إن الهدف منها كان تعرية الموقف الأمريكي الذي يكيل بمكيالين، والذي عمل على تطبيق قرارات ما يسمى بالشرعية الدولية بحذافيرها على العراق، في حين أن هناك أكوام من القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، مكدسة في أقبية الأمم المتحدة، والتي عملت أمريكيا بالذات على عدم تنفيذها. وإزاء هذا الموقف المحرج، الذي تعرضت له السياسة الأمريكية، والذي أظهر بوضوح ازدواجيتها وكيلها بمكيالين، وجد ـ حتى الذين رفضوا المبادرة العراقية وأيدوا الموقف الأمريكي ـ أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه. فكان لابد من تبرير هذه السياسة الفجة التي اتبعتها أمريكيا في حرب الخليج، والتي لم تترك أي مجال للتفاوض وحل المشكلة بالطرق السلمية.
وهنا نشطت الدعاية الأمريكية وعملائها وأذنابها في المنطقة العربية، من كتاب وصحفيين وساسة، والذين برهنوا عن انتهازية لم يعرف التاريخ مثيلاً لها، وأخذوا ينظرون ويبررون، ويفلسفون الموقف الأمريكي، الذي جاء حسب تحليلاتهم الخائبة نتيجة لانهيار نظام القطبين، وبزوغ فجر النظام العالمي الجديد. ولم ينسَ هؤلاء من تقديم تحليلاتهم الخائبة عن هذا النظام الدولي الجديد. فقالوا إن إسرائيل ستفقد في ظله قيمتها الإستراتيجية، التي كانت لها قبل انتهاء الحرب الباردة، وبالتالي فإن أمريكيا ـ حسب زعمهم ـ ستعمل جاهدة على حل الصراع العربي الإسرائيلي وفق قرارات الشرعية الدولية، وستمارس ضغوطها من أجل حصول الفلسطينيين على حقوقهم كاملة. وقد كان بعض هؤلاء المحللين، متفائلاً أكثر من اللازم، حين طرح إمكانية استخدام أمريكيا للقوة العسكرية، لتطبيق قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي، مثلما فعلت مع العراق الشقيق!! وقد انطلت هذه الكذبة على كثير من الدول والشعوب العربية، وبالذات التي وقفت موقفاً مؤيداً لأمريكا، حيث تمكنت أمريكيا من تنفيذ مخططها بضرب القوة العسكرية العراقية، ليس من أجل الكويت، أو من أجل تطبيق قرارات الشرعية الدولية، بل من أجل حماية مشروعها الصليبي في المنطقة العربية، والمتمثل في إسرائيل، والذي شعرت أنه بات مهدداً من القوة العراقية الضخمة والمتطورة.
стр. 352
النظام الدولي الجديد عزز الانحياز الأمريكي لإسرائيل
شكلت حرب الخليج الأولى فرصة ذهبية لأمريكا لصياغة نظام دولي جديد، يتفق مع استراتيجيتها الكونية التي تشكل إسرائيل حجر الزاوية بها، حيث ساهم انهيار المعسكر الشرقي، وهزيمة العراق وطرده من الكويت، في تعزيز وزيادة حجم الانحياز الأمريكي لإسرائيل، وليس العكس كما روج لذلك، غالبية محللينا السياسيين. ونوضح ذلك فنقول: إننا لو تأملنا السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية، في ظل نظام القطبين، فإننا سنجد أنها كانت تهدف إلى تحقيق هدفين رئيسين:
الأول: حماية المصالح الأمريكية الكبيرة في المنطقة العربية، وبالذات المصالح النفطية.
الثاني: تقديم كافة أنواع الدعم الممكن لإسرائيل.
ولكن وجود المعسكر الشرقي وعلى رأسه الإتحاد السوفيتي، وظهور الأنظمة العربية الثورية على الساحة في ذلك الوقت، كان يجعل من تحقيق هذين الهدفين معاً، أمراً صعباً. فالمصالح الأمريكية في المنطقة العربية كان يمكن الحفاظ عليها بسهولة، في ظل غياب الانحياز الأمريكي لإسرائيل، والعكس صحيح. وقد كانت الإدارات الأمريكية المختلفة تدرك ذلك، وكانت تدرك أيضاً أن انحيازها لإسرائيل سيهدد مصالحها الحيوية في المنطقة العربية (١)، وسيثير المشاعر العربية المعادية لها، وسيدفع كثير من الدول العربية إلى تعزيز علاقاتها بالمعسكر الشرقي، وهذا ما لا تريده أمريكيا.
إذاً كيف استطاعت أمريكيا التعامل مع هذه المعضلة الصعبة، أي الحفاظ على مصالحها الحيوية في المنطقة العربية، وتقديم كافة أنواع الدعم الممكن لإسرائيل، من غير أن يؤدى ذلك إلى تعاظم الدور السوفيتي، والمد الثوري القومي في المنطقة العربية؟. والإجابة على ذلك هو أن السياسة الأمريكية، اتبعت أسلوبين يكمل كلاً منهما الآخر لحل هذه المعضلة:
стр. 353
فمن ناحية، عمدت السياسة الأمريكية إلى تخويف الدول العربية التقليدية من الخطر الشيوعي الزاحف عليها من الخارج، ومن الخطر الثوري القومي الزاحف عليها من الداخل، وذلك من أجل دفع هذه الدول إلى الارتماء في الأحضان الأمريكية، باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على حمايتها من هذين الخطرين. ومن الناحية الأخرى، لجأت أمريكيا إلى تبرير سياستها المنحازة لإسرائيل، بعوامل متغيرة، بعيدة كل البعد عن العامل الحقيقي ـ الثابت الديني ـ كالقول بأن سبب هذا التحيز يعود إلى ظروف الحرب الباردة، واللوبي الصهيوني، وغيرها من العوامل المتغيرة الأخرى، وكل ذلك من أجل إبقاء آمال الدول العربية معلقة بإمكانية حدوث تغيير في الموقف الأمريكي، تبعاً للتغيرات الدولية. وقد نجحت أمريكيا في تمرير سياستها تلك على الدول العربية.
فالدول التقليدية التي كانت تخشى على سلطانها من التطلعات السوفيتية، للوصول إلى المياه الدافئة، ومن التطلعات العربية القومية الرامية إلى تحقيق الوحدة العربية، لم تجد أمامها إلا الارتماء في الأحضان الأمريكية، لحمايتها من هذه التطلعات. لهذا قامت هذه الدول بتعزيز علاقاتها مع أمريكيا، على حساب موقفها المعلن من القضية الفلسطينية. وانطلاقا من موقفها الضعيف هذا، لم يكن بمقدورها تهديد المصالح النفطية الأمريكية، كرد فعل على الانحياز الأمريكي لإسرائيل (١)، وكل ما كان بوسعها عمله هو انتظار اللحظة التي سيتغير فيها الموقف الأمريكي تبعاً للتغيرات الدولية.
أما الدول العربية الثورية، التي تبنت الدور القيادي لمواجهة إسرائيل، فإنها انطلاقاً من فهمها الخاطئ لطبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، سعت إلى تعزيز علاقاتها بدول المعسكر الشرقي، أملاً في إحداث التوازن الكافي للضغط على الموقف الأمريكي المنحاز لإسرائيل. ولكن تجارب الهزائم العربية المتكررة أمام إسرائيل من ناحية، وانخفاض التأثير السوفيتي على الساحة الدولية، من ناحية أخرى، أدى إلى انقسام هذه الدول إلى تيارين مختلفين:
стр. 354
الأول: بحث عن خلاصه الفردي، فأحدث شرخاً كبيراً في صفوف الدول العربية الثورية، وذلك عندما قام بتعزيز علاقاته مع أمريكيا، أملاً في استرجاع أراضيه المحتلة، كما فعل السادات في اتفاقيات كامب ديفيد، والذي كان يقول دائماً أن ٩٩% من أوراق اللعبة في يد أمريكيا.
أما التيار الثاني: فإنه ظل متمسكاً بموقفه الثابت تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، وسعى إلى تعزيز هذا الموقف بعد زيارة السادات للقدس، من خلال مجموعة دول الصمود والتصدي، ولكن هذا التيار لم يصمد طويلاً لأسباب كثيرة، يعود بعضها إلى خلافات بين الدول المكونة لهذه المجموعة، ويعود بعضها الآخر إلى التحديات الكبيرة التي خلقتها أمريكيا وأعوانها أمام دول هذا التيار من أجل تعجيزه وإفشاله، والتي كان آخرها، حرب الخليج الثانية، التي وجهت الضربة القاضية لهذا التيار وللنظام العربي كله.
وبانهيار المعسكر الشرقي والنظام العربي بعد حرب الخليج الثانية، تحررت أمريكيا من كافة القيود التي كانت تحد من تحركها في ظل نظام القطبين، وأصبحت يدها الآن مطلقة، للتصرف كيفما تشاء تجاه الصراع العربي الإسرائيلي. فالمؤتمر الدولي للسلام الذي كانت أمريكيا ترفض انعقاده في ظل نظام القطبين، خوفاً من أن يأتي مخالفاً لشروطها، سارعت إلى عقده تحت مسمى جديد، هو مؤتمر مدريد للسلام، لتفرض من خلاله على الدول العربية سلامها الأمريكي بعيداً عن أي تأثيرات خارجية من الإتحاد السوفيتي أو المجموعة الأوربية، وحتى الأمم المتحدة.
والدول العربية التي لم تستطع أمريكيا، في ظل نظام القطبين، جرها إلى مفاوضات سلام مع إسرائيل، ها هي الآن تجلس جميعها مع إسرائيل على مائدة المفاوضات المتعددة الأطراف والثنائية، ملبية لكافة الشروط والمطالب الأمريكية ـ الإسرائيلية. أما الدول العربية التي لم توافق على عملية السلام، في ظل الرعاية الأمريكية المنفردة لها، فإنها وجدت نفسها معزولة ومحاصرة، إما بقرارات مجلس الأمن الأمريكي، وبإجماع دولي، بتهمة احتضان الإرهاب الدولي وانتهاك حقوق الإنسان، وإما بحملات إعلامية عدائية، ومشاكل حدودية مفتعلة مع جيرانها، لتكون في أية لحظة ذريعة لتدخل عسكري أو حصار اقتصادي، سيباركه مجلس الأمن
стр. 355
الأمريكي، ولو بدعوى التسبب في تلوث البيئة وثقب الأوزون! وما حدث ويحدث في العراق والسودان وفلسطين ولبنان خير دليل على ذلك.
ومن خلال ما تقدم يتضح لنا ان الموقف الأمريكي ما بين ايزنهاور وبوش، لم يتغير أو يتبدل، بل ان الظروف الدولية هي التى فرضت هذا التلاعب وتغيير المواقف، بسبب الانتقال من نظام القطبين والحرب الباردة إلى نظام القطب الاوحد، والنظام الدولي الجديد. وبالتالى فإن الوسيط الأمريكي الذي نصفه بالمخادع، لم يكن مخادعاً ابداً ولكننا نحن كعرب، مسئولين ومثقفين لم نستطع قراءة حقيقة الموقف الأمريكي تجاه الصراع العربي الاسرائيلي بشكل صحيح، ولهذا لم نتمكن في ايه لحظه من معرفة توجهات هذه السياسه، واستراتيجياتها، وبقينا نتصرف ونفسر الاحداث باثر رجعي وبعد فوات الاوان.
الدعوة لانعقاد مؤتمر السلام
بعد انتهاء حرب الخليج وتدمير القوة العراقية، سارعت أمريكيا إلى الدعوة إلى انعقاد مؤتمر السلام بمدريد، ليس من أجل الوفاء بوعدها الذي قطعتها على نفسها أثناء حرب الخليج، أو لحفظ ماء الوجه لمن هللوا ونظروا وأيدوا موقفها تجاه العراق، بل لاستغلال حالة الضعف والتشتت العربية، التي نشأت جراء هذه الحرب، لفرض حل للصراع العربي الإسرائيلي وفق تصورها. وفعلاً فقد انعقد المؤتمر بحضور رمزي للاتحاد السوفيتي والمجموعة الأوربية، وبدأت المفاوضات العربية الإسرائيلية في حينها، واستمرت أكثر من عام من غير إحراز أي تقدم يذكر، ولم تقم أمريكيا باستخدام القوة، أو حتى ممارسة أي ضغط على إسرائيل، لإرغامها على تطبيق قرارات ما يسمى بالشرعية الدولية، بل العكس هو الذي حدث، حيث قدمت الدول العربية كثير من التنازلات، في الوقت الذي لم تقدم فيه إسرائيل أي تنازل يذكر، بل استمرت في موقفها المتعنت وبدعم كامل من أمريكيا، التي عملت بطريقتها الخاصة على تفتيت موقف المفاوض العربي.
وأصبحت الحكومات ومنظمات المقاومة التي كانت تتغنى يومياً بشعارات المواجهة والمقاومة، تتبرأ كل يوم من نية الحرب، وحتى من نية الاستعداد لأي مواجهة .. وتخشى أن تجتمع حتى لا يفهم اجتماعها بأنه إعداد لشيء، وراياتها البيضاء مرفوعة طول الوقت وأياديها ممدودة للمصالحة. وهي تصرخ بأكثر من هذا
стр. 356
بأن الحرب ستكون كارثة على الكل وعلى المعتدي، وعلى المعتدى عليه، وأنها ليست حلاً ولا وسيلة إلى أي مكسب (١).
اتفاقيات أوسلو تفكيك الصراع وكمائن الاتفاقيات
في خطاب معبر يصف أحد زعماء الهنود الحمر لشعبه الزحف اللانهائي للمستوطنات والمستوطنين البيض، فيقول: "يا إخوتي، لقد سمعت من الأب الأعظم (يقصد جورج واشنطن) أحاديث بديعه، لكنها كلها كانت تبدأ وتنتهي: انزح قليلاً فأنت قريب منى ... " ففي هذا التقليد الإنكليزي العريق الذي يقول ما لا يفعل، ويعد بما لا يفي، اقترح (واشنطن) عقد سلسله من الاتفاقيات مع الهنود، بهدف الاستيلاء على الأراضي الغنية، والمناطق الإستراتيجية اللازمة لأمن المستوطنين في مقابل .. وعود .. بعدم المساس بما تبقى لهم من الأرض، ومن هذه الوعود التي يقدمها المتفاوضون للهنود أن الولايات المتحدة ستفعل ما في وسعها للحيلولة دون قيام مواطنيها بالصيد أو الاستيطان في أراضيهم" (٢).
وما حدث مع الهنود الحمر قديماً يحدث مع العرب والفلسطينيين، برعاية انجلوسكسونيه قديمه بدأت مع سايكس بيكو وبلفور وويلسون .. واستمرت حتى اللحظة مع بوش وبلير. فبالرغم من صلابة الحقوق الفلسطينية وثباتها، على كافة المستويات القانونية والسياسية والأخلاقية، إلا أنها بدأت تتعرض للتهشيم التدريجي، وتنزلق على منحنى آخر لتتحول من (حقوق وطنية) إلى مجرد نزاعات سكانية، حيث كانت الضربة القاسية قد حلت بها في أعقاب حرب الخليج الثانية ١٩٩١م المترافقة مع انهيار الاتحاد السوفياتي, مع ترتيبات مؤتمر مدريد، واتفاقية أوسلو، التي أزاحت الأمم المتحدة وفكرة مؤتمر جنيف والقانون الدولي جانباً, حيث استحوذت الولايات المتحدة على إدارة الملف منفردة.
ورعى ما سموه بـ (الوسيط النزيه) تصميم أوسلو بشكل مفرغ، فارغ من أي محتوى قانوني يربط الحل بإنهاء الاحتلال وتحميله مسؤولية ما حدث، وبالتالي
стр. 357
تعامل مع كل القضايا الكبرى ـ كالانسحاب وتفكيك الاستيطان واللاجئين والقدس وغيرهاـ من منظور أنها قضايا موضع نزاع لا قضية احتلال. وهكذا كانت كارثة أوسلو في نقل كل المسار، من مسار إنهاء احتلال شعب وأرض محتلة إلى مسار جديد، برعاية وتشجيع الولايات المتحدة، وهو مسار التفاوض بين طرفين متساويين، على قضايا متنازع عليها، وصارت الحقوق المعترف بها دولياً ساحة تمارين تفاوضية، تتم المقايضة بها بشكل تجاري سخيف (١).
الكونغرس ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس !
بادر السناتور الجمهوري (روبرت دول)، خلال شهر أيار ١٩٩٥م بتقديم مذكرة إلى مجلس الشيوخ الأمريكي للمطالبة بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، حيث حظيت هذه المذكرة بتأييد أغلبية كبيرة من الكونغرس بمجلسية الشيوخ والنواب، واتخذ مجلس الشيوخ الأمريكي قرارا ينص على اعتراف رسمي بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهو قرار يلزم الحكومة الأمريكية بنقل سفارتها إلى القدس. وقد كانت نتائج التصويت على القرار بأغلبية ساحقة، إذ وصلت نسبة المؤيدين في مجلس الشيوخ إلى ٩٣ في المائة، أما في مجلس النواب فكانت لا تقل عنها إلا قليلاً، نحو ٩٠ في المائة. وبعد صدور هذا القرار، الذي إن دل على شئ فإنما يدل على مدى تغلغل الأفكار الصهيونية في عقول الصفوة الحاكمة الأمريكية، راهن البعض على إمكانية استخدام الرئيس كلينتون لحق الفيتو، ولكن الرد جاء سريعاً حيث أعلن البيت الأبيض أن الرئيس لن يستخدم هذا الحق. ولكنه في نفس الوقت سيسمح للرئيس باستخدام صلاحياته، لإرجاء تنفيذ القرار لفترات محددة، إن هو وجد ضرورة لحماية المصالح الأمنية القومية لبلده، ولكنها لا تمنع من التنفيذ إطلاقاً.
وللأسف فقد خرج علينا غالبية المحللين السياسيين العرب، بتفسيراتهم التقليدية لأسباب صدور هذا القرار، فمنهم من قال انه يدخل في إطار الحملة
стр. 358
الانتخابية التي يقوم بها السناتور روبرت دول لخوض انتخابات الرئاسة، ومنهم من قال: أنه جاء بسبب ضغوط اللوبي الصهيوني، وغير ذلك من الأسباب، هذا بالرغم من أن القسم الثاني من القرار يحتوى ١٧ بنداً توضح سبب صدور القرار، أغلبها بنود مبنية على معلومات توراتية صهيونية صرفه، جوهرها، أن مدينة القدس مدينة داوودية يهودية صهيونية، وتؤكد أن القدس هي المركز الروحي للشعب اليهودي. وبالرغم من كل ذلك لم يولِ أحد من محللينا السياسيين هذه البنود أي اهتمام، ولم يسألوا أنفسهم عن السبب الذي جعل القرار يصدر بهذه الأغلبية الساحقة، وعن السبب في إجماع الديمقراطيين والجمهوريين بهذه الطريقة على هذا القرار، إذا كانت المسألة دعاية انتخابية للجمهوري روبرت دول؟! وإذا كان اللوبي الصهيوني قوى لهذه الدرجة في الكونغرس الأمريكي، فما معنى الاستمرار في المراهنة على أمريكيا؟ والحديث الدائم لكثير من الزعماء العرب، عن صداقتها للعرب، والتي لم تستطع منع صدور قرار يمس مشاعر العرب والمسلمين في كل مكان؟؟!!
وهنا نتساءل: ما مصلحة أميركا الحقيقية من وراء هذا الدعم الأعمى لإسرائيل الذي يعود عليها نفسها بالأذى الشديد؟ ولماذا تتعامى عن العنف الإسرائيلي, وتبرره وتعتبره دفاعاً عن النفس وتوفر له غطاء دبلوماسياً؟ وأين المصلحة الأميركية في حشد الكراهية في عوالم العرب والمسلمين عبر احتقار القضية الأهم، التي تثير عواطف وأعصاب معتدليهم وتشد من أزر متشدديهم؟ (١). فأي شريك لعملية السلام هذا الذي يمسح لنفسه بنسف عملية السلام، من خلال قفزة على التزامات وتعهدات قطعها على نفسه؟!. وهل بقى لأمريكا أي مصداقية بعد صدور هذا القرار؟! وهل بقى لبل كلينتون أي حجة بعد رفضه استخدام حق الفيتو بحق القرار؟ .. بالطبع لا، إلا إذا كان البعض مصر على إغماض عينيه عن الحقيقة الساطعة، وهي أن الإدارة الأمريكية ـ بكامل هيئاتها ـ والشعب الأمريكي ـ بوجه عام ـ ينظرون إلى علاقتهم بإسرائيل، من منظار ديني بحث، سيكون له أكبر
стр. 359
الأثر على الصراع العربي الإسرائيلي، وبالذات في ظل النظام العالمي الجديد بكل سلبياته على المنطقة العربية.
فالنظام العالمي الجديد الذي استبشر به كثير من العرب، وظنوا أنه سيعيد لهم حقوقهم المسلوبة، وسينشر الأمن والسلام، في المنطقة لم يمهلهم طويلاً، حيث بدأت ملامحه تطفو على السطح، وتصيبهم بنفس المرارة وخيبة الأمل التي أصابتهم مراراً في العصر الحديث، من خلال تجاربهم الطويلة والفاشلة مع كلِّ من الحكومتين البريطانية والأمريكية. وسيعلم العرب أن النظام العالمي الجديد لن يهدأ له بال إلا بعد أن يتوج جهوده الكبيرة في خدمة إسرائيل، بجعل الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، أمراً واقعاً ومقبولاً دولياً وعربياً وإسلامياً، لتكون عاصمة للنظام العالمي الجديد، حيث سيحكم المسيح ويبدأ عصر الألف عام السعيد، كما يقولون؟!
بل كلينتون
إن تحرر السياسية الأمريكية من ضغوط نظام القطبين، والتي كانت تدفعها إلى اللجوء إلى أساليب مختلفة، لتبرير سياستها المنحازة لإسرائيل، كما أسلفنا، هذا التحرر ربما يفسر لنا عدم حاجة الرئيس الأمريكي (بل كلينتون)، إلى إخفاء مشاعره الدينية تجاه إسرائيل، حيث أعلن خلال حملته الانتخابية عن عزمه، نقل السفارة الأمريكية إلى القدس (١). وبالطبع لا يمكن فهم هذا الإعلان من قبل (كلينتون) على أنه جاء لخدمة المصالح الأمريكية في المنطقة، أو بسبب ضغوط اللوبي الصهيوني وغيرها من الأمور.
فأمريكيا ليس لديها أي مصلحة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، من وراء اعترافها بالقدس كعاصمة لإسرائيل، بل العكس هو الصحيح. فهذا الإجراء لو حدث، فإنه سيؤدى إلى ردود فعل عنيفة، واستياء عام في الدول العربية والإسلامية، وحتى الدول المسيحية، غير البروتستانتية وعلى رأسها الفاتيكان. فهذه الدول جميعاً لها وجهات نظر مختلفة تجاه الوضع النهائي لمدينة القدس، تختلف كثيراً عن وجهة
стр. 360
النظر الإسرائيلية والأمريكية المؤيدة لها. إذاً لا يمكن فهم هذا الإعلان من قبل كلينتون، إلا بالنظر إلى الخلفية الدينية السائدة في أمريكيا والتي يعتبر كلينتون جزءاً منها.
الخلفية الدينية لبل كلينتون ... !!
سيعتبر الكثيرون الحديث عن الخلفية الدينية للرئيس بل كلينتون نوعاً من التعسف والتجنى في غير محله، وبالذات بعد التهم التي لاحقته بشأن علاقاته الغرامية مع (بولا جونز) و (مونيكا لوينسكى)، حيث سيقول هؤلاء كيف يمكن الحديث عن تدين كلينتون وهذه أفعاله؟!!. وللرد على ذلك نقول: إن ما قام به كلينتون لا يختلف في شيء عما قام الرئيس الأمريكي (كليفلاند)، الذي جاء إلى البيت الأبيض مجتازاً باب النجاح في الانتخابات التي جرت ١٨٨٤م اجتيازاً عسيراً، بهامش ضيق من الأصوات بسبب الفضيحة التي طاردته، عندما اتهمته سيدة تدعي (ماريا هيلبين) بأنه أب لابنها دون زواج. حيث غفر الأمريكيون لـ (كليفلاند) ـ كما رأيناهم يغفرون لكلينتون ـ فضيحته مع (مونيكا)، وسمحوا لذلك المحامي المنتمي للحزب الديمقراطي (كليفلاند)، الذي عمل في الشرطة ـ قبل أن يصبح حاكما لولاية نيويورك ـ أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية (١).
كما أنه لا يختلف عما قام به كثير من رموز الكنيسة البروتستانتية في أمريكا، مثل (جيمى سواجارت) و (جيم بيكر) اللذين مارسا الزنا لمرات عديدة، ولما افتضح أمرهما لم يخجلا من ذلك، وذهبا إلى الكنيسة، وأعلنا التوبة أمام إتباعهم، وعلى الهواء مباشرة، وعادا بعد ذلك لممارسة الوعظ في الكنيسة مره أخرى، وكأن شيئاً لم يحدث. بل أن الأمر وصل إلى درجة أن بعض البروتستانت التحرريون ساموا علناً أشخاصاً يمارسون الشذوذ الجنسي جهاراً، فجعلوا منهم قساوسة، حيث اعتبروا تقبل الشواذ جنسياً، والذين كانوا منبوذين سابقاً تعبيراً عن أخلاقيات المسيح!؟ (٢). وهذا أمر طبيعي في العقيدة البروتستانتية، التي تؤمن بحرفية كل ما جاء في الكتاب
стр. 361
المقدس، الذي يضم بين دفتيه مئات القصص والراويات عن ممارسة الفاحشة واللواط وغيرها، والتي تنسب للأسف ليس لأشخاص عاديين، بل تنسب للأنبياء والصالحين!!.
إذ فخطيئة كلينتون من وجهة النظر الدينية ـ ومنظومة القيم، التي يقوم عليها المجتمع الأمريكي، لا تنفى تدينه، وإيمانه بحرفية كل ما جاء في الكتاب المقدس، وليس أدل على ذلك أنه شوهد أثناء أزمة اتهامه، وهو يخرج كل يوم أحد من الكنيسة، حاملاً في يده نسخته الشخصية من الإنجيل!! (١).
وبالعودة إلى نشأة كلينتون، نجد أنه ولد في ولاية اركنسو، وتولى حكمها فيما بعد. والواقع أن المدينة التي ترعرع فيها بيل في اركنسو، وهي هوت سبرينغ (أو الربيع الحار)، كانت تحتوي على نوعين من النشاطات: الكازينو، وسباق الخيل، من جهة، والمعمدانية أو الأصولية المسيحية الجديدة من جهة أخرى. ولقد كان تأثير الأصولية المسيحية كبيراً عليه، ولا يزال حيث انعكس ذلك بصوره كبيره على موقفه من إسرائيل، حيث كان (بيل كلينتون) كريماً في الوعود التي أطلقها لصالح الدولة العبرية، وصريحاً في انتقاده للإدارة السابقة عليه. وجاء في رسالة بعث بها إلى الناخبين ـ أثناء حملته الرئاسية ـ يطلب دعمهم ما حرفيته: "نعم إسرائيل وأميركا على منعطف طرق اليوم، نطلب منك دعماً مالياً سخياً، أن بوش يستطيع أن يجمع الملايين بدعوة أصدقائه الأغنياء إلى العشاء. هل تساعدوني على إرجاع المنطق إلى العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية؟. الرجاء أجيبوا اليوم وكونوا كرماء، اقسم أني إذا انتخبت رئيساً، لن أخيب أمل إسرائيل أبداً". والتزاماً بوعوده، فقد جاءت التعيينات اليهودية في الإدارة الكلينتونيه بحصة مهمة لها وزنها وتأثيرها على الصعيدين الداخلي والخارجي (٢).
كما أن كلينتون نفسه وضح الخلفية الدينية التي تدفعه للتعاطف مع إسرائيل التي زارها في عام ١٩٨١م، حيث وصف هذه الزيارة التي تأثر بها كثيراً، بأنها كانت، زيارة دينية أكثر منها سياسية. كما أنه تأثر كثيراً بقصة موت أحد رجال الدين
стр. 362
المسيحيين، كان قد مات مؤخراً، وتحدث إليه طويلاً قبل ذلك، حيث قال له هذا القس: "إنه يأمل في أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة، ولكنه قال له أيضاً: "إنه يجب عليه أن يحافظ على إسرائيل ... لأنه إذا تخلى عن إسرائيل، فلن يغفر له الله". وعلق كلينتون على ذلك بقوله: "أعتقد أنه ينظر إلى الآن ـ يقصد القس ـ وإذا ما انتخبت فلن أتخلى عن إسرائيل" (١).
هكذا يؤكد (بل كلينتون) كسابقيه من الرؤساء الأمريكيين على الأبعاد الدينية والتوراتية لعلاقته بإسرائيل، حيث أنه لم يبخل منذ توليه الرئاسة في تقديم كافة أنواع الدعم للدولة اليهودية. فقد قام بزيارتين لإسرائيل، ليؤكد للجميع دعمه وتأييده لها، ومن تابع هاتين الزيارتين، لابد وأنه لاحظ مدى مشاعر الحب والود التي يكنها الرئيس بل كلينتون لإسرائيل وارض إسرائيل. ففي خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي خلال زيارته الأولى، كان (بل كلينتون) يتغنى باليهود وإسرائيل، وبالقيم اليهودية التي منحها الشعب اليهودي للعالم الحر .. وفي الزيارة الثانية لاحظنا مدى تأثره باغتيال رابين، حيث جاء وطاف حول قبر رابين وكأنه يطوف أمام قبر نبي أو مكان مقدس، ولإظهار هذه القدسية ارتدى القبعة اليهودية، وودع رابين بكلمات عبرية قائلاً (شالوم حافير) (وداعاً يا صديقي).
كما أن حرص الرئيس كلينتون وإدارته على إسرائيل ومصالحها، بلغ أكثر من حرص الإسرائيليين على أنفسهم، فقد حدث أن أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً بإدانة إسرائيل لقيامها بمصادرة مساحات واسعة من الأراضي في مدينة القدس، فقامت أمريكيا باستخدام حق الفيتو ضد القرار، ولكن في اليوم التالي أجبرت الحكومة الإسرائيلية ـ بعد ضغوط من أعضاء الكنيست العرب ـ على إلغاء هذا القرار، بعد أن هددوا بالتصويت ضد الحكومة في جلسات الكنيست. أما موقفه العدائي والحاقد من العراق، فليس بحاجة إلى توضيح، حيث أنه وخلال فترة رئاسته، ارتكب أبشع الجرائم بحق الشعب العراقي، من تدمير وحصار جائر راح ضحيته أكثر من نصف مليون طفل عراقي، هذا بالرغم من أن العراق التزم بكافة قرارات مجلس
стр. 363
الأمن الأمريكي الظالمة، والتي لم تقنع هذه الإدارة بالكف عن مهاجمة العراق والبحث يومياً عن مبررات لتدميره.
كلينتون ومونيكا وضرب العراق
يعتبر الرئيس الأمريكي (بل كلينتون) من المغرمين بكل ما هو يهودي، فوزراءه ومستشاريه أغلبهم من اليهود .. ! وحتى عندما أراد أن يرتكب الفاحشة، اختار تلك اليهودية مونيكا، سائراً على خطى الملك الفارسي قورش الذي أصبح بطلاً من أبطال العهد القديم بعد مغامرته مع (استر) اليهودية، التي تمكنت من إغوائه ودبرت مؤامرة للانتقام من أعداء بنى قومها ـ أثناء السبي البابلي ـ في مذبحة قتل فيها ٧٥ ألف قتيل، وكان ذلك في اليوم الثالث عشر من آذار، الذي أصبح عيداً من أعياد اليهود يحتفلون به سنوياً، كما إنها تمكنت في النهاية من إقناع قورش بإعادة اليهود إلى فلسطين، وبناء الهيكل الذي دمره الملك البابلي نبوخذ نصر.
ولما كان الرؤساء الأمريكيون يتسابقون للحذو حذو قورش والتشبه به، كما فعل الرئيس ترومان الذي قال عندما قدمه (إيدى جاكوبسون) إلى عدد من الحاضرين في معهد لاهوتي يهودي، ووصفه بأنه الرجل الذي ساعد على خلق دولة إسرائيل. فرد عليه ترومان بقوله: "وماذا تعنى بقولك ساعد على خلق؟ إنني قورش ... . إنني قورش". فربما أراد (كلينتون) أن يحذو حذو قورش بان يعيد إخراج الرواية حتى في أدق تفاصيلها، فاضطر إلى إقامة تلك العلاقة مع تلك اليهودية، حتى لا يخرج عن السيناريو المحدد سلفاً في سفر استر، وحتى لا يتهم بعدم الإيمان بحرفية كل ما جاء في الكتاب المقدس فيكون من الخاسرين ... .. !! ويكفى تأمل ما قامت به إدارة كلينتون ضد العراق من حصار همجي حاقد، وتدمير لمقدرات هذا البلد العظيم وتقتيل لأطفاله، وكل ذلك من أجل عيون إسرائيل ومونيكا .. ؟!
حصار العراق والقيام بعمل الرب !!
يشكل العراق في الدعاية الأمريكية والبريطانية مشكلة في الشرق الأوسط ـ حيث يتماهى العراق بصورة عامة مع الرئيس العراقي، الزعيم الذي أضفيت عليه
стр. 364
صفات شيطانية وبصورة منتظمة، استبعد من كل مفاوضات .. هذا هو رئيس الدولة العربية، الذي لا بد من إبقائه (في الحصار) و (داخل القفص) أو (داخل القمقم) أو ـ حسب تفكير أمريكي ـ بريطاني لاحق ـ لابد من الإطاحة به لإزالة كل تهديد مزعوم يشكله على جيرانه والغرب والعالم. فقد حكم استراتيجيو واشنطن بأنه لضرب (الملك الشيطاني)، ولإنجاز جداول أعمال سرية واسعة فإن أي عمل ضد العراق مسموح به. لقد عانى العراق لأطول من عقد من غارات الصاروخ كروز والقصف الذي لا ينتهي بالقنابل، والهجمات الإيرانية في الجنوب، والغزوات التركية في الشمال والتخريب الإرهابي والمحاولات الانقلابية ضد الرئيس العراقي، والدعايات السوداء التي لا تعرف ندماً، ونظام عقوبات مستمرة، وهي ما اعترف أكثر مسئولي الأمم المتحدة اتزاناً، بأنها اكتسبت أبعاداً للإبادة الجماعية (١).
فعلاً إنها إبادة عرقية لشعب العراق، تدار من قبل واشنطن ولندن ليس إلا .. هذه ما شهدت به أهم الأسماء العالمية التي انخرطت في الجهد القاري الخاص بفك الحصار عن العراق. وتشمل هذه الأسماء (نعوم تشومسكي) , (ودينس هاليداي) الذي استقال من منصبه الرفيع كمسؤول عن برنامج الأمم المتحدة في العراق احتجاجاً على لاإنسانية الحصار واستهدافه شعب العراق بدل النظام, وجون بيلجر الصحفي والكاتب البريطاني الناقد, وروبرت فسك من الإندبندنت, وغيرهم أمثال النائب البريطاني (جورج جلوي)، (ورامس كلارك) المدعي العام الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية، الذي قدم شكوى جنائية ضد الولايات المتحدة الأمريكية وآخرين لجرائمهم ضد شعب العراق، والتي تسببت بوفاة أكثر من مليون وخمسمائة ألف شخص، بينهم سبعمائة وخمسون ألف طفل تحت الخامسة من العمر، وإلحاق الأذى بكل السكان بعقوبات مبيدة جماعياً (٢).
وبالرغم من هذه الإبادة الجماعية لأطفال العراق، إلا أن ذلك لم يؤثر في صناع القرار في واشنطن، فعندما سئلت مادلين أولبرايت ـ وزيرة الخارجية الأميركية السابقة ـ عن رأيها في تسبب الحصار في موت أكثر من نصف مليون طفل عراقي،
стр. 365
أجابت قائلة: "إننا نعتقد أن ثمرة الحصار تستحق ذلك" (١). هذا التصريح الخالي من كل بعد إنساني هو في الواقع البوصلة التي نستهدى بها في تحليلنا، ورصدنا لجوهر وخلفيات السياسة الأميركية والبريطانية تجاه العراق. ذلك أن أولبرايت وبفجاجتها المعهودة ـ لكن المفيدة لناحية عدم إخفاء الدوافع الحقيقية تحت ستار اللغة الدبلوماسية المخففةـ قد وضعت النقاط على الحروف بشكل جلي: الولايات المتحدة لا يهمها مصير مئات الآلاف من أطفال العراق الأبرياء, بل يهمها المضي بصرامة في تنفيذ سياستها الخارجية، الهادفة إلى المحافظة على مصالح أميركا في الشرق الأوسط أولاً وأخيراً، وبالأساس الحفاظ على أمن إسرائيل.
وإذا كانت العنجيهة (الأولبراتية) قد صدمت كثيرين آنذاك، إلا أنها لم تصدم (أنتوني آرنوف) محرر كتاب (العراق تحت الحصار)، الذي يموضع تلك العنجهية في إطار سياسة خارجية عامة للولايات المتحدة تنظر من خلالها نظرة عنصرية للعرب والمسلمين باستخفاف واحتقار، وبأنهم وبلدانهم وشعوبهم مجرد مصدر للنفط وللإرهاب, بما يستوجب نهب الأول ومحاربة الثاني (٢). فالمسألة هي كما يقول (ويليام بلوم): "إن زعماءنا قساة لأن من يرغبون ويستطيعون أن يكونوا قساة وعديمي الرحمة بصورة متطرفة هم وحدهم الذين يستطيعون أن يحتلوا مناصب القيادة في مؤسسة السياسة الخارجية، ربما كان ذلك منصوصاً عليه في مواصفات الوظيفة. إن الأشخاص القادرين على الإعراب عن قدر من التعاطف الإنساني والتقمص العاطفي مع الأغراب البعيدين، الذين لا حول لهم ولا قوة - ناهيك بالجنود الأمريكيين ـ لا يصلحون رؤساء للولايات المتحدة ولا نواباً للرئيس، ولا وزراء خارجية، ولا مستشارين للأمن القومي، ولا وزراء خزانة، كما أنهم لا يريدون ذلك" (٣).
لكن ماذا تريد الولايات المتحدة بالضبط من العراق بعد كل التدمير الذي لحق به، جراء القصف الجوي اليومي، والذي تم بصمت ومن دون أي ضجيج إعلامي؟.
стр. 366
يجيب على ذلك الرئيس جورج بوش الأول، الذي كان المهندس الأساسي لحملة العقوبات، والذي قاد حملة التحريض على حرب الخليج عام ١٩٩١م وكان مصمماً ـ إلى جانب من خلفوه في الرئاسة ـ على أن يؤمن بقاء الحظر الاقتصادي والغارات على الدوام. ففي يوم ١٩ كانون الثاني / يناير ٢٠٠٠م أشاد بالطياريين الأمريكيين في قاعدة أحمد الجابر الجديدة في الكويت، قائلاً: "إنهم (يقومون بعمل الرب) في مواصلتهم الإغارة بالقنابل على العراق، وأضاف معلناً: "نحن الولايات المتحدة بلد أخلاقي ... وأنتم (الطيارون الأمريكيون) تعلنون بياناً أخلاقياً" (١).
ولا أعرف أي رب هذا الذي يؤمن به (جورج بوش الأب)، الذي تسبب في إبادة جماعية لشعب العراق، إلا أن يكون (رب الجنود يهوه) الذي يتحرق شوقاً على قتل أطفال العراق: "طوبى لمن يحطم رؤوس أطفال بابل بالحجارة". هذا هو البيان الأخلاقي الذي يعنيه الرئيس بوش الأب، والذي تسبب حسب دراسة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة والأمومة (يونيسيف) في أن ثلث الأطفال العراقيين أقل من خمس سنوات (أي ٩٦ ألف طفل)، يعانون من نقص تغذية مزمن. وارتفعت نسبة وفيات الأطفال من ٦١ في الألف العام ١٩٩٠م، وهى السنة التي فرض فيها الحظر على العراق، إلى ١١٧ في الألف العام ١٩٩٦م. وقد تضاعف المتوسط الشهري لعدد الأطفال الذين يموتون نتيجة إصابات رئوية حادة، ونتيجة نقص التغذية والإسهال بمعدل عشر مرات، وارتفع من ٥٨٩ وفاة عام ١٩٨٩م إلى ٥٧٥٠ عام ١٩٩٦م (٢).
وعلى الصعيد الصحي، فإن بيان بوش الأخلاقي، الذي زينه بنظام العقوبات، تسبب في كارثة إنسانية لا يمكن وصفها خاصة على مستوى حظر استيراد الأدوية والغذاء، بزعم أن الكثير منها يحتوي على مواد وعناصر يمكن للعراق استخدامها في إنتاج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، حيث كان استيراد أي مواد من الخارج يتطلب موافقة لجان عديدة من الأمم المتحدة ـ المشرفة على الحصارـ والمرور بـ١٤ خطوة تسيطر عليها الولايات المتحدة، التي كانت ترفض الكثير من صفقات الدواء والطعام
стр. 367
حتى من دون تقديم أي تبريرات (١). وهكذا فقد كانت عمليات الحصار الأميركية على العراق قتلاً بطيئا لكل العراقيين، فتوفي مئات الآلاف من الأطفال بسبب الجوع والمرض، وتدنت مستويات المعيشة لدى الملايين، واتسعت مساحة الفقر حتى شملت عائلات كانت ميسورة. لقد قضى الحصار على الطبقة الوسطى العراقية، ودفع الشعب العراقي للعيش في خوف ومرض وجهل لسنوات طويلة، فقد انخفض الدخل الفردي في العراق من ٤٠٠٠ دولار عام ١٩٨٠م إلى أقل من ٣٠٠ دولار عام ١٩٩٩م، وهاجر عشرات الآلاف من أصحاب الكفاءات العلمية والمهنية العالية (٢).
إلى جانب ما تقدم برزت في حرب الولايات المتحدة المستمرة ضد العراق مسألة دور الإعلام وأنماط التحكم فيه في الغرب، لنقل ما تراه واشنطن, أو ما تريد للرأي العام أن يراه، من خلال ما يقوله الأعلام ضمناً، أو يسكت عنه قصداً، حيث أن الإعلام الغربي ارتكب سبع خطايا في حق الشعب العراقي. فهناك إهمال أو تخفيف لأثر العقوبات على الشعب العراقي, وهناك إهمال للتقارير التي تنقض وجهة النظر الغربية، وترى معدلات الوفاة وغيرها على حقيقتها, وهناك أيضاً الإصرار على شخصنة الحرب وكأنها موجهة ضد صدام حسين فقط، والتغافل المقصود عن ذكر الشعب العراقي أو العراق كدولة (٣).
يضاف إلى هذه التكتيكات والخطايا أساليب التغطية نفسها، حيث كان يتم عادة خلق توازن قوى وهمي لتبرير الضربات القوية وبلا رحمة, إضافة إلى المبالغة في تصوير قوة الجيش العراقي، والتهديد الذي يمثله للجوار, وكذا الانتقائية في اختيار الخبراء، الذين يدلون بتعليقات حول الشأن العراقي والعقوبات، حيث يتم التركيز على موضوعات تافهة وسخيفة، في الوقت الذي تغفل به جرائم بشعة ترتكب بحق الشعب العراقي والإنسانية، في عملية تضليل وتعتيم متعمدة من قبل وسائل الإعلام الأمريكية وإذنابها. ولكن بالرغم من هذا التعتيم والتضليل الإعلامي،
стр. 368
كانت هناك كثير من الأصوات الشريفة، والشجاعة في الغرب، والتي تمردت على الخطاب الرسمي في بلدانها، ورفضت الانصياع لمنطق تحقيق المصلحة القومية النفعية تحت أي ظرف وبأي ثمن, ولو كان ذلك الثمن تدمير شعوب وسحقها, وإرجاع بلدان بأكملها إلى قرون التاريخ السحيق.
وبعد ...
هذه هي قصة حرب الخليج الثانية وما تبعها من حصار، والتي تبدو وكأنها سيناريو معد مسبقاً، تم تنفيذه بإتقان، لتدمير القوة العراقية، التي تهدد إسرائيل، حيث استخدمت دول عربية ككبش فداء، لتمرير هذا المخطط من خلال تبعيتها الكاملة وتآمرها مع أمريكا، وعدم إدراكها لما يعد لها وللمنطقة على أيدي الأمريكان والإنجليز والصهاينة. فكانت حرب الخليج الثانية، التي لم تنته بتدمير العراق، ونهب ثروات المنطقة واحتلالها، بل استمرت لمدة ١٣ عاماً من خلال فرض حصار جائر وهمجي على الشعب العراقي، أدى إلى مقتل ملايين العراقيين من أطفال وشيوخ، بالإضافة إلى ترسيخ الاحتلال الأمريكي لمنطقة الخليج، وزيادة القواعد العسكرية فيها واتساعها، مما خلق جو من عدم الاستقرار في المنطقة، بسبب التهديدات الأمريكية المستمرة بالحرب على العراق، والتي ألحقت أضرار هائلة باقتصاديات هذه الدول، وقضت على سيادتها واستقلالها.
والآن تكرر أمريكيا نفس المحاولة، لضرب صمود وشموخ الشعب العراقي، الذي لم تهز إيمانه ويقينه تلك الحرب الهمجية، والحصار الجائر، الذي لم يشهد التاريخ مثيلاً له، ولم تثنه التضحيات الجسام التي قدمها عن التخلي عن التزاماته تجاه القضايا العربية والإسلامية، وعلى رأسها قضية فلسطين، بل كان ولازال، أمل هذه الأمة في النهوض والتحرر. نعم كررت أمريكيا المحاولة، وضربت العراق، واحتلت أراضيه، ليس لتحرير الكويت التي لم تحرر، أو لتطبيق قرارات ما تسمى بالشرعية الدولية، بل من اجل تدمير البقية الباقية من القوة العربية، لإعادة رسم خريطة جديدة للمنطقة، حسب المتطلبات التوراتية لإسرائيل، والتيار الديني الأصولي في أمريكا، لتكون هذه الحرب (هرمجيدون) فرصة للانتقام من كافة مضطهدي إسرائيل، ومقدمة ضرورية لعودة مسيحهم المنتظر، وتدمير الأقصى
стр. 369
وإقامة إسرائيل الكبرى، وسنكمل حديثنا عن هذه الحرب في الفصول التالية، في اطار حملة بوش الصليبية على العالم الإسلامي ...
стр. 370
الباب الثالث
حملة بوش الصليبية على العالم الإسلامي وعلاقتها بمخطط إسرائيل الكبرى
стр. 371
الفصل الأول
الدين والدولة
أمريكا دوله لها روح كنيسة
قد يبدو القول بوجود دور قوى وفعال للدين في العملية السياسة، وفي الحياة العملية في بلد صناعي متقدم كالولايات المتحدة، في أواخر القرن العشرين، في أسوأ الحالات، كتقول وادعاء، وفي أقلها سوءاً، كإسقاط لأفكار مسبقة عن تأثير الغيبيات ... غير أن ذلك يسقط من الاعتبار الحقيقة الماثلة في أن قادة المجتمع الأمريكي السياسيين والروحانيين على السواء، عنوا بأن يتخذوا مواقفهم منذ نشأة جمهوريتهم وحتى الآن، على قمة متاحة من الأرض الأخلاقية العالية، مستمدين باستمرار السند والمبرر لكل تصرف أمريكي في شؤون أمريكا والعالم من الدين والأخلاقيات العليا، ومن المصطلحات ذات الرنين الأخلاقي القوى، كـ (الحقوق الإنسانية)، و (القانون الدولي)، و (الحضارة) وما أشبه، ومسبغين على أنفسهم وعلى بلدهم عباءة الاضطلاع بعبء رسالة حملت العناية الإلهية ذاتها لا أقل، الأمة الأمريكية بها لصالح البشر جميعاً (١).
وعندما قمت في عام ١٩٩٣م بنشر دراسة بعنوان (الصليبيون الجدد .. الحملة الثامنة) في جريدة القدس في فلسطين، والتي تحولت فيما بعد إلى كتاب يحمل نفس العنوان ـ نشر في كل من فلسطين ومصر، محاولاً إبراز الأبعاد الدينية للتحيز الأمريكي البريطاني لإسرائيل ـ استغرب في حينه كثير من الأصدقاء هذه التسمية، اعتقاداً منهم أن العصر الذي نعيش فيه لم يعد به مجال للحروب الصليبية، والعداوات الدينية، ولكنهم بعد قراءة الكتاب والأمثلة العديدة التي وردت فيه لتأكيد هذا البعد، هالهم ضخامة الدور الذي يلعبه الدين في رسم سياسة وتوجهات أكبر دولة في العالم، تجاه المنطقة العربية والعالم الإسلامي (٢).
стр. 372
فبالرغم من إدراكي، أن الحديث عن حروب صليبية في هذا العصر، يعتبر أمراً مستهجناً لدى البعض، إلا أنني سأستمر في محاولة إبراز هذا الدور الذي يلعبه الدين في السياسة الأمريكية، انطلاقاً من إيماني أن الدين ـ كان ولا يزال ـ هو الملهم والمحرك الأساسي لكافة الأفعال البشرية. فكما يقول المؤرخ الإغريقي (بلوكارل): قد وجدت في التاريخ مدن بلا حصون، ومدن بلا قصور ... ومدن بلا مدارس ... ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد.
الأصولية المسيحية وعلمانية الغرب
من الأخطاء الشائعة لدى معظم المفكرين والمثقفين العرب والمسلمين، اعتقادهم بلادينية الحضارة الغربية، قياساً على الإفرازات الأخلاقية والفكرية لهذه الحضارة، التي تفصل بين الدين والدولة. وهذا الاعتقاد خاطئ وربما يصدق على بعض الدول الغربية، ولكنه لا يصدق عليها كلها. فهو يصدق على الدول الكاثوليكية مثل إيطاليا وفرنسا وأسبانيا، ولكنه لا يصدق على الدول البروتستانية مثل بريطانيا وأمريكيا.
فالدول الكاثوليكية قبل أن تأخذ بمبدأ فصل الدين عن الدولة، كانت تخضع لسلطة البابا، وكان لزاماً عليها إطاعة أوامره، حيث بلغت سلطة البابا في ذلك الحين شأواً عظيماً. فقد كان البابا يدعى حق السيطرة الدينية والدنيوية على كل شيء، وكانت الكنيسة تفرض ضريبة الأعشار على إتباعها وتجمع التبرعات وتضمها لمواردها الخاصة، فضلاً عن إعفاء أملاكها من الضرائب. وكان للبابا نواب يمثلونه لدى كافة الملوك والأمراء في أوروبا (١). ولكن عندما تأثرت هذه الدول بأفكار عصر التنوير وبحركة الإصلاح الديني، قامت بفصل السلطة الدينية عن السلطة الزمنية، بحيث لم يعد للبابا أي سلطان عليها. ولكن هذا الدول عندما فعلت ذلك فإنها خالفت قرارات المجامع المسكونية، التي اعتبرت كل المسيحيين بمن فيهم الحكام خاضعين
стр. 373
للبابا وملزمين بطاعة أوامره، لأنه رئيس الكنيسة التي تحمل سلطان الله على الأرض (١).
وهذا الوضع الجديد الذى نشأ في هذه الدول، نتيجة فصل السلطة الزمنية عن السلطة الدينية، يجعل الحديث عن علمانية هذه الدول له ما يبرره، وربما هذا ما يفسر قوة الأحزاب الشيوعية في البلدان الأرتوذكسية والكاثوليكية، في حين أنها غير قوية في البلدان الأخرى، وعلى الأخص في البلدان البروتستانتية. فمن بين الأعمال المبكرة لماركس, والتي لم تحظ بالكثير من الشهرة, تعليق كتبه على إنجيل يوحنا. يجزم ماركس فيه: "بأن المسيحية, بصيغتها البروتستانتية على وجه الخصوص, هي الشيء الوحيد القادر على إعادة صنع حياة دمرتها الخطيئة" (٢)، لأن العامل عندما وجد انه مبعد عن مجتمع تدعمه الأوساط الكاثوليكية، انضم إلى اكليروس آخر مستكمل التكوين (٣)، وهذا يعنى أن الدين الذي وصفه ماركس بأنه افيون الشعوب، هو الدين المسيحي بشقه الكاثوليكي والارثوذكسي، وليس الدين المسيحيى بشقه البروتستانتي، الذي مدحه ماركس وغيره من مفكري التنوير كما سنلاحظ، بسبب فصله بين الدين والدولة.
أما الدول البروتستانتية مثل بريطانيا وأمريكيا، فإنها بتبنيها للمذهب البروتستانتي، قبلت بمبدأ فصل السلطة الزمنية عن السلطة الدينية، الذي نادى به (لوثر) خلال محاولته تحجيم سلطة الكنيسة الكاثوليكية، كما وضحنا ذلك سابقاً. فإلى جانب الإصلاحات الدينية الكاسحة التي قام بها (مارتن لوثر) و (جون كالفن)، فإنهما ربما اقترحا إلغاء الصلة التي تربط بين الكنبسة والدولة، والتي كانت تمثل جزءا أساسياً في الكاثوليكية في ذلك الوقت. ولكن في الحقيقة أيد كل من (مارتن لوثر) و (جون كالفن) إضفاء الطابع الرسمي على الكنائس التي أسهما في تأسيسها (٤). وقد جاءت بعد لوثر فرق بروتستانتية متعددة مثل المعمدانيين لتؤكد هذا المبدأ، حيث كانوا أول من نادى بمبدأ فصل الدين عن الدولة، لأسباب دينية
стр. 374
أصولية أدعوا خلالها بأن الكنيسة في بدايتها الأولى لم يكن لها أي علاقة بالدولة. لهذا فإن الدول البروتستانتية مثل بريطانيا وأمريكيا عندما قامت بفصل الدين عن الدولة، فإنها فعلت ذلك استجابة لعقيدة دينية، وليس استجابة لأفكار ونظريات فلسفية علمانية كما حدث في الدول الكاثوليكية والأرثوذكسية.
فنتيجة للثورة على الكنيسة الكاثوليكية خلال عصر الإصلاح، "رأي الغرب في العلمانية - كما قال الفيلسوف الإنجليزي البروتستانتي (جون لوك) (١) - الطريقة الجديدة والأفضل ليكون المرء متديناً، معتبراً أن الخلاص الروحي ينبغي أن يقوم على ترك الأفراد ليقرروا بأنفسهم في نهاية المطاف، الطريقة التي يرشدهم بها الكتاب المقدس لتحقيق ذلك الخلاص, سواء كان ذلك عن طريق العمل الصالح أم برحمة من الله" (٢). وهذه الطريقة الجديدة التي عرفت فيما بعد بالعلمانية، لم تكن تعني الابتعاد عن الدين، بل الاقتراب منه أكثر ولكن بدون وساطة من رجال الكنيسة، لهذا فإن الدين ظل يلعب دوراً رئيساً في حياة هذه الدول، بالرغم من أنها تفصل بين السلطتين الزمنية والدينية، لأن هذا الفصل لم يأتِ نتيجة لنزعة الحادية تنكرت للدين، بل جاء تلبية لمعتقد ديني.
وهذا الوضع الجديد للدين في هذه الدول يتمشى مع رأى (كالفن) في علاقة الكنيسة بالدولة، حيث كان يقول: "إن الكنيسة والدولة مقدستان، وقد خلقهما الله لكي يعملا في انسجام كالروح والجسد لمجتمع مسيحي واحد. فعلى الكنيسة أن تضع القواعد التي تنظم التفاصيل الخاصة بالعقيدة والعبادة والأخلاق، وعلى الدولة أن تدعم هذه القواعد باعتبارها ذراع الكنيسة الطبيعي" (٣). وهكذا أصبح لفصل الدين
стр. 375
عن الدولة معنى جديد في ظل المذهب البروتستانتي ... أنه توزيع للمهام أو تقسيم للعمل حسب تقاليد النظام الرأسمالي.
رأى فولتير وكانط
من المفكرين الذين هاجموا نشاط المنظمات والمؤسسات الدينية الكاثوليكية، الفيلسوف الفرنسي (فولتير) الذي تربى في مدارس الآباء اليسوعيين، فوقف عن كثب على أساليب جماعة الجزويت الدينية، وكان لهذا أثره في مهاجمته الكنيسة الكاثوليكية، إذا أنه كان يعتقد أن هذه الجماعات وأمثالها من الهيئات الدينية، تقوم بممارسة نواحٍ تدميرية سرية، وتشترك في المؤامرات والاغتيالات السياسية، كما أنهم يتسترون وراء المظهر الديني والهدف الثقافي ليسيطروا على عقول النشئ، ويستغلونهم لتحقيق أغراضهم، التي تتنافى مع طبيعة وظيفتهم الاجتماعية كهيئة دينية. ويبدو أن وقوفه على مثل تلك الممارسة الخطيرة، والأحداث الجسيمة التي ألصقت بالقساوسة، قد كان من أهم العوامل المحفزة له على الشك في رجال الدين، ونقمته على المذهب الكاثوليكي وكنيسته. ويبدو أنه لم يتخذ موقفاً خاصاً إزاء الدين ذاته، لأنه عالج الموضوع من زاويته الشخصية. ففي الوقت الذي هاجم وانتقد رجال الكنيسة الكاثوليكية، امتدح المذهب المسيحي البروتستانتي ورجال كنيسته، زاعماً أن هذا المذهب لا يخرج عن حدود طبيعته الدينية إلى الأغراض الاجتماعية الملتوية التي تقصد إلى تحقيق أغراض سياسية واقتصادية تجارية ومالية.
والواقع أن آراء فولتير، تعتبر امتداداً طبيعياً للنزعة التحررية من ربقة السلطة الكنسية والبابوية التي كانت تمارس منظماتها ألواناً من النشاط التدميري، لتحقيق أهدافها النفعية بما يحفظ لها السطوة والسيطرة في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يبدو لنا أن فولتير يندد بفكرة الاضطهاد الديني أكثر من تنديده بالوظيفة الاجتماعية للهيئات الدينية، ومعنى ذلك أن حملاته ضد الكنيسة الكاثوليكية كان مرجعها إلى تعصبها ضد الطوائف الدينية الأخرى كالبروتستانتية. وآية ذلك أنه يشير في فلسفة التاريخ إلى
стр. 376
أن الدين مظهر فطرى للمجتمع الإنساني عن طريقه يتحقق السلام والوفاق بين الأفراد والجماعات. فإذا حاد عن وظيفته الاجتماعية الطبيعية أصبح معول هدم، وأساس اضطهاد، وعامل تفرقة ومشاحنات (١).
وانطلاقاً من فهم (فولتير) السابق للدين، لم يكن مستغرباً أن يبدى إعجابه بالمذهب البروتستانتي في رسائله عن الانجليز: "فقد إثارة دهشته الحرية التي كان يعمل في ظلها الكتاب الانجليز. فقد كتب (بولينج بروك) و (بوب واديسون) و (سويفت) كل ما أرادوا في جو من الحرية التامة. هنا شعب له آراؤه الخاصة به، شعب أصلح دينه وشنق ملكه، واستورد ملكا آخر، وأنشأ مجلسا نيابيا أقوى من أي حاكم في أوروبا. ولا وجود لسجن الباستيل هنا، وهنا ثلاثون مذهباً دينياً بغير قسيس واحد. هنا أشجع المذاهب الدينية جميعاً، مذهب الأصحاب (الكويكرز)، الذين أثاروا دهشة العالم المسيحي بأخلاقهم المسيحية" (٢).
أما الفيلسوف الألماني (عمانوئيل كانط) فقد سار على نفس النهج في موقفه من الدين، وانتقد ممارسات رجال الكنيسة الكاثوليكية والكثير من طقوسها، حيث قال: "إن قيمة الكنائس والمعتقدات الدينية تكون بمقدار ما تعاون الجنس البشرى على التطور والرقي الأخلاقي، أما إذا تحول الدين إلى مجموعة من المراسيم والعقائد والطقوس الشكلية، وعلق الناس أهمية بالغة على هذه الطقوس والمراسيم وفضلوها على الناحية الأخلاقية، التي جاء بها الدين، وجعلوا المراسيم والطقوس امتحاناً تقاس به الفضيلة، فان هذا يعنى انتهاء أمر الدين وزواله. إن الكنيسة الحقيقية هي جماعة من الناس، مهما بلغ تفرقهم وانقسامهم يجمعهم ويوحدهم ولائهم لقانون أخلاقي مشترك. وقد عاش المسيح ومات لتأسيس مثل هذه الجماعة. لقد أسس المسيح الكنيسة الحقيقية للقضاء على نفاق ورياء رجال الدين ومراسيمهم، وطقوسهم الشكلية، ولكن ظهر بيننا طبقة كهنوتية من رجال الدين والقساوسة بطقوسهم ومراسيمهم التي طغت على فكرة الديانة المسيحية
стр. 377
الأصيلة النبيلة. لقد قرب المسيح ما بين ملكوت الله والأرض، ولكن أخطأنا في فهمه فاستبدلنا مملكة الله بمملكة الرهبان والقسيسين، التي نشأت بيننا" (١).
هذا هو رأي (فولتير) و (كانط) وغيرهم من مفكري عصر التنوير في فرنسا وألمانيا، والذين أصبحوا في نظر كثير من المفكرين العرب والمسلمين مثالاً يحتدي في قضايا الدين والحرية، حيث دعا هؤلاء إلى الانقضاض على الدين وتحييده من حياتنا، والاقتداء بالغرب والأخذ بالعلمانية. وليتهم فهموا مقاصد هؤلاء المفكرين جيداً ودوافعها، ولكنه التقليد غير الواعي للغرب فقط لاغير. فكما لاحظنا فإن (فولتير) يمجد الدين في شقه البروتستانتي وينقم على الدين المسيحي في شقه الكاثوليكي. فهي ليست رؤية ـ أحادية للدين ترفضه رفضاً تاماً كما يريد بعض مفكرينا ومثقفينا، بل هي دعوة إصلاحية للدين تلتقي في النهاية مع، أفكار قادة الإصلاح الديني البروتستانتي التي فصلت الدين عن الدولة، ولكن بدون إلغاء دور الدين في الحياة العامة والخاصة، بل ألغت سلطة رجال الكنيسة فقط، أو بالأحرى نزعت السلطة من يد البابا والكنيسة الكاثوليكية ومنحتها لكافة أفراد الشعب.
وهذا الدور الجديد للدين، في الدول البروتستانتية، ربما يفسر لنا كيف أن بعض الباحثين يذهبون إلى أن النظام الرأسمالي بأسره ـ والسائد في هذه الدول ـ هو وليد منظومة القيم الدينية، التي جاءت بها حركة الإصلاح الديني وبالذات القيم الكالفينة (٢)، لأن الإصلاح الذي وضعه (كالفن) طمس إصلاح (لوثر) وتفوق عليه في مكان تلاقيهما (٣). كما أن الدكتور (غيات بوفلجه) يؤكد في كتابه (بين حضارة القوة وقوة الحضارة)، أن الحضارة الغربية المعاصرة هي نتيجة لتطور المذهب البروتستانتي في أوروبا، وتطور الفلسفات المادية وازدهار التقنية الحديثة بها، إذ ربط التطور العلمي بمدى قدرة الإنسان على الطبيعة، وعلى أخيه الإنسان (٤).
стр. 378
نسق الدين ونشأة النظام الرأسمالي عند ماكس فيبر
اعتبر (ماكس فيبر) البروتستانتية وخاصة في أفكارها الكالفنية مصدر الإلهام الحقيقي لنشأة النظام الرأسمالي، إذ يؤكد أنها شكلت نسقاٌ ثيولوجياً له معناه، حيث أحتوى هذا النسق على عدد من القضايا التي شكلت في مجموعها نسقاً منطقياً له تماسكه واتساقه، وهذه القضايا هي:
١ - أن هناك إلهاً واحداً ترانسندنتالياً (متعالياً) ومطلقاً، هو خالق الكون ومالكه، حيث خصائص ومجالات فعله بدون الوحي بعيدة تماماً عن الفهم البشرى.
٢ - أن هذا الإله قادر على كل الأرواح الإنسانية لأسباب بعيدة تماماً عن الإدراك البشرى، أما (الخلاص النهائي أو الموت والخطيئة الكاملة) فتمثل اعتقادات ثابتة من الأزل إلى الأبد، وليس للإيمان أو الإرادة البشرية تأثير عليه.
٣ - أن الله لأسباب غامضة تتعلق به، خلق العالم، ووضع الإنسان بمفرده بداخله، وذلك لمضاعفة مجده.
٤ - ولهذه الغاية فلقد قرر الله أن على الإنسان، دون اعتبار إلى أنه قد قدر الخلاص عليه أم الإدانة، أن يعمل لتأسيس مملكة الله على الأرض، وأنه سوف يخضع أثناء ذلك للقانون الإلهي.
٥ - ترك مسائل هذا العالم ذات الطبيعة البشرية والجسدية لذاتها، بحيث تذهب إلى غير رجعة (إلى الموت أو الخطيئة) حيث لا مهرب منها إلا باللجوء إلى تحقيق مجد الله (١).
وقد شكلت العناصر السابقة في مجموعها كما يذهب (فيبر) نسقاً قيمياً يحكم ويضبط حركة التفاعل في النسق الرأسمالي. كما أن النسق الاجتماعي شهد هو الآخر ظهور عوامل ذات صلة بنشأة الرأسمالية تتصل بنشأة البروتستانتية ذاتها مثل:
١ - سيادة النزعة التقشفية: يرى (فيبر) أنه نظراً للتعالي الكامل لله، والانفصال بين المسائل الدنيوية والسماوية، فإن هذا الوضع استبعد تماماً الاتجاه
стр. 379
الصوفي للاتحاد بروح السماء والاستغراق في إطارها، بل أصبح على الإنسان أن يوجه طاقاته الدينية نحو الاتجاه الايجابي التقشفي، بدلاً من الاتجاه الصوفي السلبي. فالله لا يمكن الاقتراب منه كلية، وإنما يمكن خدمته فقط. ووفقاً لذلك فخدمة الله لا يمكن أن تكون في اتجاه الاستغراق الكامل في المسائل الحسية لهذا العالم أو التكيف معها، ولكنها تكمن في السيطرة على كل ما هو حي، وفي الخضوع للنظام من أجل مجد الله، وهذا ما يعنيه (فيبر) بالنزعة التقشفية. ويرتبط بذلك أن العمل من ناحية (وهو قيمة كالفنية) والتقشف، وعدم إنفاق المال فيما هو دنيوي من ناحية أخرى يؤدى إلى التراكم العقلاني لرأس المال (١).
٢ - ازدهار العلم الحديث: يعتبر ازدهار العلم الحديث من العوامل الهامة لازدهار الرأسمالية، حيث يعتبر (فيبر) ذلك من نتائج الاعتقاد بصيغة الإله المتعالي. فما دام العالم اللامتناهي هو من خلق الله، فأفضل السبل لمعرفة الله هو أن ندرس أعماله.
٣ - ازدهار التكنولوجيا: يرى فيبر أن ازدهار التكنولوجيا جاء نتيجة لرفض المنطق التقليدي لانجاز الأعمال، فهي تنطوي على أداء أكثر كفاءة لتحقيق مجد الله، كما تملى ذلك القيم البروتستانتية في مذهبها الكالفنى.
٤ - تقسيم العمل: تعتبر ظاهرة تقسيم العمل والمهن في المجتمع عند (فيبر) كنتيجة مباشرة للتطور الإلهي للأشياء. فتباين البشر إلى الطبقات والمهن يعتبر بالنسبة (لمارتن لوثر) نتيجة مباشرة لإرادة السماء. فمواظبة الفرد ومثابرته في موقعه في إطار الحدود التي عينها الله له، تعتبر بالنسبة له واجباً دينياً.
٥ - تقديس العمل: يرى (فيبر) أن الكالفنية، دعت إلى تقديس العمل، لأن هناك اعتراض أخلاقي على الركود إلى الدعة، استناداً إلى ما قد يملكه الشخص. لأن الإنسان على الأرض ينبغي لكي يتأكد من تحقيق مجد الله أن ينجز أعمال الله الذي خلقه في يومها. فلا فراغ ولا متعة، ولكن عليه أن يبدل النشاط فقط، لمضاعفة مجد الله وإظهار إرادته الواضحة. ويفسر (ماكس فيبر) ذلك في (كتاب البروتستانتية والرأسمالية)، حيث يرى أن الكالفني غير المطمئن إلى انتخابه، كان يفتش عن
стр. 380
ازدهار أشغاله المثمرة، وحيث أنه لم يكن واثقاً من نجاحه لينصرف إلى الراحة، عمد إلى تشغيل أمواله مرات عديدة، وجنى أرباح عظيمة بطريقة حسابية دقيقة (١).
٦ - إضاعة الوقت: يعتبر إضاعة الوقت ذنباً دينياً، لأن حياة الإنسان قصيرة جداً وقيمة، ومن تم فإضاعة الوقت من خلال الفراغ والترف أو النوم بأكثر مما تحتاجه الصحة، يجلب الإدانة الأخلاقية. فضياع ساعة وقت تعنى ضياع ساعة عمل في تأكيد مجد الله. وعلى ذلك فالتأمل السلبي لا قيمة له، ويستحق الإدانة إذا كان على حساب العمل اليومي. فليس اسعد لله من الانجاز الايجابي لإرادته.
٧ - التبرير الديني لتخفيض الأجور واستغلال العامل: يؤكد (فيبر) أن رفع اجر العامل يعنى أنه سوف يجد لديه أكثر مما يحتاجه لإشباع حاجاته التقليدية وبالتالي سوف يدفعه ذلك إلى التقليل من كم العمل. ولما كان الإنسان الذي لا ينتج مادامت لديه الصحة والقدرة، هو الإنسان الذي يغفل مسئولياته الأخلاقية، فإن تخفيض اجر العامل تكون له مبرراته الدينية. فيجب علينا كما يقول (فيبر) أن نأخذ بالحكمة الكالفنية التي تقول: أن البشر يعملون فقط ماداموا فقراء (٢).
هكذا شكلت العناصر السابقة المستمدة من المذهب البروتستانتي في مجموعها كما يذهب فيبر نسقاً قيمياً، كان مصدر الإلهام لنشأة النظام الرأسمالي. "فالديانة التي استصلحت أصلحت بدورها الخلق الاقتصادي. لقد كانت تخشى تراكم الثروات، ولكنها كانت تحارب سوء استعمال الثروة لا تجميعها، وحكماء انكلترا المجددون، حاولوا الجمع بين روح الأعمال ومقتضيات العقل، ومن هنا نشأ مبدأ المنافسة والصراع" (٣).
دور الدين في الحياة الأمريكية
مما تقدم، اتضح لنا دور الدين والقيم الدينية المستمدة من المذهب البروتستانتي، في نشأة النظام الرأسمالي السائد، في كلاً من بريطانيا وأمريكيا،
стр. 381
حيث لعب هذا المذهب على صبغ الحياة الأمريكية برمتها بصبغة دينية، وهنا يبرز خطأ شائع، بل وقاتل وقع فيه كثير من الكتاب والمفكرين العرب، من خلال محاولتهم التقليل من دور الدين في الحضارة الحديثة، على اعتبار أن الغرب لم ينجح، ولم يتقدم إلا بعد أن خلع رداء الدين، واحل محله ما يسمى بالعلمانية، التي تفصل الدين عن الدولة، حيث حاول هؤلاء الوصول إلى نتيجة أن العرب والمسلمين لن يتقدموا إلا إذا فعلوا نفس الشيء، ولست هنا في مجال الخوض في تفاصيل هذا الموضوع، لأن ذلك ليس موضوع الكتاب، ولكن هذا لا يمنع من إلقاء مزيد من الضوء على دور الدين في أمريكا، بعد أن بينا أثره في رسم السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، والعالم الإسلامي.
وحتى لا يكون حديثنا في هذا المجال مجرد سرد للتصريحات، والمواقف للسياسيين والمفكرين، ورجال الدين الأمريكيين ـ بالرغم من أهميتها ـ سنحاول الغوص بعمق في جذور الثقافة والفكر الأمريكي منذ نشأته، لنبين الدور المركزي الذي لعبه الدين ـ ولازال ـ في الحياة الأمريكية، وفي تشكيل الثقافة الأمريكية ومنظومة القيم، التي يؤمن بها الأمريكيون (١)، حيث "أن نظرة شاملة لطرق تفاعل الدين والسياسة في أمريكا، منذ التاريخ المبكر للهجرة إلي أمريكا، وبناء المستعمرات، وحتى الآن، ستجعلنا نتبين أنه لا يمكن فهم التاريخ الأمريكي المعاصر دون فهم جدلية العلاقة بين الدين والسياسة، التي تعد المنظور الكامل للتاريخ الأمريكي، حيث أن جذور الأحداث، التي تعرفها أمريكا المعاصرة، تضرب بجذورها في أعماق التاريخ والثقافة الأمريكية، وتعد العلاقة بين الدين والسياسة أحد أهم المؤثرات فيهما والمحركة لهما" (٢).
وفي كتابه الجديد (من نحن؟ تحديات الهوية الوطنية الأميركية)، يحاول (صموئيل هنتنغتون) تحديد الهوية الحقيقية لأمريكا، حيث يرفض فكرة أن الولايات المتحدة، هي مجتمع من المهاجرين متعددي الأعراق والإثنيات والثقافات، ويرى على
стр. 382
النقيض أن الأميركيين الذين أعلنوا استقلال أميركا عن الاستعمار البريطاني في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، كانوا مجموعة متجانسة من المستوطنين البريطانيين البروتستانت، الذين توافدوا إلى العالم الجديد من أوروبا، وخاصة بريطانيا، لكي يستقروا فيه ويعمروه للأبد. ويرى أن هؤلاء المستوطنين وضعوا بذور المجتمع الأميركي، انطلاقاً من مبادئهم وثقافتهم الأنغلو ـ بروتستانتينية التي لولاها لما قامت أميركا، التي نراها اليوم. ولذا يرى (هنتنغتون) أن لأميركا هوية محددة هي هوية هؤلاء المستوطنين، التي تقوم على ركائز أربع أساسية، هي العرق الأبيض، والإثنية الإنجليزية، والدين المسيحي البروتستانتي، والثقافة الإنجليزية البروتستانتينية. ويعتقد (هنتنغتون) أن الخصائص الأربع السابقة، انعكست بوضوح على جميع خصائص المجتمع، والدولة بالولايات المتحدة، وظلت سائدة حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي تقريباً (١).
كما ان القارئ لتاريخ الولايات المتحدة الأمريكية منذ تأسيسها، يمكنه أن يلحظ إلى أي حد مثل الدين أساسا، أقيم عليه العالم الجديد (أمريكا). فقد جاء المستعمرون البيوريتانيون ـ الذين أسسوا مستعمرة خليج ماساتشوستس إلى العالم الجديد بدوافع دينية إلى حد ما. لقد جاءوا من إنجلترا إلى هنا لكي يحيوا حياتهم بالشكل الذي يتماشى مع رؤاهم الدينية، حيث تعذر ذلك في إنجلترا خلال الحكم العدائي لجيمس الأول، وشارلز الأول. ورأى الكثير منهم أنه من الأفضل لهم الذهاب إلى مكان آخر، لممارسة معتقداتهم. لذا قام البيوريتانيون بتأسيس مستعمرة خليج ماساتشوستس في عام ١٦٣٠م وخلال العقد التالي هاجر أكثر من عشرين الف بيوريتاني إلى هذه المستعمرة (٢).
فقد كان عام ١٦٢٠م مرحلة رسو الباخرة ميلفور على الشواطئ الأمريكية، مقلة جماعة من المنشقين الدينيين، من جماعة البروتستانت، التي أنشأت انكلترا الحديثة (٣)، بداية هجرة جماعات كبيره من البريتانيون المتعصبين، فراراً من
стр. 383
الاضطهاد الديني، الذي كانوا يعانون منه في بريطانيا وأوروبا، نتيجة الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت، حيث حملوا معهم تراثهم الديني المستمد من العهد القديم، وكانوا يسقطون الأحوال التي يمرون بها وكأنها جاءت مطابقة لما ورد فيه بشأن اليهود عند دخولهم أرض فلسطين، بعد خروجهم من مصر. معتقدين بأنهم (شعب الرب المختار) المكلف برسالة ما، والعالم الجديد هو (إسرائيل الجديدة)، والعالم القديم هو مصر الجديدة. ولهذا عقد البيوريتانيون عهداً مع الرب ومع بعضهم البعض، ببناء مجتمع يقوم على أساس القانون الإلهي. فكان لابد لهم أن يكونوا بمثابة مدينة تقف أعلى التل (أي مدينة فاضلة) تكون محط أنظار العالم أجمع.
- إن أي إنسان يدان قانونياً بعبادة إله غيرالهنا سوف يعدم.
- إن كل من يعمل بالسحر رجلا كان أو امرأة (أي تكون له صله أو يلجأ للاستعانة بالأرواح) سوف يعدم.
- إذا ما قام أي إنسان بسب الرب (الأب أو الابن أو الروح القدس)، سواء بالتغيير الصريح أو بالتجريح، أو عن طريق العمد، أو يلعن الرب بأسلوب مماثل سوف يعدم.
تلك مختارات من قوانين الإعدام، التي تشكل جزءاً من هيئة الحريات بماساتشوستس لعام ١٦٤١م، حيث حدد البيوريتانيون (التطهريون) اثنتي عشرة جريمة يعاقب فيها المرء بعقوبة الإعدام. والجرائم الثلاث الأولى (المذكورة أعلاه) تتعلق بالأمور الدينية. لقد جنح النظام البيوريتاني في أوجه إلى النمط الثيوقراطي. ففي هذه المستعمرة، سيطرت الكنائس البيوريتانية على الحكومة، وحرص البيوريتانيون بشكل جاد على استخدام كل من المنظمات السياسية والدينية في صياغة رؤيتهم للمجتمع، على أساس معتقداتهم الدينية (١).
стр. 384
وهكذا لعب الدين دوراً مركزياً في حياة الأمريكيين منذ السنين الأولى. "فأمريكا هي الأمة الوحيدة في العالم التي شيدت على أساس الإيمان" (١)، ويصبح المرء أمريكياً عبر اعتناق جملة الطروحات الواردة فيما أطلق عليه (امرسون) اسم (تجربة دينية). "ففي التعابير التي كانت تدور على ألسنة سكان المراحل الأولى من تاريخ فيرجينيا ـ على سبيل المثال ـ أعلن أوائل المستوطنين عن أنفسهم بجرأة أنهم على حد قول (جون رولف) بأنهم "شعب له خصوصيته أشار إليه، واختاره إصبع الله لامتلاك تلك الأرض لأنه معنا دون شك". واليوم يعتقد الكثيرون في الولايات المتحدة، بأن الدولة مكلفة بمهمة خاصة، ويعين عليها أن تكون مثالاً يحتذى به في العالم اجمع. ويشعر كثير من الأمريكيين بأن الولايات المتحدة هي الأرض المختارة التي أسبغ الرب عليها نعمته (٢).
"ويمكننا الحصول على صورة لا بأس بها، عن أثر الدين في الحياة الأمريكية، إذا لاحظنا أنه كانت توجد مقاعد في الكنائس عام ١٨٦٠م تتسع لستة وعشرين مليوناً من السكان، الذين بلغ إجمالي عددهم ٣١ مليوناً. وتدل هذه الأرقام على أن المرء لو زار الولايات المتحدة يوم أحد في تلك الفترة لوجد على الأرجح أن أكثر من نصف الناس كانوا في الكنيسة" (٣). وقد لاحظ (توكفيل) في تلاثينات القرن التاسع عشر أن الأمريكيين كانوا الشعب الأكثر تدينا (٤) ً، وقد بقى ذلك صحيحاً إلى اليوم. "ففي أي عطلة أسبوعية، سيبادر ما يزيد على نصف مجموع الأمريكيين إلى الذهاب إلى إحدى دور العبادة، مقارنة بنسبة تتراوح بين ١٠، و٢٠، بالمئة في أكثر البلدان الأوربية وكندا" (٥). كما لاحظ (جيمس برايس) وهو زائر بريطاني للولايات المتحدة في عقد ثمانينات القرن التاسع عشر الميلادي أن رجال الدين كانوا أبرز مواطني أمريكا وأنهم كانوا يحصلون على " قدر من النفوذ كثيراً ما يفوق في اتساعه وقوته
стр. 385
نفوذ أي رجل عادى علماني" (١).واكد توكفيل هذا المعنى فقال: «عند الأمريكيين يجب اعتبار الدين بمثابة المؤسسة السياسية الأولى» (٢). ولهذا كانت القوة الدافعة لتحريم الخمر في أمريكيا هي الحملة البروتستانتية التي انخرط فيها الليبراليون والمحافظون البروتستانت.
وقد وصف أحد الكتاب (جمعية مناهضة الحانات) التي تأسست في ١٨٩٥م على أنها في الحقيقة فرع الكنائس الميثودية المعمدانية، حيث أيد بشدة جميع البروتستانت الأمريكيين تحريم الخمر، ولم يكن هناك إلا بعض الاستثناءات (٣).
أما في العصر الحاضر، فإن "هناك دلائل على أن أغلبية الأمريكيين في أواخر القرن العشرين، يغمرهم شعور ديني لافت للنظر، إذ عاد إلى الظهور ـ في أواخر عقد الثمانينات من هذا القرن نوع من المسيحية التقليدية إلى حد ما كقوة يعتد بها في الحياة الأمريكية السياسية والثقافية، حيث تبدو أهمية الدين من خلال كثرة وتكرار استخدام النصوص الدينية من جانب الساسة، مثل استخدام (كلينتون) في خطابه الافتتاحي عام ١٩٩٧م لعبارة من التوراة، تقول: "استرشادا بالرؤية القديمة لأرض الميعاد، فلنوجه أبصارنا اليوم إلي أرض ميعاد جديدة". ويشير (مايكل كوربت) في كتابه "الدين والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية" إلي تغلغل الدين في حياة الأمريكيين في قضايا عامة، وخاصة مثل شن الحرب وتفهمها، أو تبرير أسبابها، وتنظيم الحياة الشخصية، وحول ما يجب فعله أو الامتناع عنه، أو تبرير العبودية، والفصل العنصري أو رفضها. كما يعتبر المؤلف أن الصلاة الجماعية في الكنائس بأمريكا، هي نوع من دعم الدولة للدين، وفي نفس الوقت مساعدة الأفراد علي الإحساس بكل ما هو مقدس، ويرجع المؤلف ظهور التعليم العام، ونشأة العمل التطوعي إلي الدين (٤).
стр. 386
وفي هذه الأيام يجد منظمو استطلاعات الرأي باستمرار، مستويات من الإيمان الديني المعلن يمكن أن تدفع المرء إلى التشكيك في الاعتقاد الشائع القائل: إن الأمريكيين الآن أقل تديناً مما كانوا عليه منذ قرن مضى. إذ لا يقول خمسة وتسعون في المائة من الأمريكيين، الذي يجري استطلاع آرائهم كل مرة أنهم يؤمنون بالله وحسب، بل يقول أكثر من سبعين في المائة أيضاً أنهم لن يصوتوا لصالح مرشح رئاسي لا يؤمن بالله، (حتى وإن كانوا يحبونه حقيقة ... ويشاركونه آراءه السياسية). كما يقول سبعة من كل عشرة أن عيسى هو ابن الله المقدس. ويؤمن نفس العدد بحياة بعد الموت. كذلك يقول الثلث أنهم (ولدوا من جديد) كما يقول حوالي النصف أن (الكتاب المقدس) كلمة الله، وكل ما جاء فيه صحيح. ويقول ستة من كل سبعة، أن الوصايا العشر من الأمور، التي يجب العمل بها هذه الأيام، بينما يذكر سبعة وخمسون في المائة أن الدين "أمر هام جدا في حياتهم" (١).
وهذه المستويات العالية من الإيمان الديني، التي كشفت عنها الاستطلاعات، تؤكد النتيجة التي سبق وأن توصل إليها (الكسيس دي توكفيل) في كتابه (الديمقراطية في أمريكا) عندما قال: "في الولايات المتحدة السلطة المهيمنة سلطة دينية وبالتالي، لا يوجد بلد في العالم يتمتع فيه الدين المسيحي بالنفوذ الذي يتمتع به في نفوس الناس في أمريكا" (٢). كما أن الكتاب المقدس ـ المصدر الرئيس للعقيدة المسيحية ـ يتمتع بمكانة خاصة حاسمة في نفوس الناس في أمريكيا، لأنه كان في وسع المصلح دائماً الاحتكام إلى المبدأ البروتستانتي القائل: إن الكتاب المقدس كان السلطة الوحيدة العليا التي تسمو على جميع التقاليد، وكان بإمكان الشخص العادي الذي يقف إلى جانب المعنى الواضح المبني على سلامة الفطرة للكتاب المقدس، وان يتجاهل سلطة رجال الدين المثقفين أو الكنائس ذات الهيبة والمقام.
وهكذا فقد اتفق جميع البروتستانت الأمريكيين تقريباً، من حيث المبدأ على أن الكنيسة الحقة والمدنية الصحيحة لابد وأن تقوما على الكتاب المقدس. "ولا يكاد يمكن للمرء أن يغالي في تقديره للدرجة العظيمة التي نظر بها البروتستانت
стр. 387
الأمريكيون إلى الولايات المتحدة، على أنها نتاج لحضارة ذلك الكتاب. فقد حظي الكتاب ذاته باحترام واسع بوصفه المرجع النهائي لجميع المواضيع بما فيها التاريخ والعلوم، إلى جانب اللاهوت والأخلاق. وطيلة القرن التاسع عشر الميلادي قرأ أطفال المدارس الأمريكيين دروساً في سلسلة كتب (ماك غفي) للقراءة عناوين مثل: (الكتاب المقدس خير المؤلفات المعتمدة) و (أمي التوراة) ".
ونتيجة هذا الأثر الكبير للكتاب المقدس، وبالذات العهد القديم، على الأمريكيين، لم يكن غريباً أن يصف الأمريكيون أنفسهم بعبارات وصور مجازية توراتية، واقتفوا اثر سوابق بيوريتان نيوانجلند في هذا المجال واستمروا يتحدثون عن أنفسهم على أنهم إسرائيل جديدة، وأنهم شعب يرتبط بميثاق مع الله. وكان المفهوم الميثاقي ـ القائل: إن نجاح الأمة (الأمريكية) وازدهارها نتيجة لبركات من لدن الله، ومن ثم الاعتماد على النظام الأخلاقي القومي ـ يمثل معتقداً علمياً وله تأثيره الكبير في كل حركة سياسية رامية إلى الإصلاح الأخلاقي. إضافة إلى ذلك فقد أحدثت إيقاعات الكتاب المقدس أثرها في الاستعمالات اللغوية البلاغية، وفي خطب (أبراهام لنكولن) مثال بارز على ذلك. وقدم الكتاب المقدس الكثير من أدبياتهم كما اقتصرت معرفتهم بالتاريخ إلى حد بعيد على التاريخ الموجود في الكتاب المذكور" (١)، باعتباره المصدر الوحيد للحقيقة. ولكن ادعاء الكتاب المقدس الحقيقة - كما يقول روبرت يانج- هو ادعاء مستبد، فهو يستبعد الادعاءات الاخرى كافة .. حيث لا تحاول القصص التوراتية كسب ودنا ... كما انها لا تتملقنا بحيث يمكن ان تسعدنا أو تفرحنا، انها تسعى لاخضاعنا، واذا رفضنا الخضوع فنحن مارقون (٢). وربما هذا ما يفسر النظرة الاحادية والتعصب التى طبع بها المؤمنون بحرفيته من الاصوليون المسيحيون، امثال بوش وغيرهم الذين قسموا العالم إلى محورين شر وخير، ودول مارقه وخيره، وطالبوا الجميع بان يكونوا معنا أو ضدنا!!؟.
стр. 388
الديني والعلماني
بالرغم من المزج الذي يسترعي الانتباه بين العنصر الديني الواضح، والعنصر العلماني الواضح، في الحياة الأمريكية، والذي دفع المثقف الفرنسي (اليكس توكفيل) في كتابه عن الديمقراطية في أمريكا، إلى القول: "إن الوعاظ والقساوسة الأمريكيين يتكلمون كساسة، والساسة يتكلمون كوعاظ" (١) ـ بالرغم من هذا المزج الذي قد يوفر دليلاً هاماً في فهم الثقافة الأمريكية، فقد ركز معظم المؤرخين الأمريكيين بصورة شبه حصرية على ما هو علماني فقط. ويعكس هذا الموقف وضع الأسرة الأكاديمية الحديثة. إذ أكدت التفسيرات السائدة للسلوك البشري خلال القرن الماضي على العوامل غير الدينية، علاوة على ذلك فقد تنبأت العديد من النظريات ولاسيما التي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين، بأن الدين التقليدي شأنه في ذلك شأن الطب البدائي والمحراث الذي يجره الحصان سيختفي حتماً مع تقدم الثقافة والتعليم الحديثين. ومن ثم فإن معايير كثير من دراسات الإنسانية تمحورت حول الافتراض القائل بعدم ضرورة حمل الدين على محمل الجد، من أجل فهم العالم الحديث" (٢).
وفي الولايات المتحدة وبلدان أخرى في أواخر القرن العشرين، أثبت هذا الافتراض بطلانه غير أن الأكاديميين كثيراً ما يتباطئون في التخلي عن تقاليدهم، التي درجوا عليها في تفسير الأمور والأحداث، حيث تغافلوا أو لم يدركوا طبيعة الدين في أمريكا، والكيفية التي نشأ بها، معتقدين انه لا يمكن إعطاء الدين دوراً في الحياة الأمريكية، طالما أن السلطة ليست في يد القساوسة ورجال الدين، كما كان الحال في أوروبا أيام سيطرة البابا على السلطتين الزمنية والدينية، حيث تناسى هؤلاء أن الدين الأمريكي ما هو إلا امتداد للمذهب البروتستانتي، الذي تمرد على سلطة البابا، ورفض رفضاً قاطعاً تمتعه بالسلطتين الزمنية والدينية، لما جلبه ذلك من مفاسد حسب اعتقادهم، ولهذا كان الفصل بين الدين والدولة مطلباً دينياً في المذهب البروتستانتي، ارتضاه المؤسسون الأوائل لأمريكا انطلاقاً من قناعتهم الدينية، التي
стр. 389
تدعوهم إلى العودة إلى الأصول، وعدم الاعتراف بأي سلطه غير سلطة الكتاب المقدس، باعتباره مصدر العقيدة النقي (١).
فالحكومة المدنية ـ أي المتحضرة ـ كما يرى البروفسور (مايكل كوربت)، هي التي تؤيد الدين، بينما الحكومات الشمولية والديكتاتورية، هي التي تقف ضد الدين، حيث أن الإصلاح الكنسي البروتستانتي ربط بين الكنيسة والدولة، وجعل كلاً من الحاكم والمحكوم تحته تابعين لكنيسته، ولكنه في نفس الوقت لم يجمع السلطتين الزمنية والدينية معاً، لكن حركات إصلاحية راديكالية مسيحية رفضت ربط الكنيسة بالدولة، ورأت أن هذا الارتباط يدمر الكنيسة تماماً (٢).
وهذا الاختلاف في النظر للعلاقة بين الدين والدولة في أمريكا هو الذي جعل البعض ينظر إلى العلاقة بين الدين والسياسة في أمريكا باعتبارها معضلة لم تتحدد بعد، متناسين انه يوجد في أمريكا ما يسمى الدين المدني، وهو دين مواز للكنائس الرسمية، يتغلغل في الحياة الأمريكية. وهو مجموعة من المعتقدات والطقوس والشعائر والرموز، التي تنتشر في الحياة الأمريكية منذ القدم، مثل اعتبار عيد الشكر عيدا قوميا للصلاة ـ كما أعلن (جورج بوش الأب) عام ١٩٩١م إبان حرب الخليج ـ وابتهال كلينتون في خطبه إلي الرب ليبارك أمريكا، واستهلال الجلسات الحكومية بالصلاة، ودعم الحكومة لقساوسة الجيش، كما ويظهر الدين المدني في الأغاني مثل (أمريكا الجميلة) و (فليبارك الرب أمريكا) وغيرها. كما أنه بينما يذهب بعض الساسة ورجال الدين إلي الفصل بين السياسة والكنيسة يذهب آخرون إلي عمق العلاقة بينهما، فالرئيس (جيفرسون) وهو من المؤمنين بالدين المدني، يري ضرورة الفصل، بينما (جيري فالويل) يقول: "أذا لم يتعلم المرء كلام الرب، ولم يعرف ما جاء بالأنجيل، فأنني أشك في قدرته علي أن يصبح قائداً فاعلاً، وقيادته لكل شيء، سواء أسرته أم كنيسته أو أمته لن تكون ناجحة دون هذه الأولوية" (٣). وينحى نفس المنحى كثير من الساسة والمفكرين، ولكنه في كل الأحوال، لا يمكن لأحد أن ينكر الدور الذي يلعبه الدين في الثقافة الأمريكية.
стр. 390
فالدين ـ كان ولا زال ـ يلعب دورا مهماً في التاريخ الأمريكي، حيث اعتبر المهاجرون الذين استقروا في أمريكا طيلة العهد الاستعماري، أنهم ببساطة يمثلون المسيحية أو العالم المسيحي، حيث لعبت الجماعات البروتستانتية الحاكمة، دوراً مركزياً في تشكيل الثقافة الأمريكية. يقول (جورج مارسدن): إن قصة الإنجيلية الأمريكية هي قصة أمريكا ذاتها في السنوات ١٨٠٠ ـ ١٩٠٠م لأن الدين الإنجيلي هو الذي جعل الأمريكيين أكثر الأقوام المتدنية في العالم ... " ورغم وجوب الاعتراف بوجود قوى أخرى أيضاً، إلا أن المسيحية الإنجيلية كانت بارزة بصورة غير عادية في إعطاء شكل للقيم والثقافة الأمريكية في القرن التاسع عشر الميلادي. ولهذا يقول المؤرخ (وينثروب هدسن): "في عام ١٩٠٠م لم يكد يوجد من يشك في الطرح القائل، "أن الولايات المتحدة كانت أمه بروتستانتية" (١). وهذا يعنى انه لا أحد يستطيع أن يفهم أمريكا وحرياتها إلا إذا وعى وتفهم التأثير الذي باشره ومازال يباشره، الدين في صوغ هذا البلد. فمن الخصائص الفريدة المميزة لنظام الحكم الجمهوري في أمريكا انه يستمد الحيوية المحركة له من قيم من يعيشون في ظله، والذين أكدوا أن تلك القيم تستمد بالقدر الأعظم من الدين. وهذا ما جعل الشاعر الإنجليزي (جيليبرت كيث) يصف أمريكا بأنها أمة لها روح كنيسة.
يقول شمعون بيرس: لقد وصفوا الشعب الأمريكي بالعملي - لكني غير مقتنع تماماً بهذا الوصف. فليس (الدولار) الذي يشكل حجر الاساس في المجتمع الأمريكي برغم كل المادية الموجودة فيه- ان حجر اساسه هو (الانجيل) في العهد القديم والجديد. وعلى الاساس نفسه، لم يكن وجود عدو مشترك هو اساس العلاقة الخاصة التي نشأت بين اسرائيل والولايايت المتحدة - انه القيم المشتركة. وانني لم اقتنع ابداً بالحديث القائل في وجود "نحالف استراتيجي" بين أمريكا واسرائيل - حتى في قمة الحرب الباردة. ولم اؤمن ابداً بالقول ان أمريكا احتاجت الينا في مواجهتها ضد الاتحاد السوفيثي (٢).