في ١٨٧٤م، حيث اصطحبه الحاخام اسحق ماير وايز إلى المعبد في عربته، وحين صعد جونسون إلى المنصة كان يعتمر اليارمولكا ـ الطاقية اليهودية المعروفة ـ وقال إنه: "لم يوجد من امتلأ حباً لليهود مثله بين أبناء ديانته المسيحيين جميعاً، ولم يوجد من اهتم اهتمامه العميق والدائم بنجاح اليهود ورخائهم وازدهار ديانتهم ومعبدهم". ذلك المعبد الذي قال عنه إنه "سيظل النصب المقدس الذي يجسد كد اليهود ومثابرتهم واستحقاقهم النجاح والرخاء والرفاه، لا في مدينة ناشفيل فحسب، بل وفي كل مكان" (١).
يوليسيس جرانت
كان يوليسيس جرانت هو الرئيس الثاني القادم من صفوف العسكرية الأمريكية بعد الحرب الأهلية ليصبح الرئيس الثامن عشر (١٨٦٩ - ١٨٧٧م)، وعلى الرغم من بزوغ نجمه كقائد ميداني فذ، فإن القرار الذي سبق أن أصدره ـ وألغاه الرئيس إبراهام لنكولن ـ بإبعاد اليهود خارج تينسى خلال ٢٤ ساعة ظل يطارده، وما كان يمكن لجرانت أن يحصل على الرئاسة لولا المساعدات الجادة التي قدمها إليه عدد من قادة اليهود، إذ أدركوا أن قدوم جرانت المحمل بعقدة الذنب سيعطيهم فرصة أكبر لابتزاز الرئيس، وربما هذا هو ما دفع سيمون وولف -أحد أهم من تولوا الدعاية لجرانت من اليهود، وسنراه بسرعة قنصلاً لأمريكا في مصر ـ للمفاخرة بأن "بوسعه أن يقرر بمنتهى الوضوح، أن الرئيس يوليسيس جرانت فعل من أجل اليهود طوال مدتي رئاسته من ١٨٦٩م إلى ١٨٧٧م، أكثر مما فعل أي رئيس أمريكي دخل البيت الأبيض قبله" (٢).
هايز وإجازة السبت
نجح رذرفورد هايز (١٨٧٧ـ١٨٨١م) في أن يصبح الرئيس الأمريكي التاسع عشر، وفي عهده، كان عدد الموظفين اليهود في الإدارة الأمريكية قد زاد إلى الحد الذي جعل صوتهم يرتفع مطالباً بمنحهم يوم السبت إجازة اتساقاً مع تحريم التوراة
стр. 107
للعمل في ذلك اليوم. وعندما تباطأت إدارة هايز في الاستجابة لذلك الطلب، نظراً لما وجدت فيه من ظلم للموظفين الآخرين من غير اليهود، أوعزت القيادات اليهودية إلى مرشح لشغل منصب بالسلك الدبلوماسي أن يعلن أنه، عندما يباشر مهام منصبه، لن يكون بوسعه أن يعمل في يوم السبت، وأعطت المسألة تغطية إعلامية جعلتها قضية عامة. ولما وصلت الرسالة واضحة إلى هايز، سارع بالتصريح للصحفيين بأن "أي مواطن يكون على استعداد لأن يضحي بفرصة كهذه على مذبح معتقداته الدينية لابد أن يكون مواطناً صالحاً، ومن الظلم لدافعي الضرائب الأمريكيين أن نخسره" وأعلن عن موافقته على المطلب اليهودي (١).
بقى أن نشير إلى أن هايز بدأ رئاسته بتعيين (بنيامين وبييكسوتو) رئيس (البناي بريث) قنصلا لأمريكا لدى روسيا، مع تكليفه بمهمة مماثلة لتلك التي أداها في رومانيا، فقد كان عليه أن يحقق في تصرفات حكومة روسيا غير الطيبة إزاء اليهود، والتي أدت إلى إلغاء المعاهدة التجارية التي كانت مبرمة بين روسيا وأمريكا، لكن المهمة لم تتم، فقد رفض القيصر الروسي استقبال المحقق الأمريكي، معلنا رفضه قبوله ممثلا دبلوماسيا لدى بلاط سانت بطرسبرج.
أول يهودي يمثل أمريكا في مصر ..
لم يعمر الرئيس العشرون (جميس إبرام جارفيلد ١٨٨١م) الجنرال الثالث القادم من الحرب الأهلية، في منصبه طويلاً، إذ تم اغتياله، لكنه ككل الرؤساء من عمر منهم ومن لم يعمر ـ كان قد أدى للصهاينة خدمة متميزة بالفعل، حين عين اليهودي (سيمون وولف) قنصلاً لأمريكا في مصر، معلناً ـ صراحة ـ عن واحدة من أعقد عُقد الصهاينة، سواء منهم اليهود والمسيحيون، وهي عقدة عبودية اليهود في مصر، وفي هذا قال جارفيلد: "إنه يشعر بسعادة غامرة لأنه عين سليل الشعب الذي استعبد في مصر قديماً مبعوثاً دبلوماسياً إلى ذلك البلد من الأمة الأمريكية الحرة العظيمة".
стр. 108
وقد كتب سيمون وولف مذكرات مهمة أثناء وجوده في مصر، ترجمت إلى العربية في الستينيات تحت عنوان (مصر وكيف غدر بها)، وفي هذه المذكرات نلاحظ أن التاجر اليهودي وولف، يفحص بضاعته (مصر) جيداً، ممنياً النفس بأن الثمرة أوشكت على النضج والسقوط في يده. ولنلاحظ أنه عمل في مصر في أحرج سنوات حياتها، تلك التي سبقت ـ مباشرة ـ سقوطها في قبضة الاحتلال البريطاني ١٨٨٢م.
ولم يختم جارفيلد حياته قبل أن يبعث رسالة إلى حكومة القيصر الروسي بشأن أوضاع اليهود، لكن القيصر لم يعرالرسالة التفاتاً، ويبدو أن الصد المتكرر الذي واجه به قيصر روسيا محاولات التدخل الأمريكية، نبه الرئيس الحادي والعشرين " (تشستر آلان آرثر) (١٨٨١ـ١٨٨٥م) إلى وجود صعوبات تحول دون التدخل لصالح اليهود أحياناً، ولهذا فقد حاول حل هذه المشكلة بتعيين، أدولفوس سولومونز ـ رئيس البناي بريث ـ ممثلا للولايات المتحدة الأمريكية في هيئة الصليب الأحمر الدولية، التي كانت أمريكا قد انضمت إلى معاهدة جنيف الخاصة بها تواً، وهكذا أصبح بمقدور (بناي بريث) أن تتدخل في شؤون روسيا وغيرها تحت ستار المساعدات الإنسانية عبر هيئة الصليب الأحمر (١).
المشيخية في البيت الأبيض
بعد جارفيلد تولى الرئاسة الأمريكية الرئيس كليفلاند لمرتين منفصلتين، حيث كان كليفلاند مسيحياً بروتستانتياً مشيخياً، أي من إتباع الكنيسة المشيخية التي تعتبر أهم الكنائس المسيحية الصهيونية التي دفعت بأبنائها إلى البيت الأبيض. "والكنيسة المشيخية تستمد تعاليمها من أفكار، جون كالفن (١٠٥٩ـ١٥٦٤م) وهو لاهوتي فرنسي بروتستانتي من رجالات الإصلاح الكنسي تحول عن الكاثوليكية علم ١٥٢٣م، وصار من قادة البروتستانت المشهورين، حيث نشأ عن مبادئه مذهب مهم من المسيحية هو (المذهب الكالفيني) وهو نظام متبع في الكنائس
стр. 109
البروتستانتية المعروفة بالكنائس المصلحة، حيث آمن كالفن بأن الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد لشريعة الله ونواميسه كما انه لا يعترف بسلطة البابا" (١).
والمهم هنا هو أن إتباع الكنيسة المشيخية كانوا ولازالوا من أهم مؤيدي اليهود، ولم يقتصر نشاطها في أمريكا بل امتد إلى المنطقة العربية، فالجامعة الأمريكية في القاهرة، وكذلك في بيروت من أعمال الكنيسة المشيخية، والقس صموئيل زويمر) كان مشيخياً، وهو الذي رعى ورأس المؤتمر التبشيري المنعقد في القاهرة ببيت الزعيم (أحمد عرابي) بعد هزيمة عرابي أمام الإنجليز ونجاحهم في احتلال مصر ١٨٨٢ م، ذلك المؤتمر الذي وضع أسس الهيمنة الغربية لصالح المشروع الصهيوني على منطقتنا (٢).
وفي عهد كليفلاند كانت منظمة بناي بريث الصهيونية، قد بلغت حداً بالغاً من القوة والسطوة، مما جعل الرئيس يرسل إليها برسالة مفتوحة قال فيها إنها "جمعية أنشئت لتحقيق أهداف نبيلة" وإنه: "لا ينبغي أن يقتصر ما تحدثه من أثر على إثارة حماس أعضائها، بل ينبغي أن تستجلب تمنيات النجاح لها من جانب كل من يهمهم الارتقاء بالنوع الإنساني وتنمية الغرائز العليا في الطبيعة الإنسانية". ورجا (الرئيس) أن: "تتقبل الجمعية صادق تمنياته بأن يتضاعف ما كانت قد توصلت إليه من نجاحات تثلج الصدر" (٣).
وليم بلاكستون والبعثة العبرية نيابة عن إسرائيل
في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ظهر رجال دين، يطالبون بعمل شعبي لإعادة اليهود إلى فلسطين، وكان من أبرز هؤلاء وليام بلاكستون، "رجل الدين والمؤلف والمليونير الذي ينفق الملايين على التبشير، والذي يعتبر أباً للصهيونية اليهودية، بسبب نشاطه المتواصل من أجل تحقيق النبوءات التوراتية. فقد كان بلاكستون ممولاً، ورجل صناعة كبير، وكان في نفس الوقت شديد التعصب، حج إلى
стр. 110
الأراضي المقدسة برفقة ابنته في ١٨٨٨م، وأدعى أن تطويرها زراعياً وتجاريأ لن يتم إلا على أيدي ورثة هذه الأرض وهم اليهود، وعاد ليطلق الشعار الذي استغلته الصهيونية حتى اليوم حيث تحدث عن "الشذوذ المتمثل في أن فلسطين هذه تركت هكذا أرضاً بغير شعب بدلاً من أن تعطى لشعب بغير أرض" (١).
وفي عام ١٨٧٨م ألف بلاكستون كتاب (عيسى قادم) الذي بيع منه أكثر من مليون نسخة، وترجم إلى ٤٨ لغة بما فيها العبرية. وقد أثار هذا الكتاب جميع الأمريكيين بكافة طبقاتهم، حيث كان من أكثر الكتب التي تتحدث عن عودة اليهود إلى أرض فلسطين كمقدمة لعودة المسيح المنتظر. وبالإضافة إلى ذلك فقد أسس القس بلاكستون في شيكاغو منظمة سماها (البعثة العبرية نيابة عن إسرائيل). "وقد عملت هذه المنظمة في مجالات متعددة ودعت اليهود إلى العودة إلى فلسطين، واستمرت هذه المنظمة في العمل حتى يومنا هذا وأصبح أسمها حالياً، أتباع أمريكيا المسيحية" (٢). وعندما أنشئت الحركة الصهيونية بزعامة هرتزل، "قام القس بلاكستون بإرسال نسخة من التوراة إلى هرتزل، واضعاً خطوطاً وعلامات تحت النصوص التي تشير إلى استعادة فلسطين، ولقد حفظت هذه النسخة في ضريح هرتزل" (٣).
الرئيس هايسون ومظلمة بلا كستون
نجح بنيامين هاريسون، مرشح الحزب الجمهوري، في أن يصبح الرئيس الأمريكي الثالث والعشرين (١٨٨٩ـ ١٨٩٣م) مزيحاً الرئيس السابق عليه، واللاحق له (كليفلاند). فقد توسطت فترة هاريسون فترتي رئاسة كليفلاند، حيث كان هاريسون هو الوحيد في قائمة رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية القادم من ولاية إنديانا، وهو ـ كذلك الرئيس الأول على رأس المائة الثانية من حكم أمريكا، الذي استهله الرئيس جورج واشنطن ١٧٧٩م.
стр. 111
وخلال فترة رئاسته، وجه القس المسيحي الصهيوني بلاكستون (المنتمي إلى الميثوديست أو المنهاجيين) مظلمة إلى هاريسون ممهورة بتوقيع ٤١٣ من القيادات المسيحية الأمريكية تطالب بتجميع اليهود في (وطنهم) فلسطين. وقد عبر بلاكستون عن هذا صراحة في مظلمته التي طالب فيها بالمساعدة في إعادة فلسطين لليهود. حيث جاء في هذه العريضة قوله: "لماذا لا نعيد فلسطين لهم ـ اليهود ـ إنها وطنهم حسب توزيع الله للأمم، وهى ملكهم الذي لا يمكن تحويله لغيرهم والذي طردوا منه عنوة. لقد كانت أرضاً مثمرة بفضل فلاحتهم لها، وكانت تعيل ملايين الإسرائيليين الذين كانوا يفلحون سفوحها ووديانها بكل نشاط، كانوا مزارعين ومنتجين، كما كانوا أمة ذات أهمية تجارية كبرى ـ مركز الحضارة والدين. لماذا لا تعيد الدول التي أعطت بموجب معاهدة برلين عام ١٨٧٨م، بلغاريا للبلغاريين والصرب للصربيين، فلسطين لليهود" (١). وقد تسلم الرئيس هارسون هذه العريضة ووعد بأن يأخذها بعين الاعتبار.
ومن الجدير بالذكر أن هذه المظلمة وقع عليها عميد أسرة روكفلر، وكبير قضاة المحكمة العليا، ورئيس مجلس النواب بالكونجرس، وعدد كبير من أعضاء مجلس الشيوخ، وكبار القساوسة، ورؤساء تحرير عدد من الصحف أي وقعت عليها أمريكا بالكامل، ممثلة في قادتها السياسيين وقيادات الرأي فيها وهي تلخص وتحدد بصراحة أهم المنطلقات الصهيونية والأكاذيب والأباطيل التي روج الصهاينة مشروعهم من خلالها وهي:
ـ أن فلسطين أرض بلا شعب، واليهود شعب بلا أرض.
ـ أن اليهود هم أصحاب فلسطين، والمطلوب إعادتهم إليها، راجع السطر الأخير من المظلمة.
стр. 112
ـ أن ازدهار الحياة وخصب الأرض في فلسطين مرتبط بوجود اليهود، وتلك مسألة "إلهية" قدرها الرب ـ في زعمهم ـ بحيث إن أرض فلسطين تظل صحراء قاحلة حتى يأتيها اليهود!
ولم تكن مظلمة بلاكستون هي الوحيدة التي قدمت إلى هاريسون، فقد رفع إليه عدد من أغنياء اليهود عريضة بطلب "عقد مؤتمر دولي للنظر في أحقية اليهود في استرداد وطنهم القديم فلسطين". واستجابة لتيار العرائض هذا، وافق الرئيس على الدعوة التي وجهها الكونجرس إلى وزارة الخارجية للاحتجاج لدى حكومة القيصر الروسي على اضطهاد اليهود وعزز هاريسون هذه الدعوة بقوله: "إن إدارتي قد أعربت لحكومة القيصر بروح ودية، ولكن بحزم بالغ، عن عميق قلقها إزاء الإجراءات القاسية التي تتخذ حالياً في روسيا ضد العبرانيين" (١).
ويلاحظ شفيق مقار: "أن هاريسون لم يشر إلى القوم باسم اليهود، بل استخدم التسمية التوراتية، فقال العبرانيين!! " حيث أضاف هاريسون في رسالته: "إن العبراني لم يكن في أي وقت شحاذاً، بل كان دائماً شخصاً ملتزماً بالقانون، وإنساناً يكسب رزقه بعرق جبينه. وهو غالباً ما يفعل ذلك في ظل ظروف بالغة القسوة وقيود مدنية شديدة القهر. كما أنه من الصحيح أيضاً أنه لم يوجد في أي وقت جنس أو طائفة أو طبقة عنيت بما فيه خير أفرادها كالجنس العبراني" (٢).
الحكومات الأمريكية والمطالب الصهيونية
نشأت أمريكا كأرض صهيونية منذ فجر ميلادها الأول، حيث لاحظنا ذلك على مستوى الفكر والعمل، وقد رأينا كيف قدم الرؤساء الأمريكيون الأوائل خدمات جليلة ـ ومباشرة ـ في هذا السياق، وكيف أنهم ـ من حيث العقيدة ـ لم يكونوا أكثر من مجموعة من المتطرفين الصهاينة المهووسين بالعبرانية، وتابعنا مساعيهم لإقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين قبل هرتزل بزمان طويل، بل إن المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في بال بسويسرا (١٨٩٧م) ما كان له أن ينعقد لولا
стр. 113
جهود الرؤساء الأمريكيين المتعاقبة التي ذللت سويسرا لليهود، وجعلتها تلعب واحداً من أهم الأدوار في خدمتهم، وجهود الرئيسين (بنيامين هاريسون) (وجروفر كليفلاند) اللذين مهدا ـ مباشرة ـ لانعقاد المؤتمر الصهيوني الأول (١).
الرئيس ويلسون
لما وضعت الحركة الصهيونية برنامجها، وسعت إلى تحقيقه عن طريق الحصول على مساعدة الحكومة البريطانية، كان لأمريكا دور كبير في تحقيق أولى المطالب الصهيونية والتي تحققت بفضل وعد بلفور، هذا الوعد الذي لم يصدر إلا بعد اتصالات بين الحكومتين البريطانية والأمريكية، حيث كانت موافقة أمريكيا على الوعد ضرورية. وقد لعب الرئيس ويلسون دوراً رئيساً في صدور وعد بلفور، حيث شارك في الاتصالات التي سبقت صدور الوعد، وأعلن عن تأييده لمنح اليهود وطناً قومياً في فلسطين، حيث صرح عشية صدور الوعد بقوله: "لن تصبح فلسطين مؤهلة للديمقراطية إلا إذا امتلك اليهود فلسطين، كما سوف يمتلك العرب شبه جزيرتهم أو البولونيون، بولونية" (٢).
وعندما صدر وعد بلفور عام ١٩١٧م لم يتوانَ الرئيس ويلسون عن تأييد هذا الوعد وإعلان موافقته عليه. ففي آب ١٩١٨م قال ويلسون: "أعتقد أن الأمم الحليفة قد قررت وضع حجر الأساس للدولة اليهودية في فلسطين بتأييد تام من حكومتنا وشعبنا" (٣). وبتاريخ ٣١ـ٨ـ١٩١٨م بمناسبة العام العبري الجديد اعلن عن موافقته الرسمية على وعد بلفور (٤)، وبعث برسالة إلى الحاخام ستيفان وايز، رحب فيها بالتقدم الذي أحرزته الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة، وفي البلدان الحليفة بعد تصريح بلفور. وفي ٢٠ـ٩ـ١٩٢٢م صادقت الحكومة الأمريكية بصورة نهائية على مشروع بلفور.
стр. 114
والرئيس ويلسون كان مدفوعاً لتحقيق آمال اليهود بناءً على خلفيته الدينية. فقد تربى في ظل التعاليم البروتستانتية التي تؤمن بالنبوءات التوراتية، وكان يسعده أن يكون له دور في إعادة اليهود إلى فلسطين، حيث كان يقول: "إن ربيب بيت القسيس ينبغي أن يكون قادراً على المساعدة في إعادة الأرض المقدسة لأهلها" (١)، وكان يرى نفسه من خلال خطبه العديدة، بأنه أعطى الفرصة التاريخية لخدمة رغبات الله بتحقيقه للبرنامج الصهيوني.
خلفاء ويلسون
بعد أن وافق الرئيس ويلسون على وعد بلفور ودعم مطالب الحكومة البريطانية في مؤتمر سان ريمو، الذي كرس الانتداب البريطاني على فلسطين، لخدمة الحركة الصهيونية، أخذ خلفاء ويلسون في الرئاسة يلزمون أنفسهم بالموقف الصهيوني، ويعبرون عن تعاطفهم مع الحركة الصهيونية، حيث عبر الرئيس الأمريكي (هاردنج) في عام ١٩٢١ م عن تعاطفه مع الحركة الصهيونية وتأييده الشديد لإنشاء صندوق فلسطين، حيث قال: "إن اليهود سيعادون يوما إلى وطنهم القومي التاريخي، حيث سيبدأون مرحلة جديدة بل مرحلة أعظم من كل مساهماتهم في تقدم الإنسانية" (٢).
وفي عام ١٩٢٢م اتخذ الكونغرس الأمريكي قراراً، وقع عليه الرئيس (هاردنج) جاء فيه الاعتراف، "بأنه نتيجة للحرب، أعطى بنى إسرائيل الفرصة التي حرموا منها منذ أمد بعيد لإعادة إقامة حياة وثقافة يهوديتين مثمرتين في الأراضي اليهودية القديمة، وأن كونغرس الولايات المتحدة يوافق على إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي" (٣). كما قام الرئيس الأمريكي هربرت هرمز في عام ١٩٢٨ م بتهنئة الحركة الصهيونية لإنجازاتها العظيمة في فلسطين.
стр. 115
وفي ثلاثينات القرن السابق، ازداد عدد الجمعيات الأمريكية المؤيدة لإقامة دولة يهودية في فلسطين، حيث كان هدفها حشد الرأي العام الأمريكي من أجل تحقيق الأهداف الصهيونية في فلسطين. ففي عام ١٩٣٠م أسس الكاهن تشارلى أي رسل، اتحاد المنظمات الأمريكية الموالية لفلسطين، والتي كانت تهدف إلى تشجيع التعاون بين اليهود وغيرهم من المسيحيين، بهدف الدفاع عن قضية الوطن القومي اليهودي. وفي عام ١٩٣٢م أسست اللجنة الأمريكية الفلسطينية للهدف ذاته. وقد ساعدت هذه الجمعيات وغيرها، كثيراً في دعم مطالب الحركة الصهيونية، بسبب وجود وسط بروتستانتي ملائم لترويج الأفكار الصهيونية.
مركز ثقل الصهيونية ينتقل إلى أمريكيا
في أربعينيات القرن السابق ازداد حجم الدعم الأمريكي للحركة الصهيونية، حيث أدرك الزعماء الصهاينة أن مركز الثقل في عملهم قد بدأ ينتقل من بريطانيا إلى أمريكيا. فبعد أن أصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض في عام ١٩٣٩م والذي حد من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، قابل الزعماء الصهاينة والمتعاطفون معهم، هذا الكتاب بالرفض والاستنكار، و بدأوا يشعرون أن بريطانيا أخذت تتخلى عنهم ولو جزئياً بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، هذا التحول دفع الزعماء الصهاينة لتركيز جهودهم في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد كتب بن جوريون في عام ١٩٤٠م يصف مشاعره في هذه الفترة، فقال: "أما أنا فلم أكن أشك في أن مركز الثقل بالنسبة لعملنا السياسي، كان قد أنتقل من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، التي كانت قد احتلت المرتبة الأولى في العالم كدولة كبرى". وعندما اجتمع الزعماء الصهاينة في مؤتمر بلتمور في عام ١٩٤٢م، قرروا نقل جهودهم إلى أمريكيا لكي تساعدهم في تحقيق مطالبهم. فقد أعلن بن جوريون أمام المؤتمر، أن اليهود لم يعد باستطاعتهم الاعتماد على الإدارة البريطانية في تسهيل إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين (١).
стр. 116
العمل من أجل إلغاء الكتاب الأبيض
كان كل هم الزعماء الصهاينة والمتعاطفين معهم في هذه الفترة، إلغاء الكتاب الأبيض الذي أصدرته بريطانيا في عام ١٩٣٩م، والذي يحد من الهجرة اليهودية إلى فلسطين. لهذا فقد نشط المتعاطفون مع الحركة الصهيونية في هذا الوقت. "فبمعونة ١٠٠٠ زعيم صهيوني في الديار الأمريكية استطاع مجلس الطوارئ الذي شكلته الحركة الصهيونية، الحصول على قرار ضد الكتاب الأبيض من جميع المنظمات اليهودية الكبرى والجمعيات المهمة، أمثال الليونز، والدلكس، والروتارى، ونادى السيدات العاملات في التجارة والمهن الحرة، وغيرها من الجمعيات والنوادي. كما أن نقابات العمال وجمعيات الكنائس انضمت ضد الكتاب الأبيض" (١).
وفي آذار عام ١٩٤٤م قدم بعض أعضاء مجلس الشيوخ إلى لجنة الشؤون الخارجية، مشروع قرار يدعو إلى إلغاء الكتاب الأبيض البريطاني، وتأييد خطة إنشاء دولة يهودية في فلسطين، ولكن المستر جورج مارشال وزير الخارجية، ورئيس أركان حرب الجيش الأمريكي آنذاك، تدخل وطلب من اللجنة عدم بحث ذلك الاقتراح، خوفاً من إثارة الرأي العام العربي وانعكاس ذلك على الموقف العسكري، فنزلت لجنة الشؤون الخارجية عند طلب المستر مارشال، وأرجأت البحث في الاقتراح المقدم لها. وبعد بضعة أشهر تغير مجرى الحرب نهائياً لصالح الحلفاء، فأرسل المستر مارشال نفسه كتاباً إلى السناتور واغنر، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، قال فيه: "إن الاعتبارات العسكرية التي حملته فيما مضى على معارضة بحث ذلك الاقتراح قد زالت" (٢).
"وفي فبراير ١٩٤٥م وقع خمسة آلاف قسيس بروتستانتي أمريكي، عريضة رفعوها إلى الحكومة ومجلس الأمة والكونغرس، يطالبون فيها بفتح أبواب فلسطين
стр. 117
على مصراعيها للهجرة اليهودية، وقد قامت وكالات الأنباء ومحطات الإذاعة والصحافة بدعاية واسعة النطاق لمشروع إنشاء دولة يهودية في فلسطين" (١).
وبالرغم من أن هذا التعاطف الكبير مع الحركة الصهيونية، من قبل الجمعيات والمؤسسات العامة خلال عشرينات القرن الحالي وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يرافقه موقف عملي واضح من الحكومة الأمريكية، إلا أن ذلك لم يكن لعدم إيمان الرؤساء الأمريكيين ـ في تلك الفترة ـ بأهداف الحركة الصهيونية، بل لأن بريطانيا في ظل انتدابها على فلسطين كانت تقوم بتقديم كافة التسهيلات والمساعدات للحركة الصهيونية. ولذلك لم يكن هناك أي داعٍ لتدخل أمريكيا ما دامت بريطانيا تقوم بنفس العمل وعلى أكمل وجه. فقد كان الرؤساء الأمريكيون في تلك الفترة يعتبرون أن فلسطين هي من جملة المسئوليات البريطانية في الشرق الأوسط، ولذلك فإن (روزفلت) "خلال مدد ولاياته الثلاث كأسلافه، لزم بدقة الموقف الأساسي الذي كان قائماً خلال الفترة التي كان هيوز فيها بالحكم، وهو أن الأحكام الخاصة بإنشاء وطن قومي يهودي الواردة في صك الانتداب، لم تكن في عداد المصالح الأمريكية، بل إنها من الشئون البريطانية" (٢).
يضاف إلى ذلك أمر آخر مهم، وهو ظروف الحرب العالمية الثانية التي فرضت على أمريكيا عدم تأييد المطالب الصهيونية بصورة علنية، والسعي إلى استرضاء العرب حرصاً على الموقف العسكري في المنطقة. "ففي ٢٩ ديسمبر ١٩٤٢م أشار (هال) على الرئيس روزفلت بالا يبعث بأية رسالة إلى هيئة الصندوق القومي اليهودي، نظراً إلى الموقف في الشرق الأوسط وأفريقيا الشمالية، حيث يسود شعور عنيف ضد الصهيونية في صفوف الشعوب العربية. فقد أكدت كافة التقارير العسكرية والدبلوماسية المرسلة من البلاد العربية، خطورة إثارة العرب بالتصريحات المؤيدة للصهيونية" (٣). ولهذا فإن روزفلت، وفي محاولة منه لكسب ود الزعماء
стр. 118
العرب، قطع وعداً للملك عبد العزيز بن سعود ـ عاهل السعودية ـ بأنه لن يؤيد أي حركة من شأنها تسليم فلسطين لليهود.
روزفلت والأفكار الصهيونية
بالرغم من أن الظروف السياسية والعسكرية، فرضت على روزفلت عدم تأييد مطالب الحركة الصهيونية، بصورة علنية، إلا أنه كان متعاطفاً مع اليهود، وكان أثر العهد القديم واضحاً عليه، فقد أتخذ نجمة داوود شعاراً رسمياً للبريد وللخوذات التي يلبسها الجنود في الفرقة السادسة، وعلى أختام البحرية الأمريكية وطبعة الدولار الجديد، وميدالية رئيس الجمهورية (١). كما أنه دعا إلى عقد مؤتمر (ايفيان) في عام ١٩٣٨م، لحل مشكلة اللاجئين في أوروبا وبالذات اليهود منهم. فقد كان يريد روزفلت أن تكون فلسطين هي الحل لهذه المشكلة، ولكن المؤتمر فشل في اتخاذ أي حل. ففى أثناء الحرب العالمية الثانية قام (موريس أرنست) ـ يهودي ـ وأحد المقربين من الرئيس روزفلت، بزيارة للندن، لمحاولة إيجاد مأوى لليهود المهجرين في بريطانيا وأمريكيا، وإذا برزفلت يعلن بأنه أقتنع تمام الاقتناع بأن ذلك البرنامج لن يحل المشكلة، لا سيما وأن قادة الصهيونية في أمريكيا رفضوا هذا الحل. وأستطرد قائلاً: إنهم على حق في معارضتهم، لأنهم يدركون أن فلسطين يجب أن تصبح عاجلاً أم عاجلاً الملجأ الأمين لمجيئهم.
وهكذا نرى أن سياسة روزفلت تجاه فلسطين كانت تبدو غير واضحة، حيث أنه حاول أن يوفق بين عواطفه وميوله الصهيونية، وبين الضرورة السياسية والعسكرية التي فرضتها ظروف الحرب العالمية الثانية. ولكن عندما أصبح انتصار الحلفاء مؤكداً، أظهر ميوله الصهيونية الواضحة، حيث أكد بعد إعادة انتخابه في يناير ١٩٤٥م تعهده لليهود بمساعدتهم على إنشاء دولة يهودية في فلسطين، ولكن القدر لم يمهله طويلاً حيث توفى في ١٢ أبريل عام ١٩٤٥م.
стр. 119
ترومان ـ قورش ـ العصر الحديث !
عندما تولى ترومان منصب الرئاسة خلفاً لروزفلت، كان من أكثر الرؤساء الأمريكيين تأييداً للمطالب الصهيونية، حيث كان لجهوده الفضل الأكبر في إنشاء إسرائيل حتى أن الحاخام الأكبر قال له: "لقد وضعك الله في رحم أمك لتعيد إنشاء إسرائيل (١). ففي ٣١ أغسطس عام ١٩٤٥م، طلب الرئيس ترومان ـ نيابة عن الصهيونية ـ من رئيس الوزراء البريطاني أتلى، إدخال مائة ألف لاجئ يهودي إلى فلسطين، ولكن رد أتلى كان غير مشجع، حيث أنه أشترط أن تتحمل أمريكيا الأعباء العسكرية والاقتصادية لتنفيذ هذا الطلب، ولكن الرئيس ترومان رفض ذلك وقال: أنه لا يرغب في إرسال٥٠,٠٠٠ جندي لإقرار السلام في فلسطين. ونتيجة لذلك بدأت اتصالات بين الحكومة البريطانية وبين الزعماء الصهاينة المدعومين من أمريكيا، لتحقيق مطالبهم، ولكن هذه الاتصالات فشلت، مما دفع ترومان إلى تأييد الحل الصهيوني المتمثل بتقسيم فلسطين.
ترومان ومشروع التقسيم
أصدر الرئيس ترومان في ٤ أكتوبر بياناً بادر فيه إلى المطالبة بإدخال مائة ألف يهودي فوراً إلى فلسطين، كما أوصى بتطبيق خطة التقسيم حسب الخطوط التي اقترحتها الوكالة اليهودية، وقال ترومان: "إنه كان يعتقد بأن حلاً على هذه الصورة سيصادف تأييداً من الرأي العام في الولايات المتحدة، وصدفة على حد قوله، صدر هذا البيان في يوم عيد كيبور ـ الغفران ـ اليهودي". ولكن لم يمضى وقت طويل حتى صدر رد الفعل العربي على بيان ترومان، ففي رسالة من الملك عبد العزيز بن سعود، إلى ترومان، اتهم فيها اليهود بأنهم يضعون مخططات ضد الأقطار العربية المجاورة، وأنتهي الملك عبد العزيز إلى القول، بأن بيان ترومان قد بدل الموقف الأساسي في فلسطين، خلافاً للوعود السابقة. وفي الرد على ذلك بتاريخ ٢٦ أكتوبر
стр. 120
١٩٤٦م، أدعى ترومان، أن تأييد وطن قومي يهودي كان دائماً من صلب السياسة الأمريكية المنسجمة مع نفسها (١).
وبعد مشاورات عديدة رفع مشروع تقسيم فلسطين إلى الأمم المتحدة، حيث أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد أن قامت أمريكيا بالضغط على كثير من الدول لتأييد المشروع، حيث يعتبر البعض إن أهم ما يسجل لهاري ترومان في سياق تأييده للحركة الصهيونية، موقفه من مشروع قرار تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة، إذ لم يكتف ترومان بإعطاء توجيهاته للوفد الأمريكي في الأمم المتحدة بالتصويت إلى جانب التقسيم يوم ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧م، بل طلب من المسئولين الأمريكيين أن يمارسوا شتى ألوان الضغط والإغراء من أجل إقناع الحكومات الأخرى بالتصويت إلى جانب التقسيم، ويقول كبير الدبلوماسية سمنر ويلز: "بأمر مباشر من البيت الأبيض فرض المسؤولون الأمريكيون، كل أنواع الضغوط بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، خاصة مع تلك الدول المتمردة أو المعارضة للتقسيم ولم يتوان البيت الأبيض عن استخدام الوسطاء والوكلاء في سبيل ضمان الأكثرية اللازمة للتصويت. كما كتب وكيل الخارجية الأمريكي (روبرت لافل) عن دور البيت الأبيض ما يلي: "إنني لم أتعرض في حياتي قط لمثل ما تعرضت له من ضغوط قبيل مشروع التقسيم خاصة تلك الأيام التي سبقته من صباح الخميس إلى مساء السبت" (٢).
وبالرغم من الجهد الكبير الذي بذلته أمريكا لتمرير قرار التقسيم، إلا أنها بعد فترة تراجعت عن هذا المشروع بسبب صعوبة تنفيذه، واقترحت وضع فلسطين تحت الوصايا، ولكن هذا الاقتراح لم يقبله الزعماء الصهاينة الذين كانوا يعدون العدة لإعلان قيام دولة إسرائيل بمجرد انتهاء الانتداب البريطاني عليها في ١٥مايو ١٩٤٨م. وعندما أعلن عن قيام دولة إسرائيل، أعترف الرئيس ترومان بها بعد دقيقة من إعلان قيامها، كما أنه قام بتصرف يخالف كل المبادئ الدبلوماسية المعروفة،
стр. 121
عندما أعترف بدولة إسرائيل قبل أن تطلبه رسمياً وقبل انتهاء الانتداب البريطاني بعشر ساعات.
حرب عام ١٩٤٨ م
لم يقف تأييد ترومان للحركة الصهيونية عند هذا الحد، بل إنه استطاع أن يحل أصعب مشكلة مرت بها الدولة الوليدة. فعندما دخلت سبع جيوش عربية أرض فلسطين في ١٥ مايو ١٩٤٨م، استطاعت هذه الجيوش تحرير كثير من الأراضي الفلسطينية، وضيقت الخناق على الجيش الإسرائيلي، بحيث أصبح في وضع حرج. وهنا أحس الرئيس ترومان بأن القتال الدائر في فلسطين يسير لصالح الجيوش العربية، وأصبح قلقاً على مصير الدولة التي عمل على إنشائها على أرض العرب، فمارس ضغوطاً مباشرة على المندوبين في مجلس الأمن للحصول على قرار بوقف القتال بأي طريقة يمكن التوصل إليها.
اتفاقية الهدنة
بعد مناقشات ومشاورات وملاحقات وضغوط من الرئيس ترومان شخصياً، وبناءً على اقتراح المستر دوغلاس، المندوب البريطاني، وفي ٢٩ مايو ١٩٤٨م أقر مجلس الأمن الدولي الموافقة على وقف القتال في فلسطين بموجب هدنة يتم الاتفاق عليها عن طريق وسيط دولي، وقد تم تعيين الكونت برنادوت وسيطاً دولياً، حيث استطاع التوصل إلى اتفاق للهدنة لمدة أربعة أسابيع. ونصت اتفاقية الهدنة الأولى على أن يحتفظ كل طرف بالمكان المتواجدة فيه قواته في ذلك الوقت، ولا يحق لأي طرف استغلال الهدنة والحصول على مكاسب عسكرية، سواء باحتلال الأراضي أو جلب الإمدادات البشرية والأسلحة. ولكن إسرائيل لم تلتزم بهذه الهدنة، حيث عملت على جلب مزيد من المتطوعين والأسلحة من الخارج بمساعدة سرية من أمريكيا وبريطانيا، في الوقت الذي فرض حظر على تصدير الأسلحة للدول العربية (١). فأصبح لدى إسرائيل بعد الهدنة الأولى ٩٠,٠٠٠ مقاتل كقوات هجومية مسلحة
стр. 122
بالدبابات والمدفعية والطيران. كما أن إسرائيل استطاعت في ظل هذه الهدنة تنظيم جيشها والاستيلاء على مزيد من الأراضي العربية، بحيث أصبح ميزان القوى لصالحها بفارق كبير.
وهكذا لعب ترومان دوراً مهماً في حماية إسرائيل عند ولادتها، من خلال الهدنة التي فرضها على الدول العربية. ولهذا يرى البعض أن موافقة الدول العربية على الهدنة كانت خطوة متسرعة وغير محسوبة، وربما جاءت رضوخاً لضغوط خارجية، لأن الجيش الإسرائيلي كان في وضع صعب، وقد عبر مناحيم بيغن ـ في مذكراته ـ عن استغرابه وتعجبه لقبول الدول العربية للهدنة بالرغم من أن الموقف كان في صالحها، كما أن موشى ديان، الذي كان من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي في ذلك الوقت، قال: "كانت الهدنة بالنسبة لنا كأنها قطرة ندى قادمة من السماء" (١).
وقبل انتهاء فترة الهدنة الأولى اقترح الوسيط الدولي برنادوت، أن تجدد الهدنة إلى أجل غير محدود، ووافقت الدول العربية على الهدنة الجديدة في ١٧ تموز ١٩٤٨م، ولكن إسرائيل لم تلتزم بالهدنة الجديدة، حيث احتلت مزيداً من الأراضي الفلسطينية وشردت مزيداً من السكان. وبعدها أجبرت الدول العربية على الدخول في مفاوضات مع إسرائيل لعقد هدنة دائمة، حيث وقعت الدول العربية كلاً على انفراد معاهدات للهدنة مع إسرائيل في جزيرة رودس في عام ١٩٤٩م. وتكمن أهمية اتفاقات الهدنة لدولة إسرائيل في أنها حصلت عن طريقها على مكاسب عديدة، فقد حصلت إسرائيل على مزيد من الأراضي العربية، وأتاحت لها فترة من الاستقرار كانت بأمس الحاجة إليه، لبناء مرافق الدولة الجديدة وجلب مزيد من المهاجرين، واستطاعت إسرائيل في هذه الفترة أن تحقق تفوقاً عسكرياً على الدول العربية.
صهيونية ترومان
من العرض السابق يمكننا تقدير حجم المساعدة التي قدمها الرئيس ترومان لدولة إسرائيل قبل وبعد إنشائها، ابتداءً من دعوته لفتح أبواب فلسطين أمام الهجرة
стр. 123
اليهودية وتبنيه لقرار التقسيم واعترافه بدولة إسرائيل، وانتهاءً باتفاقية الهدنة التي عقدت بين إسرائيل والدول العربية. فقد كان ترومان صهيونياً أكثر من الصهاينة، حيث انعكس ذلك على سياسته تجاه المسألة الفلسطينية، والتي كانت سياسة رئاسية ثم تنفيذها من جانب واحد رغم معارضة كثير من المستشارين الحكوميين لها، والذين كانوا يرسمون سياسة بلادهم الخارجية بناء على مصالحها القومية، وليس بناء على عواطف دينية أو غيرها. لهذا فقد حدث أكثر من مرة أن تضاربت قرارات ترومان مع قرارات وزارة الخارجية ومستشاريه. ففي إحدى المرات كان مندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، يطالب بشدة بوضع فلسطين تحت الوصاية، من غير أن يعلم بأن الرئيس ترومان قد اعترف قبل ذلك بقليل بدولة إسرائيل. وقد اعترف ترومان نفسه بحقيقة سياسته هذه حيث قال في مذكراته: "لقد كنت أعلم بأن المستشارين جميعاً لا ينظرون إلى المسألة الفلسطينية نظرتي أنا إليها، وأكثر من ذلك، كان الإختصاصيون من موظفي وزارة الخارجية في شئون الشرق الأوسط جميعهم تقريباً ضد فكرة دولة يهودية" (١).
ولكن ما هي نظرة ترومان للمسألة الفلسطينية، التي جعلته يخالف جميع مستشاريه ويتحدى مشاعر جميع العرب والمسلمين؟! إنها نظرة شخص تربى على تعاليم الكنيسة المعمدانية، التي تتبع مذهب العصمة الحرفية في تفسيرها للكتاب المقدس، وهذا يعنى الإيمان بصورة حرفية بكل ما جاء في العهد القديم من أخبار ومعلومات تاريخية ونبوءات من غير تأويل. لهذا فإن أتباع هذه الكنيسة من أكثر المتحمسين للحركة الصهيونية، حيث يؤمنون بضرورة قيام دولة إسرائيل تحقيقاً للنبوءات التوراتية. ولهذا فقد كان واضحاً أثر هذه الأفكار على ترومان وحياته. "فقد كان يؤمن ـ باعتباره أحد تلاميذ التوراة ـ بالتبرير التاريخي لوطن قومي يهودي، وكانت لديه قناعة بأن وعد بلفور، حقق آمال وأحلام الشعب اليهودي القديمة. كما كان واضحاً أثر الثقافة اليهودية والعهد القديم عليه، وكيف لا وهو يعتبر التلمود اليهودي كتابه المفضل. ولهذا كانت هديته لليهود عام ١٩٤٦م، في عيد الغفران ـ كيبورـ تأييده لمشروع تقسيم فلسطين.
стр. 124
كما عرف عن ترومان حبه الشديد للفقرة الواردة في المزمار ١٣٧ والتي تقول: "لقد جلسنا على أنهار بابل وأخذنا نبكى حين تذكرنا صهيون" (١)، حيث كانت هذه الفقرة جزء رئيسي من صلاته التي كان يقيمها مع القس المتطرف بيليى غراهام في البيت الأبيض، ولكن ترومان غضب من غراهام ومنعه من دخول البيت الأبيض لأنه كان يخبر الصحافة بتفاصيل صلاته الخاصة معه" (٢).
لقد كان ترومان يرى أن خدماته العظيمة التي قدمها لليهود تجعله يرقى إلى مقام الملك الفارسي قورش، الذي أعاد اليهود من منفاهم في بابل، إلى فلسطين. "فعندما قدمه إيدى جاكوبسون إلى عدد من الحاضرين في معهد لاهوتي يهودي، وصفه بأنه الرجل الذي ساعد على خلق دولة إسرائيل. رد عليه ترومان بقوله: "وماذا تعنى بقولك ساعد على خلق؟ إنني قورش .. إنني قورش" (٣).
المساعدات الأمريكية لإسرائيل
بعد أن أتم ترومان ـ قورش ـ مهمته على أكمل وجه، لم يكن هناك شيء ذو أهمية كبيرة يمكن أن تقدمه أمريكيا لإسرائيل في الخمسينات ومطلع الستينات من هذا القرن. حيث كان تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية وجلب المهاجرين الجدد من الخارج، والإبقاء على التفوق العسكري، يحتل مكان الصدارة في اهتمامات إسرائيل في هذه الفترة. وقد استطاعت إسرائيل تحقيق هذه الأهداف بمساعدة أمريكيا وحلفائها. فعلى صعيد تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية، لعبت أمريكيا دوراً مهماً في تأمين المساعدات المالية لإسرائيل، حيث مارست ضغوطاً كبيرة على ألمانيا لإجبارها على دفع تعويضات لدولة إسرائيل عن اليهود الذين قيل أنهم قتلوا في العهد النازي، حيث كانت هذه التعويضات مصدراً مهماً للأموال اللازمة لعملية التنمية والبناء.
стр. 125
ومن ناحية أخرى، قدمت أمريكيا كثيراُ من المساعدات المالية لإسرائيل في هذه الفترة. فعلى سبيل المثال، "بلغت المنح التي قدمتها أمريكيا لإسرائيل من سنة ١٩٥٠م وحتى ١٩٥٩م حوالي ٤٠٣٥ مليون دولار، وقروضاً قدرها ٣٦٩ مليون دولار، ومساعدات فنية قدرها ٣٥ مليون دولار، وأجهزة علمية قيمتها ١٠ مليون دولار، واستثمارات أمريكية بمبلغ ٩٥ مليون دولار، وحصيلة بيع السندات الإسرائيلية مبلغ ٣٤٧ مليون دولار، هذا عدا الإعفاءات من الضرائب والرسوم التي تمنحها الحكومة الأمريكية على ما يحصل من اليهود وما يتم جمعه عن طريق الجمعيات والمنظمات الأمريكية المؤيدة لإسرائيل" (١).
وقد كشف السيد (بنحاس سابير) حينما كان وزيراً للمالية، "عن ان اسرائيل قد تلقت بين عامي ١٩٤٩ - ١٩٥٦سبعة مليارات دولار. ولكي نقدر دلالة هذا الرقم حق التقدير يكفي ان نذكر القارئ بأن تمويل مشروع مارشال لاوروبا الغربية بين عامي ١٩٤٨ - ١٩٥٤ قد رصد له ١٣ مليار دولار. اى ان دولة اسرائيل ذات المليوني نسمة قد تلقت أكثر من نصف ما تلقته كل شعوب أوروبا التي كانت تعد آنذاك مئتي مليون نسمة" (٢).
أما على صعيد جلب المهاجرين الجدد، فقد تدفق الكثير منهم إلى إسرائيل منذ إعلان قيامها من كافة البقاع بدون أي مشاكل، ولم تكن هناك مشكلة في وصول المهاجرين اليهود إلا بالنسبة ليهود الدول العربية. وقد ساعدت أمريكيا على حل هذه المشكلة. فعلى سبيل المثال، "قامت طائرات سلاح الجو الأمريكي بشكل سرى في مطلع الخمسينيات بنقل ٦٥,٠٠٠ يهودي يمنى إلى إسرائيل" (٣).
أما بالنسبة إلى تحقيق التفوق العسكري، فقد حققته إسرائيل بمساعدة أمريكيا وحلفائها من خلال حرب ١٩٤٨م، وما تبعها من تدفق للأسلحة على إسرائيل، في
стр. 126
ظل فرض حظر على تزويد الدول العربية بالأسلحة. وحتى في اللحظة التي استطاعت إحدى الدول العربية، وهى مصر، الحصول على أسلحة من الخارج في عام ١٩٥٥م، قامت إسرائيل في عام ١٩٥٦م بالتعاون مع فرنسا وبريطانيا، بشن العدوان الثلاثي على مصر، لتدمير القوة العربية الجديدة، من أجل الإبقاء على التفوق العسكري الإسرائيلي والحصول على مكاسب جديدة.
ايزنهاور
مما تقدم يبدو واضحاً أن إسرائيل في هذه الفترة لم تكن بحاجة إلى الدعم الأمريكي الصارخ كما كان الحال في عهد ترومان، ولذلك كان المجال مفتوحاً أمام أيزنهاور لتقليل حجم الدعم الأمريكي العلني لإسرائيل، لامتصاص ردة الفعل العربية الساخطة على التحيز والتآمر الأمريكي التام على العرب أيام ترومان. كما أن الظروف الدولية والإقليمية، ساعدت على تحجيم هذا الدعم. فقد كان تركيز أيزنهاور في هذه الفترة ينصب على احتواء المد السوفيتي في العالم، والحيلولة دون انتشاره في العالم العربي. كما أن ظروف المنطقة العربية ومد القومية العربية الجارف ساهم في تحجيم هذا الدعم إلى أدنى مستوياته. لهذا كان الموقف الأمريكي تجاه العرب يبدو وكأنه معتدل نسبياً، حيث ركزت السياسة الأمريكية في هذه الفترة على تخويف الدول العربية من الخطر السوفيتي، لحثها على الدخول في تحالفات إقليمية لمواجهة الخطر السوفيتي المزعوم، أو لعقد معاهدات سلام مع إسرائيل.
وبالرغم من هذا الاعتدال الظاهري للسياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية، إلا أنه لا يجب إغفال حقيقة الالتزام الأمريكي الديني تجاه إسرائيل في هذه الفترة. فعندما انتخب (دوايت أيزنهاور) رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية في شهر نوفمبر سمة ١٩٥٢م ودخل البيت الأبيض أواخر يناير ١٩٥٣م اختار معه رجلين لأعلى المناصب في إدارته وتصادف أنهما شقيقان لأب قضى عمره وعمله قسيسا داعيا إلى ملكوت السماء.
الشقيق الأول (جون فوستر دالاس) في موقع وزير الخارجية، "وكان المبشر الأعلى صوتا، بأن الدين هو السلاح الأكثر فاعلية ونفاذاً في العالم الثالث، لأنه
стр. 127
الهوية التقليدية لشعوبه وأممه ما زالت مع وعيها العذري الفطري، والدين بالنسبة لها عقد سياسي واجتماعي وحيد تقيم به جسراً بين الآخرة والأولى" (١). ولهذا لم يكن مستغرباً أن يعبر دالاس عن التزامه الديني تجاه إسرائيل في تصريح أدلى به، أمام جمعية بنى بريت (أبناء العهد) بتاريخ ٨ مايو ١٩٥٨م قال فيه: "إن مدنية الغرب قامت في أساسها على العقيدة اليهودية في الطبيعة الروحية للإنسانية، لذلك يجب أن تدرك الدول الغربية أنه يتحتم عليها أن تعمل بعزم أكيد من أجل الدفاع عن هذه المدنية التي معقلها إسرائيل" (٢).
أما الشقيق الثاني فهو (آلان دالاس) في موقع مدير وكالة المخابرات المركزية، "التي أوكلت إليه مهمة إدارة الحرب الجديدة (الباردة) وسلاحها (إطلاق الأفكار وليس إطلاق النار)، وبما أن الاستراتيجية الأمريكية في العالم الثالث اعتمدت على سلاح الاعتقاد ضد تهديد الإلحاد، فإن وكالة المخابرات الأمريكية تجاسرت على اتخاذ شعارات الإسلام، وهى العقيدة الأكثر انتشاراً في المنطقة لتكون وسيلتها وذخيرة سلاحها. وبهذا العملية تم وضع حجر الأساس لاستغلال الإسلام والجماعات الإسلامية لخدمة المخططات الأمريكية" (٣).
جون كنيدى الرئيس الكاثوليكي الوحيد
تولى جون كيندى الحكم في بداية الستينات، حيث كانت فترة ولايته من الفترات القليلة والنادرة التي تم فيها ضبط السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، حيث جاء ذلك نتيجة لبعض العوامل الخارجية التي تكلمنا عنها سابقاً، والتي أدركها كيندى بوضوح، حيث كان يرى: "أن الانحياز الأمريكي في النزاع العربي الإسرائيلي لا يهدد الولايات المتحدة فحسب، بل يهدد العالم بأسره" (٤). ولكن الأمر المهم هنا والذي طبع سياسة الرئيس كيندي وميزه عن غيره من الرؤساء، هو أن
стр. 128
قناعات الرئيس كنيدى الشخصية، بوصفه من أتباع الكنيسة الكاثوليكية، والرئيس الأمريكي الكاثوليكي الوحيد في تاريخ أمريكيا، لم تترك مكاناً للأفكار والنبوءات التوراتية في وجدان الرئيس أو عقله.
فقد كان وصول كاثوليكي إلى رئاسة أمريكا أمراً غير مسبوق ومن الصعب تكراره، في ظل السيطرة البروتستانتية على مقاليد الأمور في أمريكا، حيث "أن التأثير الثقافي السائد في الولايات المتحدة هو تأثير العنصر الأبيض الأنجلو سكسونى البروتستانتي الذي يشكل هيكل القيم والمناقب في حياة الطبقة السائدة في المجتمع الأمريكي" (١). ولهذا فأنه عندما حصل جوزيف (والد جون كنيدى) على منصب رفيع في السلك الدبلوماسي، وأصبح سفيراً لأمريكا في لندن، كان قرار تعيينه مفاجئاً للسياسيين المؤيدين للرئيس روزفلت، وقال هؤلاء للرئيس آنذاك "أن إرسالكم لهذا الايرلندى الكاثوليكي إلى بلاط (سان جيمس) الملكي البريطاني، يعنى بالضرورة تدهور العلاقات الأمريكية البريطانية ... وقال وزير المالية الأمريكي (هنرى ماغينتو) للرئيس روزفلت: "إن وجود كنيدي بالقرب منكم هو خطر عليكم" (٢).
العداء للكاثوليك
تتكون الطبقة العليا، أو طبقة النخبة في أمريكا من أناس ورثوا الثروة والمنزلة الاجتماعية عن أجدادهم من المهاجرين الانجليز .. ومعظم أفراد هذه الطبقة من طائفة البروتستانت الانجلوسكسون، الذين لا يسمحون لأحد بمشاركتهم في هذا الإرث، انطلاقاً من نظره عنصرية للآخرين، حيث لم يكن الكاثوليك مسثتنون من هذا الأمر. ولمعرفة درجة العداء للكاثوليك في أمريكا من قبل البروتستانت يكفي أن نعلم "أن العلاقة بين اليهود والبروتستانت كانت أكثر حميميه، من العلاقة بين
стр. 129
البروتستانت والكاثوليك، لقد وجدت أرضيه مشتركة بين البروتستانتية واليهودية لم تتحقق بين البروتستانتية والكاثوليكية" (١).
وقد بلغت مشاعر التحامل ضد الكاثوليك الايرلنديين أحياناً مبلغاً يقارب المشاعر ضد السود من حيث الشدة. بل كثيراً ما دأب الناطقون بلسان البروتستانت بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة على جعل الكاثوليك صنواً للتسلطية وبالتالي مرادفاً للدكتاتورية. ومن الكتب ذات الرواج والنفوذ في تلك الحقبة كتاب (بول بلانشارد) المرسوم بـ "الحرية الأمريكية والكاثوليكية) عام ١٩٤٩م، الذي كرر الموضوع القديم المألوف تماماً في أمريكا في العهود الاستعمارية، والذي مؤداه أن الكاثوليك كانوا يهددون بتسلم زمام الأمور ووضع نهاية للحريات الأمريكية. وفي نفس العام تحدث الأسقف ج. بروملي أوكسنام وهو من أكبر الأساقفة نفوذاً في الكنيسة الميثودية (أكبر المذاهب البروتستانتية في أمريكا) وذلك في مقابلة إذاعية عن: "التطابق اللافت للنظر بين البنية التنظيمية للحزب السياسي الشيوعي العالمي وأسلوبه من ناحية، والحزب الكاثوليكي العالمي من ناحية أخرى وكلاهما استبدادي المنحى، ويحاول كل منهما السيطرة على عقول البشر في كل مكان، وكلاهما يمارس الحرمان واغتيال الشخصية والعمليات الثأرية الاقتصادية، ولا تعرف روما ولا موسكو معنى التسامح.
وبالنسبة للتحرريين الدينيين أمثال (اوكسنام) الذين بقوا يبحثون عن عالم تسوده المبادئ المسيحية، بدت النزعة التسلطية الكاثوليكة وكأنها تهدم مثلهم العليا البروتستانتية والديمقراطية. ففي عام ١٩٥١م حاول الرئيس ترومان تعيين سفير لدى الفاتيكان، غير أن الضجة الشعبية العالية بقيادة رجال الكنيسة البروتستانتية المنتمية إلى التيار الرئيس أرغمته على التخلي عن المحاولة. وفي تلك الفترة اضطرمت مشاعر العداء وتعمقت بين الكاثوليك والبروتستانت. فعلى سبيل المثال حذرت مجلة مشيخية بعد الحرب من الزواج بكاثوليك، مذكرة من بين أمور أخرى بأن المذهب البروتستانتي وليس الكاثوليكي هو الذي دفع الناس إلى المطالبة بحكومة حرة والى الإطاحة بالطغاة. وأقرت الكنيسة الأسقفية قراراً شديد
стр. 130
اللهجة ضد الزواجات المختلطة في عام ١٩٤٩م. وكانت المشاعر متبادلة بالطبع، إذ عمل الزعماء الكاثوليك على عدم تشجيع الزواج المختلط بهمة ونشاط لا تقل عما بدر من البروتستانت" (١).
سميث الكاثوليكي يخسر انتخابات ١٩٢٨ امام هوفر البروتستانتي
في انتخابات عام ١٩٢٨ كان مرشح الحزب الديمقراطي لمنصب الرئاسة هو حاكم ولاية نيويورك (سميث) الذي كانت فرصته لدخول البيت الأبيض عظيمة. فقد أعيد انتخابه أربع مرات على التوالي حاكماً لولاية نيويورك، كما أنه أول كاثولويكي حقق مثل هذا الفوز في عام ١٩١٥. وأهم ما تميزت به انتخابات الرئاسة في عام ١٩٢٨ هو استخدام منظمة (الكوكلاكس كلان) البروتستامتية المتطرفه كقوة ضاربة ضد الديمقراطيين، حيث بدأت كلان العمل ضد سميث منذ عام ١٩٢٥ بعد ان رأت فيه المرشح الاوفر حظاً للنجاح، حيث خاضت كو ـ كلوكس ـ كلان الحملة الانتخابية في عام ١٩٢٨ تحت شعار: (حزب روما الكاثوليكي ـ الاكليريكي بدأ حملة كبيرة بهدف السيطرة على أمريكا باسم البابا في روما). ولجأت إلى استغلال الأوهام السائدة لدى ملايين البورجوازيين من أجل التحريض ضد مرشح الحزب الديمقراطي حيث وصمته بالكاثوليكية واتهمته بمعارضته (قانون منع الخمور)، وبانعدام الحس الوطني الصادق لديه. وباختصار كان هذا المرشح في نظر كلان (حليفاً للشيطان)، و (ابن بابا روما).
كان سميث المولود في أسرة من المهاجرين الايرلنديين يجسد في عين الريف الزراعي الأمريكي البروتستانتي، (بابل الحديثة- نيويورك)، وتعاطي الكحول، والكاثوليكية، واليهود، والأجانب. كما أتهم سميث ببناء نفق يستطيع باباً روما من خلاله ان يزور البيت الأبيض دون ان يدري به أحد. والغريب ان الكثيرين قد صدقوا هذه الأكذوبة. بينما كانت كلان تقدم نفسها دائماً بوصفها المدافع الأمين عن البروتستانتية، وتؤكد في دعايتها أن الله هو صانع (الكلانية)، بل ان أحد رجال الدين قد أعلن ان (ك ك ك) هي (الكنيسة البروتستانتية في ميدان المعركة).
стр. 131
ان ديماغوجية كلان في عدائها للكاثوليكية قد ضمنت لها تأييد الكنيسة البروتستانتية التي تمثل قوة هائلة في الولايات المتحدة الأمريكية. وكان كثير من قادة كلان وموظفيها يمارسون أعمالهم أيضاً لدى الكنيسة البروتستانتية حيث اعتبر الرهبان المعمدانيون والمنهجيون وسطاً ملائماً تماماً لتجنيد الناس للعمل في صفوف كلان. وقد بينت الاحصائيات أن حوالي ٤٠ ألف راهب بروتستانتي انتسبوا إلى كلان. وكان الرهبان الموالون لكلان يخاطبون رعيتهم بثمل هذه الكلمات: "حين تصوتون لصالح ايل سميث فانكم تصوتون ضد عيسى المسيح، وبهذا تحل عليكم اللعنة"، أو يطرحون هذا السؤال: "هل حقاً ان أمريكا الرصينة ستختار رئيساً لها يحب كوكتيل الكحول؟. ولما كان سميث هو الذي اتخذ في عام ١٩٢٣ أولى الخطوات على طريق الغاء "قانون تحريم الكحول" فقد استغل خصومه هذه الحقيقة للطعن والتشهير به. وكان منافسه البروتستانتي (هوفر) في ذلك الوقت يدعو إلى (الأمريكانية الكاملة)، والولاء المطلق لقيم الاخلاق البروتستانتية، والابقاء على قانون تحريم الكحول.
ومن الذين عملوا ضد مرشح الحزب الديمقراطي كذلك السناتور هيفلين (عن ولاية الاباما) وهو صديق مخلص لكلان التي كانت تدفع له مبلغ ١٥٠ ـ ٢٥٠ دولاراً عن كل خطاب يهاجم فيه سميث، وقد استغل هيفلين هذا الوضع ووزع في جميع أنحاء البلاد ٥٥٦٦٠٠ نسخة من الخطابات التي القاها في الكونغرس والتي فصح فيها الكنيسة الكاثوليكية، وايل سميث ـ أهم عميل لبابا روما في السياسة الأمريكية. كما أكد هيفلين ان جميع الرؤساء الأمريكيين الذين قتلوا كان قاتلوهم من الكاثوليكيين. وفي حملة الانتخابات التمهيدية استخدام هذا السناتور سلاح العنصرية، واتهم خصمه بتأييد المساواة الاجتماعية التي تتناقض مع نظرية تفوق البيض، وأشار إلى ان سميث كان من الذين ايدوا قانون منع التمييز العنصري في الفنادق والمطاعم. كما نشرت إحدى صحف الجنوب مقالة ساخرة تتهم سميث بمناصرة الزنوج.
لقد مارس الكلانيون مختلف أنواع الترهيب مع انصار سميث. ومن ذلك استقبالهم له بصليب مشتعل حين زار اوكلاهوما ستي في نطاق الحملة الانتخابية.
стр. 132
وقد تكرر هذا في مدينة بيليلينغس (ولاية مونتانا) أيضاً. وعشية الانتخابات اقيمت صلوات خاصة ضد سميث في جمع كنائس الجنوب والغرب الأمريكي حيث تتمتع كلان باعظم النفوذ. ولهذا جاء فوز هوفر في الانتخابات ساحقاً، فقد حصل على ٢١ مليون صوت، بينما حصل سميث على ١٥ مليون صوت فقط. ويقارن المؤرخون الأمريكيون هذا الفوز بالانهيار الجبلي الهائل.
فبعد هزيمة سميث راحت كلان تتبجح بأنها هي التي حشرت سميث في الزاوية، وارغمته على الاستسلام امامها. وكان لهذه التصريحات ما يبررها فقد فعلت كلان الكثير من أجل وصول هوفر إلى البيت الأبيض، فالدعاية الكلانية هي التي امنت له الفوز حتى في الولايات الخمس التي اعتبرت ولايات الديمقراطيين التقليدية في الجنوب (فرجينيا، تكساس، فلوريدا، تينيس، كارولينا الشمالية) وكذلك فاز هوفر في الولايات الحدودية التي كانت في السابق موطن الرق، وهي ـ دولافيرا، فيرجينيا الغربية، مييلاند، كنتوكي وميسوري. وفي تحليله لأسباب فوز هوفر الحاسم هذا كتب د. بريت أن "ايل سميث كان ضحية حملة العداء للكاثوليكية واليهود والزنوج" (١).
كيندي يبحث عن مخرج
إزاء هذا الوضع المتأزم بين الكاثوليك والبروتستانت، كان من الطبيعي أن يجد جون كيندي نفسه في وضع حرج وصعب، عندما أراد ترشيح نفسه لمنصب الرئيس، حيث كانت مشكلة مذهبه الكاثوليكي من أهم المشاكل التي واجهها. فقد لعب الدين إلى جانب عوامل أخرى دورا مؤثرا في سلوكيات الناخبين عبر التاريخ الأمريكي. فعلى سبيل المثال يتجه اليهود والكاثوليك لانتخاب المرشحين الديمقراطيين أكثر من البروتستانت. وقد أثر الدين أيضا على طريقة عرض المرشحين والمسئولين المنتخبين لقضاياهم على عامة الناخبين (٢). "فالانتماء الديني ـ كان بصفة عامه ـ أحد العوامل الحاسمة التي تقرر المكان الذي يصطف الأمريكيون فيه من الناحية
стр. 133
السياسية، ولا سيما عندما يقترن ذلك بالأصل العرقي، كما أنه أفضل وسائل التنبؤ بالسلوك الإقتراعى" (١). لهذا اجتمع جوزيف وجون وروبرت كينيدى ومساعدوهم الرئيسيون، لمناقشة الصعوبات التي قد تواجه جون في حال إعلان جون كنيدى عن رغبته في ترشيح نفسه إلى منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. وخلص الجميع إلى النتائج التالية:
أولاً: لم يسبق وأن أصبح كاثوليكي رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية.
ثانياً: لم يسبق وأن أصبح شاب بعمر (جون) رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية (وصل عمر جون كيندى عام ١٩٦٠م إلى ٤٣ سنة فقط" (٢).
وللتغلب على مشكلة الدين قرر (جون كيندى) العمل على جبهتين، أحداهما الاعتماد على دعم الكاثوليك والاقليات الأخرى في أمريكا حيث كان الكاثوليك تقليدياً، عظيمي التأييد للحزب الديمقراطي، وقد بلغ هذا التأييد ذروته عام ١٩٦٠م، عندما انتخب (جون. ف. كيندي) كأول رئيس كاثوليكي للولايات المتحدة (٣)، حيث جاء انتخابه ليمثل ذروة الانخراط الليبرالي في السياسة من جانب الكاثوليك الأمريكيين، وقد عني انتخابه لكثير من الكاثوليك حصولهم أخيرا على التوازن الثقافي مع الأغلبية البروتستانتية (٤). أما الجبهة الثانية فقد عمل جون كيندى منذ بداية حملته الانتخابية في إشعال نار الفتنة بين إتباع الكنيسة الكاثوليكية، وأتباع الكنيسة البروتستانتية في ولاية فرجينيا الغربية معقل المتطرفين البروتستانت، ذلك أن القائمين على حملة جون كيندى الانتخابية رأوا في طرح المسألة الدينية نصراً لمرشحهم في هذه المنطقة. ولهذا أكد جون كيندى في جميع محاضراته التي ألقاها عبر شاشات التلفزيون الأمريكي بأنه ليس من المعقول أن يرفضه الناخبون كرئيس للولايات المتحدة، لأنه كاثوليكي المذهب، وأعلن في
стр. 134
أول خطاب له في ولاية فرجينيا بأن: "أحداً لم يسأله إذا كان كاثوليكياً أم لا؟ عندما انخرط في صفوف القوات البحرية الأمريكية". وطرح (جون كيندى) هذه المسألة أكثر من مرة، بهدف استعطاف الناخبين المعاديين للكاثوليكية.
ولم يتوقف جون عند هذه الحدود، بل أكد فيما بعد بأنه سيشكل حكومته دون اخذ العوامل الدينية بعين الاعتبار، وانه سيفصل بين عقيدته الدينية وعمله السياسي، حيث أسهمت توكيدا ته تلك وقيامه بذلك فعلاً أثناء رئاسته، إسهاما كبيراً في تخفيف أية مخاوف من بسط نفوذ الفاتيكان، القوة الأجنبية على أمريكا، فكان هذا التصريح بمثابة هجوم نفسي ضد أهالي فرجينا الغربية والذين يدينون بالبروتستانتية" (١).
وبالرغم من كل الجهود التي بذلها كيندى للفوز بالانتخابات إلا أن فوزه كان بمثابة معجزه وأمر غير عادى وخروجاً عن المألوف. فعندما تمت انتخابات الرئاسة الأمريكية في ٨ تشرين الثاني عام ١٩٦٠م، حصل (جون كيندى) على ٤٩.٧% من مجموع الأصوات، وحصل ريتشارد نيكسون على ٤٩.٦% من مجموع أصوات الناخبين الأمريكيين. وكان الفارق بين النتيجتين ضئيلاً جداً. وصوت في هذه الانتخابات ٦٤.٥% من اصل ١٠٧ ملايين أمريكي. ويعتبر هذا العدد قليلاً جداً حسب المقاييس الأوربية، وكبيراً جداً حسب المقاييس الأمريكية. وهذه النتيجة التي فاز بها (كيندى) تؤكد حقيقة سيطرة الأنجلو سكسون البروتستانت على الحياة الأمريكية وأنهم لن يسمحوا لاحد غيرهم بحكم أمريكا مهما بلغ الأمر، وبالذات إذا كان كاثوليكياً حيث تنتشر بين البروتستانت الأوهام الدينية على اوسع نطاق. وتشتد مشاعر العداء التاريخية التقليدية للديانة الكاثوليكية، حيث لعب هذا دوراً ملحوظاً في انتخابات الرئاسة في عام ١٩٦٠ حيث فاز كنيدي على منافسه نيكسون بفارق ضئيل جداً في عدد الأصوات. ومن المفارقات أن ٤.٥ مليون من البروتستانت الديمقراطيين قد صوتوا ضد مرشح حزبهم ـ أي ضد الكاثوليكي كنيدي" (٢). فالصراع يشتد في أمريكيا بين الروح الانجلوسكسونية وروح المهاجرين الجدد، إلا أن المزاج البريطاني
стр. 135
لازالت له السيادة في الوقت الحاضر على الأدب، حيث إن مستوى الفن والذوق في المدن الأطلسية إنجليزي، والتراث الأدبي تراث إنجليزي، والفلسفة تسير على النهج الإنجليزي.
فانجلترا هي التي أنجبت (واشنطن و ارفينج وامرسون) " (١).
كيندي ومحاولة الإصلاح
أدرك (كيندى) منذ توليه الرئاسة العوائق الكبيرة التي تواجه سياسته على المستوى الخارجي والداخلي التي تتعارض مع مصالح وأفكار الطبقة البروتستانتية المتنفذه، والتي لا تستطيع العيش إلا في ظل أجواء الصراع والحرب. لهذا اعتمد (جون كنيدى) على تأييد الكاثوليك من ولاية مساشوسش، بالإضافة إلى المهاجرين الإيطاليين والبولنديين الكاثوليك، لدعم سياسته الخارجية، التي تميزت بانفتاح كبير على العالم، حيث أدرك كيندى ضرورة التعايش السلمي مع الدول ذات النظم السياسية المختلفة. "فبعد أن قابل الرئيس الأمريكي كينيدي الرئيس ديغول في مايو ١٩٦١م، أعجب كل منهما بالآخر، ووصف كينيدي في تقرير للشعب الأمريكي في ٦/ ٦/١٩٦١م، ديغول بأنه مستشار حكيم للمستقبل ومرشد واسع الثقافة للتاريخ الذي ساهم في إنجازه. ولكن ذلك الوصف لم يرق لمؤسسة الظل الانكلو ـ سكسونية، التي عبرت عن استيائها لمثل هذه الثقة. وكانت التجربة الفرنسية في فيتنام من ضمن النصائح التي أسداها الحكيم (ديغول لكينيدي). واتفق مستشارو كينيدي علي أنه قد بدأ يفكر بجدية في الخروج من أزمة فيتنام ووضع نهاية لها" (٢).
كما قرر كيندي أن يكون أكثر إيجابية في سياسته الخارجية بسبب تغيير موازين القوى على المسرح الدولي، وقد عبر عن ذلك في خطابه الذي ألقاه في الجامعة الأمريكية في ١٠ حزيران عام ١٩٦٣م، حيث أشار إلى عقم الحرب النووية، وقال في هذا الخصوص: "لا فائدة إطلاقاً من الحرب الشاملة في العصر الذي تملك فيه القوى العظمى ترسانات نووية حصينة، لا فائدة من الحرب الشاملة لان القنابل النووية الحالية تملك قوة تفجير اكبر بعشر مرات من قوة تفجير القنبلة النووية التي
стр. 136
استخدمها الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ... لا فائدة من الحرب الشاملة لأن الغازات السامة يمكن أن تنتقل عبر الهواء والماء والتراب إلى مناطق العالم المختلفة" (١).
هكذا وقف كيندى في خطابه ضد كثير من العقائد السياسية في أمريكا، حيث أكد أتباع الحرب الباردة أن التوصل إلى سلام مع الشيوعيين أمر شبه مستحيل، وانه لا مفر للعالم من حرب عالمية ثالثة. وقد وصف كيندى هذه الأفكار بأنها مدمره وخطيرة وقال: "دعونا ننظر من جديد في علاقاتنا مع العالم" (٢). ولهذا خصص معظم خطابه للحديث عن مبدأ التعايش السلمي. إلا أن الواقعية التي تميز بها خطاب الرئيس كيندى في الجامعة الأمريكية لم ترق للدوائر الأمريكية الحاكمة. وأصبح جون كيندى هدفاً من أهداف الرجعية الأمريكية. ونتيجة لذلك أصبح عدم رضا البنتاغون ووكالة المخابرات الأمريكية عن تصرفات الرئيس المعتدلة واضحاً. ولكن الرئيس كيندى كان قد قرر السير قدماً في سياسة التعايش السلمي، وأعطى أوامره للوفد الأمريكي للتوجه إلى موسكو لتوقيع اتفاقية منع التجارب النووية في الفضاء وتحت الماء.
وفعلاً تم في موسكو في ٥ آب ١٩٦٣م توقيع المعاهدة .. حيث أدى ذلك إلى تلطيف الأجواء الدولية من ناحية، وتعقيد الوضع الداخلي من الناحية الأخرى. فلم يعد الرجعيون الأمريكيون يقفون ضد الرئيس كيندى بالكلام فقط، بل بدءوا يهاجمونه علانية بعد توقيع الاتفاقية الأمريكية السوفيثية، ووصفت الصحف الأمريكية توقيع الاتفاقية مع السوفيث إنها (كارثة قومية) .. وتم وصف كل من (جون كيندى ومكنماروا) وحتى (دين راسك) بأنهم شيوعيون، يعملون بشكل سرى في أمريكا. وطالبت مجلة (امريكن ابينسيون) في شهر تشرين الثاني عام ١٩٦٣م بالتخلص من الرئيس (جون كيندى) وإتباعه. ولكن كيندى استطاع التصدي لهذه
стр. 137
الحملات، حتى آخر يوم في حياته، واعلن ان توقيع اتفاقية منع التجارب النووية مع السوفيث هي اكبر نجاح له على المسرح الدولي.
وبالرغم من معارضة القوى الانجلوسكسونية المتطرفة للمعاهدة، فقد كان التأييد الشعبي لها كبيراً، حيث دخلت معاهدة منع التجارب النووية مع السوفيث قلب الشعب الأمريكي، وبعتث الطبقات الأمريكية البسيطة بآلاف الرسائل إلى الكونغرس الأمريكي، وطالبته بتأييد نص المعاهدة واقرارها .. حيث صادق عليها أعضاء مجلس الشيوخ لكي يضمنوا النجاح في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في عام ١٩٦٤ (١).
بالإضافة إلى مواقف كيندى السلمية في السياسة الخارجية، فإن مواقفه الاقتصادية والداخلية لم ترضي أصحاب رؤوس الأموال والعنصريين الأمريكيين، "حيث أن كيندي لم يكن راضياً عن الكم الهائل من الدولارات التي تهجر الولايات المتحدة لتستقر في أوروبا مع أرباحها. وبدأ كينيدي بالإعداد لفرض ضريبة علي تلك الرساميل حتي يلزمها بالعودة إلي ديارها. وفي رسالة وجهها إلي الكونغرس في ١٨/ ٦/١٩٦٣م، اقترح كينيدي فرض ضريبة تكافؤ معدلات الفائدة علي الأموال الموجودة في الخارج وذلك لتشجيع تصدير المنتجات المصنعة بدلاً من تصدير الدولارات. ولكن كينيدي لم يعش حتى يشاهد ذلك بعينه. ومن الواضح أنه كان لكينيدي مفهوم خاص به عن أمريكا التي يريدها، وهو مفهوم مختلف عن الرؤية الجديدة لأمريكا كعجلة قيادة رئيسة للبارونات الانكلو ـ سكسونييين متعددي الجنسيات" (٢).
نهاية كنيدي
اتسمت سنوات حكم كينيدي بسلسلة من الأحداث التي تسبب الحيرة والدوار، بعضها كان للرئيس نفسه يد في نشأتها، ولكن كثيراً غيرها ما كان بإمكانه أن يتنبأ بها، وجاءت ردة فعله باعتباره لاعبا رئيساً في لعبة السياسة الداخلية والدولية المحفوفة بالمخاطر. وفي كل هذه الأزمات، سواء كانت غزو كوبا الكارثي أم ازدياد
стр. 138
زخم حركة الحقوق المدنية الأميركية، أم الاجتماع برئيس وزراء الاتحاد السوفيتي خروتشوف في قمة فيينا، أو التورط العسكري الأميركي في فيتنام، أو أزمة الصواريخ الكوبية، أو توقيع معاهدة حظر التجارب النووية، كان كينيدي يخرج منها، كذلك السياسي والزعيم الذكي الهادئ الأعصاب دائم البحث والاستفسار، الذي يعتبر مثالا لعصره، والساعي دوما وراء سبل إزالة التوترات، وحل الأزمات الناجمة عن الحرب الباردة والصحوة العاصفة للروح الأخلاقية على يد (مارتن لوثر كينغ الابن) وأمثاله، لأمة عانت كثيرا من الفصل والتمييز العنصري" (١).
ولكن هذه المواقف للرئيس كيندي وغيرها لم ترق للقوى الانجلوسكسونية البروتستانتية المتطرفة، والتي بدأت تشعر أن هذا الكاثوليكى يهدد مصالحهم ويهدد القيم التي بنوا على أساسها سلطتهم، ولهذا قرروا التخلص منه، حيث أثارت تصريحاته حول ضرورة وضع قانون مدني جديد غضب العنصريين الأمريكيين، وقام العنصريون في الولايات الجنوبية بتهديد الرئيس أكثر من مرة، حيث ألقى قسم المخابرات المكلف بحماية الرئيس القبض على ٤٣ مجموعة، خططت لاغتيال جون كيندي في ولاية تكساس لوحدها. وفي ١٩ تشرين أول عام ١٩٦٣م تلقى الرئيس (كيندى)، إشارة خطره جداً، فقد تلقى السكرتير الحكومي المسؤول عن المطبوعات الأمريكية (بير سيلندرجر) رسالة من أحد سكان دالاس موجهة إلى الرئيس كيندى، حيث كتب المجهول في رسالته: "لا تدعو الرئيس كيندى يأتي إلى ولاية تكساس، أنا خائف عليه، وأظن أنه سيلاقى حتفه في حالة قدومه إلى هنا. ولكن (سيلندجر) لم يسلم الرسالة إلى الرئيس كيندي لأنه لم يهتم بها، وظن إنها دعابة لا أكثر، هذا بالرغم من أنه كان لدى الجميع مجال للظن بأن الرئيس كيندي قد شعر في أعماقه بهواجس القلق عند زيارته لقلعة العنصريين الأمريكيين، حيث لم يشغل هذا الظن الرئيس كيندي لوحدة بل شغل جاكلين زوجة الرئيس وأصدقائه" (٢).
وفي يوم ٢٢ تشرين الثاني ١٩٦٣م تحولت الدعابة إلى حقيقة والقلق إلى يقين، عندما أطلق مجهول النار على الرئيس كيندي في أحد شوارع دالاس ....
стр. 139
واضعاً الحد لحياة أول رئيس أمريكي كاثوليكي أراد أن يرى عالم أكثر سلماً وعدلاً واستقراراً .. وهذا لا يرضي تجار الحروب والعنصريين من البارونات الانجلوسكسون الذين نفذوا الجريمة واخفوا أدواتها بسرعة هائلة، وأسدلوا عليها ستار من الصمت والغموض، بالرغم من أن الناس أخذوا يتساءلون منذ الساعة الأولى لاغتيال الرئيس: من الذي قتله؟ ولماذا ولكنهم لم يجدوا جواباً قاطعاً عن هذا السؤال حتى يومنا الحاضر!! فقد اختفت أطراف الجريمة في الماء، وتم إعدام المدعو (لي هاربي اسفالد) بالرصاص فوراً. أما المتهم الثاني جيوم روبى فقد مات في السجن.
وبالرغم من أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف ـ بي ـ أي) خلص في التحقيق الذي أجراه عام ١٩٦٤م إلى أن لي (هارفي اوزوالد) اغتال كينيدي وحدة من دون تورط أي جهة أخرى معه، إلا ان ذلك لم يمنع ظهور نظريات لا حصر لها لتفسير (المؤامرة) الكامنة وراء اغتيال كيندي. وفي آخر هذه النظريات "يتهم (بار مكليلان) ـ والد المتحدث الحالي باسم البيت الأبيض ـ في كتاب صدر حديثاً، الرئيس الأمريكي الراحل ليندون جونسون بالوقوف وراء اغتيال الرئيس جون كيندي، ويعرض (مكليلان الأب)، في نحو ٤٨٠ صفحة في كتابه الذي صدر بعنوان (الدم .. المال .. السلطة): كيف قتل جونسون، كيندي؟. تفاصيل ومقابلات خاصة وصور بصمات تثبت أن (ادوارد كلارك) سفير أمريكا السابق في استراليا، وهو من اخلص أعوان جونسون، وضع خطة اغتيال كينيدي عام ١٩٦٣م وتستر عليها" (١).
وسواء كانت هذه الرواية صحيحة أم لا، فإن القارئ يبقى في حيرة من أمره، فيتساءل عن سبب توتر العلاقة بين الأخوين كينيدي من ناحية، ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ( CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي ( FBI) ، من ناحية أخرى خصوصاً أن جون كينيدي كان مفتونا باستخدام الأساليب الإستخباراتية في سبيل خدمة المصلحة القومية (٢)، ويظل السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: كيف ارتكبت المخابرات السرية الأمريكية كل هذه الأخطاء التي أدت إلى مقتل الرئيس
стр. 140
كينيدى؟ وان الأمريكي الوحيد الذي اتهم بقتل الرئيس تم إعدامه فوراً وعلى مرأى الجميع دون أن يأخذوا منه أية معلومات؟ (١).
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تكررت مآساة (كيندى) مع أخيه روبرت كيندى، الذي اعتقد أن بإمكان كاثوليكي آخر الطموح للوصول إلى منصب الرئاسة، فوقع ضحية هذا الاعتقاد وتم اغتياله في ظروف غامضة وألصقت تهمة جريمة الاغتيال بالفلسطيني (سرحان بشارة)، وأسدل ستار من الصمت عن المخطط الحقيقي لهذه الجرائم، والتي نؤكد أنها ليست بعيده عن دوائر المخابرات الأمريكية والجماعات المتطرفة البروتستانتية، التي عندها استعداد للقتال حتى الموت من أجل إبقاء السيطرة الانجلوسكسونية البروتستانتية على مقاليد الأمور في أمريكا.
ليندون جونسون
بعد أن اغتال المتطرفون البروتستانت الرئيس كنيدي ببضع ساعات، أدى ليندون جونسون القسم خلفاً له أثناء تحليقه على متن طائرة سلاح الجو المخصصة للرئيس الأمريكي، وتولي هذا السياسي الانتهازي، مقاليد الأمور، وعاكس السياسات المالية والسياسة التي كان قد تبناها كينيدي، حيث أبقي الوضع كما هو عليه بالنسبة للفوائد علي الأموال المهاجرة، وعمل علي تصعيد وتيرة حرب فيتنام (٢). كما لم يستمر الموقف المعتدل للسياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، طويلاً، حيث أعادها جونسون إلى سابق عهدها، ولم يتوان عن تقديم كافة أنواع الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري لإسرائيل، حيث كان يقول: أنا مستعد للدفاع عن إسرائيل تماما كما يدافع جنودنا عن فيتنام.
وفي عهده حصلت إسرائيل على صفقات كبيرة من الأسلحة الهجومية، والمعدات اللازمة للحرب الإلكترونية، والتي تمكنت إسرائيل ـ بفضلها ـ من هزيمة الجيوش العربية في عام ١٩٦٧م والاستيلاء على أراضٍ شاسعة تفوق مساحتها، مساحة إسرائيل عدة مرات. أما السبب الذي دفع جونسون للقيام بذلك فيوضحه
стр. 141
(وليم. بالكوانت) بقوله: "إن عواطفه الشخصية تجاه إسرائيل كانت تبدو راسخة بالمحبة والإعجاب، وتشير الظواهر كلها إلى أنه كان فعلاً يحب إسرائيل والإسرائيليين الذين تعامل معهم. كما عرف أقرب مستشاريه بصداقتهم لإسرائيل، إضافة إلى أن اتصالاته المباشرة مع الجالية اليهودية الأمريكية كانت حميمة خلال مسيرة حياته" (١). وهناك تصريح لجونسون، أدلى به في سبتمبر ١٩٦٨م أمام جمعية بنات برث (أبناء العهد) ربما يلقى الضوء على أثر الأفكار والنبوءات التوراتية على سياسته تجاه الصراع العربي الإسرائيلي حيث قال فيه: "إن بعضكم، إن لم يكن كلكم، لديكم روابط عميقة بأرض إسرائيل، مثلى تماماً، لأن إيماني المسيحي ينبع منكم، وقصص التوراة منقوشة في ذاكرتي، تماماً مثل قصص الكفاح البطولي ليهود العصر الحديث، من أجل الخلاص من القهر والاضطهاد" (٢).
مستقبل إسرائيل والعالم ؟!
عندما عبر الرئيس (جونسون) عن قناعاته الدينية التي تدفعه لدعم إسرائيل، فإنه لم يكن الوحيد الذي ينظر إلى الصراع العربي الإسرائيلي هذه النظرة الدينية، بل إنه كان يعبر عن وجهة نظر عامة سادت الأوساط الشعبية البروتستانتية المتدينة في أمريكيا، وبالذات بعد الانتصار الإسرائيلي في حرب ١٩٦٧م، حيث ساهم هذا الانتصار إلى حد كبير في تزايد التيار المسيحي البروتستانتي المؤيد لإسرائيل، باعتبار أن ما حدث على أرض فلسطين ما هو إلا تحقيق لنبوءات توراتية ولمشيئة إلهية. فقد أثار انتصار إسرائيل السريع خلال حرب الستة أيام في العام ١٩٦٧م وغزو مجمل أراضى القدس حماسة عارمة لدى (الاعفائيين) الموقوفين على نظريات داربي، وكان (نلسون بل) ناشر (كريستيانيتي توداي) وحماه المبشر الشهير (ببلى غراهام) قد كتب: "أن تقع القدس بين يدي اليهود للمرة الأولى منذ أكثر من ألفي عام يثير القشعريرة عند كل من يقرأ الكتاب المقدس ويشعره بإيمان يتجدد في صحة وشرعية الكتاب" (٣).
стр. 142
ولهذا لم يكن من المستغرب أن نجد عناوين الكتب والمقالات التي نشرت في أمريكيا وبعض الدول الأوربية، في أعقاب حرب ١٩٦٧م من هذا الطراز الديني المستمد من النصوص التوراتية، مثل (وانتصروا في اليوم السابع)، (حرب إسرائيل المقدسة)، (عملية السيف البتار)، (داوود وجوليات)، (أضربي يا صهيون) وغيرها من العناوين. وضمن الإطار نفسه، قامت بعض الجماعات الدينية المسيحية، بتوزيع منشورات وكراسات بعناوين مثل، (مستقبل إسرائيل والعالم) و (الخطط المقدسة للتاريخ)، حاولت فيها إظهار انتصار إسرائيل في عام ١٩٦٧، وكأنه ينبثق عن الإرادة الإلهية، إذ تبر بوعدها لشعب الله المختار، وتقوم باستباق الأحداث لتجعلها مطابقة لما جاء في النصوص الدينية، ونبوءات العهد القديم من الكتاب المقدس.
وقد نشرت صحيفة الأنوار اللبنانية، صورة لمنشور (مستقبل إسرائيل والعالم) في صفحتها الأولى في ١٠ نيسان ١٩٦٨م. وهذه مقتطفات مما جاء في هذا المنشور: "إن العهد القديم من الكتاب المقدس لم يتنبأ بالأزمة التي نشهدها في الشرق الأوسط فحسب، بل تنبأ بالانتصارات الإسرائيلية واحتلال القدس ... وحتى توقيت هذه الأحداث في حد ذاته. لقد تنبأت نصوص الكتاب المقدس بمساحة أكبر من المساحة الواقعة بأيدي إسرائيل في شباط فبراي ـ ١٩٦٨م، فالنص الوارد في سفر التكوين (١٥:١٨) يوضح المسألة باختصار على أساس وعد أله إسرائيل بالأرض الممتدة من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات" (١). غير أن الكثيرين يتساءلون عن صحة هذه النبوءات، ويزعم البعض الآخر، أن الأساس التوراتى لمزاعم إسرائيل الأرضية لا علاقة له بالموضوع ... وأن الواقع المعاصر هو الذي يقوم بتعيين حدود الشرق الأوسط. ومع ذلك فإن النصوص المقدسة برهنت على صحتها فيما يتعلق بالأحداث حتى الآن، مما يقوى الحجة لصحتها فيما يتعلق بالأحداث المستقبلية أيضاً" (٢). وواضح من مضمون المنشور السابق أنه يفسر الأحداث الحاضرة والمستقبلية، التي جرت وستجرى في منطقة الشرق الأوسط، على أسس
стр. 143
دينية صرفه وكأنها ليس إلا تحقيقاً لوعود ونبوءات توراتية. وهذا أمر خطير جداً كما سيتضح لنا فيما بعد.
ريتشارد نيكسون والانتحار السياسي
"تطورت العلاقة الخاصة بين أميركا وإسرائيل بشكل مثير, وفي كل مرة تغذت من مبدأ هذا الرئيس الأميركي أو ذاك في تعامله مع المنطقة. فمع (مبدأ ترومان) في احتواء النفوذ السوفياتي, وكذا مع (مبدأ أيزنهاور) في مساعدة دول المنطقة مادياً وعسكرياً لوقف الامتداد الشيوعي، تبوأت إسرائيل موقعاً أساسياً في المواجهة واندفعت إلى حمل الراية الأميركية. لكن الاحتفاء الإستراتيجي الكاسح بإسرائيل كان عليه أن ينتظر (مبدأ نيكسون) ووزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي (هنري كيسنجر) , كي يبدأ مشوار التحالف الوثيق المقدم على أي حساب آخر. إذ اعتبر (مبدأ نيكسون) أن إسرائيل هي حجر الزاوية في السياسة الأميركية في المنطقة, والوكيل المخلص الذي يمكن الاعتماد عليه وحده في اللحظات الحرجة" (١). أما لماذا حدث هذا الاحتفاء الاستراتيجي الأمريكي بإسرائيل في عهد نيكسون، واحتلت إسرائيل حجر الزاوية في السياسة الأمريكية في المنطقة، فإن ذلك كان نتيجة للانتصار الإسرائيلي على الجيوش العربية في عام ١٩٦٧م، حيث ساهم ذلك في تحرير الإدارة الأمريكية ـ جزئياًـ من الضغوط التي كانت تفرضها عليها ظروف الحرب الباردة، بالإضافة إلى ذلك ساهم هذا الانتصار في تنامي المشاعر الدينية المؤيدة لإسرائيل باعتباره تحقيق لنبوءة توراتية.
في هذا الجو تولى ريتشارد نيكسون الرئاسة، حيث لم يتوان عن تقديم كافة أنواع الدعم الاقتصادي والعسكري والسياسي لإسرائيل، وذلك استجابة لرغبة الرأي العام المتدين من ناحية، وإرضاءً لقناعاته الدينية من الناحية الأخرى. يقول ريتشارد نيكسون: «إن الله مع أمريكا، إن الله يريد أن تقود أمريكا العالم» (٢) ولهذا كان
стр. 144
نيكسون من المتأثرين بالأفكار والنبوءات التوراتية، وكانت تربطه علاقات حميمة مع بعض رجال الدين المسيحيين المعروفين بتأييدهم لإسرائيل، حيث انعكس ذلك علي نظرته لإسرائيل. فعندما زارت (جولدا مئير) الولايات المتحدة عام ١٩٦٩م وصفها (نيسكون) بأنها (دبورة التوراتية) تم راح يغمرها بعبارات المديح لما حققته من ازدهار في إسرائيل. (ودبوره) هي إحدى الشخصيات الجليلة لدى اليهود يصفها (سفر القضاة) بأنها: (نبيه ... قاضية إسرائيل) تم يمضى في تعداد مآثرها وشجاعتها في قيادة الإسرائيليين والانتصار على ملك كنعان، ويروى على لسانها هذه الكلمات: "خذل الحكام في إسرائيل، خذلوا حتى قمت أنا دبوره. قمت أماً في إسرائيل" (١).
وقد وصل تعاطف نيكسون مع إسرائيل إلى الحد الذي جعله يقول: "إن استعداده للقيام بالانتحار السياسي، أكثر من استعداده لإلحاق الضرر بإسرائيل" (٢). ولم يكن موقف نيكسون هذا نابع من حرصه على الصوت الانتخابي اليهودي، أو غيرها من الأمور التي نسمع عنها. فاليهود لم يعطوه أكثر من ١٧% من أصواتهم الانتخابية في عام ١٩٦٨م، وبالرغم من ذلك كان دعمه المستمر لإسرائيل.
ولو إستمررنا في تتبع سياسات الرؤساء الأمريكيين تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، فإننا سنجد على الدوام، أن خلفياتهم الدينية لعبت دوراً حاسماً في تشكيل سياستهم المنحازة لإسرائيل، وهنا يقول (برنارد ريتش) في كتابه ـ الولايات المتحدة وإسرائيل: "إن القادة السياسيين في أمريكيا وخاصة الرؤساء منهم، كانوا ولا يزالون يتبنون وجهة النظر الدينية المؤازرة لإسرائيل، سواء (ويلسون) (وترومان) اللذان يعترفان بالتأثير الديني على قراراتهما، أو ليندون جونسون، الذي ينسب إليه قول مشهور أدلى به في اجتماع لجمعية بنات برث ـ أبناء العهد ـ في سبتمبر ١٩٦٨م" (٣). ويعلق كاتب آخر فيقول: "إن علاقة الرؤساء الأمريكيين بإسرائيل
стр. 145
يصدق عليها قول الكاتب اليهودي الأمريكي (جون بيتى)، الذي قال: إن الرؤساء الأمريكيين ومعاونيهم ينحنون أمام الصهيونية كما ينحني المؤمن أمام قبر مقدس" (١).
فقد حبا الله الولايات المتحدة برؤساء مؤمنين بالمسيحية المشوبة بتعاليم التوراة مثل جون آدامز وتوماس جيفرسون كوينسي آدامز وجون تايلر وجيمس بولوك ووليم تافت وودرو ولسون وكالفن كولدج وهاري ترومان وجيمي كاتر ورونالد ريغان، وكلها أسماء لامعة في الخطابين السياسي والديني دون تمييز، ولعل الرؤساء الأقرب إلى سردنا التاريخي هما جيمي كارتر المؤمن بعقيدة الولادة الثانية كمسيحي، ورونالد ريغان المؤمن بنفس العقيدة التي تقول بالرجعة الثانية.
جيمي كارتر ينفذ أمراً إلهياً
في النصف الثاني من السبعينيات وصل إلى الرئاسة الأمريكية، (جيمي كارتر)، الذي قام بجهد غير عادى لدعم إسرائيل، تم تتويجه بتوقيع أول معاهدة سلام مع دولة عربية وهى مصر، حيث وصف (سايروس فانس) وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، سياسة كارتر تجاه الشرق الأوسط، فقال: "لم يكن محلاً للسؤال أن حجر الأساس في سياسة كارتر حيال الشرق الأوسط، سيبقى هو التزامنا بأمن إسرائيل" (٢). ويؤكد بريجنسكي ـ مستشار الرئيس (جيمي كارتر) لشؤون الأمن القومي ذلك بقوله: "إن العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية هي علاقة حميمة مبنية على التراث التاريخي و الروحي" (٣). كما عبر كارتر نفسه عن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية خلال مؤتمر صحفي في عام ١٩٧٧م، فقال: "إن لنا علاقة خاصة مع إسرائيل، وإنه من المهم للغاية أنه لا يوجد أحد في بلادنا، أو في العالم أصبح، يشك في أن التزامنا الأول في