← Общие книги

Общие книги · id 36505

الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم

يوسف الطويل

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

انطلاقاً من هذه التصريحات والمواقف بدأ الغرب وعلى رأسه أمريكيا يستهدفون الإسلام، كطريقة بديلة للحياة، وعلي نحو صريح ومكشوف منذ انهيار الاتحاد السوفييتي والنظام الشيوعي، وقبل أن تظهر علي المسرح حكاية أسامة بن لادن. وقد صرح السكرتير العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) عام ١٩٩٥م أن الإسلام السياسي كان خطراً بمقدار خطورة الشيوعية علي الغرب علي الأقل (١). وقد بلغ التحامل على الإسلام إلى درجة أن مجلة الايكونوميست البريطانية المعروفة برصانتها، نشرت على الغلاف موضوعاً بعنوان: (الإسلام الأيديولوجية البربرية المعادية للغرب). وجاء في دراسة أخرى نشرتها مجلة ألمانية متخصصة في الدراسات الإستراتيجية: "الواقع أن الأحاسيس المعادية للعرب وللمسلمين، تجعل من هذه الصورة الجديدة للعدو، المخطط لها أسرع نجاحاً، وأكثر قدرة في الحصول على الإجماع، يبدو ذلك واضحاً من إسراع مجموعات من الخضر بألمانيا، عند حصول (أزمة الكويت) للحديث عن صراع بين الإسلام والغرب، بل بين الإسلام والتنوير أو التحرير، وطالب آخرون من الخضر الألمان ببوليس دولي لحماية البيئة من العرب (٢). نظرية صراع الحضارات يقول المفكر د. محمد عابد الجابري: "ان العقل الأوروبي لا يعرف الإثبات إلا من خلال النفي، وبالتالي لا يتعرف إلى (الأنا) إلا من خلال (الآخر). ومن هنا فهو لا يستطيع التفكير في المستقبل إلا من خلال (سيناريوهات) يرسم فيها لنفسه (الآخر) .. العدو المنتظر" (٣). فقد وجد الغرب نفسه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ـ العدو المشترك ـ أمام فراغ كبير، أصبحت معه خلافاته وصراعاته الداخلية من دون سقف رادع. و وجدت الولايات المتحدة الأميركية نفسها فجأة دولة، بل معسكراً وترسانة من الأسلحة، بل تحالفاً دولياً بنى سياسته واقتصاده وإستراتيجيته، وثقافته، ورؤاه المستقبلية على أساس أنه يواجه عدوا يتربص به، فإذا بالعدو

стр. 422

ينسحب بل يختفي (١)، ومن هنا جاءت نظرية وجوب اختراع عدو بديل، حيث وجد المنظرون الإستراتيجيون في الإسلام ضالتهم، وتم صياغة صورة العدو البديل على المستوى الفكري، كما كان مع نظريتي (نهاية التاريخ) لفوكوياما، و (صدام الحضارات) لهنتينجتون، لان الولايات المتحدة تحتاج لعدو توجه ضده المدافع الاعلاميه والسياسية والعسكرية. فهذه الآلة الضخمة يجب أن تشتغل وتنتج وإلا أصابها التآكل، لا بد لها من عدو يجسد (الشر)، فإذا لم يكن موجوداً يفقد (الخير المفترض) مبرر وجوده. لذلك ولو لم يكن هذا العدو موجوداً لوجب اختراعه، سقوط الاتحاد السوفيتي كاد يحرمها من هذه المعادلة، لكنها سرعان ما أعادت إنتاج مقولة (إمبراطورية الشر) بتعديلها لتصبح (محور الشر). فقد تغيرت التركيبة العالمية، وإن لم تستقر بعد إلا أنها استهدفت إيجاد عدو بديل. وكانت حرب الخليج التي خاضها بوش الأب بمثابة الإعلان عن ولادة قيام نظام عالمي جديد، وموت النظام العالمي القديم، وبالتالي موت كل التوازنات والاتفاقات، التي كانت ترسم حدود العالم في ذلك الحين. سقط النظام القديم، وسقطت كل الضوابط والكوابح التي كان يقوم عليها. فإذا صدقنا ما تحدث عنه (هنتنجتون) وأسماه صدام الحضارات، نجد أنه لو اندلعت حرب عالمية ثالثه فستصبح حرباً من نوع جديد هكذا قال (هنتنجتون)، فلن يكون سببها نزاعاً (أوروبياً - أوروبياً) ولكنها ستكون مواجهه بين الحضارات، بين المركز (وهو الغرب)، وبين الأطراف (أو المستعمرات القديمة). بل إن (هنتنجتون) يعطى أيضاً ـ كلاً ـ من المجموعتين صبغة دينيه: إذاً سيكون الصدام بين حضارة (يهودية مسيحية) وأخرى (إسلامية كونفوشيوسيه). فالولايات المتحدة في خطتها للسيطرة على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، عينت (العدو البديل أو الشيطان) الذي يجب القضاء عليه، وهو الإسلام وحلفاؤه المحتملون، فيما يسمى بالعالم الثالث (٢). ولهذا بدأ البحث في أوائل التسعينيات عن كلمة أخرى غير الإسلام، فبدأ

стр. 423

التركيز على (الأصولية) (١)، مع تصريحات تقول بتبرئة الإسلام كدين سماوي منها، وتثبيت فكرة أن الأصولية هي (الإسلام السياسي). وبعدها بفترة بدأ التركيز على ربط الإسلام والمسلمين والعرب بـ (الإرهاب)، حيث ترسخ هذا المفهوم في أذهان معظم الأميركيين بعد التفجير في مركز التجارة العالمي في شباط فبراير ١٩٩٣م، وحينها صب الحاقدون وقود كراهيتهم على النار المستعرة، وبدأ الحديث عن شبكة عالميه فائقة التنظيم، ومكونه من مجموعات الإرهاب الإسلامي، ومتربصة للانقضاض داخل الولايات المتحدة (٢). نظرية هنتنغتون الجديدة إذا كان العرب والمسلمون قد استقبلوا كتاب المفكر والأكاديمي الأميركي المعروف (صموئيل هنتنغتون) قبل الأخير (صدام الحضارات) بالقلق والرفض الواسعين، لترويجه فكرة أن الصراع العالمي القادم سوف يكون صراعا بين الحضارة الغربية من ناحية، وحضارات الشرق، وعلى رأسها الإسلام من ناحية أخرى، فإنه حري بهم الانتباه لنظرية أخطر يروجها (هنتنغتون) في كتابه الجديد (من نحن؟ تحديات الهوية الوطنية الأميركية)، نظراً للدور الذي ينادي (هنتنغتون) بأن يلعبه الإسلام كدين وحضارة في تشكيل الهوية الوطنية الأميركية خلال الفترة الراهنة، وفي المستقبل المنظور. فعلى الرغم من أن (هنتنغتون) لا يرى ـ في كتابه الجديد ـ أن الإسلام هو أحد التحديات الأساسية، التي أدت إلى تراجع شعور الأميركيين بهويتهم الوطنية خلال العقود الأخيرة، فإنه يرى أن العداء للإسلام والحضارة الإسلامية قد يساعد بشكل كبير في تحقيق التفاف الأميركيين المنشود، حول هويتهم الوطنية في المستقبل المنظور، حيث يطرح (هنتنغتون) رؤية لإعادة بناء الهوية الأميركية، تقوم على استشراف بعض التغيرات الجذرية الإيجابية الطارئة على المجتمع الأميركي في

стр. 424

الفترة الأخيرة، التي من شأن تأكيدها عودة الروح للهوية الوطنية الأميركية. ويعني (هنتنغتون) بهذه التغيرات تحولين أساسيين: أولهما عودة الأميركيين للدين المسيحي، وزيادة دور المسيحية في الحياة العامة الأميركية. وثانيهما الدور الذي يمكن أن يلعبه الإسلام كعدو أساسي جديد لأميركا. ويبشر بأن العودة للمسيحية ـ التي تعد أحد الركائز الأساسية للهوية الأميركية ـ تمثل عاملاً هاماً في دعم الهوية الأميركية ونشرها خلال الفترة الراهنة. كما أن الصحوة الدينية ـ وفقا لتحليل هنتنغتون ـ تصب مباشرة في الدور المساعد الذي يمكن أن يلعبه الدين على الساحة الدولية وخاصة في تعريف عدو أميركا الجديد وهو الإسلام. وهنا يرى أن عداء أسامة بن لادن لأميركا هو عداء ديني، وأن الأميركيين لا يرون الإسلام على أنه عدو لهم، ولكن الإسلاميين المسلحين، المتدينون منهم والعلمانيون، يرون أميركا وشعبها ودينها وحضارتها أعداء للإسلام. ونتيجة لذلك يرى (هنتنغتون) أن البديل الوحيد للأميركيين هو أن ينظروا لهؤلاء الإسلاميين المسلحين بأسلوب متشابه. ثم يبدأ في وصف نفوذ الإسلاميين المسلحين، ويقول: إنهم كونوا شبكة دولية لها خلايا عبر العالم، هدفها الأساسي هو تدمير الغرب، وإن المسلمين دخلوا في العقود الأخيرة حروبا طالت البروتستانت، والكاثوليك، ومسلمين آخرين، وهندوسا، ويهودا، وبوذيين، وصينيين، وحاربوا في كوسوفا، والبوسنة، والشيشان، وكشمير، وفلسطين، والفلبين. وإن مشاعرهم السلبية تجاه أميركا زادت في التسعينيات. ويضيف أن الشعوب الإسلامية لم تتعاطف مع الأميركيين بعد ١١ سبتمبر، وأن عداوتها لأميركا عميقة، وليست بسبب إسرائيل، فهي مدفونة في الحقد على الثروة الأميركية، والسيطرة الأميركية، والعداء للثقافة الأميركية في شقيها العلماني والديني. وينهي (هنتنغتون) فكرته بتوقع دخول أميركا حروبا مع دول وجماعات مسلمة في السنوات القادمة، مما يرشح الإسلام بشكل واضح للعب دور العدو الأساسي والكبير، الذي يوحد الأميركيين ضده (١).

стр. 425

الحملة على الإرهاب منذ ظهر شعار (الإسلام عدوّ بديل) لم تتغير وجهة مسيرة الدول الغربية وسياساتها العدائية تجاه الإسلام والمسلمين، وجلّ ما هنالك أن بعض معالمها المرئية تبدّلت وفق متطلبات المرحلة الآنية. وهنا يأتي توجيه دفة الأحداث تحت عنوان تداعيات تفجيرات واشنطن ونيويورك، كمحطة جديدة على صعيد تلك السياسة الغربية. فلم تكن التفجيرات هي التي صنعت مسلسل التداعيات من بعدها، بل توفرت منطلقات مسبقة لتوظيف هذه التفجيرات، لتكون بمثابة الذريعة للتحرك وفق صيغة قائمة من قبل. وهذا ما يعنيه أيضًا اصطناع ما سُمِّي (الحدّ التاريخي) الزمني الفاصل بين ما قبل الحادي عشر من سبتمبر وما بعده، لتبرير كل ما يتم تنفيذه بعد ذلك التاريخ بتلك التفجيرات (١). صحيح أن مقتل الألوف في الولايات المتحدة في يوم واحد، بهذه الصورة، حدث هائل، ولكن لم يتحدّث أحد عن نهاية حقبة تاريخية، وبداية أخرى، عند مقتل الألوف دفعة واحدة في (سربرينتسا) وأخواتها، ولا عند مقتل مئات الألوف خلال فترة وجيزة في حرب الإبادة في رواندا، التي رفضت واشنطن بالذات وصفها بحرب الإبادة. أما فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي فحدث ولا حرج ... فحين يقتل جندي من جيش إسرائيل، أو من مرتزقته في جنوب لبنان، الذي كانت تحتله إسرائيل بطريقة غير شرعيه ـ أي حين يقتل مقاوم محتلاًـ فإن ذلك يعد إرهاباً، وإذا قصفت القوات الإسرائيلية المدنيين، وذبحتهم في قانا، أو ضواحي بيروت، أو في الأراضي المحتلة، ـ يسمى ذلك بالدفاع الشرعي. ومن اليسير تعداد مئات الأمثلة لاستخدام تلك الذرائع والافتراءات، مثل مكافحة الإرهاب، أو التدخل الإنساني، أو حماية حقوق الإنسان، لتبرير العدوان المباشر على الدول، أو فرض القيود على الاتفاقيات الاقتصادية معها، إذ تثار أحداث (تيان إن من) بينما لا يذكر شيء مطلقاً عن مذبحة أبشع وأفظع ارتكبها أرييل شارون، وراح ضحيتها عشرون ألف مدني في لبنان عام ١٩٨٢م (٢).

стр. 426

وهناك حادثة تحمل دلالتها المؤثرة يرويها الشيخ محمد الغزالي ﵀، في كتابه المعروف (فقه السيرة): جندي إنجليزي من المستعمرين القدماء العائدين من كينيا في أفريقيا، يحكي لزميله في لندن، كيف أنه وهو يحاول أن يفرغ رصاصتين في رأس أحد الثوار الكينيين من حركة (الماو ماو)، حاول هذا أن يعضه من ذراعه دفاعا عن نفسه، تصور يا (جون) يقول الجندي الإنجليزي العائد، كيف أنه أراد إلحاق الأذى بي باستخدام أنيابه كالكلاب الشرسة. يضحك (جون) حتى يستلقي على قفاه وهو يردد: أيها الإفريقي الدنس أيها الأسود المقرف!! (١). وهنا لا يقتصر الأمر على ازدواجية عنصرية في معايير النظرة الغربية والأمريكية، عمومًا إلى الإنسان وقيمته وحقوقه وحرياته، ولكنه مسألة (حسابات سياسية باردة)، ترتبط بمنظور السياسة الغربية التي تفخر بواقعيتها القائمة على موازين تلك الحسابات، وتغليبها على الأخلاق والقيم. فما يجرى حتى الآن في أفغانستان والعراق، وما يمكن أن يتبعه من أحداث، يرتبط أولاً وأخيرًا بمسيرة عولمة "الهيمنة الأمريكية" نفسها، وشمولها للجانب العسكري إلى جانب الميادين الاقتصادية، والمالية، والسياسية، والفكرية. وهنا لا تمثِّل التفجيرات في نيويورك وواشنطن ـ على ضخامتها ـ سوى عنصر من عناصر عديدة يجري توظيفها لخدمة الهدف الأوسع نطاقًا. فها هي ذي أمريكا تمضي قدما تحت اغراءات التفرد والقوة وضغوط الهياج الشعبي، بكل أبعاده الدينية والعنصرية لإنزال الويل والثبور بهذه الحلقة، أو تلك من عالم الإسلام، ومحاولة احتواء، وربما إرغام كل زعامات هذا العالم على الانخراط تحت ما تسميه (مقاومة الإرهاب)، وهو يقينا لا يتحدد بهذه البقعة الضيقة أو تلك، وإنما سيمضي بقوة المذهب والتاريخ والمصلحة، لكي يطال عالم الإسلام كله (٢). فمع أواسط التسعينيات الميلادية، بدأت نقطة الثقل تتحوَّل في المواقف الكلامية العدائية من مصطلح (الأصولية) إلى كلمة (الإرهاب الدولي)، التي كانت ـ ولا تزال ـ مائعة فضفاضة، يمكن تفصيلها على مقاس الغرض السياسي المطلوب

стр. 427

في كل حالة، وفي كل مرحلة بصورة قائمة بذاتها. فقد شهدت تلك الفترة قيام الرئيس (بل كلينتون) بصوره رسمية بتدشين ما يسمى الآن بالحملة على الإرهاب، حيث صرح عام ١٩٩٦م أمام مؤتمر وزراء الخارجية والداخلية للدول السبع الصناعية، بقوله: "سيكون الإرهاب أحد أخطر التهديدات المؤثرة الموجهة ضد امتنا في القرن الحادي والعشرون" (١). وقد كتب (بول مارى) في (فبراير ١٩٩٧م) مقال صحيفة لموند بعنوان (الحملة الصليبية الأخيرة للرئيس كلينتون ضد الإرهاب)، قال فيه: "في الخامس من أغسطس، وقع الرئيس كلينتون قانون (دماتوـ كيندى) معلناً وضع إيران وليبيا خارج القانون الدولي. ولقد كان مهتماً أن يكون محاطاً أمام كاميرات التلفزيون بأقرباء ضحايا طائرة شركة بان أمريكان، التي أسقطت فوق لوكربى، والتي حملت ليبيا مسئوليتها، برغم وجود تقارير تنفى هذا الزعم. لقد أعلنت واشنطن بهذا الاحتفال الرمزي والمعبر في آن واحد عن سياستها عن بدء الحرب من الآن فصاعداً على الإرهاب العدو الأكبر (٢). وفي نفس العام وقبلها بعدة أشهر أعطت أمريكا لتلك الحملة بعداً استعراضياً عالمياً، في مؤتمر شرم الشيخ عقب إنفجارات القدس وعسقلان. حيث حددت حكومة إسرائيل الهدف الجديد في شرم الشيخ عام ١٩٩٦م إذ أعلنت مبادئ (مواجهة الإرهاب) والتدخل الإنساني وهما الذريعتان الرئيسيتان للاستعمار الجديد، حيث اعتبر شمعون بيريز إيران مركز الإرهاب العالمي دون أدنى دليل، وطبعاً اتسع مفهوم الإرهاب ليشمل كل أشكال مقاومة الشعوب للدفاع عن نفسها ونيل استقلالها، واستبعد هذا المفهوم كل أشكال إرهاب الدولة الذي يهدد هذا الاستقلال (٣). فبالرغم من أنه لا يوجد أي شيء يؤكد تورط الجماعات الإسلامية في حادث (اوكلاهوما سيتى)، الذي نفذته مجموعة من اليمين المتطرف عام ١٩٩٥م، وحادث التاسع من أكتوبر عام ١٩٩٥م ضد قطار ميامىـ لوس انجلوس، والذي أعلنت جماعة مسماة (أبناء الجوستافو) مسئوليتها عنه، كذلك حادث دكتور الرياضيات الذي أسمى نفسه (اونابومبر)، والذي كانت هوايته إرسال الطرود المفخخة، أو حتى موضوع

стр. 428

الرجال الأحرار (فريمن) الذين قاوموا رجال الشرطة واحد وعشرين يوماً في خريف ١٩٩٦م في أحد مزارع مونتانا. فإن كل هذا لا يمنع أن تكون الأصولية الإسلامية بالنسبة لأمريكا هي المتآمرة الأولى والممثلة للإرهاب (١). ولهذا فإنه في تلك الفترة، تضاعفت الحملة الدعائية في الغرب ضد المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين، مع إعطاء مسلسل الجرائم الدموية الرهيبة في الجزائر، والجارية بمشاركة (أطراف عديدة) على حساب الإسلام، وعلى حساب الجزائر، عنوان (الإرهاب الإسلامي). ثم في وقت متأخر نسبياً، بدأ الحديث يتركَّز على تنظيم القاعدة وابن لادن، وهو ما يمكن ربطه بالحاجة إلى (رمز)، في كل حملة عداء أو ما يستحق وصف (عملية غسيل الدماغ) لصناعة (صورة العدوّ)، وبالذات بعد غياب رموز الإرهاب اليساري الغربي عمومًا، واضمحلال مفعول ما كان يوصف برموز (الإرهاب الفلسطيني) في وعي الرأي العام الغربي من أفراد ومنظمات، نتيجة تحرّك عجلات مشروع أوسلو، فضلاً عن تساقط رموز دولية للإرهاب من أمثال (كارلوس). وفي يوم ٢٠ أغسطس ١٩٩٨م أطلقت الولايات المتحدة عدداً من صواريخ الكروز طراز توماهوك يتراوح بين ٧٥ـ١٠٠ صاروخ من ست سفن حربية أمريكية وغواصة، على منشآت في أفغانستان والسودان، لتفتح ما وصفها الرئيس (بل كلينتون) بأنه (حرب طويلة) ضد الإرهاب (٢). تحديد الهدف .. ما هو "الإرهاب الإسلامي "؟ من يتكلم في الغرب الآن عن (الإرهاب الإسلامي) المزعوم، لا يعني إطلاقًا فئات محدَّدة منظمة تحمل السلاح، وترفع شعار (الإسلام ضد مصالح الغرب)، كما يشاع في الخطاب السياسي في العالم الإسلامي، بل يعني كل من يعتبر أن الإسلام هو المدخل العقدي، والحضاري، والفكري، والسياسي، والاقتصادي، إلى تغيير أوضاع المسلمين إلى الأفضل، بما يتضمنه ذلك من تغيير موقعهم على مستقبل الخريطة العالمية، بما يمكن أن يؤثر على مسيرة الهيمنة والعولمة الغربية الراهنة. بل بات

стр. 429

في كثير من الأحيان مجرّد انتماء المرء إلى الإسلام، أو إلى المنطقة الحضارية الإسلامية، مبررًا كافيًا لتشمله نظرة العداء الغربي، وعملية التطويع والتوظيف لتطبيق الأهداف الثابتة لشعار (العدو البديل). ومما يدل على ذلك ـ على المستوى السياسي ـ أن السلطات الأمريكية ـ التي تتقن توزيع الأدوار بين الحكومة ومجلسي الشيوخ والنواب، وأجهزة المخابرات، ووسائل الإعلام ـ لا تتردد عن كيل الاتهامات لدول شاع وصفها بالدول المعتدلة، رغم علاقاتها الوثيقة مع واشنطن، كالسعودية ومصر. كما نجد على المستوى الإعلامي، عشرات الأمثلة للخلط بين الحكومات والمنظمات والعلماء وعامة الشعوب، كلما أراد أحد الإعلاميين الأمريكيين التدليل على أن الإرهاب في المنطقة الإسلامية منتشر، وأنّ له جذوره في الإسلام نفسه، مما يساعد في نمو كثير من الأفكار النمطية عن الإسلام حتى في مبنى الكابيتول (١). ففي عام ١٩٩٠م ربط (دان كويل) نائب الرئيس الأمريكي في خطاب له أمام تلاميذ أكاديمية أنابولس التجربة الأصولية الإسلامية بالنازية والشيوعية، وأعلن (باب بوكانان) أي المرشح الجمهوري اليميني في الحملة الرئاسية عام ١٩٩٢م: "طيلة ألف عام دار الصراع حول مصير البشرية بين المسيحية والإسلام وقد يكون الأمر كذلك ثانية في القرن الحادي والعشرين، لأنه في الوقت الذي يذلنا فيه الشيعة، يملآ إخوانهم في الدين بلدان الغرب. فمنذ الأسر الإيراني للعاملين الدبلوماسيين الأمريكيين في عام ١٩٧٩م وعبر احتجاز الأمريكيين رهائناً في لبنان، إلى نسف مركز التجارة العالمية في نيويورك في ١٩٩٣م بدا أن الخطر يزداد قرباً، وقدم فيلم وثائقي تلفزيوني عرض في ديسمبر ١٩٩٤م بعنوان الجهاد في أمريكا صورة درامية للنزعة الإسلامية، وهي تضرب مباشرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبلغ من قوة هذا القلق أنه حين انفجرت قنبلة خارج مبنى حكومي في مدينة أوكلاهوما وقتلت المئات، كانت الاستجابة المباشرة لكثير من معلقي وسائل الإعلام وللشرطة هي أن الانفجار من فعل إرهابي الشرق الأوسط، وجرى البحث عن رجال ذوي تقاطيع شرق أوسطية، وتحدث خبراء الإرهاب في التلفزيون، وصدرت

стр. 430

دعوات إلى هجمات وقائية ضد العرب والمسلمين، ولكن كان الجناة مجانين من نبت أمريكي (١). وفي عام ١٩٩٢م عثر رالف برايبانتى، وهو عالم وكاتب بارز في الشؤون الإسلامية، في أحد مكاتب الكونغرس، على بحث يتضمن "معالجة للإسلام بوصفه العدو الكامن للولايات المتحدة، هي الأشمل من نوعها، والأكثر إثارة للخوف" كان برايبانتى يشير إلى كتاب ليوسف بودانسكى، مدير مجموعة العمل المتخصصة بالإرهاب والحرب في الحزب الجمهوري. ففي كتابه عن تفجير مبنى "مركز التجارة العالمي" في مدينة نيويورك عام ١٩٩٣م، عمد (بودانسكى) المحرر التقني الأسبق لمجلة (القوات الجوية الإسرائيلية) إلى إطلاق عنان خياله، إذ كتب يقول: لقد باشر الإرهاب الإسلامي الحرب المقدسة - الجهاد ـ ضد الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة، وهو يشنها عبر الإرهاب الدولي بالدرجة الأولى. كما حذر الأستاذ الجامعي الأمريكي (عاموس بيرلماتر) في عام ١٩٨٤م، من حرب إسلامية شاملة تشن ضد الغرب والمسيحية والرأسمالية المعاصرة، والصهيونية، والشيوعية في وقت واحد (٢). كما نجد على المستوى الفكري سلسلة لا تنقطع من الأمثلة، منها أوّل كتاب ظهر في ألمانيا بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن بعشرة أيام فقط، حمل عنوانًا يزعم التعريف بأسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، وإذا به لا يترك منظمة ولا جماعة إسلامية، ولا عالمًا معروفًا، إلا و"يخترع" صلة ما بينه وبين الإرهاب، بما في ذلك جماعة التبليغ مثلاً، التي اشتهرت ببعدها عن كل صورة من صور العنف، ورفضها لكل عمل سياسي. وهكذا يظهر أن المستهدف في الحملة القائمة هو الإسلام نفسه .. والأهم من الحملة ذاتها أن التغيير في العناوين الكلامية ـ للتعبير عنها خلال العقد الماضي ـ رافقه الثبات المطلق على الصعيد التطبيقي. فأصبح مضمون شعار العداء هو المحور الرئيس المطروح على بساط تبرير استمرار وجود حلف شمال الأطلسي بعد إلغاء

стр. 431

حلف وارسو، وهو محور المهام المطلوبة (أمنيًّا) فيما سُمِّي (هلال الأزمات)، وعرَّفه الأمين العام الأسبق لحلف الأطلنطي بأنه المنطقة الممتدة بين المغرب وإندونيسيا! كما أصبح المحور الرئيس المطروح رسميًّا لأهداف تشكيل عدد من فرق (التدخل السريع)، لا سيما من جانب البلدان الأوروبية الجنوبية، أي في المنطقة الإسلامية المتوسطية (١). فالمشهد السياسي العالمي الذي تدور إستراتيجيته منذ سنوات على اتهام الإسلام والمسلمين، وإشعال الفتن في كل بؤرة إسلامية من الصومال إلى أفغانستان إلى البوسنة إلى جنوب السودان، إلى اذربيجان إلى الشيشان، إلى طاجيكستان إلى بورما، إلى كشمير إلى فلسطين، إلى العراق إلى ليبيا إلى سوريا، كل هذا المسرح العريض يشهد بأن هناك تحريضاً مستمراً واتهاماً ظالماً بالزور والكذب، والتآمر وسعي بالفتن، وبالسلاح وبالدولار في كل أرض عربيه وإسلاميه لزعزعة أمنها وإرهابها والإيقاع بين أهلها وتشويه دينها ومبادئها، وما يجري منذ سنوات هو أفضل تمهيد وتبرير للحرب الخاتمة القادمة (٢). التطبيق العسكري والأمني للشعار مع استخدام ألفاظ الأصولية والإرهاب وما شابه ذلك، أصبح العداء للإسلام هو أيضًا المحور الرئيس في نوعية ما أدخل من تعديلات على المهام الأمنية لحلف شمال الأطلسي، منذ قمة بروكسل عام ١٩٩٣م، وجرى تثبيته في قمة واشنطن عام ١٩٩٩م، ورافق ذلك تعديل مماثل لصياغات المهام الأمنية على مستوى الجيوش الوطنية في الدول الأعضاء، وهو ما يأخذ عادة شكل إصدار (كتاب أبيض) جديد من جانب وزارات الدفاع. ورافق ذلك ـ أيضًا ـ امتداد ظاهرة عقد الاتفاقات والتحالفات، وتشكيل قوات مشتركة بما يتعدّى حدود الحلف شرقًا ويصل إلى البلدان المرشحة للانضمام، ثم من وراء ذلك إلى الاتحاد الروسي والصين الشعبية ودول وسط آسيا، التي استقلت دون أن تخرج من هيمنة الأنظمة القديمة عليها،

стр. 432

والمرتبطة بموسكو كما كانت ـ ولكن بلباس رأسمالي بعد اللباس الشيوعي السابق ـ هذا فضلاً عن العداء القديم المتجدد في الهند والفلبين وغيرهما. لهذا يمكن التأكيد على أن التسويق السياسي والإعلامي لعبارات من قبيل: أن الحرب على أفغانستان (هي حرب ضد الإرهاب، وليست ضد الإسلام أو المسلمين) لا يمثل سوى تسويق مواقف كلامية تضليلية. أما المضمون الفعلي لما يجري، فقد بدأ الإعداد له على امتداد سنوات عديدة سابقة، ووصل الآن إلى مرحلة أولى للتنفيذ، قد تليها مراحل أخطر وأوسع نطاقًا، يتم فيها وضع رداء (مكافحة الإرهاب الدولي) الفضفاض فوق كل تحرّك عدواني جديد، وكل ضربة جديدة لأي جهة مستهدفة، صديقة كانت ـ الآن ـ أم عدوة، وسواء شاركت في مكافحة الإرهاب فعلاً أم لم تشارك (١). ومما له دلالاته انه لم يعد هناك نقاش كثير حول حق الغرب في التدخل في شؤون الدول الإسلامية، بل إن ما تجري مناقشته الآن هو، كيف يمكن الوصول لتحقيق أهداف الغرب بأقل قدر ممكن من الخسائر؟. ومن الطبيعي في ظل هذا الجو السائد أن يقبل التصرف الأمريكي المعتمد على القوة العسكرية المتفوقة، والمتجاهل للأمم المتحدة مع الادعاء بالاعتماد على قراراتها مادام الأمر المطروح هو العقلانية أو الإسلام! بل إن التدخل الأمريكي يصبح مع الوقت حملة (تبشيرية) من أجل الحضارة والحرية" (٢)، حيث أن الشواهد على هذا الموقف كثيرة، غير أن ما يجري على الأرض ربما يكون اكثر إقناعاً، من حرب الخليج إلى حرب الإبادة التي يتعرض لها كلا من الشعب الفلسطيني والشعب العراقي، مرورا بحرب أفغانستان وما تبعها بما سمته أمريكا بالحرب على الإرهاب، واخيراً حربها الحالية ضد العراق. وهنا يرصد المؤرخ التركي (كيريانجيل) في دراسة له أنه منذ عام ١٧٩٨ م (عندما غزا نابليون مصر) وحتى عام ١٩٥٣ م (عندما أطاح انقلاب عسكري أعدته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بنظام حكم محمد مصدق في إيران)، تعرض العالم الإسلامي إلى ٣١٨ هجوم عدواني من الغرب، وبين الفترة الممتدة من عام ١٩٥٦م (العدوان الثلاثي على مصر)، حتى عام ١٩٩٤م (العدوان الروسي على

стр. 433

جمهورية شيشان)، أحصيت خمسة عشر هجوماً عدوانياً. والآن لا يبالغ الأمريكيون في الحديث عن حرب يمكن أن تمتد سنوات أو حتى عشرات السنين، كما قال مسئولون بريطانيون، فيما يشبه المزايدة على واشنطن. وقد سبق (لصامويل هنتنغتون) أن أشار إلى تورط الولايات المتحدة خلال السنوات الخمس عشرة بين عامي ١٩٨٠م و ١٩٩٥م، طبقاً لتقارير من وزارة الدفاع الأميركية، في سبع عشرة عملية عسكرية في الشرق الأوسط، كانت كلها موجهة ضد المسلمين مباشرة، ولم تحدث أية عمليات من هذا القبيل إطلاقاً من قبل القوات العسكرية الأمريكية ضد أي شعب أو حضارة أخري. وخلص (هنتنغتون) إلي القول إن المشكلة بالنسبة للغرب ليست في التطرف الإسلامي، بل في الإسلام كطريقة مختلفة للحياة اقتنع المسلمون بسموها وتفوقها علي غيرها (١).

стр. 434

الفصل الثالث جورج بوش والدولة الصليبية دأب الزعماء الأمريكيون المدنيون والسياسيون على التحدث بصورة رسمية عن الأمة الأمريكية، كما لو أنها أمة مسيحية، أو على الأقل أمة تتبع الكتاب المقدس، حيث وصف كل من السياسيين ورجال الدين باستمرار أمريكا، بأنها إسرائيل الجديدة، والأمريكيين بأنهم شعب مختار، وشعب مرتبط بميثاق (مع الله)، بل إن خطابات تنصيب رؤساء الجمهورية طيلة القرن العشرين، قد طبقت العبارة البلاغية التي كان الحاكم (جون وينثروب John Winthrop) أول من استعملها عام ١٦٣٠م، والتي تصف أمريكا بأنها "مدينة على تل" (١). فلا حاجة إلى القمر أو النجوم ليلاً، ولا حاجة إلى نور الشمس نهاراً. إنها القدس الجديدة التي لن تنطفئ (٢). وما دامت أمريكا مدينة على تل، وإسرائيل الجديدة وشعبها مرتبط بميثاق مع الله، فقد كان طبيعياً أن يلعب الدين دوراً رئيساً في الحياة الأمريكية، وكان طبيعياً وبديهياً أيضاً أن تكون الكلمة العليا للخطاب الديني، لشن حمله صليبيه في الداخل والخارج، لتبرير قتل الهنود الحمر ونهب ثرواتهم، واستعباد الزنوج، وتلقين العالم دروس في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. فمادام هناك تكليف إلهي لأمريكا باعتبارها مدينه على تل، فإنه يحق لها ما لا يحق لغيرها، وليذهب الجميع إلى الجحيم ... "وهنا يمكن ملاحظة، أن عدم اتساق السياسية الخارجية الأمريكية وازدواجيتها ليس طارئاً، بل هو تعبير عن جانبين بارزين في الشخصية الأمريكية، وكلاهما تميز بأخلاقية ما. واحدة هي أخلاقية الميراث، التي شكل مزاجها المعرفي الشعور بالنقص الإنساني، والأخرى أخلاقية: التوكيد المطلق للذات التي أشعلتها

стр. 435

الروح الصليبية ... والتي يأتي ضمنها تبرير التوسع، واستخدام القوة في شكل أقرب إلى الحملة الصليبية؛ لتحضير العالم على الطريقة الأمريكية" (١). وهكذا فإن الروح الصليبية هي التي صاغت نظرة الأمريكيين إلى حروبهم في الداخل والخارج قديماً وحديثاً، حيث لم يكن (جورج بوش) خارج هذا السياق عندما وصف حربه على العالم الإسلامي بالحرب الصليبية. فعندما نشر (ايزنهاور) مذكراته عن سنوات الحرب العالمية الثانية ـ كان العنوان الذي اختاره لها هو: (حملة صليبية في أوروبا)، حيث أن الإشارة إلى الحروب الصليبية الدينية ـ الإيمانية - كانت لها مقاصد ومعبأة بمدلولات دينية (٢)، ليست بعيده عن إحساس الأمريكيين الأوائل بكونهم أمه مختارة، لهم رسالة، من أجل التسريع ببزوغ فجر النظام الدولي الجديد، أو بالتعبير التوراتي (العصر الألفي السعيد). ونفس الشيء ردده قبل ذلك الزعيم الصهيوني (إسرائيل زانغويل) عندما، وصف فيه المحاولات البريطانية والأمريكية الرامية إلى إعادة اليهود إلى أرض فلسطين، بقوله: "سبع حملات صليبية إلى الأرض المقدسة، عادت على اليهود بالمذابح، فهل ستؤدى الصليبية الثامنة إلى استرجاع اليهود لفلسطين؟ وإذا كانت صليبية حقه، فإن تلك الحقيقة بالذات تأتى بمثابة البرهان على النظام الجديد لعالم تسوده المحبة والعدالة" (٣). وربما هذا ما كان يعنيه بوش عندما وصف الحرب الذي ينوى خوضها ضد أفغانستان، وكثير من الدول الإسلامية بدعوى محاربة الإرهاب، بأنها حرب صليبية، حيث كرر هذه المقولة كثير من أقطاب حكومته، ووصفوا هذه الحرب بأوصاف مختلفة، مره بأنها حرب بين قوى الخير وقوى الشر، ومرة بأنها صراع الحضارات، إلى غيرها من الأوصاف، التي مرت هي وغيرها من التلميحات والتصريحات للمسئولين الأمريكيين، ولوسائل الإعلام الأمريكية مرور الكرام، ولم يتناولها محللونا بالدراسة والتحليل، بل اكتفوا بإقناع أنفسهم والرأي العام المسلم، بأنها مجرد زلة لسان، بدون أدنى محاولة لمعرفة الأبعاد الحقيقية لهذا الكلام. "فبقدر ما حاول بوش في أعقاب الحادي عشر من

стр. 436

سبتمبر أن يضبط أعصابه وأعصاب الأمريكيين تجاه أي رد فعل متهور ضد الوجود العربي الإسلامي داخل الولايات المتحدة، لامتصاص شحنة الغضب، وربما لنفخ النار فيها، كشف لأول مره في الخطاب الأمريكي المعاصر عن احتمال أن ينطوي الرد الأمريكي والغربي عموماً على بعد صليبي" (١). بوش .. طغيان الحماس الديني على البصيرة السياسية كثيرون هم الرؤساء الأميركيون، الذين أكدوا تعلقهم بجذورهم الدينية فاستشهدوا في خطاباتهم باقتباس من الكتاب المقدس، إلا أن الدين لم يفرض يوماً وجوده في الحياة السياسية الأميركية بهذه الدرجة، قبل أن يطأ (جورج بوش الابن) عتبة البيت الأبيض، ولهذا كثرت الكتابة في الصحافة الأمريكية والعالمية عن الخلفية الدينية المؤطرة لتفكير الرئيس بوش، حيث أعدت مجلة (نيوزويك) الأمريكية ملفاً في عددها بتاريخ (١٠/ ٠٣/٢٠٠٣م) عن الاعتقادات الدينية، التي تدفع (جورج بوش) إلى سلوكه السياسي والعسكري الحالي. وكيف ركب (بوش) موجة الأصولية البروتستنتية الصاعدة، وهو أحد أبنائها، ليقود أمريكا في مغامرات يطغى فيها الحماس الديني على البصيرة السياسية. يتألف الملف من ثلاث مقالات، أحدها بعنوان (بوش والرب)، بقلم (هاوارد فاينمان)، أحد كتاب المجلة، والثاني بعنوان: (خطيئة التكبر) بقلم البروفسور (مارتن مارتي) وهو قسيس وأستاذ بجامعة شيكاغو، أما المقال الثالث فهو بعنوان: (البيت الأبيض: إنجيل على نهر البوتوماك)، وهو بقلم (كينيث وودوارد) من كتاب نيوزويك. كما نشرت صحيفة (الواشنطن بوست) عن نفس الموضوع من قبل مقالاً بعنوان: (بالنسبة لبوش .. إنه الإحساس بالتاريخ والمصير) يوم ٠٩/ ٠٣/٢٠٠٣م وآخر بعنوان: (عن الرب والإنسان في المكتب البيضاوي) بقلم القسيس (فريتس ريتسش) يوم ٠٢/ ٠٣/٢٠٠٣م وهو مقال تحليلي عميق تناول المنطق الداخلي لفلسفة بوش الدينية، وآثارها السلبية على أمريكا بلداً، وعلى المسيحية ديناً. وإذا كان العديد من الأمريكيين بدءوا يدركون المخاطر المترتبة على سياسات الرئيس (بوش) التي

стр. 437

تأطرها رؤية دينية متحمسة، دون اعتبار للمصالح البعيدة المدى للأمة الأمريكية، أو لمطالب الضمائر الإنسانية في كل مكان، فإن الإنسان العربي والمسلم أولى بالاطلاع على خلفيات هذه السياسات التي تُرسم بدمه، وعلى وجه صحرائه النقي (١). آل بوش ولد جورج (دابليو بوش) لأبوين متدينين، هما جورج بوش الأب، وباربارا بوش في ولاية كونكتيكت الأمريكية عام ١٩٤٦م، وانتقل به أبواه وهو صبي إلى ولاية تكساس، التي أصبحت موطنه ومكان صعود نجمه السياسي، وتزوج بوش عام ١٩٧٧م، والتحق بالكنيسة الميتودية، التي كانت زوجته لورا عضواً فيها، وكان شخصاً عادياً غير متميز ينظر إليه الجميع على حد قول أحد المقربين، على أنه (ابن أبيه فحسب)، وكان يقضي الليل يعاقر الخمر، وعلى مر السنين أخذت لورا بوش تعرب عن استيائها، وقد غاظها انحراف زوجها، وفي العام ١٩٨٥، غرق بوش في أزمة شديدة، وكان عندئذ في التاسعة والثلاثين من عمره، بعد أن تراكمت خسائره المهنية الواحدة تلو الأخرى (٢). والرغم من التاريخ الحافل لـ (جورج بوش الأب) كمقاتل في الحرب العالمية الثانية، ورجل أعمال نفط في تكساس، وسفير لأمريكا في الصين، ورئيس للمخابرات الأمريكية ونائب للرئيس، ثم رئيس لأمريكا، إلا أن (جورج بوش الابن) أكبر أولاده ظل فاشلاً وضيعاً، كما أنه خسر ملايين الدولارات في عمله في النفط فساعده أصدقاء والده بالملايين، فعاد مرة أخرى للبيرة والنبيذ، حتى يوم ٢٧/ ٧/١٩٨٦م حين اكتمل عمره أربعين عاما، حيث يقول: إنه ركع على ركبتيه وأقسم لزوجته (لورا) بأن لا يعود إلى ذلك مرة أخرى طالباً مساعدة الله في تحقيق ذلك (٣).

стр. 438

غباء بوش أصبح اتهام الرئيس بوش بالغباء وانعدام البصيرة، اتهاماً كلاسيكياً، تواترت عليه آراء العديد من الناس من مذاهب ومشارب شتى: من رئيس جنوب إفريقيا السابق (نلسون مانديلا)، إلى الكاتب الأمريكي (مايكل مور) مؤلف كتاب (رجال بيض أغبياء)، حيث احتل كتابه المثير والساخر، قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة لمدة طويلة. والكتاب يحمل على جورج بوش الابن ويتهمه بالغباء, وبأنه يمثل أمة غبية. ورغم أن الكتاب كان قد تمت كتابته قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر٢٠٠١م ونشر بعدها, فإن ذلك لم يفقده أهميته، بل ربما قوى من أطروحته التي تركز على جهل وغباء الرئيس الأميركي وعدم إلمامه بالسياسة وصناعة القرار، حيث يتطرق) مايكل مور) بكثير من التفصيل لحياة الرئيس بوش وإخفاقاته المتكررة في مجال الأعمال، وضعف فطنته، ورداءة لغته الإنجليزية. وأهم من ذلك كله ماضي بوش السياسي كحاكم لولاية تكساس، وقراراته الغبية، المضرة بالبيئة والسكان والفقراء, والمحابية للأغنياء، وأداء بوش السيئ في الحكومة والحزب والحياة العامة، ومواقفه الرافضة للالتزامات الدولية، التي تبنتها إدارته في الفترة التي سبقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر (١). فقبل أن يصبح (جورج بوش) رئيساً، سأله أحد مراسلي مجلة غلامور في مايو ٢٠٠٠م حول مدي معرفته بالشؤون الخارجية، وكان السؤال عما إذا كان بوش يعرف ما هي طالبان؟ حيث أجاب بوش بأن هذا الاسم قد طرق مسامعه من قبل، وأنه يعتقد أنه اسم فرقة روك أند رول أمريكية. وعندما طلب منه المراسل أن يذكر له أسماء عشرة قادة دول، لم يستطع أن يذكر سوي اسم واحد فقط (٢). ولإبراز حادثة تؤكد الطريقة التي يفكر ويتحدث بها بوش، التي تبرز تدينه وغباءه في صورة لا تخلو من التهكم والسخرية، قالت صحيفة دير شبيغل الألمانية: "إنه في بداية أكتوبر ٢٠٠١م قام الرئيس بوش بدعوة خمسة من رجال الدين ثلاثة منهم مسيحيون، وواحد يهودي، وواحد مسلم، في البيت الأبيض للحديث عن الحرب ضد الإرهاب.

стр. 439

وتحدث معهم بصراحة شديدة، قائلا لهم ـ بصورة أدهشت الجميع: "أنتم تعرفون أنني كنت مدمناً للكحول، إذا كان كل شيء سار على نفس المنوال، لكنت الآن جالساً في أحد بارات تكساس بدلاً من البيت الأبيض، إنما يوجد سبب واحد فقط، لأن أكون هنا في المكتب البيضاوي وليس في بار، وهو أنني وجدت الإيمان وجدت الله" (١). عائلة بوش ومنظمة الجماجم والعظام (٢). نقرأ عن نكات كثيرة يرددها الأمريكيون والإنجليز تسخر من بوش الابن وبلاهته السياسية، وتصفه كرئيس لا يتمتع بأي قدرات، وتبرز في الأخطاء اللغوية الكثيرة التي يستخدمها، والتعابير والكلمات الساذجة التي يقولها، أثناء أحاديثه ومقابلاته. ونشاهد الرئيس بوش وهو يتحدث عن الشعوب والدول الأخرى المصنفة، أمريكياً بالمعادية لمصالح الولايات المتحدة، فنتذكر أشرطة العراب، في أفلام المخدرات والعنف، وهو يجلس على كرسيه يتحدث إلى مساعديه، ويصدر أوامره لرجاله، (اقتلوا كل من يريد منافستنا نريد أن تكون الشوارع كلها تحت سيطرتنا، وتخلصوا من كل شخص يقف في طريقنا، أو يحاول تحدينا)، ونشاهده وهو يتحدث عن العراق والفلسطينيين وحركات المقاومة، التي أدرجها على قائمة الإرهاب، فنتخيله كرعاة البقر الأمريكيين، وهو يرتدى قبعته ويمتطى جواده ويبدأ بإطلاق النار، على الجميع دون التفريق بين شيخ أو امرأة أو طفل، كما حدث مع القبائل الهندية (السكان الحقيقيين للولايات المتحدة). ولكن!! هذه البلاهة السياسية التي تميز بوش وروح الدعابة، التي يحاول أن يضفيها على شخصيته تخفى وراءها حقائق وأسراراً، وإستراتيجية خطيرة وخطيرة جداً تعود جذورها إلى العلاقة التاريخية لأسرة بوش مع المنظمة السرية، التي تسمى الجماجم والعظام " BONES & SKULLS " أو "إخوة الموت"، والتي تأسست في جامعة بيل، التي تعتبر من جامعات النخبة في الولايات المتحدة كجامعة هارفارد، عام ١٨٣٢م على يد أعضاء في المنظمات الماسونية، حيث أصبحت من

стр. 440

أكثر المنظمات، أو المجتمعات السرية تأثيراً في السياسة والمال في الولايات المتحدة. وقد أصبحت جامعة بيل (أمها المرضع). أما مؤسسها فهو الشاب الباطني (وليام راسل)، الذي تلقى السيامه الماسونية في ألمانيا على ما يبدو. ومنذ عام ١٨٥٦م وحتى يومنا هذا وهذه الجمعية التي أصبحت نوعا من الطائفة النخبوية، تضم عديدا من الشخصيات الأمريكية البارزة بمن فيهم الرؤساء، الذين يجتمعون أسبوعياً في مبنى يطلق عليه اسم (الضريح) (١). وتمارس هذه المنظمة طقوساً تشبه إلى حد كبير طقوس المنظمات الماسونية في السرية والاجتماعات. وتؤكد الوثائق أن (وليام روسل) و (الفانسو تافت) والد الرئيس (وليام هاورد) أشرفا على تأسيس هذه المنظمة، ومارست نشاطها العلني تحت اسم شركة روسل منذ ١٨٥٦م وكان (بريسكوت بوش) الجد شريكاً فيها، وأن اغلب أعضاء هذه المنظمة كانوا وزراء ومستشارين للأمن القومي، ورؤساء CIA، ورؤساء للولايات المتحدة. والمعروف عن آل بوش علاقاتها الممتدة منذ عقود طويلة مع شبكات المال والنفوذ، والأنظمة الدكتاتورية في جميع أنحاء العالم، وافتعال الحروب، والغزو لأغراض تجارية وتسويقية، فقد كان (صموئيل بوش) والد جد الرئيس الحالي للولايات المتحدة يمتلك معامل فولاذ، ومديرا لبنك فدرال ريزيرف في كليفلاند، ومستشارا للرئيس الأميركي (هربرت هوفر). وكان (بريسكوت بوش) ابن صموئيل أحد كبار الممولين الذين امتلكوا في العشرينيات من القرن الماضي بنوكا وشركات في أوروبا، حيث ورث جورج بوش الأب هذا المال والنفوذ. فاستلم منصب مدير المخابرات المركزية ( CIA) عام ١٩٧٦م، وكان قد ترشح لانتخابات الكونغرس قبل ذلك مرتين، لكنه لم ينجح وتقدم في الحزب الجمهوري، ليكون نائب الرئيس نيكسون، لكنه اختار جيرالد فورد، ثم اختاره ريغان نائباً للرئيس وانتخب رئيسا للولايات المتحدة عام ١٩٨٨م. وقد أدارت الاستخبارات المركزية في عهده، ثم في المرحلة التي كان نائباً للرئيس، ورئيسا مجموعة غامضة من الاستثمارات، والبنوك،

стр. 441

والعلاقات التجارية مع رجال أعمال وسياسيين في جميع أنحاء العالم، منها البنك الدولي للقروض والتجارة، الذي كان يدير استثمارات قيمتها ٣٠ مليار دولار، ويعمل في ٧٣ دولة، ثم انهار البنك في أوائل التسعينيات على نحو مفاجئ ومريب، وقيل إنه كان يمول أعمال المجاهدين الأفغان، كما مول تجارة واسعة للمخدرات لتغطية نفقات القوات الموالية لأميركا في نيكاراغوا .. وبعد مجيء كارتر إلى السلطة استقال بوش من المخابرات المركزية، ليعمل في بنك هيوستن وفي الاستثمارات النفطية (١). وتقول صحيفة الصن البريطانية أن (جورج بوش الابن) انتمى إلى منظمة الجماجم والعظام في جامعة بيل، وتشير الصحيفة إلى ان (الكسندرا روبينز) مؤلفة كتاب (أسرار القبر: الجماجم والعظام)، عرضت معلومات عن هذه المنظمة، حيث تقول: "إن منظمة الجماجم والعظام تأسست في عام ١٨٣٠م وضمت في صفوفها عائلات مثل تافت وروكفيلر وهاريمان، المعروفة بعلاقتها بالماسونية، ومجموعة كبيره من القضاة والرؤساء وكبار مسئولي السي آي إيه، وكبار رجال الأعمال. وتؤكد الصحيفة نقلاً عن الكتاب أن تسعه أشخاص من عائلة بوش بمن فيهم (بريسكوت بوش) الجد، كانوا أعضاء مخلصين للمنظمة وأهدافها وتوقعت التحاق (باربارا ابنه جورج بوش) في المنظمة بعد تخرجها من جامعة بيل. وتقول الصحيفة: إنه يتم قبول خمسة عشر عضواً جديداً فقط في المنظمة كل سنة، ويتم ذلك من خلال طقوس تشبه الطقوس الماسونية في غرفة تسمى القبر، تزينها رسومات من الجماجم والعظام. ونقلت الصحيفة عن الصحافي (رون وزانيوم)، الذي استطاع تصوير اجتماع لأعضاء الجماجم والعظام، بأنهم أكثر وحشية وعدوانية مما تقول (روبينز) في كتابها. ويقول: إن هذه المنظمة تملك قوة كبيرة في السيطرة على الشؤون الأمريكية، أكثر من أي منظمة أخرى، أو حتى منظمات المافيا، وتمارس أبشع الأساليب ضد أعدائها. إذاً فإن فهم طبيعة هذه المنظمة السرية وأهدافها السياسية، يجعلنا نستوعب طبيعة العدوانية السياسية والتهديدات المستمرة بشن الحروب، التي اعتاد بوش على

стр. 442

استخدامها ضد الكثير من الدول والشعوب (١). فأعضاء هذه المنظمة يؤمنون في ما يسمى التفوق العسكري، كأسلوب وحيد للسيطرة على الشؤون السياسية الدولية. وهو ما يجعلنا نفهم لماذا عندما جاء بوش إلى الإدارة الأمريكية بعد انتخابه افتتح عهده بقرارات تطالب بالانسحاب من المعاهدة؟ التي وقعت مع الاتحاد السوفيتي عام ١٩٧٢م، والتي تتضمن بنودها الحد من انتشار الأسلحة النووية والبالستية، والتي كانت تعتبر حجر الأساس في حفظ التوازن الدولي، والتوقف عن سباق التسلح، حيث تحجج بوش بالتحديات، التي تواجه الولايات المتحدة في ما يسمى مواجهة الإرهاب. وكذلك رفض التوقيع على معاهدة الحد من الأسلحة البيولوجية والكيمائية، ووافق على الانسحاب من معاهدة كيتو، التي تهتم بالمناخ والتغييرات المناخية، التي يشهدها العالم. ولم يكتف بذلك، بل أكد على الاستمرار في برنامج التسلح وبرنامج حرب النجوم، وبدأ بإطلاق التهديدات ضد الكثير من الدول، ووافق على صرف ١٠٠ بليون دولار على مشروع نظام الصواريخ، الذي يهدف إلى توجيه الصواريخ العابرة للقارات والبالستية بالأقمار الاصطناعية، إضافة إلى ٦٠ بليون دولار صرفت في وقت ريجان والجمهوريين خلال ١٥ سنة. وتؤمن منظمة الجماجم والعظام باستراتيجية تسمى (فرض النظام بالقوة)، بعد إشاعة الفوضى والقلاقل، حيث تورط أعضاء المنظمة في إثارة الفوضى والقلاقل في كثير من الدول، مثل تورط المخابرات الأمريكية في حرب فيتنام، ودعم عملاء المخابرات لرجال المافيا في إيطاليا لزعزعة الحكومة الاشتراكية في السبعينات، وتورط (بوش الأب) في إيران كونترا، وتقديم السلاح والدعم لمتمردي

стр. 443

الكونترا في نيكاراجوا، وتقديم السلاح لفصائل المجاهدين في أفغانستان، ومحاولات الاغتيال لكثير من رؤساء الدول وزعمائها، والخطط التي أعلن عنها بوش بشأن العراق، وضم حركات المقاومة على قائمة الإرهاب، كلها تؤكد الإستراتيجية والذهنية الفكرية، التي يعمل من خلالها أعضاء هذه المنظمة أثناء وجودهم في موقع القرار السياسي في الإدارة الأمريكية. وتاريخ تلك المنظمة وأهدافها، قد يساعدنا على فهم واستقراء مفهوم النظام العالمي الجديد، الذي تروج له الولايات المتحدة، وتخوض الحروب، والاعتداءات ضد الشعوب الأخرى من اجل فرض المفاهيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لهذا المفهوم في ظل مسوغات وإرهاصات العولمة. وتؤمن هذه المنظمة ونتيجة للعلاقة التاريخية بين اليهودية السياسية والماسونية، بإقامة علاقة فريدة وقوية مع إسرائيل، وهو ما يوضح لماذا أصبح بوش صهيونياً أكثر من شارون نفسه في الدفاع عن مصالح إسرائيل، ومعاداة العرب والمسلمين، والتنكر لحقوقهم التي أقرتها القرارات الدولية؟. فالرئيس بوش وأعضاء إدارته السابقة والحالية يعتنقون مبادئ اليمين المسيحي والصهيوني المتطرفة، بل أن بين أعضائها ما يزيد على عشرين عضوا يحملون الجنسية الإسرائيلية (١). ولهذا فإن طبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة في ظل إدارة بوش لا يمكن أن تفهم دون فهم تأثير مثل هذه المنظمات السرية المتطرفة، والتي ولدت في أحضان اليمين المسيحي المتطرف، الذي يغذيها بكافه أصناف الحقد والكراهية، وإباحة القتل والإبادة، والتي تجلت في حملة بوش الصليبية على العالم الإسلامي، التي بدأها في أفغانستان بدعوى محاربة الإرهاب .. ولن تنتهي في العراق .. فالقائمة طويلة. الإعداد لترشيح بوش للانتخابات نصت أهداف المنظمة على إقامة نظام عالمي جديد، تسيطر عليه حكومة الولايات المتحدة، حيث يؤمن أعضاء هذه المنظمة، أنه من خلال وجود حكومة قوية، وقوة عسكرية ضخمة في الولايات المتحدة، يمكن السيطرة على شؤون العالم

стр. 444

السياسية والاقتصادية والمالية، وإنشاء ما يسمى (نظام عالمي جديد)، وكلنا يتذكر خطاب (بوش الأب) في الكونغرس الأمريكي عام ١٩٩١م وإعلانه عن قيام نظام عالمي جديد. ولهذا عمل (بوش الأول) منذ مطلع عام ١٩٩٨م علي ضمان التنسيق والمساعدة مع مستشاره السابق لشؤون الأمن القومي، (برنت سكاوكروفت)، ووزير الخارجية السابق في عهد ريغان (جورج شولتز)، وذلك لترشيح نجله (جورج دبليو بوش) للرئاسة الأمريكية، حيث كانت الأجندة الجديدة تسعي إلي الضغط من أجل تنفيذ المرحلة التالية من النظام العالمي الجديد. وفي صيف ١٩٩٨م، انطلقت رسمياً حملة (جورج دبليو بوش) الرئاسية حيث ظهر جنباً إلي جنب مع والده بوش الأول وكوندوليزا رايس، وكان يقف وراءهم خلف الكواليس فريق كبير مكون في معظمه من رموز كبري سابقة في إدارة (بوش الأب)، والذين تفاوتوا ما بين أولئك المخلصين المؤمنين بالنظام العالمي الجديد إلي زمرة اللوبي الصهيوني. وبعد أن فاز بوش الصغير وتشيني بالانتخابات، تم تعيين هؤلاء، في مناصب حساسة في إدارة الرئيس الجديدة، وذلك لاستكمال مهمتهم في تنفيذ المرحلة التالية من إعادة صياغة وتشكيل النظام العالمي (١). تزوير الانتخابات يرصد احد الكتاب نقاط الخلل في سياسات أميركا وفي ثقافتها السياسية, ويرى أن أشد ترجمة لذلك الخلل هو انتخاب جورج بوش رئيساً, وهو يسميه اللص وليس الرئيس, إذ يعتبره سرق الرئاسة من آل غور عن طريق التزوير، والتآمر، وكل الطرق القذرة. وهنا فإن الكاتب لا يستهدف الرئيس (جورج بوش الابن) فحسب, بل والأب، والبطانة التي حوله، والتي سهلت له الفوز, أو بكلماته, تآمرت معه على سرقة الفوز. فقد اقتضى الأمر ستة وثلاثين يوماً من المفاجآت السياسية ـ القضائية حتى الوصول إلى حل للمشكلة العويصة، التي جاءت لمصلحة عشيرة بوش، حيث أعيد فرز الأصوات أربع مرات، وصدر عن المحكمة العليا ثلاثة قرارات، وعن المحكمة العليا الانتخابية قراران، وتقدم بوش على منافسه بصوت واحد في الهيئة الانتخابية، في

стр. 445

حين أن آل غور، نال نصف مليون صوت زيادة عما ناله خصمه، وبالرعم من ذلك فقد أعلن فوز بوش لنيله مائه وسبعه وثلاثين صوتاً إضافياً (١). ف http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٢/٨/ - TOP الفوز بالانتخابات بحسب مقاييس أي شخص عاقل، باستثناء قضاة المحكمة الأميركية العليا (المعينين من قبل نيكسون وريغان) كان من نصيب آل غور، ولكن الجهود التي بذلتها زمرة بوش (جورج الثاني, وابن عمه جيب, وجميع رفاق جورج الأول القدامى، اليمين المتطرف) للتأثير في نتائج الانتخابات، بما فيها التلاعب غير القانوني المباشر بالسجل الانتخابي، وما تبعه من أحكام خاطئة، صدرت بعد التصويت، بالاضافة للتلاعب الذي حصل عبر التصويت البريدي، والذي فاز فيه بوش بأربعة أخماس أصواته بشكل مريب (٢)، كان لها الدور الرئيس قي تغيير نتائج الانتخابات وايصال بوش إلي سدة الحكم، ليدير أجندتها الخاصة بنظام عالمي إمبريالي جديد. "فالوجوة تتغير في البيت الأبيض، أما القابضون علي مقاليد السلطة وراء الكواليس، فهم أنفسهم لا يتغيرون" (٣). من مقارعة الخمر إلى الأصولية المسيحية لم يسر (بوش الشاب) في البداية على خطى أبويه المتدينيْن، بل كان مدمناً على الخمر، وكان يقود سيارته وهو سكران، (وهو أمر تشاركه فيه زوجته، التي تسببت بمقتل إحدى صديقاتها أيام التلمذة, كما يشاركه فيه نائبه ديك تشيني) , وتم إلقاء القبض عليه بسبب تصرفات طائشة أخرى، حتى سبب أكثر من إزعاج لزوجته (لورا). وقد كانت لورا صاحبة الفضل في إقناعه بالكف عن الشراب، والأخذ بيده إلى الكنيسة، التي اعتادت الذهاب إليها. ولكن التغير في شخصية بوش ـ كما يقول ستيفن مانسفيلد ـ بدأ خلال اجتماع عقد عام ١٩٨٤م في إحدى كنائس ميدلاند مع القس أرثر بليسيت، الذي كان يجوب العالم حاملا الصليب، للدعوة إلى المسيحية. وحضر الآلاف من أهالي ميدلاند محاضرة بليسيت، وبعد المحاضرة طلب

стр. 446

(جورج دبليو) لقاء بليسيت. وخلال اللقاء وضح لجورج دبليو أنه غير متأكد من موقفه من المسيحية، ولكنه مع نهاية اللقاء شعر بالرغبة في التوبة، وطلب من بليسيت الدعاء له. وسرعان ما بدأ (جورج دبليو) في قراءة الإنجيل، والصلاة يوميا، وفي المشاركة بحلقة لدراسة الإنجيل مع بعض أصدقائه، وتوقف عن شرب الخمور، وبدأ الجميع يرون تحولا في حياة بوش على نحو أكثر جدية" (١). ولكن الرجل الذي أثر في حياة جورج بوش الدينية ونقله نقلة جذرية من حياة الإدمان إلى حياة الأصولية المسيحية، هو القسيس (بيلي غراهام) الذي استغل شعبيته الهائلة في الحصول على صداقة كبار الزعماء السياسيين، وأصبح من المترددين بانتظام على البيت الأبيض طيلة عهود عديدة من الرؤساء (٢). وقد أثنى بوش على شيخه (بيلي غراهام) مرة، فقال: "إنه الرجل الذي قادني إلى الرب". حيث استطاع القس (جراهام) إقناع بوش بالانضمام إلى طائفة (الميسوديث)، المعبرة عن التحالف الصهيوني المسيحي، وسار بوش مع هذه الطائفة حتى صار أحد أعمدتها الأساسية" (٣). وتردد المعلومات أن (توني بلير) رئيس الوزراء البريطاني، انضم إلى طائفة الميسوديت منذ فترة، وانه أصبح منتظما في قراءة الكتاب المقدس للميسوديت، وأداء كل طقوس العبادة التي تقرها هذه الطائفة. وقد كان لانضمام بلير إلى الطائفة الفضل في وجود لغة مشتركة بينه وبين بوش، حيث يعتبر بلير أن بوش أستاذه في الطائفة. وتشير المعلومات إلى أن بوش تدرج في المراتب الدينية لهذه الطائفة حتى وصل إلى مرتبة عالية يطلق عليها (المعلم)، ومن يحصل على هذه المرتبة، لا بد أن يكون قد درس باستفاضة متناهية مبادئ (الميسوديت)، وبدأ يطبقها ويدعو إليها عمليا، ولما كان عيسى معلما فإنه يريد أن يتشبه به كخليفة له، حيث نجح (بوش) في اجتذاب مئات الشباب للانضمام إلى الميسوديت، وكذلك برع في قدرته على إقناع الآخرين بهذه الافكار. وقد تسببت هذه التطورات الفكرية التي طرأت على

стр. 447

جورج الابن في قلق الأب على المستقبل السياسي لنجله، خاصة بعد تلك النزعة الدينية الغالبة التي قلبت حياته رأساً على عقب، حيث أن جورج بوش الابن، كان رافضاً للطريق السياسي في البداية، بحجة أن الرب يريده للعبادة والتدين، ونشر المذهب الديني الصحيح في العالم كله، وأن السياسة ستأخذه من هذا الطريق، ولكن بعد حوارات عدة، اقتنع بأهمية السياسة لنشر الدين (١). فمع بداية العام ١٩٩٩م، راحت تراود (جورج بوش الابن) فكرة ترشحه للرئاسة، فكلم أمه (باربرا) بالأمر أولا، في أحد الأيام قبل أن يقصدا الكنيسة معاً لحضور القداس، وكانت العظة تتناول في ذلك اليوم شكوك موسى حول كفاءاته كزعيم، فكشفت باربرا لابنها بالعبارة التالية: "إن شخصك أشبه بشخص موسى". وعند عودتهما إلى البيت، أخذا بمشورة القس (ببلى غراهام) صديق آل بوش الشخصي، وأشهر مبشر في الولايات المتحدة والمستشار الروحي والمؤتمن على أسرار كثير من الرؤساء الأميركيين" (٢). يقول (ستيفن مانسفيلد): "إن فكرة ترشيح (جورج دبليو) نفسه للرئاسة جاءته أول مرة خلال حضوره صلاة بإحدى كنائس تكساس، وكان القس (مارك كرايج) يتحدث في تلك الصلاة عن قصة موسى ﵇ ويقول: "إن موسى تردد بعض الشيء في قبول دعوة الله له لقيادة الناس"، في حين أن الناس في أشد الاشتياق، لقيادة تمتلك رؤية وشجاعة أخلاقية. وخلال الصلاة شعر (جورج دبليو) بأن الدعوة كانت موجهة إليه، وذلك قبل أن تلتفت إليه أمه الجالسة بجواره، وتقول له: إن القس "كان يتحدث لك"، وبعد فترة قصيرة اتصل جورج دبليو بالقس (جيمس روبيسون) وقال له: "لقد سمعت الدعوة، أعتقد أن الله يريدني أن أرشح نفسي للرئاسة" (٣). ويقول (هوارد فاينمان) تحت عنوان (بوش والرب): "إن الرئيس بوش جمع عدداً من القساوسة قبل أن يرشح نفسه للرئاسة كي ينال بركاتهم، وأخبرهم بأنه تمت دعوته لينال منصباً أرفع في بلاده"! ولم يكن بوش أول رئيس أمريكي يفعل هذا، فقد سبقه ريجان الذي كان يصدق ما تقوله له قارئة الفنجان، والذي تحول بفضل الحظ الذي يؤمن به من نجم مطفأ في سماء هليوود إلى نجم ساطع

стр. 448

في البيت الأبيض. وقد لعب الواعظ الأمريكي بيلي جراهام دوراً في تنوير السانت بوش، بحيث اعترف بأنه ولد مرة أخرى، وحرر روحه من الداء القديم (١). وبيل غراهام ـ لمن لا يعرفه ـ هو أبرز وجوه اليمين المسيحي الصهيوني في الولايات المتحدة اليوم وهو واعظ ذو شخصية كاريزمية يذهب إلى بوش وعائلته وأصدقائه بصورة دوريه ليس فقط للصلاة، بل للحديث عن قيادة العالم، وفي البداية كان (جورج بوش) يتابع ذلك بلا أدنى اهتمام. وتدريجياً بدأ اهتمامه في الازدياد إلى الحد الذي قال فيه يوما ما: "هناك حبة نبتت في قلبي، وبدأت أشعر أنني أتغير"، وكان ترك الخمر هو أول قرار يأخذه بعد التحول، ومنذ ذلك الوقت أصبح بوش واحدا من الستين مليون أمريكي، الذين يؤمنون (بالولادة الثانية للمسيح) وهذا ما دعاه للقول بأن المسيح هو أهم الفلاسفة السياسيين في جميع الأزمنة، لأنه ساعدني على التوقف عن شرب الخمر. وباعتباره مرشح يمثل المحافظون الجدد أو اليمين المسيحي المتطرف، فقد ركز بوش خلال حملته الانتخابية على إبراز تدينه حيث كان يقول: "أنه يبدأ حياته كل يوم بقراءة في الإنجيل، أو على الأصح في (الكتاب المقدس)، الذي يشمل الإنجيل والتوراة العبرانية. ووضح الأمر أكثر (تونى ايفانز) الواعظ من تكساس، وأحد مستشاريه الروحيين، فيقول: "تعاليم الإنجيل كانت سبباً رئيساً لاتخاذ بوش قراره بالتقدم لانتخابات الرئاسة، إنه شعر أن الله يكلمه، وأن واجباته قد تحددت بتكليف من الله بقوله: إنني اقتنعت بأن ثقافتنا بكاملها يجب أن تتغير بصورة جذريه، وإلى الأبد، فنحن نحتاج إلى تجديد روحي في أمريكا. وبذا تحول بوش من إنسان غبي غائب عن الوعي بفعل الإدمان على الكحول إلى رئيس أمريكي ثم إلى قائد عسكري يسعى لشن الحروب، حيث كانت (الولادة الثانية) لبوش يوم ١١ سبتمبر، فقد كان حتى هذا اليوم مجرد حاكم بلا هدف، ولكن الهجوم على نيويورك وواشنطن أعطيا رئاسته الهدف والسبيل، وبعدها بدأ في الحديث بمصطلحات دينيه مثل (معركة

стр. 449

الخير ضد الشر) (العدالة الابديه) ـ (الحرب الصليبية) ثم مصطلح (محور الشر) الذي بدأ يضع فيه أعداءه، خاصة إيران والعراق وكوريا الشمالية" (١). جدلية الدين والسياسة في تفكير الرئيس بوش لاحظ كثيرون أثر الدين في رؤية بوش السياسية، بشكل غير معهود في الحياة الأمريكية: فهو يميل إلى التفسير الديني للأحداث السياسية الحالية، وقد قال في حديث للمذيعين الدينيين: "إن الإرهابيين يمقتوننا، لأننا نعبد الرب بالطريقة التي نراها مناسبة". كما يكثر في أحاديثه وخطاباته إيراد المصطلحات الدينية. فهو كثير الحديث عن (الرب) وعن (الصراع بين الخير والشر). وما مصطلح (محور الشر) إلا مثالاً واحداً على ذلك. وقد لاحظ أحد الكتاب أن بوش يفضل استخدام مصطلح (الحرية) على مصطلح (الديمقراطية)، وأن الحرية في عرف بوش ذات مدلول ديني، فهي ليست حرية الخيار السياسي بالضرورة، بل (حرية اكتشاف الرب) بكل المدلول المسيحي التبشيري لذلك. وذكرت مجلة نيوزويك أن أنصار بوش من الإنجيليين يأملون أن تكون الحرب على العراق فاتحة لنشر المسيحية في بغداد، كما يشير موقع (القس بيلي غراهام) على الإنترنت ـ وهو الأب الروحي للرئيس بوش ـ إلى "الجوع الروحي في العراق في الوقت الحاضر"، ولذلك مدلوله الخاص في السياق الحالي (٢). ويميل الرئيس (بوش) إلى اعتماد البرامج الاقتصادية والاجتماعية، التي ترسخ الدين المسيحي في المجتمع الأمريكي وفي العالم. ومن أمثلة ذلك داخلياً تخصيصه بنداً من الميزانية لتمويل المؤسسات التربوية والاجتماعية الدينية، من كنائس ومدارس دينية وغيرها، وهي سابقة في تاريخ الولايات المتحدة، اعتبرها كثيرون بداية النهاية للموقف الحيادي من الدين الذي يلزم الدستور الأمريكي الحكومة به. وبذلك يكون بوش هو أول رئيس أميركي يمول التعليم الديني من

стр. 450

ميزانية الدولة الأميركية، التي يفترض فيها أنها دولة علمانية تقف من الدين موقف الحياد" (١). ويشير الكاتب الصحفي (بوب وودوارد) في كتابه الجديد: (بوش في الحرب) إلى قصة طريفة تكشف عن جانب من جدلية الدين والسياسة في تفكير الرئيس بوش. فقد حكى بوش للكاتب في إحدى مقابلاته معه أثناء إعداد الكتاب قصة لقائه الأول مع الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) في ٢٠٠١م. يقول بوش:"دخل الرئيس بوتين وجلس ... وحضر المترجمان .. وأراد بوتين أن يبدأ الكلام، لكني بادرته بالقول: السيد الرئيس .. دعني أبدأ بالإشارة إلى أمر لفت انتباهي، وهو أن والدتك أعطتك صليباً، وأنكم باركتم ذلك الصليب في إسرائيل الأرض المقدسة. فقال: صحيح. فقلت: إن هذا الأمر يثير عجبي، لأنك كنت شيوعياً وضابطاً في (الكي جي بي) ومع ذلك كنتَ راغباً في حمل الصليب، إن هذا الأمر بالنسبة لي يحمل من المعنى أكثر مما تحمله مجلدات". ثم يضيف الرئيس بوش: " .. وبدأ بوتين يتحدث عن ديون روسيا ... لكني كنت مهتماً أكثر بمعرفة هذا الرجل (بوتين)، الذي علي أن أتعامل معه، ولهذا أردت التأكد من صحة قصة الصليب" (٢). http://www.aljazeera.net/cases_analysis/٢٠٠٣/٣/٣-١١-١.htm - TOP ولكن هذا الحماس الديني الذي هو مصدر قوة الرئيس بوش وطاقته، فهو أيضاً مصدر ضعفه وسوء تقديره للأمور. وليس هذا رأي أعداء الرئيس بوش ومنتقديه فحسب، بل هو قول مساعديه ومقربيه كذلك. وقد ذكرت مجلة "نيوزويك" أن مستشاري الرئيس بوش يدركون أن "العديد من الأمريكيين ـ وكثيرين عبر العالم ـ يعتبرونه رجلاً أعمته معتقداته .. عن فهم تعقيدات العالم المحيط به كما هي". ولا ينكر مساعدو بوش هذه التهمة، بحسب المجلة، التي تضيف: "يقول مساعدو بوش: إن معتقداته المسيحية المتأججة تحت السطح تمنحه قوة وعزماً، لكنها لا تعينه على فهم السياسات اللازم اتباعها" (٣).

стр. 451

مكانة بوش على الخريطة الدينية الأميركية تتسم الخريطة الدينية للولايات المتحدة بشيء من التعقيد، فلا يمكن رسم حدودها واضحة، وبيان مكانة بوش فيها بشكل مفصل في هذا الكتاب، ولكن يمكن القول إجمالاً: إن أنصار بوش هم في الغالب الأعم من البيض البروتستنت، وممن ينتمون للكنيسة المعمدانية أو الكنيسة المنهجية، التي ينتمي إليها بوش، ونتيجة لهذه العلاقة الحميمة بين بوش والتيار المسيحي الأصولي، وفرت الكنائس الإنجيلية المتصهينة لبوش فوزاً على منافسه الجمهوري (ماكين)، ثم فوزاً ملتبساً على منافسه الديمقراطي (آل جور). ولهذا فإن الذين يبرمجون الرئيس الأميركي هم قساوسة الحركة الصهيونية المسيحية. فالرئيس بوش هو من النوع الذي لا يدخل في نقاش مع نفسه، ولا يمارس التساؤل لكونه ـ أيضاً ـ ينطلق من مرجعية فكر ديني مطلق، لم يكن غريباً أنه صنف مجتمعات العالم إلى متحضرة وغير متحضرة، وخيرة وشريرة وعليها أن تختار أن تكون ضده أو معه، وتوعد من ليس معه بالعقاب الشديد. ومن هذا المنطلق الديني الأصولي يرى أن الأحداث التاريخية تتم كما قال الكاتب (جاكسون ليرز) على (يد إله عادل ومخلص) وأن رئاسته جزء من خطة مقدسة، حتى أنه قال لصديق له عندما كان حاكما لولاية تكساس: إن الله يريده أن يترشح للرئاسة .. وأوعز للولايات المتحدة بأن تقود حملة صليبيه تحريرية في الشرق الأوسط، بل ذهب (جاكسون ليرز) في هذه المقالة إلى القول بأن اللغة الدينية الأصولية كثيراً ما تستعمل في الثقافة السياسية الأميركية، خصوصاً بين أنصار بوش، الذين يؤمنون بأنهم يعملون بإرشاد الهي وينفذون إرادة الله" (١). http://www.aljazeera.net/cases_analysis/٢٠٠٣/٣/٣-١١-١.htm - TOP علاقة بوش مع الكنيسة الكاثوليكية الكنيسة الكاثوليكية التي يقدر أتباعها بحوالي ٦٠ مليون شخصاً، لا تربطها علاقة ود بالرئيس بوش، لأسباب سياسية ودينية وتاريخية كثيرة. فكما هو معروف تأسس الحزب الجمهوري في عام ١٨٥٤م، بعد الهجرة الكاثوليكية المتنامية نحو أمريكا، وظهور تيارات دينية جديدة إضافة إلى ظهور العلمانية، حيث بدأت بعض

стр. 452

المفاهيم تؤثر سلباً في اللغة الدينية السائدة في ذلك الوقت، وشعر البيوريتانيون بأن دولة الفضيلة التي عملوا على تأسيسها، تدخل مرحلة الانحدار، فجاء تأسيس الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس الحالي (جورج بوش) عام ١٨٥٤م معيداً الخطاب الديني البيوريتانى إلى الوجود، ومعيداً الأمل البيوريتاني إلى الوجود. فالتف اليمين البروتستانتى حول هذا الحزب الجديد بقوة على اعتبار أن برنامجه السياسي، الذي تطغى عليه القيم الدينية ينسجم مع طموحاتهم ببناء أمريكا المسيحية، حيث يمثل الحزب الجديد القيم المسيحية البيوريتانية الحقيقية، (المبادئ المسيحية اليهودية)، والذي سوف يعمل على تحقيق النبوءة التوراتية بإقامة مملكة الرب (يهوه) (١). وفي أواخر السبعينات والثمانينات من القرن الماضي حدث تحول يثير الاهتمام بوجه خاص، ألا وهو العلاقة الوثيقة المتزايدة بين اليمين المسيحي الجديد والحزب الجمهوري، حيث لم تبدأ هذه الصلة في أواخر السبعينات. فالعلاقة بين (بيلي جراهام) (ودوايت أيزنهاور) شيء معروف، مثله كمثل صلوات الإفطار في البيت البيض الأبيض أثناء فترة رئاسة نيكسون، ثم وصلت العلاقة إلى آفاق جديدة مع ترشيح (ريجان) ثم فترة رئاسته (٢). إن هذه الخلفية المتطرفة للحزب الجمهورى، ربما توضح سبب تطرف (بوش الابن) وتعصبه ليس فقط تجاه العرب والمسلمين، بل تجاه المسيحيين الكاثوليك، حيث ـ معروف عنه ـ علاقاته الحميمة بالتيار الأصولي المسيحي المتطرف في أمريكيا، وبأكثر زعماء هذا التيار تطرفاً، أمثال (جون ايفانس)، وغيرهم، والذين يعتقدون أن الاتحاد الأوروبي ـ وبالذات دوله الكاثوليكية ـ هم من قوى الشر، التي ستحارب أمريكيا في المستقبل، ويسمون دولها العشر بالوحش الذي ورد ذكره في نبوءات التوراة (٣). ولهذا لم يكن مستغرباً أن يرتبط بوش بعلاقات حميمة مع أكبر جامعة أصولية متطرفة، وهى جامعة (بوب جونز) الانفصالية المتشددة التي أسسها القس الأصولي المتشدد (بوب جونز) (٤)، والتي تناصر الآراء المضادة للكاثوليكية،

стр. 453

حيث يصف رؤساؤها البابا بأنه عدو المسيح، ويمنعون الاختلاط العرقي بين الطلبة. وقد حرص (بوش) على زيارة هذه الجامعة باستمرار، حيث تسببت إحدى هذه الزيارات بجدل واسع، واتهمه منافسه للرئاسة (جون ماكين) باستخدامه الزيارة لتشويه صورته، واضطر بوش للدفاع عن نفسه ضد مزاعم التعصب، وأخبر الصحفيين في سياتل بقوله: اندهشت لأن الناس يصفوني بأني مناهض للكاثوليكية، أنا أرفض ذلك، فأنا حريص على التوحيد ليس التقسيم، يجب أن تتوقف حملة تشويه الصورة هذه، وبعث بوش رسالة للكردينال (جون اوكونور) في نيويورك معقل الناخبين الكاثوليك قائلاً: انه يشعر بأسف عميق لأنه لم ينأ بنفسه بوضوح عن سياسات جامعة بوب جونز. بوش واليهود وإسرائيل باعتباره أحد أعضاء الكنيسة الميثودية البارزين، كان بوش دائم التردد على إسرائيل، لأن الميثوديت تعتبر أن ارض إسرائيل هي البقعة المباركة في هذا العالم، وأن المسيحية الحقه جاءت لتقييم التحالف الروحي لإنقاذ العالم من خلال الاعتماد على التوراة، التي تمثل قيمة دينية عليا، وأن العالم لابد أن يبعث على أساس من التوراة والإنجيل الحق، ولهذا فإن بوش عندما يقرأ كل يوم في كتابه المقدس، فهو لا يقرأ الإنجيل المتداول بين المسيحيين، وإنما يقرأ الكتاب المقدس للميثوديت، الذي يجمع بين التوراة والإنجيل في مزيج مشترك، حتى أن صلواته التي يؤديها كل يوم وبانتظام، تعبر عن فكر الميثوديت والتحالف الصهيوني ـ المسيحي، ولا تعبر عن المسيحية المعروفة في الشرق أو الفاتيكان. والمتتبع لنشاط طائفة الميثوديت يرى أن أعدادها في تزايد مستمر بين الطوائف المسيحية، حيث أن هؤلاء هم بالأساس أصحاب هذه الفكرة في إقامة التحالف المسيحي ـ الصهيوني ضد الإسلام (١). يقول (مات بروكس) اليهودي الجمهوري: "إن جورج بوش، وبسبب إيمانه الديني العميق، يعتقد أن إسرائيل هي وطنه الروحي، بقدر ما هي وطن روحي لي أنا

стр. 454

اليهودي". ولبوش أصدقاء ذو اهتمامات بالغة العمق بإسرائيل، ولأنه بات أكثر تديناً في السنوات الأخيرة، فقد أصبح مهتماً بها بالعمق الذي يوليه أصدقاءه هؤلاء تماماً، هذا ما يقوله ـ أيضاً ـ صديق بوش الآخر اليهودي الأرثوذوكسي، الملتزم (دونالد ايترا) لمجلة نيوزويك. وتشير نيوزويك إلى أن موقف بوش من إسرائيل والفلسطينيين قد يكون في النهاية موقفا ايديولوجياً، وحتى دينياً متطرفاً، وليس موقفاًً سياسياً بحثاً. وتضيف أن زيارة بوش إلى إسرائيل في العام ١٩٩٨م، التي رتبها له ضمن مجموعة من حكام الولايات الآخرين صديقه (مات بروكس)، وقام في أثنائها بجولة في طوافة مع شارون، فوق الضفة الغربية والجولان، لم تكن فقط زيارة استطلاع على جغرافية إسرائيل، ولا حتى جولة سياسية، لقد كانت رحلة في التاريخ التوراتى. وتشير المجلة إلى أنه وصديقه الآخر (دونالد ايترا) انتميا إلى جمعية سرية تدعى (سكول وبوناس)، عندما كانا في جامعة بيل، ويقول ايترا: إن تربية بوش اليهودية وتعلمه لها ومعلوماته عنها بدأت في تلك الفترة ... لقد تربى بوش مع مجموعة يهودية، وهو شخصياً يقدر عالياً الدين اليهودي. وقد صرح الرئيس بوش أكثر من مرة بأن "اليهود هم شعب الله المختار الوحيد على وجه الأرض" (١). وخلال الأشهر السابقة من وجوده في البيت الأبيض، لم يثبت الرئيس الأمريكي ما يدحض هذه الآراء، بل إنه، وإضافة إلى إطلاقه يد المحافظين الجدد في السياسات الخارجية، الشرق أوسطية منها خصوصاً، بنى نظاماً يستند بكل صراحة إلى البروتستانت الأصوليين، هؤلاء المتعصبين المقتنعين بان الولايات المتحدة تؤدى دوراً مركزياً في صراع الخير التوراتى ضد الشر، وهذا الدور الذي يستند إلى يقين بأن هذا البلد ينبغي أن يقود العالم. وقد توصل أحد الباحثين الأميركيين مؤخرا ـبعد دراسته لكل أحاديث الرئيس الحالي بوش وخطاباته ـ إلى أن بوش أصولي مسيحي، يؤمن بأن الضفة الغربية وقطاع غزة منحة ربانية لليهود لا يجوز التنازل عنها، وهو نفس الاعتقاد الذي عبر عنه (التحالف المسيحي) بقيادة (بات

стр. 455

روبرتسون) مؤخراً في مسيرة له بواشنطن العاصمة، طالب فيها القادة الإسرائيليين بعدم التنازل عن الضفة الغربية وقطاع غزة، لأن ذلك مناقض لإرادة الرب (١). وربما كان إعجاب الرئيس (بوش) الشديد باليهود، وتبنيه لبرامجهم هو الذي دفعهم إلي الانضمام إلى الحزب الجمهوري. فبالرغم من وجود يهود في الحزب الديمقراطي، نظراً لانقسام اليهود إلى ليبراليين ومتدينين ـ وأحيانا تفادياً لوضع البيْض في سلة واحدة ـ فإن الجماعات اليهودية بدأت في الأعوام الأخيرة تميل إلى الحزب الجمهوري، لأن ولاءه للمسألة اليهودية نابع من اعتقاد ديني ثابت، مجرد من الاعتبارات السياسية والإستراتيجية في الغالب، بخلاف الحزب الديمقراطي ذي الميول الليبرالية، الذي يتعامل مع إسرائيل باعتبارها (دولة دنيوية) إلى حد ما، وربما هذا ما دفع الحزب الديمقراطي إلى محاولة استمالة اليهود من خلال ترشيح اليهودي (ليبرمان) لمنصب نائب الرئيس في الانتخابات السابقة. وربما يكون الخطاب الذى القاه بوش بتاريخ ١٥ مايو ٢٠٠٨ اما الكنيست الاسرائيلى بمناسبه استقلال اسرائيل خير معبر عن علاقته باليهود، ولاهميته سنعرضه بالكامل وللقارئ استخلاص المعانى المختلفة من خلاله: وثيقة: كلمة الرئيس الأميركي جورج بوش أمام الكنيست في الذكرى الستين لقيام "إسرائيل" الرئيس بيرس والسيد رئيس الوزراء، السلام عليكم جميعاً. إن (زوجتي) لورا وأنا نتحمس للعودة إلى إسرائيل. لقد تأثرنا كثيراً بالاحتفالات التي حضرناها خلال اليومين الماضيين. أما الآن فيشرّفني الوقوف في هذا الوقت أمام أحد المجالس النيابية الديمقراطية العظيمة في العالم لأنقل أماني الشعب الأميركي على شكل الكلمات الآتية: عيد استقلال سعيد ([قالها باللغة العبرية) إنها فرصة نادرة تتاح لرئيس أميركي لإلقاء كلمته أمام الكنيست .. ولا يؤسفني سوى غياب أحد أعظم الزعماء الإسرائيليين عنا ليشاركنا هذه اللحظة كونه

стр. 456

محارباً مخضرماً ورجل سلام وصديقاً. إن الشعب الأميركي يدعو الله لشفاء أريئيل شارون (رئيس الوزراء السابق). إننا اجتمعنا لإحياء مناسبة بالغة الأهمية. كان دافيد بن غوريون قد أعلن قبل ستين عاماً في تل أبيب استقلال دولة إسرائيل القائم على أساس "الحق الطبيعي للشعب اليهودي لتقرير مصيره". وما تلا هذه الخطوة كان أكثر من مجرد إقامة دولة جديدة: إنه كان استيفاء وعد قديم مُنح لأبراهام وموشيه ودافيد بمعنى وطن قومي للشعب المختار على أرض إسرائيل. ولم تمضِ إلا ١١ دقيقة حتى نالت الولايات المتحدة، بإيعاز من الرئيس هاري ترومان، شرف أن تكون أول دولة للاعتراف باستقلال إسرائيل. كما أن الولايات المتحدة يشرّفها في هذه الذكرى المفصلية أن تكون أقرب حليف وأفضل صديق لإسرائيل في العالم. إن التحالف بين الحكومتين لا يمكن كسره إلا أن مصدر الصداقة بيننا أعمق من أي حلف. إنه يعود إلى الروح المشتركة لكلا الشعبين، إلى الروابط القائمة على الكتاب المقدس والعلاقات الروحية. عندما نزل وليام برادفورد من السفينة "مييفلاور" [التي حملت طلائع المهاجرين الأوروبيين إلى أميركا الشمالية] عام ١٦٢٠ فإنه استشهد بأقوال النبي إرميا: "هلم فنقصّ في صهيون عمل الرب إلهنا ". وكان مؤسسو دولتي قد رأوا أمام نواظرهم أرض ميعاد جديدة وقد أطلقوا بالتالي على بلداتهم أسماء مثل بيت لحم وكنعان الجديدة. وقد أصبح العديد من الأميركيين مع مرور الزمن يؤيدون بحماس فكرة نشوء دولة يهودية. وقد مضت قرون من المعاناة والتضحيات قبل تحقيق هذا الحلم. إذ عانى الشعب اليهودي ويلات المجازر ومأساة الحرب الكبرى (الحرب العالمية الأولى) وفظائع المحرقة التي أسماها [الكاتب اليهودي الأميركي الشهير إيلي فيزيل "مملكة الليل". وكان أناس لا ضمير لهم قد سلبوا الحياة وفككوا عُرى العائلات لكنهم عجزوا عن مصادرة روح الشعب اليهودي وانتهاك الوعد الإلهي.

стр. 457

عندما انبثقت رسالة قيام دولة إسرائيل لم تملك غولدا مئير (التي أصبحت فيما بعد رئيسة لوزراء إسرائيل) - التي كانت امرأة جسورة ترعرعت في ولاية ويسكونسين الأميركية - دموعها، ثم قالت: "لقد تمنّينا على امتداد ألفَي عام الخلاص وها هو ذا يأتي كبيراً وضخماً وتعجز الكلمات عن التعبير عنه". غير أن فرحة الاستقلال جُوبهت بالقتال العنيف وهو صراع ما زال ممتداً منذ ستة عقود. لكن إسرائيل تمكنت على الرغم من العنف والتهديدات من إنشاء نظام ديمقراطي مزدهر في قلب الأرض المقدسة. إنكم استوعبتم مهاجرين قدموا من كل حدب وصوب؛ إنكم بنيتم مجتمعاً حراً عصرياً يقوم على محبة الحرية والعدالة وكرامة الإنسان؛ إنكم عملتم دون كلل على دفع السلام قدماً وحاربتم بشجاعة من أجل الحرية. إن بلادي مُعجبة بإسرائيل غير أن هذا الإعجاب لم يأت من فراغ، إذ إن الأميركيين يرون عندما ينظرون إلى إسرائيل الروح الطلائعية التي صنعت المعجزات في المجال الزراعي وتصنع حالياً معجزة أخرى في المجال التكنولوجي. كما أننا نشهد الجامعات الراقية ودولة رائدة عالمياً في مجالات الأعمال والابتكار والفنون. إننا نشهد مورداً أهم من النفط أو الذهب ألا وهو الموهبة والعزيمة لدى شعب حر لا يسمح لأي عائق باعتراض سبيله نحو تحقيق ما قُدّر له. لقد حالفني الحظ لأن أشاهد إسرائيل عن كثب وأطّلع على ملامحها: لقد مسستُ حائط المبكى وشاهدت انعكاس أشعة الشمس في بحيرة طبريا وأديت الصلاة في مؤسسة "ياد فشيم" (لتخليد ذكرى المحرقة). وقد زُرت صباح اليوم موقع "متسادا" الذي يخلد ملهمة الجرأة والتضحية. إن الجنود الإسرائيليين يؤدون يمين الولاء في هذا الموقع التأريخي قائلين: إن متسادا لن تسقط ثانية. أيها مواطنو إسرائيل، إن متسادا لن تسقط ثانية إذ إن الولايات المتحدة ستقف دوماً إلى جانبكم. إن ذكرى (عيد الاستقلال) الحالية تشكل فرصة سانحة للتفكير ملياً في الماضي واستشراف المستقبل. عندما نسير نحو هذا المستقبل يستضيئ تحالفنا

стр. 458

بمبادئ واضحة وإيمان مشترك يقوم على النزاهة الأخلاقية ولا يتأثر باستطلاعات مختلفة للرأي العام وتقلبات مواقف بعض النُخَب الدولية. إننا نؤمن بالقيمة المطلقة لحياة أي رجل وامرأة وطفل وبالتالي نعقد العزم على أن أي شخص في إسرائيل له الحق في ممارسة حياة طبيعية وجيدة ومطمئنة مثل مواطني أي دولة أخرى. إننا نرى أن النظام الديمقراطي يمثل الطريق الوحيد لضمان حقوق الإنسان ولذلك فإنه من الخزي والعار إقدام الأمم المتحدة على تمرير قرارات روتينية ضد النظام الديمقراطي الأكثر حرية في الشرق الأوسط بداعي انتهاكه لحقوق الإنسان. إننا نعتقد بأن الحرية الدينية هي من ثوابت المجتمع المتحضر ولذلك ندين بمعاداة اليهود (اللاسامية) بكافة أشكالها سواء لدى أولئك الذين يشككون علناً في حق إسرائيل في الوجود أو لدى آخرين يبحثون سراً عن مبررات لهذا الموقف. كما أننا نرى أن الأحرار عليهم أن يتطلعوا إلى السلام ويستعدون للتضحية من أجله وبالتالي نؤدي التحية للقادة الإسرائيليين على قراراتهم الجريئة. كما أننا نعتقد بأن أي أمة تملك الحق في الدفاع عن نفسها ولا يجوز إجبارها على التفاوض مع قتلة يصرون على تدميرها. إننا نظن أن استهداف حياة الأبرياء من أجل تحقيق أهداف سياسية لهو خطأ في أي زمان ومكان. لذلك نقف دوماً ضد الإرهاب والتشدد ولن نتخلى عن يقظتنا ولن نثبط من عزيمتنا على هذا الصعيد. إن مكافحة الإرهاب والتشدد هي التحدي الأبرز في عصرنا. ولا يقتصر الأمر على تصادم الجيوش فحسب بل إنه صدام للرؤى أي صراع عقائدي كبير. ويقف من جهة أولئك الذين يدافعون عن المثل العليا للعدالة والكرامة بدافع قوة العقل والحقيقة، فيما يقف من الجهة الثانية أولئك الذين يعتمدون رؤية محدودة من القسوة والسيطرة تجيز القتل والترهيب ونشر الأكاذيب. ويتم شن هذا الكفاح بواسطة تقنيات القرن الحادي والعشرين لكنه أساساً صراع بين الخير والشر. ويدّعي القتلة بأنهم خرجوا من عباءة الإسلام لكنهم ليسوا متدينين. إذ لا يمكن لكل من يدعو رب أبراهام أن يضع حزاماً ناسفاً انتحارياً على

стр. 459

طفل بريء أو يفجر ضيوف ليلة النظام في عيد الفصح اليهودي [يقصد الاعتداء الشنيع على فندق "بارك" بنتانيا في ربيع ٢٠٠٢ أو يوجه طائرات إلى عمارات تجارية مليئة بمستخدمين لا يرتابون بشيء [يقصد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر أيلول ٢٠٠١. في حقيقة الأمر لا يخدم الأشخاص الذين ينفذون هذه العمليات الهمجية أي هدف سوى رغبتهم في السلطة. إنهم لا يغلّبون أي أخلاق إلهية على مصالحهم الأنانية، كما أنهم يوجهون الكراهية والبغضاء بالذات إلى أشد المدافعين غيرةً عن الحرية وبضمنهم الأميركيون والإسرائيليون. ولهذا السبب كان الميثاق التأسيسي لحماس قد دعا إلى القضاء على إسرائيل، ولذلك يردد أتباع حزب الله شعار "الموت لإسرائيل والموت لأميركا"، ومن هذا المنطلق تنص دروس أسامة بن لادن على أن "قتل اليهود والأميركيين هو من أكبر الفرائض"، فيما يحلم الرئيس الإيراني في إعادة الشرق الأوسط إلى القرون الوسطى ويدعو إلى محو إسرائيل عن الخارطة. ثمة أناس أخيار ومهذَّبون لا يسعهم استبطان ظلامية هؤلاء الأشرار مما يحملهم إلى تأويل كلامهم. هذا أمر طبيعي لكنه خاطئ تماماً. إننا - وبصفتنا شهوداً لشر الماضي - نتحمل مسؤولية جليلة لأخذ كلامهم مأخذ الجد. إن اليهود والأميركيين قد شاهدوا تبعات غض الطرف عن كلمات أدلى بها زعماء تأييداً للكراهية، ولا يجوز للعالم أن يكرر هذا الخطأ خلال القرن الحادي والعشرين. هنالك من يعتقد بوجوب التفاوض مع الإرهابيين والمتشددين وكأن مقارعتهم ببعض الحجج البارعة قد تقنعهم بأنهم كانوا في ضلال مُبين. كنا قد استمعنا إلى هذه الأوهام السخيفة. عندما اجتازت الدبابات النازية حدود بولندا عام ١٩٣٩ صرح أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي آنذاك بما يلي: "يا ربي، لو كان بمقدوري الحديث مع هتلر لربما كنا نتفادى كل هذا المشهد". يجب علينا أن نسمي هذا التوجه بمسمياته الحقيقية أي راحة النفس الخادعة الناتجة عن استرضاء خاطر (الأشرار) والتي كان التأريخ قد أظهر بطلانها مراراً وتكراراً. ثمة آخرون يعرضون على الولايات المتحدة قطع علاقاتها مع إسرائيل وكأن هذه الخطوة وحدها كفيلة بحل جميع المشاكل في الشرق الأوسط. إن هذه حجة

стр. 460

مستهلكة تصب في دعاية أعداء السلام وترفضها الولايات المتحدة جملة وتفصيلاً. إن عدد سكان إسرائيل يتجاوز قليلاً ٧ ملايين نسمة غير أن تعدادكم يصبح ٣٠٧ مليوناً عندما تواجهون قوى الإرهاب والشر لأن الولايات المتحدة الأميركية تقف إلى جانبكم. إن الولايات المتحدة تناصركم في سعيكم لضرب الشبكات الإرهابية ورفض إيواء المتشددين. كما أن الولايات المتحدة تقف إلى جانبكم برفضها الشديد للطموحات الإيرانية بالحصول على الأسلحة النووية. إن السماح لأبرز راعٍ للإرهاب العالمي بامتلاك الأسلحة الأشد فتكاً سيكون بمثابة خيانة لا تُغتفر إزاء الأجيال القادمة. ويتعين على العالم حفاظاً على السلام عدم السماح لإيران بالحصول على السلاح النووي. ومن المتطلبات الأساسية لتحقيق الانتصار في هذه المعركة ضرورة طرح بديل عن العقائد المتشددة من خلال توسيع رؤيتنا الخاصة بالعدل والتسامح والحرية والأمل. إن هذه القيم هي حق لا يحتاج إلى أي مبرر لدى جميع الشعوب والأديان في كافة أنحاء العالم كونها هدية من الله . كما أن حماية هذه الحقوق هي أفضل طريق لحماية السلام. إن الزعماء الذين يمكن لشعوبهم محاسبتهم لن يبحثوا عن المواجهة الدائمة وسفك الدماء؛ إن الشبان الذين تُحفظ لهم مكانتهم في المجتمع وتُسمع أصواتهم حول مستقبلهم سيفتر حماسهم للبحث عن مغزى حياتهم بالعقيدة المتشددة؛ إن المجتمعات حيث يتسنى للمواطنين التعبير عن ضمائرهم وعبادة ربهم لن تصدّر العنف بل ستكون شريكة للسلام. إن أهم العِبر المستفادة من القرن العشرين هي تلك البصيرة الأساسية القاضية بأن الحرية تفضي إلى السلام. وتنحصر مهمتنا الحالية بتطبيق هذه العبرة في القرن الحادي والعشرين. وما من مكان آخر على وجه الأرض حيث يكون العمل على إنجاز ذلك أشد ضرورة وعجالة من الشرق الأوسط. ينبغي علينا مناصرة الإصلاحيين العاملين على تحطيم الأنماط القديمة من الطغيان واليأس؛ يتحتم علينا منح الملايين من عوام الشعب الذين يحلمون في حياة أفضل في مجتمع حر فرصة إسماع أصواتهم؛ يتعين علينا مجابهة النسبية الأخلاقية التي تقبل بدرجة متساوية جميع أشكال الحكم وتحكُم بالتالي على مجتمعات بأكملها بالرق والعبودية؛
следующие страницы →