← Общие книги

Общие книги · id 36505

الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم

يوسف الطويل

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الوعد لن يتحقق لا بممارسة طقوس حرفية ولا بنصر مؤزر يعد به الله. وهاهنا تظهر - اول مره- في النصوص العبرية لدى اشعيا تلك العلاقة بين فكرة المخلص وبين فكرة (المتألم الصالح) التي ستظهر في سفر أيوب في القرن السادس كما عبرت عنها سابقاً الأدبيات الدينية البابلية في الألف الثاني ق. م. يقول سفر اشعيا: "أنه رجل الآلام .. لقد حمل عنا آلامنا .. وقتل بسبب جرائمنا". وهذا العهد كما قلنا يمتاز بانفتاحه على العالمي. صحيح ان العبريين قد نقلوا (رسالة) وأنهم من هنا امتازوا بعض الامتياز بالقياس إلى الشعوب الأخرى، ولكن مع مجئ كبار الانبياء كان تجاوز لهذه (الاستثنائية) والعنجهية القبلية. جاء في سفر أشعيا: "سأجعل منك نوراً للأمم حتى يعم سلامي وخلاصي أقاصي الأرض" (١). إن الانبياء لم يقتصروا على القول بالانتقال من الخصوصية إلى العالمية فحسب وإنما تشكلت على أيديهم عملية تحول حقيقية في مفهوم القيم، فمقولات الإيمان التقليدية مازالت قائمة ولكنها عرفت تحولاً روحياً نوعياً. وهكذا لم يعد الوعد خاصاً بامتلاك أرض أو بتحقيق نصر عسكري. جاء في المزامير: "مجدوا اسم يهوه .. لقد انتصر على الملوك الأقوياء .. وأهلك الملوك الأشداء وجعل من أرضهم إرثاً لنا". لقد صار الوعد تبشيراً بملكوت الله الذي يشمل العالم ليغمره بالسلام والمحبة بين الشعوب. يقول أشعيا على لسان يهوه: "سوف اخلق لكم سماوات وأرضاً جديدة .. حينئذ ستقبل عليها كل الأمم .. سنجعل من حرابنا مناجل للحصاد ومن سيوفنا محاريث للفلاحة ولن يتعلم أولادنا فنون الحرب". ان تحقيق الوعد لا يكون بتمركز البدو الرحل الآخذين بالتحضر في أرض خصبة هي (أرض الميعاد) ولا بقيام دولة كمملكة داوود، وانما بمجئ ملكوت الله (٢). السبي البابلي بعد وفاة سيدنا سليمان انقسمت مملكته إلى قسمين شكّلا دولتين منفصلتين متعاديتين في كثير من الأحيان، وعانتا من الفساد الداخلي والضعف العسكري

стр. 212

والسياسي والنفوذ الخارجي، لكن ذلك لم يستمر طويلاً (١). ففي عام ٦٣٩ ق. م قتل منسي، ملك يهودا، وحينما أصبح ابنه (جوزياس) راشداً استغل ضعف مصر وسقوط المملكة الآشورية فحاول ان يسترجع استقلاله ليعيد إقامة مملكة داوود بالسيادة على مملكة الشمال. وفي عام ٦٢١ ق. م وفي اثناء ترميم المعبد في اورشليم (اكتشف) بل نبش (كتاب الشريعه) الذي قدمه الكاهن الاكبر للمعبد إلى الملك. وقد قام جوزياس مستغلاً فرصة عجز الآشوريين عن فرض عباداتهم الخاصة فألح على الالتزام الصارم الدقيق بهذا التشريع فجمع شيوخ يهودا في المعبد وأعلن عليهم حسب التقاليد القديمة في سيناء حلفاً مشتركاً بين يهوة وشعبه. وكان ذلك خطوة هامة على طريق إعادة الوحدة فيما بين المملكتين على اساس قانون مشترك يقوم على الحق الإلهي. ولكن الوضع الدولي لم يهيئ سبل النجاح أمام مشروع جوزياس، حيث قام جوزياس بمهاجمة فرعون مصر وهو يمر بجيشه بفلسطين عام ٦٠٩ ق. م. وكان اللقاء بالقرب من (مجدو) حيث غُلب جوزياس وقتل في المعركة ... وهكذا انهار مشروعه السياسي وأصبحت فلسطين مقاطعة تابعة لمصر. ولكن هذه التبعية لم تدم طويلاً حيث قام ملك بابل نبوخذ نصر منذ عام ٦٠٥ ق. م بسحق الفرعون واسترجاع فلسطين منه ... وعندما حكم يهوياكين ٥٩٨ - ٥٩٧ ق. م حاول ان يتخلص من سيطرة بابل، بالتحالف مع مصر فحاصر بنوخذ " القدس وأخذ الملك مع عائلته ورؤساء اليهود وحوالي عشرة آلاف من سكانها (فيما يعرف بالسبي الأول) وبعض خزائن الهيكل إلى بابل، ثم إن بختنصر عيّن صدقيا بن يوشيا ٥٩٧ - ٥٨٦ ق. م حيث أقسم له يمين الولاء، غير أن صدقيا في آخر حكمه ثار على البابليين الذين ما لبثوا أن زحفوا للقدس وحاصروها ١٨ شهراً حتى أسقطوها، وأخذ صدقيا أسيراً وربط بالسلاسل من نحاس وسيق إلى بابل، حيث يذكر أنه قتل أبناؤه أمامه وسملت عيونه، وخرب نبوخذ نصر القدس ودمر الهيكل ونهب الخزائن والثروات، وجمع حوالي ٤٠ ألفاً من اليهود وسباهم إلى بابل "السبي البابلي الثاني". وهاجر من بقي من

стр. 213

يهود إلى مصر ومنهم النبي إرمياه، وبذلك سقطت مملكة يهودا ٥٨٦ ق. م .... وهكذا اختفت سلالة داوود الملكية، رمز الوعود والآمال واختفى معها الأمل بالسيطرة الشاملة ... واستمرت حياة الشعب العبري في فلسطين بدون ملوكه وبدون ارستقراطيته الكهنوتية والتجارية (١). وفي الفترة البابلية كان معظم الاسرائيليين، بما في ذلك سكان يهودا، من الوثنيين خلال الجانب الاعظم من هذه الحقبة، فقط قلة قليلة من الاسرائيليين اتبعوا النزعات التي انبثقت منها اليهودية في وقت لاحق (٢). وهنا يسجل التلمود أن سقوط دولة اليهود وتدميرها لم يكن إلا "عندما بلغت ذنوب بني إسرائيل مبلغها وفاقت حدود ما يطيقه الإله العظيم، وعندما رفضوا أن ينصتوا لكلمات وتحذيرات إرمياه". وبعد تدمير الهيكل وجه النبي إرمياه كلامه إلى نبوخذ نصر والكلدانيين قائلاً: "لا تظن أنك بقوتك وحدها استطعت أن تتغلب على شعب الله المختار، إنها ذنوبهم الفاجرة التي ساقتهم إلى هذا العذاب". وتشير التوارة إلى آثام بني إسرائيل التي استحقوا بسببها سقوط مملكتهم، فتذكر على لسان أشعيا أحد أنبيائهم: "ويل للأمة الخاطئة، الشعب الثقيل الآثم، نسل فاعلي الشر، أولاد مفسدين تركوا الرب، استهانوا بقدوس إسرائيل، ارتدوا إلى وراء" (٣). وتقول ايضاً: "والأرض تدنست تحت سكانها لأنهم تعدوا الشرائع، غيروا الفريضة، نكثوا العهد الأبدي" (٤). حياة السبي وأثرها في تشكيل الشخصية اليهودية تعتبر حقبة السبي البابلي نقطة تحول هامة في تاريخ اليهود، إذ شهدت مخاضاً عسيراً، انتهت بولادة دين جديد، وفكر جديد، وتاريخ جديد للشعب اليهودي. فخلال فترة السبي، أعاد علماء اليهود كتابة تاريخ الشعب اليهودي حسب وجهة نظر جماعة الفريسيين، فحلت تقاليد جديدة بدلاً من القديمة، ونشأت مبادئ الانعزال اليهودي،

стр. 214

والابتعاد عن المؤثرات الدينية والثقافية لدى الشعوب الأخرى، وكان من نتائج ذلك أن شحنت العقائد الجديدة للشعب اليهودي بالحقد على البشرية، وغرست في نفسه فكرة الحصول على (الوعد) من الرب بتملك العالم، والسيطرة على سائر الشعوب (١)، عن طريق مسيح مخلص ينتقم لهم من الشعوب التي اضطهدتهم. وهكذا وضع الفريسيون الأسس التي قامت عليها الشخصية اليهودية خلال العصور القادمة، بحيث انه لا يمكن تحليل هذه الشخصية من دون تظهير جذور العنف الكامن فيها، والكشف عن أصالته التوراتية التلموديه، والتي تشكل أساسا معرفيا يتحكم بأنماط السلوك للجماعات اليهودية، ويوجه ردود أفعالها في كل المراحل. ويعجب المرء وهو يتابع قراءته المتأنية للفكر اليهودي، من خلال توقيعاته في الخطاب التوراتي المتداول فيما بينهم، وذلك لما يجده من طروحات تلبس رداء القداسة، وتدعي أن مصدرها السماء، وهي ليست أكثر من أوهام وأحقاد وضغائن يندر وجودها في فكر ومعتقدات أي أمة بغض النظر عن مصدرها، وضعياً كان، أم غير ذلك (٢). فحقبة السبي البابلي تعتبر نقطة تحول هامة في تاريخ اليهود، حيث كان تاريخهم بعد موت سيدنا سليمان، تاريخ تدهور وانحلال، وفي السبي البابلي زاد من وطأة شعورهم بهذا التاريخ العاثر، شعورهم بالاضطهاد، وكان للظواهر المقلقة في نفوسهم والأحوال الاجتماعية المضطربة في حياتهم، انعكاس واضح الأثر في مشاعرهم النفسية الجياشة، فحفلت الآثار الأدبية التي وضعها هناك كهنتهم وشعراؤهم، بالمرثيات الشعرية الضافية، تندب حظ اليهود العاثر وتعبر عن آمالهم بالخلاص مما يعانون من ذل الأسر ومحنة السبي، ورهق التشريد، والعودة إلى فلسطين ونما في نفوسهم توق ونزوع إلى مخلص ينقذهم من عار الخيبات التي منوا ويمنون بها، ويخلصهم من الاضطهاد الذي يلحق بهم، أو من الشعور بالاضطهاد الذي يعانون منه (٣).

стр. 215

فبعد السبي والتشتت، ومعاناة الشعور بالقهر، والتشرد، والخوف، وعدم الاستقرار، التي عاشها اليهود خلال السبي، لم يبق لليهود ما يبث في نفوسهم الهدوء، ويدب في روعهم الاطمئنان، غير الآمال يزرعها أنبياؤهم في صدورهم، وغير الأحلام ينشرونها في وجوههم المتعبة، وكان مدونو العهد القديم من البراعة أن يجعلوا من هذه الأماني والأحلام، نبوءات تدفق في نفوسهم الرجاء بأن يهوه (الرب) سيفتقدهم، وينقذهم من عذاب الأسر وذل السبي، ويعيدهم إلى (أرض الميعاد) فكان الوعد بيوم الرجاء بالخلاص الآتي، ورسخت في أذهانهم فكرة المسيح المخلص، الذي يأتي في سطوة زمنية وينقذهم مما صاروا إليه من ذل وهوان، ويعيد لهم مجد داود وسليمان، وكانت رأياهم عن المسيح المنتظر، ملكا من نسل داود، مملكته في الدنيا، يخضع الشعوب لسيطرتهم، ويضع أقدامهم فوق رقاب الأمم. يقول النبي أشعيا: "ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى (والد داود) القائم راية للشعوب، إياه تطلب الأمم، ويكون محله ممجداً، ويكون في ذلك اليوم أن السيد (يهوه) يعيد يده ثانية، ليقتني بقية شعبه التي بقيت من أشور، ومن مصر، ومن فتروس، ومن كوش، ومن عيلا، ومن شنعار، ومن حماة، ومن جزائر الأمم، ويرفع راية للأمم، يجمع منفيي إسرائيل، ويضم مشتتي يهوذا، من أربعة أطراف الأرض، فينقضان على أكتاف الفلسطينيين غرباً، وينهبون بني المشرق معاً، يكون على ادوم ومؤاب امتداد يدهما، وبني عمون في طاعتهما". (سفر أشعيا ١١، ١٠ـ١٤) فحياة السبي التي عاناها اليهود عمقت في نفوسهم عقدة الحقد والكراهية للشعوب، كل الشعوب، ولم يبق لهم ما يروون به غلة الحقد والانتقام غير الحلم ـ النبوءة، فكان اعتقادهم بمجيء المسيح الملك لينتقم لهم من أمم الأرض، وكان الحلم ـ الرؤيا أن أصل يسى (داود) ـ المسيح، يقوم رأيه للشعوب في ذلك اليوم ينقضان على أكتاف الفلسطينيين، وينهبون بني المشرق، ويخضعون أدوم ومؤاب وبني عمون ـ الشعوب التي قهرتهم وأذلتهم، ثم قذفتهم خارج تخومها عندما رأتهم

стр. 216

ينغلقون على نفسهم في قوقعة التعصب المتحجرة والعنصرية الشوهاء، ويصلون الشعوب، كل الشعوب، بنار الحقد والكراهية (١). لقد كان اليهود أقليات متناثرة، تعيش في قلق وخوف وإحساس بالخطر المحدق بها (الحقيقي والوهمي)، وكانت غير محبوبة في المجتمعات التي تعيش فيها، وكانت قريبة من الطبقات الشعبية، ولكنها مكروهة منها، لأنها كانت تعيش في عزله عن الجميع. وقد نتج عن هذا الوضع الشاذ، إحساس زائد بالذات، ولذا فقد أعضاء الجماعات اليهودية وقياداتهم قدراً كبيراً من علاقتهم بالواقع، وانفصل فكرهم عنه، وأصبحت النبوءات مجالاً للتعويض عما يلاقونه من اضطهاد، فتحولت نبوءات أنبيائهم إلى صياغات لفظية، يمارسون من خلالها الانتقام من أعدائهم، عن طريق الحط من شأنهم وإظهار التفوق اليهودي، خصوصاً في آخر الأيام بعد عودة المسيح حيث يبطشون، ويبطش ربهم بكل أعدائهم. وقد كان أنبيائهم ينغمسون في هذه التهويمات اللفظية، في الوقت الذي كانوا يعانون فيه صنوف العذاب، ويعاملون معاملة الحيوان في بعض الأحيان (٢). تاريخ بالتمني عاش بنو إسرائيل بين الأمم، والمماليك الراقية، الممتازة عليهم غنى وحضارة وقوة، وكانوا لضعفهم وفقرهم وقلة شأنهم، يتلظون بنار الحسد من الممالك الأخرى ذوات الحضارات العريقة، لوفرة ما تراه فيه من خصب، ما يفاض عليها من وفر ورخاء. فكان أنبياؤهم ينفظون ضعفاً وسخيمه (تغلي صدورهم حقدا وضغينة) ويحقدون على عظمتها، ويرجون موتها، وتحطيمها من قبل إلههم يهوه، ليقيم لهم مملكة أرضية على أنقاضها. فعندما لم يستطيعوا تسديد ضرباتهم المعهودة إلى المصريين، الضربات التي اشتهروا بإنزالها بالأفراد والأقوام المطمئنة مباغتة وغدرا، ابتكروا وسيلة أخرى للنيل من المصريين الذين أعطوا مثلاً رائعاً في المحبة والرحمة، والحنو الصادق وحسن المعاملة. هذه الوسيلة هي نوع من الشماتة أو

стр. 217

التشفي، تبرد غلة الحقد العنصري المستعر في قلوبهم، وتهدئ من وحشية الحسد الذي ينهش أكبادهم من الأمم المستقرة في أرضها، المطمئنة في بيوتها، والرخية بخيرات وجهد شعبها. من ذلك مثلا ما فعله موسى بأمر من يهوه (الرب) حين "مد يده على مياه المصريين ـ فتحول الماء في النهر دماً. وكان الدم في كل ارض مصر. ومات السمك وانتن النهر". وما فعله هرون بأمر من يهوه (الرب) أيضا حين "مد يده بعصا وضرب تراب الأرض، فصار بعوضاً على الناس وعلى البهائم. وكل تراب الأرض صار بعوضاً في جميع ارض مصر. فهذه الضربات وغيرها التي اشتهوا أو تمنوا إنزالها بالمصريين وزعموا أو توهموا إن إلههم (يهوه) قد أنزلها بهم هي نماذج فريدة في الشماتة والتشفي والانتقام، وبالحري الشعور بالانتقام ولو بالوهم والزعم (١). ونحن نعرف من الخبرة المعاشة دور الحلم في عملية التداوي من المخاوف وتحقيق الرغبات التي تمارسها الذات الفردية في معرض سعيها إلى صون توازنها في مواجهة إجتياحات العالم الواقع. لهذا اجتهد كهنة اليهود عند كتابة العهد القديم في عصر السبي وما بعده، لوضع عقائد تتيح تجميع القبائل في ظل نظام ملكي وهيكل موحد، باعتبار ذلك الاستجابة الوحيدة الممكنة للتحدي الذي نشأ عما تعرض له اليهود، من ضغوط خارجية كان معظمها ناجماً عن شراسة وعدوانية اليهود تجاه الشعوب التي حلوا بأرضها، وما عانوه من حزازات وتمزقات نجمت عن شراسة قبائله وعدوانيتها تجاه بعضها البعض للفوز بأكبر نصيب ممكن مما ينهب من أراضي الشعوب وثرواتها. وقد لعبت كتابات اليهود هذه دوراً رئيسياً في تشكيل الشخصية اليهودية والسمات التي تميزها من ذلك العصر وحتى الآن، مثل اتصاف هذه الشخصية بالانطوائية والكآبة والتشكك والتشاؤم والشعور بالدونية والإحساس بالفشل والحساسية المفرطة للنقد والحاجة للمديح والإطراء والإحساس بالافتقاد للجذرية. وقد نتج عن هذه الصفات انفصام في الشخصية اليهودية، تمثل في التناقض بين الشعور بالاستعلاء والشعور بالدونية والاضطهاد، وهذا التناقض جعل الشخصية

стр. 218

تتسم بالروح العدائية ضد الآخر، بل تصل إلى حد التوحد في المعتدى حتى يغدو اليهودي الضحية متوحشاً له ضحاياه يقتل بدل أن يُقتل، ويستعبد بدلاً أن يُستعبد، والهدف الجماعي لعملية التوحد بالمعتدي هو أن يتحول الحمل ذئباً حتى لا يبقى أمامه خطر يخشاه (١). وفي تحليله للشخصية اليهودية المعاصرة، ركز المرحوم مصطفى زيور على انقلاب هذه الشخصية من الاستكانة والذل والاختناق في الغيتوات (حارات اليهود) وبين تحولها إلى الشراسة والارهاب عبر عصابات شتيرن وارغون والهاغاناه وغيرها، ومن ثم عبر اتحاد هذه العصابات لتأليف جيش الدفاع الاسرائيلي. ولا يقصر زيور آلية التوحد بالمعتدي على خريجي المعتقلات النازية. بل هو يرى أن هذه الآلية قد انتشرت كالوباء بين اليهود عبر التعاطف مع الضحايا اليهود. وينهي زيور تحليله بالتقرير بأن ما يجمع بين التجمعات اليهودية الاسرائيلية بالرغم من اختلافها في كل شيء انما يتلخص بهذا التوحد بالمعتدي الذي أتاح لليهود التحول، من المذلة إلى الطغيان، ومن الخنوع إلى السفاحية. لذلك يستنتج المحلل الحاجة الاسرائيلية ـ النفسية لممارسة العدوان. فشخصية المتوحد بالمعتدي تفقد تماسكها إن هي توقفت عن العدوان. لأنه يطمئنها مانعاً تفجر موجات القلق والرعب فيها. وكأن لسان حالها يقول ما دمت أنا المعتدي فلا خوف علي من الارتداد إلى ما كنت عليه، يهودياً تائهاً رعديداً يفتك به الناس في كل مكان. من هنا يمكن استنتاج هشاشة الشخصية الإسرائيلية. وعدم قدرتها على تحمل أي إحباط. كون الإحباط يصيب هذه الشخصية بالتهاوي والتفكك مهدداً بزوال الهوية الزائفة. لذلك فان القادة الاسرائيليين مجبرين على تأمين أفضل مستويات الروح المعنوية ليهودهم (٢). وهذا التوحد في المعتدى طغى علي الشخصية اليهودية وأضحي السمة الرئيسية التي تميزها، بحيث يمكن اعتبار التاريخ اليهودي كله ناتج عن هذه السمة.

стр. 219

"فاليهود في الأساس هم بدو رحل لم يستطيعوا أن ينتجوا تراث خاص بهم، بل لجئوا إلى نهب تراث الشعوب الأخرى وبالذات تلك التي خضعوا لسيطرتها، ونسبوها إلى أنفسهم، وسجلها كهنتهم في العهد القديم على شكل نبوءات وتمنيات، مضفين عليها هاله من القداسة. وبدورهم اخذ أنبياء الجماعة يفرغون ذواتهم من طاقاتهم بتحويل مشاعرهم الأليمة المقهورة المشحونة بالحقد والكره والتعصب، إلى مبالغة في توعد الآخرين وفي اتهامهم وفي العدوان عليهم بالكلام البذيء المجرح ليكون ذلك هو البديل عن البطش بهم أو عن أي أسلوب عنيف آخر" (١). يقول الأستاذ شفيق مقار في كتابه (السحر في التوراة والعهد القديم): "ينبغي أن تظل نصب أعيننا ونحن نبحث في أصول الديانة التي صاغها الكهنة حول يهوه، حقيقة أساسية لا مؤدى لغيابها أو تغييبها عمداً على سبيل التقى والورع، تلك الحقيقة أن وراء كل سرد للتاريخ أو ـ بالأحرى ـ تأليف للتاريخ في كل سفر من أسفار التوراة والعهد القديم، نهجاً ثابتاً لا سبيل إلى تسميته إلا بـ (التأريخ بالتمني)، والذي استمات المؤلفون اليهود في إيهامنا بأن كتابهم موحى به من السماء وانه (كلمة الله). ولكن كيف يكون كذلك وهو منقول نقلاً في كل كتاباتهم المقدسة، من الأدب الديني لشعوب أخرى اعرق حضارة؟. فتلك الكتابات لا تكاد تضم شيئاً لا نجده منقولاً من كتابات تلك الشعوب. لكنهم ينكرون ذلك بطبيعة الحال ويتمسكون بإرجاع تاريخهم إلى آدم سعياً إلى قدم وأصالة يظلان أسطوريين ككل تاريخهم. وفي جذور ذلك الإصرار على التشبث بالقدم والتاريخ التليد والأصل العريق، يظل يصرخ الشعور بصغر الشأن والضياع. وكما يعمد المريض بالهذيان إلى ضروب هذيانه ليخفف بها من وقع الواقع المحبط المعاكس على نفسه الممزقة بالعذاب، عمد أولئك المؤلفون والمحررون إلى إعادة كتابة تاريخ للعالم والبشرية بالتمني ليصنعوا لأنفسهم وشعبهم المبارك تاريخاً مقدساً فريداً أخص لا يجعلهم متساوين مع

стр. 220

غيرهم من البشر فحسب، بل ويجعلهم أعلى وأرفع وأعظم امتيازاً من كل أولئك الأغيار الآخرين" (١). فكرة الشعب المختار تكرر التوراة في العديد من نصوصها وصف اليهود بأنهم شعب الله المختار ومن عداهم (غوييم)، حيث تحولت فكرة الاختيارية هذه إلى مزاعم عقيدية تستند على الاصطفاء والاستثناء والاستعلاء والعداء وادعاء القداسة. فالزعم بالاختيار راسخ في نفوس اليهود والتي يتشربها الطفل منهم منذ الصغر ومنها: "لأنك شعب مقدس للرب إلهك وقد اصطفاك الرب لتكون له شعباً خاصاً على جميع الشعوب التي على وجه الأرض". وهم كذلك يعتقدون أنهم شعب استثنائي: "أنا يهوه إلهكم الذي ميزكم من الشعوب". أما الاستعلاء على بقية الشعوب فهو فعل عبادة كما في الخطاب التوراتي: "يقف الأجانب ويرعون غنمكم أما انتم فتدعون كهنة الرب تأكلون ثروة الأمم وعلى مجدهم ينآمرون". أما الروح العدوانية فتتجسد على لسان إلههم يهوه: "فلا تقطعوا عهدا مع سكان هذه الأرض". وأيضا يبشرهم: "فاعلم اليوم أن الرب إلهك هو يعبر أمامك كنار آكلة هو يقرضهم وهو يذللهم أمام وجهك فتطردهم وتبيدهم سريعاً كما كلمك الرب إلهك". هم أيضاً شعب الله المقدس والاعتداء عليه اعتداء على الرب: "أسير بينكم وأكون لكم إلها وانتم تكونون لي شعباً". وفي موضع آخر: "لأنك شعب مقدس للرب إلهك". هكذا أدت هذه النصوص إلى نمو الوعي العنصري بفكرة الشعب المختار والى الإيمان بجنس وأمة متفوقة، كتب لها تاريخ خاص لا تندمج في أمة أخرى ولو عاشت بينها أجيالا، والواقع أن هذه الكتابات الملفقة تؤسس لأسطورة شعب الله المختار بمضمونها العنصري" (٢). فالعهد القديم كله من أول إلى آخر سفر فيه، له هدف واحد غلب على كل شيء: "الادعاء بأن اليهود شعب ذو خصوصية فريدة تضعه فوق كل السائمة الأمميه، وأنهم شعب عريق له أسلاف عظام هم إبرام واسحق ويعقوب، وان الله وقع في

стр. 221

عشق أولئك الناس لأسباب تخصه من فجر التاريخ وميزهم وجعلهم شعبه المختار والأخص، وتعاقد مع آبائهم ـ شرط أن يتختنوا ـ على إعطائهم أراضى شعوب عديدة ذات ارض خصبه وحضارات عريقة، وطرد تلك الشعوب من طريق الشعب الأخص المختار وأبادتها حتى لا تضايقه" (١). وهذا الادعاء بالخصوصية والتفوق المزعوم لا يمكن تفسيره الا بنقيضه، حيث لعبت هزائم قبائل بني إسرائيل الكثيرة والمؤلمة أمام الحضارات العريقة لبلاد ما بين الرافدين وحضارات مصر الفرعونية دورا مهما في محاولة تعويض هذه الهزائم عن طريق إقامة ميثاق مقدس مع يهوه. الأمر الذي سيعوضهم النقص الذي كانوا يشعرون به لدى مقارنة نفسهم مع الحضارات المحيطة بهم. وهذا ما نراه واضحاً في أحاديث قادة إسرائيل مع الرب وتضخيمهم ومبالغاتهم كما هو جلي في موقفهم من الشعوب والأمم الكبرى. أننا نعثر في التوراة على رغبة الإله اليهودي في أن يجعل من كنعان (أهل فلسطين الأصليين) ملعوناً وعبداً، بينما تصبح بابل المكان الذي تبلبلت فيه السن الشعوب والأمم، وتصبح مصر وأهلها، أي من أنقذ اليهود - حسب أساطير التوراة نفسها- من المجاعة والموت، تهمة وشتيمة. في حين يتحول (الخروج) وأحكامه كما وضعت على لسان موسى إلى سفر عن مشاركة الملاك إياه في طرد الكنعانيين والاموريين والحثيين والغرزيين والحوبيين واليبوسيين. بحيث طالب إلههم موسى في (العدد) بالانتقام لبني إسرائيل من المديانيين بقتل ذكورهم وسبي نسائهم وأطفالهم وسرقة مواشيهم وحرق مدنهم، كما لو أن قيمة (العدد) تتمثل في تعداد من ينبغي طرده وقتله. بينما تمثل قوانين وتعاليم (التثنية) في تعاملها مع الأعداء ضراوة عنصرية دموية الظاهر والباطن. في حين لا نعثر في التوراة كلها على مديح أو ثناء لأي شعب من الشعوب التي أرست أسس الحضارة الإنسانية. على العكس أنها تكتظ بالشتائم القبيحة والأحكام المبتذلة والكراهية الوسخة، التي تكشف عن طبيعة النفس الغضبية اليهودية وإلهها" (٢).

стр. 222

فمن ناحية علم النفس الإجتماعي يقول بعض المحللون بأن إيديولوجية (شعب الله المختار) يمكن شرحها بعقدة النقص لدى القبائل الإسرائيلية لدى مقارنة نفسها بالحضارات القديمة المجاورة. وقد عزّز هذه الفكرة طبقة الكهنة المتعطشة إلى السلطة و طبقة (الأنبياء) من أتباع يهوه. فقد قامت هاتان الطبقتان بعملية غسل دماغ، دامت طويلاً، للقبائل اليهودية من أجل إقناعها بخصوصيتها وبمركزها الرئيسي لدى يهوه. ولكن كانت نتائج عملية غسل الدماغ سلبية تماماً بالنسبة لعلاقات القبائل اليهودية مع جيرانها. إثر هذه العملية إمتلأت قلوب الإسرائيليين بالحقد تجاه جيرانهم من الكنعانيين والمصريون لكونهم أتباع ديانات أخرى وبكون دياناتهم لا تقيم وزناً ليهوه حامي إسرائيل. هذا الحقد الإسرائيلي أدى إلى تقوقع القبائل اليهودية في مواطنها وإلى عدائها الشديد لجيرانها. كذلك فإن شعور القبائل اليهودية بالضعف بالمقارنة مع جيرانها أدى إلى خلق طبقة الكهنة لصورة مرعبة ليهوه، هذا الإله المتعطش للدماء بشكل عجيب لا يمكن مقارنته بآلهة الشعوب المجاورة" (١). وهنا يسلط فرويد أضواء علم النفس على تلك الفئة التي دونت هذه القصص الملفقة فيقول: "أنها فئة منبوذة، مشردة، قابعة في زوايا الأسر ولا وطن لها، مهيضة الجناح، لا حول ولا قوة لها تستند إليهما. هذه الفئة جلست لتدون تاريخ جماعة خرجت من مصر قبل ثمانمائة عاماً، لمست بعض خيوطه من روايات الأسلاف وهى تغط في خضم الأحلام التي كانت تساورها وتستأثر بتفكيرها. فتارة تحلم بالقوة التي تسندها، وتارة أخرى بالجاه الذي يرفع منزلتها ثم بالوطن الذي تأوي إليه. فاتخذت من الاهها يهوه، ومن شخصية النبي موسى، قوة دينية تتشبت وتتسلح بها على الأعداء. كما اتخذت من إرجاع أصلها إلى إبراهيم الخليل وحفيده يعقوب أصالة النسب التي تجعلها الشعب المختار. ومن كنعان اتخذت عقيدة الوطن الموعود الذي

стр. 223

يفيض لبناً وعسلاً، وعزوا كل ذلك إلى الآله يهوه، والى إبراهيم ويعقوب وكلهم بريئون من هذه الفئة" (١). وهذه السمة في تأليف تاريخ مصطنع لليهود لم تفت أي باحث أو مفكر أزاح عن عينيه وعن فكره غشاوة الورع المكذوب الذي يفرض على العقل وجوب تصديق ذلك التلفيق للتاريخ باعتبار التصديق مطلباً إيمانياً. "فكتابات اليهود المقدسة لا تكف عن التغني بأمجاد بني إسرائيل العسكرية، إلا أن هذه الأمجاد هي الأخرى، فيما نعتقد، أسطورية كتاريخهم كله. والدليل ماثل في انه قلما جاء أي ذكر لليهود في تواريخ الأمم. وان ذكروا على الإطلاق، كان ذلك ذكراً لانتصار حققه الشعب صاحب التاريخ عليهم، لا انتصار حققه اليهود عليه، ومن المدهش اننا لا نجد في اى نص مصري ادنى اشاره أو تلميح إلى تلك الاقامة الطويلة التى اقامها العبريون في بلاد الفراعنة (٢). فقد كان وجودهم عابراً كغزو استعماري، ثم خرجوا من مسرح الأحداث - هذا إن كان لهم وجود قبل اليونان -· وهم لم يصنعوا أية حضارة, بل كانوا لصوص حضارة، وطفيليين وهامشيين. حتى كتابهم الديني وهو الإنتاج الوحيد لديهم، كان سرقة من تراث الآخرين. يقول غوستاف لوبون في كتابه (اليهود في تاريخ الحضارات الأولى): "إن اليهود في فلسطين لم يعرفوا سوى الرعي وسوى العمل الزراعي القليل وهم لم يقدموا للحضارة شيئا"ً. كما أن المؤرخ اليوناني هيرودت عندما زار فلسطين في القرن الخامس قبل الميلاد، لم يذكر شيئاً عن اليهود. مما يعني أنه لم يكن لهم وجود، أو وجودهم ضئيل لا قيمة له، وبالتالي لم يثر انتباهه (٣). كما انه لا وجود لاية آثار تثبت ولادة عصر جديد للحضارة في فلسطين بوصول العبريين اليها. وقد قررت (كالين كينيون) وهى تحصي ما عثرت عليه من حفرياتها الأثرية ما يلي: "ان احدى الصعوبات الرئيسية في تحديد توقيت دقيق لدخول الاسرائيليين إلى فلسطين هى عدم وجود أية إشارة أثرية تسمح لنا بالقول بأن هناك برهاناً مادياً عن وصول شعب

стр. 224

جديد". ثم تستنتج الكاتبة قائلة: "لابد من التسليم بأن المجموعات الاسرائيلية التى كانت تصل إلى فلسطين هى من البدو الرحل ... ولقد اقتبسوا لدى تمركزهم كل ما لدى سابقيهم في هذه الارض من أدوات ووسائل .. إن الثقافة الفلسطينية كانت في جوهرها كنعانية" (١). ويؤكد الأب ديفو على: "ان (الشعب الاسرائيلي) لم يتكون الا بعد استقراره في أرض كنعان". أما المورخ (نوث) في كتابه (تاريخ اسرائيل) فيصل إلى النتيجة نفسها إذ يقول: "إن اتحاد اثنتي عشرة قبيلة في اسرائيل .. لا يبدو ظاهرة ذات أثر إلا بعد أن احتلت هذه القبائل الأرض ذات الثقافة الفلسطينية .. أما تاريخها فلم يبدأ إلا على أرض فلسطين" (٢). وهكذا فإن انتصاراتهم التي تحفل بها كتاباتهم المقدسة ليست إلا من قبيل التعويض الأدبي (التأليفي) عن شعورهم بالافتقار إلى ما شهدوه لدى الأمم التي عاشوا بينها من قوة عسكرية وسطوة سياسية. "فبالنظر إلى تاريخ مصر على كثرة ما اكتشف منه، لا يشير إلا لماماً في لمحات إلى القبائل البدوية، بينما تتحدث التوراة بالتفاصيل عن مصر وملوكها ومدنها وطبائع أهلها، مما يشير إلى معرفة واضحة من جانب الإسرائيليين بشئون مصر والمصريين، وهو أمر طبيعي تماماً حيث أن وضع إسرائيل كقبائل هامشية ما كان يشغل حيزاً هاماً في المدونات المصرية، بينما كان المدون الإسرائيلي لا يستطيع أغفال مصر" (٣). ومما تقدم يمكننا الآن ان نضع المرحلة العبرية من تاريخ فلسطين في سياقها الصحيح لنرى إلى ما استعارته من الحضاره الاخرى وما قدمته لها. يقول (ديل ميدكو) في كتابه (التوراة الكنعانية المكتشفه في رأس شمرا): "على الرغم من اجتياح البلاد من قبل العبريين ظلت الحضارة الكنعانية هي السائدة حتى سيطرة

стр. 225

الآشوريين في عهد حكام يهودا واسرائيل (١). ويقول شبنجلر: "لم يكن الكلدانيون وغيرهم بحاجة إلى إختلاق ما يدللون به على سطوتهم، فهم - في ظل آلهتهم ـ غزوا العالم وأخضعوه. أما اليهود، فلم يكن لديهم إلا تأليفهم الأدبي، فتشبثوا به، وحولوه إلى برهان نظري على عظمتهم تعويضاً عن غيبة أي دليل موضوعي إيجابي ملموس. وفي التحليل النهائي، يظل ذلك التأليف للتاريخ كنز اليهود الوطني وهو كنز مدين بوجوده لكونه ظل الاستجابة التي استجابوا بها لشعورهم بصغر شأنهم، (٢) وضياعهم وحاجتهم المستمرة لمخلص، والذي حاول كهنتهم شد أزرهم وتعزيتهم بأن المسيح المنتظر سيأتي ليضع حداً لمعاناتهم وتشتتهم. رؤيا الخلاص والمسيح اليهودي كان اليهود طوال تاريخهم، كلما نأى بهم التشتت عن ارض فلسطين، كلما اشتعلوا حنيناً إليها، وازدادوا تشبثاً بفكرة مجيء المخلص الذي يجمع شمل التائهين المشردين، ويعيدهم إلى فلسطين. "هكذا قال رب الجنود: هاأنذا اخلص شعبي من أرض المشرق، ومن أرض مغرب الشمس، وآتي بهم فيسكنون في وسط أورشليم ويكونون لي شعباً، وأنا أكون لهم ألهاً" (سفر زكريا ٨). وكانوا كلما اشتد اضطهادهم، أو كلما اشتدت معاناتهم من الشعور بالاضطهاد، كلما ضري الأمل في صدورهم وقوي الرجاء في نفوسهم، بأن إلههم يهوه سيفتقدهم ويجمعهم من الأراضي التي تشتتوا فيها، ويأتي بهم إلى فلسطين، فالنبي حزقيال يعبر عن رغبة يهوه (الرب) بافتقادهم وعزمه إلى إعادتهم، بصور من الحلم - النبوءة، حيث يقول: "كما يفتقد الراعي قطيعه يوم يكون في وسط غنمه المشتتة، هكذا افتقد غنمي أخلصها من جميع الأماكن التي تشتتت إليها، أخرجها من الشعوب واجمعها من الأرضي وآتي بها إلى أرضها .. وأرعاها على جبال

стр. 226

إسرائيل، واقيم عليها راعياً واحداً فيرعاها عبدي داود، هو يرعاها وهو يكون لها راعياً، وأنا يهوه أكون لهم ألهاً، وعبدي داود رئيساً في وسطهم" (سفر حزقيال ٤٣) (١). وقد ظل اليهود في السبي البابلي ما يقارب خمسمائة سنه يسعون لإقامة دولة لهم في فلسطين باستخدام قوتهم فكان الإخفاق حليفهم وأورثتهم المحاولات العقيمة شعوراً باستحالة تحقيق أحلامهم في العودة، وتشييد إمبراطورية تخضع لها الأمم باستخدام طاقاتهم البشرية، فعمدوا إلى ابتكار قوة خارقة تحقق لهم أحلامهم، وراحوا ينتظرون هذه القوة في شخص داود آخر، أو ما يسمى بـ (المسيح المنتظر). ففي ذلك اليوم يقوم أصل يسى (داود) راية للشعوب، يقول أشعيا: وأنا يهوه أكون إلهاً وعبدي داود رئيساً يقول الرب" (سفر اشعياء ١٠). وهكذا برزت فكرة المسيح المنتظر في الفكر اليهودي في وقت متأخر، ولم تظهر إلا بعد سقوط دويلة اليهود واسرهم في بابل ثم خضوعهم للفرس. وهذا ما دفع كثيرين من الباحثين إلى الاعتقاد بأن فكرة المنقذ المخلص مستعارة من الزرادشتية التي كان يدين بها الفرس (٢). فاليهود حين عجزوا عن تأسيس دولة وإقامة ملك، أوكلوا هذا الأمر إلى إلههم ومن هنا كانت المعتقدات المستمدة من فرائض يهوه وأحكامه، جميعها تدور حول محور واحد هو الشؤون السياسية، حيث ظل يهوه (الرب) أسير حوادث تاريخية معينه، وحبيس آمال سياسية خاصة بهم، كتب على نفسه أمر تحقيقها أو الظفر بها، فأخضعه أتباعه اليهود لهم وجعلوا منه قائداً يعمل على تحقيق نزواتهم، حين كانوا قبائل رحلاً يبتغون الاستقرار في قطعة أرض تكون وطنًا لهم، فاتخذوا من يهوه إلهاً قومياً، وزجوه في مسألة البحث عن وطن وتعيين الأرض، ثم إصدار وعده بتمليكهم هذه الأرض، فكان أن تسلحوا بوعد إلههم حين فكروا بغزو الأرض وظلوا متسلحين به فترة استيطانهم القصيرة، وما فتئوا يرفعونه في وجه أصحاب الأرض ـ الفلسطينيين والعالم- وثيقة شرعيه تجيز لهم

стр. 227

اقتلاع أصحاب الأرض من أراضيهم، أو إبادتهم، ليتسنى لهم الاستقرار في الوطن الموعود (١). والواقع أن الشوق إلى المسيح أو المخلص أو المهدي هو من شوق الإنسان إلى (الفردوس المفقود) أو (عصر الإنسانية الذهبي) الذي تتفق النصوص الميثولوجية على أن الإنسانية ولدت وعاشت في ظلاله ردحاً من الزمن قبل أن تبدأ مصاعبها، ولكن تطلع اليهود إلى المسيح المخلص لم يكن شبيهاً بغيره من تطلعات الشعوب الأخرى. فبالرغم من أن التطلع إلى بطل قومي أسطوري محارب يأتي في نقطة ما من زمن مقبل فيتحقق على يديه خلاص الجماعة البشرية المبدعة لأسطورته وانتصارها على أعدائها، ويحل بفضله عصر ذهبي من العلو والرخاء والسلم ـ هو تطلع أنساني قديم نجده شائعاً في ثقافات العديد من شعوب العالم القديم، التي أقام أودها وصلب عودها دائماً ما ظلت تبدعه من أساطير .... غير أن شعوب الشرق الأدنى القديم التي أبدعت أساطير عامه عن أبطال منقذين كانت شعوباً مستقره في أوطانها، ولم تكن قبائل من بدو رحل باحثه عن ارض تغزوها وتستوطنها مستجلبه باستمرار قدراً غير مألوف من الكراهية والعداء بفضل ما اتصفت به من جشع وشراسة دموية وما امتلأت به من مشاعر الخصوصية. ولذا نجد أن الحلم العام في حالة الشعب اليهودي اتصف بخصوصية فريدة. ففي حين حارب جلجامش ضد البغي وذهب إلى حد تحدى الموت ذاته، وتمرد بروميثيوس على الاحتكار السماوي للنار فسرقها ليضع أقدام البشر على درب الحضارة ودفع ثمناً مخيفاً لتمرده، نجد أن البطل، المسيح المنتظر الذي تمخض عنه شعور اليهود محاطاً بمخاطر ما أحاطته دمويته به من كراهية وعداء حيثما حل، بطل يقول له يهوه: "اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك .. الرب يهوه عن يمينك يحطم في يوم زجره ملوكاً يدين بين الأمم. ملأ جثثاً أرضاً واسعة. سحق رؤوسها" (المزمور١١٠: ١ـ٦) (٢). والمقارنة بين الحالتين تدل على طبيعة النفس العبرية وهي طبيعة عنيفة حاقدة .. وتدل على ان النص التوراتي لابد وان يكون قد حرف

стр. 228

في العصور اللاحقة، لاسيما عصر المنفى وهو عصر الحقد الاكبر، فعكس روح الحقد والكراهية والعنف (١). ففي السبي البابلي أخذ اليهود يتطلعون إلى مجيء بطل يعيد لهم (مملكتهم) الضائعة لا بعملهم وكدهم، بل بعمل خارج عنهم، ومن الطبيعي أن ينظر الإنسان، إذا ما حل بما حوله الانحلال والتدهور، إلى عصر ماض، يعكس عليه آماله وتطلعاته، وعندما جال العقل اليهودي، خلال السبي البابلي بنظره في العصور السالفة، توقف عند عصر داود، واخذ العقل اليهودي ينصبه في مخيلته مثالاً لما يجب على التاريخ أن يكون، فالعصر الداودي بخيره المادي الكبير وبثرائه ورخائه وباستقراره السياسي، ووحدته أصبح في نظر اليهودي عصراً ذهبياً، لم يكن التطلع إليه مجرد أمل، أي الأمل بحدوث شيء معين طيب، وإنما كان التطلع إليه تطلعاً إلى تحقيق مشيئة الرب، لأن الدولة الداوديه هي مشيئة الرب في الأرض، والتطلع إلى تحقيق مشيئة الرب تعبد (٢). ولذلك أصبحت مملكة داود مثلهم الأعلى، وكانوا كلما ساءت ظروفهم وتدهورت أحوالهم، كلما أمعنوا في إضفاء الرونق والجلال على عصر داود، إلى أن جعلوا منه صخرة خلاص، عليها تتحطم الأمم جميعها ومنها يكون خلاص اليهود. هكذا كانت البدايات الأولى لظهور النزعة المسيحانية لدى اليهود منذ بداية زوال (دولة) اليهود التي كانت قائمه في فلسطين، أي منذ هدم الهيكل. فمنذ ذلك الحين، فيما يروى مؤرخو اليهود ظهر الاعتقاد بمجيء (المسيح) الذي سوف يخلص بني إسرائيل من المنفى، ويعيد إليهم مجدهم التليد وقد اتخذ هذا الأمل المسيحاني شكل أمل مزدوج: أمل مزدوج في العودة إلى العصر الذهبي لليهود، وأمل في قيام عالم أفضل مختلف كل الاختلاف عن عالمنا، وهذا الخلاص المسيحاني لن يحدث إلا عند نهاية الزمن. والتعجيل بمعجزة مجيء العصر المسيحاني لا يمكن أن يأتي إلا من الله، وما على الإنسان إلا أن يصلي لله ويحسن عمله أملاً في ألا يتأخر الخلاص، وكل محاولة للعودة إلى ارض إسرائيل قبل ظهور الإشارات الآلهيه، كفر وهرطقة وثورة

стр. 229

ضد الإله وعودة اليهود إلى ارض آبائهم شأن من اختصاص الإله وحده، ولا تتم بقرار من بني البشر (١). هكذا وضع كهنة اليهود خطة الرجوع إلى فلسطين، وبناء الهيكل في صهيون، ليكون عرشاً للمسيح المنتظر، الذي يأتي في سطوة زمنية، وينقذهم من حكم الدول التي استعبدتهم، ويعيدهم إلى أرض الرب ومهد الأنبياء. فعجز اليهود في تشتتهم وقصورهم المادي، كانا ينتهيان بآمالهم إلى مجرد الرجاء من اله داود، أن يبعث إليهم من لدنه مخلصاً، ينقذهم من هوان الأسر ويعيدهم إلى أرض فلسطين، بمعجزات ربانية تعوض عنهم قصورهم وعجزهم، وبتعبير الكاتب (جون اليجرو): أن ما عجز اليهود بقواهم الذاتية عن تحقيقه، سوف يحققه يهوه (الإله) بجنده السماوي تحت قيادة المسيح المحارب، سليل بيت داود، وابن الله، وسيكون ذلك المسيح الذراع اليمنى للملك المنشود، ولسوف تبيد أنفاسه ذاتها الأشرار الذين جرؤا على الوقوف في وجه قصد يهوه المتمثل في أن يحكم شعبه المختار العالم (٢). وقال السيد يهوه: "في ذلك اليوم أقيم مظلة داود الساقطة، وأحصن شقوقها وأقيم روحها وأبنيها كأيام الدهر، لكي يرثوا بقية أدوم وجميع الأمم .. وأرد سبي شعبي وأغرسهم في أرضهم" (سفر عاموس ٩). وقال يهوه: "إني أجمع جميعك يا يعقوب أضم بقية إسرائيل" (سفر ميخا٢) ... "وأجعل عيني عليهم أرجعهم إلى هذه الأرض أبنيهم ولا اهدمهم، أغرسهم ولا اقلعهم، أعطيهم قلباً ليعرفوني أني أنا يهوه، فيكون لي شعباً وأنا أكون لهم إلهاً" (سفر أرميا ٢٤). من التشرد إلى الرغبة بحكم العالم يزخر تاريخ اليهود على النحو المدون به في العهد القديم بالكثير من الاشارات إلى اشكال الصراع التى تجسدت فيما عرف بأنه "الحرب" فالتوراة تطبع العقيدة الاسرائيلية بعد ذلك برباط وثيق بين "حرب اسرائيل" و "رب اسرائيل"، حيث يصبح

стр. 230

الرب هو "رب الجنود" الذي يمهد لبنى اسرائيل السبيل لتحقيق مآربهم في الغزو والاحتلال وطرد الشعوب (١). فلم يكتفي كهنة اليهود بالحلم بالعودة وتأسيس دولة، بل بالرغبة بحكم العالم واستعباده. فبمقدار ما كان شعورهم بالضعف والمهانة يقوى، بمقدار ما كان الأمل بالعودة يقوى، وراح أنبياءهم يضخمون صورة الأمل والإطار الذي يحتضن هذه الصورة، فإذا صورة المملكة التي يحلمون بإنشائها صورة خيالية لا نظير لها في عالم الواقع لأنها بنت خيالهم، وكان إطار تلك الصورة إمبراطورية عالمية واسعة الأرجاء بعيدة الحدود، يكونون فيها سادة والشعوب جميعها عبيداً، وتكون صهيون عاصمة العالم. قال يهوه (الرب) مخاطباً ابنته السيدة المدللة - إسرائيل -: "بالوجوه إلى الأرض يسجدون لك، ويلحسون غبار رجليك" ... وقال مخاطبا صهيون التي اشتهاها مسكنا له: "وبنو الغريب يبنون أسوارك .. وملوكهم يخدمونك تنفتح أبوابك دائما ليؤتى إليك بغنى الأمم، وتقاد ملوكهم .. ارفعي عينيك حولك وانظري قد اجتمعوا كلهم جاءوا إليك يأتي بنوك من بعيد وتحمل بناتك على الأيدي وتتحول إليك ثروة البحر، ويأتي إليك غنى الأمم" (سفر أشعيا ٦، ٤٩). ويقول يهوه (الرب) مخاطباً شعبه المختار في مكان آخر: "وعلى الأيدي تحملون وعلى الركبتين تدللون .. ويقف الأجانب ويرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حراثيكم وكراميكم، أما انتم فتدعون كهنة الرب تأكلون ثروة الأمم وعلى مجدهم تتآمرون" (سفر أشعيا ٦١، ٦٦). بهذه الرؤى ـ الأحلام ـ التنبوءات وأمثالها، ظل أمل العودة إلى فلسطين، دائم الاتقاد في صدورهم كظاهرة ورع روحيه مقدسة، وقد لبثوا دهراً يتخيلون المسيح الموعود ملكاً، صاحب عرش وتاج يفتح فلسطين بالسيف ويعيد فيها بناء الدولة الدائله، لكي يقاد إليها ملوك الأمم فيسجدون لإسرائيل ويلحسوا غبار رجليها (٢).

стр. 231

إلى هذه الدرجة من العنصرية ومحدودية الأفق تهبط الفقرات السابقة بمعنى الربوبية .. ويبلغ الافتراء على الله ذروته في مفهوم التوراة المتداولة عن الربوبية. "لقد جعلوا من رب العالمين شيخ قبيلة" (١) ... فالرب في التوراة ليس رب العالمين ولا رب الأكوان كلها إنما هو رب إسرائيل وحدها، ولهذا وفي آخر الزمان يأتي الله بكل الشعوب والأمم لتلحس تراب نعل حذاء إسرائيل ... فالروببيه والعناية وإسباغ النعم هي أمور يجب أن تنفرد بها إسرائيل وحدها والله ليس رباً للشعوب والأديان الأخرى. فكل ما عدا شعب إسرائيل (جوييم) حيوانات وكل ما عدا الديانة اليهودية خزعبلات. وما عرضناه من الصور الغاضبة، الحاقدة، الساخطة الناقمة، في اطر من السحق والقتل والذبح، يعبر عن مفهوم بني إسرائيل القدماء للإله، وعن الصورة التي حملوها في نفوسهم عنه (٢)، مما دفع توماس جفرسون وهو من أعظم الآباء المؤسسين لأميركا إلى القول في (الأفكار الحية) عن الإله الذي اقطع فلسطين (لشعب إسرائيل إلى الأبد)، بأنه فظ، حقود، مزاجي، ظالم (٣). والهاً هذا شأنه "يختار شعباً ويمنحه امتياز اغتصاب وتدمير الآخرين، لا يمكن إن يكون إلها للبشر أجمعين، كما قال جان جاك روسو" (٤). فكرة المسيح المخلص ونهب أساطير الشعوب الأخرى يذهب اغلب الباحثين إلى القول بأن اليهود أثناء فترة السبي البابلي اخذوا فكرة المخلص عن البابليين أو الفرس، فالديانة الزرادشتيه، التي وضع مبادئها زرادشت (٦٦٠ـ٥٨٣ ق. م) تبشر بظهور مخلص من بيت زرادشت، مرة كل ألف عام لكي يناصر (هرمازدا) اله الخير، على أخيه (الهرمان) اله الشر، كلما أمعن الفساد في الأرض واستفحلت الشرور. كما كان البابليون يعتقدون انه كلما استشرى الفساد في الأرض واستغرقت البشر حمأة الشرور والآثام عاد إليهم (ماردوك) ليطهرهم ويشيع الخير فيهم.

стр. 232

ويبرر هؤلاء الباحثين استنتاجهم السابق بالقول، انه بعد انتهاء مملكتي إسرائيل ويهودا على يد الأشوريين والبابليين، عاش اليهود في كنف الإمبراطورية الفارسية ثم تحت حكم السلوقيين ثم الرومان مجرد تابعين محكومين فحسب، لهذا لم يتمكنوا من إبداع أساطير ذات ملامح حضارية مستقره؟. ومما يؤكد ذلك أن وثائق بلاد النهريين ومصر وكنعان عن الخلق والجنة والطوفان وغيرها، يرجع تاريخها إلى الفترة من منتصف القرن الثامن والعشرين إلى حوالي القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد، هذا في حين أن أقدم مصادر التوراة يرجع تاريخها إلى منتصف القرن العاشر أو التاسع قبل الميلاد، ومن المعروف أن أول تدوين للعهد القديم حدث بعد وفاة النبي موسى ﵇ بحوالي خمسمائة سنه أي حوالي القرن السابع قبل الميلاد (١). يضاف إلى ذلك أن يهود السبي البابلي كان لهم النصيب الأكبر في تكوين الديانة اليهودية، حيث مارس اليهود شعائرهم الدينية وواصل كهنتهم أعمالهم الدينية بتحرير أهم فصول التوراة، والتمهيد لتدوين التعاليم اليهودية فيما سمي بـ (التلمود البابلي)، حتى أن السبي البابلي كان عاملاً قوياً في تطوير الديانة اليهودية في القرون التي تلت ذلك، حيث دونت خلالها أهم فصول التوراة، التي دونها الكهنة اليهود باللغة الآرامية. وحتى ما ورد في التوراة من مزامير وأمثال وأشعار وشرائع وما إلى ذلك من أساطير وقصص فهي أيضاً مستقاة من المصادر الأدبية القديمة لمختلف الثقافات التي اطلع عليها كتبة التوراة ومن المعتقدات والتقاليد الاجتماعية التي عاشوها ومارسوها فعلاً في فلسطين وبابل وهى كنعانية بابلية مصرية الأصل (٢). كما يرى البعض أن كتاب التوراة هو في مجمله، لا يخرج عن إطار التراث العربي (مع الفارق) الذي كان يحفظ مدوناً في الذاكرة لعشائر عربيه عاشت أحداثاً معينه في منطقة بدويه جد ضيقه من شبه الجريرة العربية، وان كثيراً من مدوناته إنما كانت

стр. 233

جزءاً من ذلك التراث الذي تناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل. فقصة التكوين البابلية وقصة الطوفان هي نفسها التي تحدثت عنها القيم المسمارية قبل ألفي عام من أحداث التوراة، وقصة أيوب، والأمثال والمزامير، والأناشيد، كانت كلها بعضاً من التراث المتداول، جمعه مدونو التوراة إلى جانب أخبار تلك العشائر البدوية العربية في منطقة عسير من شرق بلاد غامد في شبه جزيرة العرب (١). ويكشف فرويد عن النهب اليهودي من الديانة المصرية عند حديثه عن ثنائية العقيدة الدينية عند اليهود فيقول: "أن كلمة (أدوناي) في العبرية ـ وهى اسم الرب في العقيدة الموسوية ـ هي تحريف لكلمة آتون المصرية ـ أي إله التوحيد. ويعرض العلامة ديورانت في (قصة الحضارة) الفارق بين ديانة التوحيد الموسوية من جهة، وديانة أحبار التوراة في وقت لاحق من جهة أخرى فيقول: إن تراتيل إخناتون في تصوير الإله ليست من أولى قصائد التاريخ الكبرى فحسب، وإنما هي شرح بليغ لعقيدة التوحيد، إذ يرى أن إلهه هو رب الأمم كلها. وفي مديحه له يذكر مصر قبل غيرها من البلاد التي يوليها كلها عنايته. ويعلق (ديورانت) على ذلك بقوله: إلا ما أعظم الفرق بين هذا وبين العهد القديم، عهد اله القبيلة ... الخاص بفئة معينة. ثم يضيف ديورانت فيقول: ثم انظر إلى ما في القصيدة من مذهب حيوي حينما يقول: أن "آتون" لا يوجد في الوقائع والانتصارات الحربية ... وإنما في أزهار الأشجار، وفي جميع صور الحياة والنماء .. وليس كيهوه رب الجيوش، بل كان رب الرحمة والسلام" (٢). وهكذا فأنه يمكننا بسهولة ملاحظة أن النهب في الأسطورية السومرية/ البابلية، كان على نطاق واسع، مثلما كان من الأسطورية المصرية والاختلاف الوحيد بين أسطورتي الخلق البابلية واليهودية أن البابلية حسمت الصراع بين الإله (مردوخ) وقوى الفوضى الأولى (تيامات وجيشها) بانتصار مردوخ الكامل عند بدء الخليقة، بينما جعلت الأسطورة اليهودية الصراع مستمراً ومتواصلاً إلى أن يحسم في آخر

стр. 234

الأيام بالانتصار الأخير الوارد في سفر الرؤيا. ولهذا نجد أن (بزوغ) السماء الجديدة والأرض الجديدة بدلاً من سماء الأيام الأولى وأرضها، الذي وقع في أسطورة مردوخ وتنبأ به سفر الرؤيا لن يكون إلا في (آخر الأيام) في الأسطورة اليهودية، نظراً لتأخير المعركة الأخيرة مع التنين انتظاراً لمجيء المسيح المنتظر والعصر الألفي السعيد. ولن يكون ذلك إلا بتحقيق مخطط للخليقة وتسيد شعبه المختار الأخص على العالم بعد القضاء على كل أعدائه الأمميين أي من يتظاهرون أنهم بشر وهم في حقيقتهم سائمة (١). فأحبار اليهود وكهنتهم لم يكتفوا بنهب أساطير الشعوب الأخرى، بل عملوا على تشويهها ومسخها إشباعاً لأحقادهم الدفينة علي شعوب المنطقة والبشرية، ومحاولة منهم لإخفاء هذه السرقة والنهب المنظم لتراث الشعوب الأخرى. فهناك مزامير عديده استوحت من الطراز الكنعانى كما تشهد بذلك نصوص رأس شمرا، حيث أنه بناء على حل رموز النصوص العديدة التي وجدت في رأس شمرا، (أوغاريت القديمة)، يستنتج أن الكلمات والتعابير العبرية التي كان يشتبه العلماء في أن لها معاني دينية، ظهر أنها متصلة بأفكار العبادة في اللغة الكنعانية، وأن جميع القوانين، والطقوس والاحتفالات، والأغاني، والأمثال الإسرائيلية، استعيرت من العموريين والكنعانيين الذين كانوا يعيشون في البلاد قبل أن يأتي العبرانيون إليها (٢). كما ان هناك مزامير اخرى ولاسيما المزمزر ١٠٤ كأنها نسخ للأناشيد المصرية. .. وفي ظل هذا الجو من التلفيق والتوفيق ستولد الاسفار الخمسه (التكوين والخروج واللاويون والعدد والاشتراع) وهى نواة التوراة التى تتضمن جوهر العقيدة اليهودية. كما ان الاساطير المتصلة بالخلق قد اقتبست في جوهرها من الاساطير القديمة فيما بين النهرين، ولا سيما من الحكايات الآشورية- البابلية، فحكايات خلق العالم والفردوس الارضي والطوفان قد سبق أن وجدت مدونة في عبارات قريبة جداً من عبارات التوراة في الاشعار السومرية أو في ملحمة جلجامش، التى ترجع إلى الالف الثاني ق. م (٣).

стр. 235

وفي كتابه (العبرانيون في تاريخ المشرق العربي القديم) يناقش (د. بشار خليف) اختلاقات التوراة وانتحالاته لتراث المشرق العربي في شقيه الرافدي والكنعاني، ويقدم إضاءة على تيار فكري تاريخي جديد في إسرائيل ظهر في الثلث الأخير من القرن العشرين بما يسمى المؤرخون الجدد في إسرائيل والذين أحبطهم التنقيب الأثري في فلسطين في العثور ولو على دليل بسيط عن تواجد حضاري مهم للعبرانيين والوارد في التوراة، ما أدى إلى نقدهم ونقضهم للروايات التوراتية .. حيث يشير إلى مقولة الباحث الإسرائيلي (زئيف هيرتزوغ (: "إن الحفريات الأثرية المكثفة في أرض (إسرائيل) خلال القرن العشرين، قد أوصلتنا إلى نتائج محبطة، كل شيء مُختلق، ونحن لم نعثر على شيء يتفق والرواية التوراتية. إن قصص الآباء في سفر التكوين (إبراهيم - يعقوب - اسحق) هي مجرد أساطير. نحن لم نهبط إلى مصر، ولم نخرج منها. نحن لم نته في صحراء سيناء. نحن لم ندخل إلى فلسطين بحملة عسكرية. وأصعب الأمور أن المملكة الموحدة لداود وسليمان التي توصف في التوراة بأنها دولة عظمى، كانت في أفضل الأحوال مملكة قبلية صغيرة. إنني أدرك باعتباري واحداً من أبناء الشعب اليهودي وتلميذاً للمدرسة التوراتية، مدى الإحباط الناجم عن الهوة بين آمالنا في إثبات تاريخية التوراة، وبين الحقائق التي تتكشف على أرض الواقع" (١). ويشير المؤلف إلى أن طروحات هذا التيار سوف تؤدي إلى انهيار المدرسة التوراتية الأثرية (٢). فالأدلة العلمية كثيرة قاطعه لم تعد تترك مجالاً لأدنى شك في أن كثير من حكايات التوراة، نهبت من أساطير الشعوب الأخرى حيث أنه وفي وجه هذه الأدلة، لم يعد يجدي الإنكار، ولذا صار اعترافاٌ عاماً. لكن (شطارة) الشعب المختار ودعاته وتبعية أتباعه الأمميين جعلتا من غير المقبول أن يعترف بالنهب دون أن يستغل ذلك

стр. 236

الاعتراف لفائدة تعود على عملية النصب والتلفيق الكبرى التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ (١). وبعد أن اتضحت لنا أبعاد هذا التزوير والنهب لأساطير الشعوب الأخرى (٢)، لنا أن نسأل كما يقول (شفيق مقار) .. "ما الذي أعطاه الشعب المختار الأخص للشعوب التي نهب من ثقافتها وفكرها الديني لقاء ما نهب، إلا المذابح والإبادة والتخريب وهدم المدن العامرة وحرقها ونهب ثروات الشعوب المادية بعد ثرواتها الدينية والثقافية. وان شئت أن تحدد الشعوب التي يدين لها الشعب المختار الأخص بأعظم ما نهب، فابحث عن الشعوب التي يكن لها ذلك الشعب اكبر قدر من العداء ويطوي لها جوانحه على أفظع قدر من الحقد والضغينة والكراهية، وستجد أن الشعوب الأمميه التي تتصدر قائمة الكراهية المشبوه لكل الأمميين، شعوب مصر وكنعان وما بين النهرين، لأنها الشعوب التي سرق منها الشعب المختار أكثر مما سرق من أية شعوب غيرها، ونحن نعرف جزاء سنمار الذي كان نصيباً لكنعان المسكين (الشعب الفلسطيني) لقاء نهب الشعب المختار لإلهه (آيل) وفكره الديني، وفي مقابل ضيافته وفتحه أبواب أرضه، الأرض التي تفيض باللبن والعسل" (٣). السبي البابلي وظهور النزعة القبلية المغلقة من خلال عرضنا السابق لتاريخ اليهود قبل السبي البابلي لاحظنا انهم مثلهم مثل القبائل السامية الآخرى التى هاجرت من الجزيرة العربية، حاولوا الاستقرار في مناطق الهلال الخصيب، حيث استقروا في فلسطين في النهاية على يد سيدنا ابراهيم، وعاشوا مع الشعوب الاخرى التى سبقتهم في فلسطين كالكنعانيين والفلسطينيين. وحيث انهم كانوا بدو رحل فقد استفادوا من هذه الشعوب واختلطوا بها وقلدوها في كثير من شؤونها حتى انهم في كثير من اوقاتهم عبدوا آلهة هذه الشعوب وحدث تزاوج بينهم وبين تلك الشعوب، وحتى ادعائهم بالتميز وانهم شعب مختار وحاملي الشريعة اصبح لها معنى آخر عند انبيائهم حتى بشر بعضهم بملكوت

стр. 237

الله والسلام الذي سيعم كافة الامم. وخلال مرحلة السبي البابلي في العراق، وهي الفترة التي يظهر أنهم بدأوا فيها بتدوين التوراة، كان اليهود قد تركوا الالتزام بدينهم وقلدوا الدول التي يعيشون فيها بعبادة الأوثان. ولكن عندما لاحت الفرصة لليهود للعودة من السبي البابلي، انتهز هذه الفرصة عدد قليل منهم لأن الكثير من المسبيين أعجبتهم الأرض الجديدة، ولكن القلة المتشددة التي عارضت الاندماج حفظت بني إسرائيل من الاندثار (١). مما ادى إلى حدوث سقوط جديد في أحضان النزعة القبلية وعودة إلى الحرفية والتعصب بإقامة سلطة ثيوقراطية دينية قهرية كهنوتية، حيث سبق لهذه الحركة أن أطلت برأسها قبل قرن من الزمن في عهد جوزياس ولكنها أسقطت على يد الأنبياء (٢). فعندما فرض ملك فارس (قورش) على حكام مقاطعاته احترام العبادات المحلية كي يضمن سيطرته على اتباعه المتعددى المشارب. واصدر أمر إلى الحكام الفارسيين في مصر باحترام عبادة الإله (سيت) في الدلتا، وأصدر قورش كذلك عام ٥٣٧ ق. م قراراً يسمح للإسرائيليين بإعادة بناء الهيكل وللمنفيين بالعودة إلى بلدهم. لم ير وجهاء العبريين انطلاقاً من تعصبهم العرقي في هذا الاجراء السياسي الذي يسمح بالعودة إلى ممارسة العبادات القديمة في مصر وما بين النهرين والذي ينسجم مع تقاليد الهلال الخصيب ... لم يرى وجهاء العبرين في هذا الاجراء الا ما يعنيهم ونظروا إلى قورش على أنه منفذ المشيئة الإلهية، هذا بالرغم من ان الجماهير التي بقيت في فلسطين لم تبد حماستها لإعادة بناء المعبد. فقد ورد في سفر (حجي) في هذا الصدد: "لم يحن الوقت بعد لإعادة بناء بيت يهوه". فقد كان الناس في أكواخهم القمئية يحلمون ببيوت خاصة بهم .. وعبثاً حاول النبي (حجي) أن يعدهم بأن بناء المعبد ستكفل لهم الازدهار الزراعي .. وهكذا لم يبدأ العمل في

стр. 238

الهيكل إلا عام ٥٢٠ ق. م أى بعد سبعة عشر عاماُ، ولم يدشن المعبد الجديد الا عام ٥١٥ ق. م (١). ان من عاد من الوجهاء إلى بلده - وقد بقيت الأكثرية في بابل (٢) - قد وصل إلى هدفه فلقد أصبح رئيس الكهنة لديهم يهيمن على كل اسرائيل بعد اعادة بناء المعبد ... وبفضل تعاون أرستقراطية أورشليم مع المحتل الفارسي أصبح كبار الكهنة الصديقيون الذين كانوا قد شغلوا المناصب الكهنوتية -أباً عن جد منذ داوود وسليمان- مالكين لزمام السلطة العليا على انهم موظفون ووكلاء لملك الفرس. وهكذا ظهرت آثار النزاع بين العائدين من بابل وبين الذين ظلوا في فلسطين - يشهد بذلك سفر عزرا- ولكن الخلاف قد تجاوز قضية إعادة بناء المعبد إلى خلاف خاص .. وذلك حينما طلب المنفيون العائدون - ومعظمهم من الملاكين الاغنياء - إلى الفلاحين الفقراء البائسين إرجاع أرضهم إليهم. وواقع الحال أن عقليتين راحتا تصطرعان على كافة الصعد، فالمنفيون القدامى الذين انقطعوا عن بلدهم وشعبهم زماناً طويلاً كانوا يدعون أنهم وحدهم حملة التقاليد الموروثة ولابد لهم من فرض التقيد بها بصرامة ودقة. ولكي يحرص عزرا على مثانة جدران العشيرة وتماسك أسوارها فقد أولى أهمية خاصة لتحريم الزواج بالاجانب وشدد على الانكماش والانكفاء بدقة وصرامة وبمزيد من التقوقع، واجبر اليهود الذين كانوا قد بقوا في ارض فلسطين وتزوجوا من كنعانيات غير يهوديات وأنجبوا منهن أولادا، أجبرهم على ترك زوجاتهم .. وراح عزرا يقول لليهود إن سبب سبيكم هو اختلاطكم بأهل الأرض، فانتم شعب مقدس بل انتم شعب الله المختار فلا يجوز لكم حتى ملامسة أجنبي. (٣). جاء في سفر عزرا: "لا تزوجوا بناتكم لابنائهم ولا تأخذوا بناتهم لابنائكم، ولا تهتموا ابداً لسلامتهم وسعادتهم". وألح عزرا على طلاق النساء الاجنبيات وطردهن مع أولادهن. ولم يجرؤ أحد على الاعتراض. وهكذا إلى أن فرغوا من حل مشكلة المتزوجين من غريبات.

стр. 239

لقد قُضي على الحركة النبوئية المتطلعة إلى العالمية وانتصر التعصب تحت وطأة عصا طبقة الكهنوت التى كانت بعد سقوط المملكة تمتلك جميع السلطات، تدعمها في ذلك سلطة المحتل الزمنية، حيث يمكن القول ان فترة السيطرة الفارسية هي التى تمت فيها عملية اضفاء الطابع القانوني على الكتب المقدسة، وهذا يعني ان التشريع اليهودي لم يكن نقطة البداية في تاريخ اليهودية اذ ان نقطة البداية تعود فعلاً، إلى عصر السبي البابلي ثم جاء التشريع الموسوي متأخرا عنه (١). وهكذا الغي منذئذ كل تطور جديد وبدأ حكم المجامع الدينية وأحبار الشريعة، و قضى كلاً من عزرا ونحميا على مستقبل هذا الازدهار الرائع لثقافة الانبياء ونزعتهم الروحانية ... ولم يعمل الانتقال من الخضوع للسيطرة الفارسية إلى نير السيطرة اليونانية على فلسطين (٣٣٢ - ٣٣١ق. م) على احداث ايه تغيرات عميقة في الحالة الراهنة. وهكذا كان تسلم جوزياس للسلطة عام ٦٣٩ ق. م منعطفاً في تاريخ فلسطين والديانة اليهودية: "فلقد راح صوت الانبياء يخمد بعد تلك الهبة النبوية الكبيرة، لان ما زرعه الانبياء من خميرة حية قوية في العقيدة اليهودية، قد أجهزت عليه الطقوسية الحرفية للتقاليد الدينية التى طغت عليها الاعتبارات السياسية، ووقعت هذه الجماعة التى اغنت التراث الروحي الانساني بتعاليم انبيائها، لسلطان شكلانية النصوص وحرفية الشريعة ولن يقدر لها أن تسهم إسهاماً نوعياً في التاريخ العالمي" (٢). ويمكن تسمية هذه الفترة بعد السبي البابلي بالقرون المظلمة في تاريخ فلسطين، فلقد جفت ينابيع الابداع الروحي وتحجرت روح الايمان وطغت المؤامرات السياسية المشتبكة الجشعة. هذا، وفي ظل حكم ملوك يهودا المعتمدين على المحتلين المتناوبين عليهم لم تنقطع فلسطين عن اداء دورها التاريخي فحسب، بل صارت أداة مسخرة في يد القوى الغربية الكبرى. لقد توقف الابداع الروحي في هذه المرحلة التاريخية الخاضعة لنير ملوك محتلين مغامرين متعاونين مع كل الاسياد

стр. 240

المتعاقبين على ارضهم .. نعم لقد أصبحت أرض الكنعانيين، أرض تلاقي الحضارتين الزاهرتين، حضارة ما بين النهرين ومصر، الارض التي سبق لها ان شهدت ولادة ثقافة وعقيدة جديدتين تشهد بغناهما توراة أوغاريت الكنعانية، هذه الارض التى تقبلت العقيدة الابراهيمية بخضوعها المطلق لله، والتى رنت في جنباتها أصداء الرسالات العظيمة للأنبياء .. إن هذه الارض تبدو في هذه المرحلة وكأنها تخرج من التاريخ فلم يظهر فيها الا أسماء ملوك تابعين لفارس وللسلوقيين اليونان ثم الررومان، ولم تعرف الا اسماء قادة اجانب سفاحين من قطاع الطرق الفاسدين يدعمون من الامراء التافهين من يفوق غيره بالعطاء (١). عيسى المسيح ﵇ كان اليهود الذين رجعوا من الأسر البابلي قد تجمعوا في القدس، حيث تمتعوا خلال حكم الفرس ببعض الامتيازات. وما إن حل الحكم الإغريقي حتى أصبح وضعهم يتأرجح بين المد والجزر، ولاقوا أسوء الحالات في عهد الملك السلوقي أبيفان، الذي دمر الهيكل ونهب خزائنه واجبر اليهود على نبذ اليهودية واعتناق الوثنية. وبعد استيلاء الرومان على فلسطين، لم يكن حال اليهود فيها بأحسن من حالهم في عهد الإغريق، هذا بالرغم من إعادة بناء الهيكل، حيث شهدت فلسطين في عهد هيرودوس إضراب الأحوال بسبب سوء تصرف الموظفين الرومانيين. واهم ما تخلل هذه الفترة من أحداث هو ميلاد السيد المسيح ﵇، وبدأ دعوته، تم محاكمته وصلبه. "فمن المتواثر أن السيد المسيح ولد في أعقاب ثورة جائحة، اشتعلت في أقاليم فلسطين على الخصوص، أهدرت فيها دماء الألوف من الغلاة اليهود وأتباعهم لأنهم هبوا في وجه الدولة الرمانية بسبب تفشى الظلم والفساد" (٢)، حيث أخذت الأحوال تسوء بين السلطة الرومانية واليهود، حتى وصلت إلى ذروتها في سنة ٧٠م، عندما قام (فسبسيان) ابن الإمبراطور الروماني، بقمع تمرد اليهود ودخل القدس ودمر

стр. 241

الهيكل نهائياً (١). والذي يهمنا هنا هو ظهور المسيح ﵇، الذي أرسله الله ليصلح حال اليهود الذين عادوا إلى سابق عهدهم، في تخليهم عن أوامر الله ونواهيه وانحرفوا عن الطريق القويم بالرغم من أن الله أرسل لهم العديد من الرسل لهدايتهم، ولكنهم رفضوا دعوتهم وتآمروا عليهم فحلت بهم المصائب وعاشوا في ضيق شديد، واخذوا ينتظرون ظهور مسيح ليخلصهم مما هم فيه من تشتت واضطهاد، جلبوه على أنفسهم بسبب ضلالهم وانحراف كهنتهم الذين حرفوا أوامر الله ونواهيه، فعاش عامة الناس في ضيق وضياع شديد، بسبب ظلم الحاكم الروماني من ناحية، وانحراف كهنة الهيكل من ناحية أخرى. وقد سبق لنا أن رأينا كيف تحجر وانكمش ذلك الايمان الأول العظيم وبخاصة بعد النفي، فالشكلانية والانكماش والتعصب العرقي تتجلى كلها لدى الجماعة اليهودية في زمن المسيح بكل فئاتها. في القمة طبقة رجال الكهنوت من الصدوقيين .. حيث ترفض هذه الطبقة كل ما لم يرد حرفياً في الشريعة، وترفض كذلك كل اجتهاد وتجديد. أما امتيازاتهم الكنسية فكانت وراثية. ومنذ ان فقدت فلسطين استقلالها راحوا يتعاونون مع المحتل الفارسي، ثم المصري ثم اليوناني فالروماني. وقد ظهر الفريسيون آبان حكم المكابيين حينما رفض هؤلاء متابعة النضال السياسي بعد حصولهم على حرية العيش حسب تعاليم التوراة بصرامة وتشدد، فعليهم إذن أن يلتزموا بالشريعة التزاماً حرفياً دون أي تنازل كي يطبقوها على كل مسلك حياتي يومي، منطلقين من تفسيرات تبريرية ملزمة ليجعلوا الحياة اليومية مجموعة من الطقوس الشكلية الضيقة. والى جانب هذه اليهودية الرسمية هناك جماعة الاسينيين التي انفصلت عن العالم لتعيش في الاديرة حياة الرهبنه، بما تقضية من التزامات أخلاقية صارمه مبنية على تفسير تنائي يقتضي الانقطاع عن العالم لتكوين (شعب الله) الحقيقي والعيش على أمل رؤيوي في انتظار (رب العدالة). أما يسوع فقد ظهر بمعزل عن كل هذه الطوائف، والشخص الوحيد الذي يرتبط به هو يوحنا المعمدان. "لقد تنبأ يوحنا المعمدان بمجئ ملكوت الله كما سيتنبأ به يسوع، وقد دعا الناس جميعاً لا اليهود وحدهم إلى أن يعدوا أنفسهم لذلك.

стр. 242

جاء في إنجيل متى: "لا تظنوا أن ابراهيم أب لكم وحدكم لأني أقول لكم إن الله قادر أن يصنع من هذه الحجارة أولاد لابراهيم". وهذا ليس قطيعة أو انفصالاً عن (الشعب المختار) و (العهد) و (الوعد) ولكنه رفض لقصر صفة (شعب الله) على شعب مخصوص يورث كل ما وعده به الله لنسله. ان هذا الانتقال من الإطار القومي إلى العالمية هو ما بشرت به رسالة يسوع" (١). ومن أمثلة انحراف الكهنة وتضييقهم على الناس هو ما قام به الكاهن عزرا، الذي حرم الزواج من اجنبيات واجبر اليهود على ترك زوجاتهم الاجنبيات. وتطور هذا الأمر مع ورثة عزرا من كهنة وقسيسين بحيث انه في الوقت الذي ظهر به يسوع مبشرا بدعوته كان هناك ما لا يقل عن ستمائة قانون تقيد اليهود في جميع تصرفاتهم اليومية، ومن هنا إذا عدنا إلى العهد الجديد لوجدنا إن يسوع كان يتحدى هذه القوانين، والأمثلة على ذلك كثيرة أبرزها قوله: "هل صنع الإنسان للسبت أو السبت للإنسان؟ ". وهكذا فانه يمكننا النظر إلى دعوة السيد المسيح ﵇ كمحاولة لكسر هذا الطوق العنصري ولإطلاق نظر هذه الجماعة التي انغلقت على نفسها، لكي تعيش حياة عادية على أساس أبوة الله لجميع أبناءه وإخوة البشر ومحبتهم لبعضهم بعضاً، وهذا هو جوهر الدعوة التي أطلقها يسوع وهو جوهر الحضارة السورية كلها، جوهر محبة وانفتاح منذ فجر التاريخ، من هنا كان لا بد من قتل يسوع لكي لا يكسر طوق العنصرية هذا" (٢). في مثل هذا الظرف ولد السيد المسيح ﵇، وبرزت على صفحات ذلك العصر المريج صورة مشرقة .. زالت معها شرائع الهيكل وشرائع روما. فقد جاء سيدنا عيسى برسالة جديدة تدعوا إلى المحبة والتسامح والغفران، فأقبلت عليه الجموع حتى أحست السلطة الدينية والدنيوية بالخطر المقبل من ذلك الداعية المحبوب الذي التفت حوله الجموع .. فجاءوه في ميدانه بعد أن ترك لهم ميدانهم، ووقع الاشتباك الذي لابد منه بين سلطة شعارها المبالغة في الاتهام والبحث عن المخالفات والعقوبات، وبين دعوة شعارها تيسير التوبة للخاطئين وتمهيد سبيل الرجاء في

стр. 243

الغفران. فقد كان التبشير بالغفران والتوبة اكبر ذنوب الداعي الجديد، لان الخطايا والعقوبات بضاعة السلطان القائم (١)، سواء كهنة الهيكل أو السلطة الرومانية. لقد جاء عيسى المسيح ﵇ بشريعة جديدة ... شريعة تهدم كل عرف قائم وتعصف بكل شكل ظاهر، هذا بالرغم من انه أعلن: "لا تظنوا أنني جئت لانقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لانقض بل لأكمل" (متى ٥:١٧) .. ولكنه، قبل أن يعلن انه ما جاء لينقض بل ليكمل، كان قد ناقض الجوهريات الأساسية لشريعة الهيكل بقولة، فيما عرف باسم موعظة الجبل: "طوبى للمساكين بالروح لان لهم ملكوت السموات. طوبى للحزانى. لأنهم يتعزون. طوبى للودعاء. لأنهم يرثون الأرض. طوبى للجياع والعطاش إلى البر .. طوبى للرحماء .. طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون" (متى ٥:٣ـ١٠). لقد جاء المسيح ليقيم مملكته الروحية على أنقاض ما أفسده اليهود من الشريعة، إذ لا يعقل إن يأتي المسيح ليتم (فساد الشريعة) التي انتحلها اليهود لأنفسهم من دون أنبياء الله وما أوصوا به. ففي سفر ارميا النبي يقول لليهود: "محروقاتكم غير مقبولة ذبائحكم لا تلذ لي" (أرميا ٦:٢). وفي سفر أشعيا: "لا تعودوا تأتون بتقدمة باطلة، البخور هو مكروهة لي، رؤوس شهوركم وأعيادكم أبغضتها نفسي، صارت علي ثقلا، مللت حملها، فحين تبسطون أيديكم، أغمض عيني عنكم وان أكثرتم الصلاة لا اسمع أيديكم ملآنة دما" (أشعيا ١:١١ـ١٥)، وعلى لسان عاموس النبي يطلق صرخته في وجه هذا الشعب "ابعد عني ضجة أغانيك ونغمة ربابتك لا اسمع" (عاموس:٢٣)، أما المسيح فوجدهم "كالقبور المبيضة من الخارج ومن الداخل عظام نتنه" (متى ٢٣:٢٧). وفي موضع آخر يصرخ عيسى الناصري "يا مراءون حسناً تنبأ عنكم أشعيا قائلاً: "يقترب إلي هذا الشعب بفمه ويكرمني بشفتيه، أما قلبه فيبتعد عني بعيداً (متى ١٥:٧ـ٨) (٢). فيسوع - خلافاً للأحبار الربانيين- لا يبشر في الكنيس وإنما هو مبشر جواب يتوجه إلى كل الناس لا إلى فئة معينة. وهو لا يستخدم أبداً الأمر والزجر في

стр. 244

استشهاده بالنصوص المقدسة أو بالتعاليم ... وحينما يشير إلى الشريعة يتحدث عنها حديث انسان يقطع صلته بالتقاليد المتحجرة، وإن كان يصرح بأنه لم يأت لينقض العهد. ولكنه يعارض الشريعة حيناً ويهجم على السبت بجرأة ويصرح بأن السبت خلق للانسان ولم يخلق الانسان للسبت، وهو لا يراعي المحرمات الخاصة بطقوس الطهارة. وفي (موعظة الجبل) يشكك في شريعة موسى لا ليهجم على حرفيتها ويدعو إلى الأخذ بروحها فحسب، بل ليربطها بالوجدان الذاتي الداخلي. إنه يتناول شريعة موسى بقوله: "قيل لكم قديماً: العين بالعين والسن بالسن. وأنا أقول لكم. من ضربك على خذك الأيمن فأعطه الأيسر". ومن الصعب عليك أن ترى في شريعة المحبة إكمالاً للعهد، إنها تنقضه وتنفيه. "قديماً قيل لأجدادكم .. أما انا فأقول لكم"، إن هذه اللازمة التي رددها يسوع في موعظته على الجبل تظهر لنا ما في رسالته من نقض لشريعة موسى. إن يسوع يحرر مفهوم الإرادة الإلهية من تحجره في ألواح شريعة موسى، يحرره من كل شكلانية وحرفية وطقسية ضيقة. وحينما يسأله أحد أحبار اليهود المسيح قائلاً: "ما أهم وصية في الشريعة؟ " يجيبه يسوع بقوله: "أن تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. تلك هي الوصية الأولى والكبرى. أما الثانية فمثلها وهي: أن تحب قريبك مثلما تحب نفسك". بهاتين الوصيتين يتلخص الناموس وشريعة الأنبياء. إن هذا الحب ينقض نقضاً جذرياً مفهوم الحب لدى اليونان وكذلك مفهومه لدى اليهود .. ان مفهوم الحب لدى اليونان هو ليس حب الآخرين بل هو الحب للحب. .. أما المحبة - حسب رسالة يسوع- فلا تقيم فرقاً بين الغريب وبين المواطن في مدينة أو الفرد في قبيلة، ولا بين الصديق والعدو ... ان هذا الحب هو بداية لإنسانية جديدة تهئ نفسها لاستقبال ملكوت الله الآتي. ومن الواضح هنا التناقض الجوهري بين تعاليم السيد المسيح وبين ما جاء في العهد القديم، فحياة يسوع كلها، أقواله وأفعاله، هي في الواقع، إدانة للإيمان

стр. 245

والثقافة اليهودية (١)، والتناقض واضح بين ما قاله المسيح وما قيل للقدماء في العهد القديم: "قيل للقدماء لا تقتل ومن يقتل عليه العقاب. أما أنا فأقول لكم إن من يغضب على أخيه باطلاً يأثم ويجزى". "قيل للقدماء لا تحنث. أما أنا أقول لكم لا تحلفوا .. وليكن كلامكم كله نعم ... نعم .. لا ... لا .. وما زاد على ذلك فهو من الشيطان". "سمعتم انه قيل عين بعين، وسن بسن، وأما أنا فأقول لكم لا تقابلوا الشر بالشر، ومن لطمك على خدك الأيمن فحول له خدك الأيسر، ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه ميلين". "سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعدائكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، واغفروا لمن يسئ إليكم ويطردكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات، فانه يطلع شمسه على الأشرار والصالحين ويرسل غيثه للأبرار والظالمين. وأي اجر لكم إن أحببتم من يحبونكم .. أليس العشارون يفعلون ذلك؟ وأي فضل تصنعون إن خصصتم إخوتكم بالسلام؟ أليس العشارون يفعلون ذلك؟ فتعلقوا انتم بالكمال، فان الله كامل يحب الكمال". بهذه الشريعة ـ شريعة الحب ـ نقض المسيح كل حرف في شريعة الأشكال والظواهر، وقضى على شريعة الكبرياء والرياء وعلم الناس أن الوصايا الإلهية لم تجعل للزهو والدعوى والتيه بالنفس ووصم الآخرين بالتهم والذنوب، ولكنها جعلت لحساب نفسك قبل حساب غيرك، وللعطف على الناس بالرحمة والمعذرة، لا اقتناص الزلات واستطلاع العيوب (٢)، شريعة فتحت ملكوت السماء أمام الجميع، بعد أن أغلقها كهنة اليهود، في وجه الشعوب الأخرى "الأمميين"، حيث تحولت الدعوة من

стр. 246

خاصة إلى عامة، ومن أمة واحدة إلى سائر الأمم، واندثرت مع يسوع الأسطورة القاتلة، أسطورة (الشعب المختار) والتي هي تبرير أيديولوجي لكل سيطرة سياسية أو دينية. "لقد كان ظهور المسيح ـ في الواقع ـ هو اللحظة التي انفتحت فيها طاقة رائعة في تاريخ البشر والآلهة: انه المسيح الذي عده البشر أفضل ممر للكمال الإلهي، انه أكثرهم ضعفاً وتجرداً من المال، وما من شيء في الماضي اليهودي أو اليوناني كان ينبئ بمثل هذا التحول الجذري لفكرة الإنسان عن الإله: فالمسيح ليس ابنا لزيوس ولا ليهوه ولا لأي اله قدير، فمع المسيح لم يعد التعبير عن التعالي الإلهي يتم بكلمات خارجية أو سلطوية، القطيعة هنا كانت جذريه، قطيعة مع اله الأسلحة زيوس الذي يلوح بسيفه في مهارة صاعقة، منذ مجيء المسيح لم يعد التعالي والتجاوز اللإنساني يتصور وفق سلطة الحكام المقتدرين، الذين يحكمون من أعلى السموات أو من على قمة جبل الأوليمب على أفعال البشر، يهبونهم النصر أو يلحقون بهم الهزيمة ليصلحوا أمرهم أو يهذبوهم. إنما هو المسيح الذي عاش ابسط حياة البشر بلا جاه ولا مال ـ فقد مات ابسط ميتة، ميتة العبيد المتمردين فهؤلاء وحدهم كانوا يسمرون على الصليب" (١). نعم .. لقد كانت حياة يسوع خرق مستمر لشرائع التوراة اليهودية. فبينما يحكم الله، في العهد القديم، على الذين لا يقبلون شريعته بالإبادة أو بعذاب الهاوية (تثنية ٢ـ٢٢، اشعيا ١٣ـ٩، أيوب ٢٤ـ١٩)، يقول يسوع على العكس: "إني لم آت لأدعو الصديقين بل الخطاة" (مرقص ٢ـ١٧) (٢). شريعة هذا حالها كان لابد لها من الصدام مع شريعة الهيكل وشريعة الحاكم الروماني، وكان السجال بينهما هو السجال بين شريعة الحب والضمير، وشريعة الظواهر والأشكال. فكان لابد من التخلص من صاحبها، وتنحيته جانباً (٣) .. وكل ذلك يظهر أن موت يسوع ناجم عن حياته وأقواله وأفعاله: "أن خرقه المستمر للتوراة يستحق، في نظر الكهنة اليهود، الموت مراراً.

стр. 247

فالإله الذي يكشف لنا عنه يسوع ـ كما يقول اللاهوتي الأسباني (غونزالير فوس) ـ ليس اله العهد القديم" (١)، بل اله آخر مختلف تماماً. "لقد كانت عظمة الله تتجلى قبل المسيح في قوة الملك أو الامبراطور .. وها هي ذي تتجلى الآن في الفقر والافتقار إلى كل قوة مادية، علي المستوى الإنساني، في خيبة المسيح-الانسان الذي خانه حتى أتباعه في اللحظة الحاسمة وأنكروه أو هجروه ولزموا الصمت، كما تتجلى في محاولة قتله بذلك الاسلوب المعيب، وهو أسلوب الصلب المتبع في اعدام العبيد العصاة. وحينما يصرح يسوع قائلاً في انجيل يوحنا: "إن مملكتى ليست من هذا العالم"، فهذا لا يعني أنه يستسلم أمام ضلالات الوجود لكي ينجو بنفسه إلى عالم آخر، وإنما ليبشر بعالم آخر ممكن التحقق، يختلف عن هذا العالم ولا يخضع لضلالاته وقوانينه الظالمة" (٢). عيسى ليس المسيح المنتظر جاء المسيح ﵇ واليهودية تقبع تحت الحكم الروماني ... ثورة الماكبيين قد انتهت وديست هذه الأمة بالصغار والشناءة. الولاة عليها أجانب (هيريدوس الايدمي) و (بيلاطس النبطي) ... فهل يقود المسيح ثورة ضدهم ويحرر اليهود؟ لم يفعل المسيح ذلك كما يتوقع اليهود لقد قاد ثورة في قلب اليهودية وأراد إن يقلبها من داخلها لتعيش مع العالم بسلام ومحبه، كانت دعوته ضد العنف ومع الحب والحنان والأخوة والسلام، ولهذا لما بعث المسيح ﵇ أنكر كهان الهيكل بعثته، وآمن به بعض اليهود وبعض أبناء الأمم المقيمين في فلسطين، والكهنة لا يرون في عيسى ﵇ بأنه المسيح المنتظر (٣). فاليهود كانوا ينتظرون مسيحاً محارباً خاصاً بهم، ذلك أن انتظار المسيح المحارب هو أحد أهم المعتقدات اليهودية، ويفترض عندهم ـ كما تنبأ أنبياء العهد القديم أن يأتي المسيح المحارب من سلالة داود فيعيد تأسيس مملكة داود بالقوة، وينقذ اليهود من النفي، ويعيدهم إلى الأرض المقدسة حيث يسحق أعدائهم ويعيد بناء معبد سليمان، وتعود

стр. 248

القدس عاصمة لهم. ولكن لما لم تكن أي نبوءة من تلك النبوءات قد تحققت حتى عصر الهيكل الثاني، فإن النتيجة التي لا مهرب منهاـ كما يقول اليهودـ هي أن عيسى ﵇ ادعى باطلاً انه مسيح الرب. فالإنعام بلقب (مسيح الرب) على أي بطل أسطوري أو تاريخي .. ظل مرتبطاً بالاعتبار الأساسي في الديانة اليهودية، وبالغرض الذي نشأت من اجله أصلاً، وهو إقامة الملك ودوامه ... فقورش بات ـ لوقت ـ المسيح المنتظر رغم عدم عبادته ليهوه، بل وعدم كونه من شعب يهوه المختار أصلاً. فاشعيا يؤكد أن يهوه قال له عن قورش: "انه راعى، فكل مسرتي يتمم. لأنه يقول أورشليم إنها ستبنى ويقول للهيكل سوف تؤسس" (اشعياء ٤٤:٢٨). وبذلك الوعد من قورش بإعادة بناء أورشليم والهيكل الثاني بات قورش المسيح المنتظر وقد جاء ليحقق النبوءة: "هكذا يقول يهوه لمسيحه قورش .. " (اشعياء ٤٥: ١). غير أن ذلك الرضا اليهودي كله كما صوره اشعيا كان في غمار فورة الفرح بانتصار الفرس على بابل، التي من عنف وحشية الكره اليهودي لها تغنى منشد المزامير قائلاً "انه مبارك كل من يمسك بأطفالها ويهشم رؤوسهم على الصخر". أما بعد أن فترت الفورة وخمدت النار، فإننا نفاجأ في التلمود بيهوة وهو يشكو لمسيحه قائلاً: "إني أشكو لك من قورش! فقد كنت أظن انه سيعيد بناء بيتي ويجمع شعبي من المنفى! ولكنه لم يفعل أكثر من انه قال: من منكم من كل شعبه يرغب في العودة ليكن ألهه معه ويصعد إلى أورشليم" (سفر عزرا ١: ٣). وعلى إيه حال، فإننا نجد أن المسيح الموعود لم يأت لليهود، وأنهم ظلوا يأتون في شخص هذا وذاك من أبطال حكايتهم المتفق عليهم، وظلوا يكتشفون أن من أتوا به ليس هو. وعندما ظهر يسوع، عيسى بن مريم، وقال انه لم يأت لينقض الناموس بل ليكمله، وظل يتحدث عن الأب الذي في السموات بدلاً من رب الجنود المحارب المنتقم، وألقى موعظة قال فيها: "طوبى لصانعي السلام"، لم يكن من الممكن ـ بطبيعة الحال ـ أن يعترف به أحد بوصفه المسيح المحارب المنتظر، بل وصف (معاذ الله) بالمجنون وبالمشعوذ وبالدجال وبالمضلل وبمفسد إسرائيل

стр. 249

وهادمها" (١). لأنه نفى أن يكون لمهمته أي علاقة بالحرب أو سحق الأعداء أو تأسيس مملكة جغرافية على الأرض. فقد أوضح لليهود بجلاء انه لم يأت لكي يقودهم في حرب ضد إمبراطورية روما (٢) بل بشرهم بقوله: "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون". فالمسيح الذي وعد يهوه اليهود به، مسيح محارب صنديد أشبه بالسفاح يشوع. وعيسى يقول هنا عكس ذلك، وانه جاء ليكون صانع سلام وليعظ البشر بأن يكونوا صانعي سلام، وينبههم بأنهم يصبحون أبناء الله فقط عندما يكونون صانعي سلام. وهذا النص يناقض بالكامل الموقف التوراتي من أساسه. فاليهودية جعلت الإله "رجل حرب، ورب الجنود" والمسيح يناقض ذلك باله رحيم وآله سلام. يقول (ايثلبرنت ستوفر) من جامعة علوم الدين بزيورخ: "المسيح يعلن رسالة جديدة من الله وديناً جديداً لم يعد لها أي اتصال بالتوراة". ويقول عالم آخر من علماء الدين هو (جنزاليس فوس)، في كتابه (القرب من يسوع): "أن الرب الذي دعا له يسوع ليس هو الرب الذي دعا إليه العهد القديم" (٣). فاليهودية علمت اليهود، أنهم لا يحصلون على رضا يهوه إلا إذا ظلوا شعباً محارباً دموياً. وفي العهد القديم نصوص كثيرة لا تحصى تبين أن ذلك الإله المحارب أوشك أن ينقلب على شعبه فيفترسه في كل مره قصر الشعب فيها لسبب أو لآخر، عن القيام بمذبحة جماعية أمر بها. وعندما استجلب الشعب على نفسه بتلك الشراسة الدموية عداء وكراهية كل من احتك به أو عايشه من شعوب، وتعرض للتدمير والسبي والمذلة والتشتيت، كان وعد معبودة له بالخلاص والفداء على يدي مسيح محارب دموي ينفذ "سخط الرب على كل الأمم وغضب الرب على جيوشهم ويحرمهم ويدفعهم إلى الذبح حتى تطرح قتلاهم ويصعد نتن جيفهم وتسيل الجبال بدمائهم" (اشعياء ٣٤: ٢ـ٣)، إذ يقود جيش الشعب في يوم الهول هذا الذي يعد يهوه شعبه بأن "يضرب فيه كل خيل الشعوب المعادية لإسرائيل بالعمى وراكبيها بالجنون ويجعل أمراء يهودا كمشعل نار فيأكلون كل الشعوب عن اليمين وعن اليسار ويلتمس هلاك كل الأمم الآتين على أورشليم"

стр. 250

(زكريا ١٢:٤ـ٦)، وإذ ذاك ـ على كل تلك الأشلاء وبحار الدم والجيف المنتنة - تقوم مملكة يهوه على الأرض بسيف المسيح المحارب. لكن مسيح المسيحية، الذي اعتبره اليهود كاذباً ومفسداً ومضللاً ودعياً (١)، يناقض ذلك كله، ويقول: "انه المسيح (ابن الإنسان)، ويعلم بأن مملكة الله (ملكوت السموات) ليست للمحاربين شاربي الدماء، بل للمساكين بالروح، وللمطرودين من اجل البر". ويتمادى فيقول أن اليهود، ما لم يكونوا رحماء وأنقياء قلب وصانعي سلام لن يكونوا أبناء لله ولن يكون لهم ملكوت السموات. وهذا بحكم كل كلمة في التوراة والعهد القديم، كفر وهرطقة، ومخالفة لكلام الله إلى موسى والى النبييم، وادعاء قائله بأنه المسيح ادعاء باطل ومكذوب استحق أن يشنق بسببه كاللصوص والقتلة فيموت مصلوباً، ويمحى اسمه وذكره، كما يعلم التلمود (٢). ديانة المسيح أم ديانة بولس ويوحنا ؟ لم يكتفي اليهود بالتآمر على سيدنا عيسى ﵇، والوشاية به للحاكم الروماني وصلبه، بل عملوا على محو تعاليمه من الوجود وتحريفها وتشويهها، لأنها تتناقض مع كل ما جاء في كتبهم المليئة بالحقد على البشرية جمعاء، والتي تفوح منها رائحة الدم والقتل. وهذا الأمر ليس غريباً على الذين ألفوا التلمود (كتاب الحقد البشري) وصانعوا الماسونية (نظام التآمر الذي دس رؤوس اليهود والصهيونية في جميع مناصب القرار في العالم)، والذين أشعلوا الحروب والثورات وأججوا الفتن عبر التاريخ كله .. فهم المفسدون منذ الأزل في الأرض (٣). فبعد السيد المسيح ﵇، قام تلاميذه بالدعوة للديانة الجديدة، وانتشروا في البلاد لنشر مبادئه، ووضعوا أناجيلهم المعروفة، ولكن الديانة الجديدة
следующие страницы →