← Общие книги

Общие книги · id 36505

الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم

يوسف الطويل

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الشعوب. فالإسلام يتميز عن غيره من الأديان بأنه دين المساواة الذي حرر الناس من الإقطاع الفارسي والطائفية الهندية والأرستقراطية الغربية، ورفض التفرقة على أساس الجنس أو اللون أو الثراء أو المكانة الاجتماعية. انهيار الامبراطورية الإسلامية وصعود الغرب بعد هذه الاندفاعه القوية التى استمرت اكثر من عشرة قرون، بدأ المد الإسلامي بالتوقف والانحسار فتوقفت الانتصارات، وبدأ الانحسار من أنحاء مختلفة من العالم. فخلال فترة أواخر القرن الخامس عشر ومطلع القرن السادس عشر، شهدت الساحة التاريخية ثلاث إمبراطوريات إسلامية رئيسية: الإمبراطورية العثمانية في الأناضول وسورية وشمال إفريقيا والجزيرة العربية، والإمبراطورية الصفوية في بلاد فارس، والحضارة المغولية في الهند. وقد اعتنقت معظم دول شرق آسيا (الملايو، أندونيسيا ... إلخ) الإسلام علي يد التجار المسلمين. وفي تلك الأثناء، كانت أوروبا بصدد تطوير حضارة جديدة أوجدت نظاماً قائماً علي رأس المال علي أنقاض النظام الزراعي. وحدث تطور صناعي وتجاري كبير في الغرب في حين ان المجتمعات الإسلامية لم تواكب هذه النهضة وبدأت في الانحدار. ففي الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر بدأ انحسار المد الإسلامي، وتوقفت حركة الترجمة الكبرى وتوقف الإنتاج العلمي والمعرفي، وبدأ الأوروبيون يحرزون تقدما ملموساً في فنون الحضارة. وبقدوم ما يسمى (المعرفة الجديدة) بدؤوا يتقدمون بسرعة، وسبقوا التراث العلمي والتكنولوجي ثم الثقافي للعالم الإسلامي بأشواط طويلة. فقد كان السلطان العثماني في أوائل القرن السادس عشر الميلادي تشغله المنافسة الكبرى مع المماليك في مصر والشام وإيران الصفوية، واستطاع السلطان (سليم الأول) أن ينهي دولة المماليك ويفتح البلاد العربية كلها. ولكن الصراع العثماني-الصفوي استمر حتى القرن التاسع عشر، واستهلك هذا الصراع المسلمين وألهاهم عما يدور في أوروبا غير بعيد عنهم من تقدم وتطور. فعندما استطاع فاسكو دي غاما الوصول بحراً من البرتغال إلى رأس الرجاء الصالح في نهاية القرن الخامس عشر، فتح طريقاً بحرياً بين أوروبا وآسيا متجاوزا المجال الإستراتيجي

стр. 1087

للطريق السابق الذي كان يسيطر عليه المسلمون. وبدأ البرتغال والإسبان والهولنديون ينشئون قواعد لهم، في جنوب شرق آسيا وفي الموانئ والسواحل المطلة على المحيط الأطلسي والمحيط الهندي، لتأمين طرق التجارة والتحكم فيها. وكانت القارة الأميركية مصدراً للموارد والهيمنة التي لم تصلها القوة الإسلامية العثمانية، ومكنت الأراضي الخصبة والمعادن التي امتلكها الأوروبيون من الاستغناء عن كثير من المنتوجات القادمة من الشرق الأوسط وآسيا، ونشطت المهارات التجارية والحرفية (١). وكانت هزيمة الأتراك في فيينا عام ١٦٨٣ بداية تحول وانكسار، وتبعتها هزائم متوالية ومتواصلة في مالطة عام ١٦٨٤، وفي المواجهة مع روسيا عام ١٦٩٦ عندما استولى القيصر الروسي بطرس الأكبر على مدينة أزوف على البحر الأسو. ومنذ القرن الثامن عشر وبعده، أصبحت الدول الإسلامية تتهاوي الواحدة تلو الأخري تحت مطارق الاستعمار الغربي الناشيء. كما ادى انتشار التقنية في الغرب إلي ظهور الثورة الصناعية. وانقضّ الغرب الصناعي مستعمراً الدول المسلمة بهدف ضمها إلي شبكة مصالحه التجارية، وسمحت الدول المستعمرة بإجراء تحديث سطحي في الدول المستعمَرة لتكفي فقط المستعمرين الغربيين وتمكنهم من استغلال المواد الخام في هذه المستعمرات (٢) وربما يكون التاريخ الحديث للشرق الأوسط بدأ عام ١٧٩٨ مع الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون، حيث أخضعت للمرة الأولى إحدى الدول في قلب ديار الإسلام لحكم دولة أجنبية، وبدأت مظاهر التغير الثقافي في الشرق. وبدأ الحكام في الآستانة والقاهرة يستعينون بالغرب لتحديث دولهم وجيوشهم، فقد استقدم الخبراء العسكريون الغربيون في عمليات إعادة تنظيم الجيش، واستخدمت أنظمة الإدارة الغربية، والأسلحة الغربية، وأرسلت البعثات التعليمية إلى الغرب لاقتباس العلوم الغربية (الإفرنجية)، هذا بالرغم من ان المسلمون كانوا يحتقرون الغرب ولا يأبهون بالجهود الحثيثة التي يبذلها للنهضة والتقدم، وعندما أفاقوا على

стр. 1088

صدمة التفوق التقني في بداية القرن الثامن عشر كان الغرب قد سبقهم بأربعمائة سنة في التقدم العلمي، وبدأ التأثير الغربي يغزو الشرق من مدخل التقنية. وهكذا أصبح العالم الإسلامي اليوم، إذا قورن بالعالم المسيحي الذي دأب على منافسته طوال ألف عام، فقيراً ضعيفًا وجاهلاً، وتبدى للجميع في القرنين التاسع عشر والعشرين تفوق الغرب وهيمنته، فقد غزي العالم الإسلامي في كل جوانب حياته العامة والخاصة. ولم يقتصر الأمر على أن يجد المسلمون أنفسهم ضعفاء وفقراء بعد قرون من الثراء والقوة، فقد أتى القرن العشرون بمزيد من الإذلال والهزائم، وتقدمت عليهم دول أخرى كانت أضعف وأفقر مثل اليابان ودول شرق آسيا. وهنا بدأ كثير من المفكرين والمصلحين محاولة معرفة اسباب هذا الخلل، حيث كانت الاجابات متنوعه ومختلفة. فقد حُمّل المغول والأتراك والاستعمار الغربي واليهود مسؤولية التخلف والضعف، وأعادها البعض إلى أسباب ثقافية وفكرية تعود إلى التخلي عن الثقافة الإسلامية والركض وراء الثقافة الغربية (١). وبالتأكيد فإن كل هذه الاسباب صحيحة ولكننا سنركز هنا على الاسباب الفكرية والثقافية التى ادت إلى انهيار العالم الإسلامي، لاعتقادنا بانها تمثل الثقل الرئيس في عوامل النهوض والانكسار لاى حضارة أو ثقافة. فالحضارة الإسلامية بدأت في اتخاذ منحناً تنازلياً بعد ان ظهرت الخلافات الفكرية والمذهبية بين اتباعه، مقرونه بالجمود والتقليد، وبلغت ذروة ذلك عندما تم قفل باب الاجتهاد وبدأ التضييق على حرية الفكر والابداع الذى طبع حركة الإسلام الأولى، فكان نتيجة ذلك ان قل الالتزام بتعاليم الإسلام أو ظل الالتزتم موجوداً ولكن من خلال الأخذ بالمظهر دون الجوهر.

стр. 1089

الغزو الفكري أدواته وأهدافه في العالم الإسلامي (١) لما بدأ المسلمون يتخلون عن مبادئ دينهم العظيم، بدأ يدب في عضدهم التفرق والوهن والضعف، فوصل حالهم إلى ما هو عليه، ليفسحوا - بسبب تقصيرهم- المجال، مره اخرى لحضاره لا تعترف بالانسان كقيمه، بل كشئ كغيره من الاشياء، حضاره تميز بين الناس عنصرياً على اساس لونهم وجنسهم وانتماءاتهم ... حضاره لا مكان للثقافه ولا لتلاقح الحضارات، ولا لخصوصيات الشعوب. حضاره اصبح الصراع والحروب هو البديل لنهجها، والقتل والتدمير وسفك الدماء طريقها، في غابه كونية اصبح شعارها البقاء للاقوى .. وفرق تسد والغاية تبرر الوسيله، فكانت حصيلة عصرنا الحاضر ظلم وجور واستغلال ونهب وابادة وحروب مدمره لن تنتهى مادامت هذه الحضاره مسيطره .. ومادام الآخرون مما يملكون البديل الانسانى صامتين ومقصريين، فاسحين المجال لتمادى قوى الشر لاكمال مشروعها العدمى للبشرية، تحت مسميات وشعارات براقه لحقوق الانسان والديمقراطية والحرية، والتى لم يحققوها في بلدنانهم أو في اى من البلاد التى حلت عليها نقمتهم واحقادهم. فقد نجح هذا المشروع العدمى الذى تقوده أمريكا بخلفيتها التوراتية، في اماكن كثيره كما عرضنا سابقاً بدءً من ابادة الهنود الحمر واستعباد السود، مروراً بنهب أمريكا اللاتينية وتدمير اوروبا وانتهاءً بما يخطط للعالم الإسلامى منذ فتره كبيره. ولكن لكى تكتمل الحلقة الجهنمية، ويتم اخضاع العالم الإسلامى لمخططات اسياد الظلام، من يهود وأمريكان اشباه يهود، كان لا بد من ضرب هويتنا وحضارتنا وتاريخنا. ومن اجل هذا تزداد شراسة الهجمة وحشية وهمجية وانكشافاً. فنحن وحتى اللحظة لا زلنا نتمسك بانتمائنا وهويتا، ونعتز بتاريخنا، منصهرين في بوثقه حضارتنا وقيمنا. وهذا ما يراد اسقاطه عبر الهجوم اللاحضارى الكاسح، الذى يسعى الاعداء من خلاله لدفعنا للتنكر لهويتنا وانتمائنا، نلعن تاريخنا، ونحتقر حضارتنا ونسفه قيمنا ونعتبر كل ذلك سبباً لجهلنا وتخلفنا. وقد بدء التخطيط والتنفيذ لهذه

стр. 1090

الهجمة منذ زمن بعيد، منذ فشل الحروب الصليبية في تحقيق اهدافها، وذلك عن طريق ما سمي الغزو الفكرى الذى كانت خطورته على العالم العربى والإسلامى اشد من الغزو العسكرى، حيث أدرك الغرب بعد فشل الحروب الصليبية أن الغزو العسكري للبلاد الإسلامية لابد أن يخفق مهما طال الزمن، ما لم يصاحبه غزو فكري يقضي على عوامل القوة والمنعة الكامنة في الإسلام. وفي هذا يقول كيرك: "أن الحروب الصليبية فتحت أذهان الغربيين إلى مستوى الحضارة في الشرق الأوسط، ذلك المستوى الذي كان يفوق بكثير حضارة الغرب. ومع تفتح أذهان الغربيين اتجه هؤلاء إلى غزو الشرق فكرياً بعد أن عجزوا عن غزوه عسكرياً". ومصطلح الغزو الفكري من المصطلحات التي ظهرت في عصرنا الحديث بعد أن تعرضت كثير من دول العالم للاستعمار الغربي والذي عمل جاهداً على إبقاء سيطرته على هذه الدول حتى بعد زوال سيطرته العسكرية والسياسية عنها. وذلك عن طريق إبقائها في حالة تبعية فكرية واقتصادية لها. والغزو الفكري يقصد به بوجه عام ذلك الجهد البشري المبذول ضد شعب أو أمة من الأمم لكسب معارك الحياة فيها، وتسهيل قيادتها، وتحويل مسارها التاريخي عن طريق إخضاعها لثقافة وفكر غريب عنها وعن شخصيتها ومقوماتها التي تميزها، وجعلها تعيش في حالة تبعية فكرية، فتعيش عالة على الثقافات الأخرى. فالغزو الفكري مكمل لأساليب الغزو التقليدي ومساعد لها، وفي بعض الأحيان يكون بديلاً عنها، مع التقائه معها في الأهداف وإن اختلفت وسائل ومظاهر كل منهما. فبينما يعتمد الغزو العسكري على قوة السلاح وما تحققه الجيوش من انتصارات في ساحات المعركة، لتحقيق أهدافه، يعتمد الغزو الفكري على مدى دراية الغزاة وعلمهم بأحوال الأمة التي يراد غزوها، ومعرفتهم بمواطن الضعف والقوة في فكر وتراث هذه الأمة، فيعملوا على محاربة وتشويه مواطن القوة فيها، وزيادة مواطن الضعف بشتى الطرق. ومن مظاهر الغزو الفكري هي سيطرة ثقافة وفكر الدولة الغازية على ثقافة وفكر الدولة المغزوة، بحيث تظل هذه الدولة أو الأمة في حالة تبعية فكرية وثقافية للدولة الغازية. فالغزو الفكري هو أن تسود أخلاق وعادات وتقاليد أمة من الأمم، أخلاق وعادات وتقاليد أمة أخرى. فإذا كانت الأخلاق والعادات والتقاليد تنبع من القيم

стр. 1091

والمثل الأصلية لأي أمة من الأمم ومن الظروف التي تعيش فيها، فإن تنكر الأمة لأخلاقها وعاداتها وتقاليدها هو تنكر لأصالتها ومسخ لشخصيتها وهويتها المميزة. الغزو الفكري هو أن تزاحم لغة الغالب لغة المغلوب أو تحل محلها أو تحاربها بإحياء اللهجات العامية فيها، فتعيش لغة المغلوب عالة على لغة الغالب فتصبح غريبة في وطنها ويدب فيها الضعف بسبب إهمالها وكثرة المصطلحات والمفردات التي تدخلها من خارجها. وإذا كانت اللغة هي وسيلة الإنسان للتعبير عن أحاسيسه وأفكاره، فإن ضعف اللغة من غير شك يؤدي إلى ضعف الفكر وخواء مضمونه. فيزداد الميل للتقليد الأعمى ويقل الابتكار والإبداع لدى مفكري الطرف المغلوب. الغزو الفكري هو أن يعيش أدباء ومفكرو وعلماء أمة من الأمم عالة على أدباء ومفكري وعلماء أمة أخرى، ويتحولون إلى أصحاب وكالات فكرية لا يعرفون معنى للإبداع والابتكار، فيقومون بتبني أفكار ومذاهب ونظريات غريبة عنهم وعن مجتمعهم وشخصيتهم المميزة، متناسين خصوصية فكر وثقافة كل أمة من الأمم. وهذا هو العجز بعينه الذي يجعلهم يختارون أسهل الطرق وأخطرها عن طريق التقليد بدعوى عالمية الفكر والدعوة للتجديد والحداثة. الغزو الفكري هو أن تهمل أمة من الأمم تاريخها وتراثها وتتخذ من تاريخ وتراث أمة أخرى مثلاً أعلى لها. فتهمل تاريخ أبطالها وسير النابغين من أبنائها فتفقد ثقتها في نفسها وتاريخها. الغزو الفكري هو أن يتعرض تاريخ وفكر ونظام حياة أمة من الأمم لحملات التشويه والتخريب والاحتواء من فكر أمة آخر. "فعندما يظهر تأثير أجنبي في شيء ذي أهمية جوهرية لثقافة ما مثل المؤسسات والمساجد، فهذا يعني أن الثقة بالنفس ثقافياً قد اهتزت. وعندما يغير الناس ملابسهم ويرتدون ملابس مجتمع آخر يكونون قد اتخذوا خيارا ثقافيا آخر (١). وقد تعرضت الأمة الإسلامية كغيرها من الأمم الأخرى التي خضعت للاستعمار الغربي لهذا النوع من الغزو وعانت منه طويلاً ولا زالت تعاني. ولكن عندما يتعلق أمر الغزو الفكري بالعالم الإسلامي والفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية، فإن الكلام

стр. 1092

يحتاج إلى كثير من الإيضاح والتركيز. فالإسلام هو خاتم الرسالات السماوية التي ارتضاها الله شريعة ومنهاجاً أبدياً للبشرية في دنياها وآخرتها. فكان هذا الدين منذ أوائل عهده ثورة في وجه الظلم والاستغلال والانحراف. ودعوة إلى العدل والإخاء والمساواة بين البشر، فكان حرباً على المستغلين والمنحرفين واقفاً في صف الضعفاء، والمقهورين، وهذا لا يرضي المستعمرين والمستغلين لأنهم لن يستطيعوا تحقيق أهدافهم. لهذا وجد هؤلاء أن الطريق الصحيح للسيطرة على العالم الإسلامي هو محاربة هذا الدين وتشويهه، محاربة الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية بكل جوانبها، وفرض الثقافة والفكر الغربي على البلاد الإسلامية بكافة الطرق، واعتبار الحضارة الغربية وقيمها مقياس كل نهوض وتقدم ونشر ذلك بين المسلمين حتى يقل اعتزازهم بدينهم وفكرهم وحضارتهم ويزداد إعجابهم وميلهم للحضارة الغربية. لهذا فقد عمد الغرب إلى رد كل إبداع حضاري لدى الشعوب الإسلامية إلى الأصول اليونانية والرومانية، وكأنه لم يوجد فكر في العصور القديمة إلا الفكر اليوناني والروماني، متناسين أثر الحضارات الشرقية القديمة على الحضارة اليونانية والرومانية، ومبرزين لأثر الحضارة اليونانية على الحضارة الإسلامية. فالمسلمون في نظرهم لم يكونوا إلا نقلة وشراحاً للفكر اليوناني ولم يضيفوا شيئاً جديداً يستحق الذكر للحضارة الإنسانية. فإسهام المسلمين عندهم الذي يستحق الذكر في مجال الحضارة الإنسانية هو أنهم قاموا بحفظ التراث اليوناني من الضياع عن طريق ترجمته وشرحه وتهذيبه ولا شيء غير ذلك. فهم خزنة ماهرين ولكنهم ليسوا مبدعين. فالإبداع والنظر العقلي سمة للعقلية الغربية، والتقليد والإمعان في الروحانية سمة للعقلية الشرقية. فتاريخ الفلسفة عندهم هو تاريخ الفلسفة الغربية مع إهمال ذكر إسهامات الفلاسفة المسلمين وأثرهم على الفلاسفة الغربيين، أمثال الغزالى والفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم. وتاريخ العلم هو تاريخ العلم الغربي، مع التقليل من قيمة إسهامات العلماء المسلمين في تطور العلوم وتقدمها. ونسبتهم كثير كشوفات العلماء والمسلمين ونظرياتهم إلى علماء غربيين، أو عدم ذكر أثرهم في توصل العلماء الغربيين إلى ما وصلوا إليه من كشوفات. وتاريخ الأدب هو تاريخ الأدب الغربي من هوميروس في

стр. 1093

عصر اليونان، إلى أصحاب المدرسة الكلاسيكية والرومانسية في العصر الحديث، وإهمال ذكر أدباء المسلمين وإبداعاتهم وأثرهم في كثير من الأدباء والشعراء الغربيين. وعصور الغرب هي كل العصور ولا عصور غيرها، فهي مقياس التقدم والانحطاط. فالعصر الوسيط هو عصر انحطاط وتخلف لأن الغرب كان كذلك، متناسين أن هذا القول ينطبق على الحضارة الغربية وحدها، أما الحضارة الإسلامية فقد كانت في أوج مجدها وازدهارها في العصور الوسطى. وهكذا نصب الغرب نفسه معلماً أبدياً للبشرية وأسدى ستاراً من الصمت والتعتيم والتشويه حول إنجازات الحضارة الإسلامية في كافة المجالات، حتى يبقيها في حالة تبعية فكرية له لأطول فترة ممكنة، وذلك بجعل النموذج الحضاري الغربي هو النموذج الوحيد للتقدم الحضاري في كل العصور، ولا نموذج سواه، ولذلك يجب الإقتداء به وتقليده لمن يريد التقدم والازدهار. وقد سارت عملية الإعلاء من قيمة الحضارة الغربية والفكر الغربي جنباً إلى جنب مع حملات التشويه والتخريب للتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية والدين الإسلامي. فتسربت كثير من الأفكار الخاطئة عن الحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي والدين الإسلامي إلى البلاد الإسلامية من خلال ما فرضه الغرب على هذه البلاد من أنماط معينة للتفكير والثقافة بواسطة مؤسساته التعليمية وغيرها من المؤسسات الأخرى. ومما تقدم يتضح ان الغزو الفكري كان من أشد معاول الهدم خطورة على العالم الإسلامي، والتي كرست تبعيته الفكرية للعالم الغربي لفترة طويلة، وساعدت الدول الاستعمارية في تحقيق أهدافها. وتكمن خطورة الغزو الفكري في أنه من الأمور غير المنظورة التي لا يمكن تتبعها وعلاجها بسرعة بالإضافة إلى اختلاف الآراء حولها. بعكس الغزو العسكري الذي يشعر به كل فرد، فتسهل مقاومته والقضاء عليه متى توفرت الإمكانيات لذلك. وإذا أردنا أن نتحدث عن الغزو الفكري للعالم الإسلامي، فيجب علينا أن نبحث عن الجذور التاريخية له والتي ساهمت إلى حد كبير في استمراره، وفي مساعدة الدول الاستعمارية في فرض سيطرتها السياسية والعسكرية والفكرية على العالم الإسلامي لفترة كبيرة من الزمن ولا زالت. فإذا كانت الدول الإسلامية قد تحررت من قيود الاستعمار الغربى من الناحية العسكرية وحصلت على استقلالها السياسي، إلا

стр. 1094

أن تبعيتها الفكرية للدول الاستعمارية ما زالت قائمة، بالرغم من المحاولات الجادة التي تبذلها هذه الدول للتخلص من هذه التبعية، والتي تحتاج إلى وقت وصبر وعمل دائم على كافة المستويات بالإضافة إلى تكاتف جهود كل الدول والمؤسسات الفكرية في الدول الإسلامية. الغزو الفكري دوافعه وأدواته يذهب أغلب الباحثين إلى ان فشل الحروب الصليبية في تحقيق أهدافها عن طرق الغزو العسكري، جعلت الغرب يستخلص الدروس والعبر التي تعينه على معرفة الطريقة الجديدة التي يجب أن يتعامل بها مع العالم الإسلامي، حيث أدرك الغرب أن الغزو العسكري لابد مخفق مهما طال الزمان، ما لم يصحبه غزو فكري يزلزل عوامل القوة الكامنة في الإسلام والحضارة الإسلامية. والغرب بذلك يعمل وفق القاعدة التي تقول: "إذا أرهبك عدوك فافسد فكره ينتحر به". وهنا يقول المؤرخ (جان دي جوانفيل) الذي رافق الملك (لويس التاسع) ملك فرنسا في حملته الصليبية (الحملة السابعة): "أن خلوة الملك لويس التاسع في معتقله بالمنصورة، أتاحت له فرصة هادئة ليفكر بصبر في السياسة التي كان أجدر بالغرب أن يتبعها إزاء المسلمين. وقد انتهى به التفكير إلى أنه لا سبيل للسيطرة على المسلمين عن طريق الحرب أو القوة، وذلك لأن في دينهم عامل حاسم هو عامل المواجهة والمقاومة والجهاد وبذل النفس والدم، لأنهم قادرون دوماً انطلاقاً من عقيدتهم إلى المقاومة ودحر الغزو الذي يجتاح بلادهم، وأنه لابد من إيجاد سبيل آخر من شأنه أن يزيل هذا المفهوم عند المسلمين، وذلك لا يتم إلا بتعديل الحملات الصليبية العسكرية إلى حملات سلمية تستهدف الغرض نفسه، وذلك من خلال التركيز على الفكر الإسلامي وتحويله عن مساره وأهدافه حتى يستسلم المسلمون أمام لقاء القوى الغربية وتروض أنفسهم على تقبلها على نحو من أنحاء الاحتواء والصداقة أو التعاون. وأفضل وسيلة لذلك هي تجنيد المبشرين والمستشرقيين ودعم مؤسساتهم ونشاطهم في العالم الإسلامي". وقد علق المؤرخ رينيه جروسيه على ذلك بقوله:

стр. 1095

"أن الملك لويس التاسع كان بذلك في مقدمة كبار الساسة في الغرب، الذين وضعوا للغرب الخطط الرئيسية، لسياسة جديدة شملت مستقبل آسيا وأفريقيا بأسرها". ومن هنا بدأ الغرب التخطيط لهذا الأمر وهو إفساد الفكر الإسلامي. فأجمع الغرب أمره على محاربة الإسلام والمسلمين وذلك بهدم البنيان من أصوله وجذوره، ومحاربة الإسلام في نفوس أبنائه لزعزعة ثقة المسلمين بدينهم وإبعادهم عنه وإبعاده عنهم، وشغلهم بمبادئ أخرى إن لم تقض نهائياً على الإسلام فإنها تزاحمه وتزلزل أركانه، فيسهل القضاء عليه مع الزمن. لهذا قرر الغرب دراسة الإسلام وآدابه وفنونه وعلومه وحضارته دراسة وافية ليقفوا على مواطن القوة والضعف فيها فكان الإستشراق والتبشير السلاحين الخطرين الذين ظهرا بشكل سافر وعلى نطاق واسع منذ أواخر القرن الثامن عشر إلى يومنا هذا. فقد حمل الاستشراق أعباء الأعمال في ميادين المعرفة الأكاديمية وأضفى على بحوثه ودراساته عن العالم الإسلامي الطابع العلمي، واستخدم الكتابة والتأليف والترجمة والتحقيق والنشر وإلقاء المحاضرات وعقد المؤتمرات والتدريس الجامعي وسائل لتحقيق أهدافه. وحمل التبشير أعباء الدعوة في أوساط الجماهير العامة الفقيرة، عن طريق تقديم الخدمات الطبية والتعليمية للجماهير بالإضافة إلى قيامه بإنشاء الملاجئ ودور الأيتام ودور الحضانة للأطفال وإنشاؤه لجمعيات تدعي أنها تهدف لعمل الخير وهي في الأصل للتبشير. وفعلاً أخذ الغرب في تنفيذ هذا المخطط عن طريق الاستشراق والتبشير، حيث عبر عن ذلك المبشر شاتيله في كتابه (الغارة على العالم الإسلامي) وقال مخاطباً المبشرين: "إذا أردتم أن تغزوا العالم الإسلامي وتحصروا شوكته وتقضوا على هذه العقيدة التي قضت على كل العقائد السابقة واللاحقة، والتي كانت السبب الرئيسي لاعتزاز المسلمين وشموخهم وسبب سيادتهم وغزوهم للعالم، فعليكم أن تواجهوا جهودكم إلى نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلامية بأماتة روح الاعتزاز بماضيهم وتاريخهم وكتابهم القرآن، وتحويلهم عن ذلك بنشر ثقافتكم وتاريخكم ونشر روح الإباحية وتوفير عوامل الهدم المعنوي، حتى لو لم نجد إلا المغفلين منهم

стр. 1096

والسذج والبسطاء فإنه يكفينا ذلك لأن الشجرة يجب أن يتسبب في قطعها أحد أعضائها" (١). كما عبر المبشر الامريكى زويمر عن رأيه الصريح في أعمل المبشرين البروتستانت، حين اعترف بأن للتبشير في البلاد الإسلامية ميزة هدم وميزة بناء. ويعني بالهدم انتزاع المسلم من دينه ولو إلى الإلحاد. ويعني بالبناء تنصير المسلم إن أمكن، ويضيف زويمر قائلاً للمبشرين: "لا ينبغي للمبشر المسيحي أن يفشل أو أن ييأس ويقنط، عندما يجد أن مساعيه لم تثمر في جلب كثير من المسلمين إلى المسيحية، لكن يكفي أن تجعل الإسلام يخسر مسلمين بذبذبة بعضهم. عندما يتذبذب مسلم وتجعل الإسلام يخسره، تعتبر ناجحاً أيها المبشر المسيحي. يكفي أن تذبذبه ولو لم يصبح هذا المسلم مسيحيا"ً (٢). الصهيونية المسيحية والإسلام لما كانت اسرائيل والصهيونية العالمية اشد اعداء الامه في هذا العصر، فاننا لا نستغرب دورهما الهدام في الغزو الفكرى للامه، لادراكهم للدور الخطير الذى يلعبه الغزو الفكرى والثقافى في تحقيق مخططاتهم في المنطقة. فقد ادرك قادة ومنظروا الصهيونية المسيحية هذه الحقيقة منذ زمن بعيد. ادركوا ان الغزو الثقافى، يلعب دوراً حاسماً ومركزياً في تحقيق المخطط الامريكى الصهيونى الجهنمى، كما ادركوا ان مخططاتهم لن يكتب لها النجاح الا إذا استطاعوا الانتصار لغزوتهم الثقافية والفكرية التى تهدف إلى شطب ذاكرتنا والغاء تاريخنا لنلعن حضارتنا ونشكك بهويتنا وانتمائنا .. ونعتبر ذلك سبباً لتخلفنا، آنذاك يسهل عليهم السيطرة علينا، ليس حاضراً وحسب بل ومستقبلً ايضاً (٣). واذا كان الفكر اليهودى قد استغل الظلام الذى ساد اوروبا في القرن الخامس عشر وتسلل إلى العقيدة المسيحية، واذا كان هذا التسلل قد ادى منذ القرن السادس عشر إلى وضع اليهود تحت مظلة القداسة الدينية المسيحية، وبالتالى إلى تعامل

стр. 1097

الكنيسة الجديدة (البروتستانتية والتطهيرية) معهم كشعب ميزه الله عن سائر الشعوب الاخرى، وانه - اى الشعب اليهودى - يملك صكاً الهياً بملكية الارض المقدسة، وان عودته إلى فلسطين تحقق نبوءة توراتية تمهد للعودة الثانية للمسيح. واذا كان هذا الفكر اليهودى قد تمكن كذلك، من ربط العقيدة الدينية المستحدثة بالمصالح الاستراتيجية للدول الغربية، فانه لم يقف عند هذه الحدود، بل حاول التسلل ايضاً إلى الإسلام نفسه في مواكبة تكاملية مع ما كانت تتعرض له المسيحية. ومن الجدير بالذكر ان محاولة التسلل إلى الإسلام لم تلقى اهتماماً اسلامياً مبكراً لاسباب عديدة، اهمها هي ان الغاية من هذه المحاولة لم تكن موجهة إلى المسلمين والعرب مباشرة، بقدر ما كانت موجهة إلى الاوربيين. كما ان الذين قاموا بتلك المحاولة هم من الفلاسفة واللاهوتيين والمستشرقيين اليهود الاوربيين الذين كتبوا الافكار التى اختلقوها باللغات الاوربية، ولذلك بقيت الافكار بعيدة عن متناول المسلمين العرب حتى اواخر القرن التاسع عشر. فالمحاولة أو المحاولات اليهودية - الاوربية، تناولت الإسلام كدين، وتناولت العرب كمجتمع، تم طرحت موضوع الدور والحضور اليهوديين في كلا الامرين. فبالنسبة للدين الإسلامى، حاول الفكر اليهودى ان يقدم الإسلام وكأنه اقتباس عن اليهودية، حيث حاول بعضهم اظهار النبى محمد ﷺ ، وكأن لا عمل له سوى الاقتباس عن اليهودية، وحاول آخرون ان يصور يهود الجزيرة العربية على انهم المصدر الذى استقى منه الرسول الكريم هذه الافكار. وعلى الخط نفسه زعم بعضهم بالاثر اليهودى على عقيدة التوحيد في الإسلام، واكدوا على اهمية الدور اليهودى وحجمه في الجزيرة العربية، حتى المؤسسات الإسلامية نسبوها إلى اليهود. هذه الدراسات اليهودية حاولت من جهه اولى ان تنكر المقومات الذاتية للحضارة الإسلامية العربية، وحاولت من جهه اخرى ان تدعى استمرارية الوجود اليهودى في المنطقة، وان تنفى الغياب اليهودى عن المنطقة العربية تبريراً لقرار العودة ممثلاً في فكر الصهيونية. واذا كان بعض المفكرين العرب المحدثين قد سقط ضحية تضليل هذا الاستشراق اليهودى، فان الإسلام خلافاً لما حدث في المسيحية، استعصى على الاختراق واحتفظ بسلامة العقيدة وبنقاوتها. غير ان الفكر

стр. 1098

اليهود حقق نجاحاً محدوداً جداً في ميدان، كما حقق نجاحاً واسعاً في ميدان آخر. يتمثل النجاح المحدود جداً في ظهور بعض الحركات الارتدادية كالقاديانية والبهائية وغيرها. ولكن انحصار هذه الحركات في اطراف العالم الإسلامى وعزلها بعيداً عن القلب ادى إلى انحسارها وتآكلها (١). اما النجاح الواسع فيتمثل في القضاء على الخلافة الإسلامية رمز الوحدة وقاعدتها (٢). أمتنا ودورها الحضاري إذا كنا عرضنا في السابق تصور لطرق مواجهة الهجمة الصليبية من داخلها أو بالتحالف مع قوى اخرى خيره في العالم من خلال حوار الأديان والحضارات، الا ان كل ذلك ليس كافيا لنجاح هذه المواجهة إذا لم نقم نحن المسلمون والعرب بتأسيس وبناء مشروعنا الحضاري الخاص بنا والذى يمكن ان يكون بديلا انسانيا للنموذج الأمريكي المتهاوى واللانساني. فهذا التخطيط الواعى من قبل الاعداء .. وهذه الشراسة الهمجية في العدوان، والوضوح في الاستهداف، يستدعى من امتنا رداً بمستوى الخطر الجسيم الذى يتربص بها، وهذا لا يكون الا بمشروع نهضوى شامل يتم التأسيس له من معمان المعركة المفتوحة مع العدو ومن خلال ادامة الاشتباك معه بمختلف الاشكال الممكنة أو الممكن ابتكارها (٣). وعسى إن تكرهوا شيئا وهو خير لكم فمن يدري؟ لعلها وخزه كبيرة تخترق الجملة العصبية لامة نائمة فتستيقظ، لعلها تلتقي بعد التمزق والتشتت والخصام ولو على الحد الأدنى من مطالب التوحد وشروطه، فيما يمنحها

стр. 1099

ثقلاً بين الأمم ويعيدها ثانية إلى التاريخ بعد رحلة الضياع في التيه كما ضاع بنو إسرائيل من قبل، لعلها فرصة البحث عن الذات الغائبة والتحقق بحضور اشد فاعلية واكثر عطاء (١). فالامه العربية والإسلامية هى امة ذات رسالة انسانية خالدة، ساهمت عبر التاريخ باسهامات لا ينكرها الا جاحد، فالحضارات الانسانية الأولى نشأت وترعرت بها، والأديان السماوية كذلك، وقد سبق للمؤرخ ارنولد توينبي اعتبار أن مركزي الحضارة هما منطقتا سوريا واسيا الوسطى: ففي سوريا تشكلت المسيحية التي توسعت في العالم الهيليني بأكمله، كما تشكلت النسطوريه ومذهب الطبيعة الواحدة للسيد المسيح في ايديس في بلاد ما بين النهرين. وفي جنوبي سوريا- في الحجاز - ولد الإسلام في مكة والمدينه (٢)، حيث انتشر في مشارق الارض ومغاربها بسرعه فائقة وانشأ حضارة زاهره امتدت لقرون طويلة، ظلت ثؤتر وتغني الحضارة الانسانية حتى هذه اللحظة. وقديماً هدم الرومان تدمر وأتى العرب بعد الف عام فبنوا قرطبه ... لقد أقاموا مع جامع قرطبه جامعتها التي كانت مركزاً ثقافياً شع على الغرب على مدى ثلاثة قرون بعلوم الشرق وحكمته وفلسفة اليونان والهند، لا بترجمة الآثار العلمية والفلسفية فحسب، بل بإبداع (تركيبة) جديدة وتطوير خلاق مارسه الإسلام. وعلى الطرف الآخر من العالم الإسلامي .. من بغداد إلى جند يسابور قرب الخليج العربي كان الاطباء والحكماء من يونان وهنود وغيرهم يتعاونون في ظل الحضارة الإسلامية. كان العالم الإسلامي يلعب دوره الحضاري في تمدين الانسان وتطوير انسانيته عبر هذا الطريق التى شقتها له شعوب المنطقة منذ ثلاثة آلاف عام (٣). إن الدارس لبنيات الحضارات الإنسانية المختلفة، لا يمكنه أن يتنكر للدور الحضاري الخلاق الذي لعبه العرب والمسلمون في بناء النهضة العلمية لأوربا

стр. 1100

الحديثة (١)، فهذا أوجست كونت مؤسس الفلسفة الوظعية أدرك قدرة الإسلام في التعامل واحتواء جميع العقول والفلسفات والأفكار الإنسانية .. وعبّر عن ذلك بقوله: " إن عبقرية الإسلام وقدرته الروحية لا يتناقضان البتة مع العقل كما هو الحال في الأديان الأخرى؛ بل ولا يتناقضان مع الفلسفة الوضعية نفسها؛ لأن الإسلام يتمشى أساساً مع واقع الإنسان، كل إنسان، بما له من عقيدة مبسطة، ومن شعائر عملية مفيدة! (٢). أما شبرل" عميد كلية الحقوق بجامعة "فيينا"، فيقول في مؤتمر الحقوق سنة ١٩٢٧: " إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد ﷺ إليها، إذ رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرناً؛ أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوربيين أسعد ما نكون؛ لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي سنة (٣) ". والحضارة الإسلامية الآن غير عاجزة عن التكيف مع العصر، وتملك خبرات وقيماً رفيعة من التسامح والقدرة على التفاعل والتعايش مع الآخرين. فقد منعت الحضارة العربية الإسلامية - بالقول والفعل - إهدار كرامة الإنسان والسيطرة عليه. وأكدت -مثلما أكدت حضارات أخرى- أن كرامة الإنسان اسبق من كل انتماء وهوية حضارية، وحصانة أولية للإنسان ثابتة له بوصفه إنسانا كرمه خالقه وجعله خليفة له في أرضه. فالاختلاف والخلاف بين الحضارات لا ينبغي لهما أن يهدر حق الشعوب، أن في التعامل أو في الوجود (٤). وبالرغم من ان الحضارة المسيطرة الآن هى الحضارة المسيحية، الا ان العالم والمؤلف البارز، الدكتور (رالف بريبانت)، يعتقد: "ان الإسلام يشهد حالياً، تزايد الاقرار به، والموافقة عليه، على النطاق العالمى، في حين ان المسيحية تبدو في حالة تراجع ببعض النواحى. فنظام القيم الإسلامى يبدو اكثر تحفظاً بنقائه الاصلى، واسلم من المعتقدات المسيحية التى تتراجع باطراد، إلى عالم الاسطوره أو التعصب .. اما الإسلام، فانه، من ناحية اخرى في مرحلة نمو دينامية، مفعمه بالحماسة والنشاط".

стр. 1101

وهنا يحذر بريبانت- وهو عضو في الكنيسة الاسقفية البروتستانتية- من ان الإسلام لا يصل إلى تحقيق كامل طاقته الكامنه الا إذا اولى المسلمون صورة الإسلام لدى العامة من الناس اهتماماً كبيراً، فضلاً عن اهتمامهم بسلوك المسلمين كأفراد ايضاً: "نجد في هذه اللحظة من التاريخ، ان للقوى المحركة في الإسلام وقيمه المحددة بوضوح، امكانية انتشال العالم الغربى من حالته المرضية. ولا يمكن ان يتحقق ذلك، الا إذا كانت الصورة، التى يعرضها الإسلام على الشاشة الكونية، واداء المسلمين على المسرح العالمى، متساوقين مع مبادئ الإسلام، في السلام والعدل واحترام الحياة" (١). ولو أن الإسلام - بدلا من أن يتحجر على ماضيه - عاد إلى التصور القرآني لوحدة الديانات منذ أن نفخ الله من روحه في أدم ﵇ وذلك بشريعة هي القاسم المشترك لكل عقيدة ولكل حكمة على المستوى العالمي، وبمعنى آخر: لو عاد الإسلام إلى أصالته القرآنية، ولو عاد (لاهوت التحرير) إلى أصالة رسالة السيد المسيح بعيداً عن عهود (لاهوت السيطرة)، فان هذه الجبهة العالمية سوف يتحقق لها النصر على هذا العالم الذي يخلو من الروح وهو عالم (وحدانية السوق) " (٢) وهنا يعتقد الامير تشالز، وريث العرش البريطانى الذى يجعله منصبه هذا رئيساً فخرياً لكنيسة انجلترا، "ان بوسع المسيحيين تعلم امور كثيره من المسلمين". وفي خطاب متلفز القاه عام ١٩٩٣ في جامعة اكسفورد، لحظ تشارلز مآثر الإسلام للحضارة الغربية، حين قال: "يمكن للاسلام إن يعلمنا اليوم طريقة للفهم والعيش في العالم كانت المسيحية هى الخاسرة عندما فقدته. ذلك اننا نجد في جوهر الإسلام محافظته على نظرة متكاملة إلى الكون. فهو يرفض الفصل بين الانسان والطبيعه، وبين الدين والعلوم، وبين العقل والمادة. وقد حافظ على نظرة ميتافيزيقية وموحدة عن انفسنا، وعن العالم من حولنا" (٣). وفي كتابه (الإسلام في الغرب) يعطي (روجيه جارودي) ادلة على عالمية الرسالة الإسلامية وانفتاحها حيث يقول: "ان الاُمّة الإسلامية هي منفتحة ـ بلا تمييز

стр. 1102

للاصل أو العنصر ـ على كل من يعترف بوحدانية الله وتنزيهه للرسالة الشاملة لكل الانبياء". ويضيف: "ان جدال المسلمين مع اليهود ليس موجهاً ضد رسالة موسى ورسالة الانبياء، بل ضد تأويلاتها المتعصبة، وكذلك فأن جدل المسلمين مع المسيحيين ليس موجهاً ضد رسالة عيسى ولكن ضد الشرك". ثم ينتهي جارودي إلى القول: "وبما ان الإسلام قد تجلى هكذا ـ كما جاء في القرآن ـ بشموليته دون ان يكون مرتبطاً بتقاليد معينة لشعب ما، فقد عرف تألقاً معجزاً، لان اعتناقه لم يكن يعني بالنسبة لرجل مؤمن، قطيعة ولا كفراً: فكل شخص يجد فيه الرسالة التي تلقاها عن انبيائه، بشكلها الاكثر بساطة والاكثر شعبية، وتطبيقها في جميع ميادين الحياة يجعل الله حاضراً في كل امر وفي جيمع العلاقات الاجتماعية: اقتصادية، سياسية، ثقافية (١). وربما هذا ما حدا بسفير المانيا في المغرب ويلفريد هوفمان ان يعد كتاباً تحت عنوان (الإسلام هو البديل) يطرح فيه الإسلام المنهج الصالح والامثل لانقاذ البشرية من عذاباته. ورغم ان الامر يدخل في اطار حرية العقيدة التي يتغنى الغرب بالدفاع عنها، فان فرانك ايليه مدير ادارة التخطيط السياسي بوزارة الخارجية في بون، رفع تقريراً إلى وزارة الخارجية يصف فيه ان الامر في غاية الخطورة ويتنافى مع الدور الذي يمكن ان يلعبه سفير دولة ديمراطية غربية في دولة اسلامية! وهكذا فإن العالم العربي والإسلامي يستطيع الانفتاح على الحضارة الإنسانية, وبالمشاركة في صناعتها، والمساهمة في ابداعاتها وان يقف في وجه المد الالغائي الذي يتعرض له، بل انه يستطيع ان يضفي عمقاً روحياً على هذه الحضارة وان يهذب سلوكها، بحيث تكون اكثر انسانية مما هي عليه الآن. ولان الحضارة هي تراكم ثقافات تفرز قيما مشتركة تعيد صياغة حياة الانسان، فان لنا من ثقافتنا ومن قيمتنا ما يؤهلنا للمساهمة في عملية نقل الانسان إلى حقبة حضارية جديدة، وهذا يتطلب أولا, وقبل كل شيء, إعداد عقول نيرة تكون في مستوى هذا التحدي الحضاري. فتاريخ الإنسانية يشهد بان كل التحديات الكبيرة قام بها افراد نذروا أنفسهم لقيم ومبادئ يؤمنون بها ويكافحون من اجلها، ومن اجل تحقيقها فرادى

стр. 1103

وجماعات. قد يكون مثل هؤلاء الأشخاص قلة في مجتمعاتنا، وهم كذلك فعلاً، إلا انهم قادرون، كما حدث في مجتمعات عديدة أخرى، على تغيير مسار التاريخ (١). وهنا يستقرئ ارنولد تويبني ما يمكن ان يقوله التاريخ بصدد مستقبل الإسلام ثم يصدر حكمه فيقول: "إذا كان للسوابق التاريخية اي معنى عندنا وهي اشعاعات الضوء الوحيدة التي يمكن ان يلقيها على الظلمات التي تكتنف مستقبلنا، فانها تنذر بأن الإسلام قادر على التأثير في المستقبل بأساليب عدة تسمو على فهمنا وادراكنا (٢). ويؤكد هذا المعنى (جارودي) في (وعود الإسلام) فيقول: "ما الذي يستطيع الإسلام إن يقدم، ليعدنا للإجابة عن المسؤوليات التي تفرضها قدرة العلم والتقنية على جميع البشر اليوم؟ وما يلبث إن يجيب: إن المشكلة كونيه ولا يمكن للجواب ألا إن يكون على المستوى الكوني. وهكذا تصير مشاركة الإسلام القادمة اكثر من ضرورية، تصير أمراً محتماً لأنها لن تدخل الساحة لكي تعالج هذه الجزئية أو تلك، وإنما لكي تعيد تصميم الحياة البشرية بما يرد إليها قيمتها الحقه ويمنحها هدفاً ومغزى (٣). إن الغاية الأولي والأخيرة للرأسمالية هي النمو المادي وتجميع الثروات بصرف النظر عن الكيفية وعن آلية التوزيع. أما في الإسلام، فإن الغاية من الحياة والرؤية الاقتصادية مختلفتان تمام الاختلاف. لقد أوضحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في دراستها حول الإسلام والرأسمالية والاشتراكية، الرؤية الإسلامية للاقتصاد. وقد أوردت هذه الدراسة: تختلف المفاهيم الإسلامية عن الرأسمالية في أنها تعارض كنز الثروات، وعن الاشتراكية من حيث أنها لا تنكر حقوق الملكية، بما فيها ملكية وسائل الإنتاج. فالمجتمع الإسلامي الصحيح ليس بأي حال من الأحوال حلبة تتصارع فيها المصالح المختلفة وتتناحر، بل إنه مكان تسوده العلاقات المنسجمة التي يمكن تحقيقها والوصول إليها من خلال الإحساس بالمسؤوليات المشتركة. ولا بد لحقوق الأفراد أن تكون متوازنة مع مصالح المجتمع بأكمله علي

стр. 1104

نحو متساوٍ. فكما قال أحد مشاهير المدراء التنفيذيين الأميركيين ذات مرة، فإنه يعيش بين أحزان الأمس وقلق الغد. أما في الإسلام، فإن من يحكم مصالح المجتمع بأسره هو الصالح العام وليس وول ستريت، أي أن المصلحة العامة هي الغاية من الحكم دون أي إجحاف لحقوق الأفراد الشرعية. وهذا ما تفتقده الولايات المتحدة التي يمتلك ٠.٥% من سكانها أكثر مما يملكه ٩٠% من الشعب الأميركي من الثروات، في وقت يعتبر ٣٥ مليوناً من الأميركيين فقراء حسب تصنيف الحكومة، وهذا ما يجعل نظامها الاقتصادي متناقضاً مع المبادئ الإسلامية (١). بناء مشروع نهضوي عربي يتوقع ان يشهد المستقبل الحضاري للإسلام انتعاشا فعالا لاعتبارات عدة أهمها: القوة الكامنة في الإسلام التي لا يمكن ترويضها أو محوها، ثم الإمكانيات الاقتصادية من مواد خام وأموال وأراض خصبة وصناعات، وهذه -إن أحسن استغلالها- تشكل مصدراً مهما وفعالاً في هذا الانتعاش. أما الإمكانيات البشرية فهي أكثر ما يخيف أعداء الإسلام، خاصة لما قد يحمله هذا الكم البشري الهائل من كفاءات وكوادر يمكن أن تبدع وتنجز إذا ما توفرت لها ظروف الإبداع والإنجاز. وهنا فأن الشعور بالظلم كفيل بتفجير قوة قادرة على المواجهة والتحدي، مع وجوب بذل الجهد لأجل التمسك بالبعد العقدي في كل المجالات. "فالعقيدة هي التي حافظت على ما بقي من استقلالنا وتميزنا وهي مصدر قوتنا وعزتنا". وتمثل استقامة البعد التربوي أهم عامل تجب مراعاته لأجل تدعيم الحفاظ على البعد العقدي، وذلك بإيجاد منظومة تربوية فعالة تهدف إلى تكوين أفراد يؤمنون بالجد والعمل، وتمدهم بقيم وعادات سليمة ومهارات علمية متطورة في مختلف المجالات. ولأجل مواجهة واقع لا يرحم وتحديات دولية لا مكان فيها للضعفاء، لابد من اعتماد سياسة التكتل والتعاون، لأنه ربما لن يجد العرب والمسلمون خيراً من تضامنهم للحاق بركب

стр. 1105

الحضارة ومحاولة التأثير في إعادة صياغة النظام العالمي بما يخدم مبادئهم ومصالح شعوبهم (١). وقد نظم مركز دراسات الوحدة العربية في الفترة ٢٣ - ٢٦ نيسان/إبريل ٢٠٠١ في مدينة فاس في المغرب، ندوة "نحو مشروع حضاري نهضوي عربي" وقد شارك فيها حوالي مائة مفكر وباحث من أنحاء عربية واتجاهات وأجيال مختلفة. وقد سعت الندوة الإجابة على سؤالين: هل للعرب مشروع نهضوي انتكس ولا يحتاج إلى أكثر من استئناف أم أن الأمر يتعلق بغياب مشروع من هذا النوع وبالحاجة إلى إنشائه؟ وقد اجمل المجتمعون الأسس والعناصر التي يقوم عليها المشروع النهضوي وهي ستة: الوحدة العربية في مواجهة التجزئة، والديمقراطية في مواجهة الاستبداد، والتنمية المستقلة في مواجهة النمو المشوه والتبعية، والعدالة الاجتماعية في مواجهة الاستغلال، والاستقلال الوطني والقومي في مواجهة الهيمنة الأجنبية والمشروع الصهيوني، والأصالة والتجدد الحضاري في مواجهة التغريب (٢). ومن الواضح ان هذه المبادئ الستة التى اجملتها الندوة كلها تصب في خانه واحدة وهى تأتى في اطار المواجهة مع الهجمة الصليبية الأمريكية الحالية التى تعمل وتخطط لعدم تمكين امتنا من تحقيق وحدتها واستقلالها الفعلى لتتمكن من استغلال مواردها في بناء مشروعها الحضارى المستقل والذي يمكن ان يساهم بايجابية في تخليص العالم من هذا الكابوس الأمريكي الظالم والمدمر. كيف نواجه الهمجية الدونية (٣) إن العرب والمسلمين احوج من غيرهم إلى اليقضة والانتباه إلى ما يحاك ضدهم، وقد اخترقتهم الهيمنة الاوربية اولاً والأمريكية حالياً بشعارات تجميلية ومغالطات تنميقية. فبأسم التحرير يتم التدمير والتعهير، وباسم الانسانية يتم الحصار والتجويع والتركيع للنساء والاطفال والشيوخ، وباسم حقوق الانسان تتم ابادة

стр. 1106

الشعوب، وباسم الديمقراطية يتم رفع لواء المحتل الصهيوني بعنصريته الفجة! كل هذا الافتراء وازدواجية المعايير في التعامل واختلاق الاسباب لنسف البنية الحيوية للشعوب، باتت امراً سافراً إلى درجة ان الجماهير تعودت هذا القبح، وتبدو وكأنها استكانت له. ولكن الفوران الداخلي سيطفو، وسيرفض الانسان هذا الهدر لآدميته في لحظة تاريخية حاسمة إذا ما تعلم من التاريخ. فالقناعة بإمكان التحول من الرضوخ إلى المقاومة، من الشرذمة إلى الوحدة، من التواكل إلى الارادة، من التبعية إلى الاستقلال، هي المحرك للتغيير. ان لحظة التغيير ليست لحظة سحرية، بل هى لحظة وعي جماعي يدرك آليات الاستعمار وميكانزيمات قهر الآخر، ويبدع مواجهة مناسبة تتلائم مع نوعية الهجمة وضراوتها. فليس يكفي ان نعرف اننا مقهورون: علينا ان نعرف كيف تم قهرنا. وهذا القهر ليس مسألة بسيطة. فهو ليس انتصاراً عسكرياً أو اختراقاً اقتصادياً فحسب، بل هو صراع حضارى شامل (١). ان العرب يدفعون الآن فيتدافعون خارج التاريخ، ليس فقط لأن وطنهم في زمن تصفية الاستعمار في اشكاله كافة، والتحرر الوطني للشعوب في كل مكان، هو الوطن الوحيد الذي ينشأ فيه ابتداء ويستقر في قلبه استعمار استيطاني، عنصري، ظلامي، توسعي، اذلالي، فاشي النزعة، يعرف كل عربي حي في قرارة نفسه ان هدفه النهائي هو بسط سيطرته العسكرية والسياسية والاقتصادية على سائر البلدان العربية، وتنصيب نفسه سيداً عليها يستغل خيراتها ويحطم طموحات شعوبها، ويرى كل عربي ذي عينين ان كل عقد من العقود الخمسة الماضية، قد اتى لتلك المغامرة الاستعمارية الفريدة بنصر جديد، وجعلها ادنى إلى تحقيق كامل اهدافها، لا، ليس ذلك وحده هو الذي يخرج العرب من المجرى العام للتاريخ: فالتاريخ قد يصبر على قوم في هزائمهم، وقد يمد يده لمن يتخلف عن الركب، اما الذي لا يتسامح التاريخ فيه ابداً، فهو ان يدير القوم ظهورهم له ويمضوا متباعدين عنه، وذلك تحديداً ما يفعله العرب (٢).

стр. 1107

وفي كتابه "صهيونية الخزر وصراع الحضارات" يعرض الاستاذ/وليد محمد على لخطة لمواجهة الهجمة الدونية الأمريكية الصهيونية حيث يقول: "أن كسب المعركة في مواجهة الهمجية الدونية، لا يتوقف على قناعتنا الراسخة أننا أبناء حضارة إنسانية منفتحة على غيرها من الحضارات .. تدعو إلى التلاقح والحوار الإنساني .. ولا تتوقف على قناعتنا الراسخة أننا أصحاب حق ولا على إقناع الآخرين بذلك الحق. أننا نستطيع كسب المعركة إذا ما استطعنا بناء عوامل الصمود الحقيقية لمواجهة الهجمة، وعملنا تراكميا لبناء مقومات المواجهة وتحقيق النصر. تحقيق ذلك يحتاج إلى حوار مسؤول ومساهمات جادة من قبل من يرون أنفسهم معنيون بحاضر الأمة ومستقبلها. وهذه عناوين أساسيه نعتقد أنها ستفيد في التأشير إلى ما نراه يساهم في خدمة المعركة. أن الرد على الهجوم الدوني المتوحش الذي قلب كل المعايير القيمة والأخلاقية الإنسانية الذي يسعى لتسطيح كل شيء من الفكر إلى العمل الإنتاجي إلى الإبداع .. فيصبح التعصب لفريق رياضي كفيلاً بتحويل جمهور نهاية القرن العشرين إلى متعصبين، لا يتورعون عن تدمير كل شيء تعصباً للفريق ... والرياضة أصبحت سلعة تجاريه، بدل أن تكون وسيلة من وسائل بناء الجسم والعقل (العقل السليم في الجسم السليم). يصبح الرياضيون سلعة تباع وتشترى في الأسواق ويعرضون في البورصات العالمية. فيغدوا الاهتمام ببناء فريق كرة القدم له الأولويه على بناء مصنع، وتنشئة لاعب كره أهم من عالم فيزياء أو رياضيات، ودخل راقصه (هز البطن) يتجاوز دخل أساتذة جامعه بأكملها .. وفتاة الموديل يتجاوز دخلها دخل عمال ومهندسي مصنع كبير .. الخ (١). أن الرد على هذا الهجوم الدوني المتوحش لا يمكن أن يكون إذا ما أردنا له الانتصار إلا رداً حضارياً، أولا وقبل كل شيء. رد نكرس عبره انتماءنا إلى العروبة الحضارية الطاردة لكل تعصب عنصري أو انغلاق .. نؤكد التزامنا بحضارتنا الإسلاميه (مسلمين ومسيحيين وسواهم من أبناء الأمة .. فإذا كان الإسلام للمسلمين عقيدة وحضاره وقيما وتراثا، فهو لغير المسلمين حضارة وقيم وتراث)

стр. 1108

القائمة على اخوة الإنسان للإنسان .. لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا إكراه في الدين. فحضارتنا العربية الإسلامية حضارة منفتحة لا تعرف الانغلاق على الذات وتدعو للانفتاح على الآخر (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). حضارتنا قادرة على الامتصاص الإيجابي لكل آليات التقدم والتطور والتلاقح الثقافي والحضاري مع الآخرين على أساس احترام خصوصيات كل شعب وقوم بهدف تعاون الحضارات لا تصادمها، تعاون يؤدي إلى إنقاذ البشرية من مصائب ومكائد الوحشية الدونية (١). كما ان للعلم دور كبير في بناء الحضارة وفي الديانة الإسلاميه دعوة ملحه للاستزاده من العلم واكتسابه. يقول تعالى في محكم كتابه الكريم (علم الإنسان ما لم يعلم) (وقل ربي زدني علما) وجاء على لسان رسولنا الأكرم محمد ﷺ إلحاح على طلب العلم مهما كان مصدره وكانت الصعاب في سبيل الحصول عليه (اطلبوا العلم ولو في الصين). ويربط الإسلام بين العلم النظري والتطبيق العلمي يقول تعالى (إنا لا نضيع اجر من احسن عملا) ويقول الرسول الأعظم (أن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه). وقد كان للعرب والمسلمين إنجازات علمية ضخمه، قاموا بها وأبدعوها عندما كانوا متمثلين للجوهر الحضاري لديانتهم الحنيفه، حيث أن كل الوقائع تؤكد زيف الادعاء القائل (أن العلم صناعة غريبة) وهي مقولة لا يرددها للآسف المستعمرون ومنظروهم وحدهم، بل وبعض أبناء امتنا من المغترين المخترقين من قبل أفكار الهمجية الدونية. ذلك لان الواقع الراهن يعطي مؤشرات في هذا الاتجاه (العلم صناعة غريبة) ومن مهمتنا الملحة إذا أردنا أن نكسب المعركة .. العمل على الخروج من الوضع الراهن، وبناء ما ينسجم مع التاريخ والمصلحة الإنسانية. لقد عرف عصرنا الراهن اقواماً كثيرة، هامشية قليلة العدد، كانت تقف على اطراف العالم في الامريكتين واستراليا، فاجأتها الاحداث بما لا تطيق فانقرضت أو كادت: بعضها لم يعرف من حضارة الغرب سوى الخمر فغرق فيها، وبعض آخر ظن أنه يستطيع ان يطرد الشياطين الوافدة برقصة الدراويش طوال الليل وممارسة

стр. 1109

الطقوس السحرية آناء النهار، وبعض ثالث توهم خلاصه في التفاني في خدمة السادة الجدد ففقد نفسه وأرضه، وثمة آخرون انطلقوا على احصنتهم الشهباء، على رؤوسهم الريش الابيض أو الاحمر واصواتهم تجلجل بصيحات الحرب، يحاولون اختراق صفوف العدو الرابض في انتظارهم، لكن لم تغنهم الشجاعة الشخصية الفائقة عما تسلح به الغزاة من اسباب العلم والتنظيم والتخطيط والتعاون المنضبط. (١) فمن غير الجائز أن يبقى الكيان الصهيوني (الثكنة العسكرية المتقدمة للولايات المتحدة) متقدماً علمياً على امتنا بكاملها. رغم كل ما لامتنا من تاريخ وحضارة ومن إمكانيات بشرية وطبيعية. (يقول نتنياهو) رئيس وزراء العدو الصهيوني: "إنني متفائل جداً لأنني أومن بأن في استطاعة (دولة إسرائيل) خلال الأعوام القريبة المقبلة، أن تزيد في قوتها أضعافاً مضاعفة في العالم ما بعد الصناعي الذي نلجه، توشك (إسرائيل) أن تتحول إلى عنصر جبار، شديد الأهمية، لأننا متأهبون لاقتصاد المعلومات اكثر من أية دولة أخرى في العالم. أن عدد العلماء نسبة إلى السكان في البلد هو الأعلى في العالم، والمؤسسة الأمنية تنتج سنوياً آلافاً من الشبان الذين اكتسبوا خبرة فريدة من نوعها في مجال نظم المعلومات والحاسبات الالكترونيه والمحركات والأجهزة الآلية التي تقوم بأعمال الإنسان". طبعاً لم يذكر (نتنياهو) أن نسبة عاليه جداً من هؤلاء العلماء قد قدموا إلى الكيان الصهيوني عبر تهجيرهم من بلدانهم ودفعهم للاستيطان في فلسطين خدمة للمشروع (الأمريكي الصهيوني) " (٢). وعلى الطرف الآخر في عالمنا العربي تعيش شعوبنا نسبه عالية من الامية باختلاف انواعها ولا يتجاوز انتاجنا الثقافى والعلمي مما ينشر ما تنشسره دوله صغيره مثل اليونان، وحتى اسهاماتنا العلمية معدومه وانتاجنا الثقافي والفكرى وحتى العلمي تغلب عليه الشعوذة والنقل والتقليد واجترار الماضى والتغنى على الاطلال، ولكن بالرغم من ذلك فأننا قادرون بالتأكيد على الإبداع العلمي، وعلى

стр. 1110

جسر الهوة الثقافية والتقنية والمعلوماتية التي تفصلنا عن الدول المتقدمة، فهناك الآلاف من كبار العلماء والمخترعين والمبدعين من أبناء امتنا موجودون في الكثير من دول العالم، ويحتلون العديد من المفاصل في عالم الثقافة والمعلوماتية وغيرها من حقول العلم. وهم مستعدون إلى العودة إلى وطنهم في حال توفر المناخات المناسبة. وكذلك يوجد في وطننا العربي عشرات الآلاف من العقول المبدعة والمعطاءة. وبالأساس فان مسألة توفر الكفاءات العالية العربية سواء في الوطن أو دول المهجر ليست بالقضية المطروحة أمامنا. بل أن القضية هي كيف يمكننا تأسيس مشروعنا النهضوي العربي الذي يستقطب كل الكفاءات. ولذلك كما نرى عدة شروط أبرزها: أولاً: حسم رؤيتنا لطبيعة الصراع مع العدو الأمريكي الصهيوني، كونه صراعاً حضارياً شاملاً وهو مع الكيان الصهيوني صراع وجود. ثانياً: الاقتناع الراسخ لدى كل المنتمين للمشروع النهضوي الحضاري للامه .. أن تخلفنا الراهن، هو أمر طارئ وغير طبيعي، وان حضارتنا العربية الإسلامية (عندما كنا متمسكين بها وقادرين على تمثلها بشكل صحيح) مكنتنا من أن نكون في قمة الحضارة العالمية. ثالثاً: أن يصبح هذا المشروع هو مشروع جماهير الأمة صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير والنهضة والتقدم. وهذا لا يتأتى إلا في إطار تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. والفصل بين المؤسسات، والإقرار بالحريات الأساسية، التي كان الإسلام من مصادرها الاساسية. لان ذلك يؤدي إلى إفساح المجال أمام الطاقات المبدعة ويفجر الإبداع المتجدد ويساهم في كسر حلقة التخلف الذي نعيش فيه. رابعاً: أن تعود أوطاننا إلى أبنائها بشكل فعلي وملموس ليعود أبناؤها إليها (إلى أوطانهم). فامتنا ونتيجة لدوامة التخلف والتجزئة والتهويد، أصبحت أمة طاردة لأبنائها الذين اصبحوا يضطرون إلى هجرها بحثاً عن العلم والوظيفة وتحقيق الذات، وأحياناً بحثاً عن العلاج ناهيك عن الحرية.

стр. 1111

خامساً: إعطاء الاهتمام اللازم لمراكز البحوث والدراسات التي تمكن العلماء والخبراء من العمل في تخصصاتهم، والإسهام في تطوير مجتمعاتهم. سادساً: أن تكون حكوماتنا وأحزابنا ومنظمات المجتمع الأهلي كلها أدوات لتحقيق أهداف الأمة لا أهداف بحد ذاتها. هذا يساعدنا على الخروج من حالة القبلية (١) التي نعيش في دوامتها ويعيدنا إلى وضعنا الطبيعي .. فقد كانت الخلافة الراشدة أول نظام حكم ديمقراطي حقيقي في التاريخ (الحكم بالمبايعة والقيادة بالشورى). وعندما تخلى المسلمون عنها وصلنا إلى هذا الوضع المتأزم، الذي يتحمل مسئوليته القادة والسياسيين والمفكرين، فانهم أولاً وأخيراً حجر الرحى، ومركز الدائرة، وملتقى تقاطع الخطوط، ونقطة الزاوية فيما نحن فيه، من العلاقة المتأزمة بين أقطارنا، وبين شعوبنا وحكامنا، وبين تياراتنا الفكرية والسياسية. نعم أن الكل مسؤول والكبار قبل الصغار والعقلية الشخصانية للحكام أولاً وغياب المشورة وغياب الديمقراطية وغياب التعددية في الرأي ومحاولة الزعامات فرض الرأي الواحد باللجوء إلى اسهل الطرق .. إلى أجهزة القهر ووسائل القمع. هذه البدائية في العمل السياسي هي السبب والداء والمرض الكامن في كل الدول المتخلفه .. إنها الطفولة والانفعالية والتهافت على الأخذ قبل العطاء، ومحاولة رؤية كل شيء من خلال الأنا وليس من خلال نحن، من خلال الواحد وليس الكل. وللاسف فإن كل الدول العربية والإسلامية مصابه بهذا الداء الوبيل بدرجات مختلفة .. والإسلام أبداً ليس مسؤولاً عن هذا الداء الوبيل. فأول ما يأمر به القرآن كل حاكم هو ألا يطيع هواه وألا يركن إلى نفسه وان يطلب العدالة بلا تحيز وان حملته هذه العدالة على إنصاف من يكره ومعاقبة من يحب وان يأخذ بالمشورة وان يستمع إلى رأي الاخر (٢).

стр. 1112

سابعاً: الإقرار بفطرة الاختلاف وبديهية التعددية. فالإقرار بالاختلاف والتعددية هو المدخل الطبيعي لإبداع الوسائل التي تمكننا من مواجهة تحديات العصر وصناعة المستقبل. ومع الآخذ بعين الاعتبار أن لا فائدة من التعددية إذا لم تمكنا من حشد الجهود في مواجهة الغزو الأميركي الصهيوني، ولا فائدة من أي تيار إلا بانخراط دعاته وأنصاره في خضم المعركة المصيريه. ثامناً: العلاقة الجدلية بين الوحدة والتحرير والتقدم. لقد ارتكز الغرب الاستعماري على حالة التخلف التي كانت تعيش فيها امتنا (بفعل عوامل مركبه لا مجال للخوض فيها هنا) ليحتل بلادنا، ويجزء حتى الوحدات الطبيعية فيها (سوريا، وادي النيل، المغرب العربي، شبه جزيرة العرب والخليج اليمن)، وعمل على تهويد القلب الذي يربط الجناحين الآسيوي والإفريقي للوطن العربي (فلسطين). فكان الارتكاز إلى التخلف والتجزئة لإقامة ثكنة عسكرية متقدمة للغرب وعمل على تكريسها، فتشكل ثالوث معاد يساند بعضه بعضاً (التخلف، التجزئة، التهويد). وقد اصبح من الواضح ومن خلال التجربة العلمية أيضاً، أن لا تقدم ممكن لأي قطر من الأقطار العربية .. إلا عبر خطوات وحدوية تراكمية، وهذه الخطوات لم تعد ممكنة بدون عملية تقدم شاملة تؤدي إلى وعي عميق بأهمية الإقدام على تلك الخطوات الوحدوية. وهذان الأمران الوحدة والتقدم غير واردين بدون التصدي للغرب الاستعماري المتمثل الآن بالولايات المتحدة - وقاعدته المتقدمة الكيان الصهيوني. ولقد أثبتت الأمة قدرة كبيره على هذا التصدي وعلى دور التصدي في حشد طاقاتها (تجربة حرب تشرين/أكتوبر ١٩٧٣ - المقاومة الفلسطينية والانتفاضة الشعبية - المقاومة الإسلاميه والوطنية في لبنان). أن علاقة الوحدة والتقدم والتحرر علاقة مثلت جدلي سبب ونتيجة، أن كلاً منها سبب للآخر ونتيجة له في آن واحد. فالتحرير سيكون نتيجة للوحدة والتقدم وهو أساسي لهما، وكذلك الوحدة لن تكون بدون تقدم. والتحرير والتقدم لن يكتب له النجاح بدون خطوات على طريق الوحدة والتحرير. ثالوث لا يمكن له أن يتحقق إلا بالتوازي وبالتراكم المترابط. تاسعاً: أن يستند المشروع النهضوي لامتنا على دائرة تحالفيه أولية (دائرة الشعوب الإسلامية) التي تجمع ولا تفرق، تقر بالخصوصية في إطار الوحدة. فلكل

стр. 1113

الشعوب الإسلامية مصلحة مشتركة في التصدي للعدوان الدوني المتوحش، واقتلاع الكيان الصهيوني الذي يسيطر على أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين (القدس التي باركها وما حولها الباري ويريدون تدميرها نهائيا كرمز للقضاء المبرم على الإسلام وحضارته الإنسانية. ومرة اخرى أقول: أن اتحادنا في عصبة واحده ويد واحده هو أقوى أسلحتنا. بل أن عزل إيران عن العصبة الإسلاميه هو تآمر أمريكي غربي، وتفتيت العصبة الإسلاميه كان دائماً هدفاً عزيزاً لقوى الاستعمار الغربي، وخلق الأعداء للإسلام من داخله كان دائماً سياستهم، وقد جاء أوان رأب الصدع وجمع الصف (١). عاشراً: إقامة تحالف حقيقي قائم على الاحترام المتبادل والمصالح الواحدة مع كل الشعوب المستضعفة في الأرض، والتي تتعرض لكوابيس الدون المتوحشين مصاصي دماء الشعوب. فهناك ضرورة للتعاون بين دول الشمال والجنوب لغرض تدعيم السلم والتسامح ابتداء بتخلي دول الشمال عن روح الاستعلاء ونظرة العداء تجاه أبناء المستعمرات القديمة وفتح مجال التعاون الاقتصادي والثقافي بينهما. كما ان هناك ضرورة تعزيز المنظومة التربوية بالقيم الإنسانية التي توجه الأجيال الصاعدة نحو الحوار وحسن الاستماع للآخر واحترامه والقبول بالاختلاف الحضاري والتمايز الثقافي، وهو في ذلك لا فرق بين الدول الغربية والدول الإسلامية لأن الوقوف في وجه العولمة الأميركية لا يمكن أن تحققه الدول الأوروبية بمفردها، إذ لابد لها من دعم إستراتيجي واقتصادي وبشري، وهو ما يمكن العثور عليه في دول جنوب البحر المتوسط المتمثلة في الدول العربية. وبناء على ذلك فأنه يمكن إنشاء قوة متوسطية يحسب لها حساب بإمكانها أن تفرض على أميركا احترام حقوق الشعوب ومميزاتهم ومعتقداتهم، فتكون -أي هذه القوة- الضمانة من أجل الرخاء ونشر الأمن والوئام بين شعوب وحضارات البحر المتوسط (٢). حادي عشر: إعادة العلاقة بين الإسلام والمسيحية، إلى صورتها الحقيقية التي تم تشويهها وتكسيرها بفعل الاختراق الصهيوني. فكلا الديانتين الإسلامية

стр. 1114

والمسيحية تؤمنان بالله الواحد الرحيم المحب للإنسان، عكس ديانة يهوه اله الحرب اله القبيلة الحاقد على الإنسان على الوجود برمته. ثاني عشر: فتح حوار مع كل البلدان المتقدمة المستهدفة من قبل الهجوم (الأميركي الصهيوني) والتي بدأت تتحسس أخطاره عليها راهناً ومستقبلاً - دول أوروبا- روسيا الصين اليابان. فللجميع مصلحة في إطلاق تعاون مستمر في مواجهة الهجوم الدوني المتوحش ... الذي يحتاج الانتصار عليه إلى توحيد جهود كافة المتضررين منه. وليس من باب التكرار على نقطة مركزيه محوريه لكل ما سبق ذكره هي أن الوحشية الدونية لا يمكن الحد من غوليتها (نسبة إلى الغول) إلا عبر الردع المركب من قبل امتنا التي تشكل رأس الحربة في المواجهة الشاملة. فقد أصبح ملحاً تشكيل قوة ردع حقيقية، تحد من السطوة العسكرية للعدو من ناحية، ومن ناحية ثانية بناء مجتمع مقاوم على مختلف الصعد، يأخذ على عاتقه مهمة ادامة الاشتباك مع العدو والحاق الاذى به حيث يمكن ذلك. فلن يسمح الأعداء بأن نتقدم أو نوحد صفوفنا بطيب خاطرهم، نعم أنها معركة طويلة جداً ومكلفة جداً ولكن لا خيار أمامنا .. أمام أمة الشهداء والشهادة الأمة حاملة الخير والبركة للبشرية جمعاء (١). "لقد كشف احتلال الأمريكان للعراق الأوراق وأظهر للأمة المسلمة أن طريق الخلاص لن يكون في اجتماعات أو قرارات (مجلس الأمن!) أو (الأمم المتحدة!) وانما في مقاومة الغزاة وبذل التضحيات فلن يدافع عنا أحد ان لم ندافع عن أنفسنا، ولن تعود لنا كرامتنا المهدرة ان لم نستعن بالله ونستعيدها بأنفسنا .. اذن فسقوط تلك الأقنعة كان ضروريا لايقاظ أمتنا الجريحة التى خدرت طويلاً بشعارات زائفة وألاعيب متقنة. لقد انتهى عهد الخداع وأصبح الصراع واضحاً ومكشوفاً فهو صراع أديان قبل أن يكون صراع أوطان ... وهو صراع مقدسات قبل أن يكون صراع على الثروات ... (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا) ... ولقد كتب

стр. 1115

علينا القتال وهو كره لنا، فما سعينا له وما أقدمنا عليه الا بعد أن تمكنوا من رقابنا وعاثوا في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين " (١). وبما أن الإسلام مجّد المقاومة والجهاد ورفع من مكانة الشهيد والشهادة، فإن ثقافة المقاومة في المجتمعات الإسلامية ثقافة راسخة رسوخ العقيدة فيها، ورغم ضعف الإمكانيات المادية فإن المقاومة تتميز بالاستمرارية وحتمية النصر في النهاية. ومن هذا المنطلق يمكن التفريق بين أن تهزم عدوك بالقوة، وبين أن تمتلك عناصر المقاومة وتهزمه بقوة البقاء والتحمل. كما أن استمرار الحضارة الإسلامية أكثر من خمسة عشر قرناً وبقاءها في وقت ظهرت فيه حضارات أخرى واندثرت، دليل على قوة هذه الحضارة وحركية هذه الأمة (٢). http://www.aljazeera.net/NR/exeres/ فنحن أمة قاتلت خصومها في معظم الأحيان وهي الأقل عدة وعدداً، ومع ذلك خرجت منتصرة في معظم الأحيان. كذلك وعندما نهزم كانت الخيانة الطعنة الغادرة التي تجىء بأيدي أبناء جلدتنا أنفسهم هي التي تهزمنا. لقد أخرجتنا الخيانة من الأندلس وفتحت الطريق أمام خصوم هذا الدين لكي يذبحوا أمة جاوزت مليونين واربع مائة الألف عدداً، لقد أرغمتنا الخيانة على مغادرة الفردوس المفقود، ولم تكن هذه هي المرة الأولى والاخيره في تاريخ الإسلام والمسلمين .. لقد تكرر المشهد كثيراً ولن يتسع المجال لاستعراض فصوله بل حتى التأشير عليها .. ويكفي إن نتذكر إن الخيانة أسقطت الخلافة العثمانية وأخرجتنا من الجانب الآخر من أوربة الجانب الشرقي .. ومكنت الغرب المستعمر من الإمساك برقابنا وفتحت الطريق لشذاذ الآفاق لكي يقيموا دولتهم المغتصبة في فلسطين (٣). وما لم تتوحد القيادات والقوى الشريفة المتبقية في الساحة عبر اللحظات الراهنة لكي تجنب البشرية هذا المصير المفجع، فان السرطان الأمريكي سيمضي لافتراس العالم كله .. القيم النبيلة المتبقية في هذا العالم بعبارة أدق، لكي يفرض

стр. 1116

نموذجه المادي الحسي السيئ بمثلثة المعروف: المصنع، المبغى، والسوبر ماركت (١). اننا نعتقد أن لنا دوراً كبيراً فيما يعد على مسرح الحوادث الآن، وانه نفس الدور الذي كان لنا في أيام التتار وفي أيام الصليبيين، ولكن الصليبية القادمة هي صليبية يهوديه لا علاقة لها بصليب ولا بمسيح .. وانما مرادها الوحيد هو السيطرة على العالم القديم بمسميات دينيه توراتيه كاذبه (٢). أننا لسنا وحدنا في النهاية .. فلله طرف خفي في الصراع، فالدين المستهدف هو دينه، ولكن هذا لا يعفينا من المسؤولية ولا يخلى طرفنا من واجب الاستعداد واخذ ألاهبة. فالتواكل والتخاذل والركون إلى الظالمين والإخلاد إلى الدنيا، ليست من أخلاق المسلم .. والله لا ينصر إلا من ينصره .. وهو القائل في قرآنه: (ولينصرن الله من ينصره أن الله لقوى عزيز) ٤. - الحج. فلنصر الله شرط هو الانتصار لدين الله ولا بد أن نوفيه. وانا لموفون به بإذن الله (٣). وهنا فاننا كمسلمين لا نراهن على هزيمة الغرب عسكرياً ولا سياسياً ولا اقتصادياً، وانما نراهن على الهزيمة الثقافية والحضارية للغرب أمام ثقافة الإسلام الشاملة وحضارته الإنسانية (٤). فالسلاح وحده لا يستطيع أن يصنع نصراً حضارياً .. وهل صنع التتار شيئاً وهم الذين انتصروا على المسلمين ثم دخلوا في الإسلام رغم انتصارهم .. أن الحكاية اكبر مما يتصور الذين خططوا لها. إننا نقف على مشارف منعطف تاريخي خطير .. أن الكارثة تهدد الكل. وما من دولة من دول المواجهة إلا وستصاب في أراضها واقتصادها وابنائها واستقلالها، إذا اخطأ أولو الأمر فيها حساباتهم (٥). فاعداءنا يرون انهم يعيشون مرحلة انتصار على المستويين الدولى والاقليمى. واننا كأمه عربية اسلامية قد هزمنا وخسرنا الاصدقاء .. ولابد من استكمال هزيمتنا في مختلف المناحى واخضاع امتنا بالكامل .. كخطوة مفصلية على طريق سحقنا بكل ما تحمله كلمة سحق من معنى. وإذا استطاعت شعوب الشرق

стр. 1117

الأوسط أن تطرح إحساسها بالظلم وتسوي خلافاتها وتعمل على تكاتف طاقاتها ومواهبها ومواردها لتحقيق أهداف نهضوية مشتركة، فسوف تستطيع من جديد أن تعيد الشرق الأوسط إلى ما كان عليه في الأزمان الغابرة من تفوق وازدهار ومركز رئيسي للحضارة .. والاختيار بأيدي هذه الشعوب (١).

стр. 1118

خاتمة لم يكن اختيارنا لعنوان الكتاب "الحملة الصليبية على العالم الإسلامى والعالم" يهدف فقط لتسليط الضوء على الابعاد الدينية لسياسة بوش تجاه المنطقة العربية والإسلامية والتى وصفها بالحرب الصليبية، بل كان محاولة لكشف الرؤية الدينية التى سيطرت على تصرفات أمريكا تجاه العالم منذ نشأتها وحتى الآن حيث لم تكن حملة بوش الاخيره الا محطه من المحطات الكثيرة التى حاولنا قدر الامكان عرض بعضها، واذا كنا قد وضعنا "حملة بوش الصليبية على العالم الإسلامي" كعنوان للجزء الثاني، فإن مرد ذلك انها كانت اكثر المحطات وضوحاُ في توجهاتها وخلفياتها الدينية، واكثرها دموية. وهذا لا يعنى ان هذا النهج سيتوقف في القريب العاجل عند محطة بوش، بل سيستمر حتى يفوق العالم من سكرته ويضع الخطط لمواجهة هذا النهج وطريقة التفكير العدمية التى ستقود البشرية إلى كارثة لا يعلم مداها الا الله. فنهج وسياسة بوش ما هو الا استمرار لنفس الاسس وطريقة التفكير ومنظومة القيم التى حكمت أمريكا ولا زالت وستبقى لفتره ليست بالقصيره ان لم يتحد العالم ويتصدى لهذا الفكر. فبوش لم يكن الا عنوان بارز لهذا النمط من التفكير العدمى الذى جر ويلات كثيره على العالم، والتى جعلت العالم غير مستعدّ لرئيس آخر من الحزب الجمهوري المتطرّف .. خصوصاً بعد أسوأ رئيس مر على تاريخ أمريكا. اعلم ان كلامنا كان قاسياً على الأمريكيين، ولكن أمام ضخامة الخطر كان علينا أن نرد برفض واضح، إذ إنه لا يمكن أن نوقظ الناس وننبههم لأن يدركوا هذه الأمور بالهمس في آذانهم. لقد حاول هذا الكتاب أن يشرح ويوضح خطورة الرؤى الدينية الاحادية المغلقه التي تعمل في كل مكان لإلغاء الحضارات الأخرى لاخضاعها لنمط معين من التفكير، واجبارها على الاستسلام أو الموت لتلك القدرية المحتومه. ولكن التاريخ علمنا بان هذا النوع من الرؤى بالرغم مما يسببه من دمار وفوضى لابد ان يهزم امام ارادة الخير والمحبة والحق. فمنذ زمن حذرنا الفيلسوف الراحل جان

стр. 1119

ماري بنوا، من أن نغفل ونرضى بوضعنا بحيث نصبح «مستهلكين متخمين ومنتجين مستغَلين ومجاملين في وقت واحد»، لقد أوصانا بالمقاومة وألا ننخدع بواقع العالم. علينا أن نبعد هذه القدرية العدمية وأن ندعو الولايات المتحدة نفسها لإعادة تعريف المصطلحات وأن نعلمها احترام الآخرين، وإن لم تستجب لنا علينا بالرد .. لنساعد الأمريكيين .. ولنساعد أنفسنا في الوقت ذاته في رفض تحجر العالم وانغلاقه في ظلام رؤى احادية عدمية قاتله. لقد تحدتث كثيرا في هذا الكتاب عن تاريخ الارهاب والغزو الامريكى، وكنت اتمنى ان يسمح سياق الكتاب للحديث عن تاريخ امريكى اخر مبدع ومخترع ومكتشف ومغامر، وصل إلى الفضاء واعماق البحار ومنح البشرية منجزات عظيمه لا ينكرها الا جاحد. ساهمت ولازالت في تقدم البشرية وتطورها وازدهارها، ولكن هذا الارث العظيم من الانجازات الأمريكية هو الوجه الاخر لأمريكا وعظمتها وجلالها، للاسف شوهته افكار عدمية متعصبه عنصرية، سخرت هذا الانجازات العظيمه لخدمه اهداف انانية طفيليه على حساب شعوب وحضارات اخرى كانت لها ارثها الحضارى الذى الهم البشرية جمعاء، والذى تحاول أمريكا سحقه والحاقه بمشروعها الاحادى الذى لا يعترف بالتعدد والتنوع أو الحوار مع الاخر، واختصر العالم إلى فسطاطين خير وشر .. معنا أو ضدنا كما جاء على لسان بوش. باراك أوباما وجرأة الأمل جرأة الأمل هو الكتاب الثاني لباراك اوباما نشر في عام ٢٠٠٦، أما كتابه الأول فكان عنوانه (احلام من أبي (وفيه يرسم صورة شاب مشغول باسئلة كبرى عن الانتماء والهوية. في (جرأة الأمل) زحام شديد للأفكار يطرح من خلاله اوباما رؤى متعددة لجوانب الحياة الأمريكية وعلاقة الولايات المتحدة بالعالم الخارجي ودورها الذي يجب ان تنوء به لتحظى بالاحترام الذي حققته في الايام السالفة عندما كان يرأسها رؤساء حكماء صعدوا بسمعتها نحو القمة على العكس مما تسبب به اخرون كـ (بوش) في اهدار مصداقيتها ومقبوليتها لدى دول العالم.

стр. 1120

واذا كانت كثير من دول العالم وشعوبه تمنت الفوز لاوباما لاسباب كثيره -وانا منهم- لما يحمله وصول اسود من اصول اسلامية للرئاسة من انقلاب غير عادى في الحياة الأمريكية، فانه وحسب اعتقادى ومن خلال دراستى للعقلية الأمريكية والتى القينا عليها بعض الضوء، فان حلم تمكن اوباما من تغيير السياسة الأمريكية امر صعب وشاق ويصعب حدوثه دفعه واحده وبدون تعاون كافة الشعوب والدول التى يعنيها تصحيح مسار الامبراطورية الأمريكية. واذا كان بوش قد غاذر موقعه في البيت الابيض بعد ولايتين أسوأ من بعضهما، فان ذلك لا يعنى ان هذا الكابوس سينتهى بتغيير الوجوه، لان التعويل على فوز اوباما يعنى اننا لم نعى جيدا طبيعة المجتمع الامريكى وطبيعة القيم والقوى المسيطرة التى تحكمه. فمن خلال ما عرضناه في هذا الكتاب ومدى تسلط الانجلوسكسكسون البيض المتديينين WASP على الحياه الأمريكية ومفاصلها (السياسة، والاقتصاد، والسينما والمجتمع) سواء نتيجه لاغلبيتهم العددية أو بسبب العنصرية والكره الذى انطبع به هؤلاء تجاه الاقليات الاخرى الدينية والعرقية، يصعب احداث التغيير المطلوب إذا لم تتكاثف الجهود من داخل أمريكا وخارجها لدعم هذا التغيير وترسيخه بخطى رزينه وعقلانية. فأوباما المولود عام ١٩٦١ في هاواي الأمريكية من اب كيني افريقي وام امريكية بيضاء كان اول امريكي من اصول افريقية فاز بترشيح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأمريكية بعد منافسة شرسة مع السناتور هيلاري كلينتون، وعندما فاز بترشيح الحزب كان ذلك حدثا سياسيا كبيراً في الولايات المتحدة، وعندما اعلن عن فوزه الكاسح في سباق البيت الابيض الأمريكي على منافسه الجمهوري جون ماكين، دخل التاريخ من اوسع ابوابه وكان مؤشراً على دخول الولايات المتحدة حقبة سياسية جديدة، هذا بالرغم من الاتهامات التى وجهت له وحاولت تنفير الناخب الأمريكي منه باتهامه بانه مسلم. لقد أكد السيناتور الديموقراطي وفريقه مراراً أنه لم يكن قط مسلماً، وهو مسيحي يرتاد الكنيسة الاتحادية (كنيسة الثالوث المتحدة للسيد المسيح) في شيكاغو بانتظام، منذ أن عثر على إيمانه في مطلع عقده الثاني. يقول اوباما: انا مسيحي، وأَنا مسيحي مؤمن. أَؤمنُ بالموتِ الفدائي وبقيامة الرب يسوع المسيح.

стр. 1121

أَعتقدُ بأنّ ذلك الإيمانِ يَعطيني الطريق الّذي سَيَكُونُ مُطَهَّرًا لي مِنْ الذنبِ ويعطيني حياة أبديّة. لكن من الأهمية جداً بمكان، أَنني أؤمنُ بالمثالِ الذي يضعه أمامنا يسوع عن طريق إطعام الجائعَ وشفاء المريضَ ويُفضّلَ دائماً الأقل والأصاغر على أولئك الأقوياءِ. أنا لَمْ ' أسْقطُ في الكنيسةِ ' كما يَقُولونَ، لكن كانت هناك يقظة قوية جداً فيّ بقدر أهميةِ هذه القضايا في حياتِي. أنا لَمْ أُردْ السير لوحدي في هذه الرحلةِ. إن قُبُول الرب يسوع المسيح في حياتِي كَانَ دليلا قويا لتصرّفِي وسلوكي وقِيَمِي ونماذجِي. ونظرا لتدين اوباما فقد اختاره الكاتب المحافظ الإنجيلي مؤرخ سيرة الرئيس الأميركي جورج بوش ليكون موضوع كتابه الجديد "إيمان باراك أوباما"، وتحدث عنه بطريقة إيجابية ووصفه بالوجه المقنع للناخبين المسيحيين، الأمر الذي وفّر له مصداقية اكسبته أصوات الناخبين المسيحيين الإنجيليين. يقول مانسفيلد "بالنسبة لأوباما، الإيمان ليس زياً سياسيًا بسيطاً. الدين بالنسبة له تحوّل ويستمر طيلة الحياة وحقيقي". وقارن الكاتب المسيحي بشكل إيجابي وتفضيلي بين أوباما والرئيسين المسيحيين الديموقراطيين جيمي كارتر وبيل كلينتون اللذين قال إنهما بنيا "جدار فصل" بين دينهم وطريقة حكمهم، غير أن "إيمان أوباما ينصهر مع سياسته العامة، حيث لا يعود محصوراً بمملكة حياته الشخصية، بل يتعداه إلى قيادته". من جهة أخرى، لم يخشَ المرشح الكيني الأصل من أن يحسن الكلام عن الإسلام، الذي قال إنه تعرف إليه عن كثب عندما كان في إندونيسيا، مشيراً إلى انه دين متسامح. ودعا إلى ان يعيش الاميركيون في ظل احترام لجميع الأديان. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن في عائلة أوباما حاخام يهودي هو ابن عمة زوجته ميشال، الحاخام كابريس فاني، الذي يترأس معبداً يهودياً للسود في شيكاغو، ويحظى بعلاقة مقربة من الزوجين أوباما. هكذا جمع اوباما في شخصيته الديانت السماوية الثلاث، والاعراق المختلفه. ورغم ذلك فأوباما ليس متدينا بشكل مقولب، فمعتقداته الدينية قد لا تتطابق مع معتقدات بقية المسيحيين، كما أوضح في إحدى مقابلاته. لقد نشأ السيناتور الديموقرطي في مدرسة علمانية رسمية في إندونيسيا، في ظل رعاية أمه الأميركية

стр. 1122

وزوج أمه الإندونيسي، ثم انتقل إلى مدرسة مسيحية هناك طيلة عامين، قبل أن يعود مع أمه إلى الولايات المتحدة. وفي شيكاجو لم يتوانَ أوباما، الذي يعرب دوما عن تعلقه بدينه وبكنيسته، عن اتهام الزعماء المسيحيين الإنجيليين المحافظين بأنهم خطفوا الإيمان، لأنهم كانوا متحمسين لاستغلال انقساماتنا. لقد تحدث اوباما في احدى كلماته عن نفسه كمثال للقيم الأمريكية المبنية على الطموح والعصامية حيث درس العلوم السياسية في جامعة كولومبيا وبعدها انتقل إلى مدينة شيكاجو وعمل باحدى الهيئات المحلية لمدة ثلاث سنوات ونصف. وفي عام ١٩٨٨ انتقل إلى جامعة هارفارد المرموقة لدراسة القانون وبعد التخرج كان اول افريقي يتولى منصباً مرموقاً في الجامعة. عاد بعد ذلك إلى مدينة شيكاجو وتمرس في مهنة المحاماة وتخصص في مجال الدفاع عن الحقوق المدنية. وكان اغلب زبائنه من ضحايا التمييز في العمل والسكن كما تولى منصب السناتور في مجلس ولاية الينوي ما بين ١٩٩٦ و٢٠٠٤. وبعد اشهر قليلة من فوزه بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية الينوي اصبح نجما اعلاميا وواحداً من اكثر الشخصيات شعبية في العاصمة واشنطن وصاحب كتابين من اكثر الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة. وكان أوباما الأفريقي الوحيد بين أعضاء مجلس الشيوخ المئة، وخامس أمريكي من اصول افريقية يدخل إلى مجلس الشيوخ، واول امريكى اسود يتولى منصب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. الموقف من اسرائيل هنالك في مخزون الذاكرة الفلسطينية والعربية اجمالاً ما يكفي للقول، ان ثمة تحالفات استراتيجية بين الولايات المتحدة واسرائيل، وهذه التحالفات تقوم على أسس العداء العميق بين الولايات المتحدة والعالمين العربي والإسلامي. كل ما نتذكره حول علاقتنا مع الولايات المتحدة، هو العداء، وانحياز الولايات المتحدة لإسرائيل لدرجة التطابق بين السياستين الاميركية والاسرائيلية. وخلال حملته الانتخابية أعلن اوباما أمام اللجنة الأميركية-الإسرائيلية المشتركه (إيباك) دعمه الكامل للدولة العبرية والتزم في حال فوزه بالرئاسة بضمان

стр. 1123

أمن إسرائيل وتفوقها على جيرانها العرب وزاد على ذلك وأعلن تأييده لتبقى القدس عاصمة أبدية لإسرائيل والتزم بتحقيق ذلك في حال فوزه بالرئاسة. قال اوباما: "ان ما بين اسرائيل والولايات المتحدة وعد لا ينكسر اليوم وغداً والى الابد .. ". هكذا استهل اوباما «خطاب القسم» امام ايباك. وربط بين قصته الشخصية بقصة الشعب اليهودي وقصة الاميركيين الافارقة بتلك الخاصة باليهود الاميركيين، ليصل إلى الذروة في خطابه بالتأكيد على «قداسة» امن اسرائيل وعدم قابليته للتفاوض .. هذا الوعد لم يكن قصراً على اوباما، فأكدته هيلاري كلينتون في المناسبة ذاتها: الولايات المتحدة تقف إلى جانب اسرائيل الآن والى الابد .. ». بدا كل من اوباما وكلينتون كمن يؤدي صلاة. في محراب ايباك على نية الوصول إلى البيت الابيض .. لقد بدا اوباما في خطابه اقرب إلى المؤمن الذي يسعى إلى نيل البركة الالهية اكثر منه السياسي الذي يسعى إلى اقناع شريحة هامة من الناخبين اليهود الاميركيين ببرامجه الاقتصادية وتوجهاته السياسية. وقد لقيت تصريحات أوباما ترحيباً كبيراً في إسرائيل، وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت أن خطاب أوباما أمام إيباك مؤثر جداً وقال إنه إذا انتخب رئيساً فسوف نناقش معه مجمل القضايا التي أثارها، ووصف الإسرائيليون هذا الخطاب بأنه الأشد تأييداً لإسرائيل في تاريخ الولايات المتحدة. وقال التلفزيون الإسرائيلي إن خطاب أوباما كان أكثر تحيزاً لإسرائيل من الخطابات التي تُسمع في مؤتمرات حزب الليكود وباقي أحزاب اليمين الأخرى، وربما هذا ما يفسر ان اليهود الاميركيين صوتوا لاوباما بنسبة ٧٢ بالمئة. على انه ليس من المبالغة في شيء القول ان ظهور اوباما امام مؤتمر ايباك شكل اكثر المحطات دقة وحساسية في رحلة وصوله إلى البيت الابيض. ويرجع ذلك إلى النفوذ الكبير الذي تمتلكه هذه المنظمة اليهودية القوية في ترجيح كفة اي من المرشحين لأسباب تبدأ بقدراتها المالية الهائلة ولا تنتهي بشبكة تحالفاتها مع شرائح انتخابية مسيحية اصولية تصل إلى حدود الاندماج العقائدي والاستحواذ على انماط تفكير وايمان تلك الشرائح بالوعد التوراتي ليهود العالم بدولة يهودية في ارض فلسطين.

стр. 1124

باراك اوباما سيكون بالتأكيد رئيساً مختلفاً في التاريخ الاميركي بوصوله إلى البيت الابيض. غير انه لن يختلف عن اي رئيس اميركي سابق منذ قيام دولة اسرائيل، من حيث ايمانه بـ"الوعد الابدي" للشراكة بين اسرائيل واميركا والذي يبقى السمفونية المكررة التي يعزفها كل الطامحين للوصول إلى جنة الرئاسة الاميركية ويكون شهودها ومستمعوها عرابو الشراكة الاميركية - الاسرائيلية وصناع السياسة الخارجية الذين لا يقبلون شريكاً إلا إذا اتقن العزف في محاريب المنظمات اليهودية الاميركية وعلى رأسها ايباك التي وقفت وصفقت بقضها وقضيضها لهذا المرشح المقبل على البيت الابيض فوق اجنحة التغيير الذي يدغدغ احلام الملايين من الاميركيين. خطاب أوباما في جامعة القاهرة لقد وعد اوباما ناخبية بالتغيير ووعد العالم بالامل بعالم افضل، ومنذ رئاسته وهو يعمل جاهداً لتغيير صورة أمريكا في الداخل والخارج على الاقل ليفى بوعوده الانتخابية. لقد جاء اوباما إلى منطقتنا العربية وزار عدد من الدول العربية والإسلامية لاصلاح وترميم الدمار الذى خلفته سياسات بوش العدوانية والمتعصبه، والقى خطاب هام في جامعة القاهرة المصرية حظي بتغطية اعلامية كبيره وضح رؤيته تجاه المنطقة، حيث اختلف المحللون والناس العاديون حول هذا الخطاب واهميتة بين مرحب ومتحفظ ومشكك. في كتابه جرأة الأمل اعتبر أوباما أن الوظيفة الأساسية للسياسة هي ترجمة مشاعر الخير الكامنة في الإنسان إلى واقع، ويبدو أنه يتمتع بما يكفي من الجرأة لتطبيق هذا المبدأ في السياسة على الجهود الأمريكية لإحلال السلام في الشرق الأوسط، ولاشك أن خطابه الذي ألقاه بالقاهرة كان مناسبة أخرى لإيصال رسالة واضحة إلى العالم الإسلامي يعزز فيها العلاقات بين أمريكا والمسلمين، ويدعم بها فرص السلام في منطقة تحفل بالاضطرابات، لاسيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل الذي استمر طويلاً بسبب السياسات الأمريكية السابقة في المنطقة البعيدة جداً عن تلك المبادي الخيرة التي تحدث عنها أوباما في

стр. 1125

كتابه والتي يسعى على ما يبدو إلى إعادة العمل بها من خلال خطابه بالقاهرة. ولكن هل بالفعل كان خطابه جرأة أمل أم إثارة الدهشة أم الخديعة .. على كل الاحول فإن البحث في ثنايا الخطاب ستكشف سلبيات وتناقضات عديدة في مضمونه، برغم لغته البراقة وأسلوبه الأخاذ كما يرى البعض، الا أن الخطاب في مجمله متوازن وفيه رؤية واضحة وفيه مقاربة جديدة فيما يتعلق بالعلاقة مع الدول الإسلامية ومنها قضية حوار الحضارات والقضية الفلسطينية، إذا ما قورن بخطابات ومواقف الرؤساء الأمريكيون السابقون التى كانت تعتبر خطابات معادية ومنحازة لإسرائيل، ولا فائدة من متابعتها. هذا الخطاب بالذات، كان له وقعه الواضح، وامتاز بلغة اميركية جديدة ففي جميع القضايا التي تشغل العالمين العربي والإسلامي، كان أوباما صريحاً وواضحاً، وقد سعى منذ بداية خطابه إلى إيصال رسالة مفادها "أنا أفهمكم جيداً"، لهذا بدأ خطابه بالتركيز على مساهمة الحضارة الإسلامية تاريخياً بتطور العلوم والرياضيات والطب وعلوم الإبحار، واستخدم تاريخه الشخصي كابن لعائلة كينية، أعداد كبيرة منها مسلمة، مذكرا بأنه كان يستمع إلى الأذان صباح كل يوم في اندونيسيا حيث امضى جزءا من طفولته. واستخدم أوباما العديد من الآيات القرآنية للتدليل على فهمه للإسلام والمسلمين. وباستعراض ما قاله بشان القضايا التي جعلت الشعوب العربية والإسلامية تنظر للولايات المتحدة كعدو، نجد أن أوباما قد حاول بكثير من الوضوح "تفكيك" هذه الخصومة وتحويلها إلى نوع من شراكة محتملة وممكنة. فيما يتعلق بأفغانستان وباكستان فإن أميركا لن تهادن، ولن تتراجع في الحرب التي تشنها على القاعدة وحلفائها. أوباما يرى الحرب مشروعة وضرورية وعادلة لمعاقبة من تسبب بمقتل الآلاف من الأميركيين في الحادي عشر من سبتمبر، ولن تكون هنالك مساومة على ذلك إلى أن يتم عزل القاعدة ومحاصرتها والقضاء عليها. أما ما يتعلق بالعراق، فقد كان أوباما من أوائل المناهضين للحرب على العراق عام ٢٠٠٣. وعندما تحدث أمام جماهير الحزب الديمقراطي في مؤتمر بوسطن، أشاد بالجنود الأمريكيين الذين يخدمون في العراق، وقال إنه يجب إعطاء عائلات الجنود الذين يقتلون في العراق المزيد من الدعم المالي. لهذا فقد اقترب أوباما
следующие страницы →