(وليم. بالكوانت) بقوله: "إن عواطفه الشخصية تجاه إسرائيل كانت تبدو راسخة بالمحبة والإعجاب، وتشير الظواهر كلها إلى أنه كان فعلاً يحب إسرائيل والإسرائيليين الذين تعامل معهم. كما عرف أقرب مستشاريه بصداقتهم لإسرائيل، إضافة إلى أن اتصالاته المباشرة مع الجالية اليهودية الأمريكية كانت حميمة خلال مسيرة حياته" (١). وهناك تصريح لجونسون، أدلى به في سبتمبر ١٩٦٨م أمام جمعية بنات برث (أبناء العهد) ربما يلقى الضوء على أثر الأفكار والنبوءات التوراتية على سياسته تجاه الصراع العربي الإسرائيلي حيث قال فيه: "إن بعضكم، إن لم يكن كلكم، لديكم روابط عميقة بأرض إسرائيل، مثلى تماماً، لأن إيماني المسيحي ينبع منكم، وقصص التوراة منقوشة في ذاكرتي، تماماً مثل قصص الكفاح البطولي ليهود العصر الحديث، من أجل الخلاص من القهر والاضطهاد" (٢).
مستقبل إسرائيل والعالم ؟!
عندما عبر الرئيس (جونسون) عن قناعاته الدينية التي تدفعه لدعم إسرائيل، فإنه لم يكن الوحيد الذي ينظر إلى الصراع العربي الإسرائيلي هذه النظرة الدينية، بل إنه كان يعبر عن وجهة نظر عامة سادت الأوساط الشعبية البروتستانتية المتدينة في أمريكيا، وبالذات بعد الانتصار الإسرائيلي في حرب ١٩٦٧م، حيث ساهم هذا الانتصار إلى حد كبير في تزايد التيار المسيحي البروتستانتي المؤيد لإسرائيل، باعتبار أن ما حدث على أرض فلسطين ما هو إلا تحقيق لنبوءات توراتية ولمشيئة إلهية. فقد أثار انتصار إسرائيل السريع خلال حرب الستة أيام في العام ١٩٦٧م وغزو مجمل أراضى القدس حماسة عارمة لدى (الاعفائيين) الموقوفين على نظريات داربي، وكان (نلسون بل) ناشر (كريستيانيتي توداي) وحماه المبشر الشهير (ببلى غراهام) قد كتب: "أن تقع القدس بين يدي اليهود للمرة الأولى منذ أكثر من ألفي عام يثير القشعريرة عند كل من يقرأ الكتاب المقدس ويشعره بإيمان يتجدد في صحة وشرعية الكتاب" (٣).
стр. 142
ولهذا لم يكن من المستغرب أن نجد عناوين الكتب والمقالات التي نشرت في أمريكيا وبعض الدول الأوربية، في أعقاب حرب ١٩٦٧م من هذا الطراز الديني المستمد من النصوص التوراتية، مثل (وانتصروا في اليوم السابع)، (حرب إسرائيل المقدسة)، (عملية السيف البتار)، (داوود وجوليات)، (أضربي يا صهيون) وغيرها من العناوين. وضمن الإطار نفسه، قامت بعض الجماعات الدينية المسيحية، بتوزيع منشورات وكراسات بعناوين مثل، (مستقبل إسرائيل والعالم) و (الخطط المقدسة للتاريخ)، حاولت فيها إظهار انتصار إسرائيل في عام ١٩٦٧، وكأنه ينبثق عن الإرادة الإلهية، إذ تبر بوعدها لشعب الله المختار، وتقوم باستباق الأحداث لتجعلها مطابقة لما جاء في النصوص الدينية، ونبوءات العهد القديم من الكتاب المقدس.
وقد نشرت صحيفة الأنوار اللبنانية، صورة لمنشور (مستقبل إسرائيل والعالم) في صفحتها الأولى في ١٠ نيسان ١٩٦٨م. وهذه مقتطفات مما جاء في هذا المنشور: "إن العهد القديم من الكتاب المقدس لم يتنبأ بالأزمة التي نشهدها في الشرق الأوسط فحسب، بل تنبأ بالانتصارات الإسرائيلية واحتلال القدس ... وحتى توقيت هذه الأحداث في حد ذاته. لقد تنبأت نصوص الكتاب المقدس بمساحة أكبر من المساحة الواقعة بأيدي إسرائيل في شباط فبراي ـ ١٩٦٨م، فالنص الوارد في سفر التكوين (١٥:١٨) يوضح المسألة باختصار على أساس وعد أله إسرائيل بالأرض الممتدة من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات" (١). غير أن الكثيرين يتساءلون عن صحة هذه النبوءات، ويزعم البعض الآخر، أن الأساس التوراتى لمزاعم إسرائيل الأرضية لا علاقة له بالموضوع ... وأن الواقع المعاصر هو الذي يقوم بتعيين حدود الشرق الأوسط. ومع ذلك فإن النصوص المقدسة برهنت على صحتها فيما يتعلق بالأحداث حتى الآن، مما يقوى الحجة لصحتها فيما يتعلق بالأحداث المستقبلية أيضاً" (٢). وواضح من مضمون المنشور السابق أنه يفسر الأحداث الحاضرة والمستقبلية، التي جرت وستجرى في منطقة الشرق الأوسط، على أسس
стр. 143
دينية صرفه وكأنها ليس إلا تحقيقاً لوعود ونبوءات توراتية. وهذا أمر خطير جداً كما سيتضح لنا فيما بعد.
ريتشارد نيكسون والانتحار السياسي
"تطورت العلاقة الخاصة بين أميركا وإسرائيل بشكل مثير, وفي كل مرة تغذت من مبدأ هذا الرئيس الأميركي أو ذاك في تعامله مع المنطقة. فمع (مبدأ ترومان) في احتواء النفوذ السوفياتي, وكذا مع (مبدأ أيزنهاور) في مساعدة دول المنطقة مادياً وعسكرياً لوقف الامتداد الشيوعي، تبوأت إسرائيل موقعاً أساسياً في المواجهة واندفعت إلى حمل الراية الأميركية. لكن الاحتفاء الإستراتيجي الكاسح بإسرائيل كان عليه أن ينتظر (مبدأ نيكسون) ووزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي (هنري كيسنجر) , كي يبدأ مشوار التحالف الوثيق المقدم على أي حساب آخر. إذ اعتبر (مبدأ نيكسون) أن إسرائيل هي حجر الزاوية في السياسة الأميركية في المنطقة, والوكيل المخلص الذي يمكن الاعتماد عليه وحده في اللحظات الحرجة" (١). أما لماذا حدث هذا الاحتفاء الاستراتيجي الأمريكي بإسرائيل في عهد نيكسون، واحتلت إسرائيل حجر الزاوية في السياسة الأمريكية في المنطقة، فإن ذلك كان نتيجة للانتصار الإسرائيلي على الجيوش العربية في عام ١٩٦٧م، حيث ساهم ذلك في تحرير الإدارة الأمريكية ـ جزئياًـ من الضغوط التي كانت تفرضها عليها ظروف الحرب الباردة، بالإضافة إلى ذلك ساهم هذا الانتصار في تنامي المشاعر الدينية المؤيدة لإسرائيل باعتباره تحقيق لنبوءة توراتية.
في هذا الجو تولى ريتشارد نيكسون الرئاسة، حيث لم يتوان عن تقديم كافة أنواع الدعم الاقتصادي والعسكري والسياسي لإسرائيل، وذلك استجابة لرغبة الرأي العام المتدين من ناحية، وإرضاءً لقناعاته الدينية من الناحية الأخرى. يقول ريتشارد نيكسون: «إن الله مع أمريكا، إن الله يريد أن تقود أمريكا العالم» (٢) ولهذا كان
стр. 144
نيكسون من المتأثرين بالأفكار والنبوءات التوراتية، وكانت تربطه علاقات حميمة مع بعض رجال الدين المسيحيين المعروفين بتأييدهم لإسرائيل، حيث انعكس ذلك علي نظرته لإسرائيل. فعندما زارت (جولدا مئير) الولايات المتحدة عام ١٩٦٩م وصفها (نيسكون) بأنها (دبورة التوراتية) تم راح يغمرها بعبارات المديح لما حققته من ازدهار في إسرائيل. (ودبوره) هي إحدى الشخصيات الجليلة لدى اليهود يصفها (سفر القضاة) بأنها: (نبيه ... قاضية إسرائيل) تم يمضى في تعداد مآثرها وشجاعتها في قيادة الإسرائيليين والانتصار على ملك كنعان، ويروى على لسانها هذه الكلمات: "خذل الحكام في إسرائيل، خذلوا حتى قمت أنا دبوره. قمت أماً في إسرائيل" (١).
وقد وصل تعاطف نيكسون مع إسرائيل إلى الحد الذي جعله يقول: "إن استعداده للقيام بالانتحار السياسي، أكثر من استعداده لإلحاق الضرر بإسرائيل" (٢). ولم يكن موقف نيكسون هذا نابع من حرصه على الصوت الانتخابي اليهودي، أو غيرها من الأمور التي نسمع عنها. فاليهود لم يعطوه أكثر من ١٧% من أصواتهم الانتخابية في عام ١٩٦٨م، وبالرغم من ذلك كان دعمه المستمر لإسرائيل.
ولو إستمررنا في تتبع سياسات الرؤساء الأمريكيين تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، فإننا سنجد على الدوام، أن خلفياتهم الدينية لعبت دوراً حاسماً في تشكيل سياستهم المنحازة لإسرائيل، وهنا يقول (برنارد ريتش) في كتابه ـ الولايات المتحدة وإسرائيل: "إن القادة السياسيين في أمريكيا وخاصة الرؤساء منهم، كانوا ولا يزالون يتبنون وجهة النظر الدينية المؤازرة لإسرائيل، سواء (ويلسون) (وترومان) اللذان يعترفان بالتأثير الديني على قراراتهما، أو ليندون جونسون، الذي ينسب إليه قول مشهور أدلى به في اجتماع لجمعية بنات برث ـ أبناء العهد ـ في سبتمبر ١٩٦٨م" (٣). ويعلق كاتب آخر فيقول: "إن علاقة الرؤساء الأمريكيين بإسرائيل
стр. 145
يصدق عليها قول الكاتب اليهودي الأمريكي (جون بيتى)، الذي قال: إن الرؤساء الأمريكيين ومعاونيهم ينحنون أمام الصهيونية كما ينحني المؤمن أمام قبر مقدس" (١).
فقد حبا الله الولايات المتحدة برؤساء مؤمنين بالمسيحية المشوبة بتعاليم التوراة مثل جون آدامز وتوماس جيفرسون كوينسي آدامز وجون تايلر وجيمس بولوك ووليم تافت وودرو ولسون وكالفن كولدج وهاري ترومان وجيمي كاتر ورونالد ريغان، وكلها أسماء لامعة في الخطابين السياسي والديني دون تمييز، ولعل الرؤساء الأقرب إلى سردنا التاريخي هما جيمي كارتر المؤمن بعقيدة الولادة الثانية كمسيحي، ورونالد ريغان المؤمن بنفس العقيدة التي تقول بالرجعة الثانية.
جيمي كارتر ينفذ أمراً إلهياً
في النصف الثاني من السبعينيات وصل إلى الرئاسة الأمريكية، (جيمي كارتر)، الذي قام بجهد غير عادى لدعم إسرائيل، تم تتويجه بتوقيع أول معاهدة سلام مع دولة عربية وهى مصر، حيث وصف (سايروس فانس) وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، سياسة كارتر تجاه الشرق الأوسط، فقال: "لم يكن محلاً للسؤال أن حجر الأساس في سياسة كارتر حيال الشرق الأوسط، سيبقى هو التزامنا بأمن إسرائيل" (٢). ويؤكد بريجنسكي ـ مستشار الرئيس (جيمي كارتر) لشؤون الأمن القومي ذلك بقوله: "إن العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية هي علاقة حميمة مبنية على التراث التاريخي و الروحي" (٣). كما عبر كارتر نفسه عن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية خلال مؤتمر صحفي في عام ١٩٧٧م، فقال: "إن لنا علاقة خاصة مع إسرائيل، وإنه من المهم للغاية أنه لا يوجد أحد في بلادنا، أو في العالم أصبح، يشك في أن التزامنا الأول في
стр. 146
الشرق الأوسط إنما هو حماية إسرائيل في الوجود ... الوجود إلى الأبد، والوجود بسلام، إنها بالفعل علاقة خاصة" (١).
ولكن ما هي طبيعة هذه العلاقة الخاصة التي يتحدث عنها الرئيس كارتر؟ إنها بالتأكيد ليست علاقة مبنية على المصالح المشتركة، لأن المصالح تتغير من فترة إلى فترة، وليس لها طابع الدوام إلى الأبد. إن هناك أمر آخر هو الذي جعل هذه العلاقة خاصة والالتزام نحوها أبدياً، كما جاء في تصريح كارتر السابق. وقد وضح الرئيس كارتر هذا الأمر بنفسه في تصريح له أمام الكنيست الإسرائيلي في مارس ١٩٧٩م حيث قال: "إن علاقة أمريكيا بإسرائيل أكثر من علاقة خاصة، لقد كانت ولا زالت علاقة فريدة لا يمكن تقويضها لأنها متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكي نفسه، وكما إن الولايات المتحدة وإسرائيل أقامهما رواد مهاجرون فإننا نتقاسم معكم تراث التوراة أيضاً" ... "وفي احتفال أقامته على شرفه جامعة تل أبيب، وضح كارتر الأمر أكثر فقال: "إنه كمسيحي مؤمن بالله، يؤمن أيضاً بأن هناك أمراً إلهياً بإنشاء دولة إسرائيل" (٢).
فكارتر هنا ينفذ أمر المشيئة الإلهية بحذافيرها عندما يدعم إسرائيل، وكيف لا؟ وهو المسيحي المؤمن الملتزم بالصلاة في الكنيسة كل أحد، والذي كان عضواً في أكبر كنائس بلدته وأكثرها جاهاً، وكان معلماً وشماساً في مدرسة الأحد، ويساهم كل عام في أسبوع لإيقاظ الروح الدينية في المجتمع" (٣). فخلفية كارتر الدينية الصارمة، بوصفه أحد أتباع الكنيسة المعمدانية المعروفة بدعمها لإسرائيل، انطلاقا من إيمانها الشديد بكل ما جاء في العهد القديم من نبوءات وأخبار تاريخية، هي التي رسمت سياسته تجاه إسرائيل. لهذا كان كارتر أكثر وضوحاً من غيره، في التعبير عن (البعد الديني) في السياسة الأمريكية إزاء الصراع العربي الإسرائيلي حيث قال في خطاب ألقاه في الأول من مايو عام ١٩٧٨م: "إن دولة إسرائيل هي أولاً وقبل كل شيء عودة إلى الأرض التوراتية، التي أخرج منها اليهود منذ مئات السنين ... إن
стр. 147
إنشاء دولة إسرائيل هو إنجاز النبوءة التوراتية وجوهرها". واعترف في خطابه نفسه أن عليه "التزاماً كاملاً ومطلقاً نحوها كإنسان وكأمريكي وكشخص متدين".
وعندما استقبل (جيمي كارتر) في البيت الأبيض رئيس الوزراء الإسرائيلي (مناحيم بيغن) وعده أن الولايات المتحدة ستدعم إسرائيل إلى الأبد، وقال في خطبة له: "إنه منذ تدمير القدس في العام ٧م استمر اليهود في الصلاة ليكون عامهم القادم في القدس، وأنهم عادوا أخيرا إلى ارض التوراة بعد ألفى عام من المنفى والشقاء والتمييز العنصري ضدهم" (١). وعندما ظهر كارتر في معبد اليزابت اليهودي في نيوجرسى، وهو يرتدى رداء القضاة المخملي قال: "إنني أقدس الإله الذي تقدسونه. نحن (كمسيحيين) ندرس التوراة التي تدرسونها". واختتم كلمته بالقول: "إن الحفاظ على بقاء إسرائيل لا يدخل في نطاق السياسة، انه واجب أخلاقي" (٢). وربما هذا ما دفع احد وزاءه لوصفه بانه "واعظ اكثر منه استراتيجي" (٣)
ريجان ومعركة هرمجيدون !
لو انتقلنا إلى رونالد ريجان الممثل القادم من هوليود وتتبعنا سياسته اتجاه الصراع العربي الإسرائيلي، فإننا سنجد أن النظرة الدينية البحتة هي التي حكمت سياسته تجاه إسرائيل، هذا بالرغم من أنه لم يكن مديناً لليهود في إعادة انتخابه. فقد أعطوا ٦٨ % من أصواتهم الانتخابية للمرشح الديمقراطي (والتر مونديل)، الذي كان شعاره الانتخابي يقول: "إنني أفضل أن أخسر المعركة الانتخابية واليهود يدعمونني على أن أربحها بدون أصوات اليهود ودعمهم" (٤). وهنا يفسر جورج شولتز أسباب إجماع الحزبيين الديمقراطي والجمهوري على دعم إسرائيل والتعاون معها بالقول: "إن تعاوننا مع إسرائيل حقيقة ثابتة بصرف النظر عن الحزب الذي يحكم في
стр. 148
أي من البلدين، لأن هذه العلاقة مغروسة بعمق في وجدان شعبينا وفي قيم حضارتنا" (١).
والرئيس ريجان لم يشد عن هذه القاعدة، حيث يعتبر من أكثر الرؤساء الأمريكيين تديناً وإيمانا بالنبوءات والخرافات التوراتية، وبالذات تلك المتعلقة بمعركة هرمجيدون الرهيبة، حيث صرح "بأنه كان يشعر عند خوضه الانتخابات الأمريكية بأن المسيح يأخذ بيده، وانه سوف ينجح ليقود معركة (الهرمجدون) التي يعتقد أنها ستقع خلال الجيل الحالي في منطقة الشرق الأوسط" (٢). وقد عبر (رولاند ريجان) عن الأبعاد التوراتية لالتزام الولايات المتحدة الأمريكية ـ الأخلاقي والروحي والثراتى والأدبي ـ بإسرائيل بقوله، مخاطباً المدير التنفيذي للمنظمة الصهيونية (ايباك): "حينما أتطلع إلى نبوءاتكم القديمة في العهد القديم وإلى العلامات المنبئة بمعركة هرمجيدون ـ أي نهاية العالم ـ أجد نفسي متسائلاً، عما إذا كنا نحن الجيل الذي سيرى ذلك لاحقاً. ولا أدرى إذا كنت قد لاحظت مؤخراً أي من هذه النبوءات، ولكن صدقني إنها تنطبق على زماننا الذي نعيش فيه".
ويقول أيضاً: "إن نهاية العالم قادمة، ويراها الرئيس كما تفسر النظريات معركة ـ هرمجيدون ـ حينما تغزو جيوش السوفيت والعرب وآخرين دولة إسرائيل، وستباد جيوش الغزاة بواسطة قنبلة ذرية محدودة وسيموت ملايين اليهود، أما المتبقي منهم فإنه سيتم إنقاذهم بواسطة جيش المسيح، والذي سيعود إلى الأرض لمعاقبة القوى المضادة للإسرائيليين وسيقضى على قوى الشر في معركة تسمى هرمجيدون، وتقع في سهل مجدو في فلسطين، وستنتهي هذه المحنة بقبول اليهود للمسيح كمنقذ لهم، وبزوغ فجر عصر الألف عام السعيدة تحت حكم المسيح" (٣). وآراء ريجان هذه ليست الأولى من نوعها، فلها سوابق كثيرة في المكتب البيضاوي،
стр. 149
ولكنها تعكس التصديق الواسع النطاق للنبوءات التوراتية واستخدامها لتبرير وجود إسرائيل، وسنلقى مزيد من الضوء على هذا الموضوع الخطير في الفصول التالية.
ريجان والتزامه الديني
يشير ريجان نفسه إلى عواطفه الدينية المبكرة، إذ قال في مقابلة تلفزيونية مع المبشر (جيم بيكر) عام ١٩٨٠م: "كنت محظوظاً لأن أمي غرست فيّ إيماناً عظيماً أكثر بكثير مما أدرك في ذلك الحين". وقال في تصريح علني آخر: "إن الكتاب المقدس يضم كل الإجابات على قضايا العصر، وعلى كل الأسئلة الحائرة إذا ما قرأنا وآمنا، إن الأموال التي ننفقها في محاربة المخدرات والمسكرات والأمراض الاجتماعية يمكن توفيرها لو حاولنا جميعاً أن نعيش وفق الوصايا العشر .. لقد أخبروني أنه منذ بداية الحضارة سنت ملايين القوانين، ولكنها جميعاً لم تصل إلى مستوى قانون الله في الوصايا العشر الواردة في التوراة" (١). ويعارض ريجان بباعث من معتقده الديني مسألة الفصل بين الدين والسياسة التي يتبجح كثير من حكام المسلمين بالتغني بها، حيث يقول: لا يوجد شيء اسمه الفصل بين الدين والسياسة، وأن القائلين بهذا الفصل لا يفهمون القيم التي قام عليها المجتمع الأمريكي.
والرئيس الأمريكي لم يكن يخفى توجهاته الدينية الدفينة قبل وبعد تولى الرئاسة، وهو بعد أن نجح في انتخابات الرئاسة التي جاءت به لمقعد الحكم لبس القبعة اليهودية المعروفة، وألقى خطاباً في مؤتمر يهودي، كدليل التزامه بالصهيونية وولائه المطلق لليهود. وقد أكد (جيمس ملز) في مقال نشرتها مجلة (سان ييجو ماجازين) في أغسطس (آب) ١٩٨٥م. هذه الحقائق بقوله: "إن ريجان كرئيس، أظهر التزاماً بالاضطلاع بواجباته وفقاً لإرادة الله، كما يجب أن يفعل كل مؤمن في منصب رفيع، وأن ريجان شعر بذلك الالتزام خصوصاً في سعيه إلى بناء الجبروت العسكري للولايات المتحدة وحلفائها" (٢).
стр. 150
الفصل الخامس
تنامي التيار الديني المسيحي الأصولي في أمريكيا
في ثمانينات القرن الماضي، صعد وتنامي التيار الصهيوني غير اليهودي، وصار يشكل أكبر وأقوى قوة متنامية مؤيدة لإسرائيل على المسرح السياسي الأمريكي. "وتمثلت الشرارة التي أشعلت السياسة الانجيلية المنظمة في أمريكيا بانتخاب جيمي كارتر لرئاسة الجمهورية عام ١٩٧٦، اذ أعلن كارتر خلال الحملة انه كان مسيحياً إنجيلياً ولد من جديد، حيث ساهمت هذه العبارة في تلقى كارتر دعماً قوياً من الناخبين الذين اعتبروا أنفسهم أيضاً (مولودين من جديد)، ودفع انتخابه مجلة نيوزويك إلى تسمية عام ١٩٧٦م، عام الإنجيليين" (١). وتأكد هذا مجددا بإعلان جيرالد فورد (المنافس في ١٩٧٦م) و (المتنافسين في ١٩٨٠م) رونالد ريجان وجون أندرسون، بإعادة مولدهم كمسيحيين، وكان هذا بمثابة إعلان عن نضج الحركة" (٢).
ولما كانت عضوية الكنائس البروتستانتية المحافظة قد اتسعت خلال تلك الفترة، "فإن هذا الاتجاه، المسيحي الصهيوني نحو الشرق الأوسط، يجد من ينتصر له في منابر مختلفة متزايدة، كالكنائس والإذاعات وحتى قاعات الكونغرس، خاصة بعد أن امتد نفوذه إلى عقول وجيوب الملايين وامتلك شبكة تلفزيونية وإذاعية هائلة وبتقنية متقدمة للغاية وباستخدام الأساليب الاستعراضية الدينية في التلفزيون أو ما تسمى الآن ـ الكنيسة التلفزيونية أو الديانة في الأوقات المناسبة" (٣).
стр. 151
أسباب البركة في أمريكيا
عندما عقدت منظمة، ايباك الصهيونية مؤتمرها السياسي السنوي للعام ١٩٨١م، ألقى سناتور ايدوارووجر، و. جبسن، كلمه أمام المؤتمر قال فيها: "إن من أسباب تأييده الحيوي الذي لا يتغير لإسرائيل، هو دينه المسيحي". وقال: "إن المسيحيين وبخاصة الإنجيليين ـ هم من أفضل أصدقاء إسرائيل منذ ولادتها الجديدة عام ١٩٤٨م". وقال أيضاً: "أعتقد أن أسباب البركة في أمريكيا عبر السنين، أننا أكرمنا اليهود الذين لجئوا إلى هذه البلاد، وبورك فينا لأننا دافعنا عن إسرائيل بانتظام، وبورك فينا لأننا اعترفنا بحق إسرائيل في الأرض" (١).
وهذا أيضا (جيري فالويل) زعيم منظمة الأغلبية الأخلاقية، والصديق الشخصي لمناحيم بيغن وإسحق شامير، والمحافظ الذي يحظى بأكبر قدر من الإعجاب خارج الكونغرس، يجسد الصلة المتنامية بين المسيحية الأصولية والصهيونية، حين قال في كتاب صدر عنه بعنوان (جيرى فالويل واليهود): "إن إسرائيل تحتل الآن مكان الصدارة في نبوءات الكتاب المقدس، وإني أومن أن عهد الوثنيين ـ يقصد العرب والمسلمين ـ قد ولى بسيطرة اليهود على الأرض المقدسة في عام ١٩٦٧م، أو إنه سينتهي في القريب العاجل. وأني على قناعة بأن معجزة إنشاء دولة إسرائيل في عام ١٩٤٨م كان بفضل العناية الإلهية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وإن الإله وعد مراراً في العهد القديم بأنه سيجمع الشعب اليهودي في الأرض التي وعدها إبراهيم، وأعنى بها أرض إسرائيل الآن، ولقد أوفى الإله بوعده، وإن إنشاء دولة إسرائيل لدليل ثابت على أن إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب حي كريم، وستبقى دولة إسرائيل محور التاريخ. وقال أيضاً: "لا أعتقد أن في وسع أمريكيا أن تدير ظهرها لشعب إسرائيل وتبقى في عالم الوجود، والرب يتعامل مع الشعوب بقدر ما تتعامل هذه الشعوب مع اليهودي". وجيرى فالويل هذا يقوم بإنتاج برنامج ديني اسمه ـ ساعة من أزمان الإنجيل ـ يتم إذاعته من ٣٩٢ محطة تلفزيونية، ومن حوالي ٥٠٠ محطة إذاعية كل أسبوع، كما أنه يقوم بتنظيم رحلات إلى إسرائيل للمسيحيين
стр. 152
الذين ولدوا من جديد، كما يسميهم" (١). وتقديراً لجهوده، فقد أوعز مناحيم بيغن، بمنحه ميدالية اعترافاً بتأييده الثابت لإسرائيل، حيث تم تقليده هذه الميدالية في عام ١٩٨٠م خلال مأدبة عشاء أقيمت في نيويورك بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد الزعيم الصهيوني جابوتنسكى (٢).
وإذا كان فالويل من أشهر المتحدثين بلسان المسيحيين المحافظين، أو أتباع مذهب العصمة الحرفية الذين يصل تعدادهم إلى أكثر من ٣٠ مليون أمريكي، "فإن هناك الكثير من المسيحيين البروتستانت في أمريكيا ينظرون إلى الشرق الأوسط، على الأقل من منظار الصلة الدينية بإسرائيل، ويرون في تأييدهم لها عملاً لاهوتياً، إذ ينسبون لإسرائيل دوراً بارزاً في تفسير التعاليم المسيحية. فهم يعتقدون من جهة، أن إسرائيل تستحق التأييد المسيحي، لأن وجودها هو تحقيق لنبوءات التوراة، ودليل على صدق الكتاب المقدس، ويكثرون من الاستشهاد بفقرات من العهد القديم دفاعاً عن هذا الرأي. ويدعم عدة مسيحيين إسرائيل من جهة ثانية لاعتقادهم بأن اليهود مازالوا كما كانوا زمن التوراة، شعب مختار. يقول المؤلف (جون هاجي)، وهو من اليمين المتطرف: "إن إسرائيل هي الأمة الوحيدة التي تكونت بأمر خالص من الله لا دور للأسباب فيه، وقد أقسم الله بعظمته أن يدافع عن القدس، مدينته المقدسة. إذا كان الله هو الذي أنشأ إسرائيل، وهو الذي يدافع عنها، فإن تلك الأمم التي تقاتلها إنما تقاتل الله" (٣).
إسرائيل مفتاح أمريكيا للبقاء !
حدث في صيف ١٩٨٣م، أن أذاع (مايك ايفانس)، قسيس بدفورد في تكساس، برنامجاً تلفزيونياً خاصاً ولمدة ساعة كاملة، بعنوان ـ إسرائيل مفتاح أمريكيا للبقاء ـ حيث استغله ليصف الدور الحاسم الذي تلعبه إسرائيل في مصير الولايات المتحدة، السياسي والروحي، وأدعى بأن تخلى إسرائيل عن الضفة الغربية وغيرها من
стр. 153
الأراضي المحتلة بعد حرب ١٩٦٧م، سوف يجر إلى دمار إسرائيل ومن بعدها الولايات المتحدة، وختم (ايفانس) برنامجه بنداء وجهه للمسيحيين، يناشدهم فيه بتوقيع، بيان البركة لإسرائيل، وقال إن هذا البيان مهم بنوع خاص لأن الحرب مقبلة ـ يقصد معركة هرمجيدون ـ وعلينا أن نطلع رئيسنا ـ ريجان ـ ورئيس الوزراء ـ بيغن ـ على شعورنا نحن الأمريكيين نحو إسرائيل. وعن سبب إنتاجه لهذا البرنامج الذي أذيع فيما لا يقل عن ٢٥ ولاية أمريكية، قال ايفانس: "إن الرب أمرني بوضوح بإنتاج هذا البرنامج الخاص بدولة إسرائيل" (١). وفي سنة ١٩٨٤م جمع ايفانس توقيعات مليون مسيحي لالتماس دولي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وفي مجلدين مماثلين حمل ايفانس التوقيعات إلى إسرائيل وقدمها إلى شامير رئيس الوزراء. وكتب ايفانس وقتها يقول: "إن عيني شامير اغرورقتا بالدموع، وقال: إن أولئك المسيحيين يحبوننا حباً عظيماً" (٢)!
أمريكيا قوية لأنها تقف مع إسرائيل !
يعلن كثير من رجال الدين البروتستانت في أمريكيا، أمثال (جيم بيكر) (وكينت كوبلان) (وجيمى سواجارت) وغيرهم، من خلال الإذاعات ومحطات التلفزيون، عن تأييدهم لإسرائيل، استناداً لما ورد في الكتاب المقدس. فبناء على الفقرة الواردة في سفر التكوين (أبارك مباركيك ولاعنك ألعنه) تكوين (١٢: ٣) يرى الأصوليون ضرورة تأييد إسرائيل (الحديثة) إلى الأبد، حيث يعتقدون أن أي معارضة لمطلب صهيوني أيا كان الطلب ليست معارضة لدولة إسرائيل، بل هي ضد الرب نفسه، ومعنى هذا تزويد إسرائيل بموافقة مطلقة على العدوان العسكري على أي بلد عربي. فهذا جيمى سواجارت (٣)، الذي يعتبر من أشهر رجال الدين المسيحي في أمريكيا، يتحدث أكثر ويعمل أكثر لصالح إسرائيل، على أسس توراتية .... حيث يعتبر قيام إسرائيل ضرورة لاهوتية للعودة الثانية للمسيح. ويكشف سواجارت في برامجه ومنشوراته
стр. 154
الكنسية عن صهيونيته التوراتية، حيث يقول: "إن أمريكيا مرتبطة بحبل ميلاد سرى مع إسرائيل، وإن الله يبارك الذين يباركون إسرائيل ويلعن لاعنيها ... إن أمريكيا قوية لأنها تقف مع إسرائيل" (١). وفي تجمع حديث للائتلاف المسيحي، ادعى متحدث بأن هجمات ١١ أيلول، كانت عقوبة إلهية لعدم فعالية الدعم الأمريكي لإسرائيل (٢).
وفي مقابل هذه النظرة المؤيدة والمنحازة بالكامل لإسرائيل يجب الا تدهشنا نظرة هؤلاء البروتستانت الانجلوسكسون للعرب، فطبقا لتشرشل (الذي يمجده العرب) فالعرب ليسوا أكثر من قوم متخلفون يأكلون روث الجمال، بينما طالب لورنس اوليفانت (١٨٢٩ ـ ١٨٨٨م) بطرد العرب مثل الهنود الحمر لأنهم غير جديرين بأي معاملة إنسانيه (٣). ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن الأصوليين المسيحيين أكثر جرأة في الطعن في الإسلام، وجرح مشاعر المسلمين، من حلفائهم اليهود. كما تدل عليه تصريحات (فرانك غراهام) و (بات روبرتسون) و (جيري فالويل) حول الإسلام خلال العام المنصرم. وقد لاحظت الكاتبة الأميركية جريس هاسيل "أن الأصوليين المسيحيين في أميركا مستعدون لتقبل نقد موجه لفرنسا أو إنجلترا، أو ألمانيا، أو إيطاليا، أو الولايات المتحدة، أو أي بلد آخر في العالم، لأن ذلك شأن سياسي، أما نقد إسرائيل فهو يساوي عندهم نقد الرب ذاته"، حسب تعبيرها (٤).
القول مقرون بالعمل
لا يجب أن نعتقد أن هذا التيار الديني المسيحي في الولايات المتحدة الأمريكية، يكتفي فقط بإلقاء الخطب الرنانة وتوقيع بيانات التأييد لإسرائيل، "بل أنه يمارس ضغوطاً هائلة على صناع القرار في أمريكيا من أجل دعم أكبر لإسرائيل، ويكون حاضراً في أي نقاش، أو آي قضية تكون إسرائيل طرفاً فيها، سواء في الصحافة أو الإذاعة والتلفزيون، وحتى في قاعات الكونغرس، والاجتماعات الشعبية، فكانت
стр. 155
النتيجة أن أصبح الكلام بحرية عن الشرق الأوسط وسياسة أمريكيا في المنطقة، مقيداً حتى قبل أن يبدأ" (١).
وقد نجح هذا التيار المسيحي الأصولي في الحصول على ما يريد في أغلب الأحيان، بسبب تنظيمه وتوحيد جهوده من خلال منظمات وجمعيات منتشرة في طول وعرض الولايات المتحدة الأمريكية، يزيد عددها على أكثر من ٢٥٠ منظمة وجمعية، من أبرزها، منظمة الأغلبية الأخلاقية ومؤسسات روبرتسون الإعلامية التي تمتلك محطة تلفزيون وإذاعة الشرق الأوسط في جنوب لبنان، ومؤسسة السفارة المسيحية الدولية ، ومؤسسة المعبد، وجماعة حق الدين وغيرها الكثير. "وتقوم هذه الجمعيات والمنظمات بإحياء وتنظيم مناسبات عديدة تضامناً مع إسرائيل، مثل يوم الاعتراف بإسرائيل، وسبت التضامن مع إسرائيل، وحفلات الفطور تكريماً لإسرائيل والتي أصبحت حدثاً سنوياً تقوم بتنظيمها جماعة المائدة المستديرة. وفي إحدى الاحتفالات أصدرت لجنة صلاة الفطور، بيانها الخاص لمباركة إسرائيل، باسم ما يزيد عن خمسين مليون مسيحي يؤمنون بالتوراة في أمريكيا. وتضمن البيان خليطاً عجيباً من النقاط الدينية والسياسية والعسكرية، تشمل ما يلي:
"دعوة للتعاون الإستراتيجي مع إسرائيل، يعقبها نداء إلى إله إسرائيل الذي أعطى العالم عبر الشعب اليهودي الكتب السماوية .... مختارات من الكتاب المقدس تؤكد حق اليهود الإلهي في الأرض ... ثم دعوة لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، مشفوعة بوصية تقول: إن حدود الأرض المقدسة التي رسمها الكتاب المقدس، لا يمكن أن تغيرها رمال المقتضيات السياسية والاقتصادية المتحركة" (٢).
السفارة المسيحية الدولية
تعتبر منظمة السفارة المسيحية الدولية، من أكثر المنظمات والقوى الصهيونية المعاصرة انتشاراً ونفوذاً على الساحة الدولية. وقد ولدت هذه المنظمة في نهاية سبتمبر ١٩٨٠م حينما اجتمع أكثر من ألف رجل دين مسيحي جاءوا من أكثر من ٢٣
стр. 156
دولة، في مؤتمر بمدينة القدس، تعبيراً عن الدور المركزي لهذه المدينة في فكر وحركة الصهيونية المسيحية المعاصرة. وقد جاء تأسيسها أثر رفض المجتمع الدولي لقرار الحكومة الإسرائيلية اعتبار القدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل، وكرد فعل على قيام عدد من دول العالم بنقل سفاراتها من القدس إلى تل أبيب.
"وقد افتتحت السفارة مكاتب لها في القسم الغربي من مدينة القدس، وأعلنت عن افتتاح أكثر من ٣٧ قنصلية لها في دول العالم، وأخذ يدير هذه المكاتب رجال دين مسيحيون متعصبون للصهيونية. وقد اتخذت السفارة ولاية كارولينا الشمالية، مقراً لها وافتتحت فروعاً لها في عدد كبير من المدن الأمريكية الرئيسة. وتقوم هذه المراكز بجمع التبرعات لإسرائيل وعقد المؤتمرات وتسيير المظاهرات وحشدها، وبيع المنتجات الإسرائيلية، وتنظيم الرحلات السياسية إليها، وممارسة الضغوط السياسية على صانعي القرار في دول العالم لصالح إسرائيل. ويؤمن أعضاء وأنصار هذه السفارة، بأنه على إسرائيل أن تمتد من النيل إلى الفرات. وقد اختصر زعيم هذه السفارة أهداف منظمته بقوله: إننا صهاينة أكثر من الإسرائيليين أنفسهم" (١).
وتصل موازنة السفارة إلى أكثر من ١٠٠ مليون دولار، وملايين الأتباع، وعشرات الألوف من الأعضاء في جميع أنحاء العالم. وقد نظمت السفارة على مدى الأعوام الماضية، مهرجانات ومسيرات حاشدة في شوارع القدس، احتفالاً بتأسيس إسرائيل وبالأعياد الدينية اليهودية، مثل عيد العرش، الذي شارك فيه آلاف المسيحيين الأصوليين. وتستخدم السفارة، شبكة واسعة من أجهزة الأعلام لنشر أهدافها وتثقيف أتباعها في كيفية خدمة القضايا الإسرائيلية. فهي تصدر مجلة إخبارية ربع سنوية، اسمها المراجعة، بالإضافة إلى عشرات الأوراق والنشرات والبيانات الدورية. وأنتجت فليماً صهيونياً، وشكلت لجان للعمل السياسي ونظمت حملات مستمرة من الرسائل البريدية إلى صانعي القرار في عدد من دول العالم، وصارت تدعى لجلسات الاستماع في الكونغرس الأمريكي، وفي نفس الوقت رتبت حملات لجمع الدم، دعماً لجنود إسرائيل أثناء غزو لبنان عام ١٩٨٢م، وأنشأت فرقة
стр. 157
للغناء سمتها، فرقة أغاني صهيون، وجمعت المساعدات المالية وشجعت بيع السندات الإسرائيلية داخل الكنائس الأمريكية.
وفي أواخر أغسطس ١٩٨٥م نظمت السفارة الدولية، أول مؤتمر صهيوني دولي في مدينة بازل بسويسرا، وفي نفس القاعة التي انعقد فيها المؤتمر الصهيوني الأول بزعامة هرتزل. وقد شارك في المؤتمر أكثر من ٦٠٠ رجل دين ومفكر مسيحي بروتستانتي، قدموا من ٣٧ دولة، وهتفوا جميعاً بحياة إسرائيل الكبرى، وصلوا من أجل عاصمتها الموحدة والأبدية، القدس، وقرروا الانتشار في الأرض تنظيماً وحركة لخدمة وحماية وتكملة المشروع الصهيوني ... ومن أجل إرضاء الرب أيضاً.
وقد اتخذ المؤتمر العديد من القرارات كان أبرزها:
١ـ الضغط باتجاه مزيد من الاعتراف الدولي بإسرائيل كدولة لليهود ودعم عمليات تجميعهم من شتى أنحاء العالم، وخصوصاً من الاتحاد السوفيتي، لاستيطان الضفة الغربية وغزة، وتكملة المشروع الصهيوني الممتد من الفرات إلى النيل تحقيقاً للنبوءات التوراتية.
٢ـ مطالبة جميع الدول والمؤسسات الدولية والحكومية والخاصة، فتح أبوابها كاملة لمشاركة الإسرائيليين، وعلى الدول الصديقة الانسحاب من هذه التجمعات إذا ما طردت منها إسرائيل.
٣ـ مطالبة جميع الأمم بالاعتراف بالقدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل، وبالتالي نقل سفاراتها إليها.
٤ـ تشجيع أطروحة توطين الفلسطينيين ـ يسميهم المؤتمر اللاجئون من إسرائيل ـ في الوطن العربي، وتوفير العدالة للاجئين اليهود العرب في إسرائيل.
٥ـ دعم ومساندة الاقتصاد الإسرائيلي، وإنشاء صندوق استثمار مسيحي دولي لهذه الغاية، مقره في أمستردام، وبرأسمال مبدئي قدره مائة مليون دولار،
стр. 158
ويخصص للصناعات التقنية والسياحية في إسرائيل، ومطالبة الدول الصديقة بالامتناع عن تسليح العرب، بما فيهم مصر.
٦ـ مطالبة العالم بعدم الانصياع لأنظمة المقاطعة العربية لإسرائيل، وإدانة كل أشكال اللاسامية ضد اليهود.
٧ـ تعبئة الكنائس لنصرة إسرائيل وإنشاء تنظيمات بجذور شعبية لهذه الغاية، ومطالبة مجلس الكنائس العالمي بالاعتراف بالرابط التوراتى بين الشعب اليهودي وأرضه الموعودة ودولته إسرائيل، والصلاة انتظارا للمجيء الثاني للمسيح ومملكته القادمة في القدس" (١).
وكرد على هذا البيان الذي صدر عن السفارة المسيحية الدولية، اصدر مجلس كنائس الشرق الأوسط بياناً، جاء فيه: " لما كنا نعي المسؤوليات الملقاة على عواتقنا حيال الطوائف المسيحية والرأي العام العالمي، فإننا نؤكد أن لهذا الاجتماع صفة سياسية مفضوحة على الرغم من الإشارات الدينية الكثيرة. إننا ندين استغلال التوراة واستثمار المشاعر الدينية في محاولة لاضفاء صبغة قدسية على إنشاء دولة، ولدمغ سياسة إحدى الحكومات بدمغة شرعية" (٢).
جورج بوش الأب ... قرارات تتخذ لتنفذ
لو تأملنا القرارات السابقة التي اتخذتها السفارة المسيحية الدولية في عام ١٩٨٥، والبيانات والمطالب التي طرحتها الحركة الأصولية الأمريكية خلال تلك الفترة، فإننا سنجد أن كثير منها تحقق على أرض الواقع بطرق مختلفة خلال السنوات القليلة الماضية، وبالذات في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش (الأب)، والتي يمكن إجمالها بالآتي:
стр. 159
١ـ فتح أبواب الهجرة اليهودية على مصراعيها من الاتحاد السوفيتي السابق، ودول أوروبا الشرقية وأثيوبيا، إلى إسرائيل، مع استمرار المساعي الأمريكية مع سوريا واليمن وغيرها من الدول.
٢ـ ازدياد الاعتراف الدولي بإسرائيل، حيث انضمت دول مثل الاتحاد السوفيتي السابق، والصين، ودول أوروبا الشرقية، وكثير من الدول الأفريقية، إلى قائمة الدول المعترفة بإسرائيل والتي لها علاقات دبلوماسية معها.
٣ـ دعم الاقتصاد الإسرائيلي بطرق كثيرة، تمثلت بموافقة الرئيس بوش الأب على منح إسرائيل ضمانات قروض بقيمة ١٠ مليار دولار أمريكي.
٤ـ امتناع أمريكيا عن تسليح الدول العربية بأي أسلحة يمكن أن تشكل خطراً على إسرائيل، وممارسة الضغوط من أجل منع الدول العربية من الحصول على أي أسلحة من مصادر أخرى، وحتى في اللحظة التي تمكنت دولة عربية، وهى العراق، من تكوين قوة عسكرية كبيرة تهدد إسرائيل، قامت أمريكيا بالتعاون مع أعوانها العرب بافتعال أزمة مع العراق، وجرته إلى حرب قضت على قوته العسكرية.
٥ـ وعلى صعيد تشجيع التعاون الدولي مع إسرائيل، قامت كثير من الدول وبضغط مباشر من أمريكيا، بإلغاء العمل بقوانين المقاطعة العربية، كما تم إلغاء قرار الجمعية العامة الذي يساوى بين الصهيونية والعنصرية، وكل ذلك من أجل فتح آفاق جديدة أمام التعاون الدولي مع إسرائيل.
٦ـ وفي مجال تشجيع أطروحة توطين الفلسطينيين في الدول العربية، فقد انبثقت عن مؤتمر مدريد للسلام، لجنة خاصة لبحث قضية اللاجئين في إطار المباحثات المتعددة الأطراف وليس في إطار المباحثات الثنائية، وهذا يؤكد أن هدف هذه اللجنة هو حل مشكلة اللاجئين عن طريق توطينهم في الدول العربية المضيفة لهم، وليس في الأراضي العربية المحتلة، ولهذا رفضت إسرائيل طرح حق العودة في هذه المفاوضات، كما أنها رفضت مشاركة فلسطيني الشتات في المفاوضات الثنائية.
٧ـ وبالنسبة لقضية القدس، فإنه لم يكن مصادفة أن يعلن (وليم دوكاكيس) المرشح السابق للرئاسة الأمريكية، والرئيس السابق (بل كلينتون)، خلال حملاتهم
стр. 160
الانتخابية، عن عزمهما نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بها كعاصمة أبدية لإسرائيل (١). إن دل هذا على شيء، فإنما يدل على الرغبة الأمريكية الأكيدة بالاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، ولكن الظروف الدولية والعربية لم تسمح لأمريكا باتخاذ هذه الخطوة في السابق، ولهذا لجأت أمريكيا وإسرائيل إلى تحقيق هذا الهدف على مراحل، كما حدث في مؤتمر مدريد للسلام، عندما تم استبعاد سكان القدس من المشاركة في مفاوضات السلام، وتم أيضاً استبعاد طرح قضية القدس في إطار المفاوضات، بحجة أنه سيتم بحث هذه القضية بعد المرحلة الانتقالية، وفي إطار الحل النهائي.
هذا التطابق بين التوصيات والقرارات التي اتخذها التيار المسيحي الأصولي في أمريكيا لدعم إسرائيل، وبين ما تم ويتم إنجازه على أرض الواقع، إن دل على شيء فإنما يدل على قوة هذا التيار من ناحية، وعلى تبنى صانعي القرار في أمريكيا لمطالب هذا التيار ـ باعتبارهم جزء منه ـ من ناحية أخرى. فجورج بوش الأب ينحدر من أسره عرف عنها انتماؤها وعلاقتها الحميمة بالتيار الديني الأصولي المتطرف، وبرموز هذا التيار الذي يؤمن بحرفية النبوءات التوراتية، حيث يفتخر الرئيس بوش بأنه من المسيحيين الأصوليين المولودين ثانية، وذلك من خلال اعترافه العلني للمسيح. وقد أشار إلى تجربته الشخصية (كمولود ثانية) ـ والتي تعنى النجاة من معاناة اليوم الآخر الذي يسبق معركة هرمجيدون.
الولادة الثانية والنشوة المطلقة
بالرغم مما تبدو عليه عبارة (مولود ثانية) من بساطه، إلا أنها تخفي ورائها نظرة أصولية عدمية متطرفة. فحسب سفر الرؤيا، آخر كتب العهد الجديد، فإن عدد الأفراد البالغ ١٤٤٠٠٠ فقط، المفترض نجاتهم من كارثة هرمجدون الرهيبة، كان مصدر قلق جدي بل بمثابة كابوس مخيف للكثير من المؤمنين، ناهيك عن كون الموضوع برمته مصدر حرج كبير للكنيسة. ولمجابهة هذه المشكلة وجد الوعاظ
стр. 161
الأصوليون المسيحيون في الغرب حلاً مناسباً لطمأنة جماهيرهم المؤمنة، وهذا الحل يضمن إنقاذ المؤمنين المولودين ثانيه بحيث يرتفعون لملاقاة المسيح العائد في الجو قبل حدوث كارثة هرمجدون الرهيبة على الأرض، وهو ما أطلقوا عليه تعبير (الرفع للجو أو الخطف) وقد استندوا في ذلك على عبارة وردت في رسالة بولس الأولى إلى أهالي تيسالونيكي قال فيها: "لأن الرب نفسه - عيسى ـ سوف يهبط من السماء وقتما يهتف بذلك كبير الملائكة وينفخ في بوق الله. فالأموات في المسيح يقومون أولاًـ من قبورهم ثم نحن الأحياء الباقون سنرتفع معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء، وهكذا نكون مع الرب إلى الأبد" (١)
ومن ثم فليس من مبرر لقلق المسيحيين المولودين ثانية فيما يتعلق بالنهاية الرهيبة التي سوف تحل بباقي البشرية "لذلك طمئنوا بعضكم بعضا بهذا الكلام" (٢). فنحن على ثقة أن المسيح لن يتركنا نعاني ولو لحظة واحدة من الهولوكوست محرقة يأجوج ومأجوج، سوف نجتمع مع المسيح في السماء قبل المحنة الكبرى "مع الذين ماتوا وهم مؤمنون بالمسيح" (حسب رسالة تيسالونيكي الأولى). سيأتي ليأخذ قديسيه، وبعد أن نقابله في الهواء سيعود هو ليقاتل في هرمجيدون ونحن في السماء، وسوف يكتوي بنار هرمجيدون كل مسيحي أو غير مسيحي لا يؤمن بأن المسيح هو المخلص والمنجى الوحيد في نهاية العالم. يقول أحدهم: " شكراً لله، سوف أشاهد معركة هرمجيدون من مقاعد الشرف في الجنة، وكل أولئك المولدين ولادة ثانية سوف يشاهدونها، إنما من السماء، وتلك هي السعادة المطلقة والنشوة الكبرى" (٣).
بهذه الخزعبلات يتفاخر الرؤساء الأمريكيون وكثير من البروتستانت بما يسمى بالولادة الثانية، والتي يبدو أنها أصبحت كصكزك الغفران في العصور الوسطى، وجواز المرور للحصول علي دعم اليمين المسيحي المتطرف الذي سعى بوش للتقرب له حتى عندما كان نائباً للرئيس ريغان، حيث كان النجم السياسي في اجتماعات
стр. 162
القس الإنجيلي مايك ايفانز (١)، وكان مديناً بانتخابه لهذا اليمين المسيحي المتطرف، الذي يتمتع بقوة مؤسساتية هائلة في الحزب الجمهوري، ويسيطر إتباعه على أكثر من ثلث أعضاء الحزب الجمهوري، حيث قدموا الدعم للرئيس بوش لإيمانهم بأنه خير من يعبر عن أفكارهم المتطرفة، التي تصب في خدمة إسرائيل.
فجورج بوش يعتبر ابن اللوبي الصهيوني في أميركا، والمنفذ لكل مخططاته ومشاريعه في فلسطين وخير دليل على ذلك أنه في الخامس والعشرين من شهر يونيو سنة ١٩٨٦م أقام جيري فولويل ـ وهو من الصهيونيين المسيحيين الأميركيين وأول سياسي أميركي مرموق على حد قول الدكتور وليام عودمان ـ حفل غداء في مدينة واشنطن على شرف نائب الرئيس الأميركي جورج بوش، وقد اخبر فولويل ضيوفه الخمسين الذين حضروا مجاناً حفل الغداء السخي "بوش سيكون أفضل رئيس عام ١٩٨٨م" (٢). وبالفعل كان جورج بوش سنة ١٩٨٨م أفضل رئيس بالنسبة للصهيونيين المسيحيين في أميركا، وللصهيونيين اليهود في كل دول العالم. والأحداث التي عاشها المراقبون وتتبعوا من خلالها سياسة بوش أثبتت انه فعلاً مخلص ووفي لمن جاءوا به إلى سدة الرئاسة الأميركيه. ويكفى الرئيس بوش أنه قدم اكبر وأعظم خدمة لإسرائيل من خلال تدمير القوة العراقية، وعقد مؤتمر مدريد، وما تمخض عنه من اتفاقيات سلام وتطبيع مع إسرائيل، واعتبار السلام خيار إستراتيجي. يضاف إلى ذلك أن بوش نفسه كان على رأس الوفد الرسمي الأميركي إلى السودان في شباط / فبراير ١٩٨٥م، الذي وقع الاتفاق الأميركي - السوداني ـ القاضي بترحيل يهود أثيوبيا (الفلاشا) إلى دولة الاحتلال الصهيوني، كما كان هو ذاته على رأس الدولة العظمى في العالم التي شنت (الحرب الأميركيه والعالمية) ضد العراق ولا تزال" (٣).
وإذا كان هذا هو حال رؤساء أمريكا منذ زمن بعيد ـ صهيونيون أكثر من الصهاينةـ ومشبعين بالخلفيات الدينية الحاقدة والمتعصبة، فإن السؤال الذي يطرح
стр. 163
نفسه هو لماذا يحرص معظم صانعي القرار في أمريكيا ومنهم الرئيس بوش، على عدم إظهار خلفياتهم الدينية التي تدفعهم لدعم إسرائيل بصورة علنية، ومحاولة تبرير ذلك بشتى أنواع الأكاذيب المعروفة؟!. والجواب هو إن مرد ذلك يعود إلى رغبتهم في عدم إثارة المشاعر العربية والإسلامية، ولهذا يلجئون إلى اختلاق تبريرات أخرى لتمرير سياستهم المنحازة لإسرائيل، مرة بالحديث عن اللوبي الصهيوني والصوت الانتخابي اليهودي، ومرة بالحديث عن ظروف الحرب الباردة والمصالح الأمريكية وغيرها من الأمور التي أثبتت الأيام عدم صدقها، وكل ذلك من أجل إبقاء آمال الدول العربية معلقة بإمكانية حدوث تغير في الموقف الأمريكي تبعاً للتغيرات على الساحة الدولية، وربما يكون ما فعله الرئيس بوش خلال حرب الخليج، وما قدمه من وعود بحل القضية الفلسطينية، بعد تدمير القوة العراقية خير دليل على ذلك.
стр. 164
الباب الثاني
البعد الديني للضربة الأمريكية للعراق
(هرمجيدون .. المحرقة الكبرى ... يوم الرب)
في العقل الأمريكي (الانجلو سكسوني البروتستانتي) (١)
стр. 165
الفصل الأول
الطريق إلى حرب الخليج
لم يكن خافياً على أحد أن الولايات المتحدة الأمريكية، حكومة وشعباً انتابتها حالة سعار وهوس غير مسبوقة لحشد التأييد الدولي لحربها ضد العراق والتي بدأت منذ ١٩٩٠م وحتى الآن، بالرغم من عدم وجود المبررات الكافية لهذه الحرب التي أجمع المراقبون على أن تداعياتها ستؤدى إلى عواقب وخيمة ليس على العراق وحدة ولكن على المنطقة والعالم ككل. والغريب في الأمر أن حالة السعار هذه لم تكن مقتصرة على الإدارة الأمريكية وحدها بل إن الشعب الأمريكي أبدى نفس الشعور من خلال استطلاعات الرأي التي أشارت إلى التأييد التام لغالبية الشعب الأمريكي لهذه الحرب، بالرغم مما عرف عن هذا الشعب من عدم اهتمامه بالسياسة الخارجية. ولو كان هناك مبرر منطقي معقول لهذه الحرب، لكان الأمر مقبولاً، أما أن تحشد هذه الأساطيل والجيوش، ويتم التهديد باستخدام الأسلحة النووية، مره بدعوى تحرير الكويت وأخرى بسبب خلافات بسيطة على عمل لجان التفتيش ونطاق عملها، فإن ذلك أمر لا يمكن إيجاد مبرر منطقي له مهما حاولت أمريكا من خلال آلتها الدعائية غسل دماغ العالم لكسب التأييد لهذه الأعمال الهمجية، رافضه كل الحلول السلمية والمبادرات الدولية على كثرتها، من خلال الادعاء بحرصها على تطبيق قرارات الشرعية الدولية.
فالأمر أصبح بالنسبة لأمريكا، وكأن ضرب العراق، وإشعال الحرب في المنطقة أمرا حتمياً لابد منه، وغاية لابد من إيجاد المبررات لتسويغها مهما كان الثمن، حتى لو التزم العراق حرفياً بكل قرارات الأمم المتحدة، بحيث أصبحنا وكأننا أمام قدر مكتوب، أو وصية مقدسة لابد من تنفيذها بحذافيرها مهما كلف الأمر، بالرغم من معارضة كافة دول العالم لمثل هذا العمل الأخرق، باستثناء الدول الانجلوسكسونية البروتستانتية، مثل بريطانيا، وكندا، واستراليا، ونيوزيلندا، التي شكلت فيما بينها حلفاً دينياً انجلوسكسونياً من طراز جديد يتسم بالعنصرية والبربرية والهمجية، محاولاً تنصيب نفسه لقيادة العالم اعتقاداً منه بأنه ينفذ إرادة الله على الأرض، وان
стр. 166
الله اختار العنصر الانجلوسكسونى لقيادة العالم، وتنفيذ إرادته انطلاقاً من إيمانه بخرافات ونبوءات توراتية مزيفه، أعطت اليهود ودولة إسرائيل دوراً مركزياً في تشكيل توجهات هذا الدول حيال العالم.
لهذا فقد اتخذت هذه الدول الشريرة الحاقدة من الخلاف بين الكويت والعراق مبرراً لتنفيذ مخططها الشيطاني في المنطقة، والذي أعدت له منذ فترة كبيرة، ويكفى أن نشير هنا إلى أن الحملة على العراق الشقيق بدأت حتى قبل مشكلة الكويت، وقامت كلاً من بريطانيا وأمريكيا بفرض حصار اقتصادي على العراق بدعوى سعيه إلى تطوير أسلحة دمار شامل، وكلنا يتذكر مشكلة المكثفات، والمدفع العملاق، التي أثارت حولهما أمريكيا ضجة كبرى حتى قبل مشكلة الكويت.
فقد أدركت أمريكيا أن العراق ـ قبل حرب الخليج الثانية ـ وصل إلى مرحلة متقدمة ومتطورة وأصبح يهدد مشروعها الصليبي في المنطقة المتمثل بإسرائيل، ولهذا تم افتعال حرب الخليج وبدأت المؤامرة على العراق من خلال افتعال مشاكل كبيره أمامه، سواء فيما يتعلق بأسعار البترول، والديون والحدود بينه وبين الكويت، والتي حاولت بعض الدول العربية والجامعة العربية حلها بالحسنى، ولكن أمريكيا كانت قد قررت تصعيد المشكلة وخنق العراق، لكي لا يكون أمامه مجال إلا الدفاع عن مصالحه. وهذا ما حدث فكانت، القوات الأمريكية جاهزة في المنطقة لشن حرب على العراق ليس لتحرير الكويت، أو لحماية الدول الخليجية الأخرى من خطر العراق، بل من أجل حماية مشروعها الصليبي في المنطقة وهى إسرائيل، التي أصبح وجودها مهدداً بسبب ما وصل إليه العراق من قوة واقتدار.
بريطانيا وجذور الحرب على العراق
لفهم الحرب الأمريكية البريطانية على العراق لا بد من إلقاء نظره سريعة على تاريخ العراق الحديث، والذي بدأ مع انهيار الدولة العثمانية في المنطقة، حيث منحت عصبة الأمم، بريطانيا حق الانتداب في العراق الذي أصبح بالتالي مستعمرة تابعة للتاج البريطاني. وخلال سنوات الاستعمار تلك, خطت الحدود السياسية الحالية للعراق بكل تعقيداتها في الشمال حيث الأكراد, وخلافاتها في الجنوب حيث ولدت
стр. 167
آنذاك دولة الكويت، والتي رفضت الحكومات العراقية المتعاقبة الاعتراف بها باعتبارها جزء من ولاية البصرة. وبعد اكتشاف النفط في كركوك عام ١٩٢٧م ازداد سعار البريطانيين واهتمامهم بالعراق, وأجبر الملك فيصل الأول بعد ذلك على توقيع اتفاقية مع بريطانيا، تفرض على العراق انتهاج سياسة خارجية خاضعة لبريطانيا, وتسمح ببقاء قوات بريطانية على الأراضي العراقية لمدة ٢٥ سنة.
وعندما انتهى الانتداب البريطاني عن العراق سنة ١٩٣٢م كان الكثير من العراقيين ينظرون إلى استقلالهم على أنه منقوص السيادة، طالما ظلت القوات البريطانية في بلدهم. وبعد وفاة فيصل الأول عام ١٩٣٣م خلفه ابنه غازي الأول الذي مات هو بدوره في حادث سيارة عام ١٩٣٩م، واتهم البريطانيون بتدبيره بعد أن شجع رئيس وزرائه على تبني سياسة معادية لبريطانيا. بعدها, حكم العراق بالوصاية عبد الإله بن علي, وصي الوريث الشرعي للحكم الملك فيصل الثاني الذي كان عمره عند وفاة والده أربعة أعوام. وفي سنة ١٩٤١م قامت ثورة رشيد عالي الكيلاني، التي أطاحت بالملكية مؤقتاً وطردت العائلة المالكة إلى الخارج، لكن سرعان ما أجهضها البريطانيون وقضوا عليها ونصبوا نوري السعيد رئيساً للوزراء يحكم بحسب التعليمات البريطانية.
واستمر الأمر كذلك حتى عام ١٩٥٨ م عندما جاء انقلاب عبد الكريم قاسم الذي أطاح بالسعيد وبالهاشميين في العراق، وأعدم الملك فيصل الثاني ورئيس وزرائه, وأسس الجمهورية العراقية خلفاً للمملكة العراقية، وعندما أنهت بريطانيا انتدابها على الكويت أعلن قاسم في حزيران ١٩٦١م أن الكويت جزء لا يتجزأ من العراق، واعتبر إنهاء الحماية عنها، يعني عودتها إلى العراق كقائمقامية تابعة للواء البصرة، واصدر أمرا بتعيين شيخ الكويت قائم قاماً فيها، ولكن وقفت مصر والسعودية إلى جانب الكويت ضد مطالب العراق (١).
وقد تبنى قاسم سياسات وطنية وتخلى عن حلف بغداد الذي أسسته لندن, لكن أطيح به في انقلاب عسكري سنة ١٩٦٣ م قاده حزب البعث الذي نصب عبد السلام
стр. 168
عارف رئيساً للجمهورية، حيث اعترفت الحكومة العراقية الجديدة بدولة الكويت، وتم أيضاً قبول عضويتها في الأمم المتحدة. ولكن عارف قتل في حادث طائرة سنة ١٩٦٦ م ليخلفه أخوه عبد الرحمن عارف, وليتم إسقاطه هو الآخر بانقلاب بعثي أكثر إحكاماً هذه المرة سنة ١٩٦٨ م بقيادة أحمد حسن البكر، حيث تم في عهده, تشكل مجلس قيادة الثورة الذي عمل على إجراء إصلاحات اقتصادية ضمنت شعبية للحكم الجديد, ووقع مع الثوار الأكراد اتفاقية الخمسة عشر نقطة سنة ١٩٧٠م التي هدأت التمرد الكردي والتي كان بموجبها منح الأكراد حكماً ذاتياً موسعاً, مع إعطائهم منصب نائب رئيس الجمهورية. ولكن سقطت الاتفاقية واندلع التمرد مجدداً بدعم خارجي، إلى أنه أخمد مرة أخرى بسبب تخلي إيران عن الأكراد إثر توقيع اتفاقية الجزائر مع العراق سنة ١٩٧٤م، حيث صعد نجم صدام حسين في قيادة حزب البعث ومجلس قيادة الثورة, إلى أن تمكن من الإطاحة بالرئيس البكر عام ١٩٧٩م" (١). حيث تمكن الرئيس صدام حسين خلال فتره حكمه من تحقيق انجازات عديدة للعراق برغم كل محاولات الإساءة والتضليل التي نسجت حوله.
من خلال العرض السابق يتضح لنا أن جذور الحرب على العراق خلقتها بريطانيا خلال فترة انتدابها على العراق من خلال المشاكل الحدودية التي خلفتها، وهذا تقليد بريطاني استعماري اتبعته بريطانيا في كل مكان تواجدت فيه. ففي موقف مبكر من الأزمة تساءل الصحفي (كريستوفر هيتشنز) عن الهاجس الغربي بالكويت وأعلن تعاطفه مع العراق وقال: "بالتأكيد انه باستطاعة أمريكا احتلال الكويت بأكملها إذا أرادت ذلك، إلا أن ذلك لن ينجم عنه سوى إعادة وضع كان قائماً من الصعب الدفاع عنه. فحينما رسم البريطانيون الحدود، فعلوا ذلك بقصد متعمد أن ينكروا على العراق منفذاً على البحر، وبذا يصبح العراق أكثر اعتماداً على بريطانيا". وقد عبر عن ذلك السير بارسونز مستشار تاتشر للشئون الخارجية، ومسئول بريطاني متمرس سابق في المنطقة، عبر عن ذلك قائلاً: "الكويت في اللاوعي العراقي، جزء من إقليم البصرة، اقتطعه البريطانيون الملاعين منهم. قمنا بحماية مصالحنا بقدر من النجاح،
стр. 169
إلا أننا حينما فعلنا ذلك لم يعترينا أي قلق بشأن من يعيشون هناك. خلقنا وضعاً يشعر الناس فيه أنهم قد ظلموا" (١).
فالمشكلة بين العراق وإيران والكويت ليست جديدة، ولم تظرأ في عهد صدام حسين فقط، بل قديمه قدم المؤامرة الاستعمارية البريطانية التي لم تتوقف طوال هذا التاريخ، بل استمرت بطريقه فجه بعد دخول الامبريالية الأمريكية اللعبة، وتحولها إلى اكبر قوة امبريالية عالمية، من خلال سعيها إلى السيطرة على مقدرات شعوب المنطقة ونهبها، وبالذات الثروة النفطية، هذا بالإضافة إلى الهدف الأساسي وهو حماية مشروعها الصليبي في المنطقة (إسرائيل). لهذا عملت أمريكا وحليفتها بريطانيا على تدمير وضرب أية مشاريع عربية طموحه تهدف إلى الأخذ بناصية التقدم والتطور للحاق بالركب العالمي، وموازنة القوة الإسرائيلية، ولهذا كان العراق في مقدمة الدول المستهدفة أمريكياً بهدف تدمير الانجازات الكبيرة التي تحققت في ظل حكم الرئيس العراقي صدام حسين، والتي أوصلت العراق إلى مرحلة متقدمة جداً في كافة المجالات.
مقدمات الحرب على العراق
يعود التخطيط الأمريكي لعمل عسكري في منطقة الخليج العربي إلى السبعينات من القرن العشرين عندما بدأت واشنطن تحسب حساب المشاعر القومية والميل إلي الاستقلال في الدول المنتجة للنفط، وبشكل خاص بعد أن أمم العراق نفطه عام ١٩٧٢م، حيث تم وضعه في قائمة الدول التي تساند الإرهاب، وفي سنة ١٩٧٣ م بدأ البنتاغون تدريبات عسكرية سنوية في صحراء موهافى، واجهت خلالها القوات الأمريكية المتدربة جنوداً يرتدون الزي العسكري العراقي. وفي عام ١٩٧٤م صرح كيسنجر، انه لا يستبعد قيام أمريكيا بعمل عسكري للهيمنة على النفط والتحكم بأسعاره، وهو الأمر الذي عاد وأكده الرئيس كارتر في عام ١٩٨٠م، حيث أعلن أن محاولة أي قوة خارجية تحقيق السيطرة على منطقة الخليج سوف تعتبر
стр. 170
هجوماً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة. وسوف يتم صد مثل هذا الهجوم بأية وسيلة ضرورية بما فيها القوة العسكرية (١).
وهنا من حقنا التساؤل عن المصالح الأمريكية في المنطقة، وهل هي فعلاً النفط فقط، أم هناك شيء آخر. بالطبع سيكون من التجني التقليل من أهمية النفط الاستراتيجية لأمريكا باعتبارها دولة عظمى تسعى للسيطرة على الاقتصاد العالمي، ولكن ذلك لا يعني أن نفسر هذا الهاجس النفطي الأمريكي تجاه نفط الخليج بأنه يعني كل شيء لأمريكا. فالهاجس النفطي لأميركا لا يفسر بأغراض استهلاكية محلية (رغم اعتمادها المتزايد على النفط الخارجي) وإنما بالتحكم في مصادر الطاقة في العالم، ذلك أن أميركا تعتقد أن التحكم في هذه المصادر الضرورية لأوروبا واليابان يمكنها من ممارسة الضغوط عليهما. وعليه فإن إستراتيجيتها في الشرق الأوسط وسياستها حيال العراق وإيران لا تهدف إلى التحكم في الطاقة الموجهة لأميركا، وإنما الموجهة للعالم، خاصة أوروبا واليابان، التي تعتمد أساساً على نفط الشرق الأوسط، بعكس أميركا التي تأتي نصف وارداتها النفطية من فنزويلا، المكسيك وكندا. وإذا أضفنا هذه النسبة إلى النفط الأميركي المنتج محلياً، فإن ٧٠% من الاستهلاك الأميركي يأتي من الأمريكتين. بينما تعتمد أوروبا واليابان على الشرق الأوسط أساساً، مما يعنى أن السيطرة على هذا النفط سيضمن لأمريكا السيطرة على أوروبا واليابان، لأنه مهما كانت القوة العسكرية الجوية والبحرية الأميركية فليس بوسعها الحفاظ إلى ما لا نهاية ـ وبعيداً عن التراب الأميركي ـ على تفوق عسكري بدون دعم دول المنطقة، حيث أن القواعد السعودية والتركية هي أهم بكثير تقنياً من حاملات الطائرات الأمريكية (٢).
لهذا فقد شكل تأميم العراق لنفطه تهديداً خطيراً لخطط الهيمنة الأمريكية في المنطقة والعالم. فمن ناحية يهدد مصالحها النفطية، ويحد من قدرتها بالتحكم بمصادر الطاقة، ومن الناحية الأخرى يعني أن العراق أصبح لديه الموارد المالية
стр. 171
الكافية لتطوير قدراته، وتهديد مشروعها الصليبي في المنطقة إسرائيل. ولذلك عملت الدوائر السياسية الأمريكية على زعزعة نظام الحكم في العراق من الداخل، من خلال تقديم الدعم للأكراد في الشمال، وتحريضهم على الانفصال، وسعى أمريكا وإسرائيل إلى تزويد إيران بالأسلحة لإدامة زمن الحرب العراقية الإيرانية، وإنهاك البلدين اقتصادياً وعسكرياً. فكما يقول هيكل: "كان هناك تفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية والكويت للحيلولة دون تحقيق انتصار عراقي في حربه مع إيران، وكان هؤلاء الأطراف مستعدون لكل الاحتمالات حتى وإن أدى ذلك إلى تقسيم العراق" (١). يضاف إلى ذلك الضغوط التي مارستها أمريكا على منظمة أوبك لزيادة الإنتاج لتخفيض أسعار النفط، والتي وصلت إلى سبعة دولارات للبرميل، مما تسبب بمشاكل كبيرة للاقتصاد العراقي.
وبالرغم من أن دول الخليج الموالية لأمريكا، حاولت مساعدة العراق لمواجه هذه الصعوبات ليكمل مشوار حربه مع إيران، إلا أن ذلك لم يكن كرامة عيون صدام حسين، بل نتيجة لخطة مسبقة لتدمير العراق وإيران معاً من خلال هذه الحرب، لهذا دعمت أمريكا كلا الطرفين وزودتهما بالسلاح، ودفعت الدول العربية التابعة لها لتكثيف دعمها للعراق تحت شعار (الدفاع عن البوابة الشرقية للأمة العربية)، حيث كان الهدف الخفي من وراء ذلك تدمير البلدين. ومعلوم أن الولايات المتحدة قدمت دعماً هائلاً عسكرياً وسياسياً ومالياً للعراق طوال الثمانينيات، وكان أكثر المسئولين الأمريكيين حماساً لنظام الحكم في العراق عام ١٩٨٢م هو (دونالد رمسفيلد) الذي كان وزيرا للدفاع قبل أن يتولى الوزارة مرة أخرى في عهد بوش الابن. فقد سافر في مارس/ آذار ١٩٨٣م إلى بغداد لترتيب تزويد العراق بالأسلحة الكيماوية والتجهيزات العسكرية المتطورة، حيث تطورت العلاقات الأميركية العراقية إيجابياً منذ عام ١٩٨٢م حتى إن رمسفيلد قال في مقابلة صحفية مع شيكاغو تريبيون عام ١٩٨٤م: "إن أكثر عمل يعتز به هو إعادة وتطوير العلاقات الأميركية العراقية". http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٣/٤/ - TOP
وكشف الصحفي الأميركي (بوب وودورد) عام ١٩٨٦م أن CIA قدمت عام ١٩٨٤م للعراقيين معلومات إستخبارية وصورا من الأقمار الصناعية ساعدت في
стр. 172
تسديد عمليات القصف العراقي على إيران. وكشفت تحقيقات أجريت عام ١٩٩٢م أن الولايات المتحدة سلمت العراق ١٩ حاوية من بكتيريا الجمرة الخبيثة، جهزتها شركة (أميركان تيب كيلتشر كومباني) التي يشرف عليها الجيش الأميركي، وظلت القروض والمنح والتسهيلات الأميركية تتوالى حتى عام ١٩٩٠م .. فما الذي حدث؟ (١).
الحرب الجديدة
تقول مجلة (جون افريك): "إن النزاع لم يبدأ مع دخول القوات العراقية إلى الكويت، وإنما بدأ يوم خروج العراق منتصراً على إيران عام ١٩٨٨م حيث فتح أعداؤه عليه حرباً جديدة بدءوها بتصعيد حملة إعلامية واقتصادية معادية ضده، خصوصاً بعد أن وجدوا أن القيادة في العراق مصممة على مواصلة نهجها في تطوير الصناعة والتنمية، وفي رفع قدرات العراق العلمية والتقنية". فبعد ثلاثة اشهر فقط من وقف إطلاق النار بين العراق وإيران، أرسل الضابط نورمان شوارسكوف تقريراً سرياً إلى الأركان العامة يؤكد فيه أن أسوأ ما يمكن أن يحصل في منطقة الخليج هو استيلاء العراق على آبار النفط السعودية، فكان بذلك أول من أثار فرضية التهديد العراقي ومفهوم (الجيش الرابع في العالم) " (٢).
وفي تشرين ١٩٨٩م استدعى رئيس الأركان (باول) الضابط (شوارسكوف) لمقابلة وزير الدفاع (ديك تشينى) الذي سأله عن رأيه بالبلد الذي يشكل التهديد الأهم بالنسبة لأمن الخليج .. العراق أم إيران؟ فأجاب (شوارسكوف) في الحال .. العراق. وهنا شرع (تشينى) (وباول) في إعداد برنامج معلوماتي ضخم تحت اسم (لعبة الحرب) هدفه إعداد واختبار جميع السيناريوهات التي تنتج عن هجوم عراقي على السعودية، وإمكانيات الردود الأمريكية، حيث تم وضع خطه لمجابهة العراق، تم مباركتها من قبل الكونغرس الأمريكي.
стр. 173
الحرب الاقتصادية والإعلامية
بدأت الحرب الاقتصادية على العراق بعد انتهاء حربه مع إيران مباشرة، حيث اتخذت الكويت في ٩/ ٨/١٩٨٩م قراراً بزيادة إنتاجها النفطي، مخالفة بذلك اتفاق أوبك، وكان حقل الرميله العراقي أحد الحقول الذي بدأت فيه الكويت تنفيذ ذلك، مما أدى إلى خسارة العراق سبعة مليارات دولار، بسبب خفض الأسعار، وقد حاول العراق حل هذه المشكلة مع حكام الكويت ولكنها باءت بالفشل. ويعلق (كولن باول) على ذلك بقوله: "لقد طعنا خنجراً مسمماً في ظهر العراق بوقف حصص النفط المحددة من قبل أوبك، وبالتالي تخفيض الأسعار وإنقاص مدخولات العراق" (١).
أما على صعيد الحملة الإعلامية المنظمة ضد العراق، فقد بدأت عندما أطلق العراق في نهاية عام ١٩٨٩م منظومة صاروخية ناقلة للأقمار الصناعية، وأعلن العراق عن وصوله لصناعة صاروخ أرض ـ أرض بمدى ألفي كيلومتراً، مما أثار الخوف في إسرائيل لأنها أصبحت ولأول مرة في مدى الصواريخ العراقية. هنا تحركت الآلة الإعلامية الأمريكية الصهيونية، واخذت تشن هجومها على العراق والرئيس صدام، وقامت وزارة الخارجية الأمريكية بنشر تقرير عن انتهاك حقوق الإنسان خصت ١٢ صفحة منه للعراق، ووصفت الحكومة العراقية بأنها الأكثر سوءاً في مجال خرق حقوق الإنسان. وفي٢٨ شباط ١٩٩٠م اتخذ الكونغرس الأمريكي قراراً بإيقاف التسهيلات المصرفية الممنوحة للعراق في بنك التصدير والاستيراد، وذلك بحجة مساندة العراق للإرهاب الفلسطيني وإيواءه (أبو العباس). وفي ١٥ آذار نشرت الصحف العراقية اعترافات الصحفي (بازوفت) البريطاني الجنسية والإيراني الأصل، والذي تم إعدامه في اليوم نفسه بتهمة التجسس لصالح بريطانيا وإسرائيل بناء على اعترافاته بمهمته في جمع المعلومات العسكرية والسياسية عن العراق لصالح الصهاينة والشرطة السرية البريطانية. وقد تعرض العراق لحملة إعلامية مضادة وواسعة من قبل وسائل الإعلام البريطانية والأمريكية والإسرائيلية، بعد إعدامه لبازوفت.
стр. 174
من جانب آخر تحركت الدبلوماسية العراقية لحشد الدعم العربي، واتخاذ موقف عربي موحد من الحملة البريطانية الصهيونية ضد العراق، ونشرت الجامعة العربية استنكاراً لهذه الحملة، ولكنها استمرت دون توقف، حيث أنه وفي نهاية شهر آذار أعلنت وسائل الإعلام البريطانية عن عثور السلطات البريطانية على شحنات صواعق تفجير نووية مهربة إلى العراق، ورد العراق بأنها شحنة خاصة ببحوث بتروكيماوية. تم أعلنت السلطات البريطانية عن عثورها على قطعة من مواسير (المدفع العملاق) الذي كان الإعلام الغربي والأمريكي والإسرائيلي يشيع أن العراق يعمل على صنعه، ولذلك فإنه يشكل خطراً لابد من التصدي له (١).
وتصاعدت الحملة الإعلامية الغربية والأمريكية ضد العراق، مره أخرى وبشكل واضح في شهر نيسان عندما أعلن الرئيس صدام حسين في الثاني منه رداً على التهديدات الإسرائيلية للعراق: "لنجعلن النار تأكل نصف إسرائيل إذا اعتدت على العراق"، وكشف للعالم امتلاك العراق للسلاح الكيماوي المزدوج وهاجم الولايات المتحدة، ووصفها بأنها دولة عظمى بالمقاييس المادية، ولكنها ليست عظمى بالمقاييس المعنوية والأخلاقية.
وخلال المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس صدام والرئيس مبارك، قال الرئيس صدام في رده على تصريحات الرئيس الأمريكي (جورج بوش) بشأن امتلاك العراق للأسلحة المتطورة: "أن من حق العرب امتلاك الأسلحة التي يمتلكها عدوهم" ويقصد بها إسرائيل، وأعلن أن العراق راغب في إقامة سلام دائم وعادل، وطالب الرئيس بوش ببحث الأمر في الأمم المتحدة. وأضاف الرئيس صدام: "إن سياسة الممنوع على العرب يجب أن تولى إلى الأبد ... وسنرد على من يحاول العدوان علينا، وعلى حقوقنا، بكل ما نملك من الأسلحة" ولكنه أوضح أن شعار السلام واضح في سياسة العراق ومنهجه، ولكنه لن يتنازل عن أي حق للعرب أو للعراق (٢).
من جهة أخري قادت الخارجية الأمريكية والبريطانية حملة قوية في البرلمان الأوروبي ضد العراق، ونجحت في استصدار قرار منه في شهر نيسان، يدعو إلى
стр. 175
الحظر الفوري على أي معدات لازمة لصنع أسلحة الدمار الشامل للعراق. تم قامت السلطات الأمريكية بطرد بعض الدبلوماسيين العراقيين بحجج متعددة، وصعدت إسرائيل من حملتها الإعلامية ضد العراق، بحجة اكتشافها وحدات عسكرية عراقية في الأردن لتهديدها، وأكد الإعلام الأمريكي اكتشاف طائرات الاستطلاع الأمريكية لقواعد الصواريخ في الأردن. وفي الثالث من نيسان اصدر البيت الأبيض بياناً وصف فيه حديث الرئيس صدام حسين عن إسرائيل، بأنه لا مسئول وباعث على الأسى، واقترح الرئيس بوش سحب هذا التصريح. كما قامت الإدارة الأمريكية بتبني وتنفيذ قرار تمنع تصدير السلع التي يمكن استخدامها عسكرياً في العراق. وقد دفعت هذه الحملة الرئيس صدام إلى الطلب من الملك فهد استدعاء سفير السعودية في واشنطون (بندر بن سلطان) إلى بغداد ليستمع إلى حقيقة الموقف العراقي ولينقله إلى الرئيس بوش.
وفي ١٢ نيسان ١٩٩٠م التقى الرئيس صدام بوفد من الكونغرس الأمريكي، الذي طلب بكل صراحة أن يوقف العراق برنامجه العلمي، وأن يساهم في عملية التسوية، وان يتعهد بعدم التعرض لإسرائيل وبعد يومين فقط قال شامير: "إن إسرائيل تحتفظ لنفسها بحرية العمل، لتدمير قواعد الصواريخ العراقية. وفي شهر مايو ١٩٩٠م وصل وفد من الخبراء العسكريين والسياسيين الإسرائيليين إلى واشنطن ليخبرها: " أن ما يوحي به النظام العراقي من اعتداله، وطابعه الإصلاحي، هو من قبيل ذر الرمال في العيون، فبين شباط والوقت الحاضر لم يتوقف صدام حسين عن اتخاذ المواقف المتصلبة: طلب رحيل السفن الأمريكية من الخليج، دعا العرب إلى استخدام سلاح النفط، لم يكتف بتهديد إسرائيل ـ حليفة الولايات المتحدة، بل أشار إلى إمكانية استخدام الأسلحة الكيماوية؟ وبالنتيجة، لا يمكن إلا اعتبار تقوية الجيش العراقي وزيادة عدده وعتاده مؤشراً على إرادة صدام حسين العدوانية" (١).
стр. 176
وهكذا أصبح العراق والرئيس صدام حسين الموضوع المفضل في الإعلام الغربي والأمريكي، لتصويره على أنه الخطر الذي يهدد أمن المنطقة والعالم. ووسط هذه الحملة الإعلامية ضد العراق بدأت في شهر مارس ١٩٩٠م التحضيرات لعقد قمة عربية طارئة في بغداد من أجل التضامن مع العراق، حيث وصف (بوش) هذه القمة بأنها أكبر تحد للولايات المتحدة (١)، التي أرسلت مذكرة للجامعة العربية، حاولت من خلالها أن تملى وتفرض على القمة المبادئ التي يجب أن يعتمدها الرؤساء العرب في مناقشاتهم وقراراتهم، وخصصت المذكرة مساحة واسعة منها للهجوم على العراق بشكل خاص.
وفي يوم ٢٨ مارس ١٩٩٠م افتتح الرئيس صدام مؤتمر القمة العربي الطارئ بخطاب كان يمثل بمجمله تحد واضح للولايات المتحدة الأمريكية، وإنذار صريح، ولكنه غير مباشر، للكويت والسعودية بشكل خاص. فقد اتهم الولايات المتحدة بتقديم الغطاء السياسي والقوة للكيان الصهيوني في عدوانه وتوسعه على حساب العرب. وأكد مطالباً: "يجدر بنا أن نعلن إننا سنضرب إسرائيل إذا اعتدت علينا". أما عن دول الخليج النفطية فقد أخبرهم بأن العراق يخسر مليار دولار في السنة، عن كل دولار ينقص من سعر البرميل الواحد بسبب عدم التزام دول الخليج النفطية بسقف الإنتاج المقرر في الاوبك، مما أوقع هذه الدول في حرج كبير، حيث التزمت بعضها بحصصها، اما الكويت فقد ظلت على سياستها السابقة. وبالرغم من المحاولات التي جرت بين العراق والكويت لحل خلافاتهم حول أسعار النفط والحدود والمسائل المالية، وحقل الرميله من خلال الحوار، إلا أنه وكما يبدو أن الحكومتان البريطانية والأمريكية عملتا على عرقلة التوصل إلى اتفاق وتأزيم الأمور، مما دفع العراق إلى استخدام أسلوب التحذير، بعد فشل كافة المحاولات للتوصل إلى حل مناسب للطرفين، حيث اعتبر العراق ذلك مؤامرة تحاك ضده وعدواناً مباشراً عليه من الكويت، وان العراق سوف يرد على هذا العدوان.
لهذا قدم طارق عزيز وزير الخارجية العراقي رسالة إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية في ١٥ تموز ١٩٩٠م خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب اتهم فيه
стр. 177
الكويت بسلوك سياسة تتعمد إضعاف العراق، من خلال سيطرتها على أراضٍ عراقية، بالإضافة تعمدها إغراق سوق النفط بمزيد من الإنتاج، أدى إلى هبوط أسعار النفط إلى أسعار قياسية مما الحق أضراراً كبيرة بالعراق، كما اتهم الكويت بسرقة نفط من حقل الرميله. حيث اعتبر العراق ما يحدث عملية مدبره هي جزء من مخطط إمبريالي صهيوني ضد العراق والأمة العربية، وقد اعتبرت الرسالة هذه السياسة عدواناً مباشراً على العراق والأمة العربية. وقد أثارت هذه الرسالة نقاشات مختلفة بين وزراء الخارجية العرب، ولم يتوصلوا لأي نتيجة وانهار الاجتماع. وبعد يومين، أرسلت الكويت مذكرة جوابية، على رسالة وزير الخارجية العراقي إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، ولكنها لم تكتف بإرسالها إلى الجامعة العربية، بل أرسلتها إلى رئيس مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، وكان هذا يعني نية الكويت تدويل النزاع بينها وبين العراق (١).
وسط هذه الأجواء المتوترة ومع تقارير وكالات الأنباء التي بدأت تتحدث عن حشود عراقية تتجه نحو الجنوب، وعلى حدود الكويت، وصل إلى بغداد وزير الخارجية السعودي للحيلولة دون الصدام، حيث تم الاتفاق مع القيادة العراقية على عقد لقاء عال بين العراق والكويت يوم٣١ تموز ١٩٩٠م في جده بين عزة إبراهيم وسعد العبد الله، للتوصل إلى حل، ولكن هذا الاجتماع فشل فشلاً ذريعاً، بسبب التعنت الكويتي المدعوم أمريكياً، وتآمر بعض الزعماء العرب الذين لم يكن هدفهم الوساطة، بل توريط العراق وإيقاعه في الفخ حسب السيناريو الأمريكي المعد مسبقاً ... فكان الغزو العراقي للكويت .. وكانت القمة العربية التي شرعت التدخل الأجنبي (الأمريكي) لحل النزاع. وهذا ما كانت تسعى إليه أمريكا منذ البداية للسيطرة على المنطقة، وضرب القوة العراقية التي باتت تهدد مشروعها الصليبي في المنطقة (إسرائيل).
مما تقدم يتضح انه لم يكن في نية العراق احتلال الكويت، وإنما كانت منازعات ومخاصمة كلامية حول موضوع بترول العراق الجنوبي المستنزف، بالإضافة إلى النزاع على الحدود. وقد بدلت الحكومة العراقية بعد انتهاء الحرب مع إيران جهوداً
стр. 178
مضنية وجدية لحل هذه المشكلة، إلا أن حكومة الكويت وبإيعاز بريطاني أمريكي تمسكت بردود فعل تتسم باتخاذ مواقف متشددة بلغت ذروتها في اجتماع جدة (١)، وما تبعه من احتلال للكويت، حيث أن واشنطن قررت أن الأوان قد آن لتحطيم القدرة العسكرية العراقية ويجب توظيف مجلس الأمن لهذا الغرض، حيث تمكنت من الحصول علي قرار دولي يجيز استخدام القوة ضد العراق، بعد رفضها كافة الحلول السلمية للأزمة. وتذكر (فيليس بينس) أن الإدارة الأميركية لم تسمح لمجلس الأمن بمناقشة مشروع انسحاب عراقي من الكويت، جاء به في اللحظة الأخيرة من بغداد (ييغينوف بريماكوف) وزير الخارجية الروسي آنذاك. بل وأثناء التصويت على القرار رقم ٦٧٨ الذي خول الولايات المتحدة باستخدام القوة, قامت واشنطن برشوة أعضاء المجلس ـ الدائمين وغير الدائمين ـ المترددين في التصويت وأهمهم الصين، وكولومبيا، وأثيوبيا. والدولة الوحيدة التي عارضت استخدام القوة هي اليمن, دفعت ثمنا غاليا لقاء ذلك. إذ فور أن رفع (عبد الله صالح الأشطل) مندوب اليمن في مجلس الأمن يده معارضاً القرار مال عليه أحد المسئولين الأمريكان وهمس في أذنه "إن تصويتك هذا سوف يكون أكثر كلفة من أي تصويت قمت به من قبل على الإطلاق" (٢).
واستناداً إلى روايات وكتابات عدة، فإن الأزمة في العراق بدءاً من احتلال الكويت إلى احتلال العراق افتعلت لخوض حرب، وكان يمكن حلها دبلوماسياً، وكان هذا رأي (كولن باول) عام ١٩٩٠م عندما كان رئيساً لأركان الجيش الأميركي، (وجيمس بيكر) وزير الخارجية الأميركي الأسبق، ولكن (سكوكروفت) مستشار الأمن القومي عام ١٩٩٠م كان يرى أن هذه الأزمة تقدم فرصة لا تعوض للحرب، وإبقاء نصف مليون جندي في المنطقة إلى أجل غير محدد، وأن انسحاب صدام من الكويت سيفوت فرصة الهيمنة على المنطقة (٣). ولهذا فقد كان احتلال العراق للكويت لحظة، تاريخية للولايات المتحدة تنتظرها بلهفة، بل إنها استدرجت النظام السياسي
стр. 179
العراقي والمنطقة إلى تلك اللحظة التي تتيح لها السيطرة العسكرية على منطقة الخليج العربي، والتحكم بالنفط، ومن ثم الهيمنة على العالم (١). ولهذا كان القرار السياسي العسكري باستخدام القوة يحاول كسب الوقت وتسريع التنفيذ من ناحية, وحشد الحلفاء وإقناعهم بأنه لا يمكن تأخير الخطوة العسكرية أكثر مما تأخرت. بل إن الخشية الكبرى كانت تنبع من احتمال أن يقيم صدام حسين نظاماً صورياً في الكويت وينسحب منها فوراً, وهو ما سمي بـ"السيناريو الكابوس" كما يقول تشومسكي (٢).
الهدف حماية إسرائيل وليس تحرير الكويت !!
من العرض السابق اتضح لنا حجم المؤامرة التي دبرتها أمريكا لتدمير القوة العسكرية العراقية، من أجل حماية مشروعها الصليبي "إسرائيل"، وليس كما بدا لكثير من المخدوعين، من اجل تحرير الكويت. ونزيد الأمر إيضاحاً فنضيف إلى ما تقدم بعض الحقائق.
مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية أعدت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي تقريراً قالت فيه أن العراق سيكون الدولة المرشحة الأولي لإشعال فتيل الحرب مع إسرائيل، وانه إذا ما اشتعل هذا الفتيل فأن الدول العربية الأخرى ستنظم لتأييده. وأضاف التقرير أن العراق يسعى للثأر من إسرائيل بسبب تدمير الطيران الإسرائيلي للمفاعل النووي العراقي عام ١٩٨١م، ولمواجهة التهديدات الإسرائيلية المستمرة التي تهدف إلى تحجيم القوة العسكرية العراقية والتي باتت تهدد إسرائيل بشكل مباشر. وعندما خرج العراق من حربه قوياً منتصراً عام ١٩٨٨م اعتبرته الولايات المتحدة الأمريكية اكبر قوة عسكرية في المنطقة، وانه سوف يستخدم قوته ضد إسرائيل. ولهذا بذلت أمريكا جهوداً سياسية مباشرة مع العراق، ومن خلال بعض الأنظمة العربية أيضاً لإقناعه بالتخلي عن مبادئه وسياسته المتعلقة بالموقف من إسرائيل إلا أنها لم تفلح، مما دفعها إلى زيادة الدعم العسكري
стр. 180
لإسرائيل وبالشكل الذي يردع العراق عن القيام بأي عمل عسكري ضدها وهنا بدأت التصريحات الإسرائيلية الاستفزازية للعراق. "ففي ٣٠ آذار ١٩٩٠م أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي (أهود باراك) أن إسرائيل لابد أن تكون جاهزة لضربة وقائية ضد العراق في أي وقت تشعر فيه أن قوته خطر عليها. تم تبعه اسحق شامير بالقول: إن إسرائيل سوف تهاجم العراق إذا أحست انه اقترب من إنتاج أسلحة نووية. ولكن سرعان ما جاء الرد العراقي المشهور على تلك التهديدات ففي ٢ أبريل ١٩٩٠م أطلق الرئيس العراقي صدام حسين تصريحا قويا شغل العالم، وبدأت أزمة إقليمية وعالمية، فقد ذكر في لقاء مرئي مع الضباط العراقيين، أن الباحثين العراقيين استطاعوا تطوير صناعات عسكرية متقدمة وأن العراق قادر إذا هددته إسرائيل على أن يحرق نصفها (١).
وهنا قررت إسرائيل القيام بعملية عسكرية جديدة ضد العراق، بعد أن وصلتها معلومات عن امتلاك العراق تسع مخابئ للأسلحة الكيماوية، بالإضافة إلى مخبأين للصواعق النووية، حيث وصل إلى واشنطن في شهر نيسان ١٩٩٠م وزير الدفاع الإسرائيلي (موشيه ارنيز) للتشاور حول الموضوع مع الأمريكان. وقد أوضح (ارنيز) للمسئولين الأمريكان بان العراق سيهاجم إسرائيل، وطلب المساعدة الأمريكية في توجيه ضربه له وأضاف: ليس من صالحنا أو صالحكم الإبقاء على صدام حسين ... أو الإبقاء على قوته العسكرية.
وبعد عودة (ارينز) إلى إسرائيل، تزايدت حدة التهديدات الإسرائيلية بضرب العراق، ولكن لم يحدث الهجوم لان الرئيس الأمريكي (بوش) ورئيسة الوزراء البريطانية (تاتشر) طلبا من شامير الاكتفاء بالحملات السياسية والإعلامية، وإظهار روح التحدي ضد العراق دون عمل عسكري مباشر. ذلك أن الأمريكان كانوا لا يريدون أن يجمعوا العرب مع العراق، وبقيادته ضد إسرائيل، وإنما أرادوا أن يجمعوا الأنظمة العربية مع إسرائيل ضد العراق، فجاءت عملية حماية إسرائيل من خلال الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد العراق، بدعوى تحرير الكويت (٢).