محارباً مخضرماً ورجل سلام وصديقاً. إن الشعب الأميركي يدعو الله لشفاء أريئيل شارون (رئيس الوزراء السابق).
إننا اجتمعنا لإحياء مناسبة بالغة الأهمية. كان دافيد بن غوريون قد أعلن قبل ستين عاماً في تل أبيب استقلال دولة إسرائيل القائم على أساس "الحق الطبيعي للشعب اليهودي لتقرير مصيره". وما تلا هذه الخطوة كان أكثر من مجرد إقامة دولة جديدة: إنه كان استيفاء وعد قديم مُنح لأبراهام وموشيه ودافيد بمعنى وطن قومي للشعب المختار على أرض إسرائيل.
ولم تمضِ إلا ١١ دقيقة حتى نالت الولايات المتحدة، بإيعاز من الرئيس هاري ترومان، شرف أن تكون أول دولة للاعتراف باستقلال إسرائيل. كما أن الولايات المتحدة يشرّفها في هذه الذكرى المفصلية أن تكون أقرب حليف وأفضل صديق لإسرائيل في العالم.
إن التحالف بين الحكومتين لا يمكن كسره إلا أن مصدر الصداقة بيننا أعمق من أي حلف. إنه يعود إلى الروح المشتركة لكلا الشعبين، إلى الروابط القائمة على الكتاب المقدس والعلاقات الروحية. عندما نزل وليام برادفورد من السفينة "مييفلاور" [التي حملت طلائع المهاجرين الأوروبيين إلى أميركا الشمالية] عام ١٦٢٠ فإنه استشهد بأقوال النبي إرميا: "هلم فنقصّ في صهيون عمل الرب إلهنا ". وكان مؤسسو دولتي قد رأوا أمام نواظرهم أرض ميعاد جديدة وقد أطلقوا بالتالي على بلداتهم أسماء مثل بيت لحم وكنعان الجديدة. وقد أصبح العديد من الأميركيين مع مرور الزمن يؤيدون بحماس فكرة نشوء دولة يهودية.
وقد مضت قرون من المعاناة والتضحيات قبل تحقيق هذا الحلم. إذ عانى الشعب اليهودي ويلات المجازر ومأساة الحرب الكبرى (الحرب العالمية الأولى) وفظائع المحرقة التي أسماها [الكاتب اليهودي الأميركي الشهير إيلي فيزيل "مملكة الليل". وكان أناس لا ضمير لهم قد سلبوا الحياة وفككوا عُرى العائلات لكنهم عجزوا عن مصادرة روح الشعب اليهودي وانتهاك الوعد الإلهي.
стр. 457
عندما انبثقت رسالة قيام دولة إسرائيل لم تملك غولدا مئير (التي أصبحت فيما بعد رئيسة لوزراء إسرائيل) - التي كانت امرأة جسورة ترعرعت في ولاية ويسكونسين الأميركية - دموعها، ثم قالت: "لقد تمنّينا على امتداد ألفَي عام الخلاص وها هو ذا يأتي كبيراً وضخماً وتعجز الكلمات عن التعبير عنه".
غير أن فرحة الاستقلال جُوبهت بالقتال العنيف وهو صراع ما زال ممتداً منذ ستة عقود. لكن إسرائيل تمكنت على الرغم من العنف والتهديدات من إنشاء نظام ديمقراطي مزدهر في قلب الأرض المقدسة. إنكم استوعبتم مهاجرين قدموا من كل حدب وصوب؛ إنكم بنيتم مجتمعاً حراً عصرياً يقوم على محبة الحرية والعدالة وكرامة الإنسان؛ إنكم عملتم دون كلل على دفع السلام قدماً وحاربتم بشجاعة من أجل الحرية.
إن بلادي مُعجبة بإسرائيل غير أن هذا الإعجاب لم يأت من فراغ، إذ إن الأميركيين يرون عندما ينظرون إلى إسرائيل الروح الطلائعية التي صنعت المعجزات في المجال الزراعي وتصنع حالياً معجزة أخرى في المجال التكنولوجي. كما أننا نشهد الجامعات الراقية ودولة رائدة عالمياً في مجالات الأعمال والابتكار والفنون. إننا نشهد مورداً أهم من النفط أو الذهب ألا وهو الموهبة والعزيمة لدى شعب حر لا يسمح لأي عائق باعتراض سبيله نحو تحقيق ما قُدّر له.
لقد حالفني الحظ لأن أشاهد إسرائيل عن كثب وأطّلع على ملامحها: لقد مسستُ حائط المبكى وشاهدت انعكاس أشعة الشمس في بحيرة طبريا وأديت الصلاة في مؤسسة "ياد فشيم" (لتخليد ذكرى المحرقة). وقد زُرت صباح اليوم موقع "متسادا" الذي يخلد ملهمة الجرأة والتضحية. إن الجنود الإسرائيليين يؤدون يمين الولاء في هذا الموقع التأريخي قائلين: إن متسادا لن تسقط ثانية. أيها مواطنو إسرائيل، إن متسادا لن تسقط ثانية إذ إن الولايات المتحدة ستقف دوماً إلى جانبكم.
إن ذكرى (عيد الاستقلال) الحالية تشكل فرصة سانحة للتفكير ملياً في الماضي واستشراف المستقبل. عندما نسير نحو هذا المستقبل يستضيئ تحالفنا
стр. 458
بمبادئ واضحة وإيمان مشترك يقوم على النزاهة الأخلاقية ولا يتأثر باستطلاعات مختلفة للرأي العام وتقلبات مواقف بعض النُخَب الدولية. إننا نؤمن بالقيمة المطلقة لحياة أي رجل وامرأة وطفل وبالتالي نعقد العزم على أن أي شخص في إسرائيل له الحق في ممارسة حياة طبيعية وجيدة ومطمئنة مثل مواطني أي دولة أخرى.
إننا نرى أن النظام الديمقراطي يمثل الطريق الوحيد لضمان حقوق الإنسان ولذلك فإنه من الخزي والعار إقدام الأمم المتحدة على تمرير قرارات روتينية ضد النظام الديمقراطي الأكثر حرية في الشرق الأوسط بداعي انتهاكه لحقوق الإنسان.
إننا نعتقد بأن الحرية الدينية هي من ثوابت المجتمع المتحضر ولذلك ندين بمعاداة اليهود (اللاسامية) بكافة أشكالها سواء لدى أولئك الذين يشككون علناً في حق إسرائيل في الوجود أو لدى آخرين يبحثون سراً عن مبررات لهذا الموقف. كما أننا نرى أن الأحرار عليهم أن يتطلعوا إلى السلام ويستعدون للتضحية من أجله وبالتالي نؤدي التحية للقادة الإسرائيليين على قراراتهم الجريئة.
كما أننا نعتقد بأن أي أمة تملك الحق في الدفاع عن نفسها ولا يجوز إجبارها على التفاوض مع قتلة يصرون على تدميرها.
إننا نظن أن استهداف حياة الأبرياء من أجل تحقيق أهداف سياسية لهو خطأ في أي زمان ومكان. لذلك نقف دوماً ضد الإرهاب والتشدد ولن نتخلى عن يقظتنا ولن نثبط من عزيمتنا على هذا الصعيد. إن مكافحة الإرهاب والتشدد هي التحدي الأبرز في عصرنا. ولا يقتصر الأمر على تصادم الجيوش فحسب بل إنه صدام للرؤى أي صراع عقائدي كبير. ويقف من جهة أولئك الذين يدافعون عن المثل العليا للعدالة والكرامة بدافع قوة العقل والحقيقة، فيما يقف من الجهة الثانية أولئك الذين يعتمدون رؤية محدودة من القسوة والسيطرة تجيز القتل والترهيب ونشر الأكاذيب.
ويتم شن هذا الكفاح بواسطة تقنيات القرن الحادي والعشرين لكنه أساساً صراع بين الخير والشر. ويدّعي القتلة بأنهم خرجوا من عباءة الإسلام لكنهم ليسوا متدينين. إذ لا يمكن لكل من يدعو رب أبراهام أن يضع حزاماً ناسفاً انتحارياً على
стр. 459
طفل بريء أو يفجر ضيوف ليلة النظام في عيد الفصح اليهودي [يقصد الاعتداء الشنيع على فندق "بارك" بنتانيا في ربيع ٢٠٠٢ أو يوجه طائرات إلى عمارات تجارية مليئة بمستخدمين لا يرتابون بشيء [يقصد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر أيلول ٢٠٠١. في حقيقة الأمر لا يخدم الأشخاص الذين ينفذون هذه العمليات الهمجية أي هدف سوى رغبتهم في السلطة. إنهم لا يغلّبون أي أخلاق إلهية على مصالحهم الأنانية، كما أنهم يوجهون الكراهية والبغضاء بالذات إلى أشد المدافعين غيرةً عن الحرية وبضمنهم الأميركيون والإسرائيليون.
ولهذا السبب كان الميثاق التأسيسي لحماس قد دعا إلى القضاء على إسرائيل، ولذلك يردد أتباع حزب الله شعار "الموت لإسرائيل والموت لأميركا"، ومن هذا المنطلق تنص دروس أسامة بن لادن على أن "قتل اليهود والأميركيين هو من أكبر الفرائض"، فيما يحلم الرئيس الإيراني في إعادة الشرق الأوسط إلى القرون الوسطى ويدعو إلى محو إسرائيل عن الخارطة. ثمة أناس أخيار ومهذَّبون لا يسعهم استبطان ظلامية هؤلاء الأشرار مما يحملهم إلى تأويل كلامهم. هذا أمر طبيعي لكنه خاطئ تماماً. إننا - وبصفتنا شهوداً لشر الماضي - نتحمل مسؤولية جليلة لأخذ كلامهم مأخذ الجد. إن اليهود والأميركيين قد شاهدوا تبعات غض الطرف عن كلمات أدلى بها زعماء تأييداً للكراهية، ولا يجوز للعالم أن يكرر هذا الخطأ خلال القرن الحادي والعشرين.
هنالك من يعتقد بوجوب التفاوض مع الإرهابيين والمتشددين وكأن مقارعتهم ببعض الحجج البارعة قد تقنعهم بأنهم كانوا في ضلال مُبين. كنا قد استمعنا إلى هذه الأوهام السخيفة. عندما اجتازت الدبابات النازية حدود بولندا عام ١٩٣٩ صرح أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي آنذاك بما يلي: "يا ربي، لو كان بمقدوري الحديث مع هتلر لربما كنا نتفادى كل هذا المشهد". يجب علينا أن نسمي هذا التوجه بمسمياته الحقيقية أي راحة النفس الخادعة الناتجة عن استرضاء خاطر (الأشرار) والتي كان التأريخ قد أظهر بطلانها مراراً وتكراراً.
ثمة آخرون يعرضون على الولايات المتحدة قطع علاقاتها مع إسرائيل وكأن هذه الخطوة وحدها كفيلة بحل جميع المشاكل في الشرق الأوسط. إن هذه حجة
стр. 460
مستهلكة تصب في دعاية أعداء السلام وترفضها الولايات المتحدة جملة وتفصيلاً. إن عدد سكان إسرائيل يتجاوز قليلاً ٧ ملايين نسمة غير أن تعدادكم يصبح ٣٠٧ مليوناً عندما تواجهون قوى الإرهاب والشر لأن الولايات المتحدة الأميركية تقف إلى جانبكم.
إن الولايات المتحدة تناصركم في سعيكم لضرب الشبكات الإرهابية ورفض إيواء المتشددين. كما أن الولايات المتحدة تقف إلى جانبكم برفضها الشديد للطموحات الإيرانية بالحصول على الأسلحة النووية. إن السماح لأبرز راعٍ للإرهاب العالمي بامتلاك الأسلحة الأشد فتكاً سيكون بمثابة خيانة لا تُغتفر إزاء الأجيال القادمة. ويتعين على العالم حفاظاً على السلام عدم السماح لإيران بالحصول على السلاح النووي. ومن المتطلبات الأساسية لتحقيق الانتصار في هذه المعركة ضرورة طرح بديل عن العقائد المتشددة من خلال توسيع رؤيتنا الخاصة بالعدل والتسامح والحرية والأمل. إن هذه القيم هي حق لا يحتاج إلى أي مبرر لدى جميع الشعوب والأديان في كافة أنحاء العالم كونها هدية من الله . كما أن حماية هذه الحقوق هي أفضل طريق لحماية السلام. إن الزعماء الذين يمكن لشعوبهم محاسبتهم لن يبحثوا عن المواجهة الدائمة وسفك الدماء؛ إن الشبان الذين تُحفظ لهم مكانتهم في المجتمع وتُسمع أصواتهم حول مستقبلهم سيفتر حماسهم للبحث عن مغزى حياتهم بالعقيدة المتشددة؛ إن المجتمعات حيث يتسنى للمواطنين التعبير عن ضمائرهم وعبادة ربهم لن تصدّر العنف بل ستكون شريكة للسلام.
إن أهم العِبر المستفادة من القرن العشرين هي تلك البصيرة الأساسية القاضية بأن الحرية تفضي إلى السلام. وتنحصر مهمتنا الحالية بتطبيق هذه العبرة في القرن الحادي والعشرين. وما من مكان آخر على وجه الأرض حيث يكون العمل على إنجاز ذلك أشد ضرورة وعجالة من الشرق الأوسط. ينبغي علينا مناصرة الإصلاحيين العاملين على تحطيم الأنماط القديمة من الطغيان واليأس؛ يتحتم علينا منح الملايين من عوام الشعب الذين يحلمون في حياة أفضل في مجتمع حر فرصة إسماع أصواتهم؛ يتعين علينا مجابهة النسبية الأخلاقية التي تقبل بدرجة متساوية جميع أشكال الحكم وتحكُم بالتالي على مجتمعات بأكملها بالرق والعبودية؛
стр. 461
أما ما هو أهم من ذلك كله فهو ضرورة إيماننا بقيمنا وثقتنا بأنفسنا وسعينا اليقيني لتوسيع الحريات باعتبارها المسار المؤدي إلى مستقبل سلمي.
إن هذا المستقبل سيختلف بصورة دراماتيكية عن الواقع الحالي السائد في الشرق الأوسط. وبالتالي، وتزامناً مع إحيائنا الذكرى الستين لتأسيس إسرائيل، دَعُونا نحاول تصور ملامح المنطقة بعد ٦٠ عاماً من الآن. إن هذه الرؤية لن تتحقق بسهولة أو بين ليلة وضحاها بل ستواجه مقاومة عنيفة، غير أنه يمكننا استشراف ملامح الشرق الأوسط مستقبلاً إذا ما كنّا نحن والرؤساء [الأميركيون] القادمون ومجالس الكنيست المقبلة سنبقى مصممين وواثقين من مثلنا العليا، لتكون كما يلي:
ستحتفل إسرائيل بعيد استقلالها المئة والعشرين وقد أصبحت من أعظم النظم الديمقراطية في العالم، وطن قومي آمن ومزدهر للشعب اليهودي. وسيتمتع الشعب الفلسطيني بوطن لطالما حلم فيه واستحقه لتكون لديه دولة ديمقراطية يسودها القانون واحترام حقوق الإنسان ورفض الإرهاب. وسيعيش الناس انطلاقاً من القاهرة وصولاً إلى الرياض وبغداد وبيروت في مجتمعات حرة ومستقلة حيث تعزَّز التطلعات إلى السلام بالروابط الدبلوماسية والسياحة والتجارة. وستكون إيران وسوريا دولتين مسالمتين وسيغدو الطغيان الحالي ذاكرة بعيدة فيما يستطيع الناس التعبير بحرية عن آرائهم وتنمية المواهب التي منحهم إياها الله. وستُهزم القاعدة وحزب الله وحماس في الوقت الذي سيدرك فيه المسلمون في المنطقة بأسرها فراغ رؤية الإرهابيين والظلم الذي تنطوي عليه قضيتهم.
وسيتسم الشرق الأوسط إجمالاً بعصر جديد من التسامح والتكامل. ولا يعني ذلك أن إسرائيل وجيرانها سيكونون أفضل الأصدقاء، غير أن إسرائيل ستفتح صفحة جديدة مفعمة بالآمال عندما سيكون زعماء المنطقة ملزمين بالتجاوب مع شعوبهم ويبذلون جل طاقاتهم في بناء المدارس وتوفير فرص العمل وليس في الهجمات الصاروخية والتفجيرات الانتحارية. وبالتالي سيتسنى للشعب في إسرائيل
стр. 462
ممارسة حياة طبيعية وسيتم تطبيق حلم هرتصل ومؤسسي الدولة عام ١٩٤٨ في نهاية المطاف.
إنها رؤية جريئة وقد يقول البعض إنها لن تكون أبداً قابلة للتحقيق. ولكن فكِّروا بما كنا قد شهدناه في عصرنا: عندما كادت أوروبا تقضي على نفسها في حرب شمولية وعمليات إبادة للشعوب كان من الصعوبة بمكان تصور قارة تنعم بعد مضي ستة عقود بالحرية والسلام؛ عندما قام طيارون يابانيون [خلال الحرب العالمية الثانية] بمهمات انتحارية تستهدف السفن الحربية الأميركية كان من المستحيل أن نتصور تحوّل اليابان بعد ستة عقود إلى نظام ديمقراطي ودعامة رئيسية للأمن في آسيا وأحد أقرب أصدقاء الولايات المتحدة؛ وعندما وصلت موجات من اللاجئين المعدمين إلى هنا حيث توجد صحراء محاطة بجيوش معادية كان من شبه المستحيل تصور تنامي إسرائيل وتحولها إلى إحدى الدول الأكبر نجاحاً وحرية على وجه البسيطة.
غير أن جميع هذه التحولات قد حدثت بالفعل. ولذلك من الممكن إحداث تحول مستقبلي في الشرق الأوسط ما دام الجيل الجديد من القيادات يملك الجرأة على دحر أعداء الحرية والإقدام على القرارات الصعبة المطلوبة لإحلال السلام والاستناد بحزم على صخرة القيم العالمية المتينة.
قبل ستين عاماً، عشية استقلال إسرائيل، توقفت عند عمارة في الحي اليهودي من البلدة القديمة في أورشليم القدس مجموعة من آخر الجنود البريطانيين لدى مغادرتهم المدينة. وطرق أحد الضباط الباب وقابل أحد الحاخامات الكبار. وقد أهدى الضابط إليه قطعة حديدية قصيرة - مفتاح باب صهيون - قائلاً إنها المرة الأولى منذ ثمانية عشر قرناً حيث يملك يهودي أحد مفاتيح أبواب أورشليم القدس. وعندها دعا الحاخام رب العالمين شاكراً إياه على أنه "بعث فينا روح الحياة وسمح لنا بالوصول إلى هذا اليوم"، ثم استدار نحو الضابط ولفظ الكلمات التي طالما انتظرها اليهود: "إنني أتقبل هذا المفتاح باسم أبناء شعبي".
стр. 463
وقد تمكن الشعب اليهودي على مدى العقود الستة الماضية من إنشاء دولة كان ذلك الحاخام المتواضع سيتفاخر بها. إنكم بنيتم مجتمعاً عصرياً في أرض الميعاد. إنكم أصبحتم منارة للشعوب التي تحافظ على تراث إبراهام ويتسحاق ويعقوب، وإنكم أقمتم صرحاً ديمقراطياً عظيماً سيبقى إلى الأبد وسوف يمكنكم دوماً الاعتماد على وقوف الولايات المتحدة الأميركية إلى جانبكم.
بارك الله فيكم (١).
بوش والمسلمين
في مقابل هذه المواقف السابقة للرئيس بوش من اليهود، نجد مواقفه من المسلمين على النقيض. فمن سخريات القدر أنه بالرغم من أن الرئيس (بوش) مدين للمسلمين في أمريكيا بوصوله للحكم ـ حيث أعطوه ٧٠% من أصواتهم، في حين أعطى اليهود أصواتهم للمرشح الديمقراطي (آل جور) ونائبه اليهودي (ليبرمان) ـ ولكن بالرغم من ذلك قلب بوش ظهر المجن للمسلمين، وتعرض المسلمون في أمريكيا، وفي العالم لأسوأ حملة إرهاب وتعصب وملاحقة في تاريخهم، بسبب حملة التضليل والتزييف التي قادتها إدارته الجمهورية اليمينية المتطرفة ضد المسلمين، فبعد أحداث١١ سبتمبر في نيويورك، دعا الواعظ الأصولي (بات روبرتسون) أتباعه للصلاة "كي يمنع الرب انتشار الإسلام في أمريكا" كما قال: إن الإسلام دين تخلف ورق وعبودية، وأضاف: إن العالم الإسلامي مرتع لعمل الشيطان.
وهذا الكلام الذي قاله (روبرتسون) لا يختلف كثيراً عما قاله ويؤمن به الرئيس بوش، الذي تأثر كثيرا بأفكار القس جراهام وأصبح واحداً من مريديه المقربين وكان يبدو مقتنعاً بما يردده (جراهام) من أن المسلمين، هم الذين يشكلون الخطر الأكبر على عودة المسيح إلى الأرض، وإن هؤلاء المسلمين لا يتبعون ملة دينية، وإنما يتبعون رجلاً اسمه محمد .. الخ. وكان يقول له دائماً: إن المسيحية تعرضت للكثير من التغيير والتبديل على يد المسيحيين، الذين أرادوا تحويلها لمنافع
стр. 464
شخصية لهم، وقد آمن بوش بهذه الأفكار، وراح يرددها أمام زوجته والمقربين منه، وكان يقول لها: المسلمون ليسوا أصحاب ديانة والمسيحيون أصحاب ديانة، تعرضت للتغيير، والرب غاضب على هذا العالم الذي غير دينه.
وبالرغم من أن الرئيس بوش اضطر لأسباب دعائية إلى وصف الإسلام على أنه (دين سلام)، خلال زيارته للمركز الإسلامي بواشنطن في ١٧ سبتمبر٢٠٠١م، إلا أن هذه التصريحات أثارت عاصفة من النقد في أوساط اليمين المتدين، إلى حد قول أحد رجال الدين: "يمكننا أن نتحمل ١١ سبتمبر، ولكن لا يمكننا أن نتحمل ١٧ سبتمبر". كما وقف قادة اليمين المتدين موقفاً أكثر تشدداً تجاه الإسلام والمسلمين بعد أحداث سبتمبر، عبر عنه (فرانكلين جرام) ـ الذي ألقى دعاء افتتاح حفل تنصيب (جورج دبليو)، وذلك خلال مقابلة أجرتها معه قناة NBC الأميركية في ١٦ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠٠١م إذ قال: "لا أعتقد أن هذا (الإسلام) دين رائع ومسالم .. عندما تقرأ القرآن فإنه يدعو لقتل الكفار وغير المسلمين .. من قاموا بالطيران في أبنية ليسوا طائفة مسيحية (ما) .. الهجوم كان على بلدنا من قبل أعضاء بالديانة الإسلامية" (١).
وقد سار بوش على خطى معلمه في موقفه من الإسلام، حيث كان يرى في الإسلام انه دجل ديني، وأن المتخلفين والمتعصبين هم الذين يحركون الناس نحو هذا الإسلام، وقد دفعت هذه القناعة (جورج بوش) إلى الاقتناع الكامل بمقولات القس (جراهام) وابنه (فرانكلين) الذين أصبحا فيما بعد من أعز أصدقاء بوش، وكذلك رفيقه في كل خطواته الدينية والسياسية. وقد استطاع القس (جراهام) إقناع (بوش) بالانضمام إلى طائفة (الميثوديث) المعبرة عن التحالف الصهيوني المسيحي. وقد سار بوش مع هذه الطائفة حتى صار أحد أعمدتها الأساسية (٢). وفي البداية كان (جورج بوش) يريد أن يكون داعية للميثوديت في البلدان الإسلامية والعربية، إلا أن (جراهام) و (فرانكلين) أقنعاه بأن المهمة الأولى هي تطهير المسيحية والرجوع إلى أصولها الأولى، بينما كان بوش يخالفهم، ويرى أهمية القضاء على
стр. 465
المسلمين أولاً قبل التفكير في إصلاح أحوال المسيحيين، ولهذا فان من كتبه المفضلة التي يقرأها يومياً في البيت الأبيض ـ طبقا لنيوزويك ـ كتاب للقسيس (أوزوالد شامبرز) الذي مات في مصر عام ١٩١٧م وهو يعظ الجنود البريطانيين والأستراليين هناك، بالزحف على القدس وانتزاعها من المسلمين. كما أن بوش كان ينفي دائماً في جلساته مسألة الوجود الديني للإسلام وكان يقر بأن المسيحية الحقه ستنتصر في النهاية.
وهذا التعصب الأعمى والحقد على الإسلام له جذور عميقة في عائلة بوش حيث أن الجد الأكبر لبوش الابن (١٧٩٦ـ١٨٥٩م) ألف كتاباً عن حياة محمد ﷺ ونشره في سنة ١٨٣١م ووصف فيه المسلمين أبشع الصفات، وشتم فيه محمداً ﷺ . ولذلك يعد الكتاب من أشنع وأقذر ما كتب في الولايات المتحدة عن العرب والمسلمين، والنبي محمد ﷺ . والكتاب موجود في مكتبة الكونجرس، ويحظر على أي ما كان الاستعانة به إلا عدد قليل ومحدود من المسئولين الأمريكيين. كما أن لجورج بوش الجد عشرات الكتب في شرح العهد القديم، ويعتبر كتابه المسمى (وادي الرؤى) عمل إحياء لرميم إسرائيل، وهو يذاع في أبرز المحطات الصهيونية الأمريكية الداعية إلى ضرورة العمل من أجل تجميع يهود العالم في فلسطين، وتدمير وسحق إمبراطورية (السارزان)، وهذه التسمية كانت تطلق على العرب والمسلمين إبان الحروب الصليبية في العصور الوسطى، وكان يطلقها الرومان على بعض رعاياهم وعبيدهم تحقيراً لهم. يقول (بوش الجد) في كتابه: "ما لم يتم تدمير إمبراطورية السارزان ـ المسلمين ـ فلن يتمجد الرب بعودة اليهود إلى وطن آبائهم وأجدادهم"، وهذا القول مقتبس من كتاب حياة محمد لجورج بوش (الجد الأكبر) لبوش الابن، وهذا الكتاب هدى الكثيرين لفكر (جورج بوش الابن) وأبيه قبل ذلك (١).
стр. 466
بوش والحرب الصليبية
بعد أن عرضنا للخلفية الدينية المتطرفة للرئيس بوش، فإن ما يهمنا هنا بالدرجة الأولى، هو التعبير السياسي لها، والذي تجلى بعد أحداث ١١ سبتمبر، في ذلك الخطاب الديني المتطرف، الذي يشبه إلى حد كبير الخطاب الديني، الذي كان سائداً إبان الإمبراطورية الرومانية، وتكفي عودة سريعة في هذا الصدد إلى جملة خطابات وتصريحات الرئيس بوش، التي أعقبت أحداث سبتمبر، للتيقن التام من ذلك، فعبارات الحرب العادلة والحرب الصليبية، (وهي العبارة التي نطق بها الرئيس بوش) ثم عاد فلحسها تحت وطأة المخاوف التي أبدتها بعض أوساط النخبة الأمريكية الحاكمة من عواقبها، فضلاً عن تقسيم العالم إلى معسكر خير وآخر للشر، تتقاطع كلياً مع تخريجات السلطة الدينية الكنسية، في عصر الإمبراطورية الرومانية التي ابتدعتها لإسعاف القيادة السياسية في الإمبراطورية، من تحقيق أهدافها الاستعمارية على بلدان المعمورة قاطبة. فالخطاب هو الخطاب، واللغة هي اللغة، والمفردات هي المفردات، لا يكاد يفرقها عن بعضها بعضاً سوى الزمن والمكان اللذين صيغت وخطت وقيلت فيهما، والشخوص الذين صاغوها وخطوها ونطقوا بها، فهل نقول ما أشبه الليلة بالبارحة؟ يبدو أن الأمر كذلك .. أو ليس التاريخ في بعض فصوله، يعيد إنتاج نفسه مرة بصورة مأساوية، وأخرى بصورة تراجيدية (١).
نعم إن التاريخ يعيد نفسه، ولكن هذه المرة ليس بناء علي تخريجات سلطه كنسية، بل بناء علي رغبة جماعات مسيحية يمينية متطرفة، استطاعت السيطرة على مقاليد الحكم في أمريكيا، وتمكنت من الدفع بقيادة سياسية متطرفة إلي البيت الأبيض، ممثلة بجورج بوش الابن، الذي فاق سابقيه جميعاً في تأثره بالتخريجات اللاهوتية لسياسته، والتي كان أشهرها عبارة (الحرب الصليبية) التي وصف بها حربه على أفغانستان، حيث حاول البعض التقليل من شأنها، واعتبارها زلة لسان، متغافلين عن الكم الهائل من التعبيرات الدينية التي زخر بها خطابه السياسي.
فما يصدر عن رئيس اكبر دوله في العالم لا يمكن أن يكون زلة لسان، بل انه يعنى ما يقول حرفياً، ويبدو إن هذه كانت زلة لسان على النمط الفرويدي لا زلة لغة،
стр. 467
وان بوش يضمر في الحقيقة ما يعلنه بات روبنسون وغيره من قساوسة الأصوليات المسيحية الأمريكية المتطرفة، حيث إن ما كان يطمح إليه هؤلاء على الدوام ـ بحسب القس فريتس - هو "قائد على منوال شخصية داود الإنجيلية، يوحد مطامحهم السياسية مع رؤاهم الدينية". وكل المؤشرات تدل على إيمانهم بأنهم وجدوا هذا القائد اليوم في شخص الرئيس بوش. يقول (دانا ميلباك) في جريدة واشنطن بوست: "أن بوش توصل إلى الاستنتاج بأن قيادته لأمريكا بعد أحداث ١١ سبتمبر كانت مسألة قدر .. كانت إرادة الله" (١). ويقول المقربون منه إن هجمات ١١ سبتمبر لم تعطه معنى لرئاسته فقط، بل منحته مهمة ورسالة في الحياة. فبوش يعتبر قيادته لأمريكا بعد ١١ سبتمبر أمراً إلهياً واختياراً ربانياً" (٢). وربما كانت هذه الجبرية الدينية هي مصدر ما وصفه البعض بـ (التفاؤل الساذج) الذي يطبع خطاب بوش وقراراته، حتى أن أصدقاءه يأخذون عليه ذلك.
فبوش الابن الذي يفتخر بأنه لا يقرأ الكتب، ويسمى الإغريق بـ (الاغارقه) والذي تلعثم طويلاً، ولم يعرف في المناظرة التلفزيونية التي سبقت انتخابه اسم الحاكم العسكري لباكستان، لا يثير إعجابه، ولا يؤثر فيه، إلا كتاب واحد هو التوراة. وحينما سأل الصحفي الشهير (جيم لهرر) جورج بوش أثناء مناظرة تلفزيونية مع (آل غور) عن برنامجه اليومي، رد بوش بأنه يبدأ يومه بقراءة في الكتاب المقدس، وإطعام كلبه، وإعداد القهوة لزوجته. كما صرح مراراً بأن المسيح هو مثاله السياسي. وهذه مظاهر جديدة على السياسة الداخلية الأميركية، كما لاحظ البروفيسور (جون أسبوزيتو) مدير مركز التفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة (جورج تاون)، في كتابه الجديد (الحرب غير المقدسة) (٣).
стр. 468
بوش يركب الزوبعة ويوجهه العاصفة
قال سانت بوش الابن في خطاب القسم يوم ٢١ يناير عام ٢٠٠١م: "بوسع ملاك أن يركب الزوبعة وأن يوجه هذه العاصفة". وحسب تحليل هوارد فاينمان، فإن هذه العبارة مأخوذة من كتابي أيوب وحزقيال، فالزوبعة ترمز إلى صوت الرب!. يقول حزيقيال: "أوحى الرب إلى حزيقيال الكاهن ابن بوزي عند جوار نهر خابور، في ديار الكلدانيين، إذ كانت على يد الرب، فابصرت ريحاً عاصفة تهب من الشمال مصحوبة بسحابة هائلة، ونار متواصلة متوهجة بهالة حيطة من الضياء، ومن وسطها يتألق مثل النحاس اللامع البارق من وسط النار، ومن داخلها بدا شبهه أربعة كائنات حية تماثل في صورها شبه إنسان، وكان لكل واحد منها أربعة أوجه، وأربعة أجنحة" (سفر حزقيال).
موت الشرير
كم مره ينطفئ مصباح الأشرار؟ وكم تتوالى عليهم النكبات، إذ يقسم لهم نصيباً في غضبه؟ يصبحون كالتبن في وجه الريح، وكالعاصفة التي تطوح بها الزوبعة. أنتم تقولون: إن الله يذخر إثم الشرير لأبنائه، لا! إنه ينزل العقاب بالأثيم نفسه، فيعلم. فليشهد هلاكه بعينه، وليجرع غصص غضب القدير. إذ ما بغيته من بيته بعد فنائه، وقد بتر عدد شهور حياته (سفر أيوب).
كما قال الرئيس (المؤمن) (بوش) في ذكرى أحداث سبتمبر ٢٠٠١م: إن النور يضئ في الظلمة والظلمة لن تهزمه". وحسب المرجعية التي وضعها السيد (فاينمان) لهذه العبارة، فهي إشارة إلي إنجيل يوحنا، ومأخوذة من كتب اليهود المقدسة حول مجيء المسيح! وعلينا أن نصدق بأن البيت الأبيض محفوف بالملائكة، وأن الرئيس قديس يتخفى في جلد نيرون! (١). http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٣/٤/ - TOP
إعلان الحرب من كاتدرائية
إمعاناً في إضفاء المعاني الدينية على سياسته، وإحاطتها بهالة من القداسة، وكأن ما يقوم به ما هو إلا تنفيذاً لإرادة إلهية، عمد الرئيس بوش إلى اللجوء إلى
стр. 469
الكنيسة لإعلان حربه المقدسة على الارهاب. ففي ١٣ سبتمبر ٢٠٠١م جرى تنظيم قداس لا مثيل له في الكاتدرائية الوطنية، وصلى فيها الرئيس بوش وعقيلته، وأربعة رؤساء سابقين ... وجميع الشيوخ والنواب تقريباً. وترأس كاردينال وحاخام وأمام (شيخ) بدورهم هذه الصلاة، وكان إنجيلي التلفزة الأكثر شهره في العالم، القس (بيلى غراهام)، الذي قام بهداية (جورج دبيليو بوش) نفسه قبل خمس عشرة سنه خلت، قد ألقى عظته التي دعا خلالها إلى إعادة البناء على أسس راسخة تقوم على الإيمان بالرب.
وبعد هذه العظة، صعد الرئيس (بوش) إلى المنبر، وقدم بدوره عظة كان مستشاره التوراتى الأصولي (مايكل جرسون)، قد أعدها له حيث قال: "إن مسئوليتنا تجاه التاريخ جلية ... علينا أن نرد على هذه الاعتداءات، ونحرر العالم من الشر" (١) ... وقد اتسمت هذه العظة بنبرتها الدينية، حيث علقت صحيفة واشنطن بوست عليها، قائلة: منذ تحول مذهب المحافظة الديني إلى حركة سياسية، يتولى رئيس الولايات المتحدة، لأول مره، زعامتها فعلاً ـ وهى زعامة لم يحظ بها قط (رولاند ريغان) نفسه، رغم ما أحاط به المحافظون الدينيون من رعاية. فقد أظهرت المجلات المسيحية والإذاعات والتلفزيونات الرئيس بوش وهو يصلى، بينما كان الخطباء الوعاظ يصفون زعامته بأنها نعمة من عند الرب. وقد شهد موكب من القادة الروحيين ممن إلتقوه على إيمانه، وشجعت بعض مواقع (الويب) الناس على الصوم والصلاة من أجل الرئيس (٢).
وفي الرابع عشر من سبتمبر، التزمت الدول الثلاث والأربعون المنتمية للمجلس الأوربي ودول أخرى، بالوقوف ثلاث دقائق صمت، تحية لذكرى ضحايا الاعتداءات، تلبية لدعوة الرئيس بوش، حيث لم يكن لهجوم مماثل على أي بلد آخر، أن يطلق مثل هذا القدر المتدفق من العواطف، و بدا وكأن العالم كله قد شعر بفقدان البراءة مثل الأمريكيين تماماً (٣). وكتب (جون ماري كولمباني) عموداً شهيراً
стр. 470
بعنوان (نحن كلنا أميركيون) في لوموند بتاريخ ١٢ سبتمبر ٢٠٠١م تضامناً مع الأميركيين عقب تفجيرات ١١ سبتمبر، وأثار هذا العمود ردود فعل في فرنسا، إذ رأى فيه البعض مبالغة وانسياقاً وراء الإدارة الأميركية (١)، التي أضفت، بتحريكها الشعور الديني، طابعاً من القدسية على ضحايا الاعتداءات، وعلى روايتها للأحداث على حد سواء، وغدا بعد ذلك كل طعن بصحة الرواية الرسمية، في العالم أجمع، بمثابة اختراق للقدسيات.
وهكذا عبر الجميع عن قبولهم الضمني بزعامة أصولي ملهم، يعلن عن عزمه على تولى قيادتهم في معركة هائلة ضد الشر، مما يعني أن جنون إنجيلي التلفزة، الصوفي السياسي أصبح معدياً! وإلا فلا يمكن تفسير هذا الاندفاع الورع، لا بالصدمة النفسية ولا بالاحترام الذي نكنه للأموات. فبالرغم من أن الولايات المتحدة كانت في الأصل تيواقراطية أسسها عدد من المطهريين الفارين من تعصب التاج البريطاني، إلا أن ذلك لا يعنى أن تصبح أمه متزمتة، يحل فيها انجيليو التلفزة محل الاستراتيجيين العسكريين. فلا وجود على كل حال، لأي سابقة تاريخية تلا فيها رئيس أمريكي إعلان الحرب من داخل كاتدرائية (٢)، مما يعني أن لحظة الصلاة تلك شكلت نقطة تحول تاريخي، حيث كتبت واشنطن بوست تقول: إن الولايات المتحدة دخلت الحرب حينما دوى النشيد الوطني في أجواء الكاتدرائية. تلك هي ملاحظة يمكن توسيعها، والقول بأن العالم قد دخل الحرب باشتراكه في الجنازة الأمريكية.
стр. 471
الفصل الرابع
أفغانستان .. بدايتها جهاد .. ونهايتها إرهاب
إعداد المسرح .. !
لمعرفة طبيعة الحملة التي شنتها أمريكا على أفغانستان، لابد من إلقاء الضوء على خلفية هذه الحملة، والمقدمات التي أوصلت إليها، ابتداء بالغزو السوفيتي لأفغانستان، ومروراً بحركة الجهاد ضده، ووصولاً بطالبان والقاعدة، واحتلال أفغانستان من قبل القوات الأمريكية. ففي سنة ١٩٧٩م أقدم الاتحاد السوفيتي السابق على غزو أفغانستان واحتلالها. وخوفاً من انتشار النفوذ الشيوعي، مدت الولايات المتحدة يد المساعدة في تنظيم وتسليح المجاهدين، مقاتلي الإسلام في سبيل الله، الذين كانوا سيخوضون حرباً مقدسة ضد الجيوش الشيوعية السوفيتية، التي لا تعرف الله، فيلحقوا بها الهزيمة بعون الله، والأموال الأمريكية وصواريخ ستنغر (١)، حيث تقول الحقائق المتوفرة أن كل ما تم في أفغانستان منذ استيلاء الشيوعيون عليها وحتى الآن، كان مخططاً أمريكياً من الألف إلى الياء، والقصة نعرضها كما هي وكما أوردها الأستاذ (محمد حسنين هيكل) في كتابه من نيويورك إلى كابول، على لسان (بريجنسكى) مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس (كارتر).
يقول هيكل: "في الساعة الثانية من صباح يوم ٢٧ ديسمبر ١٩٧٩م انعقد مجلس الأمن القومي بحضور الرئيس كارتر، لبحث الدخول العسكري السوفيثى في أفغانستان، ولاستعراض الخيارات المفتوحة أمام الولايات المتحدة للرد عليه. حيث انتهت مداولات مجلس الأمن القومي الأمريكي برئاسة (جيمي كارتر) صباح ٢٧ ديسمبر ١٩٧٩م بتوجيه رئاسي، يقضي بأن يتوجه مستشار رئيس الآمن القومي (رنجنيو برجينسكي) إلى منطقة الشرق الأوسط بادئاً بالقاهرة، لمقابلة الرئيس (أنور السادات) والبحث معه في تنظيم جهد إسلامي شامل يساند المقاومة الإسلامية الأفغانية، في مواجهتها لجيش الاحتلال السوفيتي، ثم يتوجه مستشار
стр. 472
الأمن القومي بعد القاهرة إلى الرياض، لمقابلة الملك خالد، وولي العهد الأمير فهد، ووزير الدفاع الأمير سلطان، ويجري معهم محادثات تضمن حشد موارد السعودية ونفوذها لقيادة جهاد إسلامي ضد الشيوعية في أفغانستان، وإذا نجح (برجينسكي) في مهمته مع الرئيس السادات، فإنه يستطيع أن ينقل إلى القادة السعوديين ما يطمئنهم إلى أنهم ليسوا وحدهم في ساحة الجهاد. وأخيراً يتوجه مستشار الأمن القومي إلى باكستان ليقوي موقف الحكومة فيها بموارد السعودية ونفوذها، وبثقل مصر ووسائلها، وحتى تثق هذه الحكومة في إسلام أباد أنها سوف تكون وسط عمل إسلامي يلتف فيه من حولها، ويجمع على أرضها قوى الإسلام وإمكانياتها. وكان ذلك حلم باكستان، الذي بدأ بعيد المنال والآن أصبح في متناول اليد.
ويضيف هيكل: وطوال الأسبوع الأول من شهر يناير ١٩٨٠م كان (زنجينيو برجنسكي) مستشار الرئيس (جيمي كارتر) للآمن القومي في زيارة سرية ممتدة للشرق الأوسط. ففي يوم ٣ يناير قابل الرئيس (أنور السادات) لمدة ثلاث ساعات ونصف الساعة، وفي اليوم التالي ٤ يناير كان في جدة يقابل الأمير فهد والأمير سلطان، ويوم ٥ يناير وصل (برجنسكي) إلى إسلام أباد، ليرتب الأرضية للجهاد باسم الإسلام ضد الإلحاد (١).
وبالرغم من هذا التحرك الأمريكي لتجنيد دول إسلامية للجهاد ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، إلا أن المؤامرة الأمريكية كانت سابقة على الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، وبالذات بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، حيث تلقت المخابرات الأمريكية تكليفاً من د. بريجنسكي مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي، بتحضير وإعداد دراسة شاملة حول الحركات الإسلامية في جميع أنحاء العالم العربي .. حتى تعرف الإدارة الأمريكية أفضل الأساليب للتعامل معها، حتى لا تتكرر مفاجأة الثورة الإسلامية في إيران (٢).
стр. 473
بريجنسكى يكشف المستور
كشف بريجنسكي أخيراً عن تفاصيل أكبر لحقيقة الحرب في أفغانستان، وكيف أنها بدأت حتى قبل الاحتلال السوفيتي. وقد كشف عن ذلك في سياق الحقائق، التي تكشف أخيراً، أن (برجنسكي) كان يتستر عليها بأستار سميكة من الغموض، ولكنه أخيراً فتح خزائن ذاكرته وأوراقه، واعترف في حديث طويل مع المجلة الفرنسية (لا توفيل أوبسرفاتور) (١) اعترافاً كاملاً وافياً، وقد جرى الحديث بالنص التالي:
سؤال: إن المدير السابق لوكالة المخابرات الأمريكية (روبرت جيتس)، كتب في مذكراته، التي صدرت أخيراً بعنوان (من الظلال) أن المخابرات الأمريكية بدأت تساعد المجاهدين في أفغانستان بشكل مكثف، قبل ستة شهور من دخول الجيش السوفيتي إلى ذلك البلد، وقد كنت أنت في تلك الأيام مستشاراً للأمن القومي، لرئيس الولايات المتحدة، معنى ذلك أنك تعرف، وأنه كان لك دور، فهل ما ذكره جيتس صحيح؟.
برجينسكي: ليس بالضبط .. نحن لم نقم بـ زق الروس حتى يتدخلوا، ولكننا عارفين بما نفعل .. رفعنا درجة احتمال تدخلهم.
سؤال: هل معنى ذلك أن الروس كانوا على حق في تبرير دخولهم في أفغانستان على أساس أنهم اضطروا لمواجهة عملية سرية تقوم بها الولايات المتحدة ضدهم؟ كانوا يقولون ذلك ولم يكن أحد يصدقهم، والآن يظهر أن فيما قالوه شيئاً من الحقيقة. ذلك أمر يدعو إلى الأسف.
стр. 474
برجنسكي: الأسف على ماذا؟ إن العملية السرية التي قمنا بها كانت فكرة رائعة، لقد أدت إلى دخول السوفيت في فخ تمنينا أن يدخلوا في مثله .. وقد دخلوا .. فهل تريدون أن أقول لكم أنني آسف على مخطط وضعناه ونفذناه ونجح بامتياز؟ (١).
سؤال: هل تعرف أن ذلك معناه أنكم أعطيتم السلاح للإرهابيين، الذين أصبحوا أعداء لكم؟ ... إنكم خلقتم بذلك صورة الإسلام الإرهابي.
برجنسكي: أيهما أفضل للغرب انهيار الاتحاد السوفيتي، أو ممارسة الإرهاب بواسطة بعض الجماعات الإسلامية؟ أيهما أخطر على الغرب طالبان أو الاتحاد السوفيتي؟ (٢).
وجواب بريجنسكي واضح، حيث كانت هزيمة السوفييت بالنسبة للأمريكيين أهم، مما قد تشكله الجماعات الإسلامية من خطر. فهي من ناحية، إثباتاً وتبريراً لعقيدة ريغان المتمثلة بتشجيع المقاومة المسلحة للأنظمة الشيوعية، وإذلالاً مؤكداً للسوفييت مقارنة مع ما عاناه الأمريكيون في فيتنام، ومن ناحية أخرى كان لهزيمة السوفييت في أفغانستان عواقبها، التي انتشرت في المجتمع السوفييتي ومؤسساته السياسية، وساهمت بشكل عظيم في تفكك وانهيار الإمبراطورية السوفييتية. فقد هزم السوفييت في نهاية المطاف بسبب ثلاثة عوامل، حيث لم يستطيعوا أن يجاروا بشكل فعال ـ أو علي الأقل يتعادلوا مع تقنية الحرب الأمريكية، ولا أن يواجهوها. أما السبب الثاني فكان الأموال السعودية، بينما تمثل السبب الثالث في الأعداد الضخمة من المسلمين وحماسهم للقتال (٣).
يقول بريجنسكي: "يوم تدخل الروس بجيشهم في أفغانستان كتبت للرئيس كارتر مذكرة قلت له فيها: إن أمامنا الفرصة الآن لكي نجعل الاتحاد السوفيتي يذوقون مرارة الكأس التي شربناه في فيتنام. والحقيقة أننا ولمدة عشر سنوات، جعلنا الروس ينزفون دماً ولا ينزفون جهداً فقط، فهم حين دخلوا أضروا باقتصادهم
стр. 475
وأرهقوا سلاحهم وأضعفوا معنويات جنودهم، وأضروا بهيبتهم، وذلك أدى في النهاية إلى تمزق الإمبراطورية السوفيتية" (١).
ويوضح الأستاذ محمد حسنين هيكل الأمر أكثر، بقوله: "فالعملية كما اتضح الآن، كان وراءها أكثر مما ظهر منها، لأن الجهاد الإسلامي الذي أعلن ضد الاتحاد السوفيتي لم يكن رد فعل طبيعياً لدخول الجيش السوفيتي، وإنما كان خطوة وسط في سياق جرى قبلها واستمر بعدها. كانت الخطوة الأولى قراراً أمريكيا بإزعاج السوفيت في جمهورياتهم الجنوبية، من قواعد في أفغانستان، حيث أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، بدأت التحريض ضد الاتحاد السوفييتي باسم الإسلام ومن وراء حدود أفغانستان، بينما النظام الملكي يحكم في كابول، والعرش عليه الملك (ظاهر شاه) والسلطة الحقيقية في يد ابن عمه، ورئيس وزرائه السردار داود خان. وقد أدى التحريض إلى قلاقل أوصلت إلى عزل الملك (ظاهر شاه) وجاءت بـ (داود خان) لرئاسة الدولة في محاولة لتهدئة التحريض ولم تنجح" (٢).
هذه هي قصه الحملة الأمريكية في أفغانستان، وقصة ما سمي بالجهاد الإسلامي، وما أفرزه من تنظيمات وجماعات إسلامية كان على رأسها تنظيم القاعدة، الذي أصبح بقدرة قادر العدو الأول لأمريكا. ففي حين أن العدو الحقيقي للعرب والمسلمين كان الاغتصاب الإسرائيلي في فلسطين، فإن العمل العربي والإسلامي ذهب للجهاد في أفغانستان مقاتلاً ضد الإلحاد المادي، الذي دخل من بوابات (كابول)، وكانت الخطط الأمريكية محكمة، والإشراف الباكستاني حازماً يشرف عليه رئيس المخابرات العسكرية الباكستانية الجنرال (حميد غول)، والتمويل الخليجي سخياً، وحشد السلاح وتجنيد المتطوعين شديد الهمة والعزم. وتقول كافة الشواهد أن شباباً عربياً مسلماً أضاع نفسه وهدفه وحياته في حرب لا معنى لها، ضد طرف لم تثبت عداوته للعرب ولا للمسلمين، لكنه اتهم بالإلحاد واختص بالعقاب، رغم وجود كثيرين غيره في عالم ضاع فيه الكثير من اليقين. فسقط شباب كثيرون ـ مسلمون وعرب ـ في هذه الفجوة بين الجهاد والإرهاب، وخرجوا من زمنهم ومن المستقبل،
стр. 476
وكانت الأنظمة التي أرسلتهم إلى الجهاد ضد الإلحاد، هي نفسها الأنظمة التي استقبلتهم حين عودتهم إلى بلادهم بإيداعهم وراء قضبان السجون، بتهم ثابتة في بعض الأحيان، وبشكوك مستريبة مقدماً في أحيان أخرى (١).
سيناريو جاهز
في ظل التوجهات الأمريكية منذ عقدين من الزمان، والتي اتخذت الإسلام كعدو بديل، في استراتيجيتها الكونية، وسعت جاهدة لخلق وتضخيم الخطر الإسلامي لإقناع العالم بتوجهاتها العدائية تجاه الإسلام، فإنه لم يكن صدفة أن تلجأ الإدارات الأمريكية المتلاحقة إلى تضخيم هذا الخطر، بل وتشارك في صناعته، عن طريق استخدام بعض الحركات الإسلامية ورموزها، لتحقيق هذا الهدف. وأي مراجع ومدقق لبعض الحركات الإسلامية أو الأصولية ـ كما تسميها أمريكيا ـ سيكتشف أنها في غالبيتها نشأت وترعرعت بمباركه أمريكية (٢).
فقد نجحت وكالة الاستخبارات الأميركية في الثمانينات في تجنيد متشددين إسلاميين، وتنظيم صفوفهم في حرب
стр. 477
عسكرية ضد القوات السوفياتية في أفغانستان، والحكومة الشيوعية الأفغانية المتحالفة معها. وكانت الولايات المتحدة حسب (بريجنسكي) تسعى لاستدراج الروس إلى الفخ الأفغاني، وكانت ردة فعل كارتر ـ الرئيس الأمريكي الأسبق ـ على الغزو السوفياتي لأفغانستان مبنية على تأويل مغلوط للقرار الروسي بالتدخل. وبالنسبة للريغانيين الذين استلموا الحكم بعد كارتر، فقد كان الهدف الوحيد لديهم هو استنزاف الروس والتشهير بالسوفيات لدى الرأي العام، وكانت النتيجة المباشرة تدمير أفغانستان، وحصول تداعيات أشد سوءا بعد انسحاب الروس.
فبعد الانسحاب السوفياتي من افغانستان، استولت حركة (طالبان) -التي تدرب أعضاؤها على أيدي الباكستانيين- على كابول (١٩٩٤) ثم على القسم الاكبر من البلاد، حيث تلقت الحركة دعماً عملياً من الولايات المتحدة حتى العام ٢٠٠١. وبحسب بعض المصادر فان مسؤول وكالة المخابرات المركزية الاميركية في اسلام اباد، قام بزيارة كابول عام ١٩٩٦ للاجتماع بزعماء طالبان. وقد نجم عن حرب افغانستان المأسوية عقدين كاملين من الإرهاب والحرب الأهلية. ملايين اللاجئين وتجارة مخدرات غير خاضعة للرقابة، اضافة إلى ثقافتي الكلاشنيكوف والجهاد، حيث تم توجيه بعض الجهاديين نحو كشمير و الشيعة وغيرهم من الاقليات في كل من افغانستان وباكستان، فيما اندفع قسم آخر منهم إلى دول عربية واسلامية اخرى، ثم انتقل الإرهاب إلى داخل الولايات المتحدة نفسها، وذلك لخلق حالة عامه من عدم الاستقرار في المنطقة ولابراز الخطر الإسلامي الذي يهدد السلم العالمي. فقد كانت سنوات حكم ريغان سنوات اقتصاد ضعيف، ولم يستفد من النمو إلا الأغنياء، وأصاب الركود الأجور الفعلية، وزادت ساعات العمل. والحال أنه ليس من السهل الاحتفاظ بالسلطة السياسية في ظروف كهذه، وثمة طريقة واحدة صالحة ومعروفة، هي بث الخوف. وقد استخدم هذا الأسلوب طوال عهد ريغان، ثم بوش، حيث دأبت القيادة على اختلاق الشياطين الواحد تلو الآخر لإرهاب السكان وحملهم على الإذعان (١).
стр. 478
فأفغانستان عدوة اليوم، كانت قبل فتره حليف يتلقى الدعم من أمريكيا بكل الوسائل، والأفغان العرب الذين تطاردهم أمريكيا والحكومات العربية اليوم، هم حلفاء أمريكا بالأمس القريب ... الخ. وهذا يعني أن ما قامت به أمريكيا في السابق ما هو إلا عملية تجهيز للمسرح وللمعركة الفاصلة بين قوى الخير وقوى الشر كما يسمونها، حيث تم إعداد المسرح بالكامل منذ فترة، وتم توزيع الأدوار، ولم يتبقَ إلا إشعال فتيل الحرب، والذي تمثل في تفجيرات نيويورك وواشنطن، والذي نؤكد أن الذين قاموا بهذا العمل الجبان هم من داخل أمريكيا، ومن الجماعات المسيحية الأصولية ـ وما أكثرها في أمريكيا ـ والتي تسعى إلى استعجال العودة الثانية للمسيح، والتي لابد أن يسبقها حسب اعتقادهم معركة فاصلة تسمى هرمجيدون بين قوى الخير، ممثلة بأمريكا وإسرائيل، وبين قوى الشر، ممثلة بالعالم الإسلامي وروسيا ودول أخري.
وبالرغم من إدراكنا لخطورة الحروب الدينية، وأنها ليس في مصلحة أي طرف، إلا أننا لن ندس رؤوسنا في التراب وكأن الأمر لا يعنينا، بل يجب توضيح هذا الأمر للرأي العام وفضح المخطط الأمريكي الرهيب الذي يسعى إلى زج العالم الإسلامي، بل العالم أجمع في صراع ديني رهيب، لتنفيذ نبوءات وخرافات توراتية مزيفه. فديننا الإسلامي يحثنا على الوقوف في وجه الظلم، وعلينا واجب يجب أن نقوم به من أجل إفشال هذا المخطط الرهيب، ليس فقط لحماية الإسلام والمسلمين، بل وأيضاً لتجنيب العالم بأسره، وأمريكيا بالذات ويلات هذه الحرب التي يريدها الساسة الأمريكان حرب عالمية ثالثة، أو ما يسمونها هرمجدون أو المحرقة الكبرى، التي يباد فيها ثلثي الجنس البشري، ليتحقق ما يسمونه العصر الألفي السعيد، ويعود المسيح إلى الأرض ويحكم العالم من مقره في القدس.
إنها خرافات ونبوءات رهيبة، ولكنها للأسف هي التي تحكم أمريكا الآن، وترسم سياستها الخارجية تجاه المنطقة والعالم، والمصيبة الكبرى، أن الاعتقاد بهذه الأمور ليس قاصراً على جماعات دينية متطرفة، بل يشمل غالبية صناع القرار في أمريكيا، من وزراء ورؤساء أمريكيون وقادة وجنرالات في وزارة الدفاع. وقد بينا سابقاً، كيف أن الرئيس الأمريكي السابق (رولاند ريجان) كان من أشد المؤمنين بهذه
стр. 479
الخرافات؟. أما إدارة (بوش الابن) فكلها من اليمين المتشدد، التي تتميز ـ ليس فقط بانتمائها للتيار الأصولي المسيحي ابتداء من الرئيس ونائب الرئيس ووزير الدفاع، وعدد آخر من أقطاب الحكومة، بل والأخطر من ذلك هو غلبة التركيبة العسكرية لهذه الإدارة، حيث تعتبر من أكثر الإدارات في تاريخ ـ أمريكيا، التي تضم عسكريين بين صفوفها حيث بلغ عددهم أكثر من ٣٠ عسكرياً مما يدل على التوجه العدواني والشرير لهذه الحكومة، والتي ستجر العالم إلى حروب مدمرة. فوزير الدفاع رامسفيلد، كان سبب اختياره لهذا المنصب ـ كما أشار (د. برهان غليوم) في مقابله مع قناة الجزيرة (١) ـ هو اطروحه قدمها لوزارة الدفاع الأمريكية، رسم فيها سيناريو الحرب بين قوى الخير والشر، والتي ستؤدى إلى معركة هرمجيدون، حيث لم يكن مصادفة أن يدعى أن جماعات إسلامية بقيادة أسامه بن لادن، ستقوم بالهجوم على نيويورك بواسطة الأقمار الصناعية، وتتسبب في أحداث دمار في المدينة، مما يتطلب رد أمريكي كبير على ذلك!!؟؟
قبيلة الإستراتيجيين الأمريكيين والإبقاء على السيطرة على العالم
في تحليله للمقاربات النظرية للإستراتيجية يقترب (ألان جوكس) في كتابه (إمبراطورية الفوضى) من (تحقيق أنثروبولوجي في قبيلة الإستراتيجيين الأمريكيين)، موضحاً أن هم هؤلاء هو كيفية الإبقاء على السيطرة الأمريكية على العالم؟ ويقول إن سنة ١٩٩٣م شهدت ميلاد ثلاث مقاربات استراتيجية لعالم ما بعد الحرب الباردة.
أولها: (صدام الحضارات) لهيتنغتون الذي يعتبر من أبرز المنتجين للمقاربات لصالح المؤسسة السياسية العسكرية رغم انتمائه للمدرسة الواقعية، فإنه لا يؤمن بأولية الدول ـ الأمم كهويات إستراتيجية حقيقية في العلاقات الدولية، فأطروحته حول صدام الحضارات تقول بالصراع بين الحضارات، وليس الدول، وبالتحديد بين الحضارة الغربية والحضارتين الإسلامية، والصين، مع الإصرار على ضرورة منع أي
стр. 480
توافق بينهما حتى لا تعملا سوياً ضد الحضارة الغربية. وينتقد الكاتب أطروحة هيتنغتون وتصنيفه للحضارات، بإقصائه الأرثوذكس من الحضارية الغربية، بدعوى أنهم ليسوا من الكاثوليك ونظرته التبسيطية للإسلام. ويعتبر أن هم هيتنغتون في حقيقة الأمر هو كيف يمكن تقسيم العالم للسيطرة عليه؟.
ثانيها: (الثالوث التوفلري) أي الصدام بين الأمواج الثلاث للحضارات (الزراعية والصناعية والمعلوماتية) حيث تعتبر (ألفين وهادي توفلر) أن هذه الأمواج هي بنية عالم اليوم، وحسب (ألفين) و (هايدي توفلر) فإن (الحرب المعلوماتية) ـ بل حرب المعرفة ـ كـ (حرب الموجة الثالثة)، تأتي من ظهور الإليكترونيك الذي يحدث ثورة تكنولوجية ثالثة في تاريخ الإنسانية. ويقول المؤلف: إن مقاربتهما هذه تعتبر أن الأمواج الثلاث هي التي تطبع عالم اليوم حيث تتعايش فيما بينها بين موجة سفلى (الزراعية)، وموجة متوسطة (الصناعية)، وموجة عليا (المعلوماتية).
ثالثها: وآخرها مقاربة (أنطوني ليك)، مستشار الأمن القومي لكلينتون الذي طرح مقاربة (التوسع) أو التوسيع، لتحل محل (الاحتواء)، التي عُمل بها خلال الحرب الباردة. ومقاربة التوسيع تخص مجالين، اقتصاد السوق (ضد الاقتصاد الموجه)، والديمقراطية التمثيلية (ضد الأنظمة التسلطية والاستبدادية). ويقول المؤلف: إن مقاربة (ليك) الذي لاحظ تزايد عدد الديمقراطيات، مقاربة (توسيع العالم الحر) هي عملية هجومية، ولكن اقتصادية، على عكس مقاربة الاحتواء، التي كانت دفاعية عسكرية. ورغم عالميتها، تعمل مقاربة (ليك) وفق إطارات جغرافية مختلفة. حيث يقسم (ليك)، العالم إلى قسم البربرية، وقسم الحضارة. فالديمقراطية والسوق يوجدان في الشمال، بينما يغيبان في الجنوب ما عدا بعض الاستثناءات. لكن هناك فرقاً في هذا التقسيم بين الدولة غير الديمقراطية، والدولة الاستبدادية، مثل العراق الذي تتحكم فيه أمريكا عبر الحصار الاقتصادي والتهديد العسكري، وبين اللادولة الحربية مثل الصومال. أما المنطقة الوسطى الأساسية فتتشكل من البلدان غير الديمقراطية، والتي تحاول انتهاج ليبرالية اقتصادية، ونجد ضمنها الصين والعالم الإسلامي عامة، وهما القطبان الثقافيان لهيتنغتون .. وينادي (ليك) في حال الدول
стр. 481
الاستبدادية بضرورة عمل أحادي أمريكي كلما اقتضى الأمر ذلك، وألاّ ترتبط أمريكا بالقيود التي تضعها الأمم المتحدة (١).
اللجنة الثلاثية واستراتيجيتها للقرن الحادي والعشرين
دفعت اللجنة الثلاثية بكثير من أعضائها ليصبحوا رؤساء أمريكيين. فمنذ إنشائها عام ١٩٧٣م، كان كل من الرؤساء (كارتر)، (بوش)، و (كلينتون) من أتباع اللجنة الثلاثية. وأثناء اجتماع لهذه اللجنة الثلاثية في ١٩/ ٣/١٩٩٩م في واشنطن دي. سي، قدم (روبرت زوليك)، وهو متحمس آخر للصهيونية، تقريراً بعنوان استراتيجيات اللجنة الثلاثية للقرن الحادي والعشرين: في السلم أو الحرب، دعا فيه إلي التهيؤ لمواجهة نزاع عسكري مع الصين. وهذا يجب أن يفسر السبب في نشر القواعد العسكرية والقوات في الدول المجاورة للصين في آسيا الوسطي وأفغانستان، بعد أحداث ١١ أيلول (سبتمبر)، كجزء من الخطة الرئيسية للنظام العالمي الجديد والتي حبكت خيوطها قبل أحداث ١١ أيلول (سبتمبر). وعقد الحزب الجمهوري مؤتمره للبرنامج السياسي كما سيكون في عهد الرئيس بوش الصغير في فيلادلفيا في٣/ ٨/٢٠٠٠م، حيث احتضن سياسات النظام العالمي الجديد، وهي ذات السياسات التي عبرت عنها اللجنة الثلاثية، حيث وقد أصبح مبدأ صراع الحضارات هو المعتقد الرسمي لهم.
وسوف يلاحظ من الاقتباسات التي سنوردها علي لسان مهندسي هذا النظام العالمي الجديد، أن هناك إجماعاً علي مبدأ ينص علي عدم السماح لأية حضارة أو مجموعة من الحضارات الكبيرة، والدول التي تمثلها أن تصل إلي حالة الدولة العظمي. لقد تمكن الاعتداء الأمريكي علي أفغانستان وآسيا الوسطي من دقّ إسفين فرقة بين القوي غير الغربية الأخرى، مثل: الصين، روسيا، الهند واليابان، بحيث لا يكتب لها أن تتواصل فيما بينها أبداً. وقد تحققت هذه الرغبة الأمريكية بسرعة البرق في خلال بضعة أشهر بعد هجمات ١١ أيلول (سبتمبر)، وهذا سبب آخر يدعونا
стр. 482
إلي الإيمان بأن أحداث ١١ أيلول (سبتمبر) كانت أكثر من مجرد صدفة أو حدث عابر (١).
أزمة كيسنجر الاقتصادية تتطلب حرباً (٢)
يعرض كيسنجر في كتابه (هل تحتاج أمريكا سياسة خارجية؟ نحو دبلوماسية للقرن الحادي والعشرين) الميلادي للجدل الذي دار في أميركا حول الإستراتيجيات القادمة، والتعامل مع المرحلة الجديدة بعد انتهاء الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي، وسيادة تقنية المعلومات والاتصالات. وينبغي أن تقرأ هذه السياسات والأفكار التي يقترحها كيسنجرمرتين، إحداهما في ضوء افتراض أن أحداث سبتمبر لم تقع. والثانية مع تداعيات الأحداث وتفاعلاتها، وربما سيجد القارئ، وكأن هذه الأفكار هي برنامج اقترحه كيسنجر بعد الأحداث، أو أنها مراجعة للسياسات الأميركية والمواقف التي أدت إلى الأحداث. بالطبع ليس المقصود هنا هو أن (هنري كيسنجر) كان على علم مسبق بتنفيذ العملية، لكنه، ولا ريب، من الأشخاص المستعدين لاستغلال مثل هذه الأزمة لتحقيق أهداف مدروسة ومخطط لها مسبقاً.
في كتابه هذا يجتر (كيسنجر) ولعه (بالتفكير الجيوبوليتيكي)، الذي يدعي أنه قد تم إهماله أثناء إدارة الرئيس (كلينتون)، ويتم إحياؤه الآن في عهد الرئيس جورج بوش الابن. فهو يجاهر بأن "لجيوبوليتيك لم يختف بعد كجزء من السياسات العالمية، ويطرح (إستراتيجيات جيوبوليتيكية) لآسيا وروسيا وأجزاء أخرى من العالم. فكيسنجر يشعر بالذعر، لأن النظام الاقتصادي العالمي يتأرجح بدون سيطرة، وأن ذلك سيحول جميع مخططاته الكبرى إلى حطام. فهو لا يخفي فزعه من أن هذه الأزمة ستدفع دولا مثل البرازيل في أمريكا الجنوبية، وجنوب أفريقيا، وآسيا، إلى
стр. 483
قلب شروط اللعبة، وهي شروط تمكن هو ورفاقه في المؤسسات المالية ـ السياسية الأنجلو أمريكية من فرضها على العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. في مثل هذه الحالة النفسية والعقلية، لا يكون أمام (كيسنجر) إلا الحل الوحيد الذي طالما لجأ إليه في الأوقات العصيبة، وهو: إشعال حرب وتأسيس نظام دكتاتوري عالمي لإدارة الأزمة. أما بؤرة اهتمام هذه البنية الحربية فهي كالعادة الوضع المتفجر في الشرق الأوسط.
من البدايات الأولى للكتاب يبين (كيسنجر) قلقه من الوضع الاقتصادي العالمي، ويتناقض هذا القلق مع محاولاته كيل المديح للعولمة، وطبيعة القوة الأمريكية التي لا تقهر، فيحذر قائلا: "إن الأزمة الاقتصادية العالمية هي أكبر تهديد للديمقراطية المعاصرة". ثم يضيف: "إن وقوع أزمة مالية مهمة أخرى في آسيا أو في الديمقراطيات الصناعية، سيعجل بالتأكيد جهود دول آسيوية للحصول على سيطرة أكبر على مصائرها السياسية والاقتصادية عن طريق خلق بديل آسيوي للنظام الإقليمي الحالي". ويضيف: إن بروز تكتل آسيوي معاد يضم مزيجًا من أكثر دول العالم كثافة بالسكان (الصين والهند)، وأكثرها وفرة في الموارد الطبيعية (روسيا وآسيا الوسطى) وأكثرها تقدمًا من الناحية الصناعية (اليابان) لن يكون في المصلحة القومية لأمريكا". ويتذمر كيسنجر ويضطرب حين يفكر باحتمال أن يقلب "الهبوط الحاد" في الولايات المتحدة جميع أمنياته بخلق اتحاد التجارة الحرة للأمريكتين، واتحاد التجارة الحرة عبر الأطلنطي. وتصل حالة الذعر إلى ذروتها في الفصل السادس من الكتاب بعنوان (سياسات العولمة)، حيث يحذر (كيسنجر) في هذا الفصل من أن "العملية التي أنتجت ثروات أعظم في أجزاء من العالم من أي وقت مضى، قد تؤدي هي ذاتها إلى توفير آلية لنشر أزمة اقتصادية واجتماعية حول العالم. وكما كان الاقتصاد الأمريكي يمثل الماكينة العالمية للنمو، ستكون لهزة كبرى في الاقتصاد الأمريكي نتائج وخيمة على الاقتصاد في كل مكان".
في هذا السياق يدلنا هوس (كيسنجر) بالجيوبوليتيك إلى أنه وأصدقاءه يبحثون عن حرب، حيث يصر على تشابه حالة الشرق الأوسط مع أحوال حرب الثلاثين عاماً الأوربية في القرن السابع عشر الميلادي، وهذا يعنى أن (كيسنجر) يقول: إن وقوع حروب جديدة هو أمر لا مفر منه، لا .. بل ومرغوب أيضًا، أي إننا يمكن
стр. 484
أن نشهد حرباً دينية كحرب الثلاثين سنة الدينية، التي شهدتها أوروبا، مما يعني وجود مخاطر انزلاق حقيقية خاصة تلك المتعلقة بصراع الحضارات (١). وبالرغم من أن نظرة كيسنجر إلى مستقبل آسيا ليس بنفس قسوة وصراحة نظرته إلى الشرق الأوسط، لكن النظرة الكيسنجرية، تقول بأن الحرب تلوح في أفق آسيا أيضاً. فهو يشبه الوضع في آسيا اليوم بالوضع في القرن التاسع عشر الميلادي. فآنذاك كانت السياسة الناجحة الوحيدة هناك هي سياسة (موازنة القوى) التي مارستها الإمبراطورية البريطانية. لذلك على الولايات المتحدة اليوم ممارسة سياسات "موازنة القوى" لمنع ظهور تجمع مناهض لأمريكا في آسيا، أو في أوراسيا عمومًا.
وإذا قارنا ظهور التحالف الأورآسيوي بين الصين ودول آسيوية أخرى وروسيا، وبعض الدول الإسلامية من جهة، وعملية التعبئة الجارية للأساطيل الأمريكية والبريطانية لدق إسفين في وسط القارة الأورآسيوية من جهة أخرى، فإن الصورة ستتضح أكثر في ضوء ما يقوله (كيسنجر). فالقضية التي تهم (كيسنجر)، هي منع ظهور بديل سياسي ـ اقتصادي حقيقي وقوي على هذه القارة الشاسعة، يستبعد أمريكا وبريطانيا عندما ينهار نظام العولمة المالي والنقدي الذي تسيطران عليه. فليس أمام الولايات المتحدة سوى الحرب لاسترداد سيطرتها وهيبتها، وتحولها إلى إمبراطورية كونية (لا تحتاج إلى سياسة خارجية) أو دبلوماسية. وقد قدمت عملية ضرب مركز التجارة العالمي، والبنتاجون يوم ١١ سبتمبر الذريعة المناسبة للقيام بذلك. فكل من ينظر إلى حجم التعبئة العسكرية والسياسية، التي تقوم بها أمريكا يدرك أن القضية أكبر من (أسامة بن لادن) و (طالبان) إنها "حرب .. طويلة .. طويلة".
بريجنسكى ورقعة الشطرنج العظمى
في كتابه (رقعة الشطرنج العظمى) الذي صدر عام ١٩٩٧م يقدم بريجنسكى رؤيته الجيوستراتيجية المثيرة، والجريئة، لتفوق أمريكا خلال القرن الواحد والعشرين. فالمسألة المركزية لتحليله هي كيفية ممارسة القوة على القارة الاوراسية (أوروبا وآسيا)، فهذه القارة هي الأضخم في العالم، من حيث السكان،
стр. 485
والموارد الطبيعية، والنشاط الاقتصادي. فأوراسيه هي رقعة الشطرنج العظمى، التي سيتم عليها الإقرار بتفوق أمريكا وتحديه في السنوات القادمة.
يقول بريجنسكي: إن الجائزة الكبرى التي حازت عليها الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة هي أوراسيا، وبصفتها القوة العظمي الوحيدة الآن، فإن بإمكان الولايات المتحدة أن تسيطر علي مقدراتها، فلن يسمح لأية قوة عظمي أو تحالف قويً مثل روسيا، الصين أو الهند بالسيطرة عليها. وقد نقل الكاتب الأمريكي (مايكل روبرت) مؤلف كتاب (عبور الحد) ان بريجنسكي قال قبل هجوم ١١ سبتمبر بأربع سنوات، إنه إذا لم تهاجم أميركا كما هوجمت في بل هاربر فإن الشعب الأميركي لن يؤيد العمل العسكري في وسط آسيا والشرق الأوسط للسيطرة على المنطقة (١). ويبدو أن هذا هو الهدف المنشود الذي كان وراء أحداث ١١ أيلول (سبتمبر)، وقد تحقق فعلاً (٢). فبريجنسكى يرى أن المهمة التي تواجه الولايات المتحدة، ما هي إلا مهمة إدارة النزاعات والعلاقات في أوروبا واسيا والشرق الأوسط، بحيث لا تبرز أية قوة عظمى منافسه تهدد المصالح والرفاه الأمريكي. فقد ظهرت الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر القرن العشرين الميلادي على أنها القوة العظمى الوحيدة في العالم من حيث أنها امتلكت ما لم تمتلكه أية أمه أخرى من قوة عسكرية واقتصادية. ولفت مصالحها العالم دون أن يكون لها نظير في التاريخ. ومع ذلك يبقى السؤال الحاسم دون جواب: ماذا ينبغي أن تكون إستراتيجية أمريكا العالمية للحفاظ على موقعها الاستثنائي في العالم؟ فهذا السؤال الذي يعالجه السيد بريجنسكى في هذا الكتاب.
فبعد أن تنبأ (بريجنسكى) بسقوط الشيوعية في كتابه الإخفاق الكبير الصادر عام ١٩٨٨م، ها هو يتنبأ ويعد بعالم متعدد الأقطاب، مع تجنب التنبؤ بمن ستكون تلك القوى التي لا محال ستكون الولايات المتحدة إحداها. فهو يقصى أهم مرشحي اعتلاء مكانة القوة العالمية، وهما روسيا والصين والاتحاد الأوربي، في حال كانت وجهة كل واحد منها وجهة لا تروق لأمريكا. وهذا التصور المتناقض الذي يطرحه
стр. 486
بريجنسكي لمستقبل توازن القوى سيوقعنا في مطب طالما كان هاجس القرن المنصرم (ماذا تكيد أمريكا للعالم؟)، حيث كان هناك من يجابهه هذا التساؤل في القرن الماضي. أما في القرن الحالي فهل يقف العالم كله متفرجاً على ما ستفعله أمريكا رافعاً يديه إلى السماء داعياً أن يكون ما ستفعله خيراً (١).
مجموعة الهوس الديني / المحافظون الجدد
هكذا أصبح الأصوليين في شبكة القاعدة، الذين تحولوا لإرهابيين يواجهون رئيساً أمريكيا متهماً بما هو أكثر من انتقام عنيف، حيث رد بوش مراراً بهجوم علني انطلاقاً من الكتاب المقدس على الشر والأشرار، وتشاور مع أصدقاء شعروا أن الرب اختارهم لقيادة الأمة في ردها، بل وفي لحظة صراحة زائدة وصف بوش الرد الأمريكي على هجمات سبتمبر بأنه (حملة صليبيه) (٢). وهنا فإنه من الخطأ الاعتقاد بأن هذا الجنون الأمريكي، قد بدأ مع وقوع أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م، فمن الثابت أن المشروع الإمبريالي الأمريكي كان موجوداُ وممارساً، فقط أدت الأحداث الإرهابية يوم ١١ سبتمبر إلى تسريع عجلته مع تسخين الرأي العام الأمريكي لقبوله (٣).
فهجمات ١١ سبتمبر لم تفجر فقط مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاجون، ولكنها فجرت أيضاً الهوس الكامن داخل العقل الباطن للمجتمع الأمريكي، والذي كانت تخفيه غلاله رقيقة اسمها: الحياة على الطريقة الأمريكية. وهذه الغلالة لم تخف سوى الصديق والحليف الأمريكي، التي ظهرت الآن بوضوح بعد أن طار برجان من عقله!! ونتيجة تحريض حكومي وإعلامي مستمر طوال ٢٤ ساعة يومياً بإلحاح لا مثيل له، على وجدان الشعب الأمريكي .. تفجرت الرغبة المسعورة في الانتقام، ممن؟ ليس مهماً .. المهم الانتقام والضرب بعنف. لذا أعلن الرئيس بوش الحرب من قبل أن يحدد من هو العدو الذي سيحاربوه!! بل بدأوا بالهجوم على ابن لادن وحركة طالبان، التي تحميه دون تقديم دليل واحد يؤكد تورطه أو مسئوليته! طوفان
стр. 487
الهوس الأمريكي هو طوفان بلا حدود .. وقد انطلقت منه موجات وموجات .. وهي لن تتوقف. وهي ليست بالطبع في مجال التصديق أو الاستجابة لدى المؤمنين بالله وبقضائه وقدره .. لكن المشكلة هي أن الأمريكيين يصدقونها ويؤمنون بها بشدة (١).
وهنا يلاحظ الكاتب والروائي البريطاني (جون لوكاريه) أن الولايات المتحدة تشهد موجة من الجنون، هي الأسوأ بين كل ما شهدته في تاريخها، حيث كانت مجموعة الرئيس الأمريكي (جورج بوش) في مرحلة السعي لتبرير حرب شاملة مجنونة، وقد وجدت في أحدث ١١ سبتمبر فرصة لهذه الحرب المخطط لها قبل سنوات عدة. فقد كانت الإدارة الأمريكية محاطة بمجموعة من الأزمات الكبيرة، مثل شرعية رئاسة بوش، وانهيار شركة إنرون ذات الصلة بالمسئولين الأمريكان الحاليين، وانحياز الإدارة الأمريكية للشركات الكبرى العملاقة، وعدم اكتراثها بفقراء العالم والبيئة والمعاهدات الدولية، ثم الانحياز المطلق لإسرائيل، الذي أوقع الولايات المتحدة في خروقات عدة لميثاق الأمم المتحدة وقراراتها. وقد أتاحت أحداث ١١ سبتمبر الفرصة لحرب تريدها الإدارة الأمريكية وتخطط لها، وجاءت هذه المرة بدعم شعبي كبير، وبموازنة إضافية هائلة (٣٦٠ مليار دولار). ولكن لعل الجانب المقزز في الحرب الاستعمارية الأمريكية، والهيمنة الأمريكية على العالم بما في ذلك أوروبا هو النفاق الديني، الذي يغطي به المحافظون الجدد إرسال الجنود إلى القتال، وتعميم فكر سوريالي مثل أن الله أوكل إلى أميركا إنقاذ العالم، وكل من يجرؤ على المساءلة سيجد نفسه في تهمة لا يستطيع الخروج منها، كالعداء للسامية، والعداء لأميركا، والإرهاب (٢).
ووفق هذه الرؤية فان دور (ملاك الرب) الذي تضطلع به أميركا لا بد أن يكون مزدوجا: يد ممدودة لمصافحة الأصدقاء والأوفياء، قبضة حديدية لردع الأشرار وحصرهم في معقل شرهم، (فأما معنا وإما مع الإرهاب)، حسب تعبير (بوش الابن)
стр. 488
ولا مكان لمنزلة ثالثة، هذه الرؤية توفر مساحة كبيره من الرضا الأخلاقي عن النفس، فهي لا تفعل سوى أنها تؤدي واجبها. وباستثناء الهزيمة المذلة في فيتنام (٦٠ ألف قتيل أمريكي)، فإن أمريكا يطيب لها أن تتصور أنها تؤدي دور (الشريف) في أفلام الكاوبوي، وتفخر دوما بنتائج تدخلاتها بدءا من الفلبين، التي احتلتها منذ ١٨٩٩م لتحررها من الحكم الطاغوتي الأسباني ولتحبوها منذ ١٩٣٥م بأول دستور ديمقراطي في تاريخها وتاريخ آسيا، ومرورا بألمانيا النازية، التي حررتها من نظامها النازي، ونزعتها العسكرية المزمنة، وانتهاء باليابان التي أجبرتها ـ لصالحها ـ على أن تكون ديمقراطية وتحديثيه على الطريقة الغربية، وهي كما تفخر بتدخلاتها العسكرية، تفخر بتدخلاتها الاقتصادية، فحصارها للدول الإبليسية الممثلة بمحور الشر (حصر دودة الشر) في شرنقتها (١).
ولكن دور ملاك الرب هذا، التي تحاول أمريكا الإضطلاع به قديماً وحديثاً، بدأ ينكشف كذبه وخداعه ووحشيته، بعد تكشف الجرائم الأمريكية الكثيرة، التي ارتكبت باسم الحرية والديمقراطية، حيث بدأ العالم يدرك أن أمريكا تدار من قبل عصابة عنصرية متطرفة وجشعه. و http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٣/٧/ - TOP مطالعة محدودة في سيرة بوش ومجموعة الإدارة المحيطة به، تكشف مدى تورطهم في فساد الشركات الكبرى العملاقة، التي تبحث عن حرب جديدة تنقذ الخسائر التي تتعرض لها، وتغطي على الفضائح والفشل سياسياً وإعلامياً. http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٣/٧/ - TOP وهنا تتحدث مقالة نشرت في صحيفة اللوموند الفرنسية عن المجموعة المحيطة بالرئيس الأميركي بوش، والتي تمثل النفوذ في البيت الأبيض، وهم الأشد حماساً للحرب على الارهاب، ويؤيدون الليكود الإسرائيلي بشدة وتقول:
"إن عددهم ليس كبيراً، ولكن البيت الأبيض يصغي لما يقولون، من بينهم (بول ولفويتز)، الرجل الثاني في وزارة الدفاع الأمريكية، والباحثة (لين تشيني) زوجة ديك تشيني نائب الرئيس بوش. وهناك ثلاثة شخصيات لا تتحدث عنها وسائل الإعلام كثيرا، ولكنهم الأكثر أهمية في صوغ السياسات الأمريكية والتفكير السياسي، وهم (إيرفنغ كريستول)، و (غاري باور)، و (ريتشارد بيرل)، وهذا الأخير يرأس مجلس السياسات الدفاعية، وهي الهيئة الاستشارية لوزارة الدفاع الأمريكية،
стр. 489
وقد وصفته الصحافة بأنه بطل الحرب الباردة، وكان نائب وزير الدفاع في عهد ريغان، وكان يقود ويوجه سياسات ريغان المحافظة، والتي ينتمي إليها المحافظون الجدد المحيطون ببوش، وهو مقرب من الليكود الإسرائيلي. أما (كريستول) فيبلغ الثالثة والثمانين من العمر، ويعمل في المعهد الأمريكي للمشاريع، أحد أبرز معاهد تيار المحافظين الجدد، ويعتبر (كريستول) عراب هذا التيار. أما (غاري باور) فهو يقود الأصولية المسيحية حول بوش، ويرأس مجموعة القيم الأمريكية، التي تدير عدة كنائس بروتستانتية متنفذة وقوية، وقد كان (باور) أحد مستشاري الرئيس الأمريكي الأسبق (دونالد ريغان)، ويرأس أحد أهم اللوبيات وأكثرها نفوذا في السياسة الأميركية، وهو لوبي حماية الأسر العاملة (١)
ان المحافظون الجدد هم اناس "متحمسون وحضورهم دائم لخوض معارك جديدة، ويقاتلون بفرح واندفاع .. انها كوكبة من الرجال والنساء صنعها التاريخ، وصاغتها الافكار، اعتقدوا بسلطة الافكار في حين كانت اوروبا تعلن موت الايدولوجيات، كان عندهم ثقة بالموهبة الأمريكية الخارقة، اذ الكل يعتقد ان لأمريكا مهمة عليها اتمامها، وانه تحمل القيم العالمية المتكيفة والملائمة لرغبات الشعوب .. يحق للمحافظين الجدد التكبر على الاخرين، اذ تمكنوا بعد اعتداءات ايلول عام ٢٠٠١، بعدة اشهر من السيطرة على السياسة الأمريكية، كان عندهم تفسير جاهز للافعال الارهابية واذا كان صحيحا انهم لم يتوقعوا حدوثها فإنهم اطلقوا تنبيهات وانذارات" علينا الا نترك انفسننا ننام عند نهاية الحرب الباردة، لنبقى يقظين، انه من المبكر، ان يتم التحدث عن مغانم السلام، لان هناك مخاطر جديدة تهددنا" (٢). .
стр. 490
بول ولفويتز والنظام العالمي الجديد
عين (ولفويتز) نائباً لوزير الدفاع في إدارة الرئيس بوش الابن، وعمل وكيلاً لوزارة الدفاع زمن الرئيس بوش الأول حين كان ديك تشيني يشغل منصب وزير الدفاع. وهو معروف جداً علي أنه أحد مهندسي النظام العالمي الجديد الرائدين، حيث صرح (ولفويتز) في الإرشاد الذي قدمه حول التخطيط الدفاعي، والذي يتعامل مع النظام العالمي الجديد: إن هدفنا الأول هو الحيلولة دون نشوء منافس جديد سواء في أراضي الاتحاد السوفييتي سابقاً، أو في أي مكان آخر يمثل تهديداً كذلك، الذي كان يمثله الاتحاد السوفييتي. علينا أن نبذل جهداً جباراً في السياق ذاته لنمنع أية قوة عدوانية من السيطرة علي هذه المنطقة، التي تكفي مصادرها، إذا ما تضامنت معا بشكل جيد، لتوليد قوة عظمي. وتشمل هذه المنطقة أوروبا الغربية، شرق آسيا، وأراضي الاتحاد السوفييتي سابقاً، وجنوب غرب آسيا. لذا فإن النظام العالمي الجديد يدعو إلي الحفاظ علي القوة الأمريكية أحادية الجانب. فالقوة الأمريكية أحادية الجانب هذه في شكل إمبراطورية أمريكية، تتطلب من الولايات المتحدة أن تظهر روح القيادة اللازمة لتأسيس وحماية نظام جديد يحمل في طياته الوعد بإقناع منافسينا المحتملين بأنه لا يتعين عليهم، ولا حاجة لهم، بأن يلعبوا دوراً أكبر من الذي يلعبونه الآن، أو أن يسعوا إلي معاداة الآخرين حتي لو كان ذلك في سبيل حماية حقوقهم ومصالحهم الشرعية (١).
إستراتيجية إمبريالية كبرى
في حين أن الولايات المتحدة ستسعى باستمرار للحصول على دعم المجتمع الدولي، فإننا لن نتردد في التحرك وحدنا، إذا ما اقتضت الضرورة، لممارسة حقنا في الدفاع عن النفس بالتصرف استباقياً. إن البشرية اليوم تمسك بيديها الفرصة لتحقيق انتصار أكبر للحرية على جميع هؤلاء الأعداء. وترحب الولايات المتحدة بمسؤوليتها للقيادة في هذه الإرسالية العظيمة (التي تؤكد على رسالتنا). ولكن
стр. 491
مسؤوليتنا أمام التاريخ واضحة: أن نرد على جميع هذه الهجمات، والتخلص من الشر العالمي". (هذا الكلام منقول) عن استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة (٢٠٠١، ص٦، المقدمة، وص٥) (١).
هكذا تصدرت الأجندة العالمية في خريف عام ٢٠٠٢م إعلان أقوى دولة في التاريخ، نيتها الحفاظ على هيمنتها، سواء من خلال التهديد بالقوة المسلحة أم باستخدامها فعلاً، وهو بعد من أبعاد السيطرة والسلطان. وجاء في الصياغة الخطابية الرسمية للإستراتيجية: "يجب أن تكون قواتنا قوية بما فيه الكفاية لثني الخصوم المحتملين عن مواصلة بناء قوة عسكرية بأمل مضاهاة القوة الأمريكية أو تجاوزها". وهي حالة يجب أن تكون بنظر الإدارة الأمريكية دائمة، بحيث يتعذر على أية دولة أو مجموعة دول أن تتحدى في أي وقت الولايات المتحدة كزعيم للعالم يبسط حمايته، وينفذ إرادته بالقوة. ومن شأن هذه المقاربة أن تجعل المعايير الدولية الخاصة بالدفاع عن النفس والمكرسة، في المادة (٥١)، من ميثاق الأمم المتحدة، عديمة المعنى. وتؤكد الإستراتيجية الإمبريالية الكبرى على حق الولايات المتحدة في شن حرب وقائية على هواها ـ وقائية وليس استباقية ـ أي أن الحرب يمكن أن تكون لإزالة تهديد محتمل، أو مختلق وملفق، وهي حروب وأعمال تندرج في خانة جرائم الحرب (٢).
الحرب غير المتوازنة
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أواخر إدارة بوش الأول، وجدت المؤسسة الدفاعية الأمريكية نفسها فجأة أمام سؤال وجودي. ما المنطق المحدد الكامن وراء الاحتفاظ بالقوات الأمريكية الجبارة والكبيرة مع الإبقاء على الميزانيات اللازمة لذلك في غياب (إمبراطورية الشر)؟ وهنا طلب ديك تشيني (٣) وقد كان وزيراً للدفاع من مساعد وزير الدفاع (بول ولفوفيتز) أن يقوم بالتعاون مع رئيس الأركان (كولن باول)، بإعداد خطة لاستراتيجية دفاعية أمريكية جديدة ... وقد المح (باول) للاستراتيجية الجديدة في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب عام ١٩٩٢م بقوله: "إن الولايات المتحدة بحاجه إلى قوة كافية من أجل ردع أي متحد عن ولو مجرد التفكير، بتحدينا على المسرح العالمي". وأضاف "أريد أن أكون فتوة الحارة" حتى لا يكون ثمة مستقبل لمن يخطر بباله أن يحاول تحدي قوات الولايات المتحدة المسلحة (٤).
وهكذا فقد كانت الولايات المتحدة تحضر نفسها نظرياً منذ حرب الخليج .. لشيء جديد تصورته بعض مجموعات الخبراء القريبة من القوات البرية أو البحرية. إذ اعتبرت هذه المجموعات أن التفوق المطلق الذي حققته أمريكا بفضل تحكمها في الثورة الإليكترونية في مختلف المجالات (العسكرية، والفضائية، والاقتصادية والمالية)، سيقود مع العولمة، إلى آثار لا تحتمل. وظنت أن الدول والشعوب والطبقات المضحى بها، سوف تتحرك عبر مناورات غير منتظرة، "قد تأخذ في بعض الأحيان شكل الإرهاب، (سلاح الضعفاء). هذا الهجوم المعاكس سيتطلب من أمريكا قوة ابتكار متزايدة تحسباً لوضع كهذا، وفي خضم هذا التصور ولد المفهوم الأمريكي العام لـ (الحرب غير المتوازية) " (٥).
стр. 492
وفي كتابه (من نيويورك إلى كابول)، يوضح الأستاذ محمد حسنين هيكل الأمر أكثر، بقوله: "كنت على معرفة بأن هناك نوايا وخططاً فرغت الإدارة الحالية في الولايات المتحدة من ربيع هذا العام ٢٠٠١م من بلورتها، وهي على وشك أن تطرحها للتنفيذ على اتساع قارات العالم، وفيها المنطقة التي تعنينا أكثر من غيرها، وهي في منطقة الشرق الأوسط. وبالفعل فقد كنت اطلعت على نصوص تقرير رئاسي أمريكي بشأن استراتيجية جديدة جرى اعتمادها من جانب الإدارة الأمريكية لمستقبل العمل في هذه المنطقة. والتقرير عبارة عن خلاصة موجزة لتقدير الموقف الذي وقعه (ويليام كوهين) وزير الدفاع الأمريكي في الإدارة السابقة، وأقره رئيسها (بيل كلينتون) على هيئة توجيه رئاسي، ثم راجعه (دونالد رامسفيلد) وزير الدفاع الحالي، وأقره (جورج بوش) على هيئة توجيه رئاسي ملزم، يرى أن المخاطر المحتملة على الولايات المتحدة وأمنها ومصالحها لها مصادر محددة ومعروفة".
* دول مارقة وعت درس حرب الخليج، وأصبح جهدها موجهاً إلى العثور على نقاط ضعف أمريكية، عسى أن تنفذ منها وتستغل وتضرب.
* دول صديقة وهنت قواها حتى أوشكت على الإفلاس، مما يعرضها للسقوط، ومع أن الولايات المتحدة لا تسمح بهذا السقوط، فهي في الوقت نفسه لا ترى وسيلة للمساعدة على منعه.
* إرهاب وصل إلى مرحلة العولمة في نفس وقت وصول مجتمعات الدول إلى مرحلة العولمة، وهو ما أطلق عليه التقرير اسم الحرب غير المتوازنة" (١).
ولم تكن هيئة التقديرات في البنتاجون وحدها، التي وصفت الأخطار الجديدة وصكت لها تعبير (الحرب غير المتوازنة) بل تابعتها هيئة أركان حرب القوات الأمريكية، ورئيسها الجنرال هنري شيلتون، الذي قدم تقريراً تحدث عن شكل الخطر القادم، بدا وكأنه يشير صراحة وقبلها بسنتين إلى صواعق النار والدمار التي نزلت على نيويورك وواشنطن يوم الثلاثاء ١١ سبتمبر ٢٠٠١م، حيث جاء في التقرير وهو يحاول تعريف الحرب غير المتوازنة قوله:
стр. 493
"الحرب غير المتوازنة، هي محاولة طرف يعادي الولايات المتحدة أن يلتف من حول قوتها، ويستغل نقط ضعفها معتمداً في ذلك على وسائل تختلف بطريقة كاملة عن نوع العمليات التي يمكن توقعها. وعدم التوازن يعني أن يستغل العدو طاقة الحرب النفسية، وما يصاحبها من شحنات الصدمة والعجز، لكي ينتزع في يده زمام المبادرة وحرية الحركة والإرادة، وبأسلوب يستخدم وسائل مستحدثه وتكتيكات غير تقليدية، وأسلحة وتكنولوجيات جرى التوصل إليها بالتفكير في غير المتوقع، وغير المعقول، ثم تطبيقه على كل مستويات الحرب من الإستراتيجية، إلى التخطيط، إلى العمليات، بعرض أفق عليه بدائل طار إليها خيال لا يخطر على البال منطقياً ولا يطرح نفسه عملياً في التقديرات التي نستطيع تصورها. وكان ما توقعه رئيس هيئة أركان الحرب المشتركة للقوات الأمريكية المسلحة الجنرال (هنري شيلتون) هو بالضبط ما وقع ١١ سبتمبر الأخير (١).
فالسيناريو جاهز ليس فقط لدى وزارة الدفاع، التي يمثلها المتطرف رامسفيلد، بل إن وزارة الخارجية كان لديها المعرفة بهذا المخطط، هذا بالرغم من أن البعض يحاول جاهداً تقسيم الإدارة الأمريكية إلى صقور وحمائم، واضعاً الجنرال (باول) في صف الحمائم، ومتناسين عن عمد وسبق إصرار، جرائمه في العراق أثناء حرب الخليج الثانية. ففي منتصف يوليو ٢٠٠١م، لجأ الوفد الأمريكي إلى المفاوضات المتعددة الأطراف حول مستقبل أفغانستان، إلى التهديد بعد أن تأكد له فشل هذه المفاوضات، وحسب ما أورده سفير باكستان السابق في باريس، (نيازنايك)، والذي شارك في تلك المفاوضات، فإن الأمريكيين أعلنوا أنهم سيحتلون أفغانستان في منتصف أكتوبر وأنهم سوف يقلبون نظام طالبان. وفي بداية سبتمبر ٢٠٠١م وتحت غطاء المناورات السنوية في بحر عمان، عمدت بريطانيا إلى القيام بأكبر انتشار لأسطولها وحشدت قواتها مقابل السواحل الباكستانية، في حين نقل حلف الأطلسي، بمناسبة مناورات النجم الساطع التي أجراها في مصر، أربعين ألف جندي إلى منطقة النزاع. وهكذا فان القوات الأنجلو أمريكية، كانت قد اتخذت مواقعها في المنطقة، قبل الاعتداءات.
стр. 494
أما عن الحرب على الإرهاب، فإن هيئة الأركان العامة الأمريكية، كانت قد أعدت لها مطولاً من خلال إجرائها لمرتين على التوالي، ما تسميه القتال الشامل. وضبطت الإجراءات التكتيكية أثناء ما جرى مؤخراً ضمن هذا الإطار في يوليو ٢٠٠٠ م. لكن المناورة الصورية المبرمجة أصلاً لشهر يونيو ٢٠٠١م كان قد تم إلغاؤها. وهو الأمر الذي تم تفسيره من قبل الضباط المعنيين على أنه علامة انتقال إلى العملية الوشيكة الوقوع (١) التي بدأت باغتيال أحمد شاه مسعود قائد التحالف الشمالي في أفغانستان قبل التفجيرات بيومين فقط، أي في ٩ سبتمبر علي يد عملاء للمخابرات بعد رفضه التام لأي محاولة للتحالف مع الولايات المتحدة أو غيرها لإسقاط طالبان، فتم قتله، ليفتح الباب أمام من هو مستعد للتحالف، وهو ما حدث بالفعل!!
ومما يؤكد أن هذه العملية من تدبير أمريكي، هو أنه في مثل هذه الأحداث يقوم المسئولون بتقديم استقالتهم، والاعتراف بتقصيرهم، ولكن الذي حصل في أمريكا فهو العكس، حيث لم يجر أيه تغيير أو استقالة، بل تضخمت سلطات بعض المسئولين، وبالذات (دولاند رامسفيلد) (وجورج تنت)، والمفترض أن يكونوا أول المقصرين، حيث أن الأمر لم يقتصر على عدم عزل مدير السي. آي. إي، عقب انكسار الحادي عشر من سبتمبر الفاضح، بل إن الإعتمادات المخصصة للوكالة زيدت على الفور بما نسبته ٤٢% ضماناً لحسن تنفيذ مخطط الهجوم العالمي (٢). كما أن (تنت) بدأ يتصرف وكأنه رئيس دوله، يزور الدول، ويلتقي الرؤساء ويضع خطط السلام، وكأن الرئيس (بوش) يريد مكافأته على قيامه بالدور الموكل له على أكمل وجه.
فالسيناريو جاهز ومعد مسبقاً، ولم يبقَ إلا التنفيذ، حيث نجزم أن الهجوم على نيويورك وواشنطن قامت به مجموعه من الانتحاريين المهووسون من اليمين المتطرف، لتعجيل العودة الثانية المسيح، لأنه بدون هرمجيدون لا توجد عودة للمسيح حسب اعتقادهم (٣). وبالرغم من إدانتنا الشديدة للتفجيرات التي هزت أمريكيا والعالم، وقناعتنا بضرورة معاقبة المسئولين عنها، إلا إننا يجب أن لا ننساق
стр. 495
وراء الرغبة الأمريكية الجامحة في تجيير الحادث الأليم، لجر العالم إلى حروب مدمره لا يعلم مداها إلا الله.
مغزى أحداث ١١ سبتمبر
اعتبر جل المراقبين أن مأساة ١١ سبتمبر تمثل الدخول في قرن جديد. فبعد الاحتفال سنة ٢٠٠٠م، بحلول القرن الـ ٢١ سرعان ما عادت بنا الأمور إلى الواقع لتظهر لنا أن العولمة ليست حتماً سعيدة، إذ ضرب الإرهابيون أميركا في رموز قوتها العسكرية والاقتصادية، وهذا يعني أن مغزى هذه الأحداث، ووقعها العالمي، يمكن مقارنتها من حيث أثرها على تطور العالم بسقوط جدار برلين. فواقع التغير الحقيقي الذي قادت إليه هذه الأحداث قد يتجاوز بكثير الإدراك الحالي لانتقال العالم إلى مرحلة جديدة تحت وقع الإرهاب. وجراء هذا البعد غير المعهود لعمليات ١١ سبتمبر، حدثت (وثبة نوعية) في الإرهاب الدولي. والجديد في هذا البعد للإرهاب، يكمن أساساً في طريقة التنفيذ (١). فـ (الثلاثاء الأسود) جاء في الوقت الذي بدأ فيه العالم الخروج من مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حيث كان هناك "تزامن بين هجوم ١١ سبتمبر، وهذا التطور الأساسي, والتفاعل بين الاثنين كانت له تداعيات عميقة على النظام العالمي" (٢).
وبالرغم من أهمية معالجة الظروف الدولية الناجمة عن عمليات ١١ سبتمبر الإرهابية حصراً، إلا أنه من المهم حتى هذا التاريخ مراجعة الوضع بعد مرور سنوات على حرب الخليج، والظروف المثيرة لمجيء بوش للسلطة، مما عطل عملية السلام الإسرائيلية ـ الفلسطينية، وتوجه الحلف الأطلسي نحو آسيا الوسطى، عبر الوثيقة المؤسسة بين الحلف وروسيا، والممارسات القمعية لنظام طالبان .. كل هذا كان ينذر بمشاكل في ملتقى شرق ـ غرب/ شمال ـ جنوب الشرق أوسطي. كما أن أوروبا بدأت