← Общие книги

Общие книги · id 36505

الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم

يوسف الطويل

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والصورة بريشة الرائي يوحنا: "ثم رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا، والبحر لا يوجد فيما بعد، وأنا يوحنا ـ رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة نازله من السماء من عند الله، مهيأة كعروس مزينة لرجلها، وسمعت صوتاً عظيماً من السماء قائلاً هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعباً والله نفسه يكون معهم إلهاً لهم. وكان للمدينة سور عظيم وعال، وكان لها اثنا عشر باباً، وعلى الأبواب أسماء مكتوبة هي: أسماء أسباط بني إسرائيل الإثنى عشر" (رؤيا ٢١: ١ـ١٢). وليس هنا مجال البحث في السؤال: لماذا لم يجهز مسيح يوحنا اليهودي المنتظر في المعركة الكونية الأولى، على الشرور المتمثلة بالتنين، الحية إبليس الشيطان؟ ولماذا قيده ألف سنة حتى إذا ما انقضت "حل من قيوده، ليضل الأمم الذين في أربع زوايا الأرض؟ " (رؤيا ٢٠:٧). ولماذا تعين على البشر أن يعانوا مرة أخرى من عبث قوة الشر بعد نعيم السنين؟. ولا مجال ايضاً للبحث في الإجابة عليه. فالمهم هو نتيجة المعركة .. انتصار المسيح المنتظر على رأس قديسيه (مختارية)، على شعوب وأمم الأرض قاطبة. وقيام مملكة صهيون، وتسيد شعب يهوه المختار على الأمم جميعها (١). علامات ومقدمات معركة هرمجدون العظمى ؟! مع أن البروتستانت يعلمون بأن أكثر الناس سيسخرون من إنذاراتهم عن هرمجدون، إلا أنهم مع ذلك يؤكدون أنها ستأتي بغتة على شعوب العالم، وأن رئيس المهاجمين يدعى (جوج) وهو اسم للشيطان إبليس بعد ما تم طرحه إلى الأرض. وجوج يهاجم مجتمع العالم الجديد، لأنه غير راض عن نمو هذا المجتمع. ويرى البروتستانت أن الله عين زمان حرب هرمجدون القريبة، والتي يزعمون بأنها، ستسبق أسعد أيام الجنس البشرى على مدى تاريخه، وان جموعاً كثيرة يزداد عددها باستمرار تنتظر هذه الحرب الكونية .. عندما يصل العالم إلى منتهاه .. والبروتستانت يخمنون أن وقت نهاية النهاية بات قريباً، استناداً للمؤشرات التوراتية والواقعية،

стр. 282

حيث أن الوقت الباقي للشيطان منذ تم طرحه إلى الأرض هو زمان قليل (١)!!. وهذه بعض المقدمات والعلامات التي يعتقدون أنها تدل على قرب وقوع هذه المعركة. هجرة اليهود إلى فلسطين يعتبر الأصوليون المسيحيون تجميع اليهود في أرض فلسطين مقدمة ضرورية لعودة المسيح المنتظر، وقيام معركة هرمجيدون، ولهذا لم يذخر هؤلاء جهداً في هذا المجال، حيث تكاثفت جهود الحكومات البريطانية والأمريكية المتعاقبة لتحقيق هذا الهدف. وقد عرضنا في السابق لهذه المحاولات التي بدأت حتى قبل ظهور الحركة الصهيونية بوقت كبير، وما تلاها بعد قيام إسرائيل، وجهود أمريكا وبريطانيا في هذا المجال، والذي وصل إلي ذروته في عهد الرئيس ريجان، الذي سخر كل أحاديثه وتصريحاته للحديث عن انتهاك موسكو لحقوق الإنسان، بسبب رفضها السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، حيث نجحت الضغوط التي مارسها على موسكو في فتح أبواب هجرة اليهود الروس إلى فلسطين، والذين وصل أكثر من مليون ونصف منهم إلى إسرائيل في فترة وجيزة. ويبدو أن ريجان قد ذهب بعيداً في إيقانه من أن المسألة أصبحت مسألة وقت بالنسبة لمجيء اليوم الموعود، فهو يعتقد أن لا عقبات هناك تحول بين ذلك اليوم وبين حدوثه، حيث قال ريجان للقس ملز: "إن كل النبوءات الأخرى التي تعين تحقيقها قبل معركة مجدو قد حدثت، والفصل ٣٨ من حزقيال يقول: إن الله سيأخذ بنى إسرائيل من وسط الكفار، حيث سيكونون مشتتين، ثم سيلم شملهم مرة أخري في أرض الميعاد. وقد حدث هذا بعد قرابة ألفى سنة، ولأول مرة في التاريخ، فإن كل شيء مهيأ لمعركة مجدو، والمجيء الثاني للمسيح" (٢). وقد نسى ريجان أنه شخصياً كان له الدور الأساسي في فتح باب الهجرة أمام يهود الاتحاد السوفيتي بحجة احترام حقوق الإنسان.

стр. 283

المسيح يدعوك لتبني مستوطنة في مقال له يقول محمد عبد العاطي: "كان الأمر مستغربًا بالنسبة لي في البداية .. فأعدت القراءة مرة ثانية وثالثة .. ثم قرًّبت عيني من شاشة الكمبيوتر .. فوجدت أن ما قرأته صحيح (يسوع المسيح يدعوك لتبنِّي مستوطنة)، لكي تفوز بملكوت السماء ورضا الرب يسوع، ادعم مستوطنات السامرة. وتحت هذا النداء صورة لعائلة يهودية مكونة من: أب، وأم، وثلاثة من الأولاد، متكئين على حجر أمام إحدى المستوطنات، وحولهم عبارة تخرج من عين دامعة تقول: تذكرهم في صلواتك .. وظللت أتابع هذا الموقع الغريب علي شبكة الإنترنت، فقرأت العنوان التالي: اتصل بنا الآن، كي تعرف كيف تستطيع أنت وكنيستك وطائفتك التي تنتمي إليها، شد أزر هؤلاء المستوطنين الشجعان. وبالفعل اتصلت بهم فوجدت صفحة كبيرة ـ باللغة الإنجليزية طبعًا ـ عبارة عن خطبة لرئيس المنظمة التي تقوم على الموقع، والتي تطلق على نفسها اسم (منظمة النبي يوشع) ويدعي (تد باكت)، عرفت فيما بعد أنه من كبار أساقفة البروتستانت في الولايات المتحدة الأمريكية، وليس حاخامًا يهوديًّا، ورحت أقرأ ما قال فكانت كلماته الطويلة والمسهبة حول عملية السلام الدائرة رحاها الآن في الشرق الأوسط وكيف أنها ـ على حد تعبيره ـ تزييف وخداع، واختتم مقالته بقوله: هذا هو الوقت المناسب الذي يتوجب على المسيحيين فيه أن يتوجهوا لعملية السلام الحقيقية، التي ستؤدي للمصالحة والحب، ودعم الشعب اليهودي الذي تنحصر رغبته في الإقامة على الأرض التي أعطاها له الرب. وأضاف الأسقف (تد باكت) أن هؤلاء اليهود لا يسعون لطرد العرب، ولا يقومون بتدمير القرى والبيوت، ولا يقصفون الأحياء السكنية!! كل ما يبتغونه هو أن يعيشوا حياتهم (داخل مستوطناتهم) بسلام حقيقي.!! ويتابع الكاتب مقاله: دفعني الفضول لمتابعة الموضوع نفسه في الصحف الإسرائيلية، فوجدت فيها الكثير من المقالات والإعلانات الموجهة لمسيحيي الغرب تناشدهم استكمال هذه المستوطنة أو تلك، فعلى سبيل المثال نشرت صحيفة

стр. 284

(هآرتس) مقالة، تذكر فيها أن حملة التبرعات التي تقوم بها المنظمات المسيحية البروتستانتية في الولايات المتحدة وأوروبا وبلدان الشرق الأقصى أسفرت عن بناء ٤٥ مستوطنة من بينها مستوطنة عيناب التي تكلفت ٤.٥ مليون دولار. وتضيف الصحيفة أن هذه التبرعات تمت تحت شعار) تبنَّ مستوطنة). وعن الفلسفة المسيحية التي دعت الأسقف (تد باكت) للقيام لتأسيس تلك المنظمة يقول: هنالك مقولة للنبي يوشع تؤكد أن الكثير من غير اليهود ـ الغويم ـ يأتون إلى البلاد قبيل الخلاص، لإيمانهم أن الخلاص سيأتي من إسرائيل، واستنادًا إلي هذه المقولة تؤمن طائفتنا أن بقاء دولة إسرائيل وازدهارها خطوة هامة تمهد الطريق لعودة المسيح وتخليصه لليهود، ولهؤلاء المؤمنين من غير اليهود. ويضيف (باكت) أن الرئيس الأمريكي نفسه من أنصار هذا المذهب. أما الجمعية الأخرى التي تنشط في جمع التبرعات داخل الأوساط المسيحية لصالح المستوطنات اليهودية فهي جمعية (شوفا يسرائيل) أو (عودة إسرائيل) وهذه المرة الجمعية يهودية وليست مسيحية كسابقتها، ويبدي بعض أفرادها تخوفهم من أن تتحول التبرعات التي تقوم (شوفا يسرائيل) بجمعها من المسيحيين في الولايات المتحدة، إلي وسيلة تبشيرية في أيدي البروتستانت، إلا أن ميل (بورتشتاين) ـ مستشار تجنيد الموارد في الجمعية وصندوق تنمية السامرة ـ طمأنهم، بقوله: حسب الطريقة التي نعمل بها لا نواجه تلك المشكلة بالمرة، والفكرة ببساطة تقوم على أننا لا نجمع التبرعات من منظمة، أو من شخص واحد فقط، بل نكلف أتباعنا بالتنقل بين كل الطوائف الإنجليكانية، وبالتالي لا يمكن لجهة بعينها أن يكون لها تأثير علينا. أما الحاخامات، فيقولون إن المشكلة في الشريعة التوراتية عندنا ليست في عملية جمع التبرعات في حد ذاتها، ولكن في الطريقة التي تجري بها، ولذا نراهم قد نشطوا في إعطاء الإرشادات الدينية لمن يتولون عملية الجمع، والتي منها تأكيدهم على ألا ينشأ موقف من عملية الجمع يظهر فيه المسيحي في صورة المتفضل على اليهودي، لأن المعروف لا يأتي إلا من قبل اليهودي فقط.!! ويضيفون موجهين

стр. 285

كلامهم لجامعي التبرعات: عليكم ألا تقولوا إن هذا المال لمساعدة اليهود الفقراء أو المهاجرين الذين ليس لديهم مال أو أنه تفضل منكم وإنما هو تبرع .. تبرع وفقط.!! وفي إحدى الحملات التي أقيمت في الولايات المتحدة، لجمع التبرعات كانت هناك صورة كبيرة للصليب، وضعت كخلفية خلف المنصة، فأبي حاخام ولاية فلوريدا أن يبدأ الحفل إلا بعد أن يغطوا الصليب حتى لا يظهر، وفعلوا ما أراد ونجح الحفل، وأعلنت تلك الصحف عن إقامة حفل آخر ينظمه موقع (النبي يوشع) للعديد من أصحاب مواقع الإنترنت في الولايات المتحدة، تحت شعار (ليس هناك مسيحي في العالم لا يؤمن أن اليهود هم الذين سيستقبلون المسيح في نهاية المطاف) " (١). تدمير الأقصى تدمير المسجد الأقصى شرط رئيس لازم، وبالغ الأهمية في مخطط اليهود والأصوليين المسيحيين لعودة المسيح، ويوضح المبشر الأصولي (أوين) سيناريو تدمير الأقصى فيقول: "إن إرهابيين يهوداً سينسفون المكان الإسلامي، مما يرغم المسيح المنتظر على التدخل. إن اليهود يعتقدون أن قدومه سيكون الأول، ونحن المسيحيين نعلم بأن هذه ستكون الثانية؟. نعم لابد بالتأكيد من أن يكون هيكل يهودي ثالث". وعندما سئل (القس ديلتش): "إذا نجح اليهود الذين تؤيدهم ودمروا قبة الصخرة والمسجد الأقصى فأدى ذلك إلى اشتعال نيران الحرب العالمية الثالثة، فهل تعتبر نفسك من المسئولين عن ذلك؟ أجاب قائلاً: كلا .. لأن ما سيفعله أولئك اليهود هو إرادة الله" (٢). فاليهود ليسوا وحدهم الذين يسعون إلى هدم الأقصى، بل يقف معهم الأصوليون المسيحيون، حيث كان الشخص الذي قام بمحاولة إحراق المسجد الأقصى عام ١٩٦٨م شخص أسترالي بروتستانتي وليس يهودياً. وهنا تجب الإشارة إلى أمر غاية في الأهمية، وهو تضخيم العرب والمسلمين لقوة اليهود وقدرتهم على

стр. 286

الوصول إلى ما يريدون من خلال نفوذهم القوى في كل مكان، غافلين عن الدور الكبير الذي يلعبه البروتستانت في هذا المجال، والذين تفتح لهم كل الأبواب في البلاد العربية والإسلامية، فيقومون بتنفيذ المهام المطلوبة منهم نيابة عن اليهود. ولو تمعنا في لجان التفتيش الدولية التي عملت بالعراق، فسنلاحظ أن غالبية أعضائها من البروتستانت، وعلى رأسهم (بتلر) و (لاكيوس) اللذين كانا يعملان بتنسيق كامل مع المخابرات الإسرائيلية، انطلاقاً من إيمانهم الديني، كما أن كافة المؤامرات التي نسبت إلى الموساد الإسرائيلي، لم يكن لها لتتم إلا بمساعدة المسيحيين البروتستانت الذين يقدمون كل ما يستطيعون لليهود كواجب ديني مفروض عليهم. وهنا أود أن أوجه نصيحة لجميع صناع القرار العربي بضرورة الحرص في التعامل مع كل ما هو انجلوسكسونى بروتستانتي، لأنهم جميعاً عملاء لإسرائيل ومستعدون لخدمتها بكل الوسائل، وأن الذراع الطويلة للموساد الإسرائيلي، لم تكن كذلك إلا بفضل هؤلاء البروتستانت، الذين يقدمون خدمات مجانية لإسرائيل انطلاقاً من إيمانهم الديني. وتؤكد (جريس هالسل) هذه الحقيقة عندما كشفت، عن أن معظم المحاولات التي جرت لحرق المسجد الأقصى، أو هدمه، وبقية المقدسات الإسلامية في القدس، من أجل إقامة الهيكل، موَّلَها وخطط لها مسيحيون توراتيون من المؤمنين بنبوءة الهرمجدّون، إن لم يشاركوا فيها!!. ولما كان لاهوت (هرمجدون) في صلب اهتمامات بعض المتهودين البروتستانت، وعلى رأسهم القس (جيرى فالويل)، الذي يقوم بتسيير رحلات منظمة إلى الأراضي العربية الفلسطينية، فإن غريس هاليسل صاحبة كتاب (المبشرون البروتستانت والنية القاتلة)، اطلعت أثناء إحدى رحلاتها مع جماعة فالويل على نمط تفكير أتباعه، ومنهم (أوين) الذي شرح لها ضرورة تدمير أحد أكثر الأماكن الإسلامية قداسة في مدينة القدس، ألا وهى قبة الصخرة المشرفة، التي يجلها أكثر من بليون مسلم في جميع أنحاء العالم. وأضاف (اوين) أن النبوءة تتطلب تدمير اليهود لقبة الصخرة، لبناء الهيكل اليهودي على أنقاضها، وأن الإرهابيين اليهود الذين قصفوا المسجد الأقصى بهدف تدميره ومحوه من الوجود كانوا أبطالاً، وأن المشرفين على

стр. 287

(مؤسسة هيكل القدس) أرسلوا خمسين ألف دولار للدفاع القضائي عن الإرهابيين، الذين أدينوا بالتآمر على تدمير قبة الصخرة" (١). ومع أن الإسرائيلي (أشر كاوفمان) يؤكد أن المسجد الأقصى لم يبنَ في نفس مكان الهيكل، فان الأصوليين يرون أنه، لو نجح الإرهابيون اليهود في تدمير المسجد الأقصى، وبناء هيكل سليمان مما يؤدي لاشتعال الحرب العالمية الثالثة، فهذه ليست مسؤولية الإرهابيين، بل هي مشيئة الرب. وقد أثرت هذه النظرية في السياسة الأمريكية، فعندما أحرق المسجد الأقصى في أغسطس ١٩٦٩م، استخدمت أمريكا الفيتو ضد إدانة مجلس الأمن لإسرائيل، وعندما اعتدى اليهود على المصلين في المسجد الأقصى، وقتل ٢١ فرداً وجرح ١٥٠، عادت أمريكا لتستخدم الفيتو ضد إدانة إسرائيل، وكان (جيمس دي لوشي) راعي الكنيسة المعمدانيه في هيوستن قد أعلن في ١٩٨٤م أن أتعاب المحاماة ومصاريف الدفاع عن المتهمين بالهجوم على المسجد الأقصى قد كلفت كنيسته الكثير، وكان هؤلاء الإرهابيين قد خططوا لضرب المسجد الأقصى بالقنابل من الجو بالهليكوبتر ولكنهم تنازلوا عن الخطة بعد التأكد من أن حائط المبكى سيصاب أيضاً" (٢). بناء الهيكل استعداداً لتنفيذ مخطط هدم الأقصى وبناء الهيكل، تم في أمريكيا جمع ١٠٠ مليون دولار لحساب بناء الهيكل المزعوم، بالتزامن مع قيام جماعة أمناء جبل الهيكل بوضع حجر أساس الهيكل الثالث المزعوم في ساحة المسجد الأقصى، بعد موافقة المحكمة العليا الصهيونية على بنائه، بناء على طلب جماعة أمناء جبل الهيكل اليهودية المتطرفة، والتي اختارت توقيت وضع حجر الأساس، ليكون احتفالاً بيوم عيد الحداد اليهودي، والذي يزعم فيه اليهود قيام الرومان بهدم الهيكل الثالث خلال عام ٧٠ م، وقد أعرب المتطرف اليهودي (جيرشون سالمون) رئيس جماعة أمناء جبل الهيكل عن ارتياحه لحكم المحكمة الصهيونية ووصف الحكم بأنه قرار تاريخي

стр. 288

شديد الأهمية، سيعجل في بناء الهيكل، حيث يعتبر أن "كل يوم يمر على اليهود دون أن يبدءوا في بناء الهيكل، يعتبر وصمة عار في جبين الأمة اليهودية" (١). وبالرغم من أن التوراة لا تأمر ببناء مساجد مشيدة، وإنما تأمر ببناء مساجد من طوب الأرض مسقوفة بجريد وعصى. "مذبحا من تراب، تصنع لي، وتذبح عليه محرقاتك، وذبائح سلامتك. غنمك وبقرك. في كل الأماكن التي فيها أصنع لاسمي ذكراً، آتي إليك وأباركك. وإن صنعت لي مذبحاً من حجارة، فلا تبنه منها منحوتة. وإذا رفعت عليها إزميلك، تدنسه. ولا تصعد بدرج إلى مذبحي، كيلا تنكشف عورتك عليه (٢). بالرغم من ذلك، فإن الرئيس (جورج بوش الابن)، وجميع أتباع طائفة الميسوديث يؤمنون، بفكرة هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل على أنقاضه، ويعتبرون أن ذلك هو الذي سيمهد لعودة المسيح الذي سيظهر بعد إنشاء هذه الهيكل المقدس ـ على حد قولهم. ويرى أصحاب هذا المذهب، أن الإسرائيليين الذين يعيشون فيما يسمونه بالأراضي الإسرائيلية المباركة، هم الجنود المخلصون الذين سيتحملون أن يكونوا في طليعة الصفوف التي تقاتل إلى جانب المسيح، حتى يتم القضاء على كل المسلمين أولا، ثم القضاء على المسيحيين غير المخلصين ثانياً. ويرى أتباع هذا المذهب، أن الوقت قد حان لظهور المسيح منذ عام ٢٠٠٠م، وأن المسيح لن يستطيع أن يخرج إلى النور، طالما ظل المسجد الأقصى قائماً. فالهيكل المقدس لا بد أن يتم بناؤه على أنقاض هذا المسجد، وقد تبرع الكثيرون وفي المقدمة منهم (بوش) و (بلير) من أجل صنع أعمدة هذا الهيكل وتزيينه، وكذلك الانتهاء من رسوماته وتصميمه، وقد وافق (شارون) على أن يكون التصميم الأمريكي الذي وافق عليه بوش لإقامة الهيكل هو المعتمد لدى حكومته. المقاومة الفلسطينية لكي يربط البروتستانت خرافات الماضي بمآسي الحاضر التي جلبته حركة الاستيطان الصهيوني العنصري على أرض فلسطين العربية، يقولون: "وعملا

стр. 289

باسمه، يبين يهوه الآن لشعبه معنى النبوة المتعلقة بالفلسطينيين، وفي هذه الساعة العصيبة التي يضطهد بها العدو (الفلسطينيين) شعب يهوه بقساوة، تنشأ لهم تعزية من عملهم، بأن يهوه يطلعهم عن السبب الذي لأجله يسمح بمثل هذا الاضطهاد، وعلى ما ستؤول إليه النتيجة النهائية (١). فهم يعتبرون أعمال المقاومة، التي يقوم بها الفلسطينيون والمسلمين لتحرير بلادهم، أعمال اضطهاد لليهود، وبأنها ترمز إلى أمور معينة عظيمة الحدوث عند نهاية العالم؟. ويميل البروتستانت إلى تصديق ذلك، لأن الفلسطينيين ـ كما يعتقدون ـ كانوا شعباً نبوياً ومخبرين مسبقاً عن نوع خصوصي من أعداء يهوه، أي أن الفلسطينيين قد أنبئوا سلفاً عن طريق التنبؤ عن أعداء يقوم يهوه بعمل حازم قوى ضدهم عند نهاية العالم. ويرى بعضهم كجماعة (شهود يهوه) "في عرب فلسطين هيئة الشيطان التي تحارب يهوه مرة، ويرون في الكنيسة الكاثوليكية هيئة الشيطان، التي تحارب يهوه مرة أخرى. فالفلسطينيون الذين يبرزون كالعنصر الديني لهيئة الشيطان هم طليعة مضطهدي شعب يهوه المختار ... ولكي يزيد أحبار شهود يهوه من أوار الضغينة والحقد على الفلسطينيين يذهبون إلى أن الفلسطينيون (عائقون) أي أنهم عبدة إبليس وأنهم يدينون بديانته. وهم أولاد حام من مصرايم، وكانت آلهتهم داجون السمكي الشكل، وبعل زبوب" (٢). عودة الفوضى وحدوث كوارث وانهيار اقتصادي المبشرون، والقسس، من أمثال (جيرى فالويل)، و (هال لندزى)، و (بات روبنرتسون)، والمسيحيون اليمينيون الآخرون، يعتقدون بأن الإنجيل فيه نبوءة تدل على العودة الوشيكة للمسيح بعد فترة حرب نووية وكوارث طبيعية، وانهيار اقتصادي، وفوضى اجتماعية، وإنهم يعتقدون بأن هذه الأشياء لا بد أن تحدث قبل المجيء الثاني للمسيح، ويعتقدون بأن هذه الأشياء بينة بوضوح في الإنجيل.

стр. 290

ويعتقد الأصوليون المسيحيون أنه "لما كان مجيء المسيح يعتبر تجديداً للعالم، فلابد وأن يسبق مجيئه عودة للفوضى، ويعتبرون أن كل الآلام والمصاعب التي تحملها اليهود والمسيحيون ـ عبر تاريخهم ـ تفسر وتقبل على أنها (آلام المخاض). وبعد مجيء المسيح وانقضاء فترة (المخاض) فإن العالم، الجديد المقبل لن يكون كالعالم (اليوم): فالسلام سيعم العالم الجديد، البكاء والأنين يختفيان من العالم، ولن يكون بعد ذلك شكوى أو احتجاج أو حزن، تبارك إسرائيل بمجيء المسيح المسيحي، وينتهي عنها الضغط، وتتبوأ مركزها العالمي الذي أعده لها الرب. ويتبدل مصير إسرائيل لدرجة أن كثيراً من الغرباء سيحاولون الانضمام إلى الطائفة" (١). السلام يحل بعودة المسيح فقط يركز القس (بيلى جريهام) في دعوته على أن يوم مجدو على المشارف، وقد حذر عام ١٩٧٠م من أن العالم يتحرك بسرعة نحو معركة مجدو، وأن الجيل الحالي قد يكون آخر جيل في التاريخ، وقال: "إن أكبر معركة في التاريخ ستقع في هذا الجزء من العالم (الشرق الأوسط) ". أما عن علاقة هذا اليوم بقضية الأرض المقدسة، وبناء الهيكل، ومجيء المسيح، فإن النصارى الإنجيليين يعتقدون بأنه لن يكون هناك سلام حقيقي في الشرق الأوسط ولا في العالم إلى أن يأتي المنتظر الموعود، ويجلس المسيح على عرش داود في القدس، ويحارب أعداء إسرائيل. وسوف تعلم جميع الأمم عندئذ أن جميع الآلام التي كابدها بنو إسرائيل على مر قرون- سبيهم وتشتتهم- إنما كانت بسبب ذنوبهم وآثامهم. ولذلك حجب الله وجهه عنهم، وأسلمهم ليد أعدائهم، فهلك أكثرهم. وبسبب نجاستهم ومعاصيهم الكثيرة، رفض الله أن يتدخل لمصلحتهم، ولكن هذا كله سينتهي في اليوم القادم، لأنهم سيرجعون إليه تائبين فيشرق الله بوجهه ويباركهم، وهذه الأحداث ستقع في زمان الضيقة العظيمة الذي سيسبق مجيء الرب يسوع المسيح بصفته ملك الملوك ورب الأرباب" (٢).

стр. 291

ومن العجيب ـ أيضاً ـ أن الحديث عن (الهرمجدون) يتداول على نطاق واسع، وعلى أعلى المستويات، وفي أدق القضايا العالمية وأخطرها. قال المبشر (جيمى سواجارت) في برنامج تلفزيوني أذيع في ٢٢ سبتمبر ١٩٨٥م: "يجب أن لا نتوصل إلى اتفاقات مع الإتحاد السوفيتي .. إن معركة (هرمجدون) مقبلة، ستقع هذه المعركة في سهل مجدو .. إنها مقبلة، في وسعهم أن يوقعوا كل معاهدات السلام التي يريدون .. كلها لن تحل .. ومشكلات أوروبا لن تحل، بل ستصبح أسوأ .. حتى يأتي المسيح المخلص". وينظم هذا المبشر رحلات دورية إلى الأرض المقدسة، يطوف فيها بالمسيحيين الإنجيليين في أنحاء القدس شارحاً لهم كيف ومتى ستحدث الأحداث العظام في هذه المناطق؟!! (١). أما (جيرى فالويل) فقد قام برحلة إلى فلسطين عام ١٩٨٣م، اصطحب فيها ٦٣٠ مسيحياً استقلوا الطائرة من نيويورك إلى تل أبيب، وذهبوا إلى (مجدو) مكان المعركة المنتظرة. وفي خطبة ألقاها (جيرى فالويل) يوم ٢ ديسمبر١٩٨٤م، قال معلقاً على اقتباس من سفر الرؤيا، ومشيراً إلى معركة مجدو: "إن هذه الكلمة (مجدو) تنزل الخوف في صدور الناس، سيحدث اشتباك أخير، وسيدمر الخالق هذا الكون" وقال: "وبالرغم من التوقعات الوردية وغير الواقعية من جانب حكومتنا بشأن اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، فإن هذه المعاهدة لن تدوم طويلاً". ثم قال: "من المؤكد أننا نصلى من أجل سلام القدس، ومن المؤكد أننا نكن الاحترام لمن وقعا اتفاقية السلام، إنني أعلم وأنتم تعلمون، أنه لن يكون هناك سلام حقيقي في الشرق الأوسط إلى أن يجلس المسيح يوماً على عرش داود في القدس". وعموماً فإن الحديث عن مجدو في الأوساط المسيحية، البروتستانتية، واليهودية، لا يفوت هؤلاء وأولئ، عندما يحدث أي حدث غير عادى على أرض الواقع، حيث يربطون ما حدث بما سيحدث، ويرجعون هذا وذاك إلى ما حدث بالأمس ...

стр. 292

هرمجيدون في العقل البروتستانتي لا يتسع المجال هنا لتغطية كل ما قيل عن هرمجيدون، ولكننا سنعرض في البداية لأقول بعض المسيحيين البروتستانت الذين سعوا إلى تحقيق الحلم الصهيوني منذ أكثر من قرن ونصف، من خلال عملهم في صندوق استكشاف فلسطين الذي أسس في إنجلترا عام ١٨٣٩ لإعداد فلسطين لتكون وطناً لليهود، لنبيّن أي روح كانت تغدي نشاطات هؤلاء، والى أي مدى ذهب تفكيرهم من أجل تحقيق النبوءات التوراتية للتعجيل بالعودة الثانية للمسيح، وكل ذلك حدث قبل تأسيس الحركة الصهيونية. ففي صيف ١٨٩٢م عقدت لجنة (صندوق استكشاف فلسطين)، سلسلة محاضرات أبرزها محاضرتان عن انطباعات اثنين من زعماء الصندوق، حول عمليات الاستكشاف خلال السنوات الممتدة من ١٨٦٥ ـ ١٨٩٢ م. وقد جاء في المحاضرة الأولى التي ألقاها (وولتر بيسانت)، (الأمين الفخري للصندوق، وقبل ذلك الأمين الفعلي له مدة ٢٥ عاماً)، قوله: "كنا نقوم بثورة كاملة في فهم ودراسة التوراة. كنا نحيي العظام وهي رميم. كنا نستعيد مجد فلسطين في عهد هيرودوس. كنا نستعيد بلاد داوود. كنا نرد إلى الخارطة أسماء المدن التي دمرها القائد العظيم يهوشع. لقد أعدنا للقدس مجدها وفخامتها. لقد أعدنا البلاد (فلسطين) إلى العالم بالخارطة وبالأسماء، والأماكن المذكورة في التوراة، واسمحوا لي أن أفاخر بذلك إذا علمتم أن شخصاً واحداً (يقصد كوندر) قد استعاد من الأسماء القديمة أكثر مما فعله جميع الباحثين والرحالة حتى الآن" (١). وفي المحاضرة الثانية تحدث كلود كوندر عن دوره في أعمال (الصندوق) فأشار إلى الهجرة اليهودية التي شهدتها البلاد وخاصة مدينة القدس، وقال: "أن عدد اليهود في مدينة القدس عام ١٨٣٧ لم يكن يتجاوز بضع مئات، أما الآن (١٨٩٢م) فقد بلغ عددهم أربعين ألفاً، وأصبحوا يسيطرون على التجارة في المدينة، ولم يعد اليهود أقلية مضطهدة وجبانة، وإنما يبدون سادة المدينة". وأضاف كوندر "أستطيع القول

стр. 293

دون تبجح أنه كان لي ولآخرين غيري دور ما في هذه الحركة". أما عن المستقبل الذي يتصوره لفلسطين، فقد بيّن كوندر "أن الذي نتوقع أن نراه في فلسطين، إذا كان مستقبلها سلمياً، هو زيادة تدريجية في عدد السكان المزارعين (يقصد المستوطنين اليهود)، وانتشار المستعمرات المزدهرة. أما الفلاحون المسلمون الذين أخذ تطرفهم يخبو تدريجياً، فإنهم بتعرضهم لهذا النفوذ سيزدادون ذكاءً ونشاطاً، ولكنهم لن يعودوا سادة البلاد، وأي محاولة عنيفة للتدخل في تطور بلد، يستطيع إعالة شعب كبير مزدهر تطوراً سلمياً، سيؤدي حتما إلى حدوث مشكلة فلسطينية هائلة ينبغي حلها في (كركميش ومجدو) " (١). فبالإضافة إلى ما جاء من اعتراف صريح حول إسهام (صندوق استكشاف فلسطين) في إيجاد مرتكزات مادية للمشروع الصهيوني، توضح روح ونبرات هاتين الشهادتين، كما لو أن (بيسانت وكوندر)، يتحدثان بلسان شخصية صهيونية معاصرة، الأمر الذي يشير إلى حالة من التوحد في الرؤية مع الصهيونية في مرحلتها الجنينية آنذاك .. فمن نفي الهوية القومية الواحدة لعرب فلسطين، إلى الثناء على (القدرات اليهودية)، إلى مقولة (الصفة اليهودية للبلاد)، ثم إلى (الرسالة التمدينية والتطويرية للاستعمار اليهودي وانعكاسها على الفلاحين العرب)، ما هي إلا إشارات قليلة، لكنها توحي بالكثير من النزعات الصهيونية، التي كانت تعتمل في نفوس العاملين ضمن (الصندوق)، ولا تختلف بشيء عما دأبت الصهيونية على ترويجه .. ولكن تظل نقطة أخيرة، تفوح منها رائحة القتل والإبادة التي تنتظر الشعب الفلسطيني، في ظل الصراع على الأرض، هي الإشارة إلى ضرورة (حل المشكلة الفلسطينية)، التي ستنشأ على طريقة الحروب التي حُسمت في التاريخ الغابر، أو لنقل في الرواية التوراتية، في منطقة كركميش ومجدو. إن مجرد التذكير بكركميش ومجدو بالنسبة لقارئ (الكتاب المقدس) ينبئ عن فهم حرفي للرواية، ومحاولة إسقاطية على العصر الحديث. ومن المقدر أن يكون الصهيونيون، فيما بعد، قد استلهموا من هذه الفكرة مما يعزز طبيعة كيانهم الإحتلالي التوسعي في

стр. 294

فلسطين، وتقرير كيفية التعامل العُنفي مع سكان البلاد الأصليين منتقلين من المحرضات الذهنية، إلى الوقائع المادية، ليربطوا خرافات الماضي بمآسي الحاضر، وكأنها ليست إلا تحقيقاً لنبوءات توراتية (١). وقد غمرت الغبطة وجه (فولويل) حين اختتم حديثه الصحفي مع (روبرت شير) قائلاً: "إنني أؤمن بما يؤمن به الرئيس ريغان". ويفضل القس (فولويل) موضوع هرمجدون على أي نبوءة أخرى ففي ٢/ ١٢/١٩٨٤م ألقى موعظة كنسيه صاخبة تقول: "فجمعهم إلى الموضع، الذي يدعى بالعبرانية هرمجدون. ويضيف (فولويل) سيكون هناك اشتباك آخر وأخير، وعندئذ سيتخلص الرب من هذا الكون، وفي الإصحاحين (٢١ و ٢٢) من سفر الرؤيا يتابع (فولويل)، جاء إن الرب سيدمر هذا الكون وسيرافق الدمار انفجار هائل، وحرارة عاليه، كما يقول القديس بطرس نفسه" (٢).

стр. 295

ومنذ عام ١٩٧٠م دأب (بيلي جراهام) على إنذار جمهوره، بقوله: "إن العالم يسير حاليا بسرعة نحو معركة (تل مجدو) وأن الجيل الحالي من الشباب قد يكون آخر أجيال التاريخ". وقال للرئيس الأسبق ريجان، بأن "عيسى المسيح على الأبواب وقد يعود في أية لحظة". أما (هال ليندسي) فقد باع عشرين مليون نسخه من كتابه (كوكب الأرض العظيم الفائت)، الذي زعم فيه أن العد التنازلي لنهاية التاريخ قد بدأ منذ نشوء دولة إسرائيل. وفي روح مشابهة لما كتبه يوحنا في رأياه، زعم (هال ليندسي) أن المسيح العائد سوف يحرق الأرض بسكانها باستثناء (١٤٤٠٠٠) يهودي سوف يتم إنقاذهم (١) (. أما تبريرات هؤلاء لضرورة قيام هذه المعركة، فهي تبريرات دينية مستمدة من نبوءات الكتاب المقدس، حيث يعتمد خطابهم الديني على رؤية سهلة للحياة، مفادها أن العالم أصبح تملؤه الشرور والخطايا، وهو ما سيعجّل بظهور (المسيخ الدجّال) وجيوش الشر، ولن يصبح هناك حل لإنقاذ البشرية والخلاص من الشرور إلا بعودة المسيح المخلّص، لانتزاع المسيحيين المؤمنين من هذا العالم المليء بالخطيئة والشر، وهذا الخلاص ـ عندهم ـ رهين بعودة المسيح فقط، أما المطلوب عمله من هؤلاء المؤمنين فهو السعي لتحقق هذه النبوءة، أو الإسراع بإجبار يد الله "النبوءة! وتحقق النبوءة عندهم رهن بقيام دولة إسرائيل الكبرى، وتجميع كل يهود العالم بها، ومن ثَم فلا بد من تقديم وحشد كل التأييد المادي والمعنوي، المطلق وغير المحدود أو المشروط لدولة إسرائيل، لأن ذلك هو شرط نزول المسيح المخلّص التعجيل بقدوم المسيح رأت الأصولية المسيحية في النصف الثاني من القرن العشرين، أن من المناسب أن تُعَجّل من القدوم الثاني للمسيح بواسطة الدولة اليهودية إسرائيل، وهم مستعدون أن يقاتلوا المسلمين حتى آخر يهودي. وعندما سأل أحدهم (ليني ديفس) أحد أقطاب الأيباك (اللوبي الصهيوني الأمريكي) السابقين إن كان يعلم بأن التلاقي في الأهداف بين الصهاينة اليهود، والصهاينة المسيحيين سينتهي حين قدوم

стр. 296

المسيح، حيث أن للصهاينة المسيحيين معتقداتهم وأجندتهم الخاصة حينئذ، أجاب: إن هؤلاء يثيرون قرفي وخوفي، ولكن حتى أن أري المسيح يسير فوق جبال القدس، فإني أدعم كل من يريد أن يكون صديقا لإسرائيل (١). والطريف أن هذا التأييد لا يعني الإيمان باليهود أو حتى مبادلتهم مشاعر الحب أو التعاطف معهم، لأن بعض هؤلاء التوراتيين يعتقدون أن المسيح المخلّص سيقضي على كل اليهود أتباع المسيخ الدجّال، الذين سيرفضون الإيمان به، أي أنهم يدعمون إسرائيل باعتبارها وسيلة تحقق النبوءة فقط. ولكن بالرغم من ذلك، فقد تلقف هذه العقيدة كبار القادة اليهود في أمريكا وإسرائيل، وخاصة من اليمين الديني المتطرف الذي يسيطر على مجريات ومقاليد اللعبة السياسية في إسرائيل، واستغلوها جيدًا للحصول على كافة أشكال الدعم والتأييد، وهم لا يعنيهم محبة اليمين المسيحي المتطرف في أمريكا، أو إيمانه بهم بقدر ما يعنيهم ما يُدرّه عليهم الإيمان بهذه النبوءة، من أموال ودعم سياسي واقتصادي غير محدود، ولهذا يحرص زعماء إسرائيل على استضافة قادة اليمين المسيحي المتطرف في إسرائيل باستمرار، كما أنهم لا يفوتون مناسبة للاجتماع بهم للحصول على دعمهم المطلق. فبفضل هذه النبوءة تتدفق الرحلات السياحية الأمريكية على إسرائيل، وتنظم مظاهرات التأييد وحملات جمع التبرعات، وتسخر الإدارة والسياسة الأمريكية لخدمة المصالح الإسرائيلية، خاصة مع تزايد إيمان الشعب الأمريكي بهذه النبوءة والاعتقاد بها، حتى أن استطلاعاً أجرته مجلة التايم الأمريكية سنة ١٩٩٨م أكد أن ٥١% من الشعب الأمريكي يؤمن بهذه النبوءة، ومن هؤلاء عدد كبير من أعضاء النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة، بعضهم وزراء وأعضاء في الكونجرس وحكّام ولايات، بل وتؤكد (جريس هالسيل) أن) جورج بوش)،) وجيمي كارتر)،) ورونالد ريجان (كانوا من المؤمنين بهذه النبوءة، بل إن الأخير كان يتخذ معظم قراراته السياسية أثناء توليه الرئاسة الأمريكية على أساس النبوءات التوراتية كما سنوضح لاحقاً. (٢) وفي فكر المنصرين التوراتيين تغيب كل معاني المحبة والتسامح المقترنة بالمسيحية، ويبدو المسيح في أحاديثهم في صورة جنرال بخمسة نجوم يمتطي

стр. 297

جوادًا، ويقود جيوش العالم كلها، مسلحًا برؤوس نووية ليقتل مليارات البشر في معركة الهرمجدّون. وقد باع كتاب عن هر مجيدون ٢٥ مليون نسخة، ولا يتقدم عليه في مبيعات السبعينات إلا الكتاب المقدس، وتم إنتاج فيلم سينمائي عن كتاب هرمجيدون هذا، وقد انتشرت شهرة أمثال هذا الكتب من الجمهور المسيحي إلى الجمهور العلماني، وهذا يعنى إنها تفشت في الثقافة الأمريكية الآن، واهم أفكارها، أن الله يطلب من الأمريكيين تدمير الكرة الأرضية. ويقدر عدد الأصوليين في الولايات المتحدة بخمسين مليون، ومنهم المتشددين أمثال (جيم جونز)، الذي قال حين قاد أتباعه إلى الموت: "إن النهاية ستصل بسرعة، لذلك دعونا نرافقها، دعونا نسبق الحشود" (١). وقد تجاوزت عقيدة هرمجيدون المعتوهين إلى ارفع مستويات السلطة الحكومية مثل وزير الدفاع (كاسبار واينبيرج) ١٩٨٢م، فهي عقيدة قاتلة ومعدية. ففي نهاية الستينات من القرن العشرين سلم الألوف كل ممتلكاتهم إلى الكنسية لأن النهاية اقتربت، وهناك أكثر من ١٢٠٠ حركة تعتقد بهذا المصير الوشيك، نظمت الكثير منها عمليات انتحار جماعي، وقتل جماعي، ويدعون بعضهم إلى عدم زرع الأشجار أو التخطيط للمستقبل، لأن العالم لن تبقى له حياة بما يكفى، ويلجأ بعضها إلى العنف، وتقتل السلطات منهم الكثير في تبادلات إطلاق النار بين الشرطة وميلشيات الحركات، التي قام أحد أعضائها بتفجير مدينة أوكلاهما ١٩٩٥م. وتتجه حركة منتدى الحملة الصليبية من أجل المسيح نحو جمع مليار دولار، لنشر المسيحية في العالم، ويقوم فيها ١٦ ألف أكاديمي مسيحي ـ يتزايدون بنسبة أكاديمي واحد كل يوم ـ بعمل ثقافي خاص بتكلفة مليارى دولار سنوياً، وتستقطب الحركة ما لا يقل عن ٢٠ مليوناً، كما أن مساهمات المدخرات تزيد على نصف مليار دولار.

стр. 298

رونالد ريجان، والحكايات الخرافية عن هرمجدون كما أسلفا، فإن الاعتقاد بمعركة مجدو، وأنها وشيكة الوقوع قد سيطر على قطاع عريض من البروتستانت، ومنهم أشخاص اعتلوا أعلى كراسي المسئولية في العالم، ومن هؤلاء الرئيس الأمريكي (رونالد ريجان). يقول الأمريكي (اندرولانج) مدير الأبحاث في معهد الدراسات المسيحية ومقيم بواشنطن، "لقد أجريت دراسة عميقة عن ريجان والاعتقاد بمجدو، ووجدت أن ريجان قد نشأ على ذات نظام المعتقدات، التي نشأ عليها كل من (كلايد، وجيرى فالويل، وجيمى سواجارت) ومبشرين آخرين، وإن لدى ريجان اعتقاد بهذا اليوم على الأقل إلى وقت قريب من توليه الرئاسة". وقد عقد (لانج) مؤتمراً صحفياً، نظمه معهد الدراسات المسيحية، وقال في المؤتمر: "إنني وآخرين من المعهد أردنا التحقق في أمر ريجان وأيدلوجية مجدو بالنظر إلى إمكانية أن يعتقد رئيس ما ـ شخصياً ـ بأن الله قد قدر سلفاً حرباً نووية، هي إمكانية تثير عدداً من الأسئلة المخيفة، فهل سيؤمن رئيس معتقد بهذه الإمكانية بجدوى التفاوض على نزع السلاح حقاً؟ وهل سيكون إذا وقعت أزمة نووية واعياً ومتعقلاً؟ أم أنه سيكون تواقاً للضغط على زر ما شاعراً بذلك أنه يحقق تخطيط الله المقدر سلفاً لنهاية الزمن؟!! " (١). كما نشرت صحيفة (الغارديان) البريطانية نقلاً عن صحيفة (الواشنطن بوست) الأمريكية دراسة جاء فيها: "إنه يجب أن نشعر جميعاً بالقلق عندما يتحدث الرئيس الأمريكي (رونالد ريجان) عن إرادة الله والمعركة الفاصلة بين الخير والشر على أرض الشرق الأوسط في حياة هذا الجيل. وكرر (ريغان) اعتقاداته حول نهاية العالم من خلال معركة هرمجدون التي ستنشب في الشرق الأوسط خمس مرات في أربع سنوات. وقد رفض البيت الأبيض الاستجابة لطلبات إجراء مقابلات صحفية مع الرئيس الأمريكي (ريغن) حول معركة هرمجدون الفاصلة الكبرى. كما رفض تقديم أسئلة مكتوبة إلى ريغن حول معركة هرمجدون (٢).

стр. 299

ومع أن (ريغن) لم يقدم تعريفه الخاص لتعبير هرمجدون، فإن القواميس تفسر التعبير باعتباره المكان الذي ستدور فيه المعركة الفاصلة النهائية بين قوى الخير والشر، والتي سينتصر فيها المسيح المنتظر القادم من السماء على الديكتاتور الفوضوي الشيطاني وجماعته الأشرار، وليعلن بعدها العصر الألفي السعيد، حيث يمر ألف عام من السلام والسعادة، يكون الشيطان خلالها مقيداً بالسلاسل، ثم يبدأ زمن الخلود. وخلال حملة الترشيح لانتخابات الرئاسة الأمريكية عام ١٩٨٠م ذكر ريغن للواعظ التلفزيوني (جيم باكر) ـ وهو ثالث أكثر المبشرين الإنجيليين التلفزيونيين شعبية في أمريكا، إذ يصل حديثه إلى ما يقارب ست ملايين عائلة يومياً أي ٦,٨% من مجموع المشاهدين ـ إلى الحاجة إلى صحوة روحية، وقال فجأة قد نكون الجيل الذي سيشهد (هرمجدون). وفي خطاب لريغن أمام مجموعة من زعماء اليهود في نيويورك، كشف عن الارتباط بين هرمجدون والشرق الأوسط، وذلك من خلال قوله أن (إسرائيل) هي الديمقراطية التابثه الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها في المنطقة، التي ستقع فيها المعركة الفاصلة الكبرى (١). وبعد ستة أسابيع من تنصيب (ريغن) ذكر (جيرى فالويل) المؤيد الرئيس لحملة (ريغن) الانتخابية وصاحب برنامج (ساعة في أزمنة الإنجيل القديم) الأسبوعي، والذي يصل إلى ٥,٦ مليون عائلة، أي ما يعادل ٦,٦% من مجموع المشاهدين في أمريكيا، أن ريغن متفق معه حول نبوءة التوراة حول هرمجدون وأن المحرقة النووية ستقع خلال أقل من ستين عاماً، وأنه سيتم في هذه الحرب تدمير روسيا بالأسلحة النووية، وأن المسيحيين في الاتحاد السوفيتي سيبتهجون وسيصعدون إلى السماء في غمضة عين، وبهذه الطريقة سينجون من المحرقة. ويعتقد (فالويل) أن دمار الاتحاد السوفيتي سيتم عندما يتحرك نحو الشرق الأوسط وخاصة إلى إسرائيل. وفي أكتوبر (تشرين) ١٩٨٣م كشف ريجان النقاب عن أن معركة مجدو ليست فقط عقيدة لا تزال تسكن قلبه، بل إنها لا تزال تشغل باله. فقد اتصل هاتفياً مع (توم داين) من اللجنة المركزية الأمريكية الإسرائيلية للشئون العامة، التي هي أقوى مجموعة ضغط قوية لإسرائيل، ليوجه له الشكر على جهوده لإقناع الكونغرس بإعطاء (ريغن)

стр. 300

تفويضاً بالاحتفاظ بمشاة البحرية الأمريكية في لبنان لمدة ثمانية عشر شهراً، وقال (داين) إن (ريجان) قال له "كما تعرف .. ؟ إنني أستند إلى أنبيائكم القدامى في العهد القديم، وإلى المؤشرات التي تخبر بمجدو، وأني أتساءل إذا كنا الجيل الذي سيشهد ذلك .. لا أعرف إذا كنت لاحظت أياً من هذه التنبؤات، ولكن صدقني إنها تصف الوقت الذي نمر به" (١). ولما نشرت صحيفة (الجيروزيليم بوست الصهيونية) أقوال ريغن الآنفة، أجرى صحفيان من مجلة (بيبول) حديثاً مع (ريغن)، جاء فيه: إنك ذكرت أن هذا الجيل سيشهد هرمجدون، وان الكثير من نبوءات التوارة تقع حالياً، فهل تعتقد ذلك حقاً؟ فرد (ريغان) قائلاً: لم أقل ذلك علناً من قبل، ولكن تحدثت مع المحيطين بي الآن من رجال الدين، وقد قالوا انه لم يكن هناك زمن وقعت فيه نبوءات متعددة معاً مثل الآن، وكانت هناك أوقات اعتقدنا فيها باقتراب نهاية العالم، لكن ليس في مثل هذه الأوقات. وأعتقد أنه عندما يأتي ذلك الوقت فإن الجيل الموجود سوف يفعل ما يعتقد أنه الحق، وريغن يعنى بعبارة (عندما يأتي ذلك الوقت) أما وقت نهاية العالم، أو وقت حدوث هرمجدون. والأدهى من ذلك أن ريجان وقتما كان حاكما على ولاية كاليفورنيا، طلب من الواعظ (بيلي جراهام) أن يخطب في مجلسي الولاية التشريعيين ما يسمونه خطاب الوضع العام للولاية، وكان ذلك في تموز من العام (١٩٧١م) وبعد الخطاب وجه ريجان السؤال التالي إلى جراهام قائلا: "هل تعتقد أن المسيح سيعود عاجلا" فأجابه جراهام: "كل المؤشرات تقول إنه على الأبواب، وقد يعود في آية لحظة" فوافقه ريجان وكان مسروراً من أجابته، ثم قال: "لقد تحققت جميع النبوءات التي يجب أن تسبق تل مجدو، كل شيء يحدث كما هو متوقع، ولا يمكن للنهاية أن تكون بعيدة بعد اليوم". ثم عندما أصبح ريجان رئيساً اتخذ في عام ١٩٨٣م الترتيبات لحضور الزعيم الأصولي (فولويل) مجلس الأمن القومي، ليناقش مع كبار موظفي أمريكا خططاً لحرب نووية مع روسيا كما وافق ريجان على أن يخطب (هال ليندسي) مؤلف كتاب كوكب الأرض العظيم الفائت أمام مخططي وزارة الدفاع الأمريكية ـ البنتاجون

стр. 301

ـ حول احتمالات نشوب الحرب النووية مع روسيا. وفي العام ١٩٨٣م استخدم (ريجان) تعبير "الامبراطوريه الشريرة" إشارة إلى الإتحاد السوفيتي بمعنى أن السوفييت من قوى الشر التي تدعم قوى الظلام، التي تحارب تحت لواء الوحش عدو المسيح في معركة تل مجدو الرهيبة، حيث يفترض في تلك المعركة أن تقاتل إسرائيل وحلفاءها من قوى الخيرـ كذا ـ إلى جانب المسيح عند مجيئه الثاني (١). وحيث وضع الرئيس الأسبق ريجان معركة تل مجدو نصب عينيه، فقد وجد من واجبه الديني العمل على زيادة الجبروت العسكري الأمريكي استعدادا للمعركة الرهيبة، وليس من شك في أن عقيدة ريجان بقرب انتهاء التاريخ في تل مجدو كان لها الأثر الأكبر في توجيه سياسته الاقتصادية، وسياسة التسلح العسكري الأمريكي. فخلال فترتين متتاليتين من رئاسته تفاقم عجز الميزانية الفدرالية إلى مستوى مذهل لم يسبق له مثيل في تاريخ أمريكا، وقد انبثقت سياسة ريجان الاقتصادية المبنية على الإنفاق التضخمي من اعتقاده بعدم وجود مبرر للقلق من تفاقم الدين العام، ما دامت (الخطة الإلهية) اقتضت نهاية التاريخ العاجل، ثم أن الإنفاق تركز على التسلح باعتباره الوسيلة المثلى لضمان المستقبل، في الوقت الذي تم فيه تخفيض الإنفاق على البرامج الاجتماعية المحلية، وفي ذلك قال ريحان: "لا يمكن لمعركة تل مجدو أن تحدث في عالم مجرد من السلاح". ومن المعروف أن الوعاظ الأصوليين من أمثال (جيري فالويل) (وهال ليندسي) (وبات روبرتسون) يؤمنون بأن المجيء الثاني لن يتحقق إلا بعد سلسلة من الكوارث والفوضى الاجتماعية والانهيار الاقتصادي وحرب نووية في تل مجدو (٢). ولم يكتف الرئيس ريجان بالإيمان بمثل هذه الخرافات، بل المصيبة الكبرى هي أن رئيس اكبر دوله في العالم والتي لديها مخزون من أسلحة الدمار الشامل، قادرة على تدمير الأرض وإفناء الحياة عنها، كان يؤمن أيضاً بالتنجيم والأبراج، حيث أثر ذلك على قراراته السياسية وعلاقاته مع الدول. يقول (كيتى كيلى) في كتابه (نانسى ريجان ـ فضيحة في البيت الأبيض): اظهر الرئيس (ريجان) اعتقاده في

стр. 302

التنجيم بالنسبة للانتخابات الرئاسية في البرازيل، لأن المنجمين قالوا له: "إن (تانكويدو نيافيز) سوف ينجح. وعند لقائهما في البيت الأبيض قال له ريجان: "إن أبراجنا نحن الاثنين متوافقة، ولذلك فإن العلاقة حسنة بين قطرينا" (١). ويضيف (كيتى كيلى): "في الوقت الذي كانت السيدة الأولى تدير العملية الرئاسية كانت منجمتها (جوان كويجلى)، من خلفها تقودها، حيث أقنعتها هذه العرافة بأن الرئيس يجب ألا يظهر أمام الجماهير إلا بعد ١٢٠ يوماً، نتيجة "مجالات الحقد والبغض لكوكبي اورانوس وزحل"، والتي قالت أنها تحولت ضده. وعلى أساس كلام المنجمة التي تتقاضى ٣٠٠٠ دولار شهرياً، أجبرت نانسى زوجها ريجان على عدم الخروج من البيت الأبيض، ولكنها وافقت رغم ذلك على أن يخرج يوم ٢٧ يناير ١٩٨٧م ليلقى خطاب الاتحاد في الكونغرس" (٢). فرئيس هذا حاله، كانت معجزة أن مرت فترة رئاسته بدون حدوث كارثة كونية، بسبب إيمانه بالخرافات وبأقوال المنجمين. وعندما يستعيد المرء أحداث الماضي القريب، يصاب بالذعر كيف أن أقوى أمة على وجه الأرض متحالفة مع إسرائيل، آمن رئيسها بلاهوت تل مجدو، وتطلع واستعد بجد ونشاط لتحقيق النهاية الرهيبة، فلم يكن أقل من معجزة أن انتهت ولاية (ريحان) دون انفجار حرب نووية بسبب نبوءات أصر أصحابها على تحقيقها قسراً. غير أن ما نخشاه حقيقة من تسلط أو إغراء هذه النبوءات هو ما ذكره (ارنست ناجل) عن التنبؤ المحقق لنفسه. وهو الذي يتألف من تنبؤات لا تصدق على الوقائع الفعلية، أو الوقت الذي تصاغ فيه هذه التنبؤات، غير أنها تغدو صادقة بسبب الأفعال التي تتخذ كنتيجة مترتبة على الاعتقاد بصحة تلك التنبؤات (٣). وهنا يقول الكنسي البريطاني (روبرت جيوبت): أن من النتائج الجانبية المرعبة للاعتقاد بأن الله قضى مسبقاً بهرمجيدون هو أنه يصبح من اليسير (خلق) الحالة الموصوفة، بحيث إن التفسير يقود إلى تحقيقها. ويقول (ستيفن اولبرى) مؤلف

стр. 303

(مناقشة النهاية الكارثية): "إن القضية الحقيقية هي الكيفية التي يجرى فيها تفسير نبوءة نهاية الزمن تكون كل توقعاتنا، بحيث أنها تجعل الحرب النووية تبدو تحقيقاً شريراً لقدر إلهي " (١). وإذا أردنا أن نلخص فترة رئاسة ريجان لأمريكا فإننا نقول: "لقد استخدم ريجان القوة، لا بل البلطجة لفرض سياساته فكانت الغاية قذرة، والوسيلة أقذر وآمن بعقائد خرافية جعلته يدلل إسرائيل ويضرب بيد من حديد ويختلق حروباً ومشاكل وتسيل الدماء في كل مكان" (٢). محور الخير .. ومحور الشر (أبناء النور وأبناء الظلام) كان الرئيس الممثل (رولاند ريجان) من أوائل الرؤساء الأمريكيين، الذين استخدموا تعبير إمبراطورية الشر، بصوره علنية فجه، حيث كان يقصد بها الإتحاد السوفيتي السابق، بسبب اعتقاده الديني من أن روسيا ستهاجم إسرائيل في معركة هرمجيدون، تم تبعه بعد ذلك كثير من الساسة في استخدام هذا التعبير. ولكن جاء أخيراً الرئيس (جورج بوش الابن)، وكرس هذا المفهوم وأضفى عليه بعداً عالمياً بعد أحداث سبتمبر، وذلك في خطابه عن حالة الاتحاد في يناير ٢٠٠٢م عندما قسم العالم إلى قسمين، أشرار يحاربون أمريكيا وأخيار يقفون معها، بل تعدى هذا الأمر ووصف دول بعينها بأنها تمثل محور الشر (العراق وإيران وكوريا الشمالية)، أو ما اسماها بالدول المارقة. ففي ذلك الخطاب، استعمل بوش الابن خمس مرات كلمة (الشر)، وأشار إلى ابن لادن نفسه بأنه الشرير. وتتكرر لفظة الشر بانتظام في خطاب الولايات المتحدة الانجيلي ـ السياسي. "فقد عرفت عبارة (إمبراطورية الشر) رواجاً كبيراً في عهد (ريجان)، وكان لها وظيفة محددة: تسويق مشروع (حرب النجوم) مع اعطاء الولايات المتحدة تفوقاً مطلقاً على الاتحاد السوفيتي في الميدان العسكري. لأجل ذلك، كان يجب تركيز كل طاقة الأمة على عدو رمزي، هو الدب السوفياتي. وعاد الكلام عن

стр. 304

الشر اليوم، ولكن مصحوباً بنقيضه المشرق الخير. فإذا كان لابد من محاربة الشر فهذا لا يمكن إلا بواسطة الخير. والقوى المنضمة إلى الخير هي في معسكر الأخيار. أن هذه التبسيطة الثقافية تسمح لأنصار الحرب الأخلاقية بأن يبرروا الغاية بكل الوسائل المتاحة" (١). "إحدى خصائص محور الشر الأساسية ـ على الطريقة الأمريكية ـ هي أنه ذو شكل متغير فهو يمثل حيناً بليبيا وإيران، وحيناً بسوريا. وفي سنة ١٩٩٠م كان العراق، تم بمقتضى الظروف صار الصومال، تم حماس أو واحدة من قبائل الفلبين. ويشمل هذا التصنيف أكراد حزب العمال الكردي ولا يشمل أكراد حزب الاتحاد الكردي، الذين يتمتعون بدعم وكالة المخابرات المركزية. وفي السنوات الفائتة نالت القوى المسلحة الثورية الكولومبية ( FARC) شرف التسجيل على هذه اللائحة، التى يظهر فيها بين حين وآخر كل من السودان واليمن، حسب الظروف. إن محور الشر هو كناية عن جردة انطباعية على طريقة بريفير تعود علة بقائها إلى مصالح سيد البيت الأبيض المتقلبة (٢). وبالرغم من الكثيرين بدأو ينظرون بريبة وشك إلى مثل هذه التعبيرات، إلا أن ذلك لا يجب أن يعمينا عن الأبعاد الفكرية والدينية الراسخة الجذور لمثل هذه التعبيرات، والتي حفل بها التاريخ الأمريكي منذ بداياته. ففي بلد للدين فيه نفوذ كبير على السياسة، فإن مفردة (الشر) مرتبطة بمفردة (الشيطان)، وبهذا المعنى يستخدم الدين لمواصلة أهداف غير نبيلة على عكس ما يُزعم، حيث أن من يجسدون هذا الشر تغيروا عبر الحقب الزمنية .. في الأول كان الهنود هم الذين يجسدون هذا الشر، ثم عوضوا فيما بعد بالأفر وأميركيين، لكن هؤلاء تركوا منصبهم للفوضويين الذين تبعهم الشيوعيون. أما اليوم فوجوه الشر هي العراق وإيران وكوريا الشمالية

стр. 305

(١). أما وجوه الخير فهي بالطبع أمريكيا وإسرائيل والدول البروتستانتية التي يشع منها النور في عالم تغمره الظلمة؟!. هذا التقسيم للعالم إلى خير وشر مستمد في الأساس من معتقدات دينية يؤمن بها المسيحيون البروتستانت، حيث يعتقدون إنطلاقاً من إيمانهم بكل ما ورد في التوراة وسفر الرؤيا، أن هناك قوة شريرة يسمونها (أبناء الظلام) ستقدم يوماً على حرب ضد قوى الخير ممثلة في إسرائيل وأشياعها من دول العالم البروتستانتي (أبناء النور)، وهم يضمون المسلمون ودول أخرى إلى جانب قوى الشر. وفكرة تقسيم الشعوب إلى خيره وشريرة نبعت أصلا من التراث اليهودي، الذي استقرت فيه فكره عن شعب بدائي من شعوب الأناضول، عرف في النقوش الآشورية باسم (السيميراي) بوصفه شعباً محارباً شيطانياً يسكن الغيم والظلمة، وأنه تحالف مع الحية ـ الشيطان ـ ضد يهوه، ومن ذلك التصور، نبعت فكرتان في فلكلور العهد القديم: ١. فكرة الشر الرابض هناك بأقصى الشمال، متربصاً بالأخيار (شعب يهوه). ٢. فكرة (أبناء الظلام) بوصف التسمية مظلة شاملة يندرج تحتها ـ جنباً إلى جنب مع شعب جومر السيميري ذاك ـ حشد من شعوب أخرى شريرة ومعادية لـ (الشعب) الذي بات - تعريفاً له بالنقيض ـ (أبناء النور). ولقد كان من الطبيعي أن يلاقي ذلك التصنيف تقبلاً فورياً واسعاً لدى الأصوليين المسيحيين في أمريكا، إذ اتسق مع تصنيف العقل الأميركي التبسيطي للبشر إلى أخيار Goodies وأشرار Baddies! إلا أن التصنيف قبل أن يصل إلى العقل الأميركي المعبرن، كان قد ظل يفعل فعله المدمر بكفاءة عالية في إبداع سيناريو (يوم يهوه) الذي ستكون فيه نهاية الذبيحة الكبرى، على كل الأمم، أي (أبناء الظلام) أعداء (أبناء النور) (الأمة المقدسة) بني إسرائيل: "لقد قضى يهوه إله إسرائيل بحرب على كل الأمم (الجوييم، الأغيار)، وبقديسي شعبه سوف يضرب بجناح قوي" (٢).

стр. 306

ومن الطريف أن زعماء التيار الديني البروتستانتي الأصولي مثل (فالويل وروبنسون وغيرهم، يسمون دولاً بعينها ويجعلونها في مصاف القوى الشريرة التي ستشهد معركة مجدو ـ منها ليبيا وأثيوبيا!! وتقول (جريس هالسل) أن حركة الربط بين قصص الكتاب المقدس، وأسماء دول أو شعوب في عالمنا المعاصر، هي حركة قوية وقديمة، والكثير من المبشرين يكررون دائماً أن أعداء أمريكا هم أعداء الصهاينة، وبحسب نبوءة الكتاب المقدس ستقوم روسيا والصين بغزو الكيان الصهيوني مثلاً، وأن على أمريكا أن تقود معركة رهيبة تضع حداً للتاريخ الإنساني ضد ١٢ دولة تملك السلاح النووي، وأن الكتاب المقدس يحوى نبوءات تهز الدنيا! ومعركة هرمجيدون يمكن أن تقع في أي وقت لتحقيق نبوءة حزقيال، وعلى أمريكا أن تكون مستعدة للنهاية، التي اقتربت، وسيبدأ من الآن مسلسل حروب صغيرة، يتم فيها قتل نصف البشرية قبل هرمجيدون (١). فمثلاً يقول القس (فالويل) زعيم الأغلبية الأخلاقية: "إن النبي العبراني (حزقيال) تنبأ قبل ٢٦٠٠ سنة بقيام أمة شريرة إلى الشمال من فلسطين، قبيل موعد المجيء الثاني للمسيح. وقال: "إننا نقرأ في الإصحاحين ٣٨ و ٣٩ من سفر حزقيال، أن تلك الأمة سيكون اسمها (روش) مكتوب هكذا في الآية ٢ من الإصحاح ٣٨ من سفر حزقيال من الكتاب المقدس بالحرف (روش) ( Rosh, R ـOـSـ H) ، بل وأن حزقيال يحدد بالاسم مدينتين من مدن (روش) هما (ماشك) (وتوبال). وكل هذا في الآية ٢ من الإصحاح ٣٨ أيضاً، والاسمان قريبان للغاية من اسمي موسكو وتبلسك: ماشك ـ موسكو، وتوبال ـ تبلسك، وكلا المدينتين من المدن العاصمية الرئيسة في روسيا اليوم. وقد ذكر حزقيال أيضاً، في الآية ٣، أن تلك الأمة ستكون معادية لله، ولذا فإن الله سيعاديها. وقال حزقيال أيضاً إن روسيا، روش ستغزو إسرائيل في آخر الأيام، وذلك في الآية ٨، تم قال إن ذلك الغزو سيكون بمساعدة حلفاء روش، وذلك في الآيتين ٥،٦، وحدد أولئك الحلفاء بالاسم: إيران (التي كنا نسميها فيما مضى فارس) وجنوب أفريقيا أو الحبشة، وشمال أفريقيا أو ليبيا، وأوروبا الشرقية (المدعوة بجومر هنا في حزقيال ٣٨) وقوزاق جنوب روسيا واسمهم في ذلك الإصحاح توجرمه.

стр. 307

فالقس (فالويل) له منطق على هواه لا يعوقه شيء حتى الكتاب، الذي سيتشهد بالآيات منه. لأن (روش) لا تعني روسيا، بل تعني (رأس) أو (رئيس) باللغة العبرية، وماشك وتوبال لا تعنيان موسكو وتبلسك، بل هما اسمان وردا في سفر التكوين، لاثنين من أبناء يافث، وكذلك (جومر) لا تعني أوربا الشرقية، فماشك وتوبال وجومر ومأجوج من أسماء بني يافث تكوين (١٠: ٢)، وأسماء أقوام سكنت أسيا الصغرى، لكن القس (الطيب) جيري فالويل، قرر أنها كلها أسماء أماكن معاصرة، روسيا، وموسكو، وتبلسك، وأوروبا الشرقية، تنبأ حزقيال بأنها ستهاجم إسرائيل مع حلفائها الأشرار إيران، وليبيا والحبشة أو جنوب أفريقيا. وأخذ ذلك الاعتقاد عنه - مع استبعاد جنوب أفريقيا - الرئيس الأميركي المولود ثانية رونالد ريغان. غير أنه وقع ارتباك هنا فيما يخص الأسماء، ففي حين أكد جيري فالول أن (روش) هي روسيا، رأى (بات روبرتسون)، والمؤشر في يده، والخريطة على الحائط أمام المؤمنين، أن (روش) هي الحبشة، أما روسيا فهي يأجوج ومأجوج، وفي حين أكد جيري فالول أن (جومر) هي أوروبا الشرقية، أكد روبرتسون للمؤمنين أن (جومر) هي اليمن الجنوبية، وفي حين أعلن فالول أن (توجرمه) هم القوقاز، أكد (روبرتسون) أنهم الأرمن وأن اسمهم التوراتي (بث توجرمه)، توخياً للدقة العلمية، أما ليبيا فأطلق عليها القس روبرتسون، من ذاكرة مشوشة فيما يبدو، اسم (بوت) وربما تبث ذلك الاسم بتلك الصورة مما كان المصريون القدماء يدعونه ببلاد بونت (التي يرجح أنها ما يعرف الآن باسم إريتريا، أو ما يعرف باسم الصومال، فهي منطقة شبه أسطورية ورد ذكرها باستمرار في النصوص الفرعونية من المملكة القديمة). وبكل تأكيد، لم تعرف ليبيا في أي وقت باسم (بوت) أو بونت، بل عرفت باسم (لهابيم). فالخلاف على أشده جغرافيا بين المبجل (فالويل) والمبجل روبرتسون، والبلد الوحيد من فريق (أبناء الظلام) الذي اتفقا على تسميته، هو إيران ـ فارس القديمة (١). ونتيجة لتأكيد روبرتسون أن الحبشة لا جنوب أفريقيا، هي التي ستنضم إلى جيش أبناء الظلام، وبصرف النظر عن تسميته لها بـ (روش) رحب الرئيس الأميركي ريغان بذلك التباين اللاهوتي، نظراً لإخراج جنوب أفريقيا من الحلف في رواية

стр. 308

روبرتسون. إلا أن (فالول) لم يتقبل الأمر مستسلماً، بل تمسك بأن (روش) هي روسيا، وبأن توجرمه هم القوزاق لا الأرمن، ودلل على ذلك بتركيز شديد (١). ولكن هذا الخلاف بين روبرتسون وفالويل حول الحبشة وجنوب أفريقيا، حسم أخيراً بعد أن حل السودان مكان الحبشة فيما يسميه اليمين المسيحي المتطرف في أمريكيا بجيش أبناء الظلام، وبالذات بعد وصول الاتجاه الإسلامي إلى الحكم، وكلنا لاحظ الهجمة الأمريكية الشرسة على السودان وضربه بالصواريخ، بالإضافة إلى دعم الحركة الانفصالية في الجنوب، بكافة السبل. وقد علق احد الكتاب السودانيين على ما يحصل في جنوب السودان بقوله: "لقد تبنت إدارة جورج بوش الابن أجندة اليمين المسيحي الأمريكي، في مواصلة دعم حركة قرنق وقواتها عسكرياً ومادياً ودبلوماسيًا عن طريق منظمات مسيحية غربية، تصنّف نفسها تحت اسم (منظمات غير حكومية) وذلك لضمان استمرار الحرب بين الخير والشر. وفي هذا السياق يجتذب الانتباه بصفة خاصة أن اليمين المسيحي يولي اهتماماً أكبر لسلاح الدعاية. ففي غضون الشهور الأخيرة اندلعت على نحو فجائي حملة إعلامية في الوسائل الأمريكية وغير الأمريكية، قوامها تحقيقات صحفية وأفلام تسجيلية ومقابلات تلفزيونية وتسريبات إخبارية، كلها تتعلق بجنوب السودان وجون قرنق. وهي حملة صليبية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تبث رسالة إعلامية تصوّر جنوب السودان، وكأنه تيمور الشرقية، وجون قرنق وكأنه مسيح جديد (٢). حرب يأجوج ومأجوج تقول عقيدة هرمجيدون أن هناك معارك ستقع للتمهيد للموقعة الكبرى ومنها حروب يأجوج ومأجوج، وترى أن يأجوج المذكور في حزقيال هو روسيا، وأن حزقيال قد أخبرنا عن مصير الوثنيين في الأيام الأخيرة وهم جيران الكيان الصهيوني وآخرين بعيدين عنها، "نعم لم تكن هناك روسيا أيام حزقيال، ولكن الله يعرف أنها

стр. 309

كانت ستتواجد" وسوف يهاجم يأجوج الصهاينة، وسيغضب الرب كما يقول حزقيال وسفر الرؤيا وستكون نار غضبه هي الصواريخ الحديثة التي ستدمر ٥/ ٤ الروس الشيوعيين، وسيتم القضاء ـ أيضاً ـ على بقية الأمة الروسية هناك أي مأجوج، وستقدر السلطات الصهيونية على ذلك بمعونة حلفائها أميركا وبريطانيا الذين سوف يستخدمون قبرص. ويشير سفر دانيال إلى سفن راسية في (شيتيم) التوراتية التي هي قبرص (١١/ ٣٠) وسوف تنضم دول كثيرة إلى روسيا، ومنها ألمانيا التي ستتعرض للدمار هي الأخرى، ولن يكون هناك سلام مع روسيا حتى يعود المسيح ويجلس على عرش داود، والشعب الروسي هو العدو رقم واحد للكيان وبالتالي للرب. وستكون المحنة الكبرى أقرب منها للهولوكوست لأنها ستكون انتقام الرب من عالم غير مؤمن، والمحنة هي من اجل الصهاينة وقد اتفق العهد القديم والعهد الجديد على حدوثها وملامحها (زيفانيا ١٨/ ١ ملاخي ١/ ٤) أن نار غضبه سوف تبتلع الأرض كلها وسيكون حريق الهولوكوست النووية كالفرن. المبشرون البروتستانت والنية القاتلة هذا عنوان كتاب للكاتبة الأمريكية (جريس هالسل) التي عملت محررة لخطابات الرئيس الأمريكي الأسبق (ليندون جونسون)، وهي صحفية مشهورة ومرموقة صدرت لها عدة كتب، أهمها وأكثرها شهرة (النبوءة والسياسة)، كما اشتهرت بكتاباتها عن الحركات الأصولية المسيحية وعلاقاتها مع إسرائيل، حيث صدر لها حديثاً كتاب جديد بعنوان (يد الله) (١) يمكن أن يعد بجدارة أهم ما صدر في الشأن الديني الأمريكي في الأعوام السابقة، وربما كان من أهم الكتب التي عالجت باقتدار قضية التوظيف السياسي الذي يصل إلى حد الابتزاز ـ للنبواءت الدينية في العقد الأخير من القرن العشرين. وكتاب (يد الله) عبارة عن إجابات على أسئلة جمعتها المؤلفة من سلسلة مقابلات شخصية مع مسئولين من فعاليات دينية، ومراجع كنسية أمريكية مختلفة.

стр. 310

وتتصدى فيه (جريس هالسل) ـ ربما لأول مرة ـ لظاهرة المنصّرين التوراتين التلفزيونيين، الذين يمثّلون اليمين المسيحي المتطرف في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي يُعرف إعلاميًّا بـ (الصهيونية المسيحية) وهي الظاهرة التي تجسد أغرب وأسوأ أشكال الدجل السياسي الديني في العقد الأخير، ربما على مستوى العالم كله، والتي صنعها عدد من المنصّرين التوراتين الذين احترفوا تقديم برامج تليفزيونية عن النبوءات التوراتية، التي تبشر بقرب نزول المسيح المخلص ونهاية العالم فيما يعرف بمعركة (الهرمجدّون)، واستطاعوا من خلال نشاطهم - الذي يُعدّ أكبر وأهم حركة تنصير في تاريخ المسيحية، ـ إقامة ما يعرف بـ) حزام التوراة (، والذي يتكون من مجموعة ولايات الجنوب والوسط الأمريكي، والتي تكونت فيها قطاعات واسعة من المسيحيين المتشددين دينيًّا، والمؤمنين بنبوءة الهرمجدّون، أو نهاية العالم الوشيكة والمرتبطة بنزول المسيح المخلص من الشر والخطيئة. وتكشف (جريس هالسل) في كتابها عن أن هناك اقتصاديات ضخمة تقوم على هذه النبوءة، التي تُدِرّ مليارات الدولارات سنويًّا على نجوم التنصير التوراتي، الذين يمتلكون عشرات المحطات التلفزيونية والإذاعية في أمريكا وأنحاء العالم، وأبرزهم) بات روبرتسون) الذي يطلق عليه لقب (الرجل الأخطر في أمريكا)، فقد أسس وحدة شبكة البث المسيحية CBN، وشبكة المحطة العائلية إحدى أكبر الشبكات الأمريكية، كما أسس التحالف المسيحي الذي يُعَدّ الأوسع نفوذًا وتأثيرًا في السياسية الأمريكية، بما مكّنه من الترشيح في الانتخابات الأمريكية بفضل ملايين الدولارات، التي يحصل عليها كتبرعات من أتباعه ومشاهدي نبوءاته التلفزيونية (١)، وكذلك (بات بيوكاتن) الذي كان مرشحًا لانتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة عن حزب الإصلاح. وتُعَدّ برامج هؤلاء المنصرين التوراتيين من أمثال: (هالويل)، (وجيري فالويل)،) وتشارلز تايلور)، (وبول كراوسي)،) وتشال سميث)، (وروبرتسون)،) وبيوكاتن) من أكثر البرامج جماهيرية في الولايات المتحدة. كما تشهد أشرطة الفيديو والكاسيت، التي تحمل هذه البرامج رواجًا رهيبًاً، في أوساط الطبقة المتوسطة الأمريكية (٢).

стр. 311

وينتشر المنصّرون التوراتيون في معظم أنحاء الولايات المتحدة، في عدة آلاف من الكنائس التي يعملون في كهانتها، عبر مؤسسة الزمالة الدولية لكنائس الكتاب المقدس. ويؤمن أتباع هذه النبوءة، بأنهم شعب نهاية الزمن، وأنهم يعيشون اللحظة التي كتب عليهم فيها تدمير الإنسانية، ويؤكدون قرب نهاية العالم بمعركة الهرمجدّون، التي بشّرت بها التوراة، والتي سيسبقها اندلاع حرب نووية تذهب بأرواح أكثر من ٣ مليارات إنسان! وتبدأ شرارتها من جبل الهرمجدون، الذي يبعد مسافة ٥٥ ميلاً عن تل أبيب بمسافة ١٥ ميلاً من شاطئ البحر المتوسط، وهو المكان الذي أخذ أكبر حيز من اهتمام المسيحيين بعد الجنة والنار! (١) نفوذ الجماعات المسيحية أصبح للجماعات المسيحية البروتستانتية المنظمة صوت مسموع بشأن الصراع العربي الإسرائيلي في أمريكا، حتى أنها باتت قوة سياسية قادرة على الوصول إلى الرأي العام، عبر مختلف وسائل الأعلام، كما أنها أصبحت قادرة على توجيه الأصوات الانتخابية، التي لا يستطيع الحزبان الديمقراطي والجمهوري ضبطهما في حملتهما الرئاسيتين، حتى أن أكثر المرشحين لرئاسة الجمهورية الأمريكية أصبحوا مضطرين لحضور اجتماعات هذه الجماعات التي تبلغ ٨٠٠ ألف هيئة، منها١٥٠٠ هيئة بارزة وأتباعها يقدمون سنوياً ما يزيد عن ٣٧٠ مليون دولار أمريكي، على شكل هبات وتبرعات، وتبلغ إعفاءات البريد التي أقرها الكونغرس للجمعيات الدينية ٦٠٠ مليون دولار سنوياً (٢). وتحلّل) جريس هالسل) كيف أفرزت هذه الحركة المسيحية أكثر من ألف ومائتي حركة دينية متطرفة، يؤمن أعضاؤها بنبوءة نهاية العالم الموشكة في الهرمجدّون، وترصد سلوك وأفكار هذه الحركات الغريبة، التي دفعت ببعضها إلى القيام بإنتحارات جماعية من أجل التعجيل بعودة المسيح المخلّص وقيام القيامة، ومنها جماعة

стр. 312

(كوكلس كلان) العنصرية، والنازيون الجدد، وحليقو الرؤوس، وجماعة (دان كورش) الشهيرة، والتي قاد فيها (كورش) أتباعه، لانتحار جماعي قبل عدة سنوات بمدينة (أكوا) بولاية تكساس من أجل الإسراع بنهاية العالم، وكذلك القس (جونز) الذي قاد انتحارًا جماعيًّا لأتباعه أيضًا في (جواينا) لنفس السبب، وقد كان (ماك تيموثي) الذي دبّر انفجار (أوكلاهوما) الشهير من المنتمين لهذه الجماعات. وتشير الاستفتاءات والمسوح الإحصائية فيما يتعلق بمعركة هرمجيدون إلى أن ٣٩% من الشعب الأمريكي يعتقد بتدمير الأرض بهرمجدون نووية. وأن ٦١ مليون أمريكي يستمعون بانتظام إلى الوعاظ الذين يؤكدون أنهم لن يستطيعوا عمل شيء لمنع الحرب النووية في حياتنا، بل إن إحدى محطات التلفزيون الأمريكية التابعة لشركة شبكة الإذاعة المسيحية (سى. بى. أن)، والعاملة في جنوب لبنان تقدم أخبارها التلفزيونية من المنظور الهرمجدونى السابق. ومن بين الآلاف الأربعة من الأصوليين الإنجيليين الذين يحضرون سنوياً مؤتمرات الإذاعيين الدينية الوطنية، هناك ما يقارب من ثلاثة آلاف يؤمنون بأن المحرقة النووية هي القادرة فحسب على إعادة المسيح المنتظر إلى الأرض. وتبث هذه القناعة ألف وأربعمائة محطة دينية في أمريكيا. وأن غالبية الآلاف الثمانين من القسيسين، الذين يذيعون في أكثر من أربعمائة محطة إذاعية، هم من المؤمنين بهذه القناعة. كما أن معظم مدارس الإنجيل في الولايات المتحدة الأمريكية، تعلم لاهوت هرمجدون حسب رؤية (ديل كرولى) الابن، وهو قسيس في العاصمة واشنطن. وهناك مائة ألف طالب يدرسون في هذه المدارس الإنجيلية، يؤمنون بهرمجدون، وسيخرجون إلى العالم ويصبحون قساوسة مبشرين بهذه العقيدة. وتشير (غريس هالسل) في كتابها (المبشرون البروتستانت والنية القاتلة) إلى أن الذين يعتقدون بهرمجدون يضمون بين صفوفهم الأغنياء والفقراء والمشهورين والمغمورين، ومنهم بعض أباطرة النفط والغاز وتجار الأسلحة وبارونات صناعة البوظة، وقد أرسل هؤلاء مئات الآلاف من الدولارات لمساعدة الحركات السرية الإرهابية الصهيونية. وتذكر (هالسل) إن الكثيرين من أتباع عقيدة هرمجدون يؤمنون أن "دولة إسرائيل الحديثة وأرض صهيون التوراتية

стр. 313

متطابقتان". وأنه ينبغي تخليص كل (أراضى إسرائيل المقدسة) من النيل إلى الفرات وتمليكها لليهود (١). وتضيف (هالسل) إنها لا ترغب بانتقاد بعض الأصوليين المؤمنين بالإنجيل، الذين أسسوا العديد من الجماعات والمشافى الكبيرة والكنائس العديدة، ولكنها تتساءل إن كان في ذهن هؤلاء القوم، وهم يقومون بمثل هذه الإنشاءات الحضارية أية فكرة عن تدمير هذا العالم وتسليمه لليهود بعد ذلك (٢).

стр. 314

الفصل الخامس التراث الذي تركه الكتاب المقدس للشرق الأوسط يمكن للمرء الاستنتاج أن النبوءات الواردة في كتاب الرؤيا، كانت تمثل ـ وقت كتابتهاـ مشاعر فئات من المسيحيين تجاه مضدهديهم، وجلهم من المحرومين والمعدمين والمتذمرين والناقمين والمعادين للسلطة، وحتى القابلين منهم للاشتراك في عمليات تخريب أو عصيان مسلح، وقد ناقض مسيحيون آخرون من أتباع بولس مشاعر هؤلاء، إذ قبلوا كتابات بولس بوجوب الخضوع للسلطات الحاكمة المتجسدة في نيرون نفسه في ذلك الوقت، باعتبار أنه معين من الله، وقد يكون أن بولس كتب مرئياته بغرض تهدئة أتباعه، ولتجنب الاحتكاك مع السلطات الرومانية، ولإعطاء السلطة الانطباع أن المسيحيين مواطنون مسالمون يتقيدون بقوانين السلطة الحاكمه. فمن المعروف أن كتاب الرؤيا تمت كتابتة بعد حريق روما، وقطعاً قبل أن يدمر الرومان القدس في العام ٧٠ م، لان أقصى ما توقعه المؤلف في رأياه ألا يتم تدمير سوى عشر المدينة (رؤيا ١١/ ١٣)، كما تنبأ أيضا أن يبقى معبد القدس سالماً (رؤيا ١١/ ١ـ٢)، وتلك من جملة نبوءاته التي ثبت خطؤها الفاضح. والملفت للنظر انه رغم الفشل السافر لنبوءات يوحنا عن المجيء الثاني، ونهاية التاريخ، ورغم أن مسيحية بولس ـ المرتكزة على هذه النبوءات ـ لم تكن مقصودة للأجيال القادمة، فقد تمكنت المسيحية من الانتشار ليس فقط في العالم اليوناني ـ الروماني لذلك الحين، بل لأجيال قادمة على مستوى العالم كله تقريباً، والأكثر عجباً أن المسيحية الغربية ـ في شقها البروتستانتي ـ لم تيأس حتى يومنا هذا من تحقق المجيء الثاني (١). "والمثير للدهشة في نبوءات المجيء الثاني، ونهاية التاريخ، والمشاعر المترتبة عليها، أنها كانت العامل المؤثر تاريخيا في تكييف مشاعر وسلوك المسيحيين الأصوليين تجاه الشرق الأوسط وسكانه، حيث سوغ هؤلاء الاصوليون لانفسهم

стр. 315

استخدام أبشع الوسائل والأسلحة الفتاكة لتحقيق اهدافهم، بسبب التفسير البشري لسفر الرؤيا الذي عبثت فيه أهواء البشر وفهمهم القاصر، بحيث كان تفسير سفر الرؤيا يتردى من سيئ إلى أسوأ كلما تقدم الزمان وتعاقب على تفسيره مختلف الأشخاص" (١). فالملاحظ أن من يعتبرون أنفسهم حجاجا إلى فلسطين، من المسيحيين الأمريكيين الأصوليين، يضعون على صدورهم لوحة صغيره كتب عليها: "نحن نحبك يا إسرائيل، لأن الله يحبك". والواضح أن الوعاظ الأصوليين من آمثال (جيري فالويل) نجحوا في أن يجعلوا من رؤيا يوحنا نوعا من التقديس لإسرائيل، في حين أنها ليست سوى ميثولوجية، عملت على تشويه رسالة المسيح بشكل سافر، والنتيجة البحتة لكل ذلك أن الأصوليين المسيحيين في الغرب جعلا من تقديس إسرائيل ديانة جديدة لهم، تعلو على ديانة المسيح الحقيقية، فقد تعمد الوعاظ الأصوليين، ونجحوا في أن يجعلوا من رؤيا يوحنا وسيلة هائلة لمساعدة إسرائيل، فكان أن تكيفت السياسة الأمريكية نحو الشرق الأوسط عموماً ونحو فلسطين خاصة، لدرجة أن جعلت مصير أمريكا مرتبطاً بمصير إسرائيل، وقد قالها (فالويل) بلا مواربة: "لو أهملنا حماية إسرائيل، فلن يكترث بنا الله". وبعبارة مختصره ومبسطه: فإن إسرائيل هي العمود الفقري للعقيدة المسيحية الأصولية، ومن دونها تنهار هذه العقيدة (٢). وبعد مرور قرابة ألفي عام على رحيل يوحنا، واستنادا إلى رأياه لا يزال المسيحيون الأصوليون في نصف الكرة الغربي، مقتنعين مع أتباعهم، بأن نشوء إسرائيل في فلسطين كان مقدمة حتمية لا بد منها لتحقق المجيء الثاني، ونهاية التاريخ، حيث يمكن تلخيص العقلية المسيحية الأصولية الغربية بإيجاز بالعبارة التالية: لا يمكن للمسيح أن يعود ما لم تكن هنالك إسرائيل يمكنه العودة إليها"، وبعبارة أخرى، لما صارت إسرائيل حقيقة واقعة، فقد بدأ العد التنازلي لنهاية العالم.

стр. 316

فالأصوليين المسيحيون في أمريكا، يؤمنون إيماناً شديداً، بأن اليهود هم شعب الله المختار وأن الله تعالى أعطاهم الأرض المقدسة، وأنه تعالى يبارك الذين يباركون اليهود ويلعن الذين يلعنونهم، والأصوليون الغربيون كأجدادهم منذ ألفي عام، لم يداخلهم اليأس إطلاقاً من تحقق نهاية فورية للتاريخ، هذه النهاية التي ستبدأ بمعركة تل مجدو في فلسطين، والمفترض أن تكون المعركة النهائية والفاصلة بين قوى الخير بقيادة المسيح العائد، وبين قوى الشر بقيادة عدو المسيح، وبالطبع سيخرج المسيح من المعركة الرهيبة ظافراً، وبنتيجة هذا النصر الحاسم سوف يقيم مملكة الله على الأرض فعلياً وليس مجازاً، ثم يحكمها بنفسه لمدة ألف عام من مقر قيادته في القدس، ولابد لليهود عندئذ من الإقرار بعيسى مسيحياً لهم، فيتحولون إلى المسيحية، ويشتركون مع المسيح في حكم العالم خلال تلك الألفية السعيدة، التي سيقيد فيها الشيطان ثانية في نهاية الألفية كي يعود لخداع العالم في أركان الأرض الاربعه (١). من هو عدو المسيح (وحش الرؤيا) ؟ صورة الشخص الشيطاني أو عدو المسيح، تعتبر من الصور النمطية في العقلية الأمريكية الأصولية، حيث ترتبط هذه الصورة بالاعتقاد بان عدو المسيح سيقود قوى الشر في المعركة الأخيرة مترئساً جميع شعوب العالم. وقد قام الأصوليين المسيحيون بإسقاط هذه الصورة على القادة والزعماء الذين يعادونهم. ففي القرن السادس عشر، وصف (مارتن لوثر) و (جون كالفن) مؤسسا الكنيسة البروتستانتية، البابا بأنه عدو المسيح، وفي القرن الحالي، وصف كلا من (هتلر) و (موسولينى) و (ستالين) بأنهم أعداء المسيح. وبعد انتهاء الحرب الباردة، وبروز الاتجاهات الأمريكية باتخاذ الإسلام عدواً بديلاً، أصبح الاعتقاد لدى الأصوليين المسيحيين بأن عدو المسيح لابد أن يكون مسلماً، ويطلقون هذه الصفة على الرئيس العراقي (صدام

стр. 317

حسين) (١). "فمنذ صلاح الدين حتى حكم صدام حسين والمسيحيون الأصوليين يرون الزعماء الإسلاميين كمسيح دجال أو على الأقل نظيره" (٢). أما عن مصدر هذه الفكرة فإننا نجد أن سفر دانيال يتحدث عن عدو المسيح، الذي سيظهر ويسبب الخراب، ويشوه المعبد في القدس، ويتحدث سفر الرؤيا عن وحش يخرج من البحر بسبعة رؤوس وعشرة قرون، سيحكم خلال السنوات السبع للمحنة الكبرى ويقنع الناس، وفي البداية سوف يسيطر على عشرة من الأمم الأوروبية والإتحاد الأوربي والسوق الأوربية المشتركة وحلف ناتو، وكلها تعنى عودة الإمبراطورية الرومانية في العصر الحديث، وسيخرج عدو المسيح من رومانيا، حسب رأى القس كلايد (٣)، وان له شخصية شيطانية بالمطلق، وهو يهودي حقيقي ـ حسب رأى القس فالويل ـ غير أن الشيطان يساعده، وسوف يطبع علامة على اليد اليمنى، أو على جبين كل شخص، كما جاء في سفر الرؤيا (١٣، ١٧ـ١٨) "فلا يستطيع أحد أن يبيع ويشترى إلا إذا كانت عليه علامة الوحش، أو الرقم الذي يرمز لاسمه! ولابد هنا من الفطنة: فعلى أهل المعرفة أن يحسبوا عدد اسم الوحش. إنه عدد الإنسان، وهو الرقم (ست مئة وستة وستون) " (٤).

стр. 318

فعدو المسيح اليهودي حقيقي، ولكنه شرير بالكامل، سوف يسيطر على قادة العالم عندما يضع فيهم أرواحاً شيطانية، فيسيطر بذلك على جيوش العالم دون علم من هؤلاء القادة، وسيموت مئات الملايين من الناس في الحرب الكبيرة، ثم يرسل الله المسيح لكي يذبح عدو المسيح، ثم في ساعة واحدة يدمر الأرض، وبذا يبرهن الله على قوته من خلال انتصار ابنه على الشر! ويقول بعض مفسري الكتاب المقدس من العصور الوسطى ـ إن عدو المسيح يجب أن يكون مسلماً، حيث يرى أصحاب هذه العقيدة أن الله يتوقع عودة اليهود إلى وطنهم، وتلك هي الخطوة الأولى، أن تقوم دولة يهودية، وعلى المسيحيين بعد ذلك أن يبشروا الأمم بعقيدة هرمجيدون بما في ذلك الأمة الصهيونية (١) ". التفسير السياسي للتوراة هكذا تخطط الصهيونية لإيقاع العالم في حرب شاملة، وفتنة اسمها (هرمجدون)، وهي مقتلة أسطوريه وصليبيه يحارب فيها العالم المسلمين حرب فناء، وتسيل فيها دماء المسلمين أنهاراً لا تتوقف حتى ينزل المسيح من السماء .. (واليهود يعتقدون أن ما جاء في الماضي لم يكن مسيحاً) وانما المسيح الحق هو ذلك الذي سوف يأتي لنصرتهم كي يتوجهم في آخر الزمان على رأس جميع الأمم .. وبخبث شديد ادخل الصهاينة هذه الأسطورة في التراث المسيحي الأمريكي، وبشكل محدد في وجدان بعض الفرق الإنجيلية، فأصبحت تؤمن بها إيماناً أعمى، وكان (دونالد ريجان) يردد حكاية (هرمجدون) ويؤمن بها، ومثله كثيرون. مما تقدم يتضح لنا أن المشهد الديني في الصراع العربي الصهيوني، هو عامل حاسم في هذا الصراع تكويناً ومساراً، وقد آن الأوان لقراءة هذا المشهد وتحليل وقائعه، وتأثيراته، والتعامل معه، وبخاصة أن مخاطره تتجاوز المسائل اللاهوتية،

стр. 319

الموضوعة شروحها في قوالب عبرانية، كما تتعدى حدود الكنائس إلى مطابقة الفكر والمعتقدات النبوئيه التوراتية على الأحداث السياسية الجارية، المتعلقة بالصراع العربي مع المشروع الصهيوني التوسعي الاستيطاني الإحلالي العنصري، وذلك بإخضاع كل القيم السماوية والأرضية لإمتيازات خاصة بجماعة معينه من البشر، ومن ثم فان هذه المعتقدات المتهودة، هي إنكار لمثل العدل ومحبة الفرد الإنساني الواردة في تعاليم الأديان السماوية (١). "وإذا صح القول بأن ما كانت ترمى إليه الحملات الصليبية في العصور الوسطى، هو تنظيم العالم بحسب ما يمليه الكتاب المقدس، فإنه يصح القول أيضاً ـ بأن ـ ما يرمى إليه الصليبيون الجدد في القرن العشرين هو إعادة تنظيم الشرق المتوسطى، بل والعالم، بحسب ما يمليه الكتاب المقدس، بحيث يتوافق مع رؤية اليمين الأصولي المسيحي للنظام العالمي الجديد، الذي وضعته مؤخراً زعيمة الإمبريالية الحديثة ـ الولايات المتحدة الأمريكية" (٢). يقول (شفيق مقار) في مقدمة كتابه (قراءة سياسية للتوراة): "الدارس للتوراة، بل وللعهد القديم كله، الذي تشكل التوراة أسفاره الخمسة الأولى، لا يمكن أن يغيب عنه انشغال من كتبوا تلك الأسفار بملكية الأرض، ونهب الثروة، وإقامة الملك على أشلاء الشعوب، التي تؤخذ أراضيها وتنهب ثرواتها. والكتاب إذ يحاول أن يستنطق التوراة، فيجعلها تفصح عما فيها من مضامين سياسية، ومطامع إقليمية ظلت تتسع رويداً من تملك كل الأرض من النيل إلى الفرات، فباتت في ختام العهد القديم طموحاً إلى تملك العالم بأسره في ظل حكم صهيون (حاكمة الأمم). الكتاب إذ يحاول ذلك ـ يستظهر مخططات قديمة خطرة (على اليهود كبشر، وعلى العالم بأسره) وأنماط سلوك وأفكار مدمرة بذرت بذورها من أزمنة سحيقة بأيدي ساسة وقادة عسكريين كهان، باسم الدين، وبادعاء أن الله ـ على ما يدعون ـ هو الذي وضعها في أيديهم والزمهم بتسميم تربة العالم بها، ليجنى ثمارها شعب اصطفاه

стр. 320

لنفسه شعباً أخص دون سائر خلقه" (١). وهذه الرغبة في السيطرة على الأرض التي سطرها حاخامات اليهود في توراتهم، ليست ببعيدة عما يخطط له الصهاينة في العصر الحاضر، بل لا نجاوز الصواب إذا قلنا أن كل من يريد فهم ما يرجى وما يراد بالمنطقة، لا بد أن يطلع بداية على ما حوته التوراة من خطط قديمة لشعوب المنطقة، ودعونا نقارن المخططات المعاصرة بما حوته التوراة اليهودية. مصير العرب يدرك اليهود والأصوليين الأمريكيون أن البحر البشرى الضخم الذي يفترش الأرض التي لم تنتقل ملكيتها بعد لليهود، هم العرب والمسلمون .. كما يعرفون أن يهوه أمر منذ زمن ارميا: "بهلاك كل ممالك الأرض التي على وجه الأرض "وحدد بالاسم ... كل ملوك العرب وكل ملوك اللفيف الساكنين في البرية" (ارميا ٢٥:٢٤ـ٢٦). مصير مصر كشفت مقالة نشرتها مجلة كيفونيم (توجهات)، التي تصدرها (المنظمة الصهيونية العالمية) في القدس، عن خطط إسرائيل الاستراتيجية في عقد الثمانينات وما بعدها، تجاه المنطقة العربية، ومما جاء فيها بشأن مصر: "لقد غدت مصر، باعتبارها كياناً مركزياً، مجرد جثة هامدة، لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار المواجهات التي تزداد حدة بين المسلمين والمسيحيين. وينبغي أن يكون تقسيم مصر إلى دويلات منفصلة جغرافياً هو هدفنا السياسي على الجبهة الغربية خلال سنوات التسعينات. وبمجرد أن تتفكك أوصال مصر وتتلاشى سلطتها المركزية، فسوف تتفكك بالمثل بلدان أخرى، مثل ليبيا والسودان وغيرهما من البلدان الأبعد ... ومن تم فإن تشكيل دولة قبطية في صعيد مصر، بالإضافة إلى كيانات إقليمية
следующие страницы →