← Общие книги

Общие книги · id 36505

الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم

يوسف الطويل

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وهكذا أصبح العراق والرئيس صدام حسين الموضوع المفضل في الإعلام الغربي والأمريكي، لتصويره على أنه الخطر الذي يهدد أمن المنطقة والعالم. ووسط هذه الحملة الإعلامية ضد العراق بدأت في شهر مارس ١٩٩٠م التحضيرات لعقد قمة عربية طارئة في بغداد من أجل التضامن مع العراق، حيث وصف (بوش) هذه القمة بأنها أكبر تحد للولايات المتحدة (١)، التي أرسلت مذكرة للجامعة العربية، حاولت من خلالها أن تملى وتفرض على القمة المبادئ التي يجب أن يعتمدها الرؤساء العرب في مناقشاتهم وقراراتهم، وخصصت المذكرة مساحة واسعة منها للهجوم على العراق بشكل خاص. وفي يوم ٢٨ مارس ١٩٩٠م افتتح الرئيس صدام مؤتمر القمة العربي الطارئ بخطاب كان يمثل بمجمله تحد واضح للولايات المتحدة الأمريكية، وإنذار صريح، ولكنه غير مباشر، للكويت والسعودية بشكل خاص. فقد اتهم الولايات المتحدة بتقديم الغطاء السياسي والقوة للكيان الصهيوني في عدوانه وتوسعه على حساب العرب. وأكد مطالباً: "يجدر بنا أن نعلن إننا سنضرب إسرائيل إذا اعتدت علينا". أما عن دول الخليج النفطية فقد أخبرهم بأن العراق يخسر مليار دولار في السنة، عن كل دولار ينقص من سعر البرميل الواحد بسبب عدم التزام دول الخليج النفطية بسقف الإنتاج المقرر في الاوبك، مما أوقع هذه الدول في حرج كبير، حيث التزمت بعضها بحصصها، اما الكويت فقد ظلت على سياستها السابقة. وبالرغم من المحاولات التي جرت بين العراق والكويت لحل خلافاتهم حول أسعار النفط والحدود والمسائل المالية، وحقل الرميله من خلال الحوار، إلا أنه وكما يبدو أن الحكومتان البريطانية والأمريكية عملتا على عرقلة التوصل إلى اتفاق وتأزيم الأمور، مما دفع العراق إلى استخدام أسلوب التحذير، بعد فشل كافة المحاولات للتوصل إلى حل مناسب للطرفين، حيث اعتبر العراق ذلك مؤامرة تحاك ضده وعدواناً مباشراً عليه من الكويت، وان العراق سوف يرد على هذا العدوان. لهذا قدم طارق عزيز وزير الخارجية العراقي رسالة إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية في ١٥ تموز ١٩٩٠م خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب اتهم فيه

стр. 177

الكويت بسلوك سياسة تتعمد إضعاف العراق، من خلال سيطرتها على أراضٍ عراقية، بالإضافة تعمدها إغراق سوق النفط بمزيد من الإنتاج، أدى إلى هبوط أسعار النفط إلى أسعار قياسية مما الحق أضراراً كبيرة بالعراق، كما اتهم الكويت بسرقة نفط من حقل الرميله. حيث اعتبر العراق ما يحدث عملية مدبره هي جزء من مخطط إمبريالي صهيوني ضد العراق والأمة العربية، وقد اعتبرت الرسالة هذه السياسة عدواناً مباشراً على العراق والأمة العربية. وقد أثارت هذه الرسالة نقاشات مختلفة بين وزراء الخارجية العرب، ولم يتوصلوا لأي نتيجة وانهار الاجتماع. وبعد يومين، أرسلت الكويت مذكرة جوابية، على رسالة وزير الخارجية العراقي إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، ولكنها لم تكتف بإرسالها إلى الجامعة العربية، بل أرسلتها إلى رئيس مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، وكان هذا يعني نية الكويت تدويل النزاع بينها وبين العراق (١). وسط هذه الأجواء المتوترة ومع تقارير وكالات الأنباء التي بدأت تتحدث عن حشود عراقية تتجه نحو الجنوب، وعلى حدود الكويت، وصل إلى بغداد وزير الخارجية السعودي للحيلولة دون الصدام، حيث تم الاتفاق مع القيادة العراقية على عقد لقاء عال بين العراق والكويت يوم٣١ تموز ١٩٩٠م في جده بين عزة إبراهيم وسعد العبد الله، للتوصل إلى حل، ولكن هذا الاجتماع فشل فشلاً ذريعاً، بسبب التعنت الكويتي المدعوم أمريكياً، وتآمر بعض الزعماء العرب الذين لم يكن هدفهم الوساطة، بل توريط العراق وإيقاعه في الفخ حسب السيناريو الأمريكي المعد مسبقاً ... فكان الغزو العراقي للكويت .. وكانت القمة العربية التي شرعت التدخل الأجنبي (الأمريكي) لحل النزاع. وهذا ما كانت تسعى إليه أمريكا منذ البداية للسيطرة على المنطقة، وضرب القوة العراقية التي باتت تهدد مشروعها الصليبي في المنطقة (إسرائيل). مما تقدم يتضح انه لم يكن في نية العراق احتلال الكويت، وإنما كانت منازعات ومخاصمة كلامية حول موضوع بترول العراق الجنوبي المستنزف، بالإضافة إلى النزاع على الحدود. وقد بدلت الحكومة العراقية بعد انتهاء الحرب مع إيران جهوداً

стр. 178

مضنية وجدية لحل هذه المشكلة، إلا أن حكومة الكويت وبإيعاز بريطاني أمريكي تمسكت بردود فعل تتسم باتخاذ مواقف متشددة بلغت ذروتها في اجتماع جدة (١)، وما تبعه من احتلال للكويت، حيث أن واشنطن قررت أن الأوان قد آن لتحطيم القدرة العسكرية العراقية ويجب توظيف مجلس الأمن لهذا الغرض، حيث تمكنت من الحصول علي قرار دولي يجيز استخدام القوة ضد العراق، بعد رفضها كافة الحلول السلمية للأزمة. وتذكر (فيليس بينس) أن الإدارة الأميركية لم تسمح لمجلس الأمن بمناقشة مشروع انسحاب عراقي من الكويت، جاء به في اللحظة الأخيرة من بغداد (ييغينوف بريماكوف) وزير الخارجية الروسي آنذاك. بل وأثناء التصويت على القرار رقم ٦٧٨ الذي خول الولايات المتحدة باستخدام القوة, قامت واشنطن برشوة أعضاء المجلس ـ الدائمين وغير الدائمين ـ المترددين في التصويت وأهمهم الصين، وكولومبيا، وأثيوبيا. والدولة الوحيدة التي عارضت استخدام القوة هي اليمن, دفعت ثمنا غاليا لقاء ذلك. إذ فور أن رفع (عبد الله صالح الأشطل) مندوب اليمن في مجلس الأمن يده معارضاً القرار مال عليه أحد المسئولين الأمريكان وهمس في أذنه "إن تصويتك هذا سوف يكون أكثر كلفة من أي تصويت قمت به من قبل على الإطلاق" (٢). واستناداً إلى روايات وكتابات عدة، فإن الأزمة في العراق بدءاً من احتلال الكويت إلى احتلال العراق افتعلت لخوض حرب، وكان يمكن حلها دبلوماسياً، وكان هذا رأي (كولن باول) عام ١٩٩٠م عندما كان رئيساً لأركان الجيش الأميركي، (وجيمس بيكر) وزير الخارجية الأميركي الأسبق، ولكن (سكوكروفت) مستشار الأمن القومي عام ١٩٩٠م كان يرى أن هذه الأزمة تقدم فرصة لا تعوض للحرب، وإبقاء نصف مليون جندي في المنطقة إلى أجل غير محدد، وأن انسحاب صدام من الكويت سيفوت فرصة الهيمنة على المنطقة (٣). ولهذا فقد كان احتلال العراق للكويت لحظة، تاريخية للولايات المتحدة تنتظرها بلهفة، بل إنها استدرجت النظام السياسي

стр. 179

العراقي والمنطقة إلى تلك اللحظة التي تتيح لها السيطرة العسكرية على منطقة الخليج العربي، والتحكم بالنفط، ومن ثم الهيمنة على العالم (١). ولهذا كان القرار السياسي العسكري باستخدام القوة يحاول كسب الوقت وتسريع التنفيذ من ناحية, وحشد الحلفاء وإقناعهم بأنه لا يمكن تأخير الخطوة العسكرية أكثر مما تأخرت. بل إن الخشية الكبرى كانت تنبع من احتمال أن يقيم صدام حسين نظاماً صورياً في الكويت وينسحب منها فوراً, وهو ما سمي بـ"السيناريو الكابوس" كما يقول تشومسكي (٢). الهدف حماية إسرائيل وليس تحرير الكويت !! من العرض السابق اتضح لنا حجم المؤامرة التي دبرتها أمريكا لتدمير القوة العسكرية العراقية، من أجل حماية مشروعها الصليبي "إسرائيل"، وليس كما بدا لكثير من المخدوعين، من اجل تحرير الكويت. ونزيد الأمر إيضاحاً فنضيف إلى ما تقدم بعض الحقائق. مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية أعدت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي تقريراً قالت فيه أن العراق سيكون الدولة المرشحة الأولي لإشعال فتيل الحرب مع إسرائيل، وانه إذا ما اشتعل هذا الفتيل فأن الدول العربية الأخرى ستنظم لتأييده. وأضاف التقرير أن العراق يسعى للثأر من إسرائيل بسبب تدمير الطيران الإسرائيلي للمفاعل النووي العراقي عام ١٩٨١م، ولمواجهة التهديدات الإسرائيلية المستمرة التي تهدف إلى تحجيم القوة العسكرية العراقية والتي باتت تهدد إسرائيل بشكل مباشر. وعندما خرج العراق من حربه قوياً منتصراً عام ١٩٨٨م اعتبرته الولايات المتحدة الأمريكية اكبر قوة عسكرية في المنطقة، وانه سوف يستخدم قوته ضد إسرائيل. ولهذا بذلت أمريكا جهوداً سياسية مباشرة مع العراق، ومن خلال بعض الأنظمة العربية أيضاً لإقناعه بالتخلي عن مبادئه وسياسته المتعلقة بالموقف من إسرائيل إلا أنها لم تفلح، مما دفعها إلى زيادة الدعم العسكري

стр. 180

لإسرائيل وبالشكل الذي يردع العراق عن القيام بأي عمل عسكري ضدها وهنا بدأت التصريحات الإسرائيلية الاستفزازية للعراق. "ففي ٣٠ آذار ١٩٩٠م أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي (أهود باراك) أن إسرائيل لابد أن تكون جاهزة لضربة وقائية ضد العراق في أي وقت تشعر فيه أن قوته خطر عليها. تم تبعه اسحق شامير بالقول: إن إسرائيل سوف تهاجم العراق إذا أحست انه اقترب من إنتاج أسلحة نووية. ولكن سرعان ما جاء الرد العراقي المشهور على تلك التهديدات ففي ٢ أبريل ١٩٩٠م أطلق الرئيس العراقي صدام حسين تصريحا قويا شغل العالم، وبدأت أزمة إقليمية وعالمية، فقد ذكر في لقاء مرئي مع الضباط العراقيين، أن الباحثين العراقيين استطاعوا تطوير صناعات عسكرية متقدمة وأن العراق قادر إذا هددته إسرائيل على أن يحرق نصفها (١). وهنا قررت إسرائيل القيام بعملية عسكرية جديدة ضد العراق، بعد أن وصلتها معلومات عن امتلاك العراق تسع مخابئ للأسلحة الكيماوية، بالإضافة إلى مخبأين للصواعق النووية، حيث وصل إلى واشنطن في شهر نيسان ١٩٩٠م وزير الدفاع الإسرائيلي (موشيه ارنيز) للتشاور حول الموضوع مع الأمريكان. وقد أوضح (ارنيز) للمسئولين الأمريكان بان العراق سيهاجم إسرائيل، وطلب المساعدة الأمريكية في توجيه ضربه له وأضاف: ليس من صالحنا أو صالحكم الإبقاء على صدام حسين ... أو الإبقاء على قوته العسكرية. وبعد عودة (ارينز) إلى إسرائيل، تزايدت حدة التهديدات الإسرائيلية بضرب العراق، ولكن لم يحدث الهجوم لان الرئيس الأمريكي (بوش) ورئيسة الوزراء البريطانية (تاتشر) طلبا من شامير الاكتفاء بالحملات السياسية والإعلامية، وإظهار روح التحدي ضد العراق دون عمل عسكري مباشر. ذلك أن الأمريكان كانوا لا يريدون أن يجمعوا العرب مع العراق، وبقيادته ضد إسرائيل، وإنما أرادوا أن يجمعوا الأنظمة العربية مع إسرائيل ضد العراق، فجاءت عملية حماية إسرائيل من خلال الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد العراق، بدعوى تحرير الكويت (٢).

стр. 181

لقد كانت الغارات الأميركية صباح يوم ١٧ يناير/ كانون الثاني ١٩٩١م تستهدف كل المنجزات العراقية مما يبدو للوهلة الأولى، لا علاقة له بما سميت زوراً بحرب تحرير الكويت، القصور الجمهورية والوزارات والمؤسسات العامة والجسور ومحطات الطاقة والمطارات ومصافي البترول والمصانع، ومحطات التكرير الصحية، ومصانع الأغذية وخطوط السكة الحديدية، ومصانع النسيج ومحطات الري، والمدارس والمستشفيات ومعمل لحليب الأطفال. وتعرض العراق لقصف لم يستخدم في كمه ونوعه حتى في الحرب العالمية الثانية، فقد نفذت القوات الأميركية ١١٠ آلاف طلعة جوية وأنزلت ٨٥ ألف طن من المتفجرات، وانسحب العراق من الكويت، ولكن تواصلت حرب الاستنزاف والحصار عليه دون رحمة حتى جرى احتلاله عام ٢٠٠٣ (١). إنجازات صدام قبل أن ننتقل إلى القسم التالي من الكتاب لابد أن نشير ولو بإيجاز إلى الإنجازات التي تحققت في عهد الرئيس الراحل صدام حسين والتي دفعت أمريكا للتآمر عليه بمساعده بعض الدول العربية، من اجل حماية مشروعها الصليبي في المنطقة (إسرائيل). أما لماذا الحديث عن الانجازات، فإن مرد ذلك للتذكير في زمن الأكاذيب الأمريكية التي تقلب الأبيض أسود، وتصنع من الأبطال مجرمين، ومن العاهرين والداعرين أنبياء ومخلصين. فالرحل صدام حسين في ذمة الله، ولا يملك الفرصة لدفع الأكاذيب التي ألصقت به، ولكن الواقع الذي يعيشه العراق الآن هو أفضل دفاع يمكن أن يستدل به على انجازات الرجل وكذب وخسة المحتل وأعوانه. فخلال فتره حكمه للعراق تمكن الرئيس صدام حسين من تحقيق انجازات عديدة للعراق برغم كل محاولات الإساءة والتضليل التي نسجت حول فترة حكمة، فمنذ وجوده الأول عام ١٩٦٨م وحتى سقوط بغداد حقق نظام صدام حسين العديد من الانجازات. فمنذ البدء عام ١٩٧٢م أمم صدام حسين النفط، وكانت هذه الخطوة

стр. 182

الأولى على طريق رصد هذا الرجل ونظامه وماذا يفعل في العراق. في عام ١٩٧٢م كان المدخول النفطي للعراق ثمانمائة وأربعين مليون دولار، وفي العام ١٩٨١م حسب النشرة الاقتصادية لمجلة الشرق الأوسط وصل مدخول العراق من النفط٢٥.٩ مليار دولار، هذه النقلة الأولى لوضع البلد خارج النفق، فالعراق بدأ بتأميم النفط ثم تقدم في خطواته نحو نوع من تصنيع البلد، وجعله في مصاف أوائل دول العالم الثالث، وهناك تقرير من هيئة الأمم المتحدة يقول بأن النظام الصحي، والنظام التعليمي، هو الأول في بلدان العالم الثالث، هناك ثلاثة آلاف كيلو متراً طولية من السكك الحديدية والأوتوسترادات بناها نظام صدام، هناك المطارات وهناك السدود وهناك المحطات النووية وهناك المفاعلات الذرية وهناك تحديث العسكرة وهناك ما لا يمكن أن يحصى، هناك ثمانية ملايين دونم زراعي العام ١٩٧٢م انتقلت إلى ٢٥ مليون دونما زراعيا تستخدم منه الآلات الزراعية الحديثة، ويكاد يكون لكل فلاح صاحب قطعة من الأرض جرار آلي. الوزير الفرنسي الأسبق (جان بيير شوفينمان) وهذا لم يكن من أزلام ولا من فلول صدام قال ذات مرة عشية استقالته وهو وزير دفاع من منصبه لأنه رأى بأم عينه بأن ما يحدث هو ليس تحرير للكويت بل تدمير العراق لذلك قدم استقالته قال بالحرف الواحد: في غضون قرن لثلاث مرات، يقوم الغرب بتحطيم حلم نهضة عربية بدأت من محمد علي باشا ومروراً بجمال عبد الناصر وانتهاءً بصدام حسين. هذا الذي قاله جان بيير شوفينمان وهو ديغولي ومن الديغوليين الكبار وليس من الناس الذين ممكن أن نحسبهم على خانة فلان أو عِلان، حسب تقييماتنا وتصنيفاتنا في الشرق العربي. http://www.aljazeera.net/programs/op_direction/articles/٢٠٠٤/٧/٧-١١-١.htm - TOP#TOP ( جون بلجر) صاحب كتاب سادة العالم يقول بالحرف الواحد: إن أكثر نظام في العالم العربي استثمر في البنى التحتية وفي الاقتصاد، وفي دعم شعبه، هو صدام حسين كم من المليارات التي أُنفِقت على الطلبة العراقيين في العالم إلى ما هنالك في فترة من الفترات، كان العراقيون يستوردون البقدونس بطائرات خاصة، لماذا يتناسى البعض كل ذلك والآن لا يتذكرون منه إلا جرائمه؟.

стр. 183

هذا العمل المنهجي، هذا العمل التحويلي الانتقالي من واقع إلى واقع آخر، سيلقى صدودا من قوى تقليدية موجودة في العراق تتحدث عن إعدامات، وعن جرائم، ومقابر جماعية، وغيرها، وهذه محددات ابن خلدونية التي قالت بالقبيله، والعصبية القبلية، والطائفية، والمذهبية، والمغنم. هذه محددات ابن خلدون موجودة في العراق، كما أنها موجودة في كامل الوطن العربي، هذه المحددات تقول فيما تقول بأنه بعد (الواثق) الخليفة العباسي السابع، لم يذهب خليفة إلى ملاقاة ربه بصورة طبيعية، بل ذهب كل خليفة إما غيلة، أو قتلا أو سملا للعيون أو دسا للسم هكذا كان العراق في تاريخه وهكذا كانت المنطقة العربية كلها، محددات ابن خلدون تتحدث عن واقع عصبوي قبلي طائفي، لا تستطيع المنطقة أن تخرج منها؛ لأنه نحن نُحكَّم بماضينا في حاضرنا. أليس كل هذا وغيره كثير من إنجازات ومن إيجابيات صدام حسين؟ إلى متى نظل نقول أنه الديكتاتور؟ لو أن الحكام العرب كلهم تساووا في الديكتاتورية أرى أن الرئيس صدام حسين تميز عنهم في أنه لم تكن في العراق سفارة صهيونية على أرض العراق ولم يُرفَّع علم صهيوني على أرض العراق ولم يضع يده في يد شارون أو بيغن أو موفاز أو شامير أليست هذه من إيجابيات الرئيس القائد صدام حسين؟ في عددها التذكاري الصادر عام ١٩٧٦م بماسبة حرب أكتوبر قالت مجلة الهلال المصرية: تعتبر المشاركة العراقية في حرب أكتوبر من أبرز معالم التضامن العربي على الرغم من عدم علم القيادة العراقية وعدم التشاور معها في الحرب لكن بعد سماع النبأ عبر المذياع أرسل العراق ثلاثة أرباع قواته الجوية وثلث قواته المدرعة وخمس قواته المشاة أي أن العراق كان القوة العربية الثالثة كانت مصر وسوريا والعراق. وعندما تباهى مناحم بيغن بأنه هو الذي أسس لعلاقة إيجابية مع الأكراد لذبح المزيد من جنود بغداد وعندما تباهى بأنه هو الذي دمر المفاعل أوزيرات في العراق أجابه إيفين يعقوب أيفين رئيس تحرير جريدة علهمشمار في ٨٩/ ٣/١٩٩٠م بقوله: نصيحتي لقادة إسرائيل وهي أن يثقوا بما يقوله صدام حسين حيث أقواله غالبا ما تصاحب أفعاله فالبرج المنطقي الذي بناه وعرضه، ثابت وسليم ومستمر وإمكانيات

стр. 184

العراق قادرة على إعطائه إشارة البدء بالعمل، إن برج صدام البابلي يتكامل وهو هنا برج الإمكانية والاستعداد والتأسيس لا بنهضة علمية واقتصادية وعسكرية فحسب بل وبطموح تكنولوجي موازي أيضا تخصيب اليورانيوم إنه يستعد الآن لكي يضرب غدا وهذا المقال عنوانه" السرب الأول يعقوب إيفين علهمشمار. في عام ١٩٧٢م رفع صدام حسين شعار نفط العرب للعرب في الوقت الذي يُقتَّل فيه العربي بالنفط العربي أليست هذه من إيجابيات صدام حسين؟ في الوقت الذي وصلت فيه الأمية في بعض الدول العربية إلى أكثر من ٥٠%، كانت العراق باعتراف من منظمة اليونسكو التي قال تقرير لها: إن ثلاثة أعشار في المائة نسبة الأمية في عهد صدام، إن ٢٤ ألفا من علماء العراق هم ثروة الأمة أين تعلموا هل تعلموا في سفارات واشنطن أو بين أحضان سيدات أوروبا؟ لقد تعلموا في الجامعات العراقية أين كانوا هم هل هناك دولة عربية عرضت على أن تحمي هؤلاء العلماء؟ إن هؤلاء العلماء آرائهم هي التي جعلت أميركا والصهاينة يضربون العراق. إن شيطنة صدام حسين جرى صناعتها عبر تاريخ طويل من الأكاذيب، يعني أبلسته وجعله إبليس يعني جحيم دانتي في حلابجة والمقابر الجماعية التي أُسِس لها هذا التاريخ الطويل (١). ففي نهاية عقد الثمانينات، وخلال عقد التسعينات، انفق النظام العالمي الجديد ووسائل الإعلام، ملايين الدولارات في تصوير الرئيس (صدام حسين) على انه شيطان العصر، إلى الدرجة التي أضحى يعتبر بها من قبل ٩٥% من الرأي العام الغربي (سفاح بغداد). ولم يكن صدام فقط تلك الشخصية الشريرة التي تحاول تصنيع أسلحة الدمار الشامل كما هي صورته لدى أولئك القابعين في أمريكا، ولكنه ـ كذلك ـ الطاغية الذي سمم شعبه الكردي في حلبجة. لم يكن الرئيس العراقي من قام بهذا العمل، بناء على تقرير الكلية الحربية الأمريكية الذي اثبت أن أكراد حلبجة ماتوا ـ كنتيجة مباشرة ـ لهجوم إيراني بغاز الفسجين. لكن الإعلام الغربي الواقع في قبضة اللوبي اليهودي، لم يكن ليسمح للحقيقة بالظهور في

стр. 185

حملته المسعورة لتشويه صورة النظام العراقي، ورسم صوره شيطانية جديدة لصدام حسين (١). إعدام صدام حسين مباشرة بعد صلاة عيد الأضحى المبارك في بغداد تم أعدام صدام حسين بينما جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يحتفلون بتقديم الأضاحي لله ابتهاجا بعيد الأضحى المبارك، وبصرف النظر عن تمثيلية المحاكمة المهزلة، فإن إعدام الرئيس العراقى كان قراراً سياسياً مدروساً من حيث تنفيذه وتوقيته من جانب الإدارة الأميركية. الهدف من التنفيذ البشع والاستعراضى هو الانتقام، والهدف من التوقيت هو المزيد من إهانة الأمة العربية. صدام لم يكن رئيس دولة عربية كبرى وحسب، بل ترأس عدداً من مؤتمرات القمة العربية، أى أنه كان في لحظة ما رئيس الأمة العربية. لم ُيعدم الأميركيون أسيرهم صدام لأنه وافق على إعدام ١٤٨ مواطناً في الدجيل قبل ثلاثين عاماً، فهم يقتلون مثل هذا العدد أو أكثر منه كل يوم. ولم يقتلوه لأنه كان دكتاتوراً فصدام ليس نسيجا وحده بين الحكام. ولم يقتلوه لأنه حارب إيران فقد وقفوا إلى جانبه حينها. ولم يقتلوه لأنه اجتاح الكويت وضمها فقد جس نبضهم عندما أبلغهم بذلك سلفاً ولم يعترضوا. الذين أعدموا صدام أعدموه لأنه بنى صناعة حربية، وانتج صواريخ، وبدأ مشروعاً نووياً، وهدد أمن إسرائيل كدولة احتلال، وكاد يسيطر على البترول العربى لاستعماله كسلاح لاسترداد الحقوق العربية المهضومة. وقوف صدام في وجه الاحتلال بصلابة محا كل خطاياه السابقة للاحتلال، وإعدامه على يد الاحتلال الأميركى جعله شهيداً وأدخله التاريخ كرمز للإرادة القومية ورفض الخضوع، جنباً إلى جنب مع الذين شنقهم العثمانيون في دمشق، والانجليز في فلسطين، والإيطاليون في ليبيا. فصدام رغم كل المؤاخذات، سجل السبق بقصف إسرائيل، ورفع مستوى التعليم في بلاده .. ودعم بعض الدول العربية .. وحتى بعد وقوعه في الأسر فقد بقي

стр. 186

مرفوع الرأس مرتفع المعنويات ولم يركع ولم يهادن .. بل ظل يحترم شعبه وقد بعث له رسالة للوداع جاء فيها: ها أنا أقدّم نفسي فداءً.

стр. 187

الفصل الثاني الخلفية الدينية للهجمة الأمريكية البريطانية على العراق يحتل العراق مكاناً رئيسياً في فكر الحركة الأصولية المسيحية المعاصرة، بسبب ارتباطه كأرض وشعب وحضارة، بأهم حادثه تعرض لها اليهود في تاريخهم وهى السبي البابلي، مما جعله يرتبط مباشرة بكثير من العقائد المسيحية المستمدة من التوارة وسفر الرؤيا بالذات، والتي سطرها أنبياء اليهود خلال السبي البابلي وبعده، كفكرة المسيح المنتظر، وقيام معركة (هرمجيدون) بين قوى الخير والشر، وغيرها من الأفكار، التي انتقلت إلى المسيحية مع ما يسمى بحركة الإصلاح الديني البروتستانتي. فكما كان للبعد الديني أثر رئيس في صياغة السياسة الأمريكية البريطانية المتحيزة لإسرائيل، فإن هذا البعد كان له نفس الدور في صياغة هذه السياسة تجاه العراق والمنطقة، حيث لعب التيار الديني المسيحي البروتستانتي دوراً رئيساً في صياغة هذه السياسة، انطلاقاً من إيمان إتباع هذا التيار، بحرفية النصوص التوراتية وبنبوءاتها المزيفة التي يعملون على تطبيقها حرفياً على ارض الواقع اعتقاداً منهم بأنهم ينفذون أمرا ألهيا، للتعجيل بالعودة الثانية للمسيح. فمن خلال عرضنا السابق اتضح لنا، أن الحرب الأمريكية على العراق لم تكن لتحرير الكويت، بل أنها كانت حرب مبرمجه ومخطط لها مسبقاً من اجل حماية مشروعها الصليبي في المنطقة (إسرائيل)، ولهذا فإن الهجمة الشرسة التي يتعرض لها العراق الشقيق منذ عام ١٩٩٠ وحتى الآن، والتي لم تنتهي باحتلاله من قبل أمريكا، لا يمكن تفسيرها على أساس أنها تطبيق لقرارات الشرعية الدولية، بل يمكن فهمها فقط على أساس أنها تطبيق حرفي للنصوص التوراتية ونبوءات وردت في العهد القديم توعدت مضطهدي إسرائيل بالدمار والخراب. فبابل العراق هي التى سبت اليهود ودمرت الهيكل، وآشور من قبله قامت بنفس الشئي. ولذلك يرى

стр. 188

إتباع التيار الديني الأصولي في أمريكيا أنه لا بد من الانتقام من كل مضطهدي إسرائيل تنفيذاً لما ورد في التوراة!. فالحرب الأمريكية على العراق لم تكن كرامة سواد عيون الكويتيين أبداً، ولا لحمايتهم من العدوان العراقي أو لتخليصهم من الاحتلال العراقي للكويت ... بل كما يقول د. صالح زهير الدين: "بأن العدوان الأمريكي والبريطاني على العراق ومن بعده الحصار والعقوبات، لها جذورها التي تتغلغل عميقاً في التاريخ بدءاً من الحقد اليهودي المتجذر في (عقدة الأسر البابلي) مرورا بتنامي عقيدة (الصهيونية المسيحية) في كل من بريطانيا والولايات المتحدة وتطلعها لاستعجال عودة المسيح المنتظر، وصولا إلى تحكم رؤوس هذه الصهيونية في قرارات ومؤسسات هاتين الدولتين، ليأتي أسلوب الحصار والعقوبات ضد العراق كإحدى إفرازات هذه العقلية ونتائجها المباشرة". ويضيف: "ومن هذا المنطلق نرى أن التركة الثقيلة التي ورثها العراق من الإمبراطورية الآشورية والبابلية مثلت جوهر العداء التاريخي اليهودي للعراق، لان (عقدة الأسر البابلي) كانت لا تزال إحدى اكبر العقد التاريخية اليهودية وأهمها في التاريخ اليهودي. ولهذا سيبقى العراق كما كان منذ تاريخه ـ عقدة يهودية تلاحقه إلى الأبد، طالما هناك يهودي واحد مأسور في عقدة (الأسر البابلي) هذه ومرهون لها .. إذ ليس هناك مثل العراق أرضاً، احتلت في الأيدولوجيه الصهيونية ومصادرها الأولى مكانة مشحونة بتراكم من العناصر التاريخية والدينية بعد أن أقام العبرانيون في ارض العراق أكثر من ألفي سنه، وارتبطت بهذه الأرض أهم واعنف واقعة في تاريخهم وهي (الأسر البابلي) " (١). ولذلك لا يخلو الفكر المعاصر للصهيونية، من شحنة دينية في النظرة إلى هذا البلد، حيث يتخذ الاهتمام الصهيوني بالعراق من وعد ألهي مصدراً له، منسوباً إلى وصية في التوراة لإبراهيم أن "لنسلك أعط هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر

стр. 189

الكبير "الفرات" (١)، حيث تحولت هذه الوصية إلى دعوة معاصره كما وردت على لسان موشي دايان، بعد ساعات من دخول مدينة القدس، في السادس من حزيران/ يونيو سنة ١٩٦٧م، حيث قال: "لقد استولينا على أورشليم ونحن في طريقنا إلى يثرب وبابل". هذا ولم يغب هذا الهاجس القديم عن كثير من المواقف المتعلقة بالعراق حيث أطلق زعماء الحركة الصهيونية على حملة تهجير اليهود ونقلهم من العراق إلى فلسطين أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات من هذا القرن اسم عملية (عزرا ونحميا) إشارة إلى الكاهنين اليهوديين الذين خرجا من بابل ووضعا العهد القديم، لتشبيه خروج اليهود منتصف هذا القرن من العراق بخروجهم من الأسر البابلي في العراق قبل أربعة آلاف سنه (٢)، وذلك في إطار إصباغ الصبغة الدينية على هذه الحملة وكأنها جاءت تحقيقاً لنبوءات التوراة. على هذا الأساس، ليس من الغرابة أن كانت أهداف اليهودية المتعلقة بالعراق هي ذاتها أهداف الصهيونية المسيحية، في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، التي تتخذ التوراة قاعدة ومنطلقاً، ومن الأسر البابلي محوراٌ للاقتصاص من العراق في كل عصر وزمان، وليس في عصر الرئيس صدام حسين فقط (٣). وهذا هو ما يحدث الآن في ظل غياب الوعي العربي لكل ما يحدث، والذي جعلنا للأسف نقبل، ليس فقط بتدمير العراق، بل بقتل أطفاله وتجويع شعبه بحجة تطبيق قرارات الشرعية الدولية، التي لا تطبق إلا على العرب فقط؟! والذي جعلنا نقبل أيضا بفرض حصار جائر على ليبيا لمجرد أن سيادة الرئيس ريجان وأتباع التيار الديني

стр. 190

الأصولي كانوا يعتقدون أن ليبيا هي من قوى الشر التي ستهاجم إسرائيل في معركة هرمجيدون الذي بدأ العد التنازلي لإشعالها في المنطقة تنفيذاَ لنبوءات التوراة!! يقول الاستاذ شفيق مقار: "بطبيعة الحال، قد يقع أي استشهاد بنصوص التوراة في سياق معاصر كهذا كضرب من الأغراب أو كإصرار على (إضاعة الوقت في هذه التواريخ القديمة). إلا أنه قد يحسن بشعوبنا وحكامنا ومفكرينا إن لم يكن لشيء فلغلبة التقوى الدينية العارمة على أدمغة الأميركيين المتعجلين للمجيء الثاني وابتداء العصر الألفي السعيد ـ أن يضيعوا قليلاً من الوقت في التأمل في نوعية (النبوءات) التي يعجل الأميركيون منذ بضعة عقود بالإعداد العملي لتحققيها، لا فيما يخص فلسطين والبلاد العربية، بل فيما يخص كافة دول العالم. فتلك (التواريخ القديمة) فاعلة فعلها في هذه الأيام، من خلال وحش اليهوَ ـ مسيحية ذي الأنياب القادرة على التمزيق، محققة الشهوات القديمة إلى الأرض، كل الأرض، لا أرض (أولئك الفلسطينيين) فقط ومشبعة سعار العداوات القديمة الراقدة في الروح، كخراريج الجحيم وشهوة الانتقام التي جعلت من صلوات شعب الله المختار وصلوات اليهوـ مسيحيين الأتقياء في سفر المزامير الذي لم يكف ولا يكف رؤساء أميركا عن الاستشهاد به، صلاة تقول: "كيف نرنم ترنيمة للرب في أرض غريبة؟ إن نسيتك يا أورشليم تنسى يميني ليلتصق لساني بحنكي أن لم أذكرك أن لم أفضل أورشليم على أعظم فرحى. اذكر يا رب لأعدائنا يوم أورشليم القائلين هدوا هدوا حتى أساسها. يا بابل المخربة طوبى لمن يجازيك جزاءك الذي جازيتنا طوبى لمن يمسك أطفالك ويهشم على الصخرة رؤوسهم" (١)؟!! أحقاد قديمة بثوب معاصر ربما تكون الفقرة السابقة واضحة في تفسير الأسباب الحقيقة للعدوان الأمريكي البريطاني على العراق، باعتباره تنفيذاً لنبوءات وأوامر توراتية، وليست كما

стр. 191

تزعم هاتان الدولتان، بأنه جاء لتحرير الكويت وتطبيق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وغيرها من الادعاءات. ودعونا نقارن ما يحدث على الأرض الآن بما جاء في التوراة اليهودية الحاقدة، بشأن العراق، شعباً وأرضاً. التوراة وآشور العراق لعبت الإمبراطورية الآشورية التي دامت بين سنه ٦٢٦ـ٩١١ ق. م دوراً مهماً في تغيير وجه الشرق، حيث حكمها خلال هذه الفترة خمسة عشر ملكاً، وبلغت الإمبراطورية أوج عظمتها واتساعها في عهد بعضهم، بحيث ضمت جميع أراضي الهلال الخصيب ومن ضمنها أجزاء من مصر. ولقد لعبت هذه الإمبراطورية دوراً رئيسياً في القضاء على مملكة إسرائيل نهائياً وسبى سكانها. ففي عهد سرجون الثاني، تم احتلال عاصمة مملكة إسرائيل (السامرة) ومن تم القضاء على مملكة إسرائيل نهائياً في عام ٧٢٢ ق. م (١). كما أن الآشوريين شنوا حملات أخرى على مملكة يهودا في عهد سنحاريب، واجبروا اليهود على دفع الجزية. وبالرغم من أن مثل هذه الحروب كانت أمر عادى بين ممالك المنطقة في ذلك الوقت، إلا آن اليهود دون غيرهم خلدوا هذه الحروب في توراتهم، وانزلوا اللعنات والويل والدمار بالشعوب والدول التي قامت بها. فقد تنبأ الكاهن ناحوم، بدمار نينوى عاصمة مملكة أشور .. لأنه حسب ما جاء في التوراة: "لاقوا هذا المصير من جراء كبريائهم ووحشيتهم". ويصف ناحوم بقسوة أسباب دمار نينوى فيشير إلى عبادتها للأصنام، وفظاظتها، وجرائمها، وأكاذيبها، وخيانتها، وخرافاتها، ومظالمها، ولأنها كانت مدينة مليئة بالدم، ومثل هذه المدينة لا يحق لها البقاء، كما يزعم هذا الكاهن الممتلئ حقداً على أشور. وحي بشأن نينوى، كما ورد في كتاب رؤيا ناحوم الالقوشى "الرب إله غيور ومنتقم وساخط ينتقم من أعدائه، ويضمر الغضب لخصومه ... من يصمد أمام سخطه؟ من يتحمل فرط اضطرام غضبه؟ ينصب غضبه كالنار

стр. 192

وتنحل تحت وطأته الصخور. الرب صالح، حصن في يوم الضيق، ويعرف المعتصمين به. ولكنه بطوفان طام يخفى معالم نينوى، وتدرك الظلمة أعدائه" (سفر ناحوم١، ٢ـ٨). وتضيف التوراة الحاقدة: "منك خرج يا نينوى من تآمر بالشر على الرب، والمشير بالسوء .... وهذا ما يقوله الرب: مع أنكم أقوياء وكثيرون فإنكم تستأصلون وتفنون. أما انتم يا شعبي فقد عاقبتكم أشد عقاب ولن أنزل بكم الويلات ثانية. بل أحطم الآن نير أشور عنكم، وأكسر أغلالكم. وها الرب قد أصدر قضاءه بشأنك يا أشور: لن تبقى لك ذرية تحمل اسمك. وأستأصل من هيكل آلهتك منحوتاتك ومسبوكاتك، وأجعله قبرك، لأنك صرت نجساً" (سفر ناحوم ١، ١١ - ١٤) (١). حصار نينوى: "قد زحف عليك المهاجم يانينوى، فاحرسي الحصن وراقبي الطريق، منعي أسوارك، وجندي كل قوتك. لأن الرب يعيد بهاء يعقوب ومجد إسرائيل، ... نينوى كبركة نضبت مياهها، إذ فر أهلها. وتعلو الصرخة: "قفوا، قفوا". ولا من مجيب يلتفت، انهبوا الذهب، لا نهاية لكنوزها أو لنفائس ثروتها" (سفر ناحوم ٢، ١ـ٩). صرخة الخراب "أين نينوى عرين الأسود ومرتع الأشبال ... ها أنا أقاومك. يقول الرب القدير. فأحرق مركباتك فتصبح دخاناً، ويلتهم السيف لحوم أبنائك، وأستأصل من الأرض غنائمك ولن يتردد في ما بعد صوت مندوبيك" (سفر ناحوم ٢، ١١ـ١٣). خطايا نينوى "ويل للمدينة السافكة الدماء الممتلئة كذباً، المكتظة بالغنائم المنهوبة، التي لا تخلو أبداً من الضحايا. كل هذا من أجل كثرة زنى نينوى الفاتنة الآسرة ومن أجل سحرها القاتل. لقد استعبدت الشعوب بعهرها والأمم بشعوذتها. ها أنا أقاومك، يقول الرب القدير، فأكشف عارك لأطلع الأمم على عورتك والممالك على خزيك.

стр. 193

وألوثك بالأوساخ وأحقرك وأجعلك عبرة. وكل من يراك يعرض عنك قائلاً: قد خربت نينوى فمن ينوح عليها؟ أين أجد لها معزين"؟ (سفر ناحوم ٣، ١ـ٧) (١). الدمار المحتم "هل أنت أفضل من طيبة الجاثمة إلى جوار النيل المحاطة بالمياه المنتنة، بالبحر وبأسوار من المياه، كوش ومصر كانتا قوتها اللامتناهية، وفوط وليبيا من حلفائها. ومع ذلك فقد وقعت أسيرة واقتيدت إلى السبي، وتمزق أطفالها أشلاء في زاوية كل شارع، واقترع على عظامها، وصفد نبلائها بالأغلال. وأنت تسكرين وتترنحين، وتلتمسين ملجأ من الأعداء" (سفر ناحوم ٣، ٨ـ١١). "ها قد نام رعاتك يا ملك أشور، وغرق عظمائك في سبات عميق، تشتت شعبك على الجبال ولا يوجد من يجمعهم. لا جبر لكسرك، وجرحك مميت. وكل من يسمع بما جرى لك يصفق ابتهاجاً لما أصابك، فمن لم يعان من شرك المتمادى؟ ". (سفر ناحوم ٣، ١٨ـ١٩) "ويل للأشوريين ... يا شعبي المقيم في صهيون، لا تخف من أشور عندما يضربك بقضيب، ويرفع عليك عصاه كما فعل المصريون، فإنه عما قليل يكتمل سخطي، وينصب غضبي لإبادتهم. ولا يلبث الرب القدير أن يهز عليه سوطاً كما ضرب المديانيين عند صخرة غراب، ويرفع قضيبه فوق البحر مثلما فعل في مصر. في ذلك اليوم يتدحرج حمله عن كتفك، ويتحطم نيره عن عنقك لأن عنقك أصبح غليظاً". (سفر اشعيا ١٠، ٥ـ٢٧) سقوط أشور: "لقد أقسم الرب القدير قائلاً: حقاً ما عزمت عليه لابد أن يتحقق، وما نويت عليه حتماً يتم. أن أحطم أشور في أراضى وأطأه على جبالي، فيلقى عنهم نيره، ويزول عن كاهلهم حمله" (سفر أشعيا ١٤، ٢٤ـ٢٥). وفي إدانته لاشور يعبر يهوه (الرب) عن حقده اللاهب بأردأ وأخبث وأنذل أساليب الحقد العنصري والكراهية المتوقحة وفي بلاغة هي قمة البذاءة والتوقح والقدرة على الذم والتحقير يقول بلسان أشعيا: "قد حلف رب الجنود قائلا انه كما قصدت يصير وكما نويت اثبت إن أحطم أشور في ارضي وأدوسه على جبالي ويسقط أشور بسيف غير رجل ويأكله

стр. 194

سيف غير إنسان". (١) هذا جزء بسيط جداً مما ورد بالتوراة الحاقدة من صنوف الدمار واللعنات، المشبعة بالحقد والكراهية وبرائحة الدم والانتقام على آشور العراق لأنها سبت اليهود، أما بابل فنصيبها أكبر والحقد عليها أقوى، وشوق اليهود والأصوليين المسيحيون للانتقام منها أعظم وأشد .. !! الحقد على بابل يقول حزقبال على لسان يهوه: "إني أجازي بابل وجميع سكان أرض الكلدانيين بكل شرهم، وها أن ذا عليك أيها الجبل المفسد يقول الرب، الذي يفسد كل الأرض، فأمد يدي عليك أدحرجك من الصخور، وأجعلك جبلاً متوقداً، بل تكون أخربة أبديه". أما لماذا هذه الحقد والكراهية التي صبها أحبار اليهود على بابل، فالجواب بسيط ويعود إلى حادثة السبي البابلي. فمن المعروف انه بعد زوال الدولة الآشورية بسقوط نينوى سنة ٦١٢، تأسست على أثرها الدولة البابلية التي دام حكمها ٧٣، حيث تم في عهدها تدمير مملكة يهودا وسبى اليهود إلى بابل (٢). ففي العام ٥٩٨ م، استولى نبو خذ نصر ملك الكلدان على القدس بعد حصار دام ثلاثة اشهر، فكان رفيقاً متسامحاً في تعامله مع اليهود المهزومين لدرجة انه لم يقرب معبدهم، واكتفى أن اخذ الملك اليهودي يهواشين وحاشيته إلى نفي مريح في بابل، مع تكريمهم، ولكن سدقياً الملك اليهودي الجديد الذي عينه البابليون في القدس، ثار مرة ثانيه على أسياده، وتحالف مع ملك مصر ضد البابليين، مما اغضب نبوخذ نصر غضباً شديداً، فجاء هذه المرة بنفسه وحاصر القدس واستولى عليها، ودمر المعبد واخذ سدقيا والكثير من كبار القوم إلى بابل مكبلين بالحديد، ولم يترك بالقدس سوى فقراء اليهود، ثم استمر الآسر البابلي كما صار يعرف ـ ثمانية واربعين عاماً. وقد تركت هذه الحادثة أثراً بليغاً على اليهود، واليهودية كدين حيث تم خلال فتره الأسر البابلي صياغة كثير من العقائد اليهودية، وبالذات عقيدة المسيح المنتظر، الذي سيعيد بناء مملكة إسرائيل، ويحاكم أعداء إسرائيل وينتقم من أمم

стр. 195

الأرض التي ناصبت اليهود العداء. ولهذا لن نستغرب من حجم الحقد والكراهية التي دونها أنبياء اليهود وأحبارهم في أسفار التوراة على بابل، وتوعدوها بالخراب والدمار، بل والإزالة من الوجود، بحيث أصبحت بابل رمزاً لكل رذيلة. نبوءة عن دمار بابل ١٣ رؤيا إشعيا بن آمواص بشأن بابل: "انصبوا راية فوق جبل أجرد. اصرخوا فيهم لوحوا بأيديكم حتى يدخلوا أبواب العظماء. إني أمرت مقدسي واستدعيت جبابرتي المفتخرين بعظمتي لينفذوا عقاب غضبى. ها جبلة على الجبال مثل صوت أقوام غفيرة. صوت صخب ممالك مجتمعة، لأن الرب القدير يستعرض جنود القتال. يقبلون من أرض نائية، من أقصى السماوات هم جنود الرب وأسلحة سخطه لتدمير الأرض كلها. ولولوا، فإن يوم الرب بات وشيكاً قادماً من عند الرب محملاً بالدمار. لذلك ترتخي كل يد، ويذوب قلب كل إنسان. ينتابهم الفزع، وتأخذهم أوجاع ومخاض، يتلوون كوالدة تقاسى من آلام المخاض. ويحملق بعضهم ببعض مبهوتين بوجوه ملتهبة". (اشعياء ١٣، ١ـ٧) يوم الرب المقبل ٩ "ها هو يوم الرب آت مفعماً بالقسوة والسخط والغضب العنيف، ليجعل الأرض خراباً ويبيد منها الخطاة ... وتولى جيوش بابل الأدبار حتى ينهكها التعب، عائدين إلى أرضهم كأنهم غزال مطارد أو غنم لا راعى لها. كل من يؤسر يطعن، ومن يقبض عليه يصرع بالسيف، ويمزق أطفالهمعلى مرأى منهم (١)، وتنهب بيوتهم، وتغتصب نساؤهم" (اشعياء ١٣، ٩ـ١٦).

стр. 196

سقوط بابل بيد الماديين "أما بابل، مجد الممالك وبهاء وفخر الكلدانيين، فتصبح كسدوم وعمورة اللتين قلبهما الله. لا يسكن فيها، ولا تعمر من جيل إلى جيل، لا ينصب فيها بدوى خيمته، ولا يربض فيها راع قطعانه، إنما تأوي إليها وحوش القفر وتعج بيوت خرائبها بالبوم، وتلجأ إليها بنات النعام، وتتواثب فيها الماعز البرية، وتتعاوى الضباع بين أبراجها، وبنات آوى بين قصورها الفخمة. إن وقت عقابها بات وشيكاً، وأيامها لن تطول! " (اشعياء ١٣، ١٩ـ٢٢) إدانة ملك بابل "في ذلك اليوم يريحكم الرب من عنائكم وشقائكم وعبوديتكم القاسية، فتسخرون من ملك بابل قائلين: لأنك خربت أرضك، وذبحت شعبك، فذرية فاعلي الإثم يبيد ذكرها إلى الأبد. أعدوا مذبحة لأبنائه جزاء إثم آبائهم، لئلا يقوموا ويرثوا الأرض فيملئوا وجه البسيطة مدناً. إني أهب ضدهم، يقول الرب القدير، وأمحو من بابل اسماً وبقية ونسلاً وذرية، وأجعلها ميراثاً للقنافد، ومستنقعات للمياه، وأكنسها بمكنسة الدمار" (اشعياء ١٤، ٣ـ٢٣). سقوط بابل "انزلي واجلسي على التراب أيتها العذراء ابنة بابل. اجلسي على الأرض لا على العرش يا ابنة الكلدانيين، لأنك لن تدعي من بعد الناعمة المترفهة. خذي حجري الرحى واطحني الدقيق. اكشفي نقابك، وشمري عن الذيل، واكشفي عن الساق، واعبري الأنهار، فيظل عريك مكشوفاً وعارك ظاهراً، فإني أنتقم ولا أعفو عن أحد. إن فادينا، الرب القدير اسمه، هو قدوس إسرائيل. اجلسي صامته وأوغلي في الظلام يا ابنة الكلدانيين، لأنك لن تدعي بعد سيدة الممالك". "قد سخطت على شعبي ونجست ميراتي. أسلمتهم إلى يديك، فلم تبدي نحوهم رحمة بل أرهقت الشيخ بنيرك الثقيل جداً. وقلت: سأظل السيدة إلى الأبد. لذلك لم تفكري بهذه الأمور في نفسك ولا تأملت بما تؤول إليه. فالآن اسمعي هذا

стр. 197

أيتها المترفهة المتنعمة المطمئنة، القائلة في قلبها: أنا وحدي وليس هناك غيري، لن أعرف الترمل ولن أثكل. لذلك ستبتلين بكلا الأمرين معاً في لحظة، في يوم واحد، إذ تثكلين وتترملين حتى النهاية على الرغم من كثرة سحرك وقوة رقاك. قد تولتك طمأنينة في شرك، وقلت: لا يراني أحد ولكن حكمتك ومعرفتك أضلاك، فقلت: أنا وحدي، وليس هناك غيري. سيدهمك شر لا تدرين كيف تدفعينه عنك، وتباغتك داهية تعجزين عن التكفيرعنها، ويفاجئك خراب لا تتوقعينه" (اشعياء ٤٧، ١ـ١١). هذه أمثلة بسيطة لما حوته التوارة من ألوان الحقد والكراهية، والرغبة في القتل والدمار ليس لبابل العراق وأطفال العراق فقط ... بل للمنطقة كلها كما سنرى. ففي العهد القديم وما صبه الأحبار الكرام فيه من أشكال الجوع وصنوف الكراهية وضروب الاشتهاء والظمأ إلى الدماء، وما سجلوه فيه مما لا سبيل إلى وصفه ـ مهما بدا ذلك غير لائق ـ إلا بمحاضر جلساتهم مع الإله، الذي صوروه دائماً مدلها بحبهم، ساعياً ورائهم، متوسلاً إليهم إن يرضوا عنه ويعبدوه، ومخططات تآمرهم معه على سائر خليقته. في ذلك الكتاب الدموي الذي تشجب بجواره وتبهت أفظع قصص الرعب والإثارة، كشف الأحبار والكهنة المقاتلون، من قديم، عن خططهم (١)، وأحقادهم تجاه المنطقة كلها، وليس بابل العراق. أما لو جئنا لكتاب سفر الرؤيا آخر كتب العهد الجديد، والذي أضيف إلى الكتاب المقدس بطريقه، مريبة فإننا سنجدد العجب العجاب، من أصناف الحقد والكراهية التي صبها علي بابل العراق. يوحنا وحقده على بابل عبر يوحنا اللاهوتي عن حقده على بابل في رأياه التي ذيل بها العهد الجديد، مستلهماً ما جاء في التوراة من صنوف الحقد والكراهية والإدانة، التي اشتهر أنبياء بني إسرائيل بإنزالها بالشعوب والأمم الأخرى جميعها. فقد كان اللاهوتي قد رأى في روما أفظع خطر يهدد اليهودية في زمانه، ولذلك اسماها باسم بابل التي كان على

стр. 198

يدها سبى اليهود، لذلك فانه ـ كالسائد في زمانه ـ جسد روما في شخص نيرون، مثلما جسد أسلافه جبروت بابل في شخص نبوخذ نصر (١). وبالرغم من أن سفر الرؤيا كتب في جو من التطلع إلى ظهور المسيح المنتظر لينقذ المؤمنين من اضطهاد الدولة الرومانية في عهد نيرون، إلا أن الإشارة إلى بابل كرمز للشر والطغيان فهمه المسيحيون الأصوليون في أمريكيا وبريطانيا بحرفيته، بحيث أصبحت تطلعات اليهود ومن تبعهم من المسيحيين تدور حول شيء واحد هو التطلع إلى ظهور المسيح اليهودي المنتظر الذي سينقذ اليهود (شعب الله المختار) من آلامه ويملكه على العالم. "واغرب ما تضمنته معتقدات العالم الآخر اليهودي، هو محاكمة الأمم حيث تشهد محاكمة أعداء إسرائيل الأرضيين. ومجمل هذه المعتقدات مستوحى من حياة تشتت وصلت إلى مداها الأبعد، في الفترة الرومانية وولدت حقداً وكراهية لبقية الشعوب، وولدت آمالاً مأساوية بنهاية العالم لخدمة مصالح اليهود في عالم آخر مادي أو غير مادي للانتقام من أمم الأرض التي ناصبت اليهود العداء" (٢). جام الغضب على الفرات وعلى تل مجدو يصف يوحنا في رأياه سيناريو معركة هرمجيدون والمقدمات لها فيقول: "ثم سكب الملاك السادس جامه على النهر الكبير الفرات فجف ماؤه لكي يكون طريق الملوك القادمين من المشرق سالكاً، وجمعهم إلى الموضع الذي يقال له بالعبرية هرمجدون ـ تل مجدوـ وذكرت بابل العظيمة أمام الله ليعطيها كأس خمر غضبه" (سفر الرؤيا،١٦). ثم يضيف: "ثم جاء واحد من السبعة ملائكة الذين معهم السبعة جامات وقال لهم هلم فاريك دينونة العاهرة الكبرى الجالسة على المياه العديدة التي زنا بها ملوك الأرض وسكر سكان الأرض من خمر زناها وعلى جبهتها مكتوب لغز، بابل العظمى أم العاهرات ونجاسات الأرض ورأيت امرأة سكرى من دماء القديسين ومن ماء شهداء عيسى" (سفر الرؤيا، ١٧).

стр. 199

سقوط بابل (رؤيا، ١٨) ثم يتنبأ يوحنا اللاهوتي ـ اقصد اليهودي ـ بسقوط بابل وما سيحل بها من دمار فيقول: "ثم بعد هذا رأيت ملاكا آخر نازلاً من السماء له سلطان عظيم وصرخ بصوت عظيم سقطت بابل العظمى وصارت مسكناً للشياطين وملاذاً لكل روح نحسه وقفصاً لكل طائر نجس كريه لأنه من خمر غضب زناها شربت جميع الأمم وزنا بها ملوك الأرض، خطاياها وصلت عنان السماء، اسقوها من الكأس التي سقتكم منها وضاعفوا لها ضعفاً لقاء أعمالها، بقدر ذلك أعطوها عذاباً وحزناً. في يوم من الأيام سوف تأتيها الكوارث: الموت والأحزان والمجاعة وسوف تحترق بالنار كلياً، ورفع ملاك جبار حجر رحى عظيمة ورماه في البحر قائلاً: هكذا وبكل عنف سوف يلقى ببابل العظمى حتى لا يعد لها وجود بعد اليوم" (١). كورش وإعادة اليهود المسبيين لم يتمكن اليهود من العودة إلى القدس إلا بعد أن تمكن كورش الاخمينى من فتح بابل في عام٥٩٣ ق. م، حيث سار في فتوحاته حتى احتل سوريا وفلسطين ومن ضمنها أورشليم، فسمح لمن أراد من اليهود من أسرى نبوخذ نصر، بالرجوع إلى فلسطين، وأعاد إليهم كنوز الهيكل التي كان قد أخذها نبوخذ نصر وأمر بإعادة بناء الهيكل على نفقة بيت الملك (٢). وهذا الأمر بدوره يفسر السبب الذي من اجله أسبغ العهد القديم على قورش لقب المسيح رغم أن قورش كان وثنياً. يقول مدون (العهد القديم) أن كورش أطلق نداء في كل مملكته، وكذا بالكتابة قائلاً: "هكذا قال كورش ملك فارس: أن الرب اله السماء قد أعطاني جميع ممالك الأرض، وهو أوصاني بأن ابني له بيتاً في أورشليم، وعلى كل واحد من شعب الرب أن يرجع إلى هناك، وليكن الرب معكم" (سفر الأخبار الثاني ٣٦). ولذلك كان اشعيا يرى في كورش مخلصا اختاره الرب كي يخلص اليهود واعتز به اعظم الاعتزاز ورأى فيه المسيح المنتظر، لهذا عمل اشعيا على إقناع كبار المسبيين بخطة التعاون مع كورش وخيانة بابل

стр. 200

كخطوة أولى باتجاه العودة وعزم على تحويل أمل العودة واسترجاع الملك إلى إرادة فعالة مخططة والى عمل إيجابي" (١). يقول الرب على لسان اشعيا: "اسمع لي يا يعقوب، ويا إسرائيل الذي دعوته .. إن الرب أحب كورش، وهو ينفذ قضاءه على بابل ويكون ذراعه على الكلدانيين. لقد دعوت أنا بذاتي (كورش) وعهدت إليه بما أريد، وسأكلل أعماله بالنجاح. اقتربوا مني واسمعوا: منذ البدء لم أتكلم خفية، ولدى حدوثها كنت حاضراً هناك. هناك قد أرسلني السيد الرب وروحه بهذه الرسالة: "هذا ما يقوله الرب فاديك قدوس إسرائيل .. اكسروا أغلال الأسر. ارحلوا عن بابل. ارفعوا أصواتكم بالغناء حتى يذيع في أرجاء الدنيا أن الرب قد فدى عبده يعقوب. لم يعطشوا عندما اجتاز بهم الصحراء. فجر لهم المياه من الصخر. شقه فتدفقت منه المياه. أما الأشرار فلا سلام لهم يقول الرب" (اشعياء ٤٨، ١٢ـ٢٢). ثأر اليهود من العراق من نافلة القول أن الأسر البابلي لم يكن ليبرر حقداً يهودياً أبديا ضد بابل لقرون طويلة قادمة سوى أنهم خلدوه في العهد القديم. ولكن هذا العداء لم يكن مستغرباً طالما أن اليهود كانوا ينظرون إلى بابل أسوأ النظر ويضمرون لها اشد الحقد والعداء، فهي سابيتهم وسيدتهم وهم عبيدها وأسراها (٢). وهذه المعتقدات اليهودية الحاقدة علي البشرية هي التي تحرك حكام البيت الأبيض وبريطانيا تجاه المنطقة والعراق. فمنذ أن قام يوحنا بوصم بابل في رأياه، باللقب البغيض (أم العاهرات ونجاسات الأرض)، أصبحت بابل العراق مرتبطة فوراً في أذهان اليهود والمسيحيين الأصوليين - في الغرب بكل أوصاف الرذائل والطغيان والاضطهاد والفساد، وأصبحت عندهم إلى الأبد رمزاً لكل رذيلة ولكل شيء بغيض على وجه الأرض، حتى أن (القديس أوغسطين) نفسه في اعترافاته عن أيام صباه كتب: "انظروا مع أي نوع من الناس رتعت في شوارع بابل، وكيف تمرغت في وحولها كما

стр. 201

لو كنت دهاناً من الطيب والقرفة فتمسكت بسرتها، لأنه كان من السهل إغوائي". وعن والدته المتدينة البعيدة عن كل مجون كتب يقول: "والدتي التي تجري دماؤها في عروقي، ابتعدت كثيراً عن وسط بابل" (١). حتى إن جنود كرمويل، في غمار إسباغ هوية إسرائيل على أنفسهم، كان تركيزهم على بابل، حيث اتخذ التركيز طابعاً يهودياً خالصاً حيث كانوا يرددون: "سيف على الكلدانيين وعلى سكان بابل وعلى رؤسائها وعلى حكمائها. سيف على أبطالها. سيف على خيلها وعلى مركباتها. سيف على خزائنها فتنهب. حر على مياهها فتنشف" (سفر ارميا ٥٠:٣٥ـ٣٨). فإنجلترا، في هذيان الحمى التطهيرى، لم تصبح (مصر) و (ادوم) و (مواب) فحسب، بل باتت أيضاً (بابل). ومن نبع الكراهية المصفاة لبابل، بلد السبي، استمد جنود كرمويل بوصفهم إسرائيل المسبية في وطنهم إنجلترا ضراوة خاصة في مقاتلة "البابليين" أي جند شارل الأول" (٢). يقول الاستاذ محمد فاروق الزين: "ان من أكثر الألغاز حيرة وغموضاً أن يعرف المرء السبب الذي من اجله قررت الكنيسة في القرن الرابع أن تدرج (رؤيا يوحنا) ضمن الكتاب المقدس والأكثر غموضاً وحيرة كيف أن (الرؤيا) بعدما أصبحت سفراً من أسفار الكتاب المقدس، تركت هذا الأثر العجيب الذي لا يمحى عبر القرون ليس في العقل الغربي فحسب وإنما في عملية اتخاذ القرارات عند الغربيين تجاه منطقة الشرق الأوسط حتى بعد ألفي عام من الزمن. واليوم نجد في الغرب وفرة من الكتب التي تجد العلاقة صريحة بين عراق اليوم وبين بابل (أم العاهرات ونجاسات الأرض)، ومنها كتاب شارل تايلور بعنوان (صدام بابل العظيمة)، وكتاب شارل داير من ندوة دالاس اللاهوتية بعنوان (صعود بابل) وعلى غلافه صورة صدام، وحتى بعد هزيمة العراق ذكر شارل داير أن العراق قد يبرز من جديد بدور بابل نجاسات الأرض، وان صدام نفسه قد يعود للظهور بصورة (وحش الرؤيا) عدو المسيح فلا يستغرب المرء

стр. 202

إذاً أن تستمر العقوبات الاقتصادية على العراق دون أن تحقق غرضاً سوى معاناة الشعب العراقي" (١). ومن الجدير بالذكر أن (شامبرز) كان هو أول من نبه في كتبه إلى خطورة البابليين - أي العراقيين واعتبر أن البابليين سيكونون مرشحين لقيادة هذه العالم وانتزاع السيطرة من قوى عظمى مسيحيه ولذلك فهناك اعتقاد لدى البعض منهم بأن أمريكا إذا لم تنتصر على العراق وتبيدها في هذه الحرب فان العراق سيصبح في غضون سنوات قليله قوة عظمى يحسب لها ألف حساب، مما سينقل مركز الثقل الدولي إلى منطقة الشرق الأوسط وان التاريخ سيعيد كرته من جديد ويكتب للمسلمين السيطرة على العالم. كما أن نصوص سفر الرؤيا، فيها إغراء لليهود بقتال العراق وتدمير أهله بحجة أن فيها سبعة جبال من ذهب نقي. حيث تقول كتب التيار التجديدي للميسوديت: "أن العرقيين إذا نجحوا أولاً في السيطرة على الذهب وما يرتبط به من جبل الذهب، فإنهم قد يسيطرون على كل المنطقة وأنهم سيدفعون في اتجاه الحرب مع إسرائيل وان العرقيين سينتصرون على إسرائيل في هذه الحرب بل وسيزيلون هذه الدولة من الوجود وأنهم سيطورون المسجد الأقصى بدلاً من هدمه، وعندما يصل بهم الأمر إلى هذا الحد فإن ذلك يعنى عدم عودة المسيح وتأخيره إلى مئات الأعوام الأخرى حتى يتحقق الانتصار من جديد للعالم المسيحي اليهودي المشترك" (٢). وليس من شك أن أتباع الصهيونية المسيحية في أمريكا وبريطانيا، كانوا متشربين روح العهد القديم في النص الحاقد الذي يتحرق كاتبه لسحق رؤوس الأطفال البابليين بالحجارة "طوبى لمن يجازيك يا بابل كما جازيتنا، طوبى لمن يمسك أطفالك ويسحقهم على الصخور" (المزامير ـ المزمور ١٣٧). وليس هذا النص فقط، بل مئات غيرها وردت في التوراة وسفر الرؤيا صبت جام غضبها وحقدها، ولعناتها على بابل العراق. ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يستشهد (مناحيم بيغن) وهو يوقع معاهدة السلام مع مصر بالنص الحاقد السابق، أمام الرئيس أنور

стр. 203

السادات والرئيس جيمي كارتر، وفيه المطالبة بالثأر من العراق بسبب سبي نبوخذ نصر لليهود" (١). وهكذا يبدو أن ذوبان العراق ببابل، وذوبان بابل بالعراق، جعل الحقد اليهودي التاريخي يزداد ذوباناً في نفوس اليهود على امتداد كل العصور حتى عصرنا الحاضر، ضد العراق، وقد ارتضى العراق، أن يدفع، في كل عصر، ضريبة ذوبانه ببابل، وذوبان بابل فيه، باعتبار أن التخلي عن الأصل هو بحد ذاته تخل عن الهوية والانتماء والوجود برمته، وهذا ما لا يرضاه الشعب العراقي في أي زمان ومكان (٢).

стр. 204

الفصل الثالث الأصولية المسيحية وفكرة عودة المسيح تعتبر عقيدة المسيح المخلص، أو المسيح المنتظر، إحدى أركان العقيدة اليهودية الأساسية، التي ابتدعها اليهود أثناء السبي البابلي، وتتلخص هذه العقيدة في إيمان اليهود بمخلص من نسل داود، سوف يأتي في نهاية التاريخ، فيفدى شعب إسرائيل، وذلك بإنقاذه من النفي، والعودة به إلى الأراضي المقدسة، حيث يحطم أعداء إسرائيل، ويعيد بناء الهيكل، ويتخذ من أورشليم عاصمة له. وقد انتقلت هذه العقيدة وغيرها من الأفكار اليهودية إلى المسيحية، ولكن مع الفارق في الفهم والتفسير، ولكن جاءت البروتستانتية لتصبغ على هذه العقيدة نفس المعاني التي أرادها اليهود، فأصبح مسيحهم المنتظر، هو المسيح اليهودي بلحمه ودمه، وليس المسيح عيسى ﵇ الذي رفضه اليهود كما رفضته البروتستانتية، وأتباعها، مما يسمون المسيحيين الأصوليون، وأصبح مسيحهم هو المسيح اليهودي المحارب، وليس المسيح عيسى (رسول السلام). ولتوضيح كيفية ظهور هذه العقيدة في الفكر اليهودي بعد السبي البابلي سنلقي نظرة على تاريخ اليهود العبرانيين في فلسطين حتى تلك الفترة وكيف تحول هذا الفكر من تقافة الانفتاح إلى ثقافة الانغلاق والعنصرية والتعالى، فصنع لنفسه تاريخاً مزوراً قائم على الاحلام والتمنيات والاحقاد والاحساس بالاضطهاد، فكان لابد من الاستعانه بالثقافات الاخرى وتبنى اساطيرها وتأويلها وفقاً لمتطلباته. العبرانيون بنو اسرائيل سكن الإنسان أرض فلسطين منذ العصور الموغلة في القدم، وهناك آثار تعود إلى العصر الحجري القديم (٥٠٠ ألف - ١٤ ألف ق. م)، وخلال الألف الثالث قبل الميلاد هاجر إلى فلسطين العموريون (الأموريون) والكنعانيون، وكذلك اليبوسيون والفينقيون (وهما يعتبران من البطون الكنعانية)، وعلى ما يظهر فقد كانت هجرتهم إلى فلسطين حوالي ٢٥٠٠ ق. م. ويرى ثقات المؤرخين أن العموريين والكنعانيين

стр. 205

واليبوسيين والفينيقيين قد خرجوا من جزيرة العرب. وقد كانت هجرة الكنعانيين واسعة في تلك الفترة بحيث أصبحوا السكان الأساسيين للبلاد، وقبل قدوم العبرانيين اليهود بمئات السنين. اما العبريون فهم قبائل سامية تحدرت من شبه الجزيرة العربية وراحت ترتحل، شأنها شأن سائل القبائل، لتجوب منطقة الهلال الخصيب من بلاد ما بين النهرين إلى مصر لتستقر آخر الامر في فلسطين وتتحضر بعد استقرارها واتصالها بالثقافة الكنعانية. فهم موجة من موجات الهجرات الآرامية الكبرى، حيث ان بعض الآراميين لم يجدوا أرضاً لهم طوال مدة مديدة في تلكم الساحة التى انداحت فيها موجتهم أى فيما بين النهرين وسورية ومصر وفلسطين، فتحولوا إلى طبقه هامشيه لا ارض لهم و يؤجرون أنفسهم لأى عمل ... وهم يشكلون أحياناً كتائب مسلحة مرتزقة لخدمة الأمراء أو يؤلفون عصابات تقطع الطرق وتنشر الرعب في قلوب الضعفاء، ولهذا اطلق عليهم الـ (عبيرو) التى ترد في المدونات للمصرية (١). والخابيرو أو العابيرو، كلمة كلدانية تعني عابري الحدود أو المرتزقة. يقول فيليب حتي: "الخابيرو ليس اسماً عرقياً وإنما تسمية أطلقت على جماعات من الرحل والأجانب والأشقياء المستعدين للانضمام إلى صفوف أي جيش لقاء أجر أو بدافع الحصول على الغنائم" (٢). ولقد كان (سيناريو) هذه الهجرات هو نفسه دائماً، فالغزاة الرحل سواء منهم العموريون والآراميون والعبريون والأنباط ينتقلون في الهلال الخصيب من حياة الترحل إلى حياة الحضر متمثلين الحضارة الكنعانية الاصلية ليرفدوا هذه الحضارة عبر كل موجة بما لدى البداوة من فضائل (٣). فبنو اسرائيل بعد توغلهم في

стр. 206

فلسطين بقوا زمناً غير قليل محتفظين بصفات ومميزات سكان الصحاري في اخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم ونفورهم من كل انواع التغيير والتجديد (١). ولكنهم بعد ذلك - شأنهم شأن من سبقهم من مهاجرين رحل متحدرين من جذر واحد- قد استفادوا من الحضارة الكنعانية حينما استقروا في فلسطين وأغنوها على مدى ثلاثة قرون بما لديهم دون ان يلغوا اصالتها واستمراريتها (٢). وعندما جاء العصر البرونزي الوسيط (٢٠٠٠ - ١٥٥٠ ق. م) شهد النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد حكم الهكسوس الذين سيطروا على فلسطين خلال القرون (١٨ - ١٦ق. م) وعلى ما يظهر ففي هذا العصر (حوالي ١٩٠٠ق. م) قدم إبراهيم ﵇ ومعه ابن أخيه لوط ﵇ إلى فلسطين من (أور الكلدانيين) وقد غادر بلاده مع بعض أفراد عائلته ليعبد الله عملاً بما أنزل عليه من الوحي. فعشيرته كانت تعبد الاصنام، وهو كان مؤمناً موحداً. وكانت حاران (حران) تقع إلى الشمال الشرقي لما بين الفرات وخابور، أول محطة له، وفيها مات أبوه (تارح) فأكمل السير بعد وفاته حتى وصل إلى شكيم (نابلس) (٣). وقد كان إبراهيم ﵇ أول الأنبياء الذين نعلم أنهم عاشوا في فلسطين وماتوا فيها، وهو أبو الأنبياء فمن نسله جاء الكثير من الأنبياء كإسحاق ويعقوب ويوسف وإسماعيل ومحمد عليهم أفضل الصلاة والسلام. وعلى كل حال فإن أبا الأنبياء إبراهيم الخليل كان رسولاً من أولي العزم من الرسل، وكان له دوره الدعوي في نشر رسالة التوحيد في فلسطين حيث كان يؤسس المساجد ويقيم المحاريب لعبادة الله في كل مكان ذهب إليه. ويظهر أنه لم يجد عناء أو عنتاً من أهل فلسطين ولم يضطر لتركها بسبب دينه ودعوته فظل مستقراً يتنقل بحرية فيها حتى توفاه الله.

стр. 207

ولقد رزق ابراهيم من هاجر بابنه الأول اسماعيل، ثم رزق بابنه الثاني اسحق من زوجته سارة، ويعتبر اسماعيل جد العرب، كما يعتبر أخوه اسحاق جداً لليهود، وقد ولد لاسحاق عيسى ويعقوب، وقد ولد ليعقوب اثنا عشر ولدا يعتبر كل منهم أبا لسبط من أسباط اليهود، ومن أولاده كان يوسف الذي نقم عليه اخوته وحسدوه فباعوه إلى تجار مصر وادعوا أنه قتل، وفي مصر دخل يوسف في خدمة فرعون وأصبحت له سلطة واسعة فأرسل وراء أبيه واخوته، وهكذا انتقلت أسرة يعقوب إلى مصر (١). وعلى كل حال، يظهر أن يوسف وإخوته أبناء يعقوب (إسرائيل) نعموا بحرية العمل والعبادة في مصر وكان لهم دورهم في الدعوة إلى التوحيد، غير أن الأمر لم يستمر على حاله في أجيالهم المتعاقبة، فوقع بنو إسرائيل تحت الاضطهاد الفرعوني حتى أرسل الله موسى ﵇ إلى فرعون لإخراج بني إسرائيل منها إلى الأرض المقدسة، لان بنو إسرائيل كانوا في تلك الفترة هم أهل الحق وحملة راية التوحيد، وكان فرعن مصر في ذلك الزمان متكبراً متعجرفاً يدعي الألوهية، فقاد من آمن من قومه شرقاً فأتبعهم فرعون وجنوده، وحدثت قصة انشقاق البحر وإنقاذ الله سبحانه لبني إسرائيل وهلاك فرعون وجنوده. وبعد إنقاذ الله سبحانه لبني إسرائيل تبرز فصول معاناة موسى وهارون مع بني اسرائيل، ويظهر من صفات هؤلاء ضعف الإيمان والجهل والجبن، فمن كادوا يخرجون من البحر حتى أتوا على قوم يعبدون أصناماً، "قولوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة"!!!، ثم عندما يذهب موسى لميقات ربه يعبد قومه العجل رغم وجود هارون بينهم، وكادوا يقتلون هارون عندما نهاهم عن كفرهم. ثم يقود موسى بني إسرائيل باتجاه الأرض المقدسة ويقول لهم: "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين"، ولكنهم يختارون الارتداد على أدبارهم، "قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون"، ولا ينفع فيهم النصح فيكررون، "قالوا يا موسى إنا

стр. 208

لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فأذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون"، ويتألم موسى ﵇ ويلجأ إلى ربه "رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين"، ويستجيب الله لنبيه "قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض"، وهكذا يحكم عليهم بالتيه بعد أن كانوا على أبواب الأرض المقدسة، ويظهر أن الله سبحانه قد حرمها على هذا الجيل من بني إسرائيل حتى ينشأ جيل غيره يصلب عوده في جو من خشونة الصحراء، فهذا الجيل أفسده الذل والاستعباد والطغيان في مصر فلم يعد يصلح لهذا الأمر الجليل. وتوفي موسى ﵇ قبل أن يستطيع دخول الأرض المقدسة. وبعد أن نشأ جيل صلب جديد وبعد سنوات التيه قاد بني إسرائيل نبي لهم هو يوشع بن نون ﵇ ويسميه اليهود (يشوع) وهو الذي عبر بهم نهر الأردن وانتصر على أعدائه واحتل مدينة أريحا، وكان عبوره نهر الأردن حوالي ١١٩٠ ق، ثم استولوا على معظم جنوب فلسطين، وبقي الكنعانيون في قسم منها، كما بقي الفلسطينيون في القسم الغربي، ومنذ عهد القضاة وهو العهد الذي ابتدأ بعد وفاة يوشع، عاش الأقوام الثلاثة مئات السنين، تخللتها سلسلة من الحروب الكنعانية-الاسرائيلية (١). وعلى الرغم من محاولة القضاة إصلاح قومهم فقد ساد عصرهم الفوضى والنكبات والخلافات والانحلال الخلقي والديني، وقد استوطنوا في تلك الفترة في الأراضي المرتفعة المحيطة بالقدس وفي السهول الشمالية في فلسطين، حيث تغير نمط حياة العبريين تغيراً جذرياً لدى انغماسهم في قلب الحضارة الكنعانية، نعم لقد هجر هؤلاء البداة الجفاة خيامهم ليقيموا لهم بيوتاً على نمط بيوت الكنعانيين، ولقد خلعوا عنهم لباس جلود الخراف ليرتدوا الأنسجة الصوفية الملونة .. وحتى المعبد نفسه بنى على طراز اجنبى في مخططه وزخارفه (٢). ويصف المؤرخ (جيمس برستد) المدن الكنعانية المزهرة يوم دخلها العبرانيون بقوله: "إنها مدن فيها البيوت المترفة، وفيها الصناعة والتجارة والكتابة والمعابد، وفيها الحضارة التي سرعان ما

стр. 209

اقتبسها العبرانيون الرعاة البدائيون، فتركوا خيامهم وقلدوهم في بناء البيوت كما خلعوا الجلود التي ارتدوها في الصحراء وارتدوا الثياب الصوفية الزاهية الألوان، وبعد فترة لم يعد في الإمكان أن يفرق المرء بين الكنعانيين والعبرانيين بالمظهر الخارجي، فقد اقتبسوا الحضارة الكنعانية كما يقتبس المهاجرون الجدد إلى أمريكا في يومنا هذا طرق المعيشة الأمريكية" (١). فالشعب العبري وهو يتنقل من حياة الترحل إلى الحياة المستقرة السائدة لدى المزارعين وساكني المدن في كنعان كان قد تمثل حضارتهم ولغتهم وكتابتهم بل أنماط عبادتهم واختلط بالسكان الأصليين عن طريق الزواج. واذا استثنينا معارك بعض قادتهم كيشوع وداوود وبعض غزواتهم العابرة يمكن القول إنهم قد تعايشوا مع أهل البلاد أحسن تعايش (٢). وقد امتد عهد القضاة قرناً ونصف قرن من الزمن، حكم خلاله اثنا عشر قاضياً كان آخرهم صموئيل، واتفق الاسرائيليون بمشورة صموئيل نفسه على تعيين (شاول بن قيس) ملكا عليهم لتوحيد قبائلهم، غير أنه قتل في إحدى حروبه مع الفلسطينيين، وجاء بعده الملك داوود سنة (١٠١٠ق. م-٩٧١ ق. م) ومن بعده سليمان (٩٧١ ق. م-٩٣١ ق. م) وكان عهده عهد سلام لا حرب على العكس من أبيه، كما عرف بالحكمة، ونشاطه التجاري. وبعد وفاة سليمان انقسمت مملكته إلى قسمين شكّلا دولتين منفصلتين متعاديتين في كثير من الأحيان، وعانتا من الفساد الداخلي والضعف العسكري والسياسي والنفوذ الخارجي، لكن ذلك لم يستمر طويلاً وانتهى حكم القضاة على يد الأشوريين سنة ٧٢٤ ق. م، وفي عهد (نبوخذ نصر الكلداني) في القرن الخامس قبل الميلاد حدث سبي بابل وحكم الكلدانيون فلسطين (٣).

стр. 210

حركة الأنبياء (ثقافة الانفتاح) بدأت حركة الأنبياء مع الهزات الكبيرة في تاريخ اسرائيل منذ منتصف القرن الثامن ق. م. ولم يكتف الانبياء بالتنبؤ بالكارثة مشيرين إلى انها عقاب من يهوه على شعبه الجاحد بل راحوا يرسمون له رؤى مستقبلية تتجاوز النكبة. لقد انجز الانبياء نقله نوعية ضخمة في هذه العقيدة واحتفضوا بما فيها من جوهر وهو أن للتاريخ معنى، ولكنهم لم يعودوا يبحثون عن هذا المعنى في الماضي وفي الوعد بالأرض والسلطة لصالح شعب واحد فحسب يدين بانتصاراته لمشيئة الله ... بل راحوا يفتحون هذا التاريخ على المستقبل ليعطوه مغزى كونياً: فالهزائم والانتصارات عل حد سواء هى جزء من مشروع الهي. وفي هذا المنظور الجديد يمكن أن ينظر إلى ملك آشور وملك بابل الجديدة نبوخذ نصر وقورش ملك فارس على أنهم أداة تنفذ الإرادة الإلهية. وهكذا وعلى الرغم من ضعف مكانة اسرائيل السياسية ظلت محوراً للتاريخ: فالانهزامات والانتصارات كلها مظاهر تترجم عن مشروع الله تجاه (شعبه) (١). فعندما قام الملك الآشوري شلمنصر الخامس، ومن بعده سرجون الثاني بتأديب هوشع آخر ملوك (إسرائيل) وقضى على دولته سنة ٧٢١ ق. م، وقام الآشوريون بنقل سكان إسرائيل إلى حران والخابور وكردستان وفارس وأحلوا مكانهم جماعات من الآراميين، فان ذلك لم يكن الا عقاب الهي لليهود لعدم التزامهم بالعهد والشريعه. فمملكة (يهودا ٩٢٣ - ٥٨٦ ق. م) انتشرت فيها العبادة الوثنية وفسدت أخلاق القوم بشيوع اللواط، ويقال ان احد ملوكهم يوحاز بن يوتام علق قلبه بحب الأوثان حتى إنه ضحى بأولاده على مذابح الآلهة الوثنية وأطلق لنفسه عنان الشهوات والشرور، وأضل منسي بن حزقيا قومه عن عبادة الله وأقام معابد وثنية. ولهذا قإن أشعيا بعد ان فضح - في القرن السابع ق. م، وأرميا في القرن السادس- عيوب قادة اسرائيل وخيانتهم للعهد الأول بشرا بعهد جديد، عهد يمتاز باسيحائه الوجدان الداخلي وبانفتاحه على ماهو عالمي. على هذا فإن انجاز هذا

стр. 211

الوعد لن يتحقق لا بممارسة طقوس حرفية ولا بنصر مؤزر يعد به الله. وهاهنا تظهر - اول مره- في النصوص العبرية لدى اشعيا تلك العلاقة بين فكرة المخلص وبين فكرة (المتألم الصالح) التي ستظهر في سفر أيوب في القرن السادس كما عبرت عنها سابقاً الأدبيات الدينية البابلية في الألف الثاني ق. م. يقول سفر اشعيا: "أنه رجل الآلام .. لقد حمل عنا آلامنا .. وقتل بسبب جرائمنا". وهذا العهد كما قلنا يمتاز بانفتاحه على العالمي. صحيح ان العبريين قد نقلوا (رسالة) وأنهم من هنا امتازوا بعض الامتياز بالقياس إلى الشعوب الأخرى، ولكن مع مجئ كبار الانبياء كان تجاوز لهذه (الاستثنائية) والعنجهية القبلية. جاء في سفر أشعيا: "سأجعل منك نوراً للأمم حتى يعم سلامي وخلاصي أقاصي الأرض" (١). إن الانبياء لم يقتصروا على القول بالانتقال من الخصوصية إلى العالمية فحسب وإنما تشكلت على أيديهم عملية تحول حقيقية في مفهوم القيم، فمقولات الإيمان التقليدية مازالت قائمة ولكنها عرفت تحولاً روحياً نوعياً. وهكذا لم يعد الوعد خاصاً بامتلاك أرض أو بتحقيق نصر عسكري. جاء في المزامير: "مجدوا اسم يهوه .. لقد انتصر على الملوك الأقوياء .. وأهلك الملوك الأشداء وجعل من أرضهم إرثاً لنا". لقد صار الوعد تبشيراً بملكوت الله الذي يشمل العالم ليغمره بالسلام والمحبة بين الشعوب. يقول أشعيا على لسان يهوه: "سوف اخلق لكم سماوات وأرضاً جديدة .. حينئذ ستقبل عليها كل الأمم .. سنجعل من حرابنا مناجل للحصاد ومن سيوفنا محاريث للفلاحة ولن يتعلم أولادنا فنون الحرب". ان تحقيق الوعد لا يكون بتمركز البدو الرحل الآخذين بالتحضر في أرض خصبة هي (أرض الميعاد) ولا بقيام دولة كمملكة داوود، وانما بمجئ ملكوت الله (٢). السبي البابلي بعد وفاة سيدنا سليمان انقسمت مملكته إلى قسمين شكّلا دولتين منفصلتين متعاديتين في كثير من الأحيان، وعانتا من الفساد الداخلي والضعف العسكري

стр. 212

والسياسي والنفوذ الخارجي، لكن ذلك لم يستمر طويلاً (١). ففي عام ٦٣٩ ق. م قتل منسي، ملك يهودا، وحينما أصبح ابنه (جوزياس) راشداً استغل ضعف مصر وسقوط المملكة الآشورية فحاول ان يسترجع استقلاله ليعيد إقامة مملكة داوود بالسيادة على مملكة الشمال. وفي عام ٦٢١ ق. م وفي اثناء ترميم المعبد في اورشليم (اكتشف) بل نبش (كتاب الشريعه) الذي قدمه الكاهن الاكبر للمعبد إلى الملك. وقد قام جوزياس مستغلاً فرصة عجز الآشوريين عن فرض عباداتهم الخاصة فألح على الالتزام الصارم الدقيق بهذا التشريع فجمع شيوخ يهودا في المعبد وأعلن عليهم حسب التقاليد القديمة في سيناء حلفاً مشتركاً بين يهوة وشعبه. وكان ذلك خطوة هامة على طريق إعادة الوحدة فيما بين المملكتين على اساس قانون مشترك يقوم على الحق الإلهي. ولكن الوضع الدولي لم يهيئ سبل النجاح أمام مشروع جوزياس، حيث قام جوزياس بمهاجمة فرعون مصر وهو يمر بجيشه بفلسطين عام ٦٠٩ ق. م. وكان اللقاء بالقرب من (مجدو) حيث غُلب جوزياس وقتل في المعركة ... وهكذا انهار مشروعه السياسي وأصبحت فلسطين مقاطعة تابعة لمصر. ولكن هذه التبعية لم تدم طويلاً حيث قام ملك بابل نبوخذ نصر منذ عام ٦٠٥ ق. م بسحق الفرعون واسترجاع فلسطين منه ... وعندما حكم يهوياكين ٥٩٨ - ٥٩٧ ق. م حاول ان يتخلص من سيطرة بابل، بالتحالف مع مصر فحاصر بنوخذ " القدس وأخذ الملك مع عائلته ورؤساء اليهود وحوالي عشرة آلاف من سكانها (فيما يعرف بالسبي الأول) وبعض خزائن الهيكل إلى بابل، ثم إن بختنصر عيّن صدقيا بن يوشيا ٥٩٧ - ٥٨٦ ق. م حيث أقسم له يمين الولاء، غير أن صدقيا في آخر حكمه ثار على البابليين الذين ما لبثوا أن زحفوا للقدس وحاصروها ١٨ شهراً حتى أسقطوها، وأخذ صدقيا أسيراً وربط بالسلاسل من نحاس وسيق إلى بابل، حيث يذكر أنه قتل أبناؤه أمامه وسملت عيونه، وخرب نبوخذ نصر القدس ودمر الهيكل ونهب الخزائن والثروات، وجمع حوالي ٤٠ ألفاً من اليهود وسباهم إلى بابل "السبي البابلي الثاني". وهاجر من بقي من

стр. 213

يهود إلى مصر ومنهم النبي إرمياه، وبذلك سقطت مملكة يهودا ٥٨٦ ق. م .... وهكذا اختفت سلالة داوود الملكية، رمز الوعود والآمال واختفى معها الأمل بالسيطرة الشاملة ... واستمرت حياة الشعب العبري في فلسطين بدون ملوكه وبدون ارستقراطيته الكهنوتية والتجارية (١). وفي الفترة البابلية كان معظم الاسرائيليين، بما في ذلك سكان يهودا، من الوثنيين خلال الجانب الاعظم من هذه الحقبة، فقط قلة قليلة من الاسرائيليين اتبعوا النزعات التي انبثقت منها اليهودية في وقت لاحق (٢). وهنا يسجل التلمود أن سقوط دولة اليهود وتدميرها لم يكن إلا "عندما بلغت ذنوب بني إسرائيل مبلغها وفاقت حدود ما يطيقه الإله العظيم، وعندما رفضوا أن ينصتوا لكلمات وتحذيرات إرمياه". وبعد تدمير الهيكل وجه النبي إرمياه كلامه إلى نبوخذ نصر والكلدانيين قائلاً: "لا تظن أنك بقوتك وحدها استطعت أن تتغلب على شعب الله المختار، إنها ذنوبهم الفاجرة التي ساقتهم إلى هذا العذاب". وتشير التوارة إلى آثام بني إسرائيل التي استحقوا بسببها سقوط مملكتهم، فتذكر على لسان أشعيا أحد أنبيائهم: "ويل للأمة الخاطئة، الشعب الثقيل الآثم، نسل فاعلي الشر، أولاد مفسدين تركوا الرب، استهانوا بقدوس إسرائيل، ارتدوا إلى وراء" (٣). وتقول ايضاً: "والأرض تدنست تحت سكانها لأنهم تعدوا الشرائع، غيروا الفريضة، نكثوا العهد الأبدي" (٤). حياة السبي وأثرها في تشكيل الشخصية اليهودية تعتبر حقبة السبي البابلي نقطة تحول هامة في تاريخ اليهود، إذ شهدت مخاضاً عسيراً، انتهت بولادة دين جديد، وفكر جديد، وتاريخ جديد للشعب اليهودي. فخلال فترة السبي، أعاد علماء اليهود كتابة تاريخ الشعب اليهودي حسب وجهة نظر جماعة الفريسيين، فحلت تقاليد جديدة بدلاً من القديمة، ونشأت مبادئ الانعزال اليهودي،

стр. 214

والابتعاد عن المؤثرات الدينية والثقافية لدى الشعوب الأخرى، وكان من نتائج ذلك أن شحنت العقائد الجديدة للشعب اليهودي بالحقد على البشرية، وغرست في نفسه فكرة الحصول على (الوعد) من الرب بتملك العالم، والسيطرة على سائر الشعوب (١)، عن طريق مسيح مخلص ينتقم لهم من الشعوب التي اضطهدتهم. وهكذا وضع الفريسيون الأسس التي قامت عليها الشخصية اليهودية خلال العصور القادمة، بحيث انه لا يمكن تحليل هذه الشخصية من دون تظهير جذور العنف الكامن فيها، والكشف عن أصالته التوراتية التلموديه، والتي تشكل أساسا معرفيا يتحكم بأنماط السلوك للجماعات اليهودية، ويوجه ردود أفعالها في كل المراحل. ويعجب المرء وهو يتابع قراءته المتأنية للفكر اليهودي، من خلال توقيعاته في الخطاب التوراتي المتداول فيما بينهم، وذلك لما يجده من طروحات تلبس رداء القداسة، وتدعي أن مصدرها السماء، وهي ليست أكثر من أوهام وأحقاد وضغائن يندر وجودها في فكر ومعتقدات أي أمة بغض النظر عن مصدرها، وضعياً كان، أم غير ذلك (٢). فحقبة السبي البابلي تعتبر نقطة تحول هامة في تاريخ اليهود، حيث كان تاريخهم بعد موت سيدنا سليمان، تاريخ تدهور وانحلال، وفي السبي البابلي زاد من وطأة شعورهم بهذا التاريخ العاثر، شعورهم بالاضطهاد، وكان للظواهر المقلقة في نفوسهم والأحوال الاجتماعية المضطربة في حياتهم، انعكاس واضح الأثر في مشاعرهم النفسية الجياشة، فحفلت الآثار الأدبية التي وضعها هناك كهنتهم وشعراؤهم، بالمرثيات الشعرية الضافية، تندب حظ اليهود العاثر وتعبر عن آمالهم بالخلاص مما يعانون من ذل الأسر ومحنة السبي، ورهق التشريد، والعودة إلى فلسطين ونما في نفوسهم توق ونزوع إلى مخلص ينقذهم من عار الخيبات التي منوا ويمنون بها، ويخلصهم من الاضطهاد الذي يلحق بهم، أو من الشعور بالاضطهاد الذي يعانون منه (٣).

стр. 215

فبعد السبي والتشتت، ومعاناة الشعور بالقهر، والتشرد، والخوف، وعدم الاستقرار، التي عاشها اليهود خلال السبي، لم يبق لليهود ما يبث في نفوسهم الهدوء، ويدب في روعهم الاطمئنان، غير الآمال يزرعها أنبياؤهم في صدورهم، وغير الأحلام ينشرونها في وجوههم المتعبة، وكان مدونو العهد القديم من البراعة أن يجعلوا من هذه الأماني والأحلام، نبوءات تدفق في نفوسهم الرجاء بأن يهوه (الرب) سيفتقدهم، وينقذهم من عذاب الأسر وذل السبي، ويعيدهم إلى (أرض الميعاد) فكان الوعد بيوم الرجاء بالخلاص الآتي، ورسخت في أذهانهم فكرة المسيح المخلص، الذي يأتي في سطوة زمنية وينقذهم مما صاروا إليه من ذل وهوان، ويعيد لهم مجد داود وسليمان، وكانت رأياهم عن المسيح المنتظر، ملكا من نسل داود، مملكته في الدنيا، يخضع الشعوب لسيطرتهم، ويضع أقدامهم فوق رقاب الأمم. يقول النبي أشعيا: "ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى (والد داود) القائم راية للشعوب، إياه تطلب الأمم، ويكون محله ممجداً، ويكون في ذلك اليوم أن السيد (يهوه) يعيد يده ثانية، ليقتني بقية شعبه التي بقيت من أشور، ومن مصر، ومن فتروس، ومن كوش، ومن عيلا، ومن شنعار، ومن حماة، ومن جزائر الأمم، ويرفع راية للأمم، يجمع منفيي إسرائيل، ويضم مشتتي يهوذا، من أربعة أطراف الأرض، فينقضان على أكتاف الفلسطينيين غرباً، وينهبون بني المشرق معاً، يكون على ادوم ومؤاب امتداد يدهما، وبني عمون في طاعتهما". (سفر أشعيا ١١، ١٠ـ١٤) فحياة السبي التي عاناها اليهود عمقت في نفوسهم عقدة الحقد والكراهية للشعوب، كل الشعوب، ولم يبق لهم ما يروون به غلة الحقد والانتقام غير الحلم ـ النبوءة، فكان اعتقادهم بمجيء المسيح الملك لينتقم لهم من أمم الأرض، وكان الحلم ـ الرؤيا أن أصل يسى (داود) ـ المسيح، يقوم رأيه للشعوب في ذلك اليوم ينقضان على أكتاف الفلسطينيين، وينهبون بني المشرق، ويخضعون أدوم ومؤاب وبني عمون ـ الشعوب التي قهرتهم وأذلتهم، ثم قذفتهم خارج تخومها عندما رأتهم
следующие страницы →