← Общие книги

Общие книги · id 36505

الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم

يوسف الطويل

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فالأصوليين المسيحيون في أمريكا، يؤمنون إيماناً شديداً، بأن اليهود هم شعب الله المختار وأن الله تعالى أعطاهم الأرض المقدسة، وأنه تعالى يبارك الذين يباركون اليهود ويلعن الذين يلعنونهم، والأصوليون الغربيون كأجدادهم منذ ألفي عام، لم يداخلهم اليأس إطلاقاً من تحقق نهاية فورية للتاريخ، هذه النهاية التي ستبدأ بمعركة تل مجدو في فلسطين، والمفترض أن تكون المعركة النهائية والفاصلة بين قوى الخير بقيادة المسيح العائد، وبين قوى الشر بقيادة عدو المسيح، وبالطبع سيخرج المسيح من المعركة الرهيبة ظافراً، وبنتيجة هذا النصر الحاسم سوف يقيم مملكة الله على الأرض فعلياً وليس مجازاً، ثم يحكمها بنفسه لمدة ألف عام من مقر قيادته في القدس، ولابد لليهود عندئذ من الإقرار بعيسى مسيحياً لهم، فيتحولون إلى المسيحية، ويشتركون مع المسيح في حكم العالم خلال تلك الألفية السعيدة، التي سيقيد فيها الشيطان ثانية في نهاية الألفية كي يعود لخداع العالم في أركان الأرض الاربعه (١). من هو عدو المسيح (وحش الرؤيا) ؟ صورة الشخص الشيطاني أو عدو المسيح، تعتبر من الصور النمطية في العقلية الأمريكية الأصولية، حيث ترتبط هذه الصورة بالاعتقاد بان عدو المسيح سيقود قوى الشر في المعركة الأخيرة مترئساً جميع شعوب العالم. وقد قام الأصوليين المسيحيون بإسقاط هذه الصورة على القادة والزعماء الذين يعادونهم. ففي القرن السادس عشر، وصف (مارتن لوثر) و (جون كالفن) مؤسسا الكنيسة البروتستانتية، البابا بأنه عدو المسيح، وفي القرن الحالي، وصف كلا من (هتلر) و (موسولينى) و (ستالين) بأنهم أعداء المسيح. وبعد انتهاء الحرب الباردة، وبروز الاتجاهات الأمريكية باتخاذ الإسلام عدواً بديلاً، أصبح الاعتقاد لدى الأصوليين المسيحيين بأن عدو المسيح لابد أن يكون مسلماً، ويطلقون هذه الصفة على الرئيس العراقي (صدام

стр. 317

حسين) (١). "فمنذ صلاح الدين حتى حكم صدام حسين والمسيحيون الأصوليين يرون الزعماء الإسلاميين كمسيح دجال أو على الأقل نظيره" (٢). أما عن مصدر هذه الفكرة فإننا نجد أن سفر دانيال يتحدث عن عدو المسيح، الذي سيظهر ويسبب الخراب، ويشوه المعبد في القدس، ويتحدث سفر الرؤيا عن وحش يخرج من البحر بسبعة رؤوس وعشرة قرون، سيحكم خلال السنوات السبع للمحنة الكبرى ويقنع الناس، وفي البداية سوف يسيطر على عشرة من الأمم الأوروبية والإتحاد الأوربي والسوق الأوربية المشتركة وحلف ناتو، وكلها تعنى عودة الإمبراطورية الرومانية في العصر الحديث، وسيخرج عدو المسيح من رومانيا، حسب رأى القس كلايد (٣)، وان له شخصية شيطانية بالمطلق، وهو يهودي حقيقي ـ حسب رأى القس فالويل ـ غير أن الشيطان يساعده، وسوف يطبع علامة على اليد اليمنى، أو على جبين كل شخص، كما جاء في سفر الرؤيا (١٣، ١٧ـ١٨) "فلا يستطيع أحد أن يبيع ويشترى إلا إذا كانت عليه علامة الوحش، أو الرقم الذي يرمز لاسمه! ولابد هنا من الفطنة: فعلى أهل المعرفة أن يحسبوا عدد اسم الوحش. إنه عدد الإنسان، وهو الرقم (ست مئة وستة وستون) " (٤).

стр. 318

فعدو المسيح اليهودي حقيقي، ولكنه شرير بالكامل، سوف يسيطر على قادة العالم عندما يضع فيهم أرواحاً شيطانية، فيسيطر بذلك على جيوش العالم دون علم من هؤلاء القادة، وسيموت مئات الملايين من الناس في الحرب الكبيرة، ثم يرسل الله المسيح لكي يذبح عدو المسيح، ثم في ساعة واحدة يدمر الأرض، وبذا يبرهن الله على قوته من خلال انتصار ابنه على الشر! ويقول بعض مفسري الكتاب المقدس من العصور الوسطى ـ إن عدو المسيح يجب أن يكون مسلماً، حيث يرى أصحاب هذه العقيدة أن الله يتوقع عودة اليهود إلى وطنهم، وتلك هي الخطوة الأولى، أن تقوم دولة يهودية، وعلى المسيحيين بعد ذلك أن يبشروا الأمم بعقيدة هرمجيدون بما في ذلك الأمة الصهيونية (١) ". التفسير السياسي للتوراة هكذا تخطط الصهيونية لإيقاع العالم في حرب شاملة، وفتنة اسمها (هرمجدون)، وهي مقتلة أسطوريه وصليبيه يحارب فيها العالم المسلمين حرب فناء، وتسيل فيها دماء المسلمين أنهاراً لا تتوقف حتى ينزل المسيح من السماء .. (واليهود يعتقدون أن ما جاء في الماضي لم يكن مسيحاً) وانما المسيح الحق هو ذلك الذي سوف يأتي لنصرتهم كي يتوجهم في آخر الزمان على رأس جميع الأمم .. وبخبث شديد ادخل الصهاينة هذه الأسطورة في التراث المسيحي الأمريكي، وبشكل محدد في وجدان بعض الفرق الإنجيلية، فأصبحت تؤمن بها إيماناً أعمى، وكان (دونالد ريجان) يردد حكاية (هرمجدون) ويؤمن بها، ومثله كثيرون. مما تقدم يتضح لنا أن المشهد الديني في الصراع العربي الصهيوني، هو عامل حاسم في هذا الصراع تكويناً ومساراً، وقد آن الأوان لقراءة هذا المشهد وتحليل وقائعه، وتأثيراته، والتعامل معه، وبخاصة أن مخاطره تتجاوز المسائل اللاهوتية،

стр. 319

الموضوعة شروحها في قوالب عبرانية، كما تتعدى حدود الكنائس إلى مطابقة الفكر والمعتقدات النبوئيه التوراتية على الأحداث السياسية الجارية، المتعلقة بالصراع العربي مع المشروع الصهيوني التوسعي الاستيطاني الإحلالي العنصري، وذلك بإخضاع كل القيم السماوية والأرضية لإمتيازات خاصة بجماعة معينه من البشر، ومن ثم فان هذه المعتقدات المتهودة، هي إنكار لمثل العدل ومحبة الفرد الإنساني الواردة في تعاليم الأديان السماوية (١). "وإذا صح القول بأن ما كانت ترمى إليه الحملات الصليبية في العصور الوسطى، هو تنظيم العالم بحسب ما يمليه الكتاب المقدس، فإنه يصح القول أيضاً ـ بأن ـ ما يرمى إليه الصليبيون الجدد في القرن العشرين هو إعادة تنظيم الشرق المتوسطى، بل والعالم، بحسب ما يمليه الكتاب المقدس، بحيث يتوافق مع رؤية اليمين الأصولي المسيحي للنظام العالمي الجديد، الذي وضعته مؤخراً زعيمة الإمبريالية الحديثة ـ الولايات المتحدة الأمريكية" (٢). يقول (شفيق مقار) في مقدمة كتابه (قراءة سياسية للتوراة): "الدارس للتوراة، بل وللعهد القديم كله، الذي تشكل التوراة أسفاره الخمسة الأولى، لا يمكن أن يغيب عنه انشغال من كتبوا تلك الأسفار بملكية الأرض، ونهب الثروة، وإقامة الملك على أشلاء الشعوب، التي تؤخذ أراضيها وتنهب ثرواتها. والكتاب إذ يحاول أن يستنطق التوراة، فيجعلها تفصح عما فيها من مضامين سياسية، ومطامع إقليمية ظلت تتسع رويداً من تملك كل الأرض من النيل إلى الفرات، فباتت في ختام العهد القديم طموحاً إلى تملك العالم بأسره في ظل حكم صهيون (حاكمة الأمم). الكتاب إذ يحاول ذلك ـ يستظهر مخططات قديمة خطرة (على اليهود كبشر، وعلى العالم بأسره) وأنماط سلوك وأفكار مدمرة بذرت بذورها من أزمنة سحيقة بأيدي ساسة وقادة عسكريين كهان، باسم الدين، وبادعاء أن الله ـ على ما يدعون ـ هو الذي وضعها في أيديهم والزمهم بتسميم تربة العالم بها، ليجنى ثمارها شعب اصطفاه

стр. 320

لنفسه شعباً أخص دون سائر خلقه" (١). وهذه الرغبة في السيطرة على الأرض التي سطرها حاخامات اليهود في توراتهم، ليست ببعيدة عما يخطط له الصهاينة في العصر الحاضر، بل لا نجاوز الصواب إذا قلنا أن كل من يريد فهم ما يرجى وما يراد بالمنطقة، لا بد أن يطلع بداية على ما حوته التوراة من خطط قديمة لشعوب المنطقة، ودعونا نقارن المخططات المعاصرة بما حوته التوراة اليهودية. مصير العرب يدرك اليهود والأصوليين الأمريكيون أن البحر البشرى الضخم الذي يفترش الأرض التي لم تنتقل ملكيتها بعد لليهود، هم العرب والمسلمون .. كما يعرفون أن يهوه أمر منذ زمن ارميا: "بهلاك كل ممالك الأرض التي على وجه الأرض "وحدد بالاسم ... كل ملوك العرب وكل ملوك اللفيف الساكنين في البرية" (ارميا ٢٥:٢٤ـ٢٦). مصير مصر كشفت مقالة نشرتها مجلة كيفونيم (توجهات)، التي تصدرها (المنظمة الصهيونية العالمية) في القدس، عن خطط إسرائيل الاستراتيجية في عقد الثمانينات وما بعدها، تجاه المنطقة العربية، ومما جاء فيها بشأن مصر: "لقد غدت مصر، باعتبارها كياناً مركزياً، مجرد جثة هامدة، لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار المواجهات التي تزداد حدة بين المسلمين والمسيحيين. وينبغي أن يكون تقسيم مصر إلى دويلات منفصلة جغرافياً هو هدفنا السياسي على الجبهة الغربية خلال سنوات التسعينات. وبمجرد أن تتفكك أوصال مصر وتتلاشى سلطتها المركزية، فسوف تتفكك بالمثل بلدان أخرى، مثل ليبيا والسودان وغيرهما من البلدان الأبعد ... ومن تم فإن تشكيل دولة قبطية في صعيد مصر، بالإضافة إلى كيانات إقليمية

стр. 321

أصغر وأقل أهمية، من شأنه أن يفتح الباب لتطور تاريخي لا مناص من تحقيقه على المدى البعيد، وان كانت معاهدة السلام قد أعاقته في الوقت الراهن" (١). وهنا نرى أن توقيع مصر لاتفاقية السلام مع إسرائيل لم تشفع لها وتستثنيها من مخططات اليهود والصهاينة المسيحيون، الذين يدركون أن هذه الاتفاقية ليست إلا فتره للهدنة، ليتمكنوا خلالها من الانقضاض على الدول العربية دولة بسبب عزل مصر عن محيطها العربي، باعتبارها تشكل مركز الثقل في المواجهة، ليأتي حسابها الكبير بعد ذلك تنفيذاً لأوامر التوراة اليهودية للانتقام من المصريين، الذين اضطهدوا اليهود وأخرجوهم من مصر. هذه هي خطط الصهيونية الاستراتيجية تجاه مصر والسودان وليبيا، والتي تبدو كتطبيق حرفي لما ورد في التوراة في مواضع كثيرة، وتعالوا نقارن .. نبوءة بشأن مصر احتلت مصر مكاناً مركزياً في التفكير اليهودي، لاسباب متعددة منها الحضاري والسياسي والدينى، حيث كانت الحضارة المصرية القديمه من اعرق الحضارات التى ظل بنو اسرائيل يحسدونها على ما وصلت اليه من ازدهار وقوه انعكس على نفوذها وسلطانها في المنطقة كلها، بينما كان اليهود مجرد قبائل رحل لا دور حضاري لهم. يضاف إلى ذلك ان مصر شهدت نزوح اليهود اليها، ثم خروجهم من ارض مصر بقيادة النبي موسى، وتيههم "في الأزمنة الأخيرة لإسرائيل، زمن أنبياء ارميا واشعيا، وقبل زمن من تدمير الهيكل على يد طيطس الروماني وتشتيتهم في بقاع العالم، وقف أنبياء إسرائيل على عتبات النهاية، يتنبأون بعودة المجد السليماني، وقيام دولة إسرائيل مره أخرى، وأنها حينذاك ستسود العالم، لكن قيامها كان يشترط أولاً وأخيراً خراباً تاماً لمصر وإذلالاً لها، وهو ما يفصح عن التكوين النفسي والعقلي ومدى التشوه، الذي لحق بنفوس القوم تجاه مصر" (٢).

стр. 322

"فاليهود لم تستند على أعتاب صدورهم أو تطرق أبواب نفوسهم القيم الإنسانية، والفضائل الخلقية، كإطعام الجائع، وإعطاء المحتاج، وحماية الخائف، التي كان المصري القديم يقدسها معتقداً أنها الأساس في حياته، وفي مماته أيضاً. وعلى النقيض كان بنو إسرائيل في الأخلاق والسلوك. فقد عبروا عن محبتهم وحسن معاملتهم بطوفان من الحقد العنصري المرير، واغرقوا به المصريين الذين فتحوا لهم قلوبهم بمحبة وأبوابهم بالكرم، واسكنوا الرعاة الجياع في أرضهم الخيرة المعطاء، وقابلوا هذه المعاملة الحسنة بسلوك فريد من الحيل والدهاء والمكر والحقد والغدر. فمن جهة استغلوا ثقة المصريين وطيب قلوبهم وكرم ضيافتهم ونقاء سرائرهم وصفاء نواياهم، وائتمروا ليلة عزموا على الخروج من مصر أن "يطلب كل رجل من صاحبه، وكل إمرأة من صاحبتها أمتعة فضه وأمتعة ذهب ... ليكون حين تمضون أنكم لا تمضون فارغين" (سفر الخروج)، كما قال لهم اللههم. ومن جهة أخرى رموا أو رمى إلههم مصر بتلك الضربات الرهيبة، التي يقشعر لهولها الضمير، ويذهل لحقدها الفكر، وتشحب بجوارها أفظع قصص الرعب" (١). ويعبر يهوه الرب عن حقده اللاهب على مصر بكلمات يصغر عما فيها من صور حاقدة شائنة ملتاثه، كل ما في الدنيا من كلمات البذاءة والتوقح والذم والتحقير. يقول اشعياء: "ها هو الرب قادم إلى مصر يركب سحابة سريعة (٢)، فترتجف أوثان مصر في حضرته، وتذوب قلوب المصريين في داخلهم. وأثير مصريين على مصريون فيتحاربون، ويقوم الواحد على أخيه، والمدينة على المدينة والمملكة على المملكة، فتذوب أرواح المصريين في داخلهم، وأبطل مشورتهم، فيسألون الأوثان والسحرة وأصحاب التوابع والعرافين. وأسلط على المصريين مولى قاس، فيسود ملك عنيف عليهم. هذا ما يقوله الرب القدير. وتنضب مياه النيل، وتجف الأحواض وتيبس. تنتن القنوات، وتتناقص تفرعات النيل وتجف، ويتلف القصب والأسل. وتذبل النباتات على ضفاف نهر النيل والحقول والمزروعات كلها تجف، وكأنها لم

стр. 323

تكن مخضرة. فيئن الصيادون وطارحو الشصوص في النيل وينوحون ويتحسر الذين يلقون شباكهم في المياه. ويتولى اليأس قلوب الذين يصنعون الكتان الممشط، ويفقد حائكو الكتان الفاخر كل أمل. ويسحق الرجال، أعمدة الأرض، ويكتئب كل عامل أجير". ويضيف اشعياء فيقول: "رؤساء صوعن حمقى، ومشورات فرعون غبية. كيف تقولون لفرعون نحن من نسل حكماء، وأبناء ملوك قدامى؟ أين حكماؤك يا فرعون ليطلعوك على ما قضى به الرب القدير على مصر؟ قد حمق رؤساء صوعن وانخدع أمراء نوف وأضل مصر شرفاء قبائلها. جعل الرب فيها روح فوضى، فأضلوا مصر في كل تصرفاتها، حتى ترنحت كترنح السكران في قيئه. فلم يبق لعظمائها أو أدنيائها ما يفعلونه فيها. في ذلك اليوم يرتعد المصريون كالنساء خوفاً من يد الرب القدير، التي يهزها فوقهم. وتغدو أرض يهودا مثار رعب للمصريين، فيعتريها الفزع من ذكرها، لأن الرب القدير قد قضى قضاءه على مصر" (اشعياء ١٩، ١ـ١٧). ثم يؤنب اشعيا بني جلدته الذين يلجأون إلى مصر وفيئها في الملمات، ويقول: "ويل للبنين المتمردين .. الذين يذهبون إلى مصر للمعونة .. ليلتجئوا إلى حصن فرعون، ويحتمون بظل مصر، فيصير لكم حص فرعون خجلاً، والاحتماء بظل مصر عاراً" (سفر اشعيا الإصحاح ٣٠). ويقول يهوه بلسان حزقيال: "هأنذا عليك يا فرعون ملك مصر، فاجعل حذائي في فكيك، أتركك في البرية، بذلتك طعاماً لوحوش البر ولطيور السماء. هاأنذا اجلب عليك سيفاً واستأصل منك الإنسان والحيوان وتكون ارض مصر مقفرة خربة واجعل أرض مصر خرباً خربة مقفرة، لا تمر فيها رجل إنسان ولا رجل بهيمة أشتت المصريين بين الأمم وأبددهم في الأراضي" (١). أما ارميا فقد وقف يعبر عن مكنون كل إسرائيلي تجاه مصر (٢) في قوله: "اخبروا مصر، واسمعوا في مجدل، واسمعوا في نوف (منف) وفي تحفنيس، قولوا انتصب وتهيأ الآن، لأن السيف يأكل حواليك ..

стр. 324

نادوا هناك فرعون ملك مصر هالك .. نوف تصير خربة وتحرق فلا ساكن .. هاأنذا أعاقب آمون نوف وفرعون مصر وآلهتها والمتوكلين عليه" (سفر ارميا الإصحاح ٤٦). هذا هو مصير مصر كما تريده التوراة اليهودية الحاقدة، وغيره الكثير الذي يعمل الصليبيون الجدد على إخراجه إلى ارض الواقع، والذي لا يقل عما جاء بحق بابل وآشور والفلسطينيين، لأن مصر احتلت مكاناً خاصاً ورئيساً في الفكر اليهودي، وذكريات الخروج من مصر والتيه في سيناء ... الخ، سجلها اليهود في ثوراتهم الحاقدة، وتوعدوا المصريين بالدمار والقتل وكل أصناف الويلات كما جاء في النص السابق. فمن الحرب الأهلية وتقسيم مصر .. إلى أبطال المشورة وتسليط ملك قاس على المصريين، بل يصل الحقد اليهودي على مصر إلى حد تمنى جفاف مياه النيل وتلف الضرع والزرع. واعتقد أنه ليس صدفة أن تتطابق هذه الرؤية التوراتية مع ما جاء في التقرير السالف الذكر، وما يخطط لمصر على أرض الواقع. فالمحاولات الإسرائيلية الأمريكية لخلق فتنة طائفية في مصر على أشدها، .. وإسرائيل وصلت إلى بوابة البحر الأحمر في جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى، وهي تثبت أقدامها في أعالي النيل ومنطقة البحيرات. وفي المستقبل القريب سوف يدور الصراع حول المياه .. والنيل والبحيرات هي المخزن الاستراتيجي الهائل لمصر وللأمة العربية، وقد بدأت أولى فصول المؤامرة على مياه النيل بإعلان بعض الدول الأفريقية رغبتها في إعادة النظر في توزيع حصص مياه النيل، حيث ستكون مصر والسودان من اكبر المتضررين من ذلك. وفي نفس السياق يتم تهديد الحدود الجنوبية لمصر وهى السودان، من خلال ما يحدث في الجنوب، وفي الشرق في دارفور وأريتريا، حيث الأيادي الصهيونية الأمريكية واضحة في كل ما يحدث هناك من مؤامرة كبرى ليس على السودان فقط، بل على مصر أيضاً وعلى الأمة بأكملها. وكان المفروض أن تفيق الأمة وان تتقارب وتتوحد، ولكنا نقرأ العكس، (اسياس افورتي) يفتح معسكرات تدريب لجون قرنق

стр. 325

ولجيش المعارضة، الذي يعده الصادق المهدي (١)، ونحن نحارب بعضنا بعضاً، بل وتقف بعض الدول العربية موقف المتفرج من التمرد المدعوم إسرائيلياً وأمريكياً في الجنوب، بل وتستقبل قادة التمرد وتعقد المفاوضات معهم. وهنا لابد أن نشير إلى أن توقيع مصر لاتفاقية السلام، وتعاون قيادتها التام مع أمريكا في مجالات عديدة لن يشفع لمصر، وسيأتي اليوم الذي سينقلب فيه أصدقاء اليوم إلى أعداء، كما حدث مع كثير من الدول قديماً وحديثاً، والمسألة ليست إلا استفراد بالدول العربية واحدة تلو الأخرى، ولكن المصير واحد كما حددته التوراة الحاقدة، بل أن أحقاد اليهود ومؤامراتهم، وصلت إلى درجه تمنى أن يتم ضرب الدول العربية بعضها ببعض كما حدث في العراق. دينونة مصر بيد ملك بابل لم يبخل النبي حزقيال على مصر، وهو يوجه كلام الرب الإسرائيلي إلى الفرعون المقبل حيث يقول: "وأوحى إلي الرب بكلمته قائلاً: يا ابن آدم، تنبأ وقل: هذا ما يعلنه السيد الرب: ولولوا قائلين: يا لليوم الرهيب! إن يوم الرب بات وشيكاً، يوم الرب قريب، إنه يوم مكفهر بالغيوم، ساعة دينونة للأمم، إذ يجرد سيف على مصر، فيعم الذعر الشديد أثيوبيا، عندما يتهاوى قتلى مصر، ويستولى على ثروتها، وتنقض أسسها. ثم تسقط معهم بالسيف أثيوبيا وفوط ولود وشبه الجزيرة العربية وليبيا وشعوب الأرض المتحالفة معهم. حقاً يسقط مناصر مصر، وتذل كبرياء عزتها، فيتهاوى بالسيف سكانها من مجدل إلى أسوان، يقول السيد الرب. فتصبح أكثر الأراضي المقفرة وحشة، وتضحي مدنها أكثر المدن خراباً! فيدركون إني أنا الرب حين أضرم ناراً في مصر، وينهار جميع حلفائها. في ذلك اليوم يسرع رسلي إلى أثيوبيا المطمئنة ليثيروا فيها الرعب في يوم هلاك مصر، الذي لابد أن يتحقق. لأني سأفني جماهير مصر بيد نبوخذ نصر ملك بابل. إذ يقبل هو وجيشه، أعتي جيوش الأمم، لخراب ديار مصر، فيجردون عليها سيوفهم، ويملأون أرضها بالقتلى. واجفف مجاري نهر النيل، وأبيع الأرض لقوم أشرار، وأخرب البلاد فيها بيد غرباء. أنا

стр. 326

الرب قضيت. تم أحطم الأصنام وأزيل الأوثان من ممفيس، ولا يبقى بعد رئيس في ديار مصر، والقي فيها الرعب. وأخرب فتروس، وأضرم ناراً في صوعن، وأنفذ إحكاما في طيبة. وأصب غضبي على سين حصن مصر، وأبيد أهل طيبة. وأضرم ناراً في مصر، فتقاسي سين أشد الألم، وتتمزق طيبة شر تمزيق، وتتعرض ممفيس للرعب في كل يوم. ويتساقط بالسيف شبان آون فيبسته، ويسبى بقية سكانها. ويظلم النهار في تحفنحيس، عندما أحطم أنيار مصر هناك، وتتلاشى كبرياء عزتها. أما هي فتغشاها سحابة وتسبى بناتها. وهكذا أنفذ أحكاماً في مصر، فيدركون أني أنا الرب" (١). فهذا الحقد الذي صبه حزيقيال على مصر ليس إلا جزء يسير مما امتلأت به التوراة اليهودية الحاقدة، والتي يسعى اليهود والأصوليين المسيحيون إلى إخراجها إلى أرض الواقع، حيث أن أهم ما في النص التوراتي السابق هو إشارته إلى أن دمار مصر سيكون على يد ملك بابل، أي العراق. وبالطبع هذا الأمر ليس مستبعداً في ظل الوضع الحالي في العراق، والتي وصلت فيه حكومة عميله للاحتلال لسدة الحكم، مستعدة لعمل أي شيء، حيث لاحظنا محاولاتها المستمرة للتمحك بسوريا كمقدمه لجرها لحرب لتدميرها حسب الأجندة الصهيونية. كما أن موقف القيادة المصرية، التي يعتبره كثير من العراقيين والعرب، بأنه كان متآمراً بصورة فاضحة مع الأمريكان منذ بداية غزو الكويت، وحتى احتلال بغداد، يمكن أن يسهل حدوث مثل هذا الأمر مادام الجميع يتم توجيههم في النهاية من واشنطن وتل أبيب لتطبيق السيناريو التوراتي المعد مسبقاً بغض النظر عن كل اتفاقيات السلام التي وقعت مع بعض الحكومات العربية، والتي سيكون مصيرها كمصير اتفاقية غزه أريحا، والتي ضربت بها إسرائيل وأمريكا عرض الحائط، لأن التوراة منذ البداية حددت مصير أريحا المدينة الملعونة، كما جاء على لسان السفاح يوشع: "ملعون الرجل الذي يبنى هذه المدينة، وليفقد بكره حينما يضع أساسها ويفقد أبناءه عندما يضع أبوابها .. فهي المدينة الملعونة "أريحا" لا تسكنوها " (٢).

стр. 327

إلى هذا الحد يصل التطابق بين النصوص التوراتية، والممارسات على ارض الواقع، وربما هذا ما كشفه احد القادة الصهاينة، عندما قال: أننا نطبق على العرب بروتوكولاتنا حرفياً .. فعقولهم بأيدينا ... لأن غزونا الثقافي لهم أهم من غزونا العسكري ... ولن يأتي عام ٢٠٠٠م، حتى تكون المنطقة مهيأة لمليكنا المنتظر" (١). فنحن أمام دولة غادرة معتدية لا ذمة لها ولا عهد ولا ميثاق. لقد مزقت ميثاق مدريد واتفاق اوسلو، وهجمت بجرافاتها على أسوار القدس، وهي تمارس البلطجة في حماية الراعي الأمريكي رئيس الكون .. فماذا يمنعها من خرق كامب ديفيد واكتساح سيناء؟ (٢). فالرؤية الإسرائيلية للعملية السلمية عبر عنها أحد الجنرالات الإسرائيليين، باعتبارها جزءا من الحرب ليس إلا. فهذا الجنرال يقول لمراسل صحيفة بوسطن غلوب الأميركية " ... بهذه الطريقة نقلب منطق (كلاوس فيتز) رأساً على عقب, حيث نجعل من الدبلوماسية حرباً لكن بوسائل أخرى". هذا هو جوهر الرؤية الإسرائيلية لـ "العملية السلمية"، فهي عملية استثمار في الوقت لإتاحة المجال للإستراتيجيات الحربية والعسكرية، لأن تكرس نفسها وتستمر في إذلال الآخرين (٣). هذا هو توهمهم .. ومن أجله يعملون .. وعنه لا يحيدون مهما كانت الحوائل والعقبات .. ولذا فإن مناداتهم بالسلام لا تكف عن النعيق .. إنه في نظرهم سلام .. ولكنه السلام المشوب بالحذر والترقب .. السلام الذي لا يعطل لهم عملاً، ولا يوقف لهم خطة، ولا يؤثر في مشاريع التوسع .. وهم ينطلقون في هذا من قاعدة عريضة هي قاعدة (أحلام اليقظة) في عالم ملئ بالمتناقضات، يحكمه المنجمون والعرافون، وتحدد مساره نبوءات بنى صهيون التي دفعت اليهود إلى التعجيل باتفاقية غزة أريحا أولاً" (٤).

стр. 328

ريجان وليبيا في ضروب الهذيان التي امتلأت بها أدمغة المتنبئين والعرافين اليهود، واكتظت بنتائجها صفحات العهد القديم، كان هذيان عن "لهابيم" (ليبيا الآن)، وكيف أن لهابيم هذه من الأمم الكثيرة التي ستزحف جيوشها على أورشليم المدينة المحبوبة، وعلى أرض إسرائيل أمة القديسين (١). وهنا يروى (جيمس ملز) الذي كان رئيساً لمجلس شيوخ ولاية كاليفورنيا ـ ضمن مقالة نشرتها له مجلة (سان رييجو ماجازين) في أغسطس ١٩٨٥م: أن ريجان سأله أثناء مأدبة حضرها، عما إذا كان قد قرأ الفصلين (٣٨، ٣٩) من (حزقيال)، فأكد ملز لريجان أنه قد قرأ بالفعل، وناقش فقرات حزقيال التي تتحدث عن يأجوج ومأجوج، وعندئذ تحدث ريجان بحرارة عن تحول ليبيا إلى الشيوعية!! وأصر على أن هذا علامة تدل على أن يوم معركة مجدو ليس ببعيد، "لأن تحول هذه الدولة إلى الشيوعية يجعلها من القوى الشريرة، التي ستنضم مع الجيش الشرقي الكبير ضد إسرائيل". ثم قام (ملز) بتذكير ريجان بأن حزقيال قال أيضاً: "إن الحبشة ستكون بين القوى الشريرة، فقال ريجان: "إنني أوافق أن كل شيء لم يأخذ مكانه بعد، ولكن لم يبقَ إلا حدوث هذا الشيء فقط، إذ يجب أن يسيطر الحمر على أثيوبيا! " وعندما قال ملز: "إنه لا يعتقد أن هذا أمر مرجح"، قال ريجان: "اعتقد بأن هذا أمر لا مفر منه، إنه ضروري لتحقيق النبوءة القائلة بأن أثيوبيا ستكون من الأمم الكافرة التي ستقف ضد إسرائيل" (٢). وبالطبع فإنه من المستحيل إثبات العلاقة بين المعتقدات المعلنة من هذا النوع، وبين عمل قد يقدم عليه الرئيس باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة. فالكثير من الناس لديهم معتقدات دينية ليس لها تأثير واضح على أعمالهم الرسمية، ولكن يبدو أن هذا لا ينطبق على الرئيس الممثل (رونالد ريغان)، فمنذ عام

стр. 329

١٩٨٦م والجماهيرية الليبية تعتبر العدو الدولي الأول بالنسبة لريغن. ولكن هل كان لذلك التصور علاقة بتفسير ريغان لنبوءات التوراة؟. حسب رواية (جيمس ميلز)، فإن ريغن كان يكره الجماهيرية الليبية باعتبارها أحد أعداء (إسرائيل) الذين تذكرهم النبوءة، وبالتالي فإنها عدوة يهوه. ويذكر جيمس ميلز في عدد آب ١٩٨٥م من مجلة (سان رييجو) أنه في حفل عشاء أقيم عام ١٩٧١م ساكرامنتو ـ كاليفورنيا على شرف ريغن حاكم الولاية آنذاك، بدأ ريغن فجأة بالتحدث مع جيمس ميلز الجالس بجانبه حول نبوءة الكتاب المقدس، وحتمية الحرب ضد الاتحاد السوفيتي، (الذي يمثل يأجوج ومأجوج في الكتاب) في حرب عظيمة مدمرة نسبة إلى هرمجدون. ويذكر (جيمس ملز) أن (ريغن) قال له بحدة: إن الإصحاح الثامن والثلاثين من سفر حزقيال ينص على أن أرض إسرائيل ستتعرض للهجوم على يد جيوش الأمم الكافرة، وعلى أن ليبيا ستكون بين هذه الدول، وتابع ريغن هل تفهم ذلك؟ إن ليبيا الآن شيوعية، وهذا دليل على أن يوم هرمجدون ليس ببعيد. ويبدو أن ريغن بقى متمسكاً بمثل هذه القناعة حتى عام ١٩٨٦م" (١). وهنا يتضح أنه عندما ضرب ريجان ليبيا عام ١٩٨٦م بحجة تفجير (كباريه) أمريكي في ألمانيا، كان الهدف الوحيد هو إضعاف ليبيا قبل دخولها المعركة ضد إسرائيل، التي سيقودها المسيح، حيث تدلل حالة الرئيس العصبية الحرجة أيام رئاسته للولايات المتحدة الأمريكية، وما أمر به من قصف للأحياء في الجماهيرية الليبية، وما استخدمه من أسلحة أمريكية متطورة في لبنان عن طريق قوات الغزو الصهيوني العنصري، على همجية محاولات الاختبار (الهرمجدونية) التي كان يعتقد بها (ريغن). وكيف أن هذه المحاولات المدمرة قد باءت بالفشل، وانتهت بالبوار والخسران؟!. "ففى حالة ليبيا، عندما تسلط حزاذ حزقيال على رأس المستر ريجان، كان المطلب الرئيس لإطلاق الكراهية من عقالها متوفراً، وهو كون ليبيا (ايراب)، أي عرب. أما المبرر الأخلاقي، أي الشرارة المشعلة لفتيل تفجير الكراهية فكان الإرهاب.

стр. 330

بطبيعة الحال، لم يقف (ريغان) ليقول للعالم انه كره ليبيا، لأنها (عدوة الله)، ومن الأمم التي رأى حزيقيال أنها ستزحف بجيوشها المتحالفة مع جوج ومأجوج لتحارب إسرائيل أو معركة هرمجيدون، لا لشئ إلا لان خبراء وزارة الخارجية الأمريكية أوعزوا إلى من كان لهم تأثير عليه أن يقنعوه بالا يقول ذلك. ولذا استعيض عن حكاية هرمجيدون بمسألة الإرهاب. فذلك مبرر سامق ومقبول دولياً بما فيه الكفاية، ويصلح كساتر جيد لعملية اغتيال أمه تحت غطاء الدفاع عن الحضارة كما نعرفها، وإعلاء حكم القانون الدولي، في غمار توجيه ضربه وقائية إلى أمه اعتقد رئيس الولايات المتحدة إنها ستكون من الأمم (التي كرمل البحر) التي ستسير في صفوف يأجوج ومأجوج، أو يوم الهول الكوني لتحارب إسرائيل" (١). تقسيم لبنان إذا كان هذا هو ما تخبأه التوراة لمصر وليبيا، والتي يسارع الأصوليين المسيحيون وصناع القرار في أمريكيا إلى أخرجه إلى أرض الواقع، فإن نصيب لبنان في هذا المجال لا يقل عن ذلك، حيث يتوعد التقرير السالف الذكر لبنان بالقول: "بالرغم مما يبدو في الظاهر، فإن المشكلات في الجبهة الغربية أقل من مثيلتها في الجبهة الشرقية. وتعد تجزئة لبنان إلى خمس دويلات .. بمثابة نموذج لما سيحدث في العالم العربي بأسره" (٢). أما لماذا وكيف؟ .. فقد أجاب الغزو الصهيوني الأمريكي الهمجي، المتكرر على لبنان، ومحاولات تقسيمه إلى دول طائفية، علي هذا السؤال منذ فتره، والجميع يعرف قصة هذا الغزو الإجرامي واندحاره علي يد المقاومة اللبنانية البطلة. أما لماذا؟ فكما قلنا سابقاً فلنبحث في ثنايا التوراة اليهودية الحاقدة ...

стр. 331

نبوءة ضد صور يقول أشيعياء: "ولولي يا سفن ترشيش، لأن صور قد هدمت، فلم يبقَ بيت ولا مرفأ. تماماً كما بلغكم النبأ وأنتم في أرض قبرص. ... وعندما يذيع النبأ في مصر، يتوجعون لأخبار صور. أعبروا إلى ترشيش، انتحبوا يا أهل الساحل، هذه مدينتكم المبتهجة التي نشأت منذ القدم، والتي تنقلها قدماها للتغرب في أرض بعيدة؟. من قضى بهذا على صور واهبة التيجان، التي تجارها أمراء ومكتسبوها شرفاء الأرض؟ إن الرب القدير هو الذي قضى بذلك، ليحط من كبرياء كل مجد، وليذل كل شرفاء الأرض. أمخرى عباب البحر يا ابنة ترشيش كما يخترق النيل أرض مصر، إذ زال مرفاك من الوجود. بسط الرب يده على البحر، وزعزع ممالك، أصدر أمره على كنعان كي تدمر حصونها، وقال: "لن تعودي تعربدين أيتها العذراء، التي فقدت شرفها، يا بنة صيدون هبي واعبري إلى قبرص، ولكنك لن تجدي هناك راحة". "تأملي في أرض الكلدانيين وانظري إلى شعبها، فهم وليس الأشوريون الذين سيجعلون صوراً مرتعاً للوحوش، وسينصبون حولها أبراجهم، ويمسحون قصورها على وجه الأرض، ويحولونها إلى خراب. انتحبي يا سفن ترشيش، لأن حصونك قد تهدمت". "في ذلك اليوم تظل صور منسية طوال سبعين سنة، كحقبة حياة ملك واحد، وفي نهاية السبعين سنة يصيب صور مثل ما جاء في أغنية العاهرة: "خذي عوداً وطوفي في المدينة أيتها العاهرة المنسية. أتقني العزف على العود وأكثري الغناء لعلك تذكرين". وفي نهاية السبعين سنة يفتقد الرب صور، فترجع إلى عهدها، وتزني مع كل ممالك الأرض. أما تجارتها وأجرتها فتصبح قدساً للرب. لا تخزن ولا تدخر، لأن تجارتها توفر غذاء وفيراً، وثياباً فاخرة للساكنين أمام الرب" (اشعياء ٢٣، ١ـ١٨). أما لماذا كل هذا الحقد والكراهية والرغبة في الانتقام التي صبتها التوراة على صور؟ فتجيب التوراة علي ذلك .. لأن صور الشريرة، "قالت على أورشليم هه قد انكسرت، ومصاريع الشعوب قد تحولت إلى. امتلئ إذا خربت (هي) ". (حزقيال ٢٦: ١ـ٢). وبطبيعة الحال لم تقل صور ذلك لأحد وبخاصة لحزيقيال القاعد هناك عند

стр. 332

نهر الخابور، لكن يهوه قرأ طبعاً ما دار في خلد صور .. وقرر انه سينتقم من صور انتقاماً رهيباً لشماتتها في أورشليم. والذي حدث هو أن صور لكونها مدينه ساحليه حصينة ظلت بمنجاة عن الاجتياح والاستسلام لغزوات البابليين والآشوريين .. ولهذا كانت صور مصدر حسد لازدهار تجارتها وثرائها. ولهذا قرر حزيقيال أن يهوه سيخرب صور، ويمرغ أنفها في الرغام: لأنه هكذا قال الرب يهوه: "حين أصيرك يا صور مدينة خربة كالمدن غير المسكونة .. وأجلسك في أسافل الأرض أو الخرب الأبدية مع الهابطين في الجب لتكوني غير مسكونة .. أصيرك أهوالاً ولا تكونين، وتطلبين فلا توجدين بعد إلى الأبد يقول الرب يهوه" (حزقيال٢٦:١٩ـ٢١). فقد تفجرت كل ضروب الحسد والإحباط والغيظ في دماغ حزقيال وتدفقت كالحمم البركانية لتصب صنوف النقمة وضروب المقت لكل من كانت له يد في رخاء الجار المحسود صور. فالمسألة ضلت باستمرار، مسألة أحقاد واشتهاء، وكراهيات وجشع، صيغت كلها صياغات إلهية، وأضيفت عليها قداسة ظلت نابية لما أغرقت فيه من دنيويات وشراهات إنسانية. ولكن تلك الإلهيات تكتسب، بمرور الزمن، قداسة كثيفة .. وعندما تصل إلى الأجيال اللاحقة، عبر موصل إنسان آخر من موصلات القداسة، تصبح ذات فعل مدمر بحق" (١). غزو لبنان مستمد من التوراة إن ضراوة التنبؤات التي صبتها التوراة على صور، يأخذها الأصوليين المسيحيون علي محمل الجد، ويفعلون كل ما بوسعهم لإخراجها إلي أرض الواقع. ففي عام ١٩٨٣م نظم المبشر (جيرى فالويل) رحلة إلى فلسطين، لإطلاع المسيحيين على الأماكن المقدسة هناك، وخصوصاً الأماكن اليهودية التي تتعلق بالعقائد التوراتية، وهناك نظم لقاءات مع قادة سياسيين ودينيين في إسرائيل، ونظم لهم لقاء مع (موشى أرينز) وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، (وهو كان في السابق سفيراً لإسرائيل في أمريكيا، وولد في أمريكيا)، وحدثهم (أرينز) في ذلك اللقاء فقال: "إن غزو لبنان ١٩٨٢ كانت بإرادة إلهية، فهي حرب مقدسة، مستمدة من العهد القديم، وهذا يؤكد

стр. 333

النبوءة، إذ أن هذا الغزو يمكن أن يعنى أن معركة مجدو قد اقتربت". وحينها أصدر الأصوليين بيانا قالوا فيه: "أن معارضي الغزو لا ساميون (السيف المسلط على أي صوت حر)، وأن من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها، وعن شعبها، بالوسائل التي تراها مناسبة، واتصل (فولويل) الأصولي بمناحيم بيجن وقال له مبروك على النصر الذي جعلنا فخورين بإنتاج الطائرة أف -١٦ (التي قتلت ألوف الفلسطينيين واللبنانيين وفيهم المسيحيون) " (١). وفي حزيران / يونيه ١٩٨٢م وبعد ثلاثة أيام من بدء الغزو الصهيوني العنصري لأراضي لبنان العربية، شرح (بات روبرتسون) الذي يستضيف عرضاً كلامياً يومياً لمدة تسعين دقيقة من خلال برنامجه التلفزيوني بنادي السبعمائة، والذي يصل إلى أكثر من ١٦ مليون عائلة، أي إلى ١٩% من مجموع المشاهدين الأمريكيين شرح أهوال معركة هرمجدون الوشيكة، حتى أنه أعاد النبوءة التي أعلنها في كانون الثاني/ يناير ١٩٨٢م، والتي أكد فيها أن حساب العالم سيحل في خريف ١٩٨٢م، وأن القضاء النهائي سيحل بالاتحاد السوفيتي. لأنهم سيقومون بمغامرات عسكرية ستجلب نهايتهم!!. وليوضح (بات روبرتسون) نبوءته ذهب إلى السبورة تتبعه آلة التصوير التلفزيونية ليحدد موضع (دول الشرق الأوسط) على الخريطة، معيداً صياغة نبوءة حزقيال بقوله: "في العصور القادمة عندما تتم إعادة تجميع إسرائيل من الأمم، سأتسبب في حدوث شيء ما، هذا الشيء إنني سأضع الكلابات في أفواه التحالف، الذي سيقوده شخص شيطاني، والدول التي ستكون معه هي بيت توغارما (يقصد ارمينيا)، وبوت (يقصد ليبيا)، وروش (يقصد الحبشة) ونحوم (يقصد اليمن الجنوبية)، وفارس (يقصد إيران). وتابع (روبرتسون) قائلاً: كل شيء جاهز، ويمكن حدوثه في أي وقت. ومن المؤكد أن شيئاً كهذا سيحدث بحلول خريف ١٩٨٢م وبهذا تتحقق نبوءة حزيقيال" (٢). ويضيف روبرتسون: "إن الولايات المتحدة الأمريكية موجودة في نص حزقيال. وإننا ننتظر المعركة النهائية المحتومة". ولقد حذا حذو روبرتسون العديد من

стр. 334

الإذاعيين الذين يبشرون بلاهوت هرمجدون في الإذاعة والتلفزيون ومن على المنابر، وهذا التبشير يتضمن أن الرب كان يعلم منذ البداية، أننا الأحياء اليوم، سندمر كوكب الأرض. ومن الجدير بالذكر أن روبنسون يمتلك محطة وإذاعة تلفزيون الأمل في جنوب لبنان والتي تبث برامجها من منظور لاهوت هرمجيدون، كما أنه شارك مع الجيش الإسرائيلي بقيادة المجرم (شارون) في غزو لبنان" (١). تقسيم سوريا والعراق وتحطيم قوتهما حين عجز جماعة بني إسرائيل الصغار الشأن عن قهر الأقوام والأمم، واستعبادها وبالتالي لم يستطع قضاتهم وملوكهم تحقيق وعود يهوه، وتستعر ألسنة الخيبة في صدورهم، صاروا يتلمظون مرارة الفشل الذي ظل يرافقهم دائما. ونهشت أكبادهم ضراوة الذل الذي عانوه (على زعم التوراة) في حياة العبودية في مصر، وفي أرض كنعان. فأوكل أحبارهم أمر النيل من الأقوام، والأمم إلى إلههم يهوه. وقد تمثل الوقوع بهم في أشكال من الضربات، اشتهوا أو تمنوا إنزالها بالأقوام والأمم الأخرى. خذ مثلاً من هذه الضربات قول يهوه (الرب) بلسان النبي أشعيا عن بابل: "انزلي واجلسي على التراب أيتها العذراء ابنة بابل. اجلسي على الأرض بلا كرسي يا ابنة الكلدانيين، انك لا تعودين تدعين ناعمة ومترفة. اكشفي نقابك شمري الذيل اكشفي الساق اعبري الأنهار، تنكشف عورتك وتري معاريك .. اجلسي صامتة وادخلي في الظلام يا ابنة الكلدانيين لأنك لا تعودين تدعين سيدة الممالك". ويقول رب الجنود: "واقطع من بابل اسما وبقية ونسلا وذرية، واجعلها ميراثاً للقنفذ واكنسها بمكنسة الهلاك. وتصير بابل بهاء الممالك وزينة فخر الكلدانيين كتقليب الله سدوم، وعمره لا تعمر إلى الأبد، ولا تسكن إلى دور فدور لا يخيم هناك إعرابي، ولا يربض هناك رعاة، بل تربض هناك وحوش القفر ويملأ البوم بيوتهم، وتسكن هناك بنات النعام، وترقص هناك معز الوحش. وتصيح بنات آوى في قصورهم، والذئاب في هياكل تنعمهم" (٢).

стр. 335

ومثلاً آخر من هذه الضربات قول يهوه (الرب) عن دمشق بلسان النبي أشعيا: "هوذا دمشق تزال من بين المدن. وتكون رجمة دم مدن عر وعير متروكة، وتكون للقطعان ويزول الحصن من أفرايم، والملك من دمشق وبقية الأمم". ويعبر يهوه (الرب) عن حقده على دمشق بلسان النبي ارميا قائلاً: "ارتخت دمشق والتفتت للهرب. أمسكتها الرعدة وأخذها الضيق، والأوجاع كماخض. يسقط شبانها في شوارعها، ويهلك كل رجال الحرب في ذلك اليوم، يقول رب الجنود وأشعل ناراً في سور دمشق" (١). فبعدما أنذر أشعياء أهل بابل بالهلاك أن لم يؤمنوا في يوم الرب، انذر أهل فلسطين للغرض نفسه. ثم انذر موآب، ثم انذر دمشق. والسؤال هنا: هل بعدما أهلكت أمريكا العراق، وقد أهلكت فلسطين من قبل، سوف تهلك دمشق؟. من المؤكد أن هذا ما تنوي عمله، تطبيقاً للأحقاد التوراتية التي تنبأت بذلك" (٢). وهذا الذي ورد في التوراة صيغ بطريقه أخرى في التقرير الصهيوني السابق الذكر، الذي يقول بشأن سوريا والعراق: "وينبغي أن يكون تقسيم كل من العراق وسوريا إلى مناطق منفصلة، على أساس عرقي، أو ديني، أحد الأهداف الأساسية لإسرائيل على المدى البعيد. والخطوة الأولى لتحقيق هذا الهدف، هي تحطيم القوة العسكرية لهذين البلدين. فالبناء العرقي لسوريا يجعلها عرضة للتفكك، مما يؤدى إلى قيام دولة شيعية على طول الساحل، ودولة سنية في منطقة حلب، وأخرى في دمشق، بالإضافة إلى كيان درزى قد ينشأ في الجولان الخاضعة لنا، وقد يطمح هو الآخر إلى تشكيل دولة خاصة، ولن يكون ذلك على أي حال إلا إذا انضمت إليه منطقتا حوران وشمالي الأردن. ويمكن لمثل هذه الدولة، على المدى البعيد أن تكون ضمانة للسلام والأمن في المنطقة. وتحقيق هذا الهدف في متناول يدنا" (٣). أما عن نصيب العراق فيضيف المقال: "أما العراق، ذلك البلد الغنى بموارده النفطية، والذي تتنازعه الصراعات الداخلية، فهو يقع على خط المواجهة مع

стр. 336

إسرائيل. ويعد تفكيكه أمراً مهماً بالنسبة لإسرائيل، بل انه أكثر أهمية من تفكيك سوريا، لان العراق يمثل على المدى القريب أخطر تهديد لإسرائيل" (١). وبالطبع لا حاجه بنا إلي مزيد من التوضيح للحقد اليهودي والمسيحي الصهيوني علي العراق، والذي وضحناه سابقاً والذي نشهده منذ ١٨ سنه على ارض الواقع، والذي يريد المتهود بوش الابن أن ينجز آخر فصوله، التي بدأها والده في بداية التسعينات، بمباركه ودعم بعض الأنظمة العربية، وسنزيد الامر ايضاحاً في الفصول القادمه عند حديثنا عن حرب بوش على العراق. حقد يهوه على الفلسطينيين كان حقد يهوه (الرب) على الفلسطينيين نارا آكلة، لا ترحم أحدا، ولا تبقي على شئ. فالرب يمد يده عليهم ويقطع كبرياءهم؟ ويرسل ناره على سور غزة فتأكل قصورها، ويقطع الساكن من اشدود وماسك القضيب من اشقلون، وأرد يدي على عقرون فتهلك بقية الفلسطينيين". ويقول بلسان ارميا: "يصرخ الناس ويولول كل سكان الأرض بسبب اليوم الآتي لهلاك كل الفلسطينيين .. لأن الرب يهلك الفلسطينيين، أتى الصلع على غزة، أهلكت اشقلون، آه يا سيف الرب حتى متى لا تستريح؟ كيف يستريح والرب قد أوصاه على اشقلون؟ وعلى ساحل البحر هناك واعده". وبلسان حزقيال يقول الرب: "هاأنذا أمد يدي على الفلسطينيين .. وأجري عليهم نقمات عظيمة واقطع كبرياء الفلسطينيين". كما يقول بلسان صفنيا: "فتكون اشقلون للخراب، وعقرون تستأصل .. يا كنعان أرض الفلسطينيين إني أخربك بلا ساكن" (٢). نبوءة بشأن أدوم (الأردن) في عصرنا هذا، حارب اليهود أهل مصر ليأخذوا بثأرهم من فرعون، الذي كان يقتل أبناءهم، ويستحي نساءهم، ثم صرحوا، وهم يعقدون الصلح مع المصريين، بأنهم سوف ينصرفون عنهم من الآن إلى العراق، ليأخذوا بثأرهم من نبوخذ نصر،

стр. 337

الذي ضرب عليهم الذلة والمسكنة" (١). أما بالنسبة للأردن فقد قرر كهنة اليهود منذ القدم بأنهم سيأخذون بثأرهم من أرض بابل، وهي العراق ومن أرض أدوم ومؤاب وبني عمون، وهي الأردن. وانظر إلى قولهم في المزمور المائة والسابع والثلاثين: "اذكر يا رب لبني أدوم يوم أورشليم القائلين: هدوا .. هدوا حتى إلى أساسها. انه يقول: لما جاء نبوخذ نصر ملك بابل ليخرب أورشليم كان أهل أدوم ومؤاب شامتين في اليهود وفرحين بعذابهم". والمقصود بأدوم هم سكان الأردن، أو العرب بني إسماعيل ﵇؟ (٢). وهنا يغرق يهوه (الرب) بنهر من الحقد والضغينة على مؤاب وعمون، فيقول بلسان النبي اشعيا: "خربت مؤاب بنهر، وهلكت .. في كل رأس منها قرعة. كل لحية مجزوزة. في أزقتها يأتزون بمسح. وعلى سطوحها، وفي ساحاتها يولول كل واحد منهم سيالاً بالبكاء. وتكون بنات مؤاب كطائر تائه كفراخ منفرة، تولول بنات مؤاب على مؤاب كلها يولول ويداس مؤاب في مكانه، كما يداس التبن في ماء المزبله .. وصرح ارتفاع أسوارك يخفضه يضعه يلصقه الرب بالأرض إلى التراب". وعن ربة بني عمون (عمان الأردن الحالية) يقول الرب بلسان أرميا: "وتصير ربة بني عمون خراباً. وتحرق بناتها بالنار. اصرخن يا بنات ربة. وتنطق بمسوح اندبن وطوفن بين الجدران، لأن ملكهم، يذهب إلى السبي هو وكهنته ورؤساؤه معا. هاأنذا اجلب عليك خوفاً من جميع الذين حواليك وتطردون .. وليس من يجمع التائهين". وبلسان حزقيال يقول الرب: "هاأنذا أمد يدي عليك، واسلمك غنيمة للأمم. واستأصلك من الشعوب وأبيدك من الأرض". وبلسان عاموس، قال الرب: "أضرم ناراً على سور ربة فتأكل قصورها. ويفيض حقد يهوه (الرب) على مملكة أدوم كنهر لا تستوعبه ضفتاه". ويقول يهوه بلسان اشعيا: "هوذا على أدوم ينزل الرب .. للرب سيف قد امتلأ دماً .. إن للرب ذبيحة في بصرة، وذبحاً عظيماً في أرض أدوم .. إن

стр. 338

للرب يوم انتقام .. وتتحول انهار أدوم زفتاً وتربها كبريتاً، وتصير أرضها زفتاً مشتعلاً ليلاً ونهاراً، لا تنطفئ إلى الأبد، يصعد دخانه من دور إلى دور تخرب" (١). نبوءة بشأن الجزيرة العربية بالرغم من أن كثير من حكام العرب، كانوا ولا يزالون خدم للاستعمار والصهيونية، ومكنوا للأمريكان والبريطانيين من السيطرة علي أرض العرب، بداية من تآمرهم علي الخلافة الإسلامية، ومروراً بخيانة وتآمر بعضهم وتعاونهم الكامل مع أعداء الأمة، ومحاربة كافة المشاريع الوحدوية والنهضوية للأمة العربية، وأخيراً تآمرهم الواضح والفج على العراق الشقيق. بالرغم من كل ذلك لا يخفي البريطانيون والأمريكان والصهاينة كراهيتهم واحتقارهم لهؤلاء. فهذا (لورانس) عميل المخابرات البريطانية في الجزيرة العربية خلال الحرب العالمية الأولى، والذي لقبوه زورا وبهتانا لورنس العرب، يقول: "كم أتعبني هؤلاء العرب، أنهم تجسيد للساميين المنحطين، أن العقل العربي شاذ وغارق في الظلمة والكآبة والاعتزاز المفرط بالنفس، ويفتقر إلى قواعد المنطق". وعن دوره في قيادة الثوار العرب ضد العثمانيين، كتب يقول: "بما أنني لست مغفلاً فقد كان واضحاً منذ البداية انه في حال فوزنا بالحرب، فستصبح الوعود التي قطعناها للعرب، حبراً على ورق" (٢). وهذا ما حدث، حيث قلب الإنجليز ظهر المجن للعرب مرات عديدة، ولكن العرب لم يستوعبوا الدرس ولم يفهموا، إن وعد الإنكليزي مهما كان صادقا مضمونا ـ سوف يخلفه بمجرد أن يتعارض مع مصلحته، التي لا تعرف حدودا وأن أسلوب الحرب الإنكليزية لا يعرف معنى للرحمة أو للشرف أو للمواثيق أو للتردد .. ولقد حفظ الهنود ذلك الدرس غيباً، ولكن حين لا تنفع الدروس والعبر" (٣). ولكن هل يفهم العرب الدرس الآن بعد كل ما حدث معهم قديماً وحديثاً، والتي كان آخرها وعود حرب تدمير العراق، والتي جاءت تنفيذاً لنبوءات توراتية حاقدة، عملت إدارة بوش الأول والثاني على تنفيذها بحذافيرها على العراق كما وضحنا

стр. 339

وسنزيد الأمر إيضاحاً في بقية أجزاء هذا الكتاب. فمن المفارقات هنا، أن الهجمة الشرسة التي يتعرض لها العراق الشقيق قد تم تحديد جهتها بناء على نبوءة توراتية، حيث تنبأ بها أشعياء وحدد منطقة المهاجمين لبابل في يوم الرب، بأنها ستكون الجنوب (الكويت والسعودية) إذ يقول: "وحي من جهة برية البحر كزوابع في الجنوب. عاصفة. يأتي من البرية. من أرض مخوفة. وقد أعلنت لي رؤيا قاسيه" (١). أما الرؤية القاسية التي يعنيها اشعياء فهي خاصة بهؤلاء العرب الذين حددت مصيرهم التوراة بقولها: "ستبيتين في صحارى بلاد العرب يا قوافل الددانيين، فاحملوا يا أهل تيماء الماء للعطشان، واستقبلوا الهاربين بالخبز، لأنهم قد فروا من السيف المسلول، والقوس المتوتر، ومن وطيس، المعركة. لأنه هذا ما قاله لي الرب: في غضون سنة مماثلة لسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار، وتكون بقية الرماة، الأبطال من أبناء قيدار، قلة. لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم" (سفر اشعياء ٢١، ١٣ـ١٧). وفي جبل سعير يقول يهوه (الرب) هاأنذا عليك يا جبل سعير، اجعل مدنك خربة، وتكون أنت مقفرا واستأصل منك الذاهب والآيب، وأملا جبالك من قتلاك" (سفرحزقيال) (٢). وباختصار إن الضربات الحاقدة، التي قال أنبياء بني إسرائيل إن إلههم يهوه أنزلها، أو هو على وشك إنزالها بالأقوام والممالك التي عاش بنو إسرائيل في ظلها، أو احتكوا بها مثل ممالك مصر بابل أشور، صيدون، صور، دمشق .. وممالك الكنعانيين مثل أدوم بني عمون مؤاب حاصور .. ومدن الفلسطينيين مثل غزة اشقلون وعقرون هي كثيرة جداً، إلى درجة أن ضربات يهوه (الرب) شملت أمم الأرض بأسرها، كما يقول النبي أشعيا: "إن للرب يهوه سخطاً على كل الأمم، وحموا على كل جيشهم، قد حرمهم (دفعهم إلى الذبح) فقتلاهم تطرح، وجيفهم تصعد نتانتها، وتسيل الجبال بدمائهم"، والى حد أن قارئ التوراة يخلص إلى نتيجة مفادها، إن

стр. 340

تنبوءات أنبياء التوراة كانت أشبه بشلال لعن متدفق، لدرجة أن (اللعنة أكلت الأرض) كما يقول النبي اشعيا" (١). هذا ما تخبأه التوراة للعرب كافة، وهذا ما كشف عنه الصهاينة عبر مجلتهم كيفونيم .. دمار وقتل وتخريب وإذلال، وكأن امتنا أمة ميتة وجثه هامدة لا حراك فيها. لقد كذبوا وكذبت مجلتهم كيفونيم ... وكذب منجميهم وأحبارهم .. إننا قطعاً لسنا ذلك القلب الميت الذي تصورته صحافتهم في الثمانينات من هذا العصر ... إن ذلك القلب الميت قد هزم التتار ودحر الصليبين وحطم خط بارليف ... ونحن (الأمة العربية) ما زلنا مخزن الوقود في العالم رغم الاستنزاف الحاصل ... ونحن رمز لحضارة إيمانيه عريقة بين حضارات وثنيه وعلمانية، وماديه تملأ هذه الدنيا بضجيجها .. ونحن رأسمال عملاق (وإن كانت مودعاً في البنوك اليهودية) ولكننا نستطيع أن يكون لنا صندوق عربي للدفاع، لنصنع أمننا، ونبني دفاعاتنا، ونستطيع أن نكون تكتلًا عربياً له وزنه، وخطورته ... وقديماً قال، عنا أعظم الأنبياء: إننا خير أجناد الأرض .. وهي كلمة نبي قال عنه أعداؤه: إنه الأمين الذي لم يجرب عليه أحد انه كذب في شيء" (٢). التوراة وكيفية التعامل مع الآخرين لم ترسم التوراة اليهودية فقط الخطط والبرامج لكيفية التعامل مع دول المنطقة، بل وحددت كيفية التعامل مع شعوبها تنفيساً لأحقاد وضغائن قديمة جديدة. وقد تقصى الدكتور (أسعد زروق) موقف التلمود من العرب، فوجد أنه في بعض نواحيه، تعبير عن نفس الانعزالية المتعالية التي تميز بها اليهود. وقد جاء في سفر سوكاه (٥٢ب) أن الإله قد ندم على خلقه أربعة أشياء: المنفى، والكلدانيين، والإسماعيليين (أي العرب)، ونزعة الشر" (٣). فالعودة إلي النصوص التوراتية والتلمودية، تفضح الممارسات الصهيونية بحق الآخرين من البشر (الأجانب، أو الغرباء) حسب تعبيراتهم، وتبين أن ما تنفذه الدولة اليهودية الصهيونية، ما هو إلا

стр. 341

من وحي التعاليم التوراتية التلموذية. وهاكم مجموعة من الأمثلة والنماذج المستمدة من النصوص المذكورة مطبقة على الواقع الحي على الأرض، والناس" (١). جمعت قوانين الحرب في العهد القديم في سفر التثنية، وفيها بيان في كيفية الاستيلاء على المدن، وأسلوب التعامل مع أهل البلاد (٢)، وهي أصبحت مرجعاً وقانوناً ومصدراً لإلهام ووحي القادة الصهاينة، ومنها: "إذا تقدمت إلى مدينة لتقاتلها فادعها أولا إلى السلم، فإذا أجابتك وفتحت يكن جميع الشعب، الذي فيها تحت الجزية، ويتعبدون لك، وان لم تسالمك وحاربتك فحاصرتها، وأسلمها الرب إلهك إلى يدك فاضرب كل ذكر بحد السيف، وأما النساء والأطفال وذوات الأربع، وجميع ما في المدينة من غنيمة فاغتنمها لنفسك، وكل غنيمة أعداءك التي أعطاكها الرب إلهك" (٣). وفي هذا السفر نرى ملامح الذبح والسلخ الدائمين ونشم منه رائحة الشي والحرق، باعتبارها الإثارة المغرية للروح اليهودي في التعامل مع كل ما هو حي. وهي إثارة يحددها الادعاء الكبير للإله القومي، الذي ما هو في افضل الأحوال سوى شيطان أمرد. وهو اله لا يربي في الإنسان بعدا إنسانياً، بسبب خضوعه لنزوات عبدته. لذا نراه في سفر (التكوين) يحزن ويتأسف ويرغي ويزبد في رغبته لمحو الإنسان عن وجه الأرض" (٤). ويقول التلمود: "أنه مسموح لليهودي بقتل غير اليهودي دون معاقبة، وعليه ـ أيضا ـ ألا ينقذ غير اليهودي من خطر يهدد حياته مثل وقوعه في حفرة". ويفسر ذلك الحاخام الشهير (ميمانود) بقوله: "إن الشفقة ممنوعة لغير اليهودي، فإذا رأيته واقعاً في نهر ومهددا بخطر، فإنه محرم عليك أن تنقذه منه لأن السبعة الشعوب الذين كانوا في أرض كنعان، وكان مطلوب إبادتهم، ولكنهم لم يقتلوا عن آخرهم، وإنما

стр. 342

هرب بعضهم واختلط بباقي الشعوب والأمم، ولذلك فإنه يلزم قتل الأجنبي، إذ يحتمل أن يكون من نسل السبعة الشعوب، وبالتالي فعلى اليهود قتل من يتمكن من قتله، فإذا لم يفعل ذلك فانه يخالف الشريعة". ويرى الحاخام (ميمانود) ـ أيضاً: "إن وصية (لا تقتل): "هي خاصة فقط بمنع قتل اليهود" (١). ويوضح إسرائيل شاحاك في كتابه، الديانة اليهودية ذلك بقوله: "عندما تكون الضحية من الأغيارـ يختلف الوضع تماماً، فاليهودي الذي يقتل أحد الأغيار يكون مذنباً فقط بارتكاب معصية ضد شرائع السماء، وهي معصية غير قابله لعقوبة صادرة عن محكمه، أما التسبب غير المباشر، بقتل أحد الأغيار فهذا ليس بمعصية على الإطلاق، وعلى هذا النحو يشرح أحد أهم المعلقين على شرائع التلمود (شولحان عاروخ) ذلك بقوله: "على المرء ألا يرفع يده لإيذاء الغريب، ولكنه يستطيع أن يؤذيه بطريقة غير مباشرة، كأن يزيل السلم بعد إن يكون الشخص المعين قد سقط في هوة إذ لا يوجد خطر هنا، لأن الأذى لم يرتكب بصورة مباشرة". ويشرح (موسى بن ميمون) المبدأ الأساسي التلمودي بوجوب الامتناع عن إنقاذ حياة الغرباء (من غير اليهود) فهناك حكمة تلموديه تقول: "لا تدفع الأغيار إلى البئر فهذا محرم، ولا تنقذ أحدا منهم، إذا ما وقع فيه، لأنه محرم أيضاً .. وهناك عشرات من الأمثلة التلموديه التي قام بفضحها الأب (آ، ب برانايتس) في كتابه فضح التلمود الصادر عن دار النفائس ومن إعداد زهدي الفاتح" (٢). وهكذا فإن ذهنية الإباده هذه التي حواها التلمود، تتجلى في التربية الاستئصاليه تجاه الأغيار، وتظهر بوضوح في العديد من النصوص التوراتيه مثل: "هو ذا شعب كلبوءة يقوم، وكشبل ينهض، لا يربض حتى يأكل الفريسة، ويشرب دم الصرعى". فعبارات القتل والإفناء والاستئصال تتكرر في الأسفار التوراتيه عند كل حديث أو احتلال لمدينة وقرية وبلدة، وتعدد التوراة عدد الملوك الذين قتلهم (يشوع) وأفني شعوبهم، فيقول: "جميع الملوك واحد وثلاثون" (سفر يوشع).

стр. 343

وليس غريباً بعد كل ما تقدم أن يعمد الصهاينة إلى التذكير الدائم بهذه الأساطير باعتبارها وقائع تاريخية، وبطولات يجب تمثلها وإعادة إنتاجها، حيث يتبين لنا أن محتويات التوراة هي المخزون الحقيقي للإرهاب والعنف، وفي هذا النص تجليات ذهنية الإبادة والعدوان والتوسع: "بقيت ارض للامتلاك كثيرة جداً كل بقاع الفلسطينيين وكل أرض الكنعانيين إلى تخوم الأموريين وأرض الجبليين وجميع لبنان جهة مشرق الشمس، من بعل جاد حتى جبل حرمون إلى مدخل حماه، كل سكان الجبل من لبنان إلى مياه مسروفوت كل الصيدونيين، سأطردهم من وجه بني إسرائيل وكل جبل حرمون وكل باشان ـ الجولان إلى سلكة" (١). وفي سفر يوشع ذلك السفاح الذي جاء غازياً لأرض فلسطين، والذي ارتكب من المجازر والمذابح الفظيعة ضد سكان فلسطين، نجده يكشف عن أحقاده ودمويته ليبرر جرائمه فيقول على لسان اله الدمار (يهوه): "تجازى السامرة لأنها تمردت على إلهها. بالسيف يسقطون تحطم أطفالهم والحوامل تشق" (٢). فالذي يضحك ويبكى هو أن إله الدمار المزعوم عند يشوع ومن إليه من مصاصي الدماء .. قد أطلق العنان لعدوانيته ونيران حقده دفعه واحدة (٣). وليس يوشع فقط، بل كافة أسفار التوراة تكشف عن حقدها الدفين ودمويتها، وترسم الطريق لأعداء البشرية حول كيفية التعامل مع الشعوب: "والآن اذهب واضرب عماليق، وحرموا كل ما له، ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة وطفلاً ورضيعاً. بقراً وغنماً. جملاً وحماراً (سفر استر: ١٠ـ٣). "فأرسل جدعون رسلاً إلى كل جبل أفرايم قائلاً انزلوا للقاء المديانيين، وخذوا منهم المياه إلى بيت بارة والأردن، فاجتمع كل رجال أفرايم واخذوا المياه إلى بيت بارة والأردن" (سفر القضاة ٧:٢٤ـ٢٥) .. "وأما امصيا فتشدد واقتاد شعبه وذهب إلى وادي الملح وضرب من ساعير عشرة آلاف. وعشرة آلاف أحياء سباهم بنو يهوذا، وأتوا بهم إلى رأس سالع وطرحوهم عن رأس سالع فتكسروا أجمعون" (سفر الايام ٢٥:١١ـ١٢).

стр. 344

هذه هي طريقة التعامل مع الآخرين التي رسمتها التوراة ... من تكسير العظام، وقتل الأطفال وشق النساء، وسرقة المياه ... إلى إنزال الدمار بأرض اللبن والعسل، حتى أنهم لم يتورعوا عن إبادة الحيوانات، مدعين أن كل ذلك هو إرضاء للإله يهوى وبأمر منه؟!! أو ليس ما يحدث على أرض الواقع يوضح لنا بجلاء عن التطابق الكامل بين ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية وبين ما جاء في التوراة، بل لا نبالغ إذا قلنا إن ما يحدث علي الأرض ما هو إلا تطبيق حرفي للوصايا التوراتية الإجرامية، حتى الأوصاف التي يطلقها الصهاينة على أعدائهم مستمدة من التوراة في أدق تفاصيلها. وعلى سبيل المثال لا الحصر جاء في سفر صموئيل: "فخرج المخربون من محلة الفلسطينيين في ثلاثة فرق" (سفر صموئيل ١٣ـ١٧) .. والمعلوم أن الحكومة ووسائل الإعلام الإسرائيلية تستخدم عبارة مخربيين لوصف رجال المقاومة الفلسطينيين، هذا في حين يطلق على مجرمي الحرب أمثال الإرهابي شارون وغيره من رؤساء الوزراء عبارة (داوود ملك إسرائيل) على اعتبار أن مملكة داوود هي أسمى ما وصلت إليه دولتهم. إسرائيل وشارون ونادي القتلة إن الأحزاب كلها من حزب العمل إلى حزب ليكود تعتمد التوراة مرجعاً لتأسيس سياسة تقول: ان فلسطين ملك الصهاينه بموجب صك من الله ... وهذه القراءة الاصطفائية تخلع طابعاً من الامتياز والأفضلية على أكثر نصوص التوراة شراسه كي تبرر المظالم وألوان الاغتصاب الراهنة ... وبهذه القراءة تبدو تلك النصوص بما فيها من سلب ونهب وابادة للسكان الأصليين من الكنعانيين، وكأنها شرط للإبقاء على العهد مع يهوه. جاء في سفر العدد: "وكلم الرب موسى قائلاً: قل لبني اسرائيل إنكم عابرون الأردن إالى ارض كنعان، فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم .. وإن لم تطردوا سكان الارض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكاً في أعينكم ومناخس في جنوبكم ويضايقونكم على الارض التي انتم ساكنون فيها فيكون أنى افعل بكم كما هممت أن افعل بهم".

стр. 345

وهكذا نقرأ في سفر العدد تصوراً سابقاً بل تبشيراً بما يمارسه الصهاينة اليوم تجاه الفلسطينيين من شارون إلى الحاخام مائير كاهانا. أما سفر الاشتراع (التثنية) فلا ينص على اغتصاب الارض وطرد السكان الاصليين فحسب، وانما يطالب بذبحهم. يقول هذا السفر: "عندما يوصلك الرب إلهك إلى ارض كنعان .. ويطرد من أمامك كافة الأمم .. ستوقع عليهم الحرمان وتبيدهم". أما سفر يوشع، سفر المذابح، فهو من النصوص الكلاسيكية المقررة في مدارس اسرائيل، أضف إلى ذلك أنه يستخدم للإعداد النفسي للجنود الأغرار في الجيش" (١). ففي إسرائيل، فإن الإرهابيين الأشد تعطشاً للدماء والأكثر تطرفاً والأعظم وحشية هم دائماً من يرفعون إلى أعلى عليين في القيادة العليا، ولهذا ليس من المستغرب أن أفظع الجرائم تمت علي أيدي مجرمين ومصاصي دماء، احتلوا قمة الهرم القيادي في إسرائيل، ابتداء من (بن جريون) (وبيغن) وانتهاء بالإرهابي شارون الذي فاق الجميع في إرهابه وجرائمه. فالموضة الآن هي الإشادة بالتطرف، وتمجيد القتلة، وتقديس العنف في التعامل مع العرب، والنظر إلى عمليات نهب الأرض والاستيطان، على إنها مجرد عمليات تصحيح أوضاع لا أكثر (٢). وربما لذلك وصف الرئيس بوش المجرم شارون بأنه رجل سلام. "فشارون بالنسبة لبعض المتطرفين المسيحيين ذوي مذهب (الإعفائية) هو الرجل الذي (اختاره الرب لإنجاز تكهنات نهاية العالم). وهم يرجعون إلى مسيرته، فهو عرف السلطة، ومن ثم زال نفوذه وثقته لدوره في مجازر صبرا وشاتيلا، ويستندون إلى ما جاء في الكتاب المقدس: (الرجل العادل سقط سبع مرات ثم نهض) " (٣). وبمناسبة مرور عام على أحداث ١١ سبتمبر كتب المحلل السياسي (ديفيد ديوك) مقالاً خصص جزء كبير منه للحديث عن جرائم شارون ضد الشعب الفلسطيني، وكأنه أراد أن يعقد مقارنه بين ما يسمونه إرهاباً إسلامياً غير مثبت، وإرهاب رسمي يتفاخر به فاعلوه، فقال: "أود اليوم رسم تاريخ موجز لخمسين سنة

стр. 346

من الجرائم الشارونية ضد الإنسانية، بدءاً بمذبحة قبية، ومروراً بغزو لبنان، ومذابح صبرا وشاتيلا، إلى المجازر الجماعية للرجال والنساء والأطفال في مخيم جنين. ولتبيان جانب من جوانب هذه الوحشية التي لا يمكن تصورها، والتي انطوى عليها إرهابي الإرهابيين (شارون) سوف اقتبس مباشرة من مقابلة حاور شارون فيها الصحفي الإسرائيلي (عاموس عوز) سنة ١٩٨٢م إبان غزو لبنان. يقول شارون: "حتى لو بدا لي ببراهين الرياضة البحتة أن الحرب الدائرة في لبنان حالياً هي حرب قذرة لا أخلاقية، فلست أبالي .. بل فوق ذلك، لو أنك تبرهن لي أننا لن نستطيع خلق نظام صديق موال لنا في لبنان، ولن ندمر السوريين، أو حتى منظمة التحرير الفلسطينية، فحتى عندها لن أبالي، لقد كان الأمر يستحق خوض تلك الحرب. وحتى لو تم قصف الجليل بصواريخ الكاتيوشا في غضون عام، فلا يهمني ذلك في الحقيقة، فلسوف نشن حرباً أخرى، ونقتل وندمر المزيد والمزيد حتى ينالهم منا ما يقولون معه كفى كفى حسبنا ما لقينا. لئن حاول أي شخص أن يمسنا بسوء، فإن رجال الشر يمزقونه إرباً .. فهم يصطادون ويمسكون بأي شيء يودون التهامه ويثير شهيتهم، بل أنهم لا يعانون من عسر الهضم، كما أن السماء لا تعاقبهم ... وربما سيبدأ العالم عندها يخافني أخيراً بدل أن يشعر بالآسي والشفقة نحوى. بل لعل رعدة الذعر منى تبدأ بالسريان في أوصالهم فيرتجفون من جنوني، عوضاً عن الإعجاب بنبلي وكرم أخلاقي حمداً لله على هذا". ويضيف شارون: "دع أسنانهم تصطك من الرعب فيهابوننا ويرتجفون، ثم لينعتوننا بالدولة المجنونة. ودعهم يفهمون أننا بلد وحشي، ضار، ومتهور، يهدد بالخطر من حوله، وأننا لسنا بلداً عادياً وانه يمكن أن يجن جنوننا إذا قتل من أطفالنا، مجرد طفل واحد قد يخرجنا عن طورنا، فنحرق الأخضر واليابس ونضرم النار في كل حقول النفط في الشرق الأوسط، لقد أحطتهم في واشنطن وموسكو ودمشق والصين علماً، بأنه إذا أطلقت النار على أي من سفرائنا أو حتى قناصلنا، أو أصغر موظفي سفاراتنا فلن نتورع عن إشعال فتيل الحرب العالمية الثالثة، هكذا وبكل بساطة.

стр. 347

وحتى في الآونة الراهنة فإنني على استعداد لأتطوع للقيام بالمهمة القذرة من أجل إسرائيل، وان اقتل من العرب بقدر ما هو ضروري لنا، وان ارحل واطرد واحرق منهم جموعاً غفيره لدرجة تجعل كل إنسان يكرهنا. وان اسحب البساط من تحت أقدام يهود الشتات، بحيث نضطرهم للهرولة إلينا، وهم يبكون .. وحتى لو استدعى الأمر نسف أو تفجير كنيس أو كنيسين من دور عبادتنا هنا أو هناك، فلست أبالي .. ولا يضيرني بعد أن أنجز المهمة أن يقدموني للمحاكمة أمام محكمة (نورمبيرج) وليسجنوني عندها مدى الحياة، بل اشنقوني إن أردتم بصفتي مجرم حرب فالأمر الذي لا تدركونه معشر القوم، هو أن عمل الصهيونية القذر لم ينجز بعد، وما يزال أمامنا شوط بعيد نقطعه لإنجاز المهمة" (١). ويعلق ديفيد ديوك على ذلك بقوله: "تفوه شارون بهذه التصريحات عام ١٩٨٢م وها هو اليوم يحاول إنجاز مهمة الصهيونية القذرة، لاحظوا الموقف الذي يعبر عنه (شارون) في ذلك اللقاء، فهو يبارك إبادة الجنس البشرى، ويهدد بإيقاد نار الحرب العالمية الثالثة. قلبه أقسى من الحجر، وينضح باحتقار كل من هو خارج دائرة الشعب اليهودي، كما عليكم أن تلاحظوا أيضاً أنه لا يبالى بموت بعض اليهود، في الطريق لتحقيق مآربه ولا يأبه بتصاعد مد الكراهية لليهود في العالم. وهذا هو في الحقيقة ما يريده بالضبط، بحيث يتمكن من حملهم أما على مضاعفة دعمهم لـ إسرائيل دعماً كاملاً أو الهجرة إليها" (٢). هذه التصريحات التي أدلى بها شارون، تكشف بجلاء عن الأثر التوراتي الواضح على العقلية اليهودية المريضة، والحاقدة على الجنس البشري، وعلى العرب والفلسطينيين بشكل خاص. وهنا نتساءل لماذا صب العهد القديم زحام لعنته على مجتمعات هذه الأرض، من مصر، إلى أشور، مرورا بالفلسطينيين، والكنعانيين، والمؤابيين، والعمونيين، والآراميين، والبابليين وهل لفق لهم تهمة استعباد جماعته ـ بني إسرائيل ـ كما فعل مع المصريين؟. الواقع أن مجتمعات هذه الأرض التي

стр. 348

أغرقها يهوه (الرب) بطوفان من حقده الغشوم، أعطت في تعاملها مع جماعة بني إسرائيل المغتربين في أراضيها مثلاً رائعاً في المحبة والرحمة، والحنو الصادق وحسن المعاملة (١). ولكن الصهيونية كحركة سياسيه عدوانية، تخطط للهيمنة والسيادة، وتضمر الحقد لكل ما هو عربي وإسلامي، وتحمل لنا ثأراً قديماً، يعكسه هذا الكم من الغل والحقد، الذي يعشش في قلوب هذه العصابة، ويجمعها على التآمر والتخريب والقتل طوال هذه الألوف المؤلفة من السنين دون أن يطفئ سيال الدم هذا الغل .. لقد طردوا شعباً، ونهبوا أرضه، واستوطنوا مدنه وقراه، وقتلوا شيوخه وأطفاله، ولم يكفهم كل ما فعلوا" (٢). فإسرائيل تقتل وتخرب وتفسد كل يوم تمهيداً للخاتمة، التي تحبك خيوطها. وهي تطحن تحت أضراسها ثأراً تاريخياً لا يهدأ، ولا ينطفئ له نار، ولا يخبو له أوار، وهي لا تريدنا إلا سباياً ولاجئين مطرودين بالأبواب، ومتسولين عبيد لقمة، كما عاشت أيام السبي البابلي، وكما طوردت فلولها أيام النازيه" (٣).

стр. 349

الفصل السادس النظام الدولي الجديد ووعود حرب الخليج يتساءل البعض عن الذي حدث للولايات المتحدة، التي أصدرت الإنذار الشهير في عهد الرئيس الأميركي الأسبق (دوايت أيزنهاور) لأطراف العدوان الثلاثي على مصر سنة ١٩٥٦م بالتوقف عن عدوانهم, حتى تصل إلى عهد الرئيس الحالي (جورج بوش)، الذي يكتب خطابات موجهة للشرق الأوسط، يغتبط بها اليمين الإسرائيلي، لأنها صيغت كما يشاء ويهوى؟. كيف حدث التردي الأميركي في الموقف الشرق أوسطي، ليصل إلى مرحلة يقول فيها بوش الابن عن رئيس الوزراء الإسرائيلي (أرييل شارون) "إنني أتعلم من هذا الرجل كلما جاء وزارنا في واشنطن", وذلك أثناء الترحيب بشارون خلال زيارته السادسة إلى البيت الأبيض في يونيو/ حزيران ٢٠٠٢م؟. ما الخطأ الذي وقع، بين لحظة أيزنهاور تلك, ولحظة بوش المتتلمذ على يد شارون سنة ٢٠٠٢م؟ ما الذي حدث حتى تدهورت السياسة الأميركية في المنطقة .. إلى حالة (الأسرلة) التامة؟. فالولايات المتحدة التي وافقت بل وصممت قراري مجلس الأمن ٢٤٢ و ٣٣٨، واللذين يتعاملان مع الضفة الغربية وقطاع غزة كأراض محتلة, هي نفسها التي ـ حسب وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد ـ ترى أن احتلال تلك الأراضي هو غنيمة حرب عادية, ومن المفهوم أن يحتفظ المنتصر بالجائزة بعد الحرب. الولايات المتحدة التي رفضت اعتبار القدس عاصمة إسرائيل باعتبارها أرضا محتلة أيضاً، وهي موضع صراع عاصف بين الطرفين, هي نفسها التي تشتري أرضاً (مسروقة أصلاً من الفلسطينيين)، لتقيم عليها سفارتها, تبعاً لقرارات الكونغرس في منتصف التسعينيات بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. الولايات المتحدة التي كانت تنتقد المستوطنات باعتبارها عقبة أمام السلام, أصبحت تتراخى في نظرتها تلك, وتتراجع في نقدها، وتقول: إن سياستها هي قبول ما يتفق عليه الطرفان. وهي تعلم أنه ليس ثمة توازن قوة عند الطرفين، وتعلم أنه بتخليها عن الضغط والنقد، فإنما هي تقر للقوة الطاغية فرض ما تريد. الولايات المتحدة التي علقت

стр. 350

مؤقتاً في سبتمبر ١٩٥٣ م مساعداتها لإسرائيل، لأنها انتهكت القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن فيما يتعلق بمياه نهر الأردن, هي نفسها التي تسخف القانون الدولي والأمم المتحدة برمتها، ليس فقط حيال فلسطين, بل حيال العالم كله (١). الوسيط المخادع إن الجواب على كل ما سبق هو ما قمنا بتوضيحه في صفحات هذا الكتاب، حيث بدأ العرب مؤخراً يدركون، أن هذا (الوسيط النزيه)، وهو ما تهوى الإدارات الأميركية المتعاقبة ـ بما فيها إدارة بوش الراهنة ـ نعت نفسها به في سياق تعاملها مع أطراف الصراع العربي الإسرائيلي، لم يكن سوى وسيط مخادع بامتياز, خلال مسيرة تدخل أميركي في الشرق الأوسط، امتدت حتى ولادة ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، حيث تحول هذا الوسيط النزيه أو المخادع، إلى وسيط متآمر وغادر .. بل وطرف في النزاع بعد انفراده بقيادة النظام الدولي وعدم حاجته لإخفاء الأسباب الحقيقية لمواقفه الغادره تجاه القضايا العربية. وهنا يجب أن نؤكد "أن الغدر وعدم الوفاء بالوعود، عادة أمريكية أصيلة، منذ الهنود الحمر وحتى الآن، ولهذا لم ولن يجنى العرب إلا الحصرم من ارتمائهم في الحضن الأمريكي، لأن التماس الأمان في حضن أمريكا بلاهة .. فحضن الأفاعي أكثر أمناً من هذا الحضن الغادر" (٢). وعود حرب الخليج http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٣/٧/ - TOP كلنا عايش أحداث حرب الخليج الثانية، والتصريحات والوعود التي أطلقتها الإدارة الأمريكية وأعوانها، من الزعماء والساسة العرب، عن ولادة نظام عالمي جديد، سيتمكن من خلاله العرب والفلسطينيين بالذات، من الحصول على حقوقهم كاملة، حيث جاءت هذه التصريحات والوعود، رداً على مبادرة الرئيس العراقي الراحل (صدام حسين)، الذي طالب بحل القضية الفلسطينية مقابل انسحابه من الكويت. وقد استهجنت أمريكيا وبعض الدول العربية، هذا الطرح من الرئيس العراقي، على اعتبار أنه لا توجد صلة بين المشكلتين، هذا بالرغم من إدراك الذين عارضوا هذه المبادرة،

стр. 351

إن الهدف منها كان تعرية الموقف الأمريكي الذي يكيل بمكيالين، والذي عمل على تطبيق قرارات ما يسمى بالشرعية الدولية بحذافيرها على العراق، في حين أن هناك أكوام من القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، مكدسة في أقبية الأمم المتحدة، والتي عملت أمريكيا بالذات على عدم تنفيذها. وإزاء هذا الموقف المحرج، الذي تعرضت له السياسة الأمريكية، والذي أظهر بوضوح ازدواجيتها وكيلها بمكيالين، وجد ـ حتى الذين رفضوا المبادرة العراقية وأيدوا الموقف الأمريكي ـ أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه. فكان لابد من تبرير هذه السياسة الفجة التي اتبعتها أمريكيا في حرب الخليج، والتي لم تترك أي مجال للتفاوض وحل المشكلة بالطرق السلمية. وهنا نشطت الدعاية الأمريكية وعملائها وأذنابها في المنطقة العربية، من كتاب وصحفيين وساسة، والذين برهنوا عن انتهازية لم يعرف التاريخ مثيلاً لها، وأخذوا ينظرون ويبررون، ويفلسفون الموقف الأمريكي، الذي جاء حسب تحليلاتهم الخائبة نتيجة لانهيار نظام القطبين، وبزوغ فجر النظام العالمي الجديد. ولم ينسَ هؤلاء من تقديم تحليلاتهم الخائبة عن هذا النظام الدولي الجديد. فقالوا إن إسرائيل ستفقد في ظله قيمتها الإستراتيجية، التي كانت لها قبل انتهاء الحرب الباردة، وبالتالي فإن أمريكيا ـ حسب زعمهم ـ ستعمل جاهدة على حل الصراع العربي الإسرائيلي وفق قرارات الشرعية الدولية، وستمارس ضغوطها من أجل حصول الفلسطينيين على حقوقهم كاملة. وقد كان بعض هؤلاء المحللين، متفائلاً أكثر من اللازم، حين طرح إمكانية استخدام أمريكيا للقوة العسكرية، لتطبيق قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي، مثلما فعلت مع العراق الشقيق!! وقد انطلت هذه الكذبة على كثير من الدول والشعوب العربية، وبالذات التي وقفت موقفاً مؤيداً لأمريكا، حيث تمكنت أمريكيا من تنفيذ مخططها بضرب القوة العسكرية العراقية، ليس من أجل الكويت، أو من أجل تطبيق قرارات الشرعية الدولية، بل من أجل حماية مشروعها الصليبي في المنطقة العربية، والمتمثل في إسرائيل، والذي شعرت أنه بات مهدداً من القوة العراقية الضخمة والمتطورة.

стр. 352

النظام الدولي الجديد عزز الانحياز الأمريكي لإسرائيل شكلت حرب الخليج الأولى فرصة ذهبية لأمريكا لصياغة نظام دولي جديد، يتفق مع استراتيجيتها الكونية التي تشكل إسرائيل حجر الزاوية بها، حيث ساهم انهيار المعسكر الشرقي، وهزيمة العراق وطرده من الكويت، في تعزيز وزيادة حجم الانحياز الأمريكي لإسرائيل، وليس العكس كما روج لذلك، غالبية محللينا السياسيين. ونوضح ذلك فنقول: إننا لو تأملنا السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية، في ظل نظام القطبين، فإننا سنجد أنها كانت تهدف إلى تحقيق هدفين رئيسين: الأول: حماية المصالح الأمريكية الكبيرة في المنطقة العربية، وبالذات المصالح النفطية. الثاني: تقديم كافة أنواع الدعم الممكن لإسرائيل. ولكن وجود المعسكر الشرقي وعلى رأسه الإتحاد السوفيتي، وظهور الأنظمة العربية الثورية على الساحة في ذلك الوقت، كان يجعل من تحقيق هذين الهدفين معاً، أمراً صعباً. فالمصالح الأمريكية في المنطقة العربية كان يمكن الحفاظ عليها بسهولة، في ظل غياب الانحياز الأمريكي لإسرائيل، والعكس صحيح. وقد كانت الإدارات الأمريكية المختلفة تدرك ذلك، وكانت تدرك أيضاً أن انحيازها لإسرائيل سيهدد مصالحها الحيوية في المنطقة العربية (١)، وسيثير المشاعر العربية المعادية لها، وسيدفع كثير من الدول العربية إلى تعزيز علاقاتها بالمعسكر الشرقي، وهذا ما لا تريده أمريكيا. إذاً كيف استطاعت أمريكيا التعامل مع هذه المعضلة الصعبة، أي الحفاظ على مصالحها الحيوية في المنطقة العربية، وتقديم كافة أنواع الدعم الممكن لإسرائيل، من غير أن يؤدى ذلك إلى تعاظم الدور السوفيتي، والمد الثوري القومي في المنطقة العربية؟. والإجابة على ذلك هو أن السياسة الأمريكية، اتبعت أسلوبين يكمل كلاً منهما الآخر لحل هذه المعضلة:

стр. 353

فمن ناحية، عمدت السياسة الأمريكية إلى تخويف الدول العربية التقليدية من الخطر الشيوعي الزاحف عليها من الخارج، ومن الخطر الثوري القومي الزاحف عليها من الداخل، وذلك من أجل دفع هذه الدول إلى الارتماء في الأحضان الأمريكية، باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على حمايتها من هذين الخطرين. ومن الناحية الأخرى، لجأت أمريكيا إلى تبرير سياستها المنحازة لإسرائيل، بعوامل متغيرة، بعيدة كل البعد عن العامل الحقيقي ـ الثابت الديني ـ كالقول بأن سبب هذا التحيز يعود إلى ظروف الحرب الباردة، واللوبي الصهيوني، وغيرها من العوامل المتغيرة الأخرى، وكل ذلك من أجل إبقاء آمال الدول العربية معلقة بإمكانية حدوث تغيير في الموقف الأمريكي، تبعاً للتغيرات الدولية. وقد نجحت أمريكيا في تمرير سياستها تلك على الدول العربية. فالدول التقليدية التي كانت تخشى على سلطانها من التطلعات السوفيتية، للوصول إلى المياه الدافئة، ومن التطلعات العربية القومية الرامية إلى تحقيق الوحدة العربية، لم تجد أمامها إلا الارتماء في الأحضان الأمريكية، لحمايتها من هذه التطلعات. لهذا قامت هذه الدول بتعزيز علاقاتها مع أمريكيا، على حساب موقفها المعلن من القضية الفلسطينية. وانطلاقا من موقفها الضعيف هذا، لم يكن بمقدورها تهديد المصالح النفطية الأمريكية، كرد فعل على الانحياز الأمريكي لإسرائيل (١)، وكل ما كان بوسعها عمله هو انتظار اللحظة التي سيتغير فيها الموقف الأمريكي تبعاً للتغيرات الدولية. أما الدول العربية الثورية، التي تبنت الدور القيادي لمواجهة إسرائيل، فإنها انطلاقاً من فهمها الخاطئ لطبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، سعت إلى تعزيز علاقاتها بدول المعسكر الشرقي، أملاً في إحداث التوازن الكافي للضغط على الموقف الأمريكي المنحاز لإسرائيل. ولكن تجارب الهزائم العربية المتكررة أمام إسرائيل من ناحية، وانخفاض التأثير السوفيتي على الساحة الدولية، من ناحية أخرى، أدى إلى انقسام هذه الدول إلى تيارين مختلفين:

стр. 354

الأول: بحث عن خلاصه الفردي، فأحدث شرخاً كبيراً في صفوف الدول العربية الثورية، وذلك عندما قام بتعزيز علاقاته مع أمريكيا، أملاً في استرجاع أراضيه المحتلة، كما فعل السادات في اتفاقيات كامب ديفيد، والذي كان يقول دائماً أن ٩٩% من أوراق اللعبة في يد أمريكيا. أما التيار الثاني: فإنه ظل متمسكاً بموقفه الثابت تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، وسعى إلى تعزيز هذا الموقف بعد زيارة السادات للقدس، من خلال مجموعة دول الصمود والتصدي، ولكن هذا التيار لم يصمد طويلاً لأسباب كثيرة، يعود بعضها إلى خلافات بين الدول المكونة لهذه المجموعة، ويعود بعضها الآخر إلى التحديات الكبيرة التي خلقتها أمريكيا وأعوانها أمام دول هذا التيار من أجل تعجيزه وإفشاله، والتي كان آخرها، حرب الخليج الثانية، التي وجهت الضربة القاضية لهذا التيار وللنظام العربي كله. وبانهيار المعسكر الشرقي والنظام العربي بعد حرب الخليج الثانية، تحررت أمريكيا من كافة القيود التي كانت تحد من تحركها في ظل نظام القطبين، وأصبحت يدها الآن مطلقة، للتصرف كيفما تشاء تجاه الصراع العربي الإسرائيلي. فالمؤتمر الدولي للسلام الذي كانت أمريكيا ترفض انعقاده في ظل نظام القطبين، خوفاً من أن يأتي مخالفاً لشروطها، سارعت إلى عقده تحت مسمى جديد، هو مؤتمر مدريد للسلام، لتفرض من خلاله على الدول العربية سلامها الأمريكي بعيداً عن أي تأثيرات خارجية من الإتحاد السوفيتي أو المجموعة الأوربية، وحتى الأمم المتحدة. والدول العربية التي لم تستطع أمريكيا، في ظل نظام القطبين، جرها إلى مفاوضات سلام مع إسرائيل، ها هي الآن تجلس جميعها مع إسرائيل على مائدة المفاوضات المتعددة الأطراف والثنائية، ملبية لكافة الشروط والمطالب الأمريكية ـ الإسرائيلية. أما الدول العربية التي لم توافق على عملية السلام، في ظل الرعاية الأمريكية المنفردة لها، فإنها وجدت نفسها معزولة ومحاصرة، إما بقرارات مجلس الأمن الأمريكي، وبإجماع دولي، بتهمة احتضان الإرهاب الدولي وانتهاك حقوق الإنسان، وإما بحملات إعلامية عدائية، ومشاكل حدودية مفتعلة مع جيرانها، لتكون في أية لحظة ذريعة لتدخل عسكري أو حصار اقتصادي، سيباركه مجلس الأمن

стр. 355

الأمريكي، ولو بدعوى التسبب في تلوث البيئة وثقب الأوزون! وما حدث ويحدث في العراق والسودان وفلسطين ولبنان خير دليل على ذلك. ومن خلال ما تقدم يتضح لنا ان الموقف الأمريكي ما بين ايزنهاور وبوش، لم يتغير أو يتبدل، بل ان الظروف الدولية هي التى فرضت هذا التلاعب وتغيير المواقف، بسبب الانتقال من نظام القطبين والحرب الباردة إلى نظام القطب الاوحد، والنظام الدولي الجديد. وبالتالى فإن الوسيط الأمريكي الذي نصفه بالمخادع، لم يكن مخادعاً ابداً ولكننا نحن كعرب، مسئولين ومثقفين لم نستطع قراءة حقيقة الموقف الأمريكي تجاه الصراع العربي الاسرائيلي بشكل صحيح، ولهذا لم نتمكن في ايه لحظه من معرفة توجهات هذه السياسه، واستراتيجياتها، وبقينا نتصرف ونفسر الاحداث باثر رجعي وبعد فوات الاوان. الدعوة لانعقاد مؤتمر السلام بعد انتهاء حرب الخليج وتدمير القوة العراقية، سارعت أمريكيا إلى الدعوة إلى انعقاد مؤتمر السلام بمدريد، ليس من أجل الوفاء بوعدها الذي قطعتها على نفسها أثناء حرب الخليج، أو لحفظ ماء الوجه لمن هللوا ونظروا وأيدوا موقفها تجاه العراق، بل لاستغلال حالة الضعف والتشتت العربية، التي نشأت جراء هذه الحرب، لفرض حل للصراع العربي الإسرائيلي وفق تصورها. وفعلاً فقد انعقد المؤتمر بحضور رمزي للاتحاد السوفيتي والمجموعة الأوربية، وبدأت المفاوضات العربية الإسرائيلية في حينها، واستمرت أكثر من عام من غير إحراز أي تقدم يذكر، ولم تقم أمريكيا باستخدام القوة، أو حتى ممارسة أي ضغط على إسرائيل، لإرغامها على تطبيق قرارات ما يسمى بالشرعية الدولية، بل العكس هو الذي حدث، حيث قدمت الدول العربية كثير من التنازلات، في الوقت الذي لم تقدم فيه إسرائيل أي تنازل يذكر، بل استمرت في موقفها المتعنت وبدعم كامل من أمريكيا، التي عملت بطريقتها الخاصة على تفتيت موقف المفاوض العربي. وأصبحت الحكومات ومنظمات المقاومة التي كانت تتغنى يومياً بشعارات المواجهة والمقاومة، تتبرأ كل يوم من نية الحرب، وحتى من نية الاستعداد لأي مواجهة .. وتخشى أن تجتمع حتى لا يفهم اجتماعها بأنه إعداد لشيء، وراياتها البيضاء مرفوعة طول الوقت وأياديها ممدودة للمصالحة. وهي تصرخ بأكثر من هذا
следующие страницы →