← Общие книги

Общие книги · id 36505

الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم

يوسف الطويل

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

خاصة إلى عامة، ومن أمة واحدة إلى سائر الأمم، واندثرت مع يسوع الأسطورة القاتلة، أسطورة (الشعب المختار) والتي هي تبرير أيديولوجي لكل سيطرة سياسية أو دينية. "لقد كان ظهور المسيح ـ في الواقع ـ هو اللحظة التي انفتحت فيها طاقة رائعة في تاريخ البشر والآلهة: انه المسيح الذي عده البشر أفضل ممر للكمال الإلهي، انه أكثرهم ضعفاً وتجرداً من المال، وما من شيء في الماضي اليهودي أو اليوناني كان ينبئ بمثل هذا التحول الجذري لفكرة الإنسان عن الإله: فالمسيح ليس ابنا لزيوس ولا ليهوه ولا لأي اله قدير، فمع المسيح لم يعد التعبير عن التعالي الإلهي يتم بكلمات خارجية أو سلطوية، القطيعة هنا كانت جذريه، قطيعة مع اله الأسلحة زيوس الذي يلوح بسيفه في مهارة صاعقة، منذ مجيء المسيح لم يعد التعالي والتجاوز اللإنساني يتصور وفق سلطة الحكام المقتدرين، الذين يحكمون من أعلى السموات أو من على قمة جبل الأوليمب على أفعال البشر، يهبونهم النصر أو يلحقون بهم الهزيمة ليصلحوا أمرهم أو يهذبوهم. إنما هو المسيح الذي عاش ابسط حياة البشر بلا جاه ولا مال ـ فقد مات ابسط ميتة، ميتة العبيد المتمردين فهؤلاء وحدهم كانوا يسمرون على الصليب" (١). نعم .. لقد كانت حياة يسوع خرق مستمر لشرائع التوراة اليهودية. فبينما يحكم الله، في العهد القديم، على الذين لا يقبلون شريعته بالإبادة أو بعذاب الهاوية (تثنية ٢ـ٢٢، اشعيا ١٣ـ٩، أيوب ٢٤ـ١٩)، يقول يسوع على العكس: "إني لم آت لأدعو الصديقين بل الخطاة" (مرقص ٢ـ١٧) (٢). شريعة هذا حالها كان لابد لها من الصدام مع شريعة الهيكل وشريعة الحاكم الروماني، وكان السجال بينهما هو السجال بين شريعة الحب والضمير، وشريعة الظواهر والأشكال. فكان لابد من التخلص من صاحبها، وتنحيته جانباً (٣) .. وكل ذلك يظهر أن موت يسوع ناجم عن حياته وأقواله وأفعاله: "أن خرقه المستمر للتوراة يستحق، في نظر الكهنة اليهود، الموت مراراً.

стр. 247

فالإله الذي يكشف لنا عنه يسوع ـ كما يقول اللاهوتي الأسباني (غونزالير فوس) ـ ليس اله العهد القديم" (١)، بل اله آخر مختلف تماماً. "لقد كانت عظمة الله تتجلى قبل المسيح في قوة الملك أو الامبراطور .. وها هي ذي تتجلى الآن في الفقر والافتقار إلى كل قوة مادية، علي المستوى الإنساني، في خيبة المسيح-الانسان الذي خانه حتى أتباعه في اللحظة الحاسمة وأنكروه أو هجروه ولزموا الصمت، كما تتجلى في محاولة قتله بذلك الاسلوب المعيب، وهو أسلوب الصلب المتبع في اعدام العبيد العصاة. وحينما يصرح يسوع قائلاً في انجيل يوحنا: "إن مملكتى ليست من هذا العالم"، فهذا لا يعني أنه يستسلم أمام ضلالات الوجود لكي ينجو بنفسه إلى عالم آخر، وإنما ليبشر بعالم آخر ممكن التحقق، يختلف عن هذا العالم ولا يخضع لضلالاته وقوانينه الظالمة" (٢). عيسى ليس المسيح المنتظر جاء المسيح ﵇ واليهودية تقبع تحت الحكم الروماني ... ثورة الماكبيين قد انتهت وديست هذه الأمة بالصغار والشناءة. الولاة عليها أجانب (هيريدوس الايدمي) و (بيلاطس النبطي) ... فهل يقود المسيح ثورة ضدهم ويحرر اليهود؟ لم يفعل المسيح ذلك كما يتوقع اليهود لقد قاد ثورة في قلب اليهودية وأراد إن يقلبها من داخلها لتعيش مع العالم بسلام ومحبه، كانت دعوته ضد العنف ومع الحب والحنان والأخوة والسلام، ولهذا لما بعث المسيح ﵇ أنكر كهان الهيكل بعثته، وآمن به بعض اليهود وبعض أبناء الأمم المقيمين في فلسطين، والكهنة لا يرون في عيسى ﵇ بأنه المسيح المنتظر (٣). فاليهود كانوا ينتظرون مسيحاً محارباً خاصاً بهم، ذلك أن انتظار المسيح المحارب هو أحد أهم المعتقدات اليهودية، ويفترض عندهم ـ كما تنبأ أنبياء العهد القديم أن يأتي المسيح المحارب من سلالة داود فيعيد تأسيس مملكة داود بالقوة، وينقذ اليهود من النفي، ويعيدهم إلى الأرض المقدسة حيث يسحق أعدائهم ويعيد بناء معبد سليمان، وتعود

стр. 248

القدس عاصمة لهم. ولكن لما لم تكن أي نبوءة من تلك النبوءات قد تحققت حتى عصر الهيكل الثاني، فإن النتيجة التي لا مهرب منهاـ كما يقول اليهودـ هي أن عيسى ﵇ ادعى باطلاً انه مسيح الرب. فالإنعام بلقب (مسيح الرب) على أي بطل أسطوري أو تاريخي .. ظل مرتبطاً بالاعتبار الأساسي في الديانة اليهودية، وبالغرض الذي نشأت من اجله أصلاً، وهو إقامة الملك ودوامه ... فقورش بات ـ لوقت ـ المسيح المنتظر رغم عدم عبادته ليهوه، بل وعدم كونه من شعب يهوه المختار أصلاً. فاشعيا يؤكد أن يهوه قال له عن قورش: "انه راعى، فكل مسرتي يتمم. لأنه يقول أورشليم إنها ستبنى ويقول للهيكل سوف تؤسس" (اشعياء ٤٤:٢٨). وبذلك الوعد من قورش بإعادة بناء أورشليم والهيكل الثاني بات قورش المسيح المنتظر وقد جاء ليحقق النبوءة: "هكذا يقول يهوه لمسيحه قورش .. " (اشعياء ٤٥: ١). غير أن ذلك الرضا اليهودي كله كما صوره اشعيا كان في غمار فورة الفرح بانتصار الفرس على بابل، التي من عنف وحشية الكره اليهودي لها تغنى منشد المزامير قائلاً "انه مبارك كل من يمسك بأطفالها ويهشم رؤوسهم على الصخر". أما بعد أن فترت الفورة وخمدت النار، فإننا نفاجأ في التلمود بيهوة وهو يشكو لمسيحه قائلاً: "إني أشكو لك من قورش! فقد كنت أظن انه سيعيد بناء بيتي ويجمع شعبي من المنفى! ولكنه لم يفعل أكثر من انه قال: من منكم من كل شعبه يرغب في العودة ليكن ألهه معه ويصعد إلى أورشليم" (سفر عزرا ١: ٣). وعلى إيه حال، فإننا نجد أن المسيح الموعود لم يأت لليهود، وأنهم ظلوا يأتون في شخص هذا وذاك من أبطال حكايتهم المتفق عليهم، وظلوا يكتشفون أن من أتوا به ليس هو. وعندما ظهر يسوع، عيسى بن مريم، وقال انه لم يأت لينقض الناموس بل ليكمله، وظل يتحدث عن الأب الذي في السموات بدلاً من رب الجنود المحارب المنتقم، وألقى موعظة قال فيها: "طوبى لصانعي السلام"، لم يكن من الممكن ـ بطبيعة الحال ـ أن يعترف به أحد بوصفه المسيح المحارب المنتظر، بل وصف (معاذ الله) بالمجنون وبالمشعوذ وبالدجال وبالمضلل وبمفسد إسرائيل

стр. 249

وهادمها" (١). لأنه نفى أن يكون لمهمته أي علاقة بالحرب أو سحق الأعداء أو تأسيس مملكة جغرافية على الأرض. فقد أوضح لليهود بجلاء انه لم يأت لكي يقودهم في حرب ضد إمبراطورية روما (٢) بل بشرهم بقوله: "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون". فالمسيح الذي وعد يهوه اليهود به، مسيح محارب صنديد أشبه بالسفاح يشوع. وعيسى يقول هنا عكس ذلك، وانه جاء ليكون صانع سلام وليعظ البشر بأن يكونوا صانعي سلام، وينبههم بأنهم يصبحون أبناء الله فقط عندما يكونون صانعي سلام. وهذا النص يناقض بالكامل الموقف التوراتي من أساسه. فاليهودية جعلت الإله "رجل حرب، ورب الجنود" والمسيح يناقض ذلك باله رحيم وآله سلام. يقول (ايثلبرنت ستوفر) من جامعة علوم الدين بزيورخ: "المسيح يعلن رسالة جديدة من الله وديناً جديداً لم يعد لها أي اتصال بالتوراة". ويقول عالم آخر من علماء الدين هو (جنزاليس فوس)، في كتابه (القرب من يسوع): "أن الرب الذي دعا له يسوع ليس هو الرب الذي دعا إليه العهد القديم" (٣). فاليهودية علمت اليهود، أنهم لا يحصلون على رضا يهوه إلا إذا ظلوا شعباً محارباً دموياً. وفي العهد القديم نصوص كثيرة لا تحصى تبين أن ذلك الإله المحارب أوشك أن ينقلب على شعبه فيفترسه في كل مره قصر الشعب فيها لسبب أو لآخر، عن القيام بمذبحة جماعية أمر بها. وعندما استجلب الشعب على نفسه بتلك الشراسة الدموية عداء وكراهية كل من احتك به أو عايشه من شعوب، وتعرض للتدمير والسبي والمذلة والتشتيت، كان وعد معبودة له بالخلاص والفداء على يدي مسيح محارب دموي ينفذ "سخط الرب على كل الأمم وغضب الرب على جيوشهم ويحرمهم ويدفعهم إلى الذبح حتى تطرح قتلاهم ويصعد نتن جيفهم وتسيل الجبال بدمائهم" (اشعياء ٣٤: ٢ـ٣)، إذ يقود جيش الشعب في يوم الهول هذا الذي يعد يهوه شعبه بأن "يضرب فيه كل خيل الشعوب المعادية لإسرائيل بالعمى وراكبيها بالجنون ويجعل أمراء يهودا كمشعل نار فيأكلون كل الشعوب عن اليمين وعن اليسار ويلتمس هلاك كل الأمم الآتين على أورشليم"

стр. 250

(زكريا ١٢:٤ـ٦)، وإذ ذاك ـ على كل تلك الأشلاء وبحار الدم والجيف المنتنة - تقوم مملكة يهوه على الأرض بسيف المسيح المحارب. لكن مسيح المسيحية، الذي اعتبره اليهود كاذباً ومفسداً ومضللاً ودعياً (١)، يناقض ذلك كله، ويقول: "انه المسيح (ابن الإنسان)، ويعلم بأن مملكة الله (ملكوت السموات) ليست للمحاربين شاربي الدماء، بل للمساكين بالروح، وللمطرودين من اجل البر". ويتمادى فيقول أن اليهود، ما لم يكونوا رحماء وأنقياء قلب وصانعي سلام لن يكونوا أبناء لله ولن يكون لهم ملكوت السموات. وهذا بحكم كل كلمة في التوراة والعهد القديم، كفر وهرطقة، ومخالفة لكلام الله إلى موسى والى النبييم، وادعاء قائله بأنه المسيح ادعاء باطل ومكذوب استحق أن يشنق بسببه كاللصوص والقتلة فيموت مصلوباً، ويمحى اسمه وذكره، كما يعلم التلمود (٢). ديانة المسيح أم ديانة بولس ويوحنا ؟ لم يكتفي اليهود بالتآمر على سيدنا عيسى ﵇، والوشاية به للحاكم الروماني وصلبه، بل عملوا على محو تعاليمه من الوجود وتحريفها وتشويهها، لأنها تتناقض مع كل ما جاء في كتبهم المليئة بالحقد على البشرية جمعاء، والتي تفوح منها رائحة الدم والقتل. وهذا الأمر ليس غريباً على الذين ألفوا التلمود (كتاب الحقد البشري) وصانعوا الماسونية (نظام التآمر الذي دس رؤوس اليهود والصهيونية في جميع مناصب القرار في العالم)، والذين أشعلوا الحروب والثورات وأججوا الفتن عبر التاريخ كله .. فهم المفسدون منذ الأزل في الأرض (٣). فبعد السيد المسيح ﵇، قام تلاميذه بالدعوة للديانة الجديدة، وانتشروا في البلاد لنشر مبادئه، ووضعوا أناجيلهم المعروفة، ولكن الديانة الجديدة

стр. 251

دخلت مرحلة خطيرة على يد بولس الرسول (شاءول الطرطوسي)، الذي لعب دوراً خطيراً في تزييف المسيحية (١)، حيث انه كان يهودياً من اشد أعداء المسيحية، ولكنه ادعى أن السيد المسيح ظهر له وهو في طريقه إلى دمشق وطلب منه الدعوة للمسيحية، وفعلاً بدأ بولس الرسول بالدعوة للمسيحية ولكن على طريقته، حيث أنه كان أول من قال بأن المسيح ابن الله، فأخرج المسيحية عن عقيدة التوحيد التي كانت عليها، وحاول أن ينشر عقيدته الجديدة في بلاد الشرق ولكنه جوبه بمعارضة شديدة بسبب ما انفطر عليه أهل الشرق من ميل للتوحيد، مما دفع بولس إلى الدعوة إلى عقيدته الجديدة في أوروبا، حيث وجدت هذه العقيدة آذاناً صاغية وأرضاً خصبة هناك. "فالتثليث ونزول الإله من السماء وتضحيته بنفسه وتكفيره عن خطيئة البشر وصعوده مرة أخرى، كانت لها جذور قديمة في الأساطير الأوروبية، حيث لم يكن التوحيد عميق الجذور هناك" (٢). لهذا فإن كثير من الباحثين يعتبرون أن بولس هو المؤسس الحقيقي للمسيحية. يقول (ويلز) في كتابه معالم التاريخ الانسانية ج ٤ ص ١٣١٢: "إن المسيحية (قامت على نظريات بولس، لا على قضايا المسيح) أى ان مسيحية اليوم يجب ان تسمى (بوليسية) " (٣)، حيث وضع بولس العديد من الرسائل بين فيها فهمه للديانة الجديدة، هذا بالرغم من انه لم يكن يعرف شيئاً عن حياة المسيح ولا عن بعثته ورسالته، ولم يكترث أن يعرف، لأن رسالة المسيح على الأرض بالنسبة له لم تكن تحمل أي معنى، ولذا صرف كل طاقته في البحث عن ماهية المسيح وعن مغزى صلبه وقيامته (٤)، ثم عودته الثانية في صورة المسيح اليهودي المحارب، والتي اعتقد أنها قريبة الوقوع لينقض على الشر ويقيم مملكة الله في الأرض، والأخطر من ذلك كله هو ربطه العهد الجديد بالعهد القديم بالرغم من الاختلافات الجوهرية بين الاثنين.

стр. 252

لقد كان بولس حريصاً على أن يجعل من يسوع، خلافاً للسنة التقليدية اليهودية، الفصل النهائي في العهد القديم، وإتماماً للمواعيد التي وعدت بها إسرائيل، حيث ألزم نفسه منذ البداية بمهمة أساسية وهى أن يجعل من يسوع (مسيا إسرائيل)، هذا بالرغم من أن يسوع (المسيح) رفض دائماً هذا اللقب المرتبط بنظام اليهود السياسي (١). لهذا فقد اخذ بولس يبشر بقرب نهاية العالم وعودة المسيح ثانية ليكمل ما لم يكمله في نزوله الأول، مستلهماً كل ذلك من أسفار العهد القديم. فقد رأى بولس أن حياة ومعاناة المسيح (وموته وقيامته) وصعوده إلى السماء، كلها لم تكن سوى مؤشرات لنهاية العالم، وكان يعتقد أن قدره القيام بدور فريد في أحداث عصره، ومن هذا الدور إنذار المؤمنين بالنهاية الوشيكة، حيث كانت تلك القوة الدافعة وراء مهمة بولس، وكان الوقت قصيراً يوشك على النفاذ، والعالم على وشك أن يتبدد: "أقول لكم يا إخواني أن الزمن ـ الباقي ـ قصير وان العالم بشكله الحالي قارب نهايته" (رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينثوس ٧/ ٢٩،٣١). وبعد أن انتهت حسب رأيه مهمته التبشيرية في المشرق، بدأ يخطط للذهاب إلى أقصى العالم ـ إسبانيا ـ لينذر الناس هنالك أن عليهم التوبة قبل النهاية الوشيكة، وكتب إلى أتباعه في روما يقول: "وحيث لم يعد مكان لي في هذه المناطق - في المشرق فسأمضي ماراً بكم إلى إسبانيا" (رسالته إلى أهل روميه ١٥/ ٢٣،٢٨). كان يخشى أن يدركه الوقت فينتهي العالم قبل أن ينذر الناس في إسبانيا وفي طريقه إليها، كان يريد المرور بروما للقاء أتباعه فيها. لقد كان لدى بولس هاجس قوي، بل عقيدة أن (الرب) -يقصد نهاية العالم حسب تعبيره- كان وشيكاً، ليس بالنسبة له بمفرده، وإنما للعالم أجمع، وقد تكون هذه أكثر معتقداته أهمية وأقواها من حيث كونها القوة الدافعة وراء نشاطه التبشيري، وقد توقع بولس حدوث هذه النهاية حرفياً وليس مجازاً، وعاجلاً وليس

стр. 253

آجلاً، أي خلال أيامه شخصياً وأيام معاصريه (١). ولهذا فإن بولس لم يكن ينوي تأسيس ديانة جديدة للأجيال القادمة حتى أن كلمة (المسيحية) لم تظهر في كتاباته ولا مرة واحده، لقد كان همه الأول إنذار البشرية بالنهاية القادمة، وبالعودة الثانية للمسيح. والمسيح الذي كان ينتظره بولس ويبشر بنزوله، مختلف كلياً عن عيسى المسيح ﵇، بل هو مسيح يهودي، محارب من نسل داوود. كتب بولس مبشراً بمجيء المسيح الثاني، وكأنه مجيء داود جديد منتصر: "انه لا بد أن يملك إلى أن يضع جميع أعدائه تحت قدميه" (رسالة إلى أهل كورنته ١٥ـ٢٥). وهو هنا يرجع إلى مزمور داود (١١٠) الذي يعظم القوة الحربية التي لا هوادة فيها: "الرب يحطم في يوم رجزه ملوكاً .. ملأ جثثاً أرضاً واسعة، سحق رؤوسها" (المزامير١١٠ـ٥ـ٦) (٢). وهنا يجب أن نلاحظ كما يقول جارودى: "إننا لا نجد، لدى الإنجيليين، أي رجوع إلى مذابح السكان الوثنيين أو المشركين، وهى مذابح أوجبها إله قاس (تثنية ٢٠ـ١٦)، إلا عند بولس الذي يستذكر استئصال الكنعانيين كسابقة تبشر بانتصارات أخري" (١٣ـ١٦ـ١٩). فمثله مثل جده الملحمي، سوف يضع المسيح كل أمراء الأرض عند أقدامه (الرسالة الأولى لكورنثوس ١٥: ٢٥)، لان مسيح بولس يعود إلى القانون الذي يقضي طبقا لقانون (تاليون)، قانون (العين بالعين)، إنه مسيح الله الذي يثأر ويجد العدل في رد الإيذاء بالإيذاء (الرسالة الأولى إلى تيموثاوس)، ويقدم بولس دليلاً تاريخياً على قدرة الله، يتمثل في انه بعدما قضى على سبع دول من بلاد كنعان، وزع أراضيهم كميراث (أعمال الرسل ١٣:١٩) أنها الفقرة الوحيدة في الأناجيل التي ترد فيها هذه المذابح بوصفها علامات على عناية الله، ومنذ ذلك الحين أسس لاهوت بولس تحت اسم المسيحية، لاهوتا للسيطرة (٣).

стр. 254

يقول يسوع: "وأنا لا أدين أحداً" (يوحنا ٨ـ١٥). "وأني لا افعل شيئاً من نفسي" (يوحنا ٨ـ٢٨). أما بولس فيقول، على العكس، وبروح العهد القديم: "سيأتي يسوع المسيح ليدين الأحياء والموتى"، (الرسالة الثانية إلى تيموتاوس ٤ـ١) (١). فمسيح القديس بولس ليس هو يسوع، مسيح بولس هو الترجمة اليونانية للمسيا اليهودي الذي عليه أن يعيد مملكة داود، وعليه إذاً أن يكون من نسل داود، وان يتمم ما بدأه هذا القائد الحربي لحفنة من المرتزقة، حدثتنا كتب (صموئيل والملوك) عن مغامراتها الدموية الفظيعة، لم يكن يسوع داود الجديد كما لم يكن ابناً لإله الحروب ورب الجيوش، ولم تكن المحبة التي بشر بها استكمالاً لما ورد في العهد القديم من عنصرية ودموية، والتي قصرت أن يحب بعضكم بعضاً على حدود القبيلة الضيقة. فالنصوص التلمودية تقتضي هذا التفسير، بينما قال يسوع: "هذه وصية جديدة لن تجدوها في شريعة موسى، كما قيلت لليهود: "حيث اذهب أنا لا تقدرون انتم أن تأتوا، أقول لكم انتم الآن (للحواريين) وصية جديدة تحبوا بعضكم بعضاً" (يوحنا ١٣:٣٣ـ٣٤) (٢). يسوع يقول: "ولابد، من قبل، أن يكرز بالإنجيل في جميع الأمم" (مرقس ١٣ـ١٠)، بينما يقول بولس في رسالته إلى أهل رومية (١ـ١٧) "اليهودي أولاً ثم اليوناني". فبعد أن حطم عيسى المسيح الأسطورة القاتلة، أسطورة (الشعب المختار)، عاد بولس ليحييها ثانية بـ (اليهودي أولاً). فاقتداءً بيسوع المسيح صرح بطرس الرسول بقوله: "انتم تعلمون انه محظور على اليهودي أن يخالط أجنبياً أو أن يدنو إليه. أما أنا فقد أراني الله أن لا أقول عن أحد انه نجس أو دنس" (أعمال الرسل ١٠ـ٢٨). ويضيف: "في الحقيقة قد علمت أن الله لا يحابى الوجوه، بل أن من اتقاه في كل أمره، وعمل البر، يكون مقبولاً عنده" (أعمال الرسل ١٠ـ٣٤ـ٣٥). وهكذا قضى عيسى المسيح على امتيازات الشعب المختار، الذي يعطيه الله النصر على كل شعب لا يتبعه، ويأمره بإبادته. وهنا لابد من التحديد والاختيار بين العهد القديم والعهد الجديد، ولأي اله يسوع هو الابن؟ من المؤكد انه ليس ابناً (ليهوه) رب

стр. 255

الجيوش والمذابح، وتقسيم العالم إلى طاهر ونجس، إلى مختار ومستعبد، اله بولس الغيور المنتقم "إذ هو عادل عند الله أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقاً" (رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكى ١ـ٦) (١). فكرة العودة الثانية للمسيح لأن بولس نظر إلى السيد المسيح ودعوته من منظار يهودي فقط، باعتبار المسيح هو المخلص والملك المحارب الذي سيفدى المؤمنين، كان لابد من اختراع فكرة العودة الثانية، لينجز المسيح في هذه العودة ما لم يتمكن من انجازه في ظهوره الأول، وهو قيادة المعركة النهائية بين الخير والشر في عودته الثانية، والتي أعتقد بولس أن هذه العودة ستحدث في حياته. وفي هذا النطاق من تفكير بولس لم ير حاجة لعمل إصلاحات اجتماعيه، ولا لتكوين نظام اجتماعي جديد، حيث لم يتوقع أن يستمر العالم بعده، ومن الطريف أنه على عكس ما توقع كان لرسائله دور كبير في تكوين مجتمعات المستقبل التي لم يتخيل أنها ستكون أصلاً. كان يظن أنه بنهاية العالم في أيامه، سيعود المسيح فوق السحاب على صورة ابن الإنسان المذكور في الفصل السابع من سفر دانيال، وكان المفترض على المسيح في ظهوره المجيد الثاني، أن يقضي على الإمبراطورية الرومانية، وينشئ بدلاً منها مملكة الله على الأرض، وتوقع بولس أن يكون معظم معاصريه على قيد الحياة، لمشاهدة المجيء الثاني للمسيح حسب ما جاء في رسائل بولس: " ثم نحن الأحياء والباقون سنلتقي معاً في السحاب لملاقاة الرب عيسى ـ في الجو" (٢). وقد علق علي ذلك أحد الباحثين بقوله: "كان ظن بولس أن المسيح سيعود ويظهر لصحابته وأنصاره المخلصين في القدس، حيث المفترض أن تنشأ إسرائيل جديدة، ولم يدر في ذهنه أنه ستنشأ كنيسة مسيحية بكوادرها من رجال الدين البطاركة والقسس والشماسين مع كتاب العهد الجديد، فتستمر كل يوم أحد أسبوعاً

стр. 256

بعد أسبوع إلى ما لا نهاية، مثل هذا التخيل كان سيذهل بولس، فبالنسبة له كان الوقت قد انتهى أو قارب، ولا مجال للبدء بديانة جديدة من الصفر". هذه العقيدة المتعلقة بنهاية العالم، والتي روج لها بولس، تكشف إلي أي درجة سار بولس علي خطى أحبار اليهود، كما أنها تزودنا بوسيلة قيمه لفهم نظرياته الاجتماعية فيما يتعلق بالمحافظة على الأوضاع الراهنة، وعدم محاولة تغيير أي شيء في الأمور الفردية البسيطة. فعلى الأغلب أنه اعتقد بعبث وعدم جدوى محاولات التغيير طالما الوقت الباقي قصير جداً، وأن المسيح وقتما يعود في القريب العاجل سيقوم هو نفسه بإحداث التغييرات الجذرية على أية حال، ولذلك كتب: "بسبب الأزمة الراهنة اعتقد من الأفضل لكم أن لا تغيروا شيئاً، هل أنت متزوج؟ لا تطلب الطلاق، هل أنت عازب؟ لا تبحث عن زوجه، الزواج ليس إثما ولكن من يتزوج يواجه المتاعب في الجسد أريد أن أغنيكم عنها، وأنا أقول لكم أن الوقت ـ الباقي قليل" (رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينثوس ٧/ ٢٦ـ٢٩). ولعله نصح الناس بعدم الإقبال على الزواج، لهذا السبب إذ كتب: "من الحسن للرجل أن لا يتزوج" (رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينثوس ٧/ ١). وهكذا كان هاجس بولس بنهاية التاريخ سبباً لإصراره من البداية على تجاهل رسالة عيسى الدنيوية، واعتقاده بعدم أهميتها. فطالما أن المخلص سيعود قريباً جداً عاجلاً غير آجل، فينتهي تاريخ العالم، وتتأسس مملكة الله على الأرض، فلا يمكن أن يكون هنالك من مغزى أو هدف للمجيء الأول لعيسى، سوى أنه كان أضحية إلهيه، ذبحت على الصليب، لتكفر عن خطايا البشر قبل النهاية المقبلة، وكذا انصبت كافة جهود بولس التبشيرية في هذه النقطة (١). سفر الرؤيا والمسيح اليهودي مع أن الأحداث برهنت خطأ توقعات بولس، فقد استمر بعضهم بالاعتقاد بها، حيث جاء بعده، بعدة سنوات يهودي آخر هو (يوحنا اللاهوتي ـ مؤلف سفر الرؤيا)، ليكرر تنبؤات مماثلة، مستقاة من التوراة اليهودية التي جاء المسيح ﵇

стр. 257

لنقضها، وليعزز ما قام به بولس من إعادة المسيحية إلى أحضان اليهودية، هذا بالرغم من أن الكنيسة لم تعترف بسفر الرؤيا في البداية، غير أنها في أوقات لاحقه قررت إدخال سفر الرؤيا ضمن العهد الجديد، فجعلته جزءاً من الكتاب المقدس رغم فشل نبوءات يوحنا بشكل سافر، مثلما فشلت قبله نبوءات بولس. والرؤيا كتاب وضعه يوحنا اللاهوتي في أواخر القرن الأول، في جزيرة بطمس بتركيا، التي كان قد نفي إليها في أثناء الاضطهاد الشديد على الكنيسة، وهو موجه أصلاً إلى الجماعات المسيحية في آسيا الصغرى، لتشديد عزيمتهم، وحضهم على الثبات في المسيح رغم المحن. فكما وضع أنبياء اليهود مؤلفاتهم الرؤيوية في أوقات أزمة وأزمنة شدائد، لإعطاء أمل بقرب تدخل يهوه لصالح شعبه، وضع يوحنا اللاهوتي كتاب الرؤيا، في اشد أوقات المصاعب تأزماً في تاريخ المسيحية، حيث يطالعنا الكاتب بمشهد يظهر فيه المسيح قائلاً: "هذه رؤيا أعطاها الله ليسوع المسيح، ليكشف لعبيده عن أمور لابد أن تحدث عن قريب. وأعلمها ليوحنا عن طريق ملاك أرسله لذلك" (رؤيا يوحنا اللاهوتى ـ الإصحاح الأول). ثم يدون يوحنا الرسائل التي أمره بإبلاغها إلى الكنائس السبع. وبعد ذلك تتوالى الإِعلانات المتعلقة بما سيحدث في آخر الزمان من ضيقات وبلايا وأحداث رهيبة، وحروب تنتهي بهزيمة إبليس وجنده. ثم ينهي الكاتب رأياه بوصف الدينونة في اليوم الأخير، وينتهي إلى وصف الحالة الأبدية، حيث يتم النصر للمسيح في السماء الجديدة والأرض الجديدة، إذ يتحقق الخلاص النهائي للمؤمنين على يد المسيح المنتظر!! (١). هذا السيناريو الذي وضعه يوحنا في رؤياه ليس له أي صله بالمسيح والمسيحية، التي بشر بها عيسى ﵇، بل انه مستقى بالكامل من التوراة اليهودية الحاقدة بكل ما فيها من ولع بالدمار وإزهاق الأرواح، وعشق للدم، والتي سطرها كهنتهم، ونسبوها إلى إلههم (يهوه) الذي سينتقم من كافة الأمم في آخر الزمان على يد مسيح يهودي، محارب "عيناه كلهيب نار .. متسربل بثوب مغموس بدم" (رؤيا ١٩:١٢). و "رجلاه شبه النحاس النقي كأنها محميتان في آتون .. وسيف ماض ذو حدين يخرج من فمه" (رؤيا ١٥:١). وهنا يمكن ملاحظة أن صورة المسيح

стр. 258

اليهودي الواردة في سفري دانيال وحزقيال، لم تغب عن بال يوحنا اللاهوتي وهو يكتب رؤياه، ولهذا يؤكد كثير من الباحثين أن يوحنا اللاهوتي، كان كاهناً يهودياً نشأ وتتلمذ على التراث اليهودي، واخذ به إيماناً وعقيدة، فجاءت رؤياه يهودية بمضمونها وبصورها وبتطلعها إلى مجيء المسيح المنتظر اليهودي. ومما يعزز هذا القول هو "إن هناك جماعة يهودية عاشت في القرن الأول الميلادي تسمى (المتهودون)، كانت تؤمن بالمسيحية دون أن يمنعها هذا الإيمان من استمرار ولائها للدين اليهودي والشريعة الموسوية، بل أن هذه الجماعة اليهودية كانت في واقع الأمر تسعى، ولدوافع قومية إلى تهويد المسيحيين من الأمم. ولم يشعر هؤلاء اليهود الذين آمنوا بالدين المسيحي الجديد بأي تعارض بين يهوديتهم وبين تحولهم إلى الدين المسيحي. وساعد على تحولهم للدين المسيحي اعتقادهم بقرب مجيء المسيح المنتظر" (١). وسواء كان يوحنا اللاهوتي يهودياً من عدمه، فإن النتيجة التي نطمئن إليها هي أن رأياه كانت يهودية من أولها الي آخرها، ولم تكن لها أي علاقة بالسيد المسيح ﵇. "فكما هو الحال في كل ما له علاقة باليهودية فقد تركز الحلم العام الذي تمخض عن المسيح المنتظر، على مهمة محددة بالغة الوضوح لا لبس فيها، هي ملء الأرض بالجثث، وسحق الرؤوس، وجعل كل ما عدا الشعب اليهودي، موطئاً لإقدامه، وانتداب اليهود بقيادة ملكهم المسيح المنتظر لحكم الأرض، كل الأرض نيابة عن يهوة" (٢). لهذا فإن يوحنا اللاهوتي، في مستهل الرؤيا، أو في الخطفة الأولى يقول: "كنت في الروح في يوم الرب، فسمعت ورائي صوتاً عظيماً كصوت بوق .. ولما التفت لأنظر الصوت، رأيت سبع منائر من ذهب" (رؤيا ١: ١٠ـ١٢). ويتحدث يوحنا في رؤياه عن "الممسك السبعة الكواكب في يمينه، الماشي في وسط السبع المناير الذهبية" (رؤيا ٢: ١).

стр. 259

"فمند البداية كانت رؤياه مؤطرة بإطار شمعدان المينورا اليهودي، فمنائر يوحنا الذهبية هي الـ "منارة من ذهب نقي" (سفر الخروج ٢٢: ٣١)، التي أمر يهوة عبده موسى بصنعها. وقام بصلئيل الذي "دعاه الرب وملأه من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة" (سفر الخروج ٢٥: ٣٠)، "بعمل التصنيع طبقاً للتصميم الذي لقنه يهوه لموسى في الجبل" (خروج ٣٧: ١٧ـ٢٤)، "فصنع المنارة من ذهب نقي" (سفر الخروج ٣٧: ١٧). وفي رأياه وإنخطافه يقول يوحنا: "ثم نظرت وإذا هيكل خيمة الشهادة قد انفتح في السماء" (رؤيا ١٥: ٥)، ويقول في فصل آخر: "وانفتح هيكل الرب في السماء وظهر تابوت عهده في هيكله" (رؤيا ١١:١٩). فاللاهوتي، وقد اصعد خيمة الشهادة، والهيكل، وتابوت العهد، بل والمينورا، إلى السماء، وأقام عرش الله في الهيكل، كان لا بد أن يتم عمله ويرفع بقية عدة هيكل خيمة الشهادة إلى السماء، لتستكمل الشعائر بشكل أصولي يهودي حول عرش الله، ولذا رفع (مذبح الذهب)، ورفع أيضاً المبخرة والبخور" (١). وهكذا جاءت صور يوحنا محمومة ومركبة، استعار معظمها من دانيال ومن حزقيال. فمن الصور المحمومة مثلاً: "برد ونار مخلوطتان بدم، وألقيا إلى الأرض" (رؤيا ٨: ٧). "جبلاً عظيماً متقداً بالنار القي إلى البحر فصار ثلث البحر دماً" (رؤيا ٨:٨). "سقط من السماء كوكب عظيم متقد كمصباح ووقع على ثلث الأنهار وعلى ينابيع المياه" (رؤيا ٨:١٠). "ضرب ثلث الشمس وثلث القمر وثلث النجوم" (رؤيا ٨: ١٢). "رأيت الخيل في الرؤيا والجالسين عليها، لهم دروع نارية وكبريتية، ورؤوس الخيل كرؤوس الأسود ومن أفواهها يخرج نار ودخان وكبريت" (رؤيا ٩:١٧). "سكب الملاك جامه على البحر فصار دماً" (رؤيا ١٦: ٤) "وسكب الملاك الرابع جامه على الشمس فأعطيت أن تحرق الناس بنار" (رؤيا ١٦: ٨). ومن الصور المركبة "وحول العرش (عرش الله) أربعة حيوانات مملوءة عيوناً من قدام ومن وراء" (رؤيا ٤: ٦). "رأيت وحشاً طالعاً من البحر، له سبعة رؤوس، وعشرة قرون، وعلى قرونه عشرة تيجان" (رؤيا ١٣: ١). ومن الصور التراثية التي يزخر بها كتاب العهد القديم: "المنائر السبع التي من ذهب" (رؤيا ١: ١٢). "سمعت صوتاً من أربعة قرون، مذبح الذهب الذي أمام

стр. 260

الله" (رؤيا ٩: ١٣). "وانفتح هيكل الله في السماء وظهر تابوت عهدة في هيكله" (رؤيا ١١: ١٩). ولم يقتصر الأمر علي هذه الصور المركبة والتراثية الواردة في التوراة، بل إن الصفات التي نسبها يوحنا إلى ألهه هي الصفات ذاتها التي نسبها أنبياء التوراة إلى يهوه، منها مثلاً الغضب، يقول اللاهوتي: "معصرة غضب الله العظيمة" (رؤيا ٢٤: ١٩). "سبعة جامات من ذهب مملوءة من غضب الله" (رؤيا ١٥: ٧) "اسكبوا جامات غضب الله على الأرض" (رؤيا ١٦: ١). كما أن هذا الإله يتجلى ليوحنا كما تجلى يهوه (الرب) لأنبياء بني إسرائيل جميعاً. يقول يوحنا "فلما رأيته سقطت عند رجليه كميت، فوضع يده اليمنى علي قائلاً لي: "لا تخف، أنا هو الأول والآخر" (رؤيا ١: ١٧). وهذا المسيح اليهودي كالإله اليهودي يهوه اختار جماعة معينه من البشر واختص بهم الهاً كما اختصوا به شعباً: "اشتريتنا (اخترتنا) من كل قبيلة ولسان وشعب وجعلتنا كهنة" (رؤيا ٥: ١٠). "سيسكن معهم، وهم يكونون له شعباً، والله نفسه يكون معهم إلهاً لهم" (رؤيا ٢١:٣). أما عن النهاية ويوم القيامة بعد معركة هرمجدون، فقد اختار الرب "المختونين من بني إسرائيل، مائة وأربعة وأربعين ألفاً" (رؤيا ٧: ٤). "ووقف على جبل صهيون ومعه مائة وأربعة وأربعون ألفاً" (رؤيا ١٤: ١) أما البقية الباقية من الأمميين فليس لها سوى الدمار والإبادة في هذه المحرقة الإلهية، وذلك كرامة شعبه المختار. ونلاحظ هنا أن هذه الوحشية والدموية التي أفرغها يوحنا اللاهوتي في رؤياه، ليست بعيده عن الفكر اليهودي، فالوحشية والدموية صفة ملازمة لحكى العهد القديم عن يهوه وعن الشعب اليهودي، إلى الحد الذي جعل المؤرخ اليهودي "ادوارد ماير" يصف يهوه بأنه "شيطان دموي من شياطين البراكين، لكنه هكذا رأى حزقيال وغيره من "نبييم" اليهودية ما تنبغي أن تكون عليه الإلوهية (١). فزوروا التاريخ فاختصوا لأنفسهم بتاريخ جعلوا فيه الخالق قائداً حربياً مولعاً بسفك الدماء، وإزهاق أرواح

стр. 261

الناس ما عداهم، تنفيساً عن نفوسهم المتعفنة بالخرافات والعامرة بأصناف الشر والكراهية للآخرين (١). وبالرغم من أن دعوة السيد المسيح جاءت لتنقض كل هذه الأحقاد والوحشية والدموية التي تميز بها العهد القديم، من خلال الدعوة للمحبة والسلام والرحمة، إلا أن هذه الدعوة والمبادئ السمحة لم تصمد طويلاً، حيث جاء يوحنا اللاهوتي الذي لم يكن حوارياً، بل كان كاهناً يهودياً، جاء ليفسد ما قام به السيد المسيح، ويعيد الأمور إلى العهد القديم ودمويته، وقد كتب المفسر الكبير (دود) في كتابه مؤسس المسيحية: "أن المسيانيه في العقلية الدارجة قد ارتبطت بالدور السياسي والعسكري (لنسل داود)، وهذا الدور كان آخر ما يرغبه عيسى ﵇". وأضاف كذلك في (مواعظ مملكة الرب): "أن كلمات يسوع لا يوجد ما يوازيها في التعاليم اليهودية، ولا يجب حسبان مهمة يسوع على أنها محاولة إصلاح اليهودية فقد أتى يسوع بشيء مختلف عنها تماماً، ويبتعد عنها كل البعد، ولا يمكن أن يتوافق مع النظام التقليدي" (٢). ولكن ما قام به بولس ويوحنا، قلب هذه الأمور رأساً على عقب، حيث اقتبس يوحنا رؤياه بكل صورها الوحشية والدموية، من التراث اليهودي، وقدم مسيحه اليهودي بصورة بطل محارب، اختار جماعة معينة من البشر واختص بهم. وبفضله ستقوم مملكة صهيون التي سيحكم منها شعبه المختار الأمم والشعوب جميعها. فالمعركة بين جيش القديسين بقيادة المسيح اليهودي المنتظر، وبين جيش الأشرار بقيادة جوج ومأجوج، عند الموضع الذي يدعى هرمجيدون بالعبرية، لن تنشب قبل عودة اليهود جميعاً إلى الأرض المقدسة، وإقامة الدولة اليهودية، لأن مجيء المسيح المنتظر مرتبط بعودة اليهود إلى ارض فلسطين، وطرد أعداء إسرائيل ـ العرب ـ منها، كما يعتقد الأصوليون المسيحيون، الذين يعتقدون أن الخلاص الذي يتطلعون إليه، كان محوره اليهود، لأنه بغير اليهود لا مجيء ثان (٣).

стр. 262

تفسير المتناقضات منذ البداية، بدا كما لو كانت المسيحية وليدة لليهودية أو بالأقل ـ امتداد لها. وقد أوجد ذلك الانطباع وقواه تراوح آباء الكنيسة في موقفهم من تخريبية شاول (بولس) الذي امتلأ من الروح القدس بغتة بعد اضطهاد طويل للديانة الجديدة، فغير اسمه إلى بول، وشمر عن ساعد الجد، وبحجة الترويج للمسيحية عمل على تخريبها بردها إلى اليهودية، وإفراغ تعاليم المسيح من مضامينها المسيحية. كما قوى ذلك الانطباع وأضفي عليه تصديقاً رسمياً، قبول آباء الكنيسة بالجمع بين كتابات اليهود الدينية (العهد القديم)، وبين الأناجيل التي تعتبر تأريخاً بشرياً لحياة المسيح وترديداً لتعاليمه. فبعد انقضاء عشرات السنين على وفاة بولس، ورغم عدم تحقق نبوءاته عن نهاية العالم، وعن المجيء الثاني لعيسى فإن الكنيسة بقيت متمسكة بها ولم تبحث لنفسها عن أية إمكانية للتراجع أو المراجعة، ولقد ارتبطت نهائياً والى غير رجعة بفكر بولس وبنظرياته اللاهوتية، ولم يعد هنالك إمكانية لبحث الأمور من جديد، ولا العودة إلى رسالة عيسى التاريخية. فقد صار هناك مؤسسه كنسيه مبنية على فكر بولس، ولم يعد من مصلحة أحد نسفها. وكان البديل الوحيد الذي ألزمت الكنيسة نفسها به هو محاولة البحث عن مخرج منطقي للاهوت بولس، رغم عدم وجود شيء من هذا القبيل. فالتناقض الجوهري بين تعاليم السيد المسيح وبين ما جاء في العهد القديم، جعل محاولة آباء الكنيسة التوفيق بين العهد القديم والجديد فاشلة (١). ولهذا الغرض وللمحافظة على مسار الكنيسة وإيجاد مخرج لها فقد لزم أن يقوم المنظرون واللاهوتيين بمحاولات لتفسير المتناقضات وإخراجها بشكل فلسفي تفسيراً رمزياً غير حرفي، حيث حاول آباء الكنيسة الإفلات من ذلك المأزق الخطر بالتشبث بحيلة الكناية والرمزية .. وفي الوقت نفسه ركزوا سيراً على خط أوغسطين، على حكاية العصر الألفي السعيد، فقالوا إنها لا يجب ان تأخذ مأخذاً حرفياً نظراً لأنها مسألة روحانية لا مادية وإنها كناية عن العصر الذهبي الذي دخلته

стр. 263

الكنيسة بعد صلب المسيح وقيامه وصعوده، وبذلك تكون الكنيسة الكاثوليكية نهاية للتاريخ، والتجسيد الماثل في العالم لمملكة الله على الأرض (١). وبالرغم من نجاح هذه التفسيرات في إبقاء المسيحية بعيدة عن اليهودية ولو بصورة جزئية، إلا أن انقسام الكنيسة إلى غربية وشرقية أضعف الكنيسة، وساهم بصورة أو بأخرى في تشويه ما قد تبقى من رسالة عيسى الحقيقية، واستمرت الأمور على هذا النحو حتى مطلع القرن السابع بمجيء الإسلام الذي أعاد الأمور إلى نصابها، بكشف النقاب عن رسالة المسيح الحقيقية وأنصافها. الانقلاب البروتستانتي في القرن الخامس عشر الميلادي، ازدادت الأمور سوءاً، فبدلاً من التفسير الرمزي للكتاب المقدس، والذي اعتمدته الكنائس المسيحية المعروفة الكاثوليكية والأرثوذكسية، ظهرت ما سميت بحركة الإصلاح الديني على يد مارتن لوثر، الذي رفض التفسير الرمزي للكتاب المقدس، ودعا إلى الأخذ بالتفسير الحرفي للكتاب المقدس، وأعلن أن تفسير الكتاب المقدس ليس حكراً على البابا، بل من حق المؤمنين القيام بذلك (٢)، وكان ذلك بداية تهويد المسيحية، ودخولها في أحضان التوراة، والكهنة والحاخامات اليهود، الذين جاء عيسى المسيح ﵇ لمحاربتهم. فكما وضحنا سابقاً، فقد كان المسيحيون يكرهون اليهود، ويبغضونهم، ويضطهدونهم طوال القرون الماضية، حيث كانوا ينظرون إليهم على أنهم قتلة المسيح، وأنهم من أشد الطوائف التي قامت بتعذيب واضطهاد تلاميذ المسيح والمسيحيين الأوائل، ولكن هذه النظرة تغيرت بعد حركة الإصلاح الديني التي دعا لها (مارتن لوثر)، الذي تنظر له الفرق البروتستانتية على أنه المصلح، الذي قاد حركة الإصلاح الديني المسيحي في مواجهة البابوية الكاثوليكية، التي كانت تبيع

стр. 264

صكوك الغفران. فقد دعا (لوثر) المسيحيين إلى إجلال اليهود وتعظيمهم فقال لهم: "شاءت الروح القدس أن تنزل كل أسفار الكتاب المقدس للعالم عن طريق اليهود وحدهم، إنهم الأطفال ونحن الضيوف الغرباء، وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل مما يتساقط من فتات أسيادهم اليهود" (١). وقد ساعد على نجاح دعوة لوثر وقادة ما سمى بالإصلاح الديني، ذلك التعاون المستمر والمتعاظم بين قادة اليهود في العالم، وقادة الإصلاح الديني، حيث "أثمر هذا التيار الذي بدأه بولس، وأوصله إلى مرحلة تهويد المسيحية، مارتن لوثر، وكالفن، وسائر قادة الانقلاب البروتستانتي، الثمرة المسمومة التي باتت تعرف باسم (اليهو ـ مسيحية) والتي من خلالها يكثر ذكر شيء غريب اسمه الحضارة (اليهو - مسيحية) " (٢). وعلى ذلك الضرب من الانجراف الفكري والروحي، حققت البروتستانتية مشروع بولس الرسول بتهويد المسيحية وإفراغها من محتواها، الذي انبنت عليه تعاليم الناصري، إذ ردت المسيحية إلى حضن اليهودية، ولم يكن من قبيل المصادفة أو العبث أن بولس ذاك، أفرخت تحريفيته الانقلاب البروتستانتي في القرن السادس عشر الميلادي، "فكان بولس بإعادته تهويد المسيحية، هو الجد الأكبر لكل عقائد السيطرة التي بدأت في القسطنطينية بربط الكنيسة بالسلطة منذ القرن الرابع الميلادي، ثم الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش، ثم الاستعمار الذي انقلب إلى تبشير ديني" (٣).وهكذا فقد انبثقت المسيحية من اليهودية. ثم عادت و ذابت في اليهودية. العقيدة التدبيرية من دابي إلى سكوفيلد وضحنا سابقاً كيفية نشوء البروتستانتية وانتشارها في بريطانيا، وما أفرزته من جماعات متطرفة وصل بها الأمر إلى المطالبة باعتماد التوراة دستوراً للدولة، حيث لم تكن هذه الجماعات إلا بداية لمزيد من التهويد المنظم للبروتستانتية،

стр. 265

وبداية لمزيد من التطرف والتهود الذي وصل إلى ذروته في طائفة (أخوة بليموت). فقد استطاع لاهوت الأيام الأخيرة الذي روج له بولس ويوحنا اللاهوتي، السيطرة على خيال وتفكير أتباع المذهب البروتستانتي، حيث اعتنقته في البداية طائفة بروتستانتية بريطانية غير معروفه في القرن التاسع عشر الميلادي هي طائفة (أخوة بليموث) التي كان باعث إلهامها رجل يدعى (جون نلسون داربي)، حيث اتبع نهجاً لتفسير الكتاب المقدس يدعى (التدبيريه)، بمعنى أن كل شيء مدبر ومبرمج، وأن على الإنسان العمل على تحقيق البرنامج الإلهي وفق التفسير الحرفي للنبوءات التوراتيه، حيث أدى ذلك إلى إرساء قواعد الأصولية الدينية الإنجيلية (١)، وكان أحد الجوانب الرئيسة في هذه العقيدة، هو الفصل بين إسرائيل والكنيسة في خطة الله للخلاص. كان اعتقاد (داربي) وإيمانه، بأن نبوءات العهد القديم التي ترتبط بعودة اليهود المشتتين إلى أرض إسرائيل قبل تغربهم، يجب أن تتحقق حرفياً، وكانت هذه العقيدة تتعارض مع التعليم الواسع الانتشار للكنيسة الغربية في ذلك الوقت، والذي كان ينظر إلى النبوءات العبرانية القديمة من خلال عدسة (لاهوت الأيام الأخيرة) لأوغسطين والمعروف بـ (الاستبدال) حيث حدد أوغسطين الكنيسة كوريث للوعود ـ أي أنها إسرائيل الجديدة، التي تتطلع بشوق إلى أورشليم الجديدة (الأبدية) وهكذا أزال الوعد المرتبط بالأرض من هذه المعادلة. وقد راج تعليم (داربي) بشكل كبير في كلٍُّ من بريطانيا وأمريكا، ويقول البعض أنه أصبح أكثر قبولا في بداية القرن الماضي من خلال وعظ وكرازة القس (دي ال. مودي). ولكن التحول الكبير حدث عندما نجح الأمريكي (سيروس سكوفيلد) في التقدم خطوات طويلة في عملية التهويد المنظم للمسيحية، من خلال ربط تفسيره للإنجيل بماضي وحاضر ومستقبل إسرائيل. "ففي اعتقاد سكوفيلد فأن عودة المسيح لن تحدث إلا باكتمال العوامل الأربعة التي، تفرض العودة: العامل الأول: عودة اليهود إلى فلسطين، العامل الثاني: السيطرة الكاملة على القدس غير

стр. 266

المقسمة، والعامل الثالث: إعادة بناء الهيكل، أما العامل الرابع والأخير، فهو خوض حرب هرمجيدون" (١). ومن خلال نشر الكتاب المقدس لسكوفيلد، الذي يعد من أكثر تفسيرات الإنجيل انتشاراً في أمريكا، والذي يستخدم رسومات وخرائط ملونه عليها رموز متعددة، ليبين النبوءات على مجموعات معينه من المؤمنين، تعززت عقيدة القدرية وأصبح لها إتباع عديدون، حيث حملت فيما بعد كلية (دالاس) للاهوت مشعل هذه العقيدة، والتي كان من ابرز خريجيها القس (هال ليندسي) صاحب الكتاب المرتبط بهذه العقيدة والذي يدعى (كوكب الأرض العظيم)، الذي كان قرأ على نطاق كبير (٢)، وبيع منه أكثر من ٢٠ مليون نسخة. وبنظر أصحاب عقيدة (التدبيرية) فإن الحدث الرئيس الأكثر أهمية في القرن العشرين، كان تأسيس دولة إسرائيل في عام ١٩٤٨م، والذي كان البرهان الإيجابي على أن (داربي) كان على صواب. واكتسب هذا الحدث مصداقية اضافيه بسبب الانتصار السريع والحاسم للدولة الصهيونية في حرب الأيام السته عام ١٩٦٧م، حيث هتف التدبيريون أن يد الله حققت هذا بكل وضوح، وأن النبوءات القديمة التي أعطاها الله لإسرائيل بدأت تتحقق أمام أعينهم ـ أي أن ما حدث كان تحقيقاً حرفياً لنبوءات العهد القديم. وهكذا لعبت أفكار المفكر الديني المتطرف (سيروس سكوفيلد) دوراً رئيساً لانتشار هذه المفاهيم حيث وضع النبوءة في المركز الرئيس لمفهومه عن المسيحية، وجعل منها قلب نظامه الديني، من خلال زرع آراءه الشخصية في الإنجيل، بحيث لم يعد العامة قادرين على التفريق بين كلمات (سكوفيلد) وكلمات الإنجيل. كما كان يرى سكوفيلد ـ متأثرا ببولس ـ بأنه لا أمل في هذا العالم، وإننا لا نستطيع العيش بسلام فيه .. وكان يردد بأن عالمنا سوف يصل إلى نهايته بكارثة وبدمار، وبمأساة عالمية نهائية. ولكنه كان يقول أيضا: "إن المسيحيين المخلصين (المولودون ثانية) يجب أن يرحبوا بهذه الحادثة، لأنه بمجرد ما تبدأ المعركة النهائية فإن المسيح سوف يرفعهم إلى السحاب، وأنهم ينقذون، وأنهم لن يواجهوا شيئاً من

стр. 267

المعاناة التي تجرى تحتهم على الأرض" (١). وهذا المفهوم هو الذي شجع كثير من الجماعات المتطرفة على الانتحار الجماعي، لتنجوا من المحرقة الكبرى، كما سنوضح ذلك لاحقاً. عندما تختلط الأساطير بالنبوءات تلك كانت عقيدة التدبيرين، ولكنها لم تكن بالضرورة الصوت السائد للكنيسة الإنجيلية الرئيسة في تلك المرحلة، ولم تصبح تلك العقيدة سائدة ومسيطرة إلا عندما اندمجت الأسطورتان: الأسطورة التدبيرية، والأسطورة الأمريكية ـ كما يقول (جون هيوبرز) منسق الإرساليات للشرق الأوسط وجنوب آسيا في الكنيسة المصلحة في أمريكا، والذي يحاول تفسير انتشار عقيدة التدبيريين المتعلقة بقصة تأسيس إسرائيل، من خلال ربطها بالأسطورة الأمريكية (قصة تأسيس أمريكا) حيث يسرد (جون هيوبرز) القصة كالتالي على الأقل بصيغتها الموجزة: "إنها قصة أناس مضطهدين يتوقون لأرض يستطيعون فيها أن يمارسوا إيمانهم بحرية تحت إرشاد الله وقوته، ويتغلبون على صعاب جمة، ومعارضة كثيفة لإنشاء دولة خاصة بهم. وتأتي هذه المعارضة من (متوحشين) يفعلون كل ما بوسعهم لمنع هؤلاء المستوطنين الشجعان من تأسيس دولتهم. وان الطريقة الضعيفة التي يريد بواسطتها هؤلاء المتوحشون الأرض تبرر طردهم منها". ويضيف (هيوبرز) بقوله: "وهنا على ما اعتقد يكمن تفسير واحد ـ على الأقل ـ لهذه السيطرة القوية الراسخة، التي للأسطورة (القدرية) على الوعي والإدراك الأمريكي (حتى خارج الدوائر الإنجيلية) حيث أنها تعطي صدى لأفكار أسطورة الرياديين الأمريكيين. إننا نسمع قصتنا الخاصة بنا من خلال قصة (إسرائيل) ونقارن أنفسنا بالصهيونيين، لأن خبرتهم تظهر بأنها تماثل خبرتنا، حيث إننا نناقش هنا التاريخ الحقيقي بدلاً من التاريخ التفسيري". ويختم جون هيوبرز بالقول: "لا أريد أن أبالغ بهذا الأمر حيث أن الذين يقبلون عقيدة التدبيرية إنما يفعلون هذا بشكل رئيس، لأنهم مقتنعون أن هذه أفضل طريقة لقراءة الكتاب المقدس، لكن هذه

стр. 268

السيطرة التي تفرضها هذه العقيدة على خيال وتفكير الإنجيليين الأمريكيين، حتى على الذين لا يقارنون أنفسهم بالإنجيليين لا يمكن تفسيرها على ما اعتقد إلا بالروابط الواضحة بين القصة الصهيونية والقصة الأمريكية" (١). وهكذا فان هذا التراث الذي افرزه التهويد المنظم للمسيحية، والذي أدى إلى ظهور ظاهرة ما يسمى بالأصولية المسيحية (٢)، يعني في جانب بارز منه، أن هذه الظاهرة إذا ما استمرت وتعمقت، فإنها ستترك آثارا كبيرة داخل المجتمع الأمريكي نفسه، وبخاصة تجاه طرح منظومة قيم مختلفة، مستندة إلى مبادئ توراتية، كما سيكون لهذه الظاهرة أبعادها على مستوى العلاقات الأمريكية مع العالم الخارجي، وبخاصة في إطار الهيمنة الثقافية والقيمية الأخلاقية ولعل هذا النوع من الهيمنة قد يدفع باتجاه إدخال (الاصطفاء الإلهي) في السياسة الدولية (٣).

стр. 269

الفصل الرابع عقيدة الهرمجدون أو معركة (مجدو) تحتل هذه المعركة أهمية بالغة في الفكر البروتستانتي المسيحي، وتنبع أهميتها من كون غالبية أتباع التيار المسيحي الأصولي في أمريكيا يؤمنون بقرب حدوث هذه المعركة، ويترقبون ساعة وقوعها، باعتبارها الحدث الذي سيظهر من خلاله المسيح، ليقضى على قوى الشر، التي تحارب اليهود، حيث بعدها يدخل اليهود الذين تبقوا على قيد الحياة في الديانة المسيحية، ويبدأ العصر الألفي السعيد، حيث يحكم المسيح العالم من مقره في القدس! والمسيحيون البروتستانت لا يؤمنون فقط بقرب وقوع هذه المعركة، بل إنهم على استعداد للمبادرة بإخراج أحداثها وصنعها، لتأكيد مزاعمهم. وأخطر ما في الأمر هو أن هذا الإيمان لا يقتصر على طبقة الناس البسطاء، بل وصل إلى أعلى مستويات صناع القرار في أمريكيا، كما حدث مع الرئيس (رولاند ريجان) الذي كان يعتقد عندما رشح نفسه للانتخابات الأمريكية، بأن المسيح يأخذ بيده ليقود معركة (هرمجدون)، وهذا يعنى أنه كان على استعداد في أي لحظه لخوض غمار حرب عالمية نووية، معتقداً أنه بذلك ينفذ تخطيطاً إلهياً مقدراً سلفاً. والاعتقاد بمجيء يوم يحدث فيه صدام بين قوى الخير وقوى الشر، هو من العقائد المشتركة بين اليهود والبروتستانت، الذين يعتقدون بأن حديث الإنجيل عن تدمير الأرض بالنار، يعنى أن الأرض ستدمر في حرب نووية فاصلة لا مفر منها. ومن العجيب أن رجال الدين البروتستانت من المبشرين وغيرهم، يذكون في أتباعهم هذا الاعتقاد ويحيونه، متبعين في ذلك اليهود أحياناً، ومستقلين بالاعتقاد أحياناً أخرى، حيث جني هؤلاء المبشرين الكثير من الفوائد والمغانم من وراء زرع الشعور بدنو يوم القيامة في الناس. "ولا شك أن الحديث عن غيبيات ستحدث وربطها بغيبيات حدثت يجذب الانتباه بقوة، ويجلب بإلحاح وشدة نظر من يوجه إليه الحديث، فالخوف من المجهول، وترقب المنتظر أمر طبيعي في مكنون النفس البشرية. ولم يقتصر رجالهم في استغلال تلك المشاعر، وراحوا يؤججون نيران الحماسة في

стр. 270

الناس، للمساهمة في صنع الأحداث الجسام التي ستسبق مجيء اليوم الآخر، ومن تلك الأحداث طبعاً عودة اليهود إلى فلسطين، واستيلاؤهم على القدس، وهدمهم للأقصى وبناؤهم للهيكل، ومن ثم انتظارهم لمجيء المسيح وحدوث المعركة الفاصلة بين قوى الخير وقوى الشر، أو ما يعرف بمعركة (مجدو) أو هرمجدون" (١). مجدّو "بتشديد الدال. بمعنى موضع الجيوش ومخيمها في اللغة الكنعانية، وهو تل المتسلم، وتقع على بعد٣٠ ميلا شرقي ساحل البحر المتوسط. فالطريق من مصر إلى آسيا يمر في الأراضي السهلية الفلسطينية موازيا الشاطئ، وفي سيره نحو الشمال يعترضه جبل الكرمل. وعند الساحل بالقرب من قيسارية، ممرات طبيعية تصل الساحل بمرج ابن عامر، وأجودها ممر مجدو، وبالقرب من منتهاه توجد تله ترتفع ٨٢ قدما تعرف (تل المستلم) تشرف على سهل مرج ابن عامر، وبذلك يكون ممر مجدو مفتاح الطريق إلى مصر والجنوب، وإلى سوريا والشمال، ولذلك مرت بها الغزوات السابقة كلها، وهى اليوم خراب" (٢). وقد جاء في قاموس الكتاب المقدس الصادر عن مجمع الكنائس في الشرق الأدنى: "أن (هرمجدون) اسم عبري، معناه جبل مجدو، وهو موقع تنبأ كتاب الرؤيا أنه سيتحول إلى ساحة للحرب، يجتمع فيه كافة ملوك الأرض في يوم قتال الرب (رؤيا ١٦ - ١٦) " (٣). وقد يتساءل المرء باستغراب، لماذا تل مجدو؟ وما هو الشيء الخاص جداً بهذا الموقع بفلسطين؟ المفترض أن تقع فيه معركة كونيه رهيبة لإفناء البشرية. والجواب على ذلك هو، أن هذا التل كان موقعاً استراتيجياً، يقع على مسافة ثلاثين كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من مدينة حيفا اليوم، وفي القرن العاشر قبل الميلاد كانت تربض عليه قلعة كنعانية، ويبدو أن احتلال العبرانيين لهذه القلعة، والمعارك الضارية التي جرت مع الكنعانيين وبعدها مع المصريين للدفاع عن القلعة، ومنها

стр. 271

المعركة التي قتل فيها الملك اليهودي جوشيا في العام (٦٠٩) قبل الميلاد، وهو يحاول الدفاع عن القلعة ضد المصريين، مما أدى إلى ذكريات مريرة عند اليهود، استمرت لقرون عديدة، إلى أن قرر يوحنا ـ مؤلف الرؤيا ـ وهو يهودي من أتباع بولس ـ أن يخلد الذكريات اليهودية عن تل مجدو بطريقته الخاصة. وقد ارتبطت مجدو في الاعتقاد القديم، بأنها الأرض التي كان الفاتحون القدامى يعتقدون أن أي قائد يسيطر عليها يمكنه أن يصمد أمام الغزاة، ويعتقد اليهود ومن تبعهم في ذلك من البروتستانت .. أن جيشاً من مائتي مليون جندي يأتون إلى (مجدو)، لخوض حرب نهائية. ففي التوراة، وفي الإنجيل، وفي رؤى القديسين إشارات إلى هذه المعركة الهائلة، التي يسمونها معركة هرمجدون .. تجري على أرض فلسطين وأطرافها، المسلمون والنصارى واليهود، حيث يتصور كل فريق إن المعركة سوف تنتهي لصالحه. يقول المسيحيون: "إن المسيح سوف ينزل من السماء في أعقاب هذه المعركة، وأنه لن ينزل إلا إذا جرت دماء المسلمين انهاراً ... وطائفة الإنجيليين في أمريكا تدفع باليهود لإشعال الحرب، لتتعجل نزول مسيحها .. وكان رونالد ريجان (وهو من هذه الطائفة) يحلم بأن يكون هو الرجل المحظوظ، الذي يشعل فتيل تلك المعركة. أما اليهود فيقولون: أن القادم هو المسيح الحقيقي، وانه ملك اليهود وان ما جاء من قبل لم يكن هو المسيح، ولهذا لم يؤمنوا به ولم يتبعوه. وكل طرف يحلم بأن تتم التصفية الإلهية لحسابه ... وتظل هرمجدون أسطورة ... ولكن لا شك أن الله يدفع بالأحداث إلى ذروتها .. وأن الأرض حبلى بالكوارث .. والله وحده يعلم كيف تنتهي؟ ومتى؟ وأين؟ ولحساب من؟ " (١). وفي الحقيقة فإن الاعتقاد بـ (هرمجيدون) أصله في التوراة، التي عند اليهود، وقد تبعهم في ذلك المسيحيون البروتستانت، الذين يأخذون بالتفسير الحرفي للتوراة، وقد وضحنا في السابق دور ذلك في جعل البروتستانت يؤمنون بحرفية كل ما جاء في التوارة، من قصص تاريخية، ونبوءات. وقد جاءت الإشارة إلي ذلك اليوم

стр. 272

في التوراة في سفر حزقيال. فعن قدوم قوى الخير تقول التوراة: "بعد أيام كثيرة تفتقد في السنين الأخيرة، تأتى إلى الأرض المسترة من السيف المجموعة من شعوب كثيرة على جبال إسرائيل، التي كانت خربة للذين أخرجوا من الشعوب آمنين كلهم، وتصعد، وتأتى كزوبعة، وتكون كسحابة تغشى الأرض، أنت وكل جيوشك وشعوب كثيرون معك" (سفر حزقيال ٣٨، ٨ـ١٠). وتتحدث التوراة عن أوصاف ذلك اليوم، فتقول: "ويكون في ذلك اليوم يوم مجيء يأجوج على أرض إسرائيل يقول الرب إن غضبى يصعد، وغيرتي في نار سخطي تكلمت أنه في ذلك اليوم، يكون رعش عظيم في إسرائيل، فترعش أمامي سمك البحر، وطيور السماء، ووحوش الحقل، والدبابات التي تدب على الأرض، وكل الناس الذين على وجه الأرض، وتندك الجبال، وتسقط المعاقل، وتسقط كل الأسوار إلى الأرض، واستدعى السيف عليه في كل جبالي. يقول السيد الرب: "فيكون سيف كل واحد على أخيه، وأعاقبه بالوباء وبالدم، وأمطر عليه وعلى جيشه وعلى الشعوب الكثيرة، الذين معه مطراً جارفاً، وحجارة برد عظيم، وناراً وكبريتاً .. " (سفر حزقيال - الاصحاح ٣٨). وفي سفر حزقيال ـ أيضاً ـ الأمر لحزقيال بأن يوجه الكلام إلى قوم يأجوج ومأجوج: "وأنت يا بن آدم تنبأ على يأجوج وقل: هكذا قال السيد الرب: ها أنا ذا عليك يأجوج رئيس روش ماشاك وتوبال، وأردك وأقودك وأصعدك من أقاصي الشمال، وآتى بك على جبال إسرائيل، وأضرب قوسك من يدك اليسرى، وأسقط سهامك من يدك اليمنى، فتسقط على جبال إسرائيل أنت وكل جيشك والشعوب الذين معك، أبدلك مأكلاً للطيور الكاسرة من كل نوع، ولوحوش الحقل، على وجه الحقل تسقط لأني تكلمت. يقول السيد الرب: وأرسل ناراً على مأجوج، وعلى الساكنين في الجزائر آمنين، فيعلمون أنى أنا الرب" (سفر حزقيال - الاصحاح ٣٩). وتحدث التلمود أيضاً عن معركة الهرمجيدون، ومما ذكر فيه عن الحرب التي ستشتعل قبل مجيء المسيح في (هرمجدون)، ما يلي: "وقبل أن يحكم اليهود نهائيا ـ أي قبل أن يحكموا العالم ـ يجب أن تقوم الحرب على قدم وساق، ويهلك ثلثا العالم

стр. 273

ليأتي المسيح الحقيقي، ويحقق النصر القريب" (١). ويبقى اليهود سبع سنوات يحرقون الأسلحة التي اكتسبوها بعد النصر، وحينئذ تنبت أسنان أعداء بنى إسرائيل بمقدار اثنين وعشرون ذراعاً خارج أفواههم .. !! " (٢). وحتى بروتوكلات حكماء صهيون تحدثت عن هذه المعركة: "إننا نقرأ في شريعة الأنبياء أننا مختارون من الله لنحكم الأرض، وقد منحنا الله العبقرية كي نكون قادرين على القيام بهذا العمل، إن كان في معسكر أعدائنا عبقري فقد يحاربنا، ولكن القادم الجديد لن يكون كفؤاً إلا لأيد عريقة كأيدينا .. إن القتال المتأخر بيننا سيكون ذا طبيعة مقهورة لم ير العالم مثيلاً لها من قبل، والوقت متأخر بالنسبة إلى عباقرتهم" (٣). سفر الرؤيا ومعركة هرمجيدون لا شك أن كتاب الرؤيا آخر كتب العهد الجديد، قد أخذ بلب الجماهير المسيحية خلال القرون الأولى، بل أنه استمر في سحر العديد منهم ـ في نصف الكره الغربي ـ لدرجة أو لأخرى حتى يومنا هذا، "ذلك أن سفر الرؤيا الذي كتب في مناخ من التوقع والأمل بالخلاص الفوري، غذى ودعم المعتقد المسيحي الغربي من زاويتين: أولاً: ساند القناعة المسيحية بعودة المسيح الوشيكة رغم تنبؤ بولس بوقوعها في حياته، لأن المسيحيين في القرن الأول والثاني لم ييئسوا قط من تحقيق تلك النبوءة. ثانياً: كان على المسيح في مجيئه الثاني أن يحقق وينجز ما لم يحققه في المجيء الأول" (٤) ألا وهو قيادته للمعركة الفاصلة بين الخير والشر (هرمجيدون) وانتصاره فيها.

стр. 274

ويوحنا اسم تسمى به صاحب الرؤيا التي ذيل بها (العهد الجديد)، وهو شخصية غامضة مختلف على هويتها، ولكن المعروف ـ أن يوحنا كان كاهناً يهودياً من فرقة العرافين، عرفت منذ زمن اليشع باسم (بنى الأنبياء)، ويبدو انه هرب أو رحل إلى جزيرة بطموس، وهى إحدى الجزر الصغيرة أمام الساحل التركي، وادعى لنفسه صفة المبعوث من المسيح إلى الكنائس السبعة التي في آسيا، حيث أرسل لها رسائل ينذرها بقرب عودة المسيح المخلص. ويعود احتلال كلمة هرمجيدون هذه الأهمية المميزة في الفكر المجيء الأصولي، إلى سفر الرؤيا، الذي يحصل المسيحيون الأصوليون على معظم معلوماتهم عن الأيام الأخيرة منه، حيث يرى هؤلاء أن الله استخدم يوحنا ليقدم لنا وصفاً عما ستكون عليه هذه المعركة النهائية. ومن الجدير بالذكر أن كلمة هرمجيدون هي كلمة عبرية وردت مره واحدة في الكتاب المقدس، وفي سفر الرؤيا بالتحديد، في الفصل ١٦، الآية ١٦: "وجمعهم في مكان يدعى باللسان العبري هرمجيدون" (١). وليست اللفظة وحدها، هرمجيدون هي العبرانية، "فرؤيا يوحنا اللاهوتي كلها عبرانية، وهو ما قرره الرجل صراحة قبل أن يتحدث عن هرمجيدون، إذ أعلن أنه نظر "وإذا قد انفتح هيكل خيمة الشهادة أو السماء" (يوحنا ١٥:٥)، ثم أعلن انه عندما سمع "صوتاً عظيماً من السماء" سمعه "من الهيكل" ... فالرؤيا كلها عبرية أي مأخوذة من رؤى العهد القديم، وبالأخص من حزقيال ودانيال، وقد كان الأجدر بدلاً من وضع رؤيا يوحنا كحاشية في ذيل العهد الجديد، أن توضع كمعبر، أو كهمزة وصل بين العهدين" (٢). ومن الجدير بالذكر أن سفر الرؤيا الذي كتبه يوحنا العراف الملقب باللاهوتى ـ في أواخر الستينات من القرن الأول، لم يكن يعتبر سفراً مقدساً وقت كتابته، وحتى حلول القرن الرابع الميلادي، إذ بعد مؤتمر نيقيه ٣٢٥م طلب الإمبراطور قسطنطين من يوزيبيوس اسفف قيسارية اعداد كتاب (مسيحي مقدس) للكنيسة الجديدة،

стр. 275

وليس مؤكداً أن كان يوزيبيوس في ذلك الوقت قرر إدخال كتاب الرؤيا ضمن أسفار العهد الجديد، ذلك أن بعض المراجع المسيحية لم تكن تؤمن بصحة معلوماته، وعليه فقد يكون سفر الرؤيا أضيف إلى الكتاب المسيحي المقدس، بعد زمن يوزيبيوس بكثير. والجدير بالذكر أن نسخة البسيطة السريانية للكتاب المقدس، والتي تتبناها الكنيسة الشرقية لا تشتمل على سفر الرؤيا. كما كتب (ديونيسيوس) أسقف الإسكندرية، الذي كان معاصراً ليوزيبيوس، إن يوحنا مؤلف الرؤيا ليس الحواري يوحنا بن زبيدى قطعاً، وأضاف أنه لا يستطيع فهم الرؤيا، وأن الكثيرين من معاصريه انتقدوا الرؤيا بشدة، وذكروا أن المؤلف لم يكن حوارياً ولا قديساً، ولا حتى عضواً في الكنيسة، بل هو سيرنثوس الذي تزعم الطائفة المنحرفة المعروفة باسمه (١). وقد نشر (كميل خباز) كتابا بعنوان (الزؤان في الكتاب المقدس) "وضح فيه إن التآمر على الدين المسيحي من قبل اليهود قديم قدم المسيحية وقال: "إن ثمة يهود وضعوا مؤامرة سريه تهدف إلى القضاء على المسيحية بأساليب متعددة ومنها: تحريف الإنجيل. فقد اثبت الباحث المذكور إن رؤيا يوحنا وهي آخر الأسفار المقدسة عند المسيحيين هو نبوءة كاذبة ومدسوسة، كما أنها تؤلف إحدى حلقات تلك المؤامرة" (٢). الأصوليون المسيحيون وهرمجيدون تتلخص نظرية هرمجيدون كما يراها الأصوليون المسيحيون في القول: أن نهاية العالم أوشكت على الحدوث بعد تحقق الشرط اللازم لوقوعها، وهو إنشاء إسرائيل، وتجميع اليهود فيها، ولم يبق سوى أن يعود المسيح بصورة الملك ـ المحارب فيسحق أعداءه في معركة تل مجدو الرهيبة. أما دور المؤمنين في الوقت الحاضر فهو المساهمة بتسريع تحقق الأحداث المتوقعة، والتمهيد لإنشاء مملكة الله على الأرض، التي سيكون المسيح على رأسها. والمخيف أن العديد منهم يحبذ حصول كارثة نووية، كأنسب وسيله لتحقيق المجيء الثاني بأقصى سرعة، ومن

стр. 276

هؤلاء من بيدهم مقاليد الأمور مثل الرئيس الأسبق (ريجان) والرئيس الحالي (بوش). ويجد الواعظون بهذا المخطط البهجة خلال مواعظهم في وصف الفظائع التي ستحدث خلال معركة تل مجدو، ويتحدثون عنها بإسهاب أمام جمهورهم سريع التصديق، ومن هؤلاء الوعاظ الأصوليون أسماء شهيرة مثل (جيري فالويل) و (جيمي سواجارت) و (بات روبرتسون) و (هال ليندسي). والمشهور عن أمثال هؤلاء اعتقادهم ـ بسبب تأثرهم بفكر بولس ويوحنا ـ أن ليس هناك ما يخشاه المرء من انتشار الأسلحة النووية ولا من إمكانية اشتعال حرب عالميه ثالثه نتيجة نشوء إسرائيل، لأن مثل هذه التطورات مرغوبة لكونها جزءاً من مخطط إلهي من شأنه تسريع عودة المسيح. فالأصوليون لا يؤمنون بضرورة العمل من أجل السلام، بل قبولهم الحرب كأمر لا مفر منه تحقيقا لإرادة الله ـ حسب زعمهم. ومن ذلك أن وزير الداخلية الأمريكي الأسبق (جيمس واط) صرح أمام مجلس النواب: انه باعتبار العودة الوشيكة للمسيح ونهاية العالم، فليس من مبرر للقلق على البيئة، ولا التذمر من تخريب الموارد الطبيعية (١). ولإزالة المخاوف لدى الجمهور الأمريكي عن هذه النظرية، فإن البعض ينفيها، ويرى أن هرمجيدون الواردة في سفر الرؤيا، ليست إلا أحداثاً خاصة بـ (موت) المسيح، وبعثه وتدمير الهيكل في عام ٧٠ قبل الميلاد. كما يرى آخرون في هرمجيدون، أنها مثال تصويري للصراع الروحي بين الخير والشر. وقد كانت تلك المعتقدات، وما شابهها حية ما بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، وبخاصة في مسائل الانشغال العام بالشيطان، وبالمسيح الدجال وبنهاية العالم" (٢).

стр. 277

سيناريو هرمجيدون حسب (سفر الرؤيا) (١) يبدأ سيناريو هرمجيدون ـ حسب يوحنا اللاهوتي ـ بما يسميه (أناشيد الظفر في السماء)، محاولاً تبرير هذه المعركة الرهيبة، فيقول: "لأنه أدان العاهرة الكبرى ـ بابل ـ التي أفسدت الأرض بزناها وبفسوقها، وأنتقم لدم عبيده منها". وبعدها مباشره يصور يوحنا مشاهد هذه المعركة فيقول: "ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس ابيض والجالس عليه يدعى أميناً وصادقاً واسمه كلمة الله، وتبعته جيوش السماء على خيول بيضاء، وقد كتب على ثوبه وعلى فخذه: ملك الملوك ورب الأرباب. ورأيت الوحش وملوك الأرض وجيوشهم مجتمعين لشن الحرب على الجالسين، على الفرس وجيشه، فقبض على الوحش، وعلى النبي الزائف معه، وألقي الاثنان أحياء في بحيرة النار المتقدة بالكبريت، والباقون قتلوا بسيف الجالس على الفرس المنبعث من فمه، وجميع الطيور شبعت من لحومهم" (سفر الرؤيا ـ الفصل ١٩). ففي معركة هرمجدون، كما في كل معركة طرفان يتصارعان، وفي النهاية يخسر واحد، وينتصر آخر. وبما أن معركة يوحنا، هي معركة كونية فاصلة بين عالمين، فقد استعار لها يوحنا الكثير من الصور الغائمة المبهمة، أخرجها بصيغ من الألغاز والرموز، وبلسان الرائي: "ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس ابيض والجالس عليه يدعى أميناً وصادقاً. بالعدل يحكم ويحارب. عيناه كلهيب نار، وعلى رأسه تيجان كثيرة، وله مكتوب لا يعرفه أحد إلا هو. مستربل بثوب مغموس بدم، ويدعى اسمه كلمة الله. من فمه يخرج سيف ماض، لكي يضرب به الأمم. وهو سيرعاهم

стр. 278

(الأمم) بعصا من حديد، يدوس معصره خمر، سخط وغضب الله القادر على كل شيء. وله على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب: ملك الملوك ورب الأرباب" (رؤيا ١٩:١١ـ١٦). وهذه صورة المسيح اليهودي المنتظر ـ البطل السماوي المحارب على رأس جيش من "الأجناد السماوية يتبعونه على خيل بيض لابسين بزاً أبيض نقياً" (رؤيا ١٩: ١٤). وفي الطرف المقابل يقف "الوحش وملوك الأرض وأجنادهم مجتمعين ليصنعوا حرباً مع الجالس على الفرس ومع جنده" (رؤيا ١٩:١٩). تساعدهم قوى الشر ممثلة بـ "أرواح نجسة شبه ضفادع. أرواح شياطين صانعة آيات تخرج على ملوك العالم، وكل المسكونة لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم يوم الله القادر على كل شيء .. إلى الموضع الذي يدعى بالعبرانية هرمجدون" (رؤيا ١٦: ١٣ـ ١٦). وقبل أن تضع الحرب الكونية أوزارها، يقول الرائي:"ورأيت ملاكاً واحداً واقفاً في الشمس، فصرخ بصوت عظيم قائلاً للطيور جميعها: هلم اجتمعي إلى عشاء الإله العظيم، لكي تأكلي لحوم ملوك، ولحوم قواد أقوياء، ولحوم خيل، والجالسين عليها، ولحوم الكل حراً وعبداً صغيراً وكبيراً" (رؤيا ١٩: ١٧). وكان من الطبيعي، بمفهوم الرائي يوحنا، أن ينتصر في المعركة الكونية بطل السماء ـ المسيح المنتظر، "فقبض على الوحش، والنبي الكذاب معه، الصانع قدامه الآيات التي أضل بها الذين قبلوا سمة الوحش والذين سجدوا لصورته، وطرح الاثنان حيين في بحيرة النار المتقدة بالكبريت، والباقون قتلوا بسيف الجالس على الفرس الخارج من فمه. وجميع الطيور شبعت من لحومهم" (رؤيا ١٩:٢٠ و ٢١). هكذا تحددت مهمة المسيح المنتظر بوضوح، ومنذ البداية، وهى سحق الرؤوس، وملء الأرض بالجثث، وجعل الأمم جميعها موطئاً لأقدام بنى إسرائيل، وانتداب اليهود بقيادة المسيح المنتظر لحكم الأرض، نيابة عن يهوه (الرب)، أى إقامة ملكوت يهوه على الأرض. وهذه الصورة التي رسمها يوحنا اللاهوتي في رؤياه، تعتبر الأكثر تعبيراً عن صورة المسيح الذي ينظره اليهود. فالأوصاف التي طرحها يوحنا هي لمسيح يهودي، محارب. "عيناه كلهيب نار .. متسربل بثوب مغموس بدم" (رؤيا١٩:١٢) "رجلاه شبه النحاس النقي كأنها محميتان في آتون .. وسيف ماض ذو

стр. 279

حدين يخرج من فمه" (رؤيا ١٥:١). ثم يكرر يوحنا اللاهوتي هذه الصفة التي ينسبها إلى مسيحه، بصيغة من البلاغة التفصيلية، فيقول: "ومن فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب الأمم، وسيرعاهم بعصا من حديد، وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله" (رؤيا ١٩: ١٥). "وله على ثوبه، وعلى فخذه اسم مكتوب ملك الملوك ورب الأرباب" (رؤيا ١٩: ١٦). ومسيح يوحنا كائن مركب، "له سبعة أرواح الله والسبعة الكواكب" (رؤيا ٣: ١). "وله سبعة قرون وسبع أعين" (رؤيا ٥: ٦). "والممسك السبعة الكواكب في يمينه" (رؤيا ٢: ١)، وهذه أوصاف وصور مقتبسة أو مستعارة من دانيال وحزقيال، ارتبطت بيهوه (الرب)، أو قل أن يهوه نسبها إلى مسيحه الذي وعد جماعته (اليهود) به، ليقود جيشهم في مذبحة الأرض، التي سيرتفع أثرها ملك صهيون على أمم الأرض (١). ومسيح يوحنا ليس فيه من المسيح المسيحي (يسوع الناصري)،غير صفة الخروف، ولكن (خروف) يوحنا (المسيح) لا يبدو واقفاً على جبل الزيتون يعلم التلاميذ مثلاً. ولا "يطوف المدن كلها والقرى يعلم مجامعها" (متى ٩: ٣٥) وإنما يبدو "واقفاً على جبل صهيون" (رؤيا ١٤: ١) حيث شد داود إطناب خيمته. و (خروف) يوحنا (المسيح) لم يأت ليخلص البشرية (الفداء)، وإنما ليخلص بني إسرائيل "من بين كل قبيلة ولسان وشعب وأمة" (رؤيا ٥: ٩). والذين "اشتراهم بدمه" (رؤيا ٥:٩) أي خلصهم ـ فداهم ـ هم "مائة وأربعة وأربعون ألفا مختومين على جباههم من كل سبط من بني إسرائيل" (رؤيا ٧: ٤) (٢). ومسيح يوحنا يهودي، فهو "الأسد الذي من سبط يهوذا، أصل داود" (رؤيا ٥: ٥)، "الذي له مفتاح داود" (رؤيا ٣: ٧)، والذي رفع جماعته (بني إسرائيل) فوق البشر جميعهم، "وجعلتنا لألهتنا ملوكاً وكهنة" (رؤيا ٥:١٠) "ومسحهم سادة على الأرض" (رؤيا ٥:١٠). ومسيح يوحنا اليهودي، سيقود جيش القديسين ضد جيش الأشرار المؤتلف بقيادة (يأجوج ومأجوج) في "الموضع الذي يدعى بالعبرانية هرمجدون" (رؤيا ١٦:١٦).

стр. 280

وبعد المأدبة التي أقامها الإله احتفالاً بانتصاره على أعدائه، يقول الرائي: "ثم رأيت ملاكاً نازلاً من السماء معه مفتاح الهاوية، وسلسلة عظيمة على يده، فقبض على التنين الحية القديمة، الذي هو إبليس والشيطان، وقيده ألف سنة وطرحه في الهاوية، وأغلق وختم عليه لكي لا يضل الأمم في ما بعد حتى تتم الألف السنة. وبعد ذلك لابد أن يحل زماناً يسيراً" (رؤيا ٢٠:١ ١ـ٣). ففي هذه المعركة الكونية لم يكن هناك نهاية، وإنما كان فيها "قيامه أولى لهؤلاء الذين ليس للموت الثاني سلطان عليهم. بل سيكونون كهنة لله والمسيح، وسيملكون معه ألف سنة" (رؤيا ٢٠: ٦). "أما بقية الأموات فلم تعش حتى تتم الألف السنة" (رؤيا ٢٠: ٥). "ثم متى تمت الألف السنة يحل الشيطان من سجنه، ويخرج ليضل الأمم الذين في أربع زوايا الأرض: (يأجوج ومأجوج) ليجمعهم للحرب، الذين عددهم مثل رمل البحر" (رؤيا ٢٠: ٧). وهنا تكون المعركة الكونية، وينتهي التاريخ يقول الرائي: "فصعدوا على عرض الأرض وأحاطوا بمعسكر القديسين وبالمدينة المحبوبة (أورشليم)، فنزلت نار من عند الله من السماء وأكلتهم. وإبليس الذي كان يضلهم طرح في بحيرة النار والكبريت حيث الوحش والنبي الكذاب، وسيعذبون نهاراً وليلاً أبد الآبدين" (رؤيا ٢٠: ٩). وفي نهاية هذه المعركة الفاصلة يبدأ الحساب، يقول الرائي: "ثم رأيت عرشاً عظيماً ابيض والجالس عليه، الذي من وجهة هربت الأرض والسماء، ولم يوجد لهما موضع، ورأيت الأموات صغاراً وكباراً واقفين أمام الله، وانفتحت أسفار، وانفتح سفر آخر هو سفر الحياة. ودين الأموات مما هو مكتوب في الأسفار بحسب أعمالهم. وسلم البحر الأموات الذين فيه، وسلم الموت والهاوية الأموات فيهما. ودينوا كل واحد بحسب أعماله، وطرح الموت والهاوية في بحيرة النار" (سفر الرؤيا ٢٠: ١١ - ١٥). وهكذا ينتهي التاريخ معه الأرض والسماء، وتولد سماء جديدة وأرض جديدة وأورشليم جديدة. ولما كان يوحنا اليهودي، واقعاً تحت تأثير التراث اليهودي، وعنصرياً متعصباً كما هو حال أنبياء بني إسرائيل جميعاً، لم ير في الأرض الجديدة غير أورشليم وغير شعب الله الخاص. ولم يبقَ من تاريخ الأرض الأولى غير أسماء أسباط بني إسرائيل الإثني عشر، ممهورة على أبواب أورشليم الجديدة الإثني عشر.

стр. 281

والصورة بريشة الرائي يوحنا: "ثم رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا، والبحر لا يوجد فيما بعد، وأنا يوحنا ـ رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة نازله من السماء من عند الله، مهيأة كعروس مزينة لرجلها، وسمعت صوتاً عظيماً من السماء قائلاً هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعباً والله نفسه يكون معهم إلهاً لهم. وكان للمدينة سور عظيم وعال، وكان لها اثنا عشر باباً، وعلى الأبواب أسماء مكتوبة هي: أسماء أسباط بني إسرائيل الإثنى عشر" (رؤيا ٢١: ١ـ١٢). وليس هنا مجال البحث في السؤال: لماذا لم يجهز مسيح يوحنا اليهودي المنتظر في المعركة الكونية الأولى، على الشرور المتمثلة بالتنين، الحية إبليس الشيطان؟ ولماذا قيده ألف سنة حتى إذا ما انقضت "حل من قيوده، ليضل الأمم الذين في أربع زوايا الأرض؟ " (رؤيا ٢٠:٧). ولماذا تعين على البشر أن يعانوا مرة أخرى من عبث قوة الشر بعد نعيم السنين؟. ولا مجال ايضاً للبحث في الإجابة عليه. فالمهم هو نتيجة المعركة .. انتصار المسيح المنتظر على رأس قديسيه (مختارية)، على شعوب وأمم الأرض قاطبة. وقيام مملكة صهيون، وتسيد شعب يهوه المختار على الأمم جميعها (١). علامات ومقدمات معركة هرمجدون العظمى ؟! مع أن البروتستانت يعلمون بأن أكثر الناس سيسخرون من إنذاراتهم عن هرمجدون، إلا أنهم مع ذلك يؤكدون أنها ستأتي بغتة على شعوب العالم، وأن رئيس المهاجمين يدعى (جوج) وهو اسم للشيطان إبليس بعد ما تم طرحه إلى الأرض. وجوج يهاجم مجتمع العالم الجديد، لأنه غير راض عن نمو هذا المجتمع. ويرى البروتستانت أن الله عين زمان حرب هرمجدون القريبة، والتي يزعمون بأنها، ستسبق أسعد أيام الجنس البشرى على مدى تاريخه، وان جموعاً كثيرة يزداد عددها باستمرار تنتظر هذه الحرب الكونية .. عندما يصل العالم إلى منتهاه .. والبروتستانت يخمنون أن وقت نهاية النهاية بات قريباً، استناداً للمؤشرات التوراتية والواقعية،

стр. 282

حيث أن الوقت الباقي للشيطان منذ تم طرحه إلى الأرض هو زمان قليل (١)!!. وهذه بعض المقدمات والعلامات التي يعتقدون أنها تدل على قرب وقوع هذه المعركة. هجرة اليهود إلى فلسطين يعتبر الأصوليون المسيحيون تجميع اليهود في أرض فلسطين مقدمة ضرورية لعودة المسيح المنتظر، وقيام معركة هرمجيدون، ولهذا لم يذخر هؤلاء جهداً في هذا المجال، حيث تكاثفت جهود الحكومات البريطانية والأمريكية المتعاقبة لتحقيق هذا الهدف. وقد عرضنا في السابق لهذه المحاولات التي بدأت حتى قبل ظهور الحركة الصهيونية بوقت كبير، وما تلاها بعد قيام إسرائيل، وجهود أمريكا وبريطانيا في هذا المجال، والذي وصل إلي ذروته في عهد الرئيس ريجان، الذي سخر كل أحاديثه وتصريحاته للحديث عن انتهاك موسكو لحقوق الإنسان، بسبب رفضها السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، حيث نجحت الضغوط التي مارسها على موسكو في فتح أبواب هجرة اليهود الروس إلى فلسطين، والذين وصل أكثر من مليون ونصف منهم إلى إسرائيل في فترة وجيزة. ويبدو أن ريجان قد ذهب بعيداً في إيقانه من أن المسألة أصبحت مسألة وقت بالنسبة لمجيء اليوم الموعود، فهو يعتقد أن لا عقبات هناك تحول بين ذلك اليوم وبين حدوثه، حيث قال ريجان للقس ملز: "إن كل النبوءات الأخرى التي تعين تحقيقها قبل معركة مجدو قد حدثت، والفصل ٣٨ من حزقيال يقول: إن الله سيأخذ بنى إسرائيل من وسط الكفار، حيث سيكونون مشتتين، ثم سيلم شملهم مرة أخري في أرض الميعاد. وقد حدث هذا بعد قرابة ألفى سنة، ولأول مرة في التاريخ، فإن كل شيء مهيأ لمعركة مجدو، والمجيء الثاني للمسيح" (٢). وقد نسى ريجان أنه شخصياً كان له الدور الأساسي في فتح باب الهجرة أمام يهود الاتحاد السوفيتي بحجة احترام حقوق الإنسان.

стр. 283

المسيح يدعوك لتبني مستوطنة في مقال له يقول محمد عبد العاطي: "كان الأمر مستغربًا بالنسبة لي في البداية .. فأعدت القراءة مرة ثانية وثالثة .. ثم قرًّبت عيني من شاشة الكمبيوتر .. فوجدت أن ما قرأته صحيح (يسوع المسيح يدعوك لتبنِّي مستوطنة)، لكي تفوز بملكوت السماء ورضا الرب يسوع، ادعم مستوطنات السامرة. وتحت هذا النداء صورة لعائلة يهودية مكونة من: أب، وأم، وثلاثة من الأولاد، متكئين على حجر أمام إحدى المستوطنات، وحولهم عبارة تخرج من عين دامعة تقول: تذكرهم في صلواتك .. وظللت أتابع هذا الموقع الغريب علي شبكة الإنترنت، فقرأت العنوان التالي: اتصل بنا الآن، كي تعرف كيف تستطيع أنت وكنيستك وطائفتك التي تنتمي إليها، شد أزر هؤلاء المستوطنين الشجعان. وبالفعل اتصلت بهم فوجدت صفحة كبيرة ـ باللغة الإنجليزية طبعًا ـ عبارة عن خطبة لرئيس المنظمة التي تقوم على الموقع، والتي تطلق على نفسها اسم (منظمة النبي يوشع) ويدعي (تد باكت)، عرفت فيما بعد أنه من كبار أساقفة البروتستانت في الولايات المتحدة الأمريكية، وليس حاخامًا يهوديًّا، ورحت أقرأ ما قال فكانت كلماته الطويلة والمسهبة حول عملية السلام الدائرة رحاها الآن في الشرق الأوسط وكيف أنها ـ على حد تعبيره ـ تزييف وخداع، واختتم مقالته بقوله: هذا هو الوقت المناسب الذي يتوجب على المسيحيين فيه أن يتوجهوا لعملية السلام الحقيقية، التي ستؤدي للمصالحة والحب، ودعم الشعب اليهودي الذي تنحصر رغبته في الإقامة على الأرض التي أعطاها له الرب. وأضاف الأسقف (تد باكت) أن هؤلاء اليهود لا يسعون لطرد العرب، ولا يقومون بتدمير القرى والبيوت، ولا يقصفون الأحياء السكنية!! كل ما يبتغونه هو أن يعيشوا حياتهم (داخل مستوطناتهم) بسلام حقيقي.!! ويتابع الكاتب مقاله: دفعني الفضول لمتابعة الموضوع نفسه في الصحف الإسرائيلية، فوجدت فيها الكثير من المقالات والإعلانات الموجهة لمسيحيي الغرب تناشدهم استكمال هذه المستوطنة أو تلك، فعلى سبيل المثال نشرت صحيفة

стр. 284

(هآرتس) مقالة، تذكر فيها أن حملة التبرعات التي تقوم بها المنظمات المسيحية البروتستانتية في الولايات المتحدة وأوروبا وبلدان الشرق الأقصى أسفرت عن بناء ٤٥ مستوطنة من بينها مستوطنة عيناب التي تكلفت ٤.٥ مليون دولار. وتضيف الصحيفة أن هذه التبرعات تمت تحت شعار) تبنَّ مستوطنة). وعن الفلسفة المسيحية التي دعت الأسقف (تد باكت) للقيام لتأسيس تلك المنظمة يقول: هنالك مقولة للنبي يوشع تؤكد أن الكثير من غير اليهود ـ الغويم ـ يأتون إلى البلاد قبيل الخلاص، لإيمانهم أن الخلاص سيأتي من إسرائيل، واستنادًا إلي هذه المقولة تؤمن طائفتنا أن بقاء دولة إسرائيل وازدهارها خطوة هامة تمهد الطريق لعودة المسيح وتخليصه لليهود، ولهؤلاء المؤمنين من غير اليهود. ويضيف (باكت) أن الرئيس الأمريكي نفسه من أنصار هذا المذهب. أما الجمعية الأخرى التي تنشط في جمع التبرعات داخل الأوساط المسيحية لصالح المستوطنات اليهودية فهي جمعية (شوفا يسرائيل) أو (عودة إسرائيل) وهذه المرة الجمعية يهودية وليست مسيحية كسابقتها، ويبدي بعض أفرادها تخوفهم من أن تتحول التبرعات التي تقوم (شوفا يسرائيل) بجمعها من المسيحيين في الولايات المتحدة، إلي وسيلة تبشيرية في أيدي البروتستانت، إلا أن ميل (بورتشتاين) ـ مستشار تجنيد الموارد في الجمعية وصندوق تنمية السامرة ـ طمأنهم، بقوله: حسب الطريقة التي نعمل بها لا نواجه تلك المشكلة بالمرة، والفكرة ببساطة تقوم على أننا لا نجمع التبرعات من منظمة، أو من شخص واحد فقط، بل نكلف أتباعنا بالتنقل بين كل الطوائف الإنجليكانية، وبالتالي لا يمكن لجهة بعينها أن يكون لها تأثير علينا. أما الحاخامات، فيقولون إن المشكلة في الشريعة التوراتية عندنا ليست في عملية جمع التبرعات في حد ذاتها، ولكن في الطريقة التي تجري بها، ولذا نراهم قد نشطوا في إعطاء الإرشادات الدينية لمن يتولون عملية الجمع، والتي منها تأكيدهم على ألا ينشأ موقف من عملية الجمع يظهر فيه المسيحي في صورة المتفضل على اليهودي، لأن المعروف لا يأتي إلا من قبل اليهودي فقط.!! ويضيفون موجهين

стр. 285

كلامهم لجامعي التبرعات: عليكم ألا تقولوا إن هذا المال لمساعدة اليهود الفقراء أو المهاجرين الذين ليس لديهم مال أو أنه تفضل منكم وإنما هو تبرع .. تبرع وفقط.!! وفي إحدى الحملات التي أقيمت في الولايات المتحدة، لجمع التبرعات كانت هناك صورة كبيرة للصليب، وضعت كخلفية خلف المنصة، فأبي حاخام ولاية فلوريدا أن يبدأ الحفل إلا بعد أن يغطوا الصليب حتى لا يظهر، وفعلوا ما أراد ونجح الحفل، وأعلنت تلك الصحف عن إقامة حفل آخر ينظمه موقع (النبي يوشع) للعديد من أصحاب مواقع الإنترنت في الولايات المتحدة، تحت شعار (ليس هناك مسيحي في العالم لا يؤمن أن اليهود هم الذين سيستقبلون المسيح في نهاية المطاف) " (١). تدمير الأقصى تدمير المسجد الأقصى شرط رئيس لازم، وبالغ الأهمية في مخطط اليهود والأصوليين المسيحيين لعودة المسيح، ويوضح المبشر الأصولي (أوين) سيناريو تدمير الأقصى فيقول: "إن إرهابيين يهوداً سينسفون المكان الإسلامي، مما يرغم المسيح المنتظر على التدخل. إن اليهود يعتقدون أن قدومه سيكون الأول، ونحن المسيحيين نعلم بأن هذه ستكون الثانية؟. نعم لابد بالتأكيد من أن يكون هيكل يهودي ثالث". وعندما سئل (القس ديلتش): "إذا نجح اليهود الذين تؤيدهم ودمروا قبة الصخرة والمسجد الأقصى فأدى ذلك إلى اشتعال نيران الحرب العالمية الثالثة، فهل تعتبر نفسك من المسئولين عن ذلك؟ أجاب قائلاً: كلا .. لأن ما سيفعله أولئك اليهود هو إرادة الله" (٢). فاليهود ليسوا وحدهم الذين يسعون إلى هدم الأقصى، بل يقف معهم الأصوليون المسيحيون، حيث كان الشخص الذي قام بمحاولة إحراق المسجد الأقصى عام ١٩٦٨م شخص أسترالي بروتستانتي وليس يهودياً. وهنا تجب الإشارة إلى أمر غاية في الأهمية، وهو تضخيم العرب والمسلمين لقوة اليهود وقدرتهم على
следующие страницы →