← Общие книги

Общие книги · id 36505

الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم

يوسف الطويل

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وفي هذه الأيام يجد منظمو استطلاعات الرأي باستمرار، مستويات من الإيمان الديني المعلن يمكن أن تدفع المرء إلى التشكيك في الاعتقاد الشائع القائل: إن الأمريكيين الآن أقل تديناً مما كانوا عليه منذ قرن مضى. إذ لا يقول خمسة وتسعون في المائة من الأمريكيين، الذي يجري استطلاع آرائهم كل مرة أنهم يؤمنون بالله وحسب، بل يقول أكثر من سبعين في المائة أيضاً أنهم لن يصوتوا لصالح مرشح رئاسي لا يؤمن بالله، (حتى وإن كانوا يحبونه حقيقة ... ويشاركونه آراءه السياسية). كما يقول سبعة من كل عشرة أن عيسى هو ابن الله المقدس. ويؤمن نفس العدد بحياة بعد الموت. كذلك يقول الثلث أنهم (ولدوا من جديد) كما يقول حوالي النصف أن (الكتاب المقدس) كلمة الله، وكل ما جاء فيه صحيح. ويقول ستة من كل سبعة، أن الوصايا العشر من الأمور، التي يجب العمل بها هذه الأيام، بينما يذكر سبعة وخمسون في المائة أن الدين "أمر هام جدا في حياتهم" (١). وهذه المستويات العالية من الإيمان الديني، التي كشفت عنها الاستطلاعات، تؤكد النتيجة التي سبق وأن توصل إليها (الكسيس دي توكفيل) في كتابه (الديمقراطية في أمريكا) عندما قال: "في الولايات المتحدة السلطة المهيمنة سلطة دينية وبالتالي، لا يوجد بلد في العالم يتمتع فيه الدين المسيحي بالنفوذ الذي يتمتع به في نفوس الناس في أمريكا" (٢). كما أن الكتاب المقدس ـ المصدر الرئيس للعقيدة المسيحية ـ يتمتع بمكانة خاصة حاسمة في نفوس الناس في أمريكيا، لأنه كان في وسع المصلح دائماً الاحتكام إلى المبدأ البروتستانتي القائل: إن الكتاب المقدس كان السلطة الوحيدة العليا التي تسمو على جميع التقاليد، وكان بإمكان الشخص العادي الذي يقف إلى جانب المعنى الواضح المبني على سلامة الفطرة للكتاب المقدس، وان يتجاهل سلطة رجال الدين المثقفين أو الكنائس ذات الهيبة والمقام. وهكذا فقد اتفق جميع البروتستانت الأمريكيين تقريباً، من حيث المبدأ على أن الكنيسة الحقة والمدنية الصحيحة لابد وأن تقوما على الكتاب المقدس. "ولا يكاد يمكن للمرء أن يغالي في تقديره للدرجة العظيمة التي نظر بها البروتستانت

стр. 387

الأمريكيون إلى الولايات المتحدة، على أنها نتاج لحضارة ذلك الكتاب. فقد حظي الكتاب ذاته باحترام واسع بوصفه المرجع النهائي لجميع المواضيع بما فيها التاريخ والعلوم، إلى جانب اللاهوت والأخلاق. وطيلة القرن التاسع عشر الميلادي قرأ أطفال المدارس الأمريكيين دروساً في سلسلة كتب (ماك غفي) للقراءة عناوين مثل: (الكتاب المقدس خير المؤلفات المعتمدة) و (أمي التوراة) ". ونتيجة هذا الأثر الكبير للكتاب المقدس، وبالذات العهد القديم، على الأمريكيين، لم يكن غريباً أن يصف الأمريكيون أنفسهم بعبارات وصور مجازية توراتية، واقتفوا اثر سوابق بيوريتان نيوانجلند في هذا المجال واستمروا يتحدثون عن أنفسهم على أنهم إسرائيل جديدة، وأنهم شعب يرتبط بميثاق مع الله. وكان المفهوم الميثاقي ـ القائل: إن نجاح الأمة (الأمريكية) وازدهارها نتيجة لبركات من لدن الله، ومن ثم الاعتماد على النظام الأخلاقي القومي ـ يمثل معتقداً علمياً وله تأثيره الكبير في كل حركة سياسية رامية إلى الإصلاح الأخلاقي. إضافة إلى ذلك فقد أحدثت إيقاعات الكتاب المقدس أثرها في الاستعمالات اللغوية البلاغية، وفي خطب (أبراهام لنكولن) مثال بارز على ذلك. وقدم الكتاب المقدس الكثير من أدبياتهم كما اقتصرت معرفتهم بالتاريخ إلى حد بعيد على التاريخ الموجود في الكتاب المذكور" (١)، باعتباره المصدر الوحيد للحقيقة. ولكن ادعاء الكتاب المقدس الحقيقة - كما يقول روبرت يانج- هو ادعاء مستبد، فهو يستبعد الادعاءات الاخرى كافة .. حيث لا تحاول القصص التوراتية كسب ودنا ... كما انها لا تتملقنا بحيث يمكن ان تسعدنا أو تفرحنا، انها تسعى لاخضاعنا، واذا رفضنا الخضوع فنحن مارقون (٢). وربما هذا ما يفسر النظرة الاحادية والتعصب التى طبع بها المؤمنون بحرفيته من الاصوليون المسيحيون، امثال بوش وغيرهم الذين قسموا العالم إلى محورين شر وخير، ودول مارقه وخيره، وطالبوا الجميع بان يكونوا معنا أو ضدنا!!؟.

стр. 388

الديني والعلماني بالرغم من المزج الذي يسترعي الانتباه بين العنصر الديني الواضح، والعنصر العلماني الواضح، في الحياة الأمريكية، والذي دفع المثقف الفرنسي (اليكس توكفيل) في كتابه عن الديمقراطية في أمريكا، إلى القول: "إن الوعاظ والقساوسة الأمريكيين يتكلمون كساسة، والساسة يتكلمون كوعاظ" (١) ـ بالرغم من هذا المزج الذي قد يوفر دليلاً هاماً في فهم الثقافة الأمريكية، فقد ركز معظم المؤرخين الأمريكيين بصورة شبه حصرية على ما هو علماني فقط. ويعكس هذا الموقف وضع الأسرة الأكاديمية الحديثة. إذ أكدت التفسيرات السائدة للسلوك البشري خلال القرن الماضي على العوامل غير الدينية، علاوة على ذلك فقد تنبأت العديد من النظريات ولاسيما التي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين، بأن الدين التقليدي شأنه في ذلك شأن الطب البدائي والمحراث الذي يجره الحصان سيختفي حتماً مع تقدم الثقافة والتعليم الحديثين. ومن ثم فإن معايير كثير من دراسات الإنسانية تمحورت حول الافتراض القائل بعدم ضرورة حمل الدين على محمل الجد، من أجل فهم العالم الحديث" (٢). وفي الولايات المتحدة وبلدان أخرى في أواخر القرن العشرين، أثبت هذا الافتراض بطلانه غير أن الأكاديميين كثيراً ما يتباطئون في التخلي عن تقاليدهم، التي درجوا عليها في تفسير الأمور والأحداث، حيث تغافلوا أو لم يدركوا طبيعة الدين في أمريكا، والكيفية التي نشأ بها، معتقدين انه لا يمكن إعطاء الدين دوراً في الحياة الأمريكية، طالما أن السلطة ليست في يد القساوسة ورجال الدين، كما كان الحال في أوروبا أيام سيطرة البابا على السلطتين الزمنية والدينية، حيث تناسى هؤلاء أن الدين الأمريكي ما هو إلا امتداد للمذهب البروتستانتي، الذي تمرد على سلطة البابا، ورفض رفضاً قاطعاً تمتعه بالسلطتين الزمنية والدينية، لما جلبه ذلك من مفاسد حسب اعتقادهم، ولهذا كان الفصل بين الدين والدولة مطلباً دينياً في المذهب البروتستانتي، ارتضاه المؤسسون الأوائل لأمريكا انطلاقاً من قناعتهم الدينية، التي

стр. 389

تدعوهم إلى العودة إلى الأصول، وعدم الاعتراف بأي سلطه غير سلطة الكتاب المقدس، باعتباره مصدر العقيدة النقي (١). فالحكومة المدنية ـ أي المتحضرة ـ كما يرى البروفسور (مايكل كوربت)، هي التي تؤيد الدين، بينما الحكومات الشمولية والديكتاتورية، هي التي تقف ضد الدين، حيث أن الإصلاح الكنسي البروتستانتي ربط بين الكنيسة والدولة، وجعل كلاً من الحاكم والمحكوم تحته تابعين لكنيسته، ولكنه في نفس الوقت لم يجمع السلطتين الزمنية والدينية معاً، لكن حركات إصلاحية راديكالية مسيحية رفضت ربط الكنيسة بالدولة، ورأت أن هذا الارتباط يدمر الكنيسة تماماً (٢). وهذا الاختلاف في النظر للعلاقة بين الدين والدولة في أمريكا هو الذي جعل البعض ينظر إلى العلاقة بين الدين والسياسة في أمريكا باعتبارها معضلة لم تتحدد بعد، متناسين انه يوجد في أمريكا ما يسمى الدين المدني، وهو دين مواز للكنائس الرسمية، يتغلغل في الحياة الأمريكية. وهو مجموعة من المعتقدات والطقوس والشعائر والرموز، التي تنتشر في الحياة الأمريكية منذ القدم، مثل اعتبار عيد الشكر عيدا قوميا للصلاة ـ كما أعلن (جورج بوش الأب) عام ١٩٩١م إبان حرب الخليج ـ وابتهال كلينتون في خطبه إلي الرب ليبارك أمريكا، واستهلال الجلسات الحكومية بالصلاة، ودعم الحكومة لقساوسة الجيش، كما ويظهر الدين المدني في الأغاني مثل (أمريكا الجميلة) و (فليبارك الرب أمريكا) وغيرها. كما أنه بينما يذهب بعض الساسة ورجال الدين إلي الفصل بين السياسة والكنيسة يذهب آخرون إلي عمق العلاقة بينهما، فالرئيس (جيفرسون) وهو من المؤمنين بالدين المدني، يري ضرورة الفصل، بينما (جيري فالويل) يقول: "أذا لم يتعلم المرء كلام الرب، ولم يعرف ما جاء بالأنجيل، فأنني أشك في قدرته علي أن يصبح قائداً فاعلاً، وقيادته لكل شيء، سواء أسرته أم كنيسته أو أمته لن تكون ناجحة دون هذه الأولوية" (٣). وينحى نفس المنحى كثير من الساسة والمفكرين، ولكنه في كل الأحوال، لا يمكن لأحد أن ينكر الدور الذي يلعبه الدين في الثقافة الأمريكية.

стр. 390

فالدين ـ كان ولا زال ـ يلعب دورا مهماً في التاريخ الأمريكي، حيث اعتبر المهاجرون الذين استقروا في أمريكا طيلة العهد الاستعماري، أنهم ببساطة يمثلون المسيحية أو العالم المسيحي، حيث لعبت الجماعات البروتستانتية الحاكمة، دوراً مركزياً في تشكيل الثقافة الأمريكية. يقول (جورج مارسدن): إن قصة الإنجيلية الأمريكية هي قصة أمريكا ذاتها في السنوات ١٨٠٠ ـ ١٩٠٠م لأن الدين الإنجيلي هو الذي جعل الأمريكيين أكثر الأقوام المتدنية في العالم ... " ورغم وجوب الاعتراف بوجود قوى أخرى أيضاً، إلا أن المسيحية الإنجيلية كانت بارزة بصورة غير عادية في إعطاء شكل للقيم والثقافة الأمريكية في القرن التاسع عشر الميلادي. ولهذا يقول المؤرخ (وينثروب هدسن): "في عام ١٩٠٠م لم يكد يوجد من يشك في الطرح القائل، "أن الولايات المتحدة كانت أمه بروتستانتية" (١). وهذا يعنى انه لا أحد يستطيع أن يفهم أمريكا وحرياتها إلا إذا وعى وتفهم التأثير الذي باشره ومازال يباشره، الدين في صوغ هذا البلد. فمن الخصائص الفريدة المميزة لنظام الحكم الجمهوري في أمريكا انه يستمد الحيوية المحركة له من قيم من يعيشون في ظله، والذين أكدوا أن تلك القيم تستمد بالقدر الأعظم من الدين. وهذا ما جعل الشاعر الإنجليزي (جيليبرت كيث) يصف أمريكا بأنها أمة لها روح كنيسة. يقول شمعون بيرس: لقد وصفوا الشعب الأمريكي بالعملي - لكني غير مقتنع تماماً بهذا الوصف. فليس (الدولار) الذي يشكل حجر الاساس في المجتمع الأمريكي برغم كل المادية الموجودة فيه- ان حجر اساسه هو (الانجيل) في العهد القديم والجديد. وعلى الاساس نفسه، لم يكن وجود عدو مشترك هو اساس العلاقة الخاصة التي نشأت بين اسرائيل والولايايت المتحدة - انه القيم المشتركة. وانني لم اقتنع ابداً بالحديث القائل في وجود "نحالف استراتيجي" بين أمريكا واسرائيل - حتى في قمة الحرب الباردة. ولم اؤمن ابداً بالقول ان أمريكا احتاجت الينا في مواجهتها ضد الاتحاد السوفيثي (٢).

стр. 391

الأصولية الأمريكية المتطرفة في العصر الحاضر تنامى الدور الذي يلعبه الدين في الحياة الأمريكية بصوره مخيفة، بسبب تنامي قوة وتأثير الحركات الأصولية المتطرفة، التي تمكنت من الوصول إلى سدة الحكم أخيراً، ممثله بالرئيس المؤمن (جورج دبيليو بوش)، الذي يعكس بصورة دقيقه تماماً طبيعة بلده الذي يحكمه. فنسبة المؤمنين بالله في الولايات المتحدة تصل إلى ٩٥% من السكان، وهي أكبر نسب التدين في العالم، بينما في أوروبا قد لاتصل النسبة إلى ٦٥ %. كما أن الولايات المتحدة تحتوي على اكبر عدد من الكنائس في العالم، حيث أن هناك كنيسة لكل ٨٦٥ مواطنا، وهو ما وصفه معهد (جالوب) للاستطلاعات تعليقا على استطلاع كان قد أجراه في مايو ٢٠٠٢ م، بأن ذلك حقيقي لأنه توجد رغبة عميقة إلى الاتجاه للشؤون الروحية. فهي حالة من الظمأ إلى الله. فبينما يصل عدد الأمريكيين الذين يذهبون إلى الكنيسة مرة واحدة في الأسبوع إلى ٧٠% على الأقل تصل النسبة إلى ٢٠% فقط في أوروبا الغربية، و ١٤% في أوروبا الشرقية، وبذلك فإن أمريكا على عكس أوروبا تريد أن تثبت بوضوح أن الحداثة لا تعنى التحلل من الدين (١).

стр. 392

ونظراً للمكانة التي يحتلها اليمين المسيحي الجديد في الحياة السياسية بالولايات المتحدة، فإنه من المفيد المقارنة بينه وبين منهاج التطهريين، الذين اتسمت آراؤهم بالأهمية في الفترة الاستعمارية والأيام الأولى لتأسيس الدولة، وهناك تشابهات عدة. فهناك تشابه في الأهداف، فكلاهما يرنو إلى الولايات المتحدة كدولة تمتثل لقوانين ومشيئة الرب كما يفهمونها. ويجب أن تتوافق الأخلاقيات الخاصة والعامة مع تعاليم الكتاب المقدس، الذي يفسر بشكل محافظ. كما يرغب كلاهما في استخدام العملية التشريعية لضمان توافق القانون المدني مع القانون الديني وتطبيقه على المؤمنين وغير المؤمنين. وأخيراً فإن كلاهما يرى أن المدارس العامة تأتي بعد البيت والكنيسة، كعنصر أساسي في تدريب الأبناء وفق معتقداتهم. وتضرب هذه الأهداف بجذورها في فهمهم للاهوت بشكل متشابه إلى حد بعيد، فهناك حقيقة واحدة مطلقة أوحى بها الرب للبشر ـ الرب والمتصف بالقوة والملك فالبشر مخطئون وضائعون بدون الرب، والولايات المتحدة أمة الرب المختارة، لتكون مثالا للحياة الورعة في الدنيا (١). ويرصد (صموئيل هنتنغتون) مظاهر الصحوة الدينية في الولايات المتحدة خاصة خلال عقد التسعينيات، وهي صحوة سادت مختلف الطوائف الدينية الأميركية، وعلى رأسها الجماعات الإنجليكية التي زادت بنسبة ١٨% خلال التسعينيات، ونجحت في بناء عدد كبير ومؤثر من المؤسسات السياسية. ويؤكد (هنتنغتون) حقيقة أن المجتمع الأميركي هو أكثر المجتمعات الأوروبية تديناً، ما يجعله أرضا خصبة لعودة الدين، خاصة بعد أن ضاق الأميركيون بشكل متزايد منذ الثمانينيات بالمشاكل الأخلاقية، التي انتشرت في مجتمعهم. ويقول: إن هناك عودة عامة للدين في أميركا انعكست على الروايات الأميركية، وظهرت في الشركات والمؤسسات الاقتصادية، كما أثرت على الحياة السياسية من خلال الحضور الكبير، للقضايا الدينية والمتدينين في إدارة الرئيس الأميركي الحالي (جورج دبليو بوش). ويبشر بأن العودة للمسيحية ـ التي تعد أحد الركائز الأساسية للهوية الأميركية - تمثل عاملاً هاماً في دعم الهوية الأميركية ونشرها خلال الفترة الراهنة. كما أن الصحوة الدينية - وفقاً لتحليل

стр. 393

هنتنغتون ـ تصب مباشرة في الدور المساعد، الذي يمكن أن يلعبه الدين على الساحة الدولية وخاصة في تعريف عدو أميركا الجديد وهو الإسلام (١). علاقة الدين بالدولة الأمريكية الحديثة خلال هذا الكتاب عرضنا لمواقف كثير من الرؤساء والساسة الأمريكيين، حيث لاحظنا أثر الدين في تشكيل مواقفهم تجاه قضية اليهود وإقامة إسرائيل، وسنلاحظ بعد ذلك أيضاً كيف أن الدين لعب دوراً رئيساً في تشكيل مواقف الدولة الأمريكية من كثير من القضايا، مثل قضية الهنود الحمر، والزنوج، والعلاقة مع العالم الخارجي، وهذا يوضح الدور الذي لعبه الدين في الدولة الأمريكية منذ تأسيسها وحتى الآن. فقد اعتمد الرؤساء الأمريكيون بدءاً من (جورج واشنطن) فصاعداً على الحس الديني، ليس للتأثير على عقول أبناء الشعب فحسب، بل على أفئدتهم أيضاً، لتأييد الأهداف الرئاسية. فالدين والسياسة شكلا نسيجاً متداخلاً عبر تاريخ الولايات المتحدة منذ الفترة الاستعمارية، وحتى وقتنا الحاضر (٢)، حيث عملت الطبقة السياسية الأمريكية الحاكمه على استحضار الدين وجعله مكوناً أصيلاً في الممارسة والثقافة السياسية الأمريكية، وذلك في ظاهرة فريدة من نوعها في بلدان الديمقراطيات الغربية، التي فصلت منذ أمد بعيد بين الدين والدولة وبين الدين والمدرسة. وهنا يرى البعض أن نقطة الامتزاج الروحي بين إيديولوجيا اليمين المتطرف الذي يمثل مصالح كبريات شركات السلاح والنفط في أمريكا، وبين المرجعيات الدينية المسيحية البروتستانيه المتهودة، قد وصلت إلى ذروتها في سبعينيات القرن العشرين المنصرم، إذ يأخذ في اعتباره الحقبة (الريجانيه)، التي بدأت مطلع الثمانينات من ذلك القرن، حيث أفسح هذا الحلف المقدس المجال إلى تنامي الشعور بالفوقية، وتبلور فكرة ونزعة السيطرة على العالم، باعتبار أن الأمة الأمريكية هي

стр. 394

الأمة الأنقى والأميز والأرقى قيماً وحضارة، والأجدر بقيادة العالم على الطريقة الأمريكية الرائدة، في إشاعة الخير ومحاربة الشر (١). بهذا التبسيط الشنيع لثنائية الخير والشر، اختزلت الطبقة الأمريكية الحاكمة فكرة العالم إذ شطرته إلى شطرين وفرزته إلى قسمين: قسم أخيار، وقسم أشرار. فوضعت في القسم الأول كل من يخضع لمشيئتها ويناصرها ويقلدها، ووضعت في القسم الثاني كل من تتغاير رؤاه معها، وكل من يبدي حرصاً وعقلانية على صيانة مصالحه. ورغم أن بعض رؤساء أمريكا السابقين حاولوا إدخال معتقداتهم الشخصية في طريقة ممارسة الحق الإمبريالي الأمريكي، وهذا ما كان (جيمي كارتر) قد فعله، وكذلك (رونالد ريغان)، الذي أطلق المصطلح الديني القديم المعروف، حول قوى الخير مقابل قوى الشر لوصف الاتحاد السوفيتي، بأنه (إمبراطورية الشر). إلا أن (جورج بوش الابن) يحاول الآن المزج بين تمسكه بالمسيحية المتشددة، ورغبته في وضع نظام عالمي جديد يقوم على المصالح الأمريكية، منطلقاً من فكرة: أن قدر الولايات المتحدة هو أن تشن الحرب للوصول إلى السلام، وهو ما تسميه الولايات المتحدة مفهوم (الحرب الوقائية). ولكن هل هذه النزعة العدوانية هي حقاً وليدة تلك الحقبة السبعينية من القرن العشرين، أم أن لها جذورها الممتدة عميقاً في بنية العقل والثقافة الأمريكية (بما في ذلك المكون الديني). يقول الدكتور (حامد سلطان): "يبدو ظاهراً أن المبدأ الذي ساد نظام الإمبراطورية الرومانية، هو مبدأ خضوع الشعوب لروما، لا مبدأ (التنظيم العالمي) كما يدعي البعض، وهو يقوم على السيطرة المادية الخالصة. أما استناده إلى السيطرة الدينية والروحية فقد اجتاز مراحل نشير إليها في إيجاز. فمن المفهوم أن المسيحية عندما بدأت زحفها الروحي على روما، صادفت عقبات كثيرة ومقاومة شديدة من الحاكمين، والمسيحية دين يقوم في الأصل على فكرة السلام الخالصة، ومن تعاليمها الثابتة النهي عن القتل والتحذير من القيام به. والأناجيل الأربعة مجمعه على أن من يقتل بالسيف، بالسيف يُقْتَل. لذلك كان طبيعياً أن يرفض الرومانيون الذين دخلوا في المسيحية في المراحل الأولى أن يقوموا بأداء الخدمة

стр. 395

العسكرية في روما، أو أن ينخرطوا في الجيش الروماني، أو أن يشتركوا في الحروب، التي كانت تشنها الإمبراطورية الرومانية. وعلى اثر ذلك قام صراع عنيف بين دعاة المسيحية المسالمة ورجال الحكم في روما، وكان هذا الصراع في الحق صراعاً بين الروحية والمادية، وقد دام هذا الصراع قرابة أربعة قرون. ولكن ابتداء من القرن الرابع للمسيح ﵇ بدأ رجال الدين المسيحي يتقهقرون ويحاولون التوفيق بين روح المسالمة المسيحية من جهة، وروح السيطرة العسكرية من جهة أخرى. وأخرج القديس (ايزيدور) والقديس (امبرواز) بعض النظريات في هذا الشأن، على أن الداعية الذي كان له الأثر الحاسم في إيجاد هذا التوفيق هو القديس (أوغسطين) الذي أخرج في هذا الشأن مؤلفين أولهما هو (العقيدة المخالفة)، والثاني هو (مدينة الرب) (١). ويبدو واضحاً لمن يتفحص هذين المؤلفين، أن صاحبهما دعا المسيحيين إلى التخلي نهائياً عن فكرة المسالمة، التي قام على دعامتها الدين المسيحي في الأصل. وليس هنا مقام التفصيل في شأن نظرية أوغسطين، ويكفينا أن نذكر أن هذا القديس قام في مؤلفه الأول، بتسويغ فكرة الحرب وفق الحجج التاليه: ١) أن الحرب هي عمل من أعمال القضاء العادل المنتقم. فهي تقوم لإنزال العقاب بالعدل، ومن ثم فليس هناك ظلم يقع من جانب من يقوم بالحرب العادله. ٢) أن الحرب هي لمصلحة المنهزمين، لأنها ترجع بهم إلى حال السعادة في السلام. ٣) أن الحروب تقوم من أجل ضمان السلام (٢). وعندما ظهرت حركة الاصلاح الدينى على يد مارتن لوثر واخذت بالتفسير الحرفي للكتاب المقدس، واصبحت التوراة جزء اساسي منه بما تحتوية من معتقدات ومواقف تبرر الحرب والقتل، انعكس ذلك مباشرة على اتباعها، وتحول المسيح عيسى ﵇ من رسول المحبة والسلام، إلى مسيح يهودي يأتمر بوصايا يهوه ورب الجنود. وبهذا الانقلاب الديني، كانت البروتستانتية في التاريخ الأوروبي، وما

стр. 396

تفرع عنه في العالم الجديد، حركة انقلاب سياسية /لاهوتية/ فكرية/ اجتماعية، مازال العالم يشهد مسار ما تمخضت عنه صوب جائحة عالمية، لا يستطيع أحد أن يتنبأ بما قد تتسبب فيه من دمار ومعاناة ومذابح (١)، بسبب تبنيها المعتقدات اليهودية العنصرية الحاقدة، التى لعبت دوراً رئيساً في نشوء الارهاب والاجرام البريطاني الأمريكي تجاه العالم؟. وهكذا فإن الجذور الدينية للمواقف الأمريكية تجاه الحرب والسلام توجد في الكتب المقدسة المسيحية واليهوديه. وقد أدت هذه الكتب إلى ظهور ثلاث رؤى للحرب: الحرب المقدسة، والحرب العادلة والسلامية، حيث أن المسيحية كان لها السيادة في تشكيل المواقف على النحو التالي: إلى أن جاء حكم (قسطنطين)، ظلت السلامية هي الموقف السائد للمسيحية، وإلى جانب هذا الموقف يمكن ملاحظة موقفين آخرين معاديين للسلام، حيث ينص مذهب الحرب العادلة على جواز مشاركة المسيحيين في الحرب، وجواز إجبارهم على ذلك ما دامت الحرب تعلنها السلطة الصحيحة، ويتم فيها الالتزام بقواعد أخلاقية. وظهرت فكرة الحرب المقدسة، أو الحرب الصليبية خلال القرون الوسطى، حيث كان منهج الحرب المقدسة أو الحرب الصليبية، هو أحد المظاهر المهمة للمواقف في الولايات المتحدة تجاه الحروب، ومصطلح الحرب المقدسة كما هو مستخدم هنا، يعني حرب مقدسة يشنها الصالحون نيابة عن الرب ضد الكفار والمهرطقين سياسياً أو دينياً (٢). وفي ظل هذا التبرير الديني الجاهز للحرب، تحت مسميات مختلفة لم يكن مستغرباً أن نجد أمريكا تبرر حروبها المختلفة بنفس المبررات، حتى أن (ريشارد لاند) رئيس مفوضيه الحرية الأخلاقية والدينية لكنائس (بابست) في الولايات الجنوبية، برر الحرب على العراق في أحد مقالاته على خلفية أسباب دينيه بقوله: "قيادة حرب عادلة هي عمل مسيحي يقوم على الإيثار، فالأشرار يجب أن يعاقبوا، والأخيار يجب أن يكافئوا، لقد جاء وقت العنف". كما أن التيارات الأصولية المتطرفة بدأت تنادي بصورة متزايدة بوجوب شن حرب صليبيه ضد الإسلام، رغم أن عدداً من

стр. 397

الأساقفة الكاثوليك وجماعات السود احتجوا على ذلك، إلا أنهم لن يؤثروا طالما أصر اليمين المسيحي المتطرف، على التأكيد أن الحرب ضد العراق، هي جزء من (الحرب ضد الشر) ليس ذلك فقط، بل أنهم بدءوا يقولون: إن أوروبا هي أداة للشيطان، لأنها لم تدعم أمريكا في حروبها الجديدة" (١). الأصولية المسيحية والنظام الدولي الجديد ربما يستغرب البعض هذا الربط بين الأصولية المسيحية، والنظام الدولي الجديد، على اعتبار أن مصطلح النظام الدولي الجديد، هو مصطلح سياسي جاء ليعبر عن موازين القوى في العالم، بعد انهيار المعسكر الشرقي بزعامة الإتحاد السوفيتي، والذي أفسح المجال أمام التفرد الأمريكي على الساحة الدولية، وتحول العالم إلى نظام أحادي القطبية بزعامة أمريكا، مما أتاح لها المجال لفرض سياساتها وهيمنتها على العالم. وقد غاب عن هؤلاء أن هذا المصطلح له جذور عميقة في الفكر الأصولي المسيحي في أمريكا. فعندما تأسست الأمة الجديدة، رأى الأمريكيون في أنفسهم منار هدى للعالم حيث رفع الشعور بكونهم أمة مختارة، أو إسرائيل جديدة، إحساسهم بالرسالة أو (المصير الواضح)، بأنهم سيصبحون قوة يعبر نفوذها القارات، بفضل تفوقهم الأخلاقي المفترض. وفي القرن العشرين عندما أصبح الأمريكيون قوة عالمية، كان الاعتماد على مثل الأمة المختارة الأعلى، أساساً منطقياً ومبرراً هاماً في السياسة الأمريكية الخارجية، من أجل التسريع بالنظام الدولي الجديد أو بالتعبير التوراتي (العصر الألفي السعيد)، الذي كان التطلع إليه عميق الجذور في الفكر الأمريكي، وليس كما يعتقد البعض، بأنه برز بعد الحرب الباردة وانهيار المعسكر الشرقي، أو أنه من بنات أفكار السياسيين والاستراتيجيين المعاصرين. "فخلال الحرب الأهلية، كانت المقالة الشائعة بين البروتستانت في الشمال، تعادل بصورة مفروغ منها، بين نجاح الاتحاد، وبزوغ فجر عصر جديد، أو ألفية حكم

стр. 398

المسيح. وكانت أنشودة معركة الجمهورية (١) تتمتع بشعبية، لأنها طبقت الرموز التوراتية الشائعة على قضية الاتحاد الشمالي. أما بالنسبة لأولئك الذين حملوا هذا التشبيه على محمل الجد، فكانت هذه الألفية فترة تتوج مسيرة تقدم الإنسانية، حيث سيحكم المسيح العالم ويغير مسار الحضارة، ويحدث تقدماً روحياً يحقق جميع أحلام الإنسانية، حيث سيشهد العصر المقبل نهاية للحروب، والرق، والعنف، والرذائل كالزنا، ومعاقرة الخمر، وسيحمل معه قفزات عظيمة إلى الأمام في العلم والتكنولوجيا والمعرفة الإنسانية، وتحقيق الديمقراطية، بما تحمله من وعود بالحرية والعدالة للجميع. وإذا أريد للولايات المتحدة تحقيق مصيرها كقائدة في هذه المهمة، فإن عليها استئصال كبائر مثل: الرق للبرهنة على قدرة الأمة المكرسة نفسها للحرية والعدالة على الاحتمال والصمود. "ولذلك عندما تشكلت الأمة الجديدة تقبل الأمريكيون بسرعة حديث الميثاق المتعلق بالحصول على مباركة الله أو التعرض لخطر أحكامه. وقد أحب الأمريكيون النظر إلى أنفسهم على أنهم حملة رسالة خاصة. وتحدثوا فوراً، بصورة تكاد تماثل ما كان البيوريتان قد تحدثوا به، عن الولايات المتحدة بوصفها إسرائيل الجديدة، اختارها الله لتقوم بدور قيادي في حقبة جديدة من افتداء العالم" (٢). النظام الدولي الجديد .. والنظرية الكونية للتاريخ نشر بعض وعاظ الضوء الجديد، أثناء اليقظة الكبرى، الفكرة القائلة: "إن الكرة الأرضية كانت تقترب من فجر عصر جديد، حيث تحدث الكتاب المقدس، الذي كان يعتبر على نطاق واسع المرجع النهائي حول جميع المسائل، عن عصر ألفي وألف سنة من حكم المسيح. ومع أواسط القرن الثامن عشر كان أكثر التفسيرات شيوعاً

стр. 399

يقدمه الإحيائيون الأمريكيون لهذه النبوءة، وهو أنها تنبأت بصورة رمزية بالعصر النهائي في التاريخ الذي سيأتي فيه روح المسيح أو الروح القدس لتحكم في العالم. وقد نظر إلى اليقظة نفسها على أنها بداية هذا العصر، الذي سيشهد إتباع الناس بأعداد كبيرة للإنجيل. وكان من المحتم أن تتخذ هذه النبوءات دلالات سياسية. وحسب ما ورد في النص المقدس، فإنه لابد من يهزم المسيح الدجال كشرط لمجيء الألفية. وحسب ما درجت عليه العقيدة البروتستانتية، فإن الدجال يعني البابا. ولذلك فان أية هزيمة سياسية للبلدان الكاثوليكية، كانت خطوة نحو بزوغ فجر الألفية وفق نطاق المنشقين الأمريكيين. وتتوافق الحروب الفرنسية والهندية للأعوام ١٧٥٦ـ١٧٦٣م مع هذا التصور بدقة. فعلى سبيل المثال، وصف (صموئيل ديفيس) الإنجيلي المشيخي الشهير، الجهود البريطانية ضد فرنسا على أنها بداية هذا الصراع الحاسم العظيم بين الحمل والوحش، وجاهر قائلاً: "إن من شأن نصر بريطاني أن يساعد في إحضار سماء جديدة، وأرض جديدة. وعندما لم يجلب انتصار سنة ١٧٦٣م في ذيوله عصراً جديداً مهيباً، بل إعادة تنظيم الإمبراطورية البريطانية، استلزم ذلك بعض التمرينات البلاغية من جانب الوعاظ المنشقين لوضع إنجلترا البروتستانتية في الصف الذي يقف فيه البابا (١). كما كتب (توماس بين) في عام ١٧٧٥م يقول: إن لدينا من القوة ما يمكننا من أن نعيد بناء العالم مرة أخرى. فلم يحدث منذ عهد نوح حتى الآن، موقف مشابه لما هو عليه الحال في الحاضر، أن ميلاد عالم جديد أصبح الآن بأيدينا" (٢). ومن المفارقات الغريبة أن أول إعلان عن نظام عالمي جديد، خلال القرن الحالي، صدر قبل ٥٠ عاماً من إعلان (بوش الأول) في الكونغرس عن نظامه العالمي الجديد. فقد استخدم (أدولف هتلر) اللغة ذاتها حيث قال: "أنا علي يقين تام من أن عام ١٩٤١م سيكون عاماً حاسماً في فتح الطريق أمام نظام جديد عظيم في أوروبا. سوف تكون أبواب العالم مشرعة للجميع ... ستساعد هذه السنة في توفير الأساس

стр. 400

اللازم لتفاهم حقيقي بين شعوب الأرض، بما يضمن المصالحة بين كافة الشعوب والأمم" (١). فباسم نفس المسيحانية المنقذة، أعلن هتلر ألف عام من النازية كسيطرة، وكإعادة تجديد للعالم بواسطة نقاء الشعب المختار الجديد: الآريون (٢). وبالطبع لم تجلب تطلعات هتلر لنظام عالمي جديد سوى الدمار والدماء لأوروبا والعالم، وانهارت أحلامه في بناء إمبراطورية عالمية يحكمها الجنس الآري، ولكن ذلك لم يمنع وجود نفس الأفكار والتطلعات على الطرف الآخر من المحيط، ممثلاً براعي البقر الأمريكي، حتى لو كان هذا النظام العالمي الجديد سيتحقق على أشلاء ملايين البشر، وأنقاض حضارات عريقة. فنتيجة للحرب العالمية الأولى والثانية، تم رسم الحدود الاقتصادية للنظام العالمي الجديد، الذي يجب أن يكون خاضعاً لحاجات ومتطلبات الاقتصاد الأميركي، وقابلاً للتحكم والضبط السياسي الأميركي قدر المستطاع، ولذا كان يجب تفكيك سيطرة الإمبرياليات ـ خاصة الإمبريالية البريطانية منهاـ في الوقت الذي تعكف فيه واشنطن على توسيع الترتيبات الإقليمية الخاصة بها، في كل من أميركا اللاتينية، والمحيط الهادي، وفق مبدأ (ما يلائمنا يلائم العالم). لإن الأميركيين يؤمنون بأن الولايات المتحدة ترمز إلى شيء ما في العالم، شيء يحتاجه العالم، شيء سيحبه العالم، شيء سيتقبله العالم في آخر المطاف سواء أحبه أم لا. فالتخطيط الأميركي للعالم، أقام إعادة بناء العالم الصناعي على نهج كفيل بتلبية احتياجات ومصالح قطاع المال والأعمال، الذي يمسك بخيوط السياسات، فالأولوية لاستيعاب فائض الصناعات الأميركية، وسد الفجوة الدولارية، وخلق فرص الاستثمار، فخطة (مارشال) وضعت الأسس للشركات المتعددة الجنسية، والاستثمارات، والصناعات الأميركية، لتمتد إلى ما وراء البحار، محمية بمظلة القوة الأميركية. وأسندت إلى أجزاء أخرى من العالم وظائف حددها مخططو وزارة الخارجية: على جنوب شرقي آسيا أن يزود الإمبرياليين بالموارد والمواد الأولية، ولكن ينبغي منح اليابان نوعا من الإمبراطورية باتجاه الجنوب، وأفريقيا تسلم للأوروبيين

стр. 401

كي يستغلوها لأغراض إعمار بلادهم، وكان نصيب الشرق الأوسط من نصيب الولايات المتحدة وليس أوروبا. ووصف قادة الولايات المتحدة المملكة العربية السعودية، بأنها ينبوع قوة إستراتيجية مذهل، وإحدى أعظم الجوائز المادية في تاريخ العالم، ووصفت شرق آسيا بأنها بؤرة التجارة العالمية والتجديد التكنولوجي (١). http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٤/٧/٧-٢٩-١.htm - TOP#TOP الحرب الباردة وحلم تأسيس إمبراطورية أمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، أتاح السلام الأمريكي الأول بناء نظام عالمي جديد، قائم على المجابهة مع الشرق، ولكن متمتع بآليات قوية في النظام المالي (اتفاقيات بريتن وودز، صندوق النقد الدولي، البنك العالمي .. ) وفي الأمن الجماعي (منظمة الأمم المتحدة، حلف شمال الأطلسي). وكان يراد من ذلك أن يؤمن للولايات المتحدة موقعاً مهيمناً، إلى جانب إفساح المجال أمام أوروبا واليابان لكي تعيدا بناء نفسيهما بفضل مشروع مارشال (٢). وفي تلك الفترة وبمساعدة (إشعيا بومان) ـ الذي قاد مجموعة دراسات الحرب والسلام، التي أسست لولادة نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية ـ أسس (روبرت ستروز) في عام ١٩٥٥م معهد بحوث السياسة الخارجية، والذي قام عام ١٩٥٧م بإصدار نشرة فصلية باسم (أوربز)، تخصصت في الشؤون الدولية، حيث كانت المهمة المعلنة لهذا المعهد ونشرته هي الدعوة إلي إقامة إمبراطورية أمريكية، والتخلي عن سيادة الدول والدولة القومية، خاصة في عالم ما بعد الاتحاد السوفييتي! حيث نشر في العدد الأول للمجلة عام ١٩٥٧م مقاله، عنوانها: (موازين الغد) جاء فيها: "إن مهمة الولايات المتحدة هي توحيد العالم بأكمله تحت قيادتها خلال هذا الجيل. أما سرعة وكفاءة تحقيق الولايات المتحدة لهذا الهدف فسوف يقرر مصير

стр. 402

الحضارة الغربية، وبالتالي المصير البشري ... فهل سيكون النظام العالمي الجديد القادم هو إمبراطورية عالمية أمريكية ... ؟ يجب أن يكون الأمر كذلك لدرجة أن تحمل الإمبراطورية العالمية تلك دمغة الروح الأمريكية. أما التهديد لهذه الرؤية، وهذه الإمبراطورية الأمريكية فسيأتي من آسيا كما جاء في مقال (أوربز): أما الإمبراطورية الأمريكية والجنس البشري فسوف لن يكونا متضادين، بل هما اسمان لشيء واحد هو النظام العالمي الجديد" (١). ولكن هذا النظام الدولي الجديد، الذي عملت أمريكا على تأسيسه، لم يتحقق بسبب ظهور الاتحاد السوفيتي كقوة عالمية بعد الحرب العالمية الثانية، والذي شكل معضلة كبيرة في وجه دعاة تأسيس النظام العالمي الجديد، حيث توجهت جهودهم لمواجهة هذا الخطر الجديد من خلال تضخيم حجمه. فطوال ٧٠ عاماً، أقنعت الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من العالم بأن هناك مؤامرة دولية تتربص به، مؤامرة شيوعية دولية، تسعى على اقل تقدير للسيطرة على الكوكب برمته، لأغراض ليس لها قيم تحقق الخلاص الاجتماعي، وجعلت العالم يعتقد انه يحتاج إلى الولايات المتحدة بطريقة ما لإنقاذه من غياهب الظلمة الشيوعية (٢). ولهذا نشطت هذه القوى في بداية الحرب الباردة، حيث كانت السياسة الخارجية الأمريكية يجري تنفيذها تحت العلم الخفاق لخوض حرب صليبية أخلاقية ضد ما أقنع به محاربو الحرب الباردة الشعب الأمريكي، ومعظم العالم وأنفسهم عادة، وهو وجود مؤامرة شيوعية دولية حقود، ولكن ذلك كان خداعاً دائماً، فلم يكن هناك مطلقاً ذلك الوحش المسمى بالمؤامرة الشيوعية الدولية (٣). ولكن تركيبة قوي اليمين المتطرف، شنت حرباً علي جبهتين ضد الشيوعية، حيث كانت أولي هاتين الجبهتين ما عرف باسم (المكارثية)، نسبة إلي السيناتور (جوزيف مكارثي)، والذي أذكى شرارة العنف السياسي، ليصل ذروته من خلال مزاعم لا أساس لها من الصحة، حول وجود الحمر، في إشارة إلي الشيوعيين، في كل الوزارات والدوائر الحكومية. وقد كشف (ويليام سوليفان) عميل

стр. 403

مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، إن الـ FBI هو الذي كان يغذّي مكارثي ويزوده بالمعلومات (١). أما الذراع الثاني للحملة ضد الشيوعية، فكان بروز التعصب المسيحي الذي داعب تلك المشاعر المناهضة للشيوعية في الولايات المتحدة. فقد سمع اثنان من قوي اليمين المتطرف عن واعظ مغمور يلقي عظاته في لوس أنجليوس أمام عدد قليل من الجمهور. وهنا رأي هذان الرجلان أن ذلك الواعظ، يلاءم حاجتهما في التبشير بغرض مقاومة الليبرالية والشيوعية. وقام الرجلان بإجراء مقابلة مع ذلك الواعظ الذي هو (بيلي غراهام) ووعداه بمنحه كل دعمهم الإعلامي. وأوعزا إلي مجموعتهم الإعلامية بان تنفخ (غراهام) إعلامياً، وقاما بنشر صوره علي غلاف مجلة لايف، وبين عشية وضحاها، أصبح (غراهام) بطلاً قومياً أميركياً، وبدأ يلقي محاضراته وعظاته علي مئات الألوف من الجماهير، حيث ساهم في ذلك كون الناس قد شبعوا ضغوطاً، وقرروا أن يعودوا إلي دينهم لينعموا بالهدوء في روحانيته، بعد أن ملأ الملل صدورهم من الرأسمالية والمادية. وهكذا أخذ المدّ الديني يتعاظم أكثر فأكثر. واستمرت حركتهم ونمت بفضل قوة الإعلام ومئات محطات الإذاعة والتلفزة التي يملكونها، علاوة علي الميزانيات السنوية التي تقدر بمئات الملايين من الدولارات. وقد ساهم هذا المد الديني في إذكاء الحرب ضد الشيوعية، وإطلاق قوة الولايات المتحدة لتدير حملة صليبية قوية ضد الشيوعيين الكفار (٢)، حيث وصلت هذه الحملة ذروتها في عهد (ريجان)، مما ساهم في انهيار الشيوعية تماماً في عهد (بوش الأب) بعد حرب الخليج الأولى. ولم يكن غريباً في هذا الوقت أن يتم إعادة نشر مقالة (اوربز) المشار إليها، والتي كتبت قبل ٣٥ عاماً من انهيار الاتحاد السوفييتي، مره أخرى في شتاء ١٩٩٣م، في إشارة واضحة للاقتراب من تحقيق

стр. 404

هدف تأسيس نظام عالمي جديد، حيث ثم تفكيك الاتحاد السوفيتي من ناحية، وتدمير اكبر قوه عربية تهدد إسرائيل، وهى العراق، من ناحية أخرى، ولتبدأ بعدها مباشرة خطة القضاء على الإسلام ومحاربته في كل مكان كما نعيشها الآن. حيث توجه مركز الثقل في الحرب الأمريكية صوب الإسلام والمسلمين، وبتحريض مسعور من دعاة صراع الحضارات وبارونان الشركات متعددة الجنسيات، ورموز اليمين المسيحي المتطرف، الذين زاد هوسهم الديني واعتقادهم بكثير من الخرافات التوراتية، التي عرضنا لها سابقاً. "وشكل هؤلاء تحالفاً مع المتعصبين اليهود المتطرفين، ليكونوا حركة متعصبة مسيحية يهودية، اتخذت مواقف ضد الإسلام غاية في التطرف. وأصبحوا قوة هائلة في الحزب الجمهوري وصياغة سياساته، حتى أن (هيرب زوايبون)، رئيس منظمة (أميركيون لإسرائيل آمنة)، حذر (بوش) في البيت الأبيض أنه في حال تبديل ١٠ بالمئة فقط من الـ ٧٠ مليون مسيحي صهيوني لمواقفهم، فإنهم سيقلبون موازين الأمور ويدمرون رئاسة (بوش) ما لم يساند (شارون) في حربه الضروس ضد الفلسطينيين" (١). عصر التنوير الجديد في الفتره مابين ظهور حركة الإصلاح الديني وحتى الآن، شهد العالم حروب كثيره، لعبت فيها الدول البروتستانتية الانجلوسكسونية الدور الرئيس، حيث سيطر الغرب خلال هذه الفترة علي مقدرات العالم، وشكلت الدول القومية نظاماً عالمياً متعدد الأقطاب ضمن الحضارة الغربية، حيث قامت تلك الدول بالتنافس والتفاعل، وشن الحروب بين بعضها البعض. وقد توسعت هذه الدول القومية الغربية، وقامت باستعمار حضارات أخري والتأثير فيها. وأهم ما تحقق خلال هذه الفترة هو القضاء على نفوذ الدول الكاثوليكية والأرثوذكسية، وسيادة البروتستانت ممثلين بالانجلوسكسون في بريطانيا وأمريكا على العالم. "وعندما صارت الولايات المتحدة لاعباً كونياً للمرة الأولى بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت بإزاحة أصدقائها

стр. 405

الأوروبيين لتحل محلهم، واستخدمت قدراتها وثرواتها الطائلة من أجل ترتيب النظام الدولي بعناية ومهارة" (١). فبعد أن تمكنت أمريكا من القضاء على نفوذ الدول الكاثوليكية - كما سنعرض لاحقاً - ابتداء من حروبها في أمريكا اللاتينية وانتهاءً بالحربين العالميتين، ثم قضاءها على المعسكر الشرقي ـ التي تمثل دوله الكنيسة الأرثوذكسية ـ اقترب هذا الحلم الأمريكي من التحقق وأصبح النظام العالمي الجديد هو تحقيق إمبراطورية أمريكية عالمية، تعمّها المثل والقيم الأمريكية، حيث شهدت الأعوام الأخيرة من الألفية الثانية عرضا ضخماً وحماسياً من تملق الذات ـ ربما فاق كل سوابقه غير المجيدة بأية حال مصحوباً بتهليل مخيف لقيادة عالم جديد مثالي عاكف على وضع حد نهائي للبربرية، ومنذور لخدمة المبادئ والقيم لأول مرة في التاريخ. عصر من التنوير والبر طلعت شمسه علينا، وتتصرف فيه الأمم المتمدنة تحت قيادة الولايات المتحدة ـ وهي يومذاك في عز مجدها ـ بروح الغيرية والحمية الخلقية في التماسها المثل العليا. ولادة النظام العالمي الجديد مع سقوط الاتحاد السوفييتي وانهياره في نهاية عقد الثمانينات، أصبح النظام العالمي الذي ساد إبان الحرب الباردة طي النسيان، ومجرد تاريخ فقط، حيث حلّ محله النظام العالمي الجديد، الذي كانت أولى أولياته تحقيق الحلم الصهيوني، والسيطرة على العالم من خلال السيطرة على مصادر النفط في المنطقة العربية. وإذا كانت السيطرة علي النفط العالمي، أولوية معلنه لليمين المتطرف، وإن تم تجميلها ببعض المزاعم كمحاربة الإرهاب، ونشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإن الهدف المتعلق بالحلم الصهيوني المسيحي الأصولي، ظل غائباً عن الصورة لأهداف تكتيكية. وهكذا احتلت المنطقة العربية والإسلامية مركز الثقل بالنسبة لليمين الأمريكي المتطرف، وكانت علي رأس الأولويات علي أجندة النظام العالمي الجديد

стр. 406

الذي صاغ إستراتيجيته الكونية على هذا الأساس .. فكانت حرب الخليج الأولوية الأولي للنظام العالمي الجديد ... وكان العراق إلي جانب بقية دول الخليج المنتجة للنفط أولي الضحايا التي قدّمت لهذا النظام الجديد. ففي الثالث والعشرين من آب (أغسطس) ١٩٩٠م، أي بعد ثلاثة أسابيع من اجتياح العراق للكويت، استخدم (برنت سكاوكروفت) مستشار الأمن القومي، في عهد الرئيس (جورج بوش) مصطلح النظام العالمي الجديد للمرة الأولي حيث خاطب الصحافيين، قائلاً: "إننا نؤمن بأننا سنقيم أركان النظام العالمي الجديد علي أنقاض العداء الأمريكي ـ السوفييتي الذي كان قائماً". أما رئيسه بوش، فقد خاطب الكونغرس الأمريكي بعد ذلك بعدة أسابيع في ١١ ايلول (سبتمبر) ١٩٩٠ م قائلاً: "لقد ابتدأت شراكة جديدة بين الدول ... إن الأزمة القائمة في الخليج الفارسي، علي خطورتها ودمويتها، تمنحنا فرصة نادرة ... من خضم هذه الأوقات العصيبة ... قد يولد نظام عالمي جديد" (١). وهنا يبدو الرئيس (بوش) يعيد تكرار أمنية سابقة تمناها الزعيم الصهيوني (إسرائيل زانغويل) في خطاب له في ٢ ديسمبر ١٩١٧م، أي بعد صدور وعد بلفور بشهر واحد، وصف فيه المحاولات البريطانية والأمريكية، الرامية إلى إعادة اليهود إلى أرض فلسطين، بقوله: "سبع حملات صليبية إلى الأرض المقدسة، عادت على اليهود بالمذابح، فهل ستؤدى الصليبية الثامنة إلى استرجاع اليهود لفلسطين؟. وإذا كانت صليبية حقة، فإن تلك الحقيقة بالذات تأتى بمثابة البرهان على النظام الجديد لعالم تسوده المحبة والعدالة". ولم ينسَ (زانغويل) في هذا الخطاب، أن يكمل صورة النظام الجديد الذي توقع ميلاده في ظل الحملة الصليبية الثامنة، حيث أشار إلى ضرورة طرد العرب من أرض فلسطين ليتسنى إحلال اليهود مكانهم، لإقامة الوطن القومي اليهودي. كما تمنى في هذا الخطاب أن يكتمل هذا العمل عن طريق جعل مدينة القدس مقراً لعصبة الأمم، بدلاً من لاهاى المفلسة، ليتسنى جمع الحلمين

стр. 407

العبرانيين، الأكبر والأصغر، ودمجهما في حلم واحد، ولتصبح العاصمة العبرانية ـ ملتقى الديانات العالمية الثلاث ـ مركزاً ورمزاً للعصر الجديد في الحال" (١). ولكن هذا النظام العالمي الجديد الذي تمنى ولادته (زانغويل) و (بوش الأب) لم يبقَ أمامه إلا العدو الجديد، وهو العالم الإسلامي، فكان لابد من صناعة صورة العدو البديل .. وكان لابد من خوض حرب صليبية بين قوى الخير والشر، وبقيادة (بوش الابن) ليتحقق العصر الألفي السعيد بقيام إسرائيل الكبرى، وعودة المسيح ليحكم العالم من مقره في القدس ...

стр. 408

الفصل الثاني الإسلام عدو بديل هدف ثابت وصياغات متغيرة (١) بعد هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) ٢٠٠١م، علي مركز التجارة العالمي في نيويورك، والبنتاغون في واشنطن، سيطر دعاة ومعتنقو عقيدة صراع الحضارات علي الساحة السياسية والإعلامية في أمريكا. فقبل الكشف عن أي دليل علي هوية المهاجمين، كانت الحملة المنظمة ضد الإسلام والمسلمين قد بدأت تبث سمومها عبر مختلف وسائل الإعلام، وذلك في غضون الدقائق العشر الأولي، التي أعقبت الهجمات. فقد وصف الكاهن (فرانكلين غراهام) الإسلام بأنه دين شرير. كما أن وسائل الإعلام والصحف الكبرى في أمريكا مثل نيويورك تايمز، والواشنطن بوست، قد أصدرت أحكامها مسبقاً علي الإسلام، وذلك علي لسان كتاب الأعمدة، الذين أجمعوا رأيهم علي أن المشكلة التي يعاني منها العالم هي الإسلام المتطرف، كما يدعي البعض، أو الإسلاميون كما يحلو للبعض الآخر تسميتهم. إلي جانب ذلك، فقد صور الإعلام الإسلام علي أنه دين عنف. وهذا ما دفع بالمواطن الأمريكي العادي الذي لا يشغله سوي قوت يومه إلي الاعتقاد بأن الإسلام والإرهاب هما وجهان لعملة واحدة. "وبذلك أصبحت الحرب ضد الإرهاب، سواء شعورياً أو لاشعورياً، حرباً ضد الإسلام، فأعلنت محطة (سي إن إن CNN) هذه الحرب قبل أن يقرها الكونغرس الأمريكي نفسه" (٢). وهكذا يمكن ملاحظة أن هذا الهجوم المنظم على الإسلام بعد أحداث ١١ سبتمبر لم يكن عفوياً، ولم يكن مبرراً، بل جاء نتيجة لتخطيط منظم سبقه بمراحل واستمر لسنوات طويلة، محاولاً إبراز الخطر الإسلامي وتضخيمه، لغاية في نفس يعقوب، حيث لم تكن أحداث ١١ سبتمبر إلا نقطة التحول الحقيقية من الأقوال إلى الأفعال من اجل استهداف الإسلام وأهله.

стр. 409

يقول الفيلسوف الفرنسي (مونتسكيو): "إن الشعوب السعيدة، هي الشعوب التي لا تاريخ لها". وقياساً مع هذه النظرية الاجتماعية، فإن التاريخ الغني لشعوب هذه المنطقة الممتدة من أواسط آسيا حتى شواطئ الأطلسي، يعكس مدى افتقار شعوبها إلى السعادة، حيث لعب عاملان أساسيان الدور الأهم في اغناء تاريخ المنطقة. العامل الأول ديني، وهو هبوط وحي الرسالات السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام فيها والثاني حضاري، وهو قيام الحضارات الإنسانية الأولى فيها" (١)، حيث كان من نتيجة ذلك تحول المنطقة لمنطقة جذب للطامعين والغزاة على كافة مشاربهم وأهدافهم، وكان على المنطقة دفع ضريبة تميزها وفرادتها، حيث تعرضت المنطقة عبر تاريخها لسلسلة طويلة من الحروب. ولكن إذا نظر أي دارس للحروب المستمرة، التي تعرضت لها المنطقة، فسيلاحظ أنها جميعها فشلت فشلا ذريعاً في تحقيق أهدافها، حيث تمكنت شعوب هذه المنطقة من دحر الغزاة وردهم على أعقابهم. وفي العصر الحديث تعرضت المنطقة العربية ـ ولازالت ـ لهجمة غربية شرسة، وبأساليب متعددة، بدءً من الغزو العسكري، وحتى الغزو الاقتصادي والفكري. فبعد زوال الاستعمار الغربي عن المنطقة العربية في منتصف القرن الماضي، لجأت الدول الغربية إلى إبقاء سيطرتها وفرض نفوذها على المنطقة بأساليب أخرى، اقتصادية وثقافية وعسكرية، من خلال بعض الأحلاف أو صيغ التعاون، مستخدمه كافة أساليب الضغط والتآمر للوصول إلى أهدافها. وقد نجحت هذه المخططات في تفتيت الأمة العربية، وإفشال أية مشاريع وحدوية، أو أي تعاون مثمر بين الدول العربية، حتى وصل حال الأمة إلى ما هو عليه الآن من ضياع وتشتت وغياب الهدف، وأصبح الحكام العرب ألعوبة في يد السياسات الغربية والأمريكية، وغذوا عاجزين عن اتخاذ أي موقف لا يروق للإدارة الأمريكية، التي كشفت عن أنيابها ومخططاتها القذرة تجاه المنطقة بعد انهيار المعسكر الشرقي، حيث بدأت في توجيه دفة العداء تجاه المنطقة، وبصوره فجه لم يسبق لها مثيل، وتحول أصدقاء الأمس إلى أعداء، وأخذت

стр. 410

أمريكا في إخراج مخططاتها وأحقادها الدفينة من خزائن التاريخ العفنة، وبالتعاون مع الصهيونية العالمية، من أجل إظهار العرب والمسلمين بصوره بشعة وغير إنسانيه لتبرير العدوان عليهم واستباحة مقدراتهم، حيث ساهمت عدة عوامل في صياغته هذه الصورة المرعبة للإسلام في عقول الغربيين يمكن إيجازها بالآتي: أولاً ـ القادة والسياسيون (حرب صليبية)، (حرب ضد الفاشية الإسلامية)، (حرب تغيير القيم)، مصطلحات ترددت بقوة على لسان الرئيس الأمريكي جورج بوش، ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر٢٠٠١ بما يؤكد أن الغرب وجد العدو البديل ممثلاً في المسلمين، بعد زوال الخطر الشيوعي، حيث أزاحت أحداث ١١ سبتمبر الغطاء عن مكنون القلوب لدى زعماء غربيين تصرفوا بمنطق الحروب الصليبية، وأحيوا مقولات الداعين لتلك الحروب والمتمثلة في مواجهة خطر المسلمين الكفار. "فإستخدام التاريخ لأسباب سياسية يتضخم في الفترة المعاصرة. ويكفى مثال واحد لتبرير سباق التسلح أو السيطرة الاقتصادية، حيث يصطنع تاريخ الخصم على أنه شيطان. فقد كان الاتحاد السوفيتي هو (إمبراطورية الشر)، وبعد انهياره، وجد جورج بوش في الإسلام بديلاً ليبرر السياسة نفسها، وعلى النقيض من ذلك، ظهر تاريخ مقدس، كان في البداية تاريخ العبرانيين، تم استولى عليه المسيحيون الذين ادعوا وراثتهم له، ليبرروا حملاتهم الصليبية، تم استعمارهم" (١). فقد استجاب الرئيس الأمريكي جورج بوش لكارثة ١١ سبتمبر بشكل شبيه بما فعله البابا أوربان الثاني، الذي عبأ العالم المسيحي إلى (الحرب المقدسة)، وكان المسلمون بالنسبة له هم الشعب الكافر، حيث جعل بوش من الحرب الصليبية قرينة للجهاد وعزز من صورة القاعدة (٢). وترددت أصوات بوش عن الحرب ضد الشيطان في لندن، حين أعلن رئيس الوزراء البريطاني في ١٧ سبتمبر ٢٠٠١، دعمه للتحالف الذي تشكله الولايات المتحدة لخوض الحرب في أفغانستان، مشيرا إلى أن الحرب القادمة ستكون بين العالم المتحضر من ناحية، والتعصب من ناحية أخرى. وبعد

стр. 411

خمس سنوات عاد بلير ليعلن في ٢ أغسطس ٢٠٠٦، أن الحملة العسكرية في أفغانستان والعراق استهدفت تغيير القيم وليس مجرد إزاحة نظامي طالبان وصدام. ثم اكتمل مثلث الهجوم على الإسلام بسيلفيو برلسكوني رئيس وزراء إيطاليا (السابق) الذي أعلن بعد أيام من أحداث ١١ سبتمبر أن "الإسلام دين لا يحترم حقوق الإنسان ومبادئ التعددية والتسامح والحرية الدينية، وأن الحضارة الغربية تعلو على حضارة الإسلام" (١). وهكذا يبدو واضحاً ان قادة الغرب وساسته، هم المسئولون في الدرجة الأولى عن هذا الموقف الخاطئ والظالم تجاه الإسلام وحركته السياسية والفكرية، فهم دائماً يحاولون انتخاب عدو موهوم لهذه الشعوب الغربية، ويضخمون لها أخطاره، ثم يقدمون أنفسهم منقذين ومخلصين ومدافعين عن هذه الشعوب تجاه هذا الخطر الداهم الموهوم. التهديد السوفيتي، التهديد الإرهابي، الأعداء الجدد، تلك هي عقلية البنتاجون ووكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي وآخرين، التي تجرى التنشئة عليها بصورة محمومة في الداخل والخارج، لتبرير مهامها الحاسمة المنقذة للحياة والمانعة للحوادث. يقول الجنرال (دوجلاس ماك ارثر)، وهو يتحدث عن ميزانيات البنتاجون الضخمة عام ١٩٥٧م: "لقد أبقت علينا حكومتنا في حالة خوف دائم، أبقت علينا في حالة فرار مذعور دائم مصحوباً بحماس وطني، يقترن بصرخة عن حالة طوارئ وطنية خطيرة. لقد كان هناك على الدوام شر ما رهيب يتحفظنا أن لم نحتشد خلفه بصورة عمياء بتقديم الأموال الباهظة المطلوبة. ومع ذلك فباسترجاع الماضي، يتضح أن هذه الكوارث لم تكن لتحدث أبداً، ويتضح أنها لم تكن حقيقية تماماً مطلقاً. فالهدف الشامل للسياسات العملية هو الإبقاء على الناس مستنفرين (ومن تم يرحبون بقيادتهم لبر الأمان) بتهديدهم بسلسة لا تنتهي من الغيلان، معظمها خيالي، كما قال (هـ. ا. منكن) في عام ١٩٢٠ م" (٢). فالمجتمعات الغربية اعتادت الرفاهية الاقتصادية، التي لا سند لها في

стр. 412

الاقتصاد الغربي سوى استمرار نهب ثروات العالم المستضعف المغلوب، والحصول عليها بأبخس الأثمان، وهذه المجتمعات لا تتحمل أي نكسة أو تراجع في عالم الاقتصاد والرفاهية والاستهلاك، ولابد لهؤلاء القادة من الاستمرار في دعم وضمان قيام هذه المعادلة غير العادلة، ولا يتم ذلك إلا بالحفاظ على عالم الاستضعاف كما هو منبعاً للمواد الخام، وسوقاً لاستهلاك ما يفيض عن حاجة الغرب، وهذا يستدعي إستنفار الرأي العام الغربي ضد الإسلام، الذي يحارب هذه المعادلة، وضد المسلمين الذين يجاهدونه لضربها وإحلال معادلة متوازنة سليمة محلها، تؤمن مصالح كل الشعوب على السواء. ثانياً ـ الإعلام الغربي ساهم الإعلام الغربي بدوره الأساسي الفاعل في معاضدة القادة والسياسيين، فتحالف معهم في تشويه صورة الإسلام وحركاته، ومبادئه وقيمه، بتقديمها إلى المجتمعات الغربية بأقبح صور الراديكالية والوحشية، والتخلف والعنف. فقد غذّى الإعلام الغربي الرأي العام في الغرب بصور وقصص وروايات عن الإسلام والمسلمين، أصبحت أشد من الكوابيس ضغطاً على عقل وقلب وفكر المواطن الغربي، وأوجد البون الشاسع، والمسافة الكبيرة، في الفكر والممارسة، بين المسلمين والغربيين، وخاصة على صعيد الجنس والحرية الشخصية، ومهد كل ذلك أمام السياسيين، مهمة التلاعب بالرأي العام الغربي وتوجيهه، وحشده خلف هذه السياسات الخاطئة في التعامل مع الإسلام والمسلمين. يقول المستشرق الهولندي (رودلف بيترز): "أن اللغة الإعلامية اليومية ـ للغرب ـ تكرس الصورة المشوهة، ويساهم في التشويه بعض الفئات المتعلمة والصحافيون. إن نقد صحافتنا أمر واجب، لأنها تمضي بعيداً في تسويق مفهوم خاطيء، وهي تعيد ما قامت به أثناء الحرب الباردة من حماسة زائدة ضد العدو المفترض، وهي تتعاطى مع الأصولية باعتبارها خبراً جذاباً للقارئ، لأنها من ناحية تتبنى العنف والإرهاب، ومن ناحية أخرى تختلف عن الواقع الغربي وتتصارع معه، ويمكن أن تكون نيات بعض الصحفيين طيبة، ولكن

стр. 413

يجب أن لا ننسى المقربين من المؤسسات السياسية الحزبية، التي لها مصلحة في التلاعب بالرأي العام وتوجيه. وحتى الصحافي الموضوعي يواجه عوائق مهنية في تغطية الموضوع الإسلامي، فرؤساء التحرير يبحثون عن خبر، والحديث عن الإسلام المعتدل أو المتنور لا يعد خبراً، ولا يجتذب القارئ" (١). ثالثاً ـ المستشرقون رغم أن المفروض بالمستشرقين أن يكونوا أكثر إحاطة من الإعلاميين والسياسيين بحقيقة الإسلام، ومعرفة بمبادئه العادلة السامية، وأصوله السليمة القويمة، وإطلاعاً على حركته السياسية ومظلوميتها في الداخل والخارج، وعدم إتاحة الفرصة لها ـ محلياً وعالمياً ـ لطرح مبادئها وتوجهاتها بشكل هادئ وسليم، فان هؤلاء المستشرقين كانوا ـ إلا قليلاً منهم ـ أكثر الشرائح الغربية مسؤولية عن تشويه صورة الإسلام والشعوب الإسلامية لدى الغربيين، شعوباً وحكومات وأحزاباً، ساسة وقادة وإعلاميين، وعلى عواتق هؤلاء المستشرقين تقع المسؤولية الكبرى في زرع العداء للإسلام لدى الغرب، وفي دفعه لإعلان الحرب عليه، باعتباره العدو الأول. فهؤلاء بارتدائهم أثواب العلم والموضوعية، وحملهم لواء البحث والتحليل والتمحيص، كانوا أكثر نفوذاً وأبعد أثراً في الرأي العام الغربي، عدا عن أن دراساتهم وبحوثهم وأقوالهم كانت في الغالب هي المواد الرسمية الرئيسة للإعلاميين والسياسيين وسواهم. و قد أفصح المستشرق الأسباني (فرناندو دي أغريدا) رئيس قسم المطبوعات والنشر في معهد التعاون العربي التابع لوزارة الخارجية الأسبانية عن هذه الحقيقة، عندما أشار إلى أن دراسة الأوضاع العربية من قبل المستشرقين كانت تتم في الكثير من الأحيان بهدف تشويهها. ويقول وات في كتابه (ما هو الإسلام؟)، معبراً عن مدى انحياز الدراسات الغربية لجذور أصحابها عبر قوله: "إننا ورثة تحيز راسخ الجذور، يعود إلى الدعاية الحربية للقرون الوسطى، هذه الحقيقة يعترف بها الآن على نطاق واسع، فالدراسات الحديثة تشير إليها ضمن عوامل تكوين النظرة الغربية

стр. 414

للإسلام. فعندما تقابل الفرسان الصليبيون مع العرب (البرابرة السارقين)، فوجئوا بحضارة تفوق حضارتهم. فرجع كثير من الفرسان منزعجين مما رأوا وعاينوا في الأرض المقدسة: مستوى معيشة لا تعرفه أوروبا ذلك الوقت، معرفة القراءة والكتابة، علوم طبية مزدهرة، فروسية حقيقية وتسامح، جسّدها صلاح الدين البطل الكردي. كانت حضارة تماثل تلك التي ازدهرت في الأندلس تجعل الخصوم المسيحيين يخجلون من أنفسهم، كاشفة لهم أنه إذا كان هناك برابرة، فذلك هم (١). ولذلك فقد عمد هؤلاء الصليبيون على تشويه صوره المسلمين لكسب الدعم والتعاطف من شعوبهم وقد ساعدهم في ذلك كثير من رجال الدين وهذا ما يعترف به المستشرق الهولندي (فان كوننكز فيلد)، الذي أصدر عدة كتب تشرح الإسلام عقائد وأحكاماً اقترب فيها من الموضوعية والنزاهة، تحدث في كتابيه (أسطورة الخطر الإسلامي في الغرب)، و (حديث حول الإسلام في العصر الحديث)، مبيناً الصورة المشوهة التي يحملها الغربيين تجاه الإسلام، وأن لها جذوراً في الفكر اللاهوتي المسيحي. وقبل ذلك أشار الفيلسوف المؤرخ الفرنسي (غوستاف لوبون) في كتابه (حضارة العرب) إلى هذه الظاهرة في التفكير الغربي الحديث الذي يزعم لنفسه التحرر والموضوعية والعلمية، ثم يقف بإزاء الإسلام وقضاياه موقفاً آخر تمليه عليه عصبية خفية (٢). كما أن المستشرقين أظهروا شبه إجماع على ضرورة التصدي للإسلام ومواجهة المد الإسلامي وقمع الظاهرة الأصولية، وإن كانوا قد اختلفوا في الأساليب التي طرحوها لهذه المواجهة، حيث كانت الحلول المقترحة لمواجهة المد الإسلامي كثيرة لا يمكن حصرها في هذا البحث، ولكنها جميعاً تؤكد على أن أصولية الإسلام تشكل خطراً كبيراً على الأمن والسلام، وعلى العلاقات بين الشرق والغرب. وأن المناهج الأصولية متزمتة وراديكالية لا ماضٍ ولا مستقبل لها. لهذا فإن قادة الغرب ـ استناداً إلى دراسات المستشرقين يراهنون على خيار واحد فقط، وهو سحق هذه التوجهات وتبديدها، ولو أدى

стр. 415

الأمر إلى سحق الحريات، ووأد الديمقراطيات، التي يتشدق بها هؤلاء القادة الغربيين ليل نهار، ويجعلونها واجهة لعملهم السياسي في بلدانهم وأمام شعوبهم (١). رابعاً: الصهيونية العالمية وإسرائيل أخيراً هناك ما قام ويقوم به الصهاينة والإسرائيليون من تشويه مستمر لصورة العرب والمسلمين، لدى الرأي العام الغربي، ومن تضخيم متواصل لخطر الإسلام عموماً، وخطر الإسلام الأصولي خصوصاً، على أساس أنه البديل الحالي عن الخطر الشيوعي السوفياتي، الذي انحسر عن كاهل الغرب في الآونة الأخيرة. "فقد كان التركيز الأصولي في مجال السياسة الخارجية الأمريكية منصباً على الخطر القادم من الشمال، كما في نبوءات حزقيال، أي خطر يأجوج ومأجوج والحلف الشرير بين (أبناء الظلام)، ضد أبناء النور، أي إسرائيل. إلا أن الاتحاد السوفيتي قد ضاع الآن من بين أيدي الأصوليين بوصفه الشيطان إبليس أو يأجوج ومأجوج، بل وسبب لأولئك الأتقياء خيبة أمل كبيرة لأنه ـ بانسحابه من حلبة الصراع مع قائدة حلف أبناء النور الولايات المتحدة، بل وانضواءه في الواقع تحت لوائه ـ قد جرد المسيحيين الأصوليين المؤمنين من الخصم الشرير، وحرمهم من فرصة إشعال حرب نووية مع ذلك الخصم الشرير، تعجيلاً، ـ من خلال تلك الحرب، هرمجيدون ـ بالمجيء الثاني للمسيح" (٢). ولهذا كان على الأصوليين اختراع هذا العدو، فالغرب كما تقول المستشرقة الإيطالية) إيزابيلا كاميرا دافليتو): "كان وما يزال بحاجة إلى اختراع عدو حتى يضمن لنفسه خطاً دفاعياً، ويظل مترفعاً ومتعالياً على ما تبقى من العالم لسنين طويلة، أو حتى لعقود، كان هذا العدو متمثلاً بالشيوعية وبالمعسكر الشرقي، وعندما انهارت الشيوعية برز لدى الغرب التساؤل التالي: من سيكون عدونا المقبل؟!. وإذا به يسحب من خزانة تراكم عليها غبار الزمن

стр. 416

صورة العدو التاريخي القديم المتمثل بالعالم الإسلامي، لكن الغرب كان أيضاً ـ بحاجة ـ إلى وسيلة لإقناع مواطنيه بمصداقية هذا الاكتشاف الجديد والقديم، لذا كان طبيعياً أن يحاول ترسيخ ملامح البعبع من خلال تقديم الأصولية الإسلامية، والإرهاب الإسلامي في صورة العدو العنيف" (١). ومعلوم أن الصهاينة والإسرائيليين يدركون أن الخطر الحقيقي، الذي يتهدد كيانهم هو ظهور تيار إسلامي قوى في الدول العربية. ونجد مشاعر مماثلة تساور العديد من المسيحيين ـ الأصوليين في ـ أمريكيا، فهم يعتقدون أن بقاء إسرائيل قوية جزء من مخطط الله، ويعتبرون المسلمين تهديداً لهذا المخطط، ولهذا يرى هؤلاء أن عليهم مواصلة معاداة المسلمين، لأن إسرائيل لا تزال في حالة تأهب عسكري، لمواجهة الدول الإسلامية المجاورة في غالبيتها (٢). ولهذا فإن الأصوليين المسيحيين أكثر عداوة للإسلام والمسلمين، بل وأكثر جرأة في الطعن في الإسلام، وجرح مشاعر المسلمين، من حلفائهم اليهود. كما تدل عليه تصريحات (فرانك غراهام) و (بات روبرتسون) و (جيري فالويل) حول الإسلام خلال العام المنصرم. وقد لاحظت الكاتبة الأميركية (جريس هاسيل) أن الأصوليين المسيحيين في أميركا "مستعدون لتقبل نقد موجه لفرنسا أو إنجلترا، أو ألمانيا، أو إيطاليا، أو الولايات المتحدة، أو أي بلد آخر في العالم، لأن ذلك شأن سياسي، أما نقد إسرائيل فهو يساوي عندهم نقد الرب ذاته"، حسب تعبيرها (٣). تبدُّل الصياغة وصناعة صورة العدو عندما غزا (صدام حسين) الكويت في أب ١٩٩٠م، زود ـ من غير قصد ـ مخططي وزارة الدفاع بالشيء الذي كانوا يبحثون عنه، منذ تولي (غورباتشوف) قيادة الاتحاد السوفيتي. إنه عدو جديد يمكن للولايات المتحدة أن تضع عليه الملامة، وخطر على الأمن يبرر المحافظة على إنفاق عسكري مماثل لفترة الحرب

стр. 417

الباردة (١). وبعد أن تدخلت أمريكا ودمرت القوات العراقية وأخرجتها من الكويت، رأت أن توسع نظرتها للعدو الجديد باتخاذ الإسلام كعدو بديل، حيث كانت أول مره يرفع فيها شعار (الإسلام عدو بديل) على المستوى السياسي الغربي، في (منتدى الشؤون الأمنية الدولية) في ميونيخ عام ١٩٩١م، وكان الذي استخدم هذا التعبير، هو وزير الدفاع الأمريكي آنذاك ـ ونائب الرئيس الأمريكي حالياًـ ديك تشيني. وقد ـ لقي موقفه حينئذ ـ ردود فعل شديدة، في البلدان الإسلامية، وفي أوساط ثقافية ودينية غربية، تخوّفت مما يعنيه الصدام الكامن وراء تلك الشعارات، التي وصلت إلى مستويات مؤثرة في صناعة القرار السياسي الأمريكي ذو المنطلقات الصهيونية (٢). وقد سبق رفع شعار (الإسلام عدو بديل) ظهور العديد من الدراسات والأبحاث التي قامت بها كثير من مراكز البحث والجامعات الغربية، وبالتعاون مع دوائر استخبارية غربية، بهدف التعرف على أنجع الطرق لمواجهة الصحوة الإسلامية أو ما سموها بالأصولية الإسلامية، "بحيث أضحى موضوع دراسات الشرق الأوسط في الغرب هو ابرز العناوين التي تتم تحتها عملية الرصد والدرس والتحليل للعالم الإسلامي عامة، والعربي خاصة، من كافة الجوانب، من العقيدة إلى فن زراعة البساتين، والتي تطورت وتوسعت بشكل هائل منذ الحرب العالمية الثانية، وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية، ويكفي أن نعرف أن عدد المتفرغين للبحث في هذا المجال في جامعات أمريكا وكندا كان ٣٦٣ في عام ١٩٦٩م فأصبح ٦٧٠ عام ١٩٨٦م، وان عدد أعضاء (رابطة دراسات الشرق الأوسط)، في أمريكا عام ١٩٧٧ م كان ٨٢٣ عضواً، موزعين على ٣٩ مجالاً، أهمها مجالات التاريخ والسياسة، والأدب، والدين، والاقتصاد، وعلوم الإنسان، والاجتماع، والتعليم، والقانون" (٣). ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل حرصت دول الغرب، خاصة أمريكا، على أن تنشئ مؤخراً عشرات المراكز في داخل البلاد الإسلامية ـ تحت مسميات مختلفة ـ لتتولى مهمة الرصد والفحص، وجمع المعلومات المباشرة، لتصب هناك في مراكز التخطيط والقرار، هذا

стр. 418

فضلاً عن المؤسسات التقليدية القديمة، من جامعات، ومدارس أجنبية، تسهم كذلك في المهمة نفسها. وعندما شهد العقد الأخير زيادة الوعي الإسلامي وعمقه في المجتمعات الإسلامية، في كل أنحاء العالم، كثفت الدوائر الغربية من نشاط الدراسات حول مناطق الصحوة الإسلامية في العالم، وهذا) دكمجيان) يكشف في مقدمة كتابه (الأصولية في العالم العربي)،عن أن دراسته تلك أعدت خصيصاً للحكومة الأميركية، وقد اعتمدت دراسته على كثير من المنشورات السرية، والرسائل، والنشرات الخاصة بالحركات الإسلامية في العالم العربي، وقدم خلالها تحليلاً لعمل وتحرك (٩١) حركة وجماعة إسلامية، وقد ساعده كما يذكر في جمع المادة العاملون في مركز هيئة البحث والتنمية في أميركا! وهذا يعني أن تلك الدراسات، بطريقة أو بأخرى سوف تكون مراجع أساسية، تستند عليها المخابرات الدولية بما فيها الـ ( C. I. A) الأميركية، وغيرها من مراكز المخابرات والاستخبارات في العالم، حيث أن أجهزة المخابرات وعملائها سوف لا تتعب كثيراً في التشخيص والنزول باتجاه التفاصيل. فالدراسات التي أعدت قد سهلت كثيراً من مهامهم. وعلى أثر تلك الدراسات وما تبعها من نتاجات متلاحقة، فان دوائر المخابرات قد شرعت بالمزيد من عملياتها ومخططاتها، فكان للإسلاميين مساحة واسعة من اهتمامات تلك الدوائر المخابراتية (١). تصريحات ومواقف هناك مقولة للكاتب الأمريكي (كال توماس) ـ وهو ينتمي إلى انتلاف اليمين المسيحي الذي يتخذ موقفاً صارخاً في تحيزه لإسرائيل وعدائه للعرب والمسلمين، تقول: "أن كلاً من اليمين واليسار في الولايات المتحدة يحتاج إلى أعداء، لكي يستفز بهم ـ وبأسلوب الصدمة الكهربائية ـ حملات جمع التبرعات .. وان اليمين يتطلع منذ

стр. 419

التسعينات إلى عدو يحل محل الشيوعية، وقد يكون ذلك الإسلام" (١). فبعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي وانحلال حلف وارسو، جرى تصعيد متعمد للعدوانية الغربية ضد الإسلام، فكتبت (كارين آرمسترونغ)، قبل عشر سنوات من إعلان (جورج دبليو بوش) الحرب الصليبية الأخيرة ضد الإسلام، قائلة: "يبدو الآن أن الحرب الباردة ضد الإسلام ستحل محل الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي" (٢). وفي الأول من أيلول ١٩٩٣ كرر الجنرال باول نفس الشئ:: إن الإمبراطورية السوفيتية قد حل مكانها شيء من نوع آخر مختلف - العراق وكوريا وشياطين آخرون ومخاطر ذات طبيعة إقليمية».الأمريكيون مستعدون إذاً لاستنباط مخاوف أخرى لاقناع الأمم وخاصة الأوروبية منها بتقبّل هيمنتهم العسكرية والسياسية للأبد (٣). أما مدير معهد بروكنغرز في واشنطن (هيلموت سوننفيل) فيقول: "إن ملف شمالي الأطلسي سوف يعيش، وأن الغرب سيبقى مجموعة دول لها قيم أساسية مشتركة. وستبقى هذه المجموعة متماسكة معاً من خلال الشعور بخطر خارجي: الموقف من الفوضى أو التطرف الإسلامي". وقال الرئيس الأمريكي الأسبق (ريتشارد نيكسون) في كتابه (أمريكيا والفرصة التاريخية): "إنه يوجد في العالم الإسلامي عاملان اثنان مشتركان فقط، هما الدين الإسلامي، والاضطراب السياسي" (٤). ويضيف: "يحذر بعض المراقبين من أن الإسلام سوف يكون قوة جغرافية متعصبة ومتراصة، وأن نمو عدد أتباعه، ونمو قوته المالية سوف يفرضان تحدياً رئيساً. وأن الغرب سوف يضطر لتشكيل حلف جديد مع موسكو من أجل مواجهة عالم إسلامي معاد وعنيف". وقد عكس (نيكسون) في كتابه هذا، صورة بشعة عن العالم الإسلامي عندما قال: "إن معظم الأمريكيين ينظرون نظرة موحدة إلى المسلمين على أنهم غير متحضرين، وسخين، برابرة، غير عقلانيين، لا يسترعون انتباهاً إلا لان الحظ

стр. 420

حالف بعض قادتهم، وأصبحوا حكاماً على مناطق تحتوي على ثاني الاحتياطي العالمي المعروف من النفط" (١). وفي ربيع ١٩٩٠م ألقى (هنري كيسنجر) وزير الخارجية خطابا أمام المؤتمر السنوي لغرفة التجارة الدولية، قال فيه: "إن الجبهة التي على الغرب مواجهتها هي العالم العربي الإسلامي، باعتبار هذا العالم العدو الجديد للغرب، وأن حلف الأطلسي باق، رغم انخفاض حدة التوتر بين الشرق والغرب في أوروبا، ذلك أن أكثر الأخطار المهددة للغرب في السنوات القادمة آتية من خارج أوروبا. وفي نهاية التسعينات فإن أخطر التحديات للغرب ستأتي من ناحيتي الجنوب (المغرب العربي والشرق الأوسط)، وهو ما أكده فيما بعد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي Willy Claes)) والذي وصف الأصولية الإسلامية في خطاب رسمي له بأنها أعظم خطر راهن يواجه الحلف. ولهذا ألح، (برنارد لويس) ـ أشهر مستشرقي العصر الحديث (٢) ـ على الحكومة الأمريكية بضرورة التعامل بقسوة مع المسلمين والعرب، وأعرب عن رغبته في أن تسقط الولايات المتحدة سلطتها عليهم. فوفقاً للويس، هناك غرب متقدم إنساني من ناحية، وهناك من ناحية ثانية (إسلام) ـ وهذا الأخير يشمل الدين والقانون والحضارة والجغرافيا والتاريخ. وفي ذهنه، لم يتغير المسلمون والإسلام عبر العصور، فهو يعتبر أن دراسة مخطوطه عربية تعود إلى القرن التاسع الميلادي تفيد منهجياً في تفسير السلوك السياسي للفلسطينيين عام ٢٠٠٢م. وفي كتابه (الإسلام والغرب) ينظر لويس إلى المسلمين بوصفهم مجموعة متجانسة واحدة، يتمتعون بمميزات وأنماط سلوك مماثلة، ويمكن أن تفسر كل أعمالهم البغيضة بالعودة إلى القرآن وكتب الفقه الكلاسيكية (٣).

стр. 421

انطلاقاً من هذه التصريحات والمواقف بدأ الغرب وعلى رأسه أمريكيا يستهدفون الإسلام، كطريقة بديلة للحياة، وعلي نحو صريح ومكشوف منذ انهيار الاتحاد السوفييتي والنظام الشيوعي، وقبل أن تظهر علي المسرح حكاية أسامة بن لادن. وقد صرح السكرتير العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) عام ١٩٩٥م أن الإسلام السياسي كان خطراً بمقدار خطورة الشيوعية علي الغرب علي الأقل (١). وقد بلغ التحامل على الإسلام إلى درجة أن مجلة الايكونوميست البريطانية المعروفة برصانتها، نشرت على الغلاف موضوعاً بعنوان: (الإسلام الأيديولوجية البربرية المعادية للغرب). وجاء في دراسة أخرى نشرتها مجلة ألمانية متخصصة في الدراسات الإستراتيجية: "الواقع أن الأحاسيس المعادية للعرب وللمسلمين، تجعل من هذه الصورة الجديدة للعدو، المخطط لها أسرع نجاحاً، وأكثر قدرة في الحصول على الإجماع، يبدو ذلك واضحاً من إسراع مجموعات من الخضر بألمانيا، عند حصول (أزمة الكويت) للحديث عن صراع بين الإسلام والغرب، بل بين الإسلام والتنوير أو التحرير، وطالب آخرون من الخضر الألمان ببوليس دولي لحماية البيئة من العرب (٢). نظرية صراع الحضارات يقول المفكر د. محمد عابد الجابري: "ان العقل الأوروبي لا يعرف الإثبات إلا من خلال النفي، وبالتالي لا يتعرف إلى (الأنا) إلا من خلال (الآخر). ومن هنا فهو لا يستطيع التفكير في المستقبل إلا من خلال (سيناريوهات) يرسم فيها لنفسه (الآخر) .. العدو المنتظر" (٣). فقد وجد الغرب نفسه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ـ العدو المشترك ـ أمام فراغ كبير، أصبحت معه خلافاته وصراعاته الداخلية من دون سقف رادع. و وجدت الولايات المتحدة الأميركية نفسها فجأة دولة، بل معسكراً وترسانة من الأسلحة، بل تحالفاً دولياً بنى سياسته واقتصاده وإستراتيجيته، وثقافته، ورؤاه المستقبلية على أساس أنه يواجه عدوا يتربص به، فإذا بالعدو

стр. 422

ينسحب بل يختفي (١)، ومن هنا جاءت نظرية وجوب اختراع عدو بديل، حيث وجد المنظرون الإستراتيجيون في الإسلام ضالتهم، وتم صياغة صورة العدو البديل على المستوى الفكري، كما كان مع نظريتي (نهاية التاريخ) لفوكوياما، و (صدام الحضارات) لهنتينجتون، لان الولايات المتحدة تحتاج لعدو توجه ضده المدافع الاعلاميه والسياسية والعسكرية. فهذه الآلة الضخمة يجب أن تشتغل وتنتج وإلا أصابها التآكل، لا بد لها من عدو يجسد (الشر)، فإذا لم يكن موجوداً يفقد (الخير المفترض) مبرر وجوده. لذلك ولو لم يكن هذا العدو موجوداً لوجب اختراعه، سقوط الاتحاد السوفيتي كاد يحرمها من هذه المعادلة، لكنها سرعان ما أعادت إنتاج مقولة (إمبراطورية الشر) بتعديلها لتصبح (محور الشر). فقد تغيرت التركيبة العالمية، وإن لم تستقر بعد إلا أنها استهدفت إيجاد عدو بديل. وكانت حرب الخليج التي خاضها بوش الأب بمثابة الإعلان عن ولادة قيام نظام عالمي جديد، وموت النظام العالمي القديم، وبالتالي موت كل التوازنات والاتفاقات، التي كانت ترسم حدود العالم في ذلك الحين. سقط النظام القديم، وسقطت كل الضوابط والكوابح التي كان يقوم عليها. فإذا صدقنا ما تحدث عنه (هنتنجتون) وأسماه صدام الحضارات، نجد أنه لو اندلعت حرب عالمية ثالثه فستصبح حرباً من نوع جديد هكذا قال (هنتنجتون)، فلن يكون سببها نزاعاً (أوروبياً - أوروبياً) ولكنها ستكون مواجهه بين الحضارات، بين المركز (وهو الغرب)، وبين الأطراف (أو المستعمرات القديمة). بل إن (هنتنجتون) يعطى أيضاً ـ كلاً ـ من المجموعتين صبغة دينيه: إذاً سيكون الصدام بين حضارة (يهودية مسيحية) وأخرى (إسلامية كونفوشيوسيه). فالولايات المتحدة في خطتها للسيطرة على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، عينت (العدو البديل أو الشيطان) الذي يجب القضاء عليه، وهو الإسلام وحلفاؤه المحتملون، فيما يسمى بالعالم الثالث (٢). ولهذا بدأ البحث في أوائل التسعينيات عن كلمة أخرى غير الإسلام، فبدأ

стр. 423

التركيز على (الأصولية) (١)، مع تصريحات تقول بتبرئة الإسلام كدين سماوي منها، وتثبيت فكرة أن الأصولية هي (الإسلام السياسي). وبعدها بفترة بدأ التركيز على ربط الإسلام والمسلمين والعرب بـ (الإرهاب)، حيث ترسخ هذا المفهوم في أذهان معظم الأميركيين بعد التفجير في مركز التجارة العالمي في شباط فبراير ١٩٩٣م، وحينها صب الحاقدون وقود كراهيتهم على النار المستعرة، وبدأ الحديث عن شبكة عالميه فائقة التنظيم، ومكونه من مجموعات الإرهاب الإسلامي، ومتربصة للانقضاض داخل الولايات المتحدة (٢). نظرية هنتنغتون الجديدة إذا كان العرب والمسلمون قد استقبلوا كتاب المفكر والأكاديمي الأميركي المعروف (صموئيل هنتنغتون) قبل الأخير (صدام الحضارات) بالقلق والرفض الواسعين، لترويجه فكرة أن الصراع العالمي القادم سوف يكون صراعا بين الحضارة الغربية من ناحية، وحضارات الشرق، وعلى رأسها الإسلام من ناحية أخرى، فإنه حري بهم الانتباه لنظرية أخطر يروجها (هنتنغتون) في كتابه الجديد (من نحن؟ تحديات الهوية الوطنية الأميركية)، نظراً للدور الذي ينادي (هنتنغتون) بأن يلعبه الإسلام كدين وحضارة في تشكيل الهوية الوطنية الأميركية خلال الفترة الراهنة، وفي المستقبل المنظور. فعلى الرغم من أن (هنتنغتون) لا يرى ـ في كتابه الجديد ـ أن الإسلام هو أحد التحديات الأساسية، التي أدت إلى تراجع شعور الأميركيين بهويتهم الوطنية خلال العقود الأخيرة، فإنه يرى أن العداء للإسلام والحضارة الإسلامية قد يساعد بشكل كبير في تحقيق التفاف الأميركيين المنشود، حول هويتهم الوطنية في المستقبل المنظور، حيث يطرح (هنتنغتون) رؤية لإعادة بناء الهوية الأميركية، تقوم على استشراف بعض التغيرات الجذرية الإيجابية الطارئة على المجتمع الأميركي في

стр. 424

الفترة الأخيرة، التي من شأن تأكيدها عودة الروح للهوية الوطنية الأميركية. ويعني (هنتنغتون) بهذه التغيرات تحولين أساسيين: أولهما عودة الأميركيين للدين المسيحي، وزيادة دور المسيحية في الحياة العامة الأميركية. وثانيهما الدور الذي يمكن أن يلعبه الإسلام كعدو أساسي جديد لأميركا. ويبشر بأن العودة للمسيحية ـ التي تعد أحد الركائز الأساسية للهوية الأميركية ـ تمثل عاملاً هاماً في دعم الهوية الأميركية ونشرها خلال الفترة الراهنة. كما أن الصحوة الدينية ـ وفقا لتحليل هنتنغتون ـ تصب مباشرة في الدور المساعد الذي يمكن أن يلعبه الدين على الساحة الدولية وخاصة في تعريف عدو أميركا الجديد وهو الإسلام. وهنا يرى أن عداء أسامة بن لادن لأميركا هو عداء ديني، وأن الأميركيين لا يرون الإسلام على أنه عدو لهم، ولكن الإسلاميين المسلحين، المتدينون منهم والعلمانيون، يرون أميركا وشعبها ودينها وحضارتها أعداء للإسلام. ونتيجة لذلك يرى (هنتنغتون) أن البديل الوحيد للأميركيين هو أن ينظروا لهؤلاء الإسلاميين المسلحين بأسلوب متشابه. ثم يبدأ في وصف نفوذ الإسلاميين المسلحين، ويقول: إنهم كونوا شبكة دولية لها خلايا عبر العالم، هدفها الأساسي هو تدمير الغرب، وإن المسلمين دخلوا في العقود الأخيرة حروبا طالت البروتستانت، والكاثوليك، ومسلمين آخرين، وهندوسا، ويهودا، وبوذيين، وصينيين، وحاربوا في كوسوفا، والبوسنة، والشيشان، وكشمير، وفلسطين، والفلبين. وإن مشاعرهم السلبية تجاه أميركا زادت في التسعينيات. ويضيف أن الشعوب الإسلامية لم تتعاطف مع الأميركيين بعد ١١ سبتمبر، وأن عداوتها لأميركا عميقة، وليست بسبب إسرائيل، فهي مدفونة في الحقد على الثروة الأميركية، والسيطرة الأميركية، والعداء للثقافة الأميركية في شقيها العلماني والديني. وينهي (هنتنغتون) فكرته بتوقع دخول أميركا حروبا مع دول وجماعات مسلمة في السنوات القادمة، مما يرشح الإسلام بشكل واضح للعب دور العدو الأساسي والكبير، الذي يوحد الأميركيين ضده (١).

стр. 425

الحملة على الإرهاب منذ ظهر شعار (الإسلام عدوّ بديل) لم تتغير وجهة مسيرة الدول الغربية وسياساتها العدائية تجاه الإسلام والمسلمين، وجلّ ما هنالك أن بعض معالمها المرئية تبدّلت وفق متطلبات المرحلة الآنية. وهنا يأتي توجيه دفة الأحداث تحت عنوان تداعيات تفجيرات واشنطن ونيويورك، كمحطة جديدة على صعيد تلك السياسة الغربية. فلم تكن التفجيرات هي التي صنعت مسلسل التداعيات من بعدها، بل توفرت منطلقات مسبقة لتوظيف هذه التفجيرات، لتكون بمثابة الذريعة للتحرك وفق صيغة قائمة من قبل. وهذا ما يعنيه أيضًا اصطناع ما سُمِّي (الحدّ التاريخي) الزمني الفاصل بين ما قبل الحادي عشر من سبتمبر وما بعده، لتبرير كل ما يتم تنفيذه بعد ذلك التاريخ بتلك التفجيرات (١). صحيح أن مقتل الألوف في الولايات المتحدة في يوم واحد، بهذه الصورة، حدث هائل، ولكن لم يتحدّث أحد عن نهاية حقبة تاريخية، وبداية أخرى، عند مقتل الألوف دفعة واحدة في (سربرينتسا) وأخواتها، ولا عند مقتل مئات الألوف خلال فترة وجيزة في حرب الإبادة في رواندا، التي رفضت واشنطن بالذات وصفها بحرب الإبادة. أما فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي فحدث ولا حرج ... فحين يقتل جندي من جيش إسرائيل، أو من مرتزقته في جنوب لبنان، الذي كانت تحتله إسرائيل بطريقة غير شرعيه ـ أي حين يقتل مقاوم محتلاًـ فإن ذلك يعد إرهاباً، وإذا قصفت القوات الإسرائيلية المدنيين، وذبحتهم في قانا، أو ضواحي بيروت، أو في الأراضي المحتلة، ـ يسمى ذلك بالدفاع الشرعي. ومن اليسير تعداد مئات الأمثلة لاستخدام تلك الذرائع والافتراءات، مثل مكافحة الإرهاب، أو التدخل الإنساني، أو حماية حقوق الإنسان، لتبرير العدوان المباشر على الدول، أو فرض القيود على الاتفاقيات الاقتصادية معها، إذ تثار أحداث (تيان إن من) بينما لا يذكر شيء مطلقاً عن مذبحة أبشع وأفظع ارتكبها أرييل شارون، وراح ضحيتها عشرون ألف مدني في لبنان عام ١٩٨٢م (٢).
следующие страницы →