخري تحت مطارق الاستعمار الغربي الناشيء. كما ادى انتشار التقنية في الغرب إلي ظهور الثورة الصناعية. وانقضّ الغرب الصناعي مستعمراً الدول المسلمة بهدف ضمها إلي شبكة مصالحه التجارية، وسمحت الدول المستعمرة بإجراء تحديث سطحي في الدول المستعمَرة لتكفي فقط المستعمرين الغربيين وتمكنهم من استغلال المواد الخام في هذه المستعمرات (٢)
وربما يكون التاريخ الحديث للشرق الأوسط بدأ عام ١٧٩٨ مع الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون، حيث أخضعت للمرة الأولى إحدى الدول في قلب ديار الإسلام لحكم دولة أجنبية، وبدأت مظاهر التغير الثقافي في الشرق. وبدأ الحكام في الآستانة والقاهرة يستعينون بالغرب لتحديث دولهم وجيوشهم، فقد استقدم الخبراء العسكريون الغربيون في عمليات إعادة تنظيم الجيش، واستخدمت أنظمة الإدارة الغربية، والأسلحة الغربية، وأرسلت البعثات التعليمية إلى الغرب لاقتباس العلوم الغربية (الإفرنجية)، هذا بالرغم من ان المسلمون كانوا يحتقرون الغرب ولا يأبهون بالجهود الحثيثة التي يبذلها للنهضة والتقدم، وعندما أفاقوا على
стр. 1088
صدمة التفوق التقني في بداية القرن الثامن عشر كان الغرب قد سبقهم بأربعمائة سنة في التقدم العلمي، وبدأ التأثير الغربي يغزو الشرق من مدخل التقنية.
وهكذا أصبح العالم الإسلامي اليوم، إذا قورن بالعالم المسيحي الذي دأب على منافسته طوال ألف عام، فقيراً ضعيفًا وجاهلاً، وتبدى للجميع في القرنين التاسع عشر والعشرين تفوق الغرب وهيمنته، فقد غزي العالم الإسلامي في كل جوانب حياته العامة والخاصة. ولم يقتصر الأمر على أن يجد المسلمون أنفسهم ضعفاء وفقراء بعد قرون من الثراء والقوة، فقد أتى القرن العشرون بمزيد من الإذلال والهزائم، وتقدمت عليهم دول أخرى كانت أضعف وأفقر مثل اليابان ودول شرق آسيا. وهنا بدأ كثير من المفكرين والمصلحين محاولة معرفة اسباب هذا الخلل، حيث كانت الاجابات متنوعه ومختلفة. فقد حُمّل المغول والأتراك والاستعمار الغربي واليهود مسؤولية التخلف والضعف، وأعادها البعض إلى أسباب ثقافية وفكرية تعود إلى التخلي عن الثقافة الإسلامية والركض وراء الثقافة الغربية (١).
وبالتأكيد فإن كل هذه الاسباب صحيحة ولكننا سنركز هنا على الاسباب الفكرية والثقافية التى ادت إلى انهيار العالم الإسلامي، لاعتقادنا بانها تمثل الثقل الرئيس في عوامل النهوض والانكسار لاى حضارة أو ثقافة. فالحضارة الإسلامية بدأت في اتخاذ منحناً تنازلياً بعد ان ظهرت الخلافات الفكرية والمذهبية بين اتباعه، مقرونه بالجمود والتقليد، وبلغت ذروة ذلك عندما تم قفل باب الاجتهاد وبدأ التضييق على حرية الفكر والابداع الذى طبع حركة الإسلام الأولى، فكان نتيجة ذلك ان قل الالتزام بتعاليم الإسلام أو ظل الالتزتم موجوداً ولكن من خلال الأخذ بالمظهر دون الجوهر.
стр. 1089
الغزو الفكري أدواته وأهدافه في العالم الإسلامي (١)
لما بدأ المسلمون يتخلون عن مبادئ دينهم العظيم، بدأ يدب في عضدهم التفرق والوهن والضعف، فوصل حالهم إلى ما هو عليه، ليفسحوا - بسبب تقصيرهم- المجال، مره اخرى لحضاره لا تعترف بالانسان كقيمه، بل كشئ كغيره من الاشياء، حضاره تميز بين الناس عنصرياً على اساس لونهم وجنسهم وانتماءاتهم ... حضاره لا مكان للثقافه ولا لتلاقح الحضارات، ولا لخصوصيات الشعوب. حضاره اصبح الصراع والحروب هو البديل لنهجها، والقتل والتدمير وسفك الدماء طريقها، في غابه كونية اصبح شعارها البقاء للاقوى .. وفرق تسد والغاية تبرر الوسيله، فكانت حصيلة عصرنا الحاضر ظلم وجور واستغلال ونهب وابادة وحروب مدمره لن تنتهى مادامت هذه الحضاره مسيطره .. ومادام الآخرون مما يملكون البديل الانسانى صامتين ومقصريين، فاسحين المجال لتمادى قوى الشر لاكمال مشروعها العدمى للبشرية، تحت مسميات وشعارات براقه لحقوق الانسان والديمقراطية والحرية، والتى لم يحققوها في بلدنانهم أو في اى من البلاد التى حلت عليها نقمتهم واحقادهم. فقد نجح هذا المشروع العدمى الذى تقوده أمريكا بخلفيتها التوراتية، في اماكن كثيره كما عرضنا سابقاً بدءً من ابادة الهنود الحمر واستعباد السود، مروراً بنهب أمريكا اللاتينية وتدمير اوروبا وانتهاءً بما يخطط للعالم الإسلامى منذ فتره كبيره.
ولكن لكى تكتمل الحلقة الجهنمية، ويتم اخضاع العالم الإسلامى لمخططات اسياد الظلام، من يهود وأمريكان اشباه يهود، كان لا بد من ضرب هويتنا وحضارتنا وتاريخنا. ومن اجل هذا تزداد شراسة الهجمة وحشية وهمجية وانكشافاً. فنحن وحتى اللحظة لا زلنا نتمسك بانتمائنا وهويتا، ونعتز بتاريخنا، منصهرين في بوثقه حضارتنا وقيمنا. وهذا ما يراد اسقاطه عبر الهجوم اللاحضارى الكاسح، الذى يسعى الاعداء من خلاله لدفعنا للتنكر لهويتنا وانتمائنا، نلعن تاريخنا، ونحتقر حضارتنا ونسفه قيمنا ونعتبر كل ذلك سبباً لجهلنا وتخلفنا. وقد بدء التخطيط والتنفيذ لهذه
стр. 1090
الهجمة منذ زمن بعيد، منذ فشل الحروب الصليبية في تحقيق اهدافها، وذلك عن طريق ما سمي الغزو الفكرى الذى كانت خطورته على العالم العربى والإسلامى اشد من الغزو العسكرى، حيث أدرك الغرب بعد فشل الحروب الصليبية أن الغزو العسكري للبلاد الإسلامية لابد أن يخفق مهما طال الزمن، ما لم يصاحبه غزو فكري يقضي على عوامل القوة والمنعة الكامنة في الإسلام. وفي هذا يقول كيرك: "أن الحروب الصليبية فتحت أذهان الغربيين إلى مستوى الحضارة في الشرق الأوسط، ذلك المستوى الذي كان يفوق بكثير حضارة الغرب. ومع تفتح أذهان الغربيين اتجه هؤلاء إلى غزو الشرق فكرياً بعد أن عجزوا عن غزوه عسكرياً".
ومصطلح الغزو الفكري من المصطلحات التي ظهرت في عصرنا الحديث بعد أن تعرضت كثير من دول العالم للاستعمار الغربي والذي عمل جاهداً على إبقاء سيطرته على هذه الدول حتى بعد زوال سيطرته العسكرية والسياسية عنها. وذلك عن طريق إبقائها في حالة تبعية فكرية واقتصادية لها. والغزو الفكري يقصد به بوجه عام ذلك الجهد البشري المبذول ضد شعب أو أمة من الأمم لكسب معارك الحياة فيها، وتسهيل قيادتها، وتحويل مسارها التاريخي عن طريق إخضاعها لثقافة وفكر غريب عنها وعن شخصيتها ومقوماتها التي تميزها، وجعلها تعيش في حالة تبعية فكرية، فتعيش عالة على الثقافات الأخرى. فالغزو الفكري مكمل لأساليب الغزو التقليدي ومساعد لها، وفي بعض الأحيان يكون بديلاً عنها، مع التقائه معها في الأهداف وإن اختلفت وسائل ومظاهر كل منهما. فبينما يعتمد الغزو العسكري على قوة السلاح وما تحققه الجيوش من انتصارات في ساحات المعركة، لتحقيق أهدافه، يعتمد الغزو الفكري على مدى دراية الغزاة وعلمهم بأحوال الأمة التي يراد غزوها، ومعرفتهم بمواطن الضعف والقوة في فكر وتراث هذه الأمة، فيعملوا على محاربة وتشويه مواطن القوة فيها، وزيادة مواطن الضعف بشتى الطرق. ومن مظاهر الغزو الفكري هي سيطرة ثقافة وفكر الدولة الغازية على ثقافة وفكر الدولة المغزوة، بحيث تظل هذه الدولة أو الأمة في حالة تبعية فكرية وثقافية للدولة الغازية.
فالغزو الفكري هو أن تسود أخلاق وعادات وتقاليد أمة من الأمم، أخلاق وعادات وتقاليد أمة أخرى. فإذا كانت الأخلاق والعادات والتقاليد تنبع من القيم