المتطرفة هي نفسها، التي ترمي بلدان العالم الإسلامي بالأصولية، وتطالبها بتغيير مناهجها التعليمية والتربوية لتصفية البني التحتية على حد تعبيرها لبؤر التطرف.
٢. اليوم تحوم الشبهات حول المسلمين أينما ذهبوا، ليس في الولايات المتحدة فقط بل وعلى مستوى العالم أيضاً. والمسلمون في الولايات المتحدة والغرب تحت المراقبة الشديدة أكثر مما كان عليه الوضع من قبل. وأصبح حصول المسلمين على تأشيرات إلى الدول الغربية مسألة أكثر صعوبة، كما استفاد حكام الدول الإسلامية من الحرب على الإرهاب لتعزيز قبضتهم وقمعهم لشعوبهم في كثير من هذه الدول, وخصوصاً ضد الإسلاميين. وهكذا فقد المسلمون حرياتهم. إضافة إلى ذلك استفاد قادة كل من روسيا والهند والصين والفليبين من الحرب على ما يسمى بالإرهاب للانقضاض على الأقليات المسلمة في بلدانهم.
٣. لو كان (تصادم الحضارات) الذي تحدث عنه (صموئيل هانتنغتون) قبل ذلك أمراً ممكناً، فإن وجهات نظر (هانتنغتون) أثبتت الآن صحتها للأسف، حيث إن أعداد الأميركيين والمسلمين الذين يؤمنون بـ (صدام الحضارات) تزداد اليوم بشكل أكبر مما كانت عليه، عندما طرح هانتنغتون هذه المسألة أول مرة.
٤. تعزز موقف الجماعات المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، إلى جانب الصهاينة المسيحيين والمحافظين الجدد ذوي الأطماع الإمبريالية، فقد منحتهم الهجمات سلاحاً قوياً، وزادت الهجمات الفكرية والسياسية ضد الإسلام والمسلمين، بينما لم يعد الأشخاص الذين يتعاطفون مع القضايا العربية قادرين على الحصول على فرص كبيرة لعرض مواقفهم في وسائل الاعلام المختلفة، إذ أن المجال في تلك الوسائل ممنوح للذين يتعاطفون مع الأفكار المعادية للتربية الإسلامية، وتلك التي تلصق صفة الإرهاب بالإسلام، وأصبح غالبية الغربيين ينظرون إلى المدارس الدينية في العالم الإٍسلامي على أنها مدارس لتدريب الإرهابيين. وهكذا فإنه من الصعب أن يجادل أحد لصالح الإسلام، ليس في أميركا وحدها ولكن في أي مكان في الغرب، حيث تضررت صورة الإسلام كثيراً.
стр. 562
٥. كما أن علاقة الولايات المتحدة بالفلسطينيين هي الأسوأ منذ حوالي عشر سنوات، وباسم الحرب على الإرهاب تعمل الولايات المتحدة جنباً إلى جنب مع أكثر الحكومات الإسرائيلية قسوة ويمينية منذ سنوات عديدة (١).
تفجيرات ١١ سبتمبر/ بين بوش وشارون
مما تقدم نخلص إلى أن تفجيرات ١١ سبتمبر ٢٠٠١م جاءت لتوفر ظروف رد فعل للقوات العسكرية الأمريكية المستعدة منذ سنة لإظهار قدراتها على خوض حروب في كل الاتجاهات، وفي نفس الوقت وفرت الغطاء لشارون لممارسة إرهابه بحق الشعب الفلسطيني. فإسرائيل هي الدولة الوحيدة التي قررت الدخول "فوراً في عملية عسكرية في هذيان، الحرب العالمية على الإرهاب"، والتي تتجسد منذ أكثر من ثلاثين سنة في الاحتلال العسكري غير الشرعي لأراضي كانت الأمم المتحدة خصصتها لدولة فلسطينية عربية. فشارون يخوض (حرباً استعمارية) ضد الفلسطينيين تقوم على مصادرة الأراضٍ لإقامة المستوطنين عليها. وتصريحاته وأفعاله من قتل وتدمير واغتيال هي من قبيل (ثقافة الاغتيال السياسي)، التي تجعله يتبنى الأسلوب نفسه الذي أعلن عنه جورج بوش وفريقه، وهي لغة قانون (لينش) لليمين المتطرف البروتستنتي.
وهنا يجب التذكير بأن هيجان شارون ضد الفلسطينيين سابق لعمليات ١١ سبتمبر، حيث لاقت سياسته القمعية دعم أمريكا، حيث لم يتوانَ شارون عن ارتكاب المذابح والاغتيالات ضد الفلسطينيين ولم يتوان في تشبيه الانتفاضة بطريقة غير صحيحة، وغير عادلة، بإرهاب طائفة بن لادن، محاولاً خلق الذعر في رأيه العام ولا يعير أهمية للرأي العام الدولي، بل يتوجه للرأي العام الأمريكي الذي يجد فيه مساندة معتبرة لسياسته. فالروح الانتقامية تجد طريقاً لها في الشعب الأمريكي والشعب الإسرائيلي، إلى درجة أنه يمكننا أن نتساءل إن لم نكن بصدد أسرلنة الرأي العام الأمريكي أو أمركة الرأي العام الإسرائيلي (٢).
стр. 563
سيناريو ضلوع إسرائيل في أحداث ١١ سبتمبر
ثمة أمور مزعجة في هذا التواطؤ العجيب بين مصالح إسرائيل وأمريكا. ويتساءل بعض المسئولين رفيعي المستوى في قلب إدارة بوش حول الدور المباشر الذي أدته إسرائيل في دخول الولايات المتحدة الحرب ضد العراق، فقد أعلن مكتب التحقيقات الاتحادية على سبيل المثال، أنه يدرس احتمال قيام حكومة أجنبية بمناورات تهدف إلى تقوية الدعم لحملة عسكرية ضد العراق. بهذه الرؤية يقدم الكاتب الفرنسي الشهير (اريك لوران) فصله السابع (رئيس غير عقلاني) في مؤلفه الشهير (عالم بوش السري) والذي يميط فيه اللثام عن الاختراق اليميني الديني للسياسة الأمريكية، إضافة إلى الدور (الإسرائيلي) الواضح للعيان في الكثير من الأحداث على صعيد الولايات المتحدة بخاصة منذ وصول (بوش الابن) إلى البيت الأبيض. ويخلص المؤلف إلى نتيجة مؤداها أن إسرائيل كانت حاضرة وبقوة في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبالقدر نفسه كذلك كانت وراء حرب العراق والرابط بين الأمرين لا يخفى على أحد، إذ طلب بوش ثاني أيام الاعتداءات على واشنطن ونيويورك من مستشارته للأمن القومي في ذلك الوقت (كوندوليزا رايس)، إعداد خطة عسكرية لغزو العراق (١).
اتهام أمريكي مباشر لـ (إسرائيل)
كان نهار الخميس السادس عشر من يونيو ٢٠٠٥م، موعداً داخل الكونجرس لاجتماع وجه فيه عدد من الديمقراطيين اتهامات صريحة بأن الرئيس (بوش) قد ضلل الرأي العام الأمريكي عندما أراد الذهاب إلى العراق. وأضاف (راي ماكغافرن) المسؤول السابق في جهاز الاستخبارات الأمريكية CIA أثناء الاجتماع أن أمريكا ذهبت إلى الحرب على العراق من أجل النفط وإسرائيل، وإقامة قواعد عسكرية أرادها المحافظون الجدد كي تتمكن أمريكا وإسرائيل من الهيمنة على ذلك الجزء من العالم. ولم يقتصر الأمر على التلميح، إذ تعداه إلى التصريح حيث قام نشطاء في الحزب الديمقراطي خلال اللقاء المتلفز بتوزيع منشورات تضمنت اتهامات بأن شركة
стр. 564
إسرائيلية تلقت تحذيراً قبيل اعتداءات ١١ سبتمبر في إشارة إلى أن (إسرائيل) كانت تعلم بالاعتداءات قبل حصولها، وأن إسرائيل ربما كانت متورطة أيضا في مضاربات في الأسواق المالية عشية الاعتداءات لتحقيق مكاسب ضخمة (١).
وقد استدل هؤلاء بما أعلنته شبكة فوكس الأمريكية في صدر نشراتها الإخبارية في تلك لفترة من أنها علمت بوجود نحو ستين إسرائيلياً من بين مئات المعتقلين، الذين ألقت السلطات الأمريكية القبض عليهم بعد حوادث التفجيرات، وأن المحققين الاتحاديين من جهاز ال FBI كانوا يبحثون عنهم منذ مدة طويلة على خلفية اتهامهم بالتجسس على مواقع رسمية تابعة للحكومة الأمريكية. وتضيف شبكة فوكس، أن بعض هؤلاء الإسرائيليين ناشطون في الجيش الإسرائيلي، أو عمليات الاستخبارات. وأما اعتقالهم فجرى باتهامات تتعلق بالهجرة أو تحت لافتة قانون (باتريوت اكت)، (تشريع المواطن) لمكافحة الإرهاب. وأضافت في ذلك الوقت نقلاً عن محققين اتحاديين، أن بعض المعتقلين الإسرائيليين لم ينجحوا في اجتياز اختبار فحص الكذب حول التهم المنسوبة إليهم والمتعلقة بأنشطتهم التجسسية ضد الولايات المتحدة. وقد خلصت الشبكة إلى أن شكوكاً كبيرة قد اندلعت في عقول المحققين حول احتمال أن يكون هؤلاء المحتجزين قد جمعوا معلومات إستخبارية حول هجمات ١١ سبتمبر قبل وقوعها، ولكنهم لم يشركوا أحداً في معلوماتهم تلك.
ولكي لا تلقي الشبكة اتهاماتها جزافاً، فقد نقلت عمن وصفته بالمحقق الكبير قوله لها: إن هناك علاقة بين الإسرائيليين والهجمات. لكنه عندما سئل عن تفاصيل هذه العلاقة رفض الإفصاح وقال: الأدلة التي تدين الإسرائيليين، بما جرى في الثلاثاء الحزين هي (مصنفة)، ولا يمكن أن أتحدث عنها. ومعنى مصنفه، أنها معلومات سرية للغاية ولا يجوز إطلاع احد عليها غير المخول لهم ذلك. أمر آخر كشفت عنه فوكس، وهو الإعلان عن مجموعة إسرائيلية كانت تحتفظ بشقة في ولاية كاليفورنيا بهدف التجسس على مجموعة من العرب، الذين تحقق معهم السلطات الأمريكية للاشتباه بعلاقتهم بالإرهاب. وتؤكد فوكس على أنها حصلت
стр. 565
على كمية كبيرة من الوثائق المصنفة التي تشير إلى أنه حتى قبل ١١ سبتمبر كان قد تم وضع ١٤٠ إسرائيلياً آخر قيد الاعتقال والاحتجاز، وأن ذلك قد تم ضمن تحريات سرية للاشتباه بأنهم يتجسسون لمصلحة إسرائيل في أمريكا.
اما التحقيقات التي جرت بعد الأحداث فقد قادت إلى إلقاء القبض على عشرات الإسرائيليين العاملين في أكشاك صغيرة داخل مراكز تجارية؟، اعتبرت واجهات لممارسة نشاطات إسرائيل التجسسية، والمثير جداً في هذا الصدد أنه بعد أن أوردت صحيفتا واشنطن بوست ونيويورك تايمز نبأ اعتقال أشخاص إسرائيليين، بتهم تتعلق بالهجرة في نوفمبر عام ٢٠٠١م، بدأت هذه العربات التي تعمل كأكشاك صغيرة بالاختفاء من مواقع انتشارها. وباختصار غير مخل يقول ضابط كبير ممن يشرفون على التحقيقات لفوكس: إن حكومة الدولة تقوم بأعنف حملة تجسس ضد الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من أي دولة حليفة لأمريكا. في تلميح مباشر للتورط الإسرائيلي في القيام بنشاطات تجسسية فوق الأراضي الأمريكية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن مكتب أمن الاتصالات في جهاز المباحث الاتحادية وضع تقريرا أشار فيه إلى أنه تم تحديد عدد من ثغرات الاختراق لأجهزة الكمبيوتر بالمكتب، وهي نقاط صممت بحيث تتيح لعملاء دولة أجنبية دخول نظام المعلومات، المركزي والاطلاع على محتويات الملفات، التي يتضمنها النظام. وهنا تلزم الإشارة إلى أن عمليات المراجعة الأمنية في أعقاب هجوم الحادي عشر من سبتمبر، قد كشفت عن أن الأجهزة والبرامج التي استخدمها مكتب التحقيقات الاتحادية آنذاك، تضمنت برامج مستوردة من شركة (كومفيرس أنفوسيس) الإسرائيلية، وأن تلك البرامج تضمنت نوافذ سرية يمكن لخبراء الشركة المنتجة، وهم أصلاً من صمموها، استخدامها للاطلاع على محتوى الملفات والبيانات بأجهزة المكتب من دون أن يتمكن خبراء الأمن في المكتب من رصد تلك النوافذ بسهولة. وبعد الكشف عن تلك الثغرات ألقي القبض على عدد من الإسرائيليين، وتم ترحيلهم من الولايات المتحدة، وتردد أن مسئولا عسكريا إسرائيلياً، وضع أيضاً رهن الاعتقال وحقق معه، ثم أعيد إلى إسرائيل، وبذل خبراء المكتب جهدا كبيرا لسد الثغرات، إلا أنهم وضعوا تقريرا قالوا
стр. 566
فيه: إنه من الأفضل تغيير نظام الاتصالات داخل مكتب التحقيقات بأكمله (١).
إرهاب الموساد ضد أمريكا
رغم وضوح الرؤية لمعظم المتابعين بأن هجمات ١١ سبتمبر كانت مدفوعة ـ على الأقل في جزء منها ـ بقضية السيطرة على الشرق الأوسط، إلا انه من غير الواضح فيما إذا كان ذلك هو الدافع الرئيس، وفي حال استثنينا العرب الساكنين في الكهوف الأفغانية، فإننا لا نعلم بعد ـ الجناة الحقيقيين، ولكن يدل التنسيق والدقة في الهجمات على نيويورك وواشنطن على التورط المباشر لواحدة من وكالات الاستخبارات الحكومية للعالم الأول، حيث كانت الفوضى الناتجة عن الهجمات أكيدة ومميتة بالمنظور الاستراتيجي (٢). وفي مقال له بمناسبة مرور عام على أحداث ١١ سبتمبر، طرح الكاتب الصحفي (ديفيد ديوك) سيناريو جديد لما حدث، حيث اتهم الحكومة الإسرائيلية بزعامة الإرهابي شارون بأنها تقف وراء هذه العملية، حيث يقول: "سوف أقدم الدليل الدامغ لتورط شارون في الهجوم الإرهابي على مركز التجارة العالمي"، حيث مهد لذلك بتسليط الضوء على الإرهاب الإسرائيلي، والشاروني بالذات وعدم تورعه عن اللجوء إلى أحط الوسائل لتنفيذ ما يسميه بأهداف الصهيونية القذرة، وسعيها إلى جر العالم إلي حرب عالمية ثالثة.
فطالما كان للموساد تاريخ مديد حافل من الإرهاب المقنع والخيانة الخفية. ففي عام ١٩٤٠ عندما قرر الانكليز إنقاذ اليهود المهددين من قبل النازية بنقلهم إلى جزيرة (موريس) عمد قادة (الهاغانا) الصهاينة بزعامة بن غوريون حينذاك إلى تفجير السفينة (باتريا) المحملة باليهود حينما رست في ميناء حيفا، وكان ضحية ذلك ٢٥٢ يهودياً أضف اليهم بحارة السفينة الانكليز .. كل هذا بغية إثارة روح العداء لبريطانيا التي لم تسمح بتحقيق رغبة اليهود في النزول إلى (ارض الاجداد) .. وبعد ثمانية عشر عاماً يكتب موشي شاريت رئيس مجلس الوزراء ورئيس الوكالة
стр. 567
اليهودية معلقاً على هذه الكارثة: "من الضروري في بعض الاحيان أن نضحي ببعض الاشخاص في سبيل إنقاذ الأغلبية". وهناك مثال آخر من يهود العراق الضاربين بجذورهم العميقة في هذا البلد .. حيث بدأت الاعمال الارهابية في بغذاد عام ١٩٥٠. فتجاه تردد بعض اليهود العراقيين في تسجيل اسمائهم في قائمة المهاجرين إلى اسرائيل لم تتورع المخابرات الاسرائيلية - بغية اقناع اليهود بانهمم في خطر - عن أن ترمي بالمتفجرات على المعبد اليهودي فتقتل ثلاثة أشخاص وتجرح العشرات (١).
وفي حقبة الخمسينات فجر عملاء الموساد الإسرائيليون منشآت أمريكية في مصر، ضمن خطة محبوكة بالغة التعقيد لإلصاق تهمة الإرهاب ضد أمريكا بالمصريين، لكسب التأييد بذلك والدعم الأمريكي لـ إسرائيل ضد مصر، ولحسن حظ الولايات المتحدة ومصر، فإن قنابل احد العملاء اليهود انفجرت قبل التوقيت المحدد لها وافتضحت المؤامرة وكان على وزير الحرب الإسرائيلي (بنحاس لافون) تقديم استقالته بسبب الفضيحة التي انفجرت آنذاك. وخلال حرب ١٩٦٧م هاجمت إسرائيل سراً سفينة حربية أمريكية هي (ليبرتى)، بطائرات أزيلت عنها شاراتها ونزعت أعلامها بزوارق طوربيد في محاولة، لإغراق السفينة ولإلقاء اللوم مره أخرى على المصريين وإلصاق تهمة ارتكاب هذه المجزرة بهم. وقد قتل في هذه المجزرة ٤٣ أمريكيا وجرح ١٧٣، ولم تنج السفينة من الغرق، إلا بفضل بسالة طاقهما وشجاعتهم، والتي أنقذت السفينة من الغرق، وعرت دور إسرائيل في الهجوم، مما دفعت مسئولين أمريكيين إلى القول بان الهجوم الإسرائيلي كان متعمداً (٢).
التزييف الرسمي لحقيقة حادث (ليبرتي) (٣)
فضحت مشادة في مؤتمر عقدته إدارة التاريخ والتوثيق التابعة لوزارة
стр. 568
الخارجية الأمريكية حقيقة تاريخية، تكتمت عليها إدارة الرئيس الأمريكي الراحل (ليندون جونسون) في شأن حقيقة ما حصل للسفينة الحربية الأمريكية (ليبرتي) في البحر الأبيض المتوسط في ٨ يونيو ١٩٦٧م. فقد منع منظمو المؤتمر الناجين من حادث إغراق ليبرتي، من تلاوة نص شهادة موثقة باليمين وقعها (وورد بوسطن) (٨٤ عاماً) كبير مستشاري التحقيق في حادثة ليبرتي، ويعلن فيها انه تلقى تعليمات مباشرة من (جونسون) والأدميرال (إسحاق كيد) رئيس لجنة التحقيق في البيت الأبيض ووزير الدفاع آنذاك (روبرت ماكنمارا) بتغيير نتيجة التحقيق، وتكتم الحقيقة حتى لا يتعرض احتمال إعادة انتخاب (جونسون) للخطر بسبب النفوذ الإسرائيلي القوي. ويفضح في شهادته، كيف تم تغيير تقرير التحقيق؟ ويؤكد للشعب الأمريكي أن إسرائيل هي الجاني على سفينته وبحارته (١).
وقد نشرت (جريدة الخليج الإماراتية) نص الشهادة/ الوثيقة، حيث أوضح (فيليب تورني) رئيس جمعية محاربي ليبرتي للخليج أن شهادة بوسطن مهمة في ضوء المحاولات الأمريكية، لإعادة كتابة تاريخ حادثة إغراق سفينة التجسس ليبرتي بنيران القوات الإسرائيلية، لطمس تلك الحقيقة، وإلصاق التهمة بمصر والعرب. وقال إن الهدف الحقيقي كان يتمثل في استدراج أمريكا لدخول حرب ١٩٦٧م في صف إسرائيل ضد العرب بتحميل الأخيرين مسؤولية إغراق ليبرتي، بيد أن بحارة السفينة المنكوبة نجحوا في إرسال إشارة استغاثة نصها (إسرائيل تهاجمنا). وأوضح أن طاقم السفينة نجحوا في إرسال أحد البحارة إلى أعلى الساري لتركيب هوائي، بديل عن الهوائيات التي دمرتها الطائرات الإسرائيلية في طلعة الهجوم الأولى ضد ليبرتي لمنعهم من إرسال استغاثة، ولم يسلم ذلك البحار من استهداف الطائرات الإسرائيلية التي أطلقت عليه النيران، وهو يحاول تركيب الهوائي البديل، ولكنه أتم المهمة بسلام رغم إصابته، ما أتاح لطاقم السفينة إرسال استغاثة. ففشلت الخطة الإسرائيلية لإغراق السفينة بالكامل. يقول (بوسطن) في نص الوثيقة التي مُنع الناجون في مؤتمر وزارة الخارجية الأمريكية من تلاوتها، بل حدثت مشادة مثيرة،
стр. 569
لدرجة أن رئيس الجلسة أمر بإخراج من حاول من الناجين شرح الحقيقة:
١. لقد كنت صامتاً لأكثر من ٣٠ عاماً على موضوع السفينة ليبرتي، فقد كنت رجلاً عسكرياً أتلقى الأوامر من وزير الدفاع، والرئيس الأمريكي، ولكن المحاولات الأخيرة لإعادة كتابة التاريخ ترغمني على كتابة الحقيقة. لقد كنت في يونيو ١٩٦٧ م كابتن بالقضاء العسكري التابع للبحرية الأمريكية، عندما تم تعييني ككبير المستشارين القانونيين للجنة التحقيق في البحرية الأمريكية، حول موضوع حادث اغراق ليبرتي. وقتها أعطانا الأدميرال (إسحاق كيد) رئيس لجنة التحقيق مهلة أسبوع واحد فقط لجمع المعلومات، رغم أننا رأينا أن الموضوع يحتاج لستة أشهر.
٢. ورغم الوقت القليل المتاح لنا فقد جمعنا كمية كبيرة جداً من المعلومات والأدلة، بما فيها ساعات من شهادات الناجين المأساوية، حيث كانت الأدلة واضحة، وقد آمنت بثقة أنا والأدميرال (كيد) بأن هذا الهجوم الذي أسفر عن مصرع ٣٤ جندياً أمريكياً، وجرح ١٧٢ كان بفعل جهد مدبر ومتعمد لإغراق سفينة أمريكية، لقتل كل أفراد طاقمها. وقد استمرت مناقشتنا، وأتذكر أن الأدميرال (كيد) كرر مرات عدة تأكيده أن القوات الإسرائيلية مسئولة عن الهجوم، وكرر وصفهم بأنهم قتلة وأولاد سفاح.
٣. كان رأينا المشترك والمبني على الأدلة والشهادات التي سمعناها ورأيناها، أن الهجوم كان مخططاً ومتعمداً ولا يمكن أن يكون حادثة، وأنا على ثقة من أن الطيارين الإسرائيليين الذين قاموا بالهجوم وكذلك رؤساءهم الذين أمروا بالهجوم كانوا يعلمون أن السفينة أمريكية. لقد رأيت العلم الذي دل بوضوح على هوية السفينة مخترقاً بالرصاص الإسرائيلي.
٤. إسرائيل لم تهاجم فقط السفينة ليبرتي بالنابالم والرصاص والصواريخ، بل قامت قوارب التوربيدو الإسرائيلية بفتح مدافع رشاشاتها الثقيلة على ثلاثة قوارب نجاة، كانت تحمل جرحى أمريكيين أنزلهم طاقم ليبرتي إلى الماء في محاولة لإنقاذهم، وهذه جريمة حرب.
٥.الأدميرال (كيد) وأنا كلانا شعرنا بأنه من الضروري وقتها السفر إلى إسرائيل لاستجواب الإسرائيليين، الذين شاركوا في الهجوم، وطلب الادميرال (كيد) من الادميرال (جون ماكين) القيام بترتيبات هذه الزيارة، لكنه أبلغني لاحقاً بأن
стр. 570
الادميرال ماكين أصر على عدم ذهابنا إلى إسرائيل، أو التحدث مع الإسرائيليين حول هذا الموضوع مطلقاً. وللأسف أننا في لجنة التحقيق لم ننظر في شهادات أكثر من ٦٠ شخصاً من الناجين والجرحى.
٦. أنا شديد الأسف، وغاضب للغاية من هؤلاء، الذين يبررون لإسرائيل في هذا البلد (الولايات المتحدة)، ويرددون بأن الهجوم كان بسبب عدم التعرف إلى هوية السفينة، وعلى وجه الخصوص (جي كريستول). (فجي كريستول) يلوي الحقائق ويقدم بطريقة خاطئة أولئك الذين حققوا في الحادث. ومحاولات (كريستول) المليئة (باللؤم) لغسل الحقائق دفعتني للخروج عن صمتي.
٧. أنا أعلم من محادثاتي مع الأدميرال كيد أن الرئيس (جونسون) ووزير الدفاع (روبرت ماكنمارا) أمراه بأن يجعل نتائج التحقيق تخلص إلى أن الهجوم على ليبرتي، كان حادثاً بسبب عدم التعرف إلى هوية السفينة، وإنما كان حادثاً تم خطأ، رغم الأدلة التي تدل على عكس ذلك. فالأدميرال (كيد) قال لي بعد عودته من واشنطن: إنه تلقى أوامر بالجلوس مع شخصين مدنيين من البيت الأبيض ووزارة الدفاع، لإعادة كتابة أجزاء من تقرير لجنة التحقيق.
٨. الأدميرال (كيد) أيضا قال لي: إنه قد صدرت إليه أوامر بالتغطية على كل شيء له علاقة بالهجوم على ليبرتي، و (إننا) ممنوعان من التحدث على الإطلاق عنها، وأن علينا أن نحذر الآخرين من ألا يفتحوا فمهم في هذا الموضوع إلى الأبد، وأنا ليس لدي أي سبب يجعلني أشك في هذا الكلام. أنني أعرف أن لجنة التحقيق والسجل المكتوب الذي نشر لاحقاً للرأي العام ليس هو السجل الذي كنت قد وقعت عليه وأرسلته إلى واشنطن. لقد كان علينا تحت ضغوط الوقت أن نصحح باليد، ونوقع على عدد كبير من الصفحات. وعندما قمت بفحص التقرير الذي نشر لم أر أياً من الصفحات التي سجلتها، وكانت تحمل توقيعي، وأيضاً فإن أصل التقرير لم تكن به صفحات بيضاء كالتي رأيتها في التقرير المنشور. أيضاً شهادة الملازم (بينتر) المتعلقة بالهجوم المتعمد على (الجرحى الأمريكيين) في قوارب النجاة من قبل أطقم التوربيدو الإسرائيلي، تم حذفها من التقرير الرسمي المنشور. وبعد نهاية عمل لجنة التحقيق استمررنا أنا وكيد في التواصل ومناقشة الموضوع في ما بيننا، وفي كل مرة كان الأدميرال مصراً على أن الإغراق كان متعمداً، ومن المهم للشعب
стр. 571
الأمريكي أن يعلم أن (إسرائيل) مسئولة عن إغراق السفينة ليبرتي، وقتل بحارتها الأمريكيين، وعن هؤلاء الضحايا الذين قتلوا ومشاعر أسرهم، وكذلك الناجين الذين عاشوا هذه الظروف التي تفوق الوصف (١).
شارون وأحداث سبتمبر
ونعود إلى (ديفيد ديوك) الذي - بعد ان سلط الضوء على المنطلقات الذهنية اليهودية العنصرية الحاقدة على البشرية، والطريقة التى يفكر بها القادة الصهاينة وشارون بالذات وعدم تورعه عن اللجوء إلى أحط الوسائل لتنفيذ ما يسميه بأهداف الصهيونية القذرة، وسعيها إلى جر العالم إلي حرب عالمية ثالثة - يتابع مقاله بالقول: لقد أوردت هذا لأقول إنه من هنا، ومن هذه المنطلقات في الذهنية اليهودية ينبغي أن نبدأ النظر، إلى هجمات الحادي عشر من سبتمبر في أمريكا. فقد تملكت شارون رغبة جامحة بافتعال حدث جديد خفي وسرى على غرار قضية (لافون) و (ليبرتى). كان يسعى لقضية لا يعتريها الخطأ ولا يفسدها خلل ما. كان شارون يتلهف بيأس على حدث رهيب بالغ الشناعة يقلب العالم رأساً على عقب، ويحول الرأي العام العالمي ويطلق له العنان ليفعل ما يشاء بالفلسطينيين، وعثر على ضالته في منظمة القاعدة بزعامة بن لادن، حيث اخترقها الموساد واقترح خطة هجمات نيويورك وواشنطن. وهنا يقول (ديفيد ديوك): "إن خبراء مركز الأبحاث والدراسات العسكرية في الجيش الأمريكي، يقولون: إن الموساد لديه القدرة على توجيه ضربات لقوات ومصالح أمريكية، وجعل الأمر يبدو على أنه من تدبير فلسطينيين أو عرب" (٢).
ويضيف (ديفيد ديوك): "لا يجرؤ على التستر على الدور الخياني المجرم الذي قامت به إسرائيل في هجمات ١١ سبتمبر سوى الخونة من الأمريكيين. الخونة وحدهم هم الذين يحجمون عن مقاضاة مائة من جواسيس إسرائيل، الذين تم
стр. 572
القبض عليهم، ويعيدوهم ـ بدل أن يحاكموهم ـ إلى إسرائيل كي يطمس الحق، ويتم التستر على دور إسرائيل في الهجمات. الخونة وحدهم هم الذين يقدمون الدعم الأمريكي لجرائم إسرائيل المروعة ضد الشعب الفلسطيني، تلك الجرائم الشنيعة ضد الإنسانية، وهى جرائم لا تتصف فقط بأنها تسدد طعنة للإحساس الأمريكي بالعدل، بل أنها جرائم تدمر بلدنا في كل أنحاء العالم وتشوه سمعتنا، وتجعلنا عرضة لمزيد من الإرهاب في المستقبل.
ثم يختم (ديفيد ديوك) كلامه بالقول: "أنني ارتجف خشية على أمريكا، بلدي، وامتلئ مرارة وألماً لفقد بلدي استقلاله وحريته ورضوخه مذعناً لهيمنة دعاة التفوق العنصري اليهودي، مثل القاتل بالجملة، ومجرم الحرب أرييل شارون. وأنني لابتهل إلى الله من اجل أن يحل السلام، وقلبي كله لوعه مما يصيب عشرات الآلاف من الفلسطينيين المجهولي الأسماء، الذين يعانون في هذه اللحظة اشد المعاناة في وطنهم الحبيب، كما أنني أتضرع إلى الله من اجل أولئك اليهود الأبرياء، الذين دفعوا ثمن إرهاب شارون وغيره من دعاة العنصرية اليهود، وأصلي من أجل الشعب الأمريكي كي تتمكن من كسر أصفاد هذه الخيانة ضد شعبنا .. الخيانة ضد كل تلك المبادئ السامية، التي قام على أساسها بلدنا الحبيب (١).
الجماعات المسيحية المتطرفة وأحداث ١١ سبتمبر
إذا كان احتمال مسئولية اسرائيل عن احداث ١١ سبتمبر كبير حسب ما اوردناه من ادلة وشواهد واقعية وتاريخية، فإن احتمال مشاركة الجماعات اليمينية المتطرفة في الاحداث كبير جداً بسبب علاقاتها المميزة مع اسرائيل ورغبتها في التعجيل بالمعركة النهائية بين ما يسمى الخير والشر. فمن خلال ما تقدم اتضح لنا ـ وبإجماع الخبراء ـ على أن التفجيرات لا يمكن أن يخطط لها من الخارج، بل إن المخططين والمنفذين من داخل أمريكيا، ولديهم معلومات بالغة الدقة في كافة المجالات، وهنا لا بد من التساؤل: لماذا لم يتم توجيه الاتهام للجماعات المسيحية المتطرفة التي
стр. 573
تعد بالمئات؟ والتي تمتلك أسلحة ومليشيات، ولديها سوابق في هذا المجال مثل ما حدث في (اوكلاهوما)، كما أن هذا الجماعات تؤمن بأفكار ونبوءات متطرفة وجنونية، تقول بقرب نهاية العالم، وقيام معركة فاصله بين قوى الخير وقوى الشر، ولهذا فلا يستبعد أن تكون إحدى هذه الجماعات، هي التي نفذت الهجوم لاستعجال نهاية العالم وعودة المسيح إلى الأرض، وهنا سنعرض لمثل حي لهذه المحاولات، حيث سبق لمكتب التحقيق الفدرالي أن نبه إلى خطر هذه الجماعات، في تقرير نشر في ٢٠/ ١٠/١٩٩٩م (١).
فقد ذكرت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية، نقلاً عن تقرير صادر عن المكتب الفيدرالي الأمريكي في ٢٠ أكتوبر ١٩٩٩ م أن المتطرفين المسيحيين الأمريكيين يستعدون للقيام بأعمال عنف كبيرة في بداية القرن العشرين داخل الولايات المتحدة. وأضافت الصحيفة تقول: إن هذا العنف المتوقع سيكون راجعاً لاعتقاد الذين يؤمنون بالإنجيل بأن نهاية العالم ستكون في الألفية الثالثة (٢). وذكرت أن التقرير الأمريكي يشير إلى أن هناك توترات يمكن أن تحدث بين المسلمين واليهود في القدس استنادًا للأسطورة -التي يؤمن بها مسيحيون ويهود- والقائلة بأن منطقة (هرمجيدون) التي تقع شمال فلسطين ستشهد حرباً بين الخير (اليهود) والشر (المسلمين)، وسينتصر فيها الخير، كما سيتم استخدام الأسلحة النووية في هذه الحرب، وسيباد كل المسلمين، وسيعود العالم مرة أخرى إلى حالته البدائية.
ويضيف التقرير: أن الآلاف من السياح الأمريكيين بدءوا يتوافدون على إسرائيل للاشتراك في هذه المعركة، وأن الإيمان الراسخ بهذه الأسطورة دفع أشخاصاً عديدين لاقتناء حاجاتهم من الغذاء والمال والسلاح والملابس انتظارًا لنهاية العالم.
стр. 574
وفي الإطار نفسه، وفي يناير سنة ١٩٩٩م اعتقلت الشرطة الإسرائيلية وأبعدت إلى الولايات المتحدة ثمانية أعضاء في طائفة أميركية (المسيحيون القلقون)، اتهمتها بالسعي إلى الانتحار بشكل جماعي بمناسبة حلول الألفية الثالثة. وأفادت الصحافة الأميركية أن زعيم هذه الطائفة (مونتي كيم ميلر) تنبأ بأنه سيقتل في شوارع القدس في ديسمبر ١٩٩٩م، وأن هذا الحدث سيطبع نهاية الألفية الثانية. ويعتقد المسيحيون من أصحاب هذه النظرية أن تدمير مسجدي القدس (الأقصى وقبة الصخرة)، وإعادة بناء المعبد اليهودي مكانها يشكل مقدمة لعودة المسيح وللدينونة الأخيرة.
ويضيف التقرير: إن عدداً من المنظمات الدينية التي تنتظر يوم الدينونة في سنة ٢٠٠٠م، خزنت أسلحة في مخابئ سرية بغية تنفيذ اعتداءات تستهدف قواعد للجيش الأميركي، ومكاتب الأمم المتحدة والمؤسسات اليهودية، والسكان السود في الولايات المتحدة، والأقليات العرقية فيها، ولذلك طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي ( F. P.I) من أجهزة الشرطة المحلية مراقبة الميليشيات المتطرفة، والطوائف التي يمكن أن تستغل حلول عام ألفين للقيام بأعمال إرهابية أو عمليات انتحار جماعي. وفي تقرير من أربعين صفحة وُزِّع عبر العالم، أوضح مكتب التحقيقات الفيدرالي أنواع التهديدات، وفصّل المراجع التوراتية التي تستعملها هذه المجموعات.
وجاء في هذا التقرير أيضاً: أن هذه الحركات قد تستغل اقتراب عام ألفين من أجل التعجيل بـ (نهاية العالم)، وهي تعتقد أنها باتت قريبة. ويطلب التقرير من أجهزة الشرطة المحلية أن تكون بالمرصاد، وأن تبلغ عن أي تغيير في تصرفات هذه المجموعات، مثل استعدادات مشبوهة أو تخزين متفجرات ... وما إلى ذلك. ويخشى ( F.P.I) أيضا من حصول أعمال فردية يقوم بها أعضاء في هذه المجموعات. وأوضح مكتب التحقيقات الفيدرالي في بيان له، "أن (مشروع مجدو) يقدم (رؤية شاملة لأيديولوجيات متطرفة مختلفة، وخصوصاً تلك التي تدعم أو تدعو إلى القيام بأعمال عنف في عام ٢٠٠٠م". ومن بين هذه المجموعات المستهدفة، يعدد البيان خصوصاً (مناصرين أشداء لتفوق العنصر الأبيض)، الذين يسعون إلى شن حرب عنصرية، ويؤمنون ببدع تنتظر معركة كبرى نهائية عنيفة، وكذلك أعضاء متطرفون في
стр. 575
ميليشيات يخشون أن تقوم الأمم المتحدة باجتياح الولايات المتحدة وإقامة نظام عالمي جديد (١).
هذا تقرير لمكتب التحقيق الفدرالي أعد منذ سنوات، ربما يفيد في تحديد المسئول عن التفجيرات، ولكن يبدو أن الإدارات الأمريكية السابقة والحالية، لا تروق لها هذه الأدلة، ولهذا لم تفتش عن السبب الحقيقي، بل لجأت إلى عدو وهمي وجاهز لإلصاق التهمه به، وهو العرب والمسلمين، من أجل إشعال هرجيدون وتحقيق النبوءات التوراتية.
وفي نفس الاطار يورد (بول فندلي) في كتابه (لا سكوت بعد اليوم) حادث مشابهه حيث يقول: "في الأيام الأخيرة من سنة ١٩٩٩م، استعد العديد من الأمريكيين لمواجهة مزيد من العنف. كانت مجزرة اوكلاهوما سيتى حية في ذاكرتهم، حين جاءت بلاغات إدارة كلينتون التحذيرية، حول هجوم محتمل، قد يشنه إرهابي مسلم في يوم رأس السنة الجديدة، أو لاحقاً. وتعمقت المخاوف حين حاول جزائري مسلم، يسعى للدخول إلى الولايات المتحدة، تهريب ما وصف بأنه تجهيزات لصنع متفجرات، عبر نقطة جمارك، بالقرب من (سياتل) على الحدود مع كندا. واحتل نبأ اعتقاله صدارة عناوين الأخبار، لعدة أيام، في كافة وسائل الإعلام الأمريكية المرئية والمقروءة. وازداد قلق الأمريكيين، أكثر فأكثر، عندما اعتقل مسلمان آخران في مدينة نيويورك سيتى، وجرى استجوابهما بحثاً عن أي علاقة محتملة تربطهما بالمعتقل في سياتل أو بان لادن. وعلى الرغم من عدم مقاضاة هذين الشخصين، إلا أن الأنباء عن اعتقالهما التي أرفقت بصور ابن لادن الخطير، عززت خوف الأمة جمعاء من إرهاب يفد عليها من الخارج" (٢).
من خلال مقارنه هذا الكلام بالتقرير الذي نشرته F.P.I، وقامت بتوزيعه على مراكز الشرطة والصحف، فإننا نلاحظ أن تقرير F.P.I لم يحظَ بالتغطية الإعلامية المناسبة، بل حصل العكس، حيث تم إسقاط التهمه على عدو جاهز خارج أمريكا يتمثل بالمسلمين، وتم تلفيق تهمه مزيفه لأشخاص عاديين، جريمتهم
стр. 576
الوحيدة أنهم مسلمون، ليكونوا جاهزين ككبش فداء لما كان متوقعاً أن تقوم به الجماعات الأصولية الأمريكية المتطرفة. وبهذا ضربت الإدارة الأمريكية عصفورين بحجر واحد، فمن ناحية تصدر مشاكلها إلى الخارج، حتى لا تضطر إلى مواجهة الجماعات الأصولية الأمريكية المتطرفة، مما سيؤدى إلى حالة اضطراب وفوضى داخل أمريكيا، ومن ناحية أخرى يتيح لها اتهام العرب والمسلمين تحقيق مخططها الصليبي في المنطقة.
"فالفاعل في احداث ١١ سبتمبر -كما يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل- كانت تحركه دوافع نفسية مختلفة بالكامل عن التصور العربي للحركة المطلوبة إزاء الولايات المتحدة. بمعنى أن مطلب العرب من أمريكا أن تضغط على إسرائيل، وهذا الضغط في حد ذاته ـ لابد أن يكون بعيار ومقدار، بان مرات متعددة في عمليات سابقة سببت أضراراً جسيمة، ومع ذلك تركت قنوات مفتوحة! لكن الفاعل صباح الثلاثاء ١١ سبتمبر لم يظهر راغباً في التأثير أو مباشرة الضغط بمختلف درجاته، بل لم يكن في شكل فعله انه يبعث بإشارة ـ حتى لو كانت دموية ـ إلى المستقبل، ولم يترك ثغرة لفرصة. وإنما كان الفاعل كما تقول كافة الإشارات غاضباً، وكان مصراً على الانتقام، وفي الغالب من شيء وقع (١). ولهذا فقد رجّح الدكتور (عصام العريان) أحد قيادات الإخوان المسلمين بمصر، أن يكون منفذ سلسلة الهجمات التي طالت مؤسسات صنع القرار الأمريكي في نيويورك جماعات من داخل الولايات المتحدة لا من خارجها. وقال العريان: إن هناك غضباً من المواطنين الأمريكيين تجاه عدم العدالة التي يعانون منها، وهو ما اعترف به من قبل "ماكفاي" مفجّر أوكلاهوما عام ١٩٩٣م، حيث ذكر أنه نفّذ الحادث (لأن أمريكا دولة ظالمة) من وجهة نظره، و (لا تقيم العدل بين مواطنيها). وأشار القيادي الإسلامي إلى أن السياسة غير الرشيدة لإدارة بوش ومن سبقه قد تكون دفعت إحدى التنظيمات السرية إلى القيام بمثل هذه العمليات التي لم يسبق لها مثيل في العالم (٢). يضاف إلى كثير من العمليات
стр. 577
الإرهابية التي حدتث في أمريكيا، ولم تولها وسائل الإعلام أي اهتمام، والتي سنعرض لبعضها ..
حوادث لها دلالات
في ظل سيطرت لاهوت هرمجيدون على صلب اهتمامات المتهودين البروتستانت ـ وعلى رأسهم كثير من صناع القرار الأمريكي ـ وفي ظل الانتشار الكبير للجماعات الأصولية المسيحية المتطرفة، يجب أن نتوقع تصعيد كبير في حملة أمريكيا الصليبية على العالم الإسلامي عن طريق افتعال واختلاق المبررات لإشعال الحرب في المنطقة. فبالرغم من أنه قد ثبت، وباعتراف الإدارة الأمريكية أن المسئول عن نشر بكتيريا الجمرة الخبيثة، هم جماعات يمينية أمريكية متطرفة، إلا أننا لاحظنا محاولات أمريكية لإلصاق هذه التهمة بالمسلمين كما فعلت في تفجيرات نيويورك.
فقد نشرت جريدة الملتقى الدولي في عددها ٤٢٥ الصادر يوم الخميس ٢٥/ ١٠/٢٠٠١م تقريراً قالت فيه: اكتشفت الولايات المتحدة الأمريكية، أن منفذي العمليات الحقيقية في نيويورك وواشنطن ليست جماعة تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن، وتوصلت أجهزة التحقيقات في المباحث الفيدرالية الأمريكية وجهاز الاستخبارات الأمريكية والمدعي العام التابع لوزارة العدل الأمريكية أن الجناة الحقيقيين لا علاقة لهم بتنظيم أسامة بن لادن، وأن جماعة أمريكية متطرفة هي صاحبة تدبير مؤامرة مركز التجارة العالمي .. وأن الذين نفذوا العملية عناصر من أحد جماعة تدعى U.P.A، وهي جماعة مسيحية بالغة التطرف تسعى للانقلاب على النظام العالمي الجديد، وتدعو إلى تدمير صور الحضارة العالمية بكل صورها .. وتعتقد تلك الجماعة أن الولايات المتحدة الأمريكية بتقدمها التكنولوجي تمضي على عكس ما تنص عليه المعتقدات الدينية لهذه الجماعة، ومن هنا وجب الانقلاب على الولايات المتحدة وتدمير قوتها وعظمتها الاقتصادية والعسكرية. وقد ألقت السلطات الأمريكية القبض على شابين أمريكيين بعد محاولة اختطاف طائرات مدنية، وتنفيذ عمليات إرهابية وقد منعت كل أخبار هذين الشابين الأمريكيين. لكن المقربين من
стр. 578
التحقيقات كشفوا أن هذين المواطنين الأمريكيين اعترفا أمام رجال المباحث الأمريكية أنهم وجماعتهم وراء هذه الإنفجارات، لأنهم يعتقدون أن نزول المسيح لن يكون إلا بعد أن تدمر الحضارة المدنية بدءاً من أمريكا (١).
كما أنه بعد تفجيرات نيويورك حدثت العديد من محاولات اختطاف الطائرات والعمليات الإرهابية، التي قام بها أمريكيون من أتباع التيار اليميني المتطرف، حيث حاولت الإدارة الأمريكية التكتم على التحقيقات بشأنها أو الإيحاء بأنهم من أصول عربية، ولكن بسبب كثره هذه العمليات ووجود دلائل دامغة على منفذيها الحقيقيين لم تستطع اتهام العرب والمسلمين بها، نذكر منها:
١. بكتيريا الجمرة الخبيثة: حاولت الإدارة الأمريكية توجيه التهمه في البداية إلى تنظيم القاعدة والعراق، بسبب رغبتها في توسيع دائرة الحرب، ولكن بسبب اتضاح هوية الذين يقفون وراءها للجميع أضرت إلى الاعتراف بمسئولية الجماعات اليمينية المتطرفة عنها، وطي ملف هذا القضية الخطيرة، بدون اعتقالات أو ملاحقات أو حملات عسكرية!!؟.
٢. في ٩/ ١/ ٢٠٠٢م قالت الشرطة في إحدى مقاطعات ولاية كاليفورنيا: إن موظفاً سابقاً في محطة للطاقة النووية اعتقل بعد تهديده بتنفيذ عمليات إرهابية بالمحطة. كما أعلنت الشرطة اكتشاف عشرات من قطع الأسلحة في مخزن سري بمنزل المتهم، وتم احتجاز الرجل الذي لم يكشف النقاب عن اسمه في سجن في سانتا آنا, للتحقيق معه بتهمة التهديد الإرهابي. وكان المتهم (٤٣ عاماً)، تعرض للطرد من عمله في محطة لتوليد الطاقة النووية تقع في شمال مقاطعة سان دييغو. وقالت أنباء إنه أعلن تهديدات ضد المحطة وضد أحد زملائه في العمل. ووجدت في بيت الرجل ١٥٠ قطعة سلاح إضافة إلى آلاف من الطلقات الحية. كما تم العثور على مواد كيماوية مختلفة تم إرسالها للفحص، وقال أحد المسئولين: "إننا نأخذ على محمل الجد أي تهديد خصوصاً من أولئك الذين كانوا يعملون سابقاً في منشأة نووية, كما أن وجود هذا الكم من السلاح في مخزن سري يجعلنا نعتقد أنه قادر على تنفيذ تهديده". وكان أحد أصدقاء المتهم قد أبلغ السلطات بفحوى التهديدات، التي
стр. 579
صدرت عنه بحق العاملين في المحطة النووية. غير أنه لم يتم الكشف عن فحوى تلك التهديدات (١).
٣. وقعت في تلك الفترة العديد من حوادث اختطاف وتفجير الطائرات، والتي قام بها أمريكيون منها:
- تحطم طائرة أمريكان ايرلاين بتاريخ ١٣ نوفمبر٢٠٠١م بعيد إقلاعها من مطار نيويورك بدقائق، حيث أدى الحادث إلى مقتل ٢٦٠ شخصاً كانوا على متنها إضافة إلى عدد من الأشخاص في المنطقة التي تحطمت الطائرة فوقها، ولم تعرف الأسباب الحقيقية لذلك وطوى ملف القضية.
- قام شخص بريطاني يدعى (ريتشارد ريد) بمحاولة إشعال مواد متفجرة كان يخفيها في حذائه داخل طائرة أمريكان ايرلاين، التي كانت متجهة من باريس إلى ميامى، حيث زعم في البداية أن المتهم ذو ملامح عربية، ولكن بعد التحقيقات الدقيقة اتضحت هوية هذا الشخص، فطوي ملف القضية ولم يعد يسمع عنها أحد!!؟
- بتاريخ ٥/ ١/٢٠٠٢ م قام صبى أمريكي يدعى (تشارلز بيوش) (١٥عاماً) بالتوجه إلى مطار سانت بيترسبورج الدولي، لتلقى دروس الطيران، وبعد ذلك قام بالإقلاع بطائره صغيره ذات محرك واحد، بدون مدربه، ودون إذن من المطار، وقام بالتحليق فوق منطقة ممنوعة هي القيادة المركزية، التي تدار منها الحرب في أفغانستان، حيث لاحقته طائرات أمريكية مقاتلة، وطالبته بالهبوط ولكنه تجاهل ذلك، واصطدم بمبنى بنك اوف أمريكا المؤلف من ٤٢ طابقاً وسط مدينة ميامى، حيث أسفر الحادث عن مقتل الصبي وأحداث أضرار بسيطة في المبنى. وحينها ادعت الشرطة الأمريكية أنها عثرت على رسالة في جيب الصبي تشير إلى تعاطفه مع أسامه بن لادن؟!! وهو الأمر الذي شكك في صدقه كثير من المراقبين الذين قالوا: إن الإعلان عن وجود رسالة في جيب الصبي يأتي في إطار المحاولات
стр. 580
الأمريكية لإلصاق أي تهمة بالعرب والمسلمين. والغريب في الأمر إن الشرطة الأمريكية رفضت اعتبار ما حدث على أنه عمل إرهابي (١).
- أجلت سلطات مطار سان فرانسيسكو الدولي بولاية كاليفورنيا الأميركية صباح يوم ٣٠/ ١/٢٠٠٢م آلاف المسافرين من المطار، وأغلقت أحد مبانيه لنحو ساعتين ونصف بعد العثور على آثار متفجرات في حذاء مسافر أبيض في الأربعين من عمره، تمكن من الاختفاء بين حشود المسافرين قبل أن يتم استجوابه. وقد شن عناصر أجهزة الأمن في المطار عملية بحث عن المشتبه به - الذي لم يعثر عليه ـ بعد أن أمرت هيئة الطيران المدني الفدرالية في الولايات المتحدة بإغلاق بوابات الصعود إلى الطائرات، كما أمرت بإعادة الركاب الذين كانوا على متن الطائرات، وأخضعوهم لعملية تفتيش جديدة. كما أنه تم تعليق الرحلات من ٣٠ بوابة في المبنى الثالث من المطار، وتأجيل ٨٠ رحلة داخلية لشركة طيران يونايتد إيرلاينز (٢).
- حاول شخص أمريكي يدعى (ادوارد كوبيرن) قيل: إنه مختل عقلياً، اقتحام قمرة لطائرة بوينج تابعة لشركة أمريكان ايرلاينز، كانت متجهة من لوس انجلوس إلى شيكاغو، وتحمل على متنها ١٥٣ راكباً. وقد تمكن الركاب من السيطرة على الرجل الذي كان بصحبة والده (٣).
إنتحاريون من أجل هرمجيدون
تنتشر في أمريكيا العديد من الجماعات اليمينية المتطرفة، التي تعتقد بهرمجيدون، حيث أقدم العديد من أتباع هذه الجماعات على الانتحار اعتقاداً منهم بأن نهاية العالم اقتربت، وان عليهم أن يسبقوا الجميع ليكونوا من الناجين من المحرقة الكبرى. وقد لعبت أفكار المفكر الديني المتطرف (سيروس سكوفيلد) دوراً رئيساً لانتشار هذه المفاهيم، حيث كان يقول: "إن المسيحيين المخلصين يجب أن
стр. 581
يرحبوا بهذه الحادثة لأنه بمجرد ما تبدأ المعركة النهائية فإن المسيح سوف يرفعهم إلى السحاب وأنهم ينقذون، وأنهم لن يواجهوا شيئاً من المعاناة التي تجرى تحتهم" (١). هذا المفهوم هو الذي شجع كثير من الجماعات المتطرفة على الانتحار الجماعي، لتنجوا من المحرقة الكبرى أو للتعجيل بحدوثها.
يقول الباحث المؤرخ (ديف ماك بيرسون): إن خطر عقيدة هرمجيدون يكمن في أنها عقيدة قاتلة ومعدية. مثال على ذلك، استطاع هيبربرت ارمسترونج في نهاية الستينات، وفي بداية السبعينات، أن يقنع الآلاف من أتباعه بتسليم ممتلكاتهم إلى كنيسته (كنيسة الله العالمية)، وذلك على أساس الاعتقاد بأن العالم يتجه نحو النهاية. ويقول (تيد دانيال) رئيس تحرير نشرة (تقرير نبوءات الألفية) في فيلادلفيا: "إن الناس الذين يعتقدون بنهاية العالم قريباً، يقومون بأعمال غريبة" فحتى ١٩٩٩م سجل دانيال أكثر من ١٢٠٠ حركة من هذا النوع من بين هذه الحركات الدينية في الولايات المتحدة وفي غيرها:
- حركة (هاى أوجو) وهى حركة ما ورائية توقعت أن يشهد عام ١٩٩٢م نهاية الطريق السوي إلى الجنة، وبداية مرحلة جديدة لبقية العالم مبنية على النبوءة (في العهد القديم).
- الانتحار الجماعي لطائفة هيكل الشعب التي يتزعمها القسيس جيم جونز الذى قاد تسعمائة شخص من أتباعه إلى عملية انتحار جماعي طوعية (٢)، حيث قال لهم حين كان يقودهم إلى الموت: إن النهاية ستصل بسرعة، لذلك دعونا نرافقها. دعونا نستبق الحشود.
- تنظيم مذبح الشمس، وهي جماعة ألفية (تؤمن بعودة المسيح وبسيادته لمدة ألف سنة على العالم) وقد نظمت هذه الحركة في عام ١٩٩٤م عملية قتل، وانتحار جماعي، في كل من سويسرا وكندا، قتل من جرائها خمسون شخصاً، كان بعضهم يزين صدره بميداليات ترمز إلى الخيالة الأربعة، التي تشير إليهم نبوءة سفر
стр. 582
الرؤيا، وهم يمثلون بصورة عامة المسيح والحرب والجماعة والموت.
- الداودية نسبة إلى رئيسها (دافيد كورش) وهي حركة كان أفرادها يعيشون خارج مدينة واكو - تكساس، وفي أبريل ١٩٩٣م اقتحمت العناصر الفدرالية مجمعهم فأقدموا على الانتحار، فكانت الحصيلة مقتل ٨٠ عضوا من هذه الحركة.
- جماعة بوابة السماء انتحر ٣٩ عضواً من أعضاء هذه الحركة في عام ١٩٩٧م في ضاحية مدينة سانتا جو، وتركوا وراءهم وثائق تقول: إن العالم كان شريراً وأنه محكوم عليه بالدمار الحتمي.
- صوت في البراري، وهي حركة ألفية في ميلفورد (نيوهامشير)، تدعو أتباعها إلى عدم زرع الأشجار، أو التخطيط للمستقبل، وذلك على أساس إن العالم لن يبقى بما فيه الكفاية، حتى يكون لمثل هذه الأعمال ما يبررها.
- مدينة الوهيم وهي مدينة أشبه بالحصن تقع بالقرب من مدينة ليتل روك (اركنساس)، حيث يعمل ويصلي ويقوم بأعمال ميليشياوية حوالي مائة من السكان المدججين بالسلاح، وذلك بانتظار وقوع عدد من الكوارث التي يعتقدون بأنها سوف تضع نهاية للتاريخ الإنساني. وكان (تيموني ماك فاي) الذي أدين بحادث التفجير في مدينة أوكلاهوما، قد اتصل هاتفيا بأصدقاء له في مدينة الوهيم في عام ١٩٩٥م قبل تفجير المبنى الاتحادي في أوكلاهوما (١).
- في مطلع ١٩٩٩م اعتقلت الشرطة الإسرائيلية مجموعة من القدريين الأمريكيين، الذين قدموا من دنفر بكولورادو، والذين يطلقون على أنفسهم المسيحيين المهتمين. وبعد أن وضعت الأغلال في أيديهم، وسجنتهم كمجرمين عاديين أبعدتهم إلى الولايات المتحدة، بتهمة التخطيط للقيام بنهاية دموية بهدف تسريع العودة الثانية للمسيح. وقيل إنهم خططوا لتدمير المسجد الأقصى (٢).
стр. 583
هذه أمثله بسيطة لبعض الجماعات الأمريكية ولطبيعة النبوءات المسيطرة على تفكير أتباعها ممن ينتمون للتيار الأصولي المسيحي المتطرف، الذي أصبح اكبر قوة مؤثرة في صناعة السياسة الأمريكية، من خلال تأثيره على كثير من صناع القرار في أمريكيا، وعلى جزء كبير من الشعب الأمريكي، والتي يمكن أن تساعدنا في تحديد المسئول عن أحداث ١١ سبتمبر.
تيموثي ماكفي / اليمين المسيحي المتطرف
استدعت وكالات الأنباء ما صرح به (تيموثي ماكفي) منفذ انفجار أوكلاهوما، الذي قال قبل إعدامه: إنه يوجد في الجيش الأمريكي أكثر من عشرة آلاف يحملون نفس الفكر الذي نفذ بموجبه عمليته. وقد ذهبت تحليلات أخرى منذ البداية إلى أن ما حدث شبيه بما حدث في انفجار أوكلاهوما عام ١٩٩٦م، وأن الإنفجارات يمكن أن تكون من داخل أمريكا، بل أن صحيفة (برلينر تسايتوبج) كتبت تقريراً أكد أن الإشارات تدل علي أن مدبر الهجوم من أتباع الجماعات والميليشيات العسكرية الأمريكية التي تنتمي لليمين المتطرف والتي تشعر بفخر وطني شاذ أو أن لديها تفويضاً إلهياً، وأشارت إلى أن (تيموثي ماكفاي) كان عضواً في أحد هذه الجماعات، بل أشارت أيضاً إلى جماعات أخرى مثل (كوكلوكوس كلان) و (أمة آريان) و (حليقي الرؤوس) و (النازيون الجدد)، و (المراقب الوطني)، المعروفة بثقافة العنف والعنصرية والانتحار.
كما أجرت صحيفة (ديرتاجيس شبيجل) حوارا مع (توماس جدومكه) الخبير في شئون اليمين الأمريكي، الذي أكد أن لديه معلومات بأن سلطات الأمن الأمريكية تقوى تحرياتها في اتجاه مسئولية اليمين المتطرف المعروف بالتعصب، وبالأيدلوجية المتطرفة اللازمة للقيام بمثل هذا الهجوم، ولديهم أيضا الإمكانيات الاستراتيجية الهائلة. مضيفاً أن الدقة غير العادية التي تم بها الهجوم تتجاوز قدرة المنظمات الإرهابية العادية، كما أنها تشير إلى استحالة إتمام هذه العمليات بدون مساعدة عديد من الأمريكيين، الذين يشغلون مناصب حساسة في الأجهزة الأمنية بصورة كاملة، وليس فقط عن طريق الدعم اللوجيستى الهائل، الذي يمكن من خطف
стр. 584
طائرات في وقت واحد، بل أيضاً الهروب من أجهزة الرادار، وهذا أمر غير ممكن بدون خبرة تكنولوجية عالية من داخل المؤسسات الأمريكية نفسها، مضيفاً أنه لا يمكن المرور هكذا وبسهولة فوق البنتاجون بدون أن يشعر بك أحد!!
ويضيف (جرومكه) أن اليمين المتطرف متغلغل في الجيش بصورة كبيرة، ويحصلون علي تعاطف غير محدود مما يمكنهم من الحصول علي دعم لوجيستي كبير، كما يستبعد وجود تعاون بين هذه المنظمات ومنظمات شرق أوسطية، مؤكدا أن منظمة مثل (عنصر الآريان الأبيض) والمعروفة اختصارا باسم WAR ( أي الحرب) تعادى السامية بشدة. ويضيف أن (اليكس كورتس) مؤسس جماعة (المراقب الوطني) كان قد عرض على الإنترنت أدلة تشير إلي قدرته علي إنتاج أسلحة بيولوجية، بينما تم القبض منذ عامين علي أحد أعضاء منظمة (أمة آريان) وهو ينقل فيروسات (الجمرة الخبيثة) في سيارته (١).
والآن كيف تمت الجريمة ؟
لما كانت الضحية موجودة .. فلم يعد سواها: العالم الإسلامي .. وكانت الخطة موضوعة تنتظر الذريعة لتنفيذها .. ذريعة يرجح الغربيون أنفسهم أنها مصنوعة .. فالمكاسب الناجمة عنها هائلة .. يضيق هذا الكتاب عن حصرها، فمن التواجد في مركز يتيح لها تهديد الصين وروسيا وباكستان والهند وإيران والعالم العربي، إلي اكتمال السيطرة على بترول العالم وخطوط مواصلاته، إلى إحكام الحصار النهائي حول العالم الإسلامي كله في آخر حرب صليبية، تمهيداً لإقامة إسرائيل الكبرى وهدم الأقصى، وبناء الهيكل كمقدمه لعودة المسيح المنتظر، ليحكم العالم من مقره في القدس.
ولتحقيق كل هذه المكاسب، قامت جماعة مسيحية أو يهودية متطرفة، أو حتى صناع القرار من اليمين المتطرف بتنفيذ الجريمة باعتبارها شيئًا مقدساً، وقدمت الأدلة العديدة لإلصاق التهمة بالمسلمين. ففي ذلك اليوم قامت بخطف عدد من الأشخاص العرب ـ ومن بينهم طيارون أو دارسو طيران ـ ثم قتلتهم، وأَخفتْ جثثهم،
стр. 585
وقامت بعد ذلك بحجز أماكن على الطائرات بالأسماء العربية للضحايا، ثم صعد المجرمون إلى الطائرات، أو تم التحكم بها آلياً من الأرض، وقاموا بفعلتهم النكراء، وتم توجيه التهمه للمسلمين وتنظيم القاعدة بالذات، بعد أن تم دس عدد من العملاء الأمريكيين داخل هذا التنظيم (١)،
والذين اقنعوا ابن لادن بأنهم يقفون وراء تنفيذ التفجيرات، فوقع ابن لادن في الفخ، وأعلن مسؤولية تنظيمه عن التفجيرات، وهكذا تمت الجريمة وتحققت أهدافهم، كما تولّت باقي الجماعة مهمة إشعال نيران الغضب والإثارة والتهييج ضد العرب والمسلمين بمختلف الوسائل، ومن بينها إرسال آلاف التهديدات الكاذبة، كما قامت أجهزة الإعلام بدور خطير لاستفزاز المشاعر، وشحنها ضد المسلمين في كل مكان.
ولكن ربما يستبعد البعض مثل هذا السيناريو (٢)،
ولكن ما عرضناه في هذا الكتاب وما سنعرضه لاحقاً على حقائق الإرهاب والعربدة الأمريكية حول العالم منذ
стр. 586
تأسيس أمريكا وحتى الآن، لا يدع مجالاً للشك في صدق هذا التفسير (١)، يضاف إلى ذلك الكمَّ الهائل من الأفكار والتوجيهات والإيحاءات التي تنادي بالاستعداد لعودة المسيح، وانتصاره على الشر، وإقامته للسلام في العالم، بالإضافة ـ طبعاً ـ إلى إعادة بناء هيكل سليمان، فانه من الطبيعي أن يفرز ذلك الجو المشحون جماعات مسيحية أو يهودية متطرفة تشبعت بتلك الأفكار المشوَّهة، والتي يمكن أن تصل إلى درجة عالية من التطرف، فتعمل على تحقيق نبوءات (التوراة) بقيام الحرب العالمية الثالثة للقضاء على المسلمين، لقدوم المسيح الجديد.
وخلاصة كل ذلك أن جماعة دينية متطرفة، وبالتعاون مع الإدارة الأمريكية الحالية الأكثر تطرفاً، قد نفذت هذه العملية، من أجل تحقيق هدف عزيز لديها، وهو إبادة المسلمين وقيام المسيح وبناء الهيكل، وكل هذه الغيبيات التي يمكن أن يضحي في سبيلها بالروح (بالانتحار). فالذين قاموا بالجريمة قادرون على الانتحار في سبيل تحقيق أهدافهم (٢).
إن ما حدث في ١١ سبتمر كان عملية محبوكة ومنظمه يديرها رجال تسللوا إلى مقاعد صنع القرار وجواسيس وأموال وزعامات سياسيه ورؤوس تفكر وتخطط
стр. 587
وعصابات تقتل وإرهاب يفجر، ولكن الجرائم لم يحدث قط أن ولدت كاملة وكل جريمة لا بد أن ينقصها شيء، والمجرم مهما بلغ ذكاؤه لا بد أن ينسى شيئاً ... شيئاً صغيراً تافهاً ينهار بسببه البنيان كله في الوقت المعلوم. وهذه الجريمة الصهيونية المحبوكة التي اشترك فيها مئات العقول الذكية وقد امتلأت بالثغرات سوف تفتضح وتنهار رغم حبكتها. فكل بنيان يحمل معه جرثومة فنائه، وكل أكذوبة تحمل معها جرثومة فضيحتها (١).
стр. 588
الفصل السابع
أسامة بن لادن .. وصناعة صورة العدو
في روايته (في انتظار البراربرة) يتحدث الروائي الجنوب أفريقي (ج. م. كوتزي) (١) عن إمبراطورية لعلها جنوب أفريقيا، وتنطبق في أوصافها وظروفها ـ أيضاً ـ على الولايات المتحدة الأميركية، وغيرها من الدول التي يقسم سكانها بين مستوطنين (متحضرين) يملكون الحكم والسيطرة والسلاح والموارد والاستعلاء، وبين فئات من السكان الأصليين من البدو والفلاحين الفقراء البسطاء، الذين يعملون في الرعي والصيد والفلاحة. وتقوم في واحة على الحدود الممتدة أكثر من ألف ميل مدينة للمستوطنين هي آخر نقطة للدولة أو ما يسميها أهلها الحضارة لتبدأ بعدها صحارى وجبال يعيش فيها (البرابرة)، وهم السكان الأصليون من الصيادين، وبعض البدو الرعاة الذين يختلفون عن الصيادين والبرابرة، ولكنهم أيضا فئة ليست مرغوبة لدى الدولة (الحضارة). ويعيش أهل المدينة حياة هادئة وسعيدة، ويتبادلون مع السكان الأصليين المنتوجات والخدمات، فهم يبيعون في المدينة الجلود والفراء والثمار والحيوانات التي يصيدونها أو يربونها، ويشترون الملابس والأغذية والسكر والشاي وسائر احتياجاتهم في الريف والبادية والجبال.
ومن يسمون البرابرة هم في الحقيقة قوم هادئون ومسالمون، بل ويتعرضون غالباً للنصب والاحتيال من بعض أهل المدينة، التي يمرون بها في المواسم فقط، ثم يقضوا بقية السنة بين البادية والجبال والسهول وضفاف الأنهار والبحيرات، متتبعين مواسم الرعي والصيد والطقس البارد والحار.
стр. 589
وهذه الرواية تجعلك تتذكر فورا قصيدة (في انتظار البرابرة) للشاعر سي. بي. كفافي، والتي كتبها عام ١٨٩٨م وتحمل نفس العنوان، ولكنك تستدعيها إن كنت قرأتها من قبل على نحو تلقائي (١).
"يتجه سكان مدينة قديمة إلى بواباتها بقيادة إمبراطورهم، لانتظار وصول البرابرة الغزاة، ولكن البرابرة لم يظهروا، ماذا كان يمكن أن يحدث؟ وما الذي يمكن القيام به؟
لم كل هذا الذهول المفاجئ، وهذا الارتباك؟
كم أصبحت ملامح وجوه الناس حادة
لماذا تخلو الشوارع والتقاطعات من المارة بسرعة
وكل يذهب إلى بيته غارقاً في التفكير لأن الليل أرخى سدوله ولم يأت البرابرة
وبعض رجالنا الذين وصلوا من الحدود قالوا
لم يعد هناك برابرة بعد الآن
والآن ماذا سيحدث لنا من دون برابرة
كان أولئك الناس نوعا من الحل."
وإذا لم يعد وجود للبرابرة في قصيدة الشاعر (كفافى)، إلا أنهم هنا في رواية (كوتزي) يتم خلقهم، حيث تتفتق عبقرية (المكتب الثالث) (المخابرات) والإمبراطورية عن خلق البرابرة، وليس انتظار مجيئهم تحت رحمة الصدف، فإذا كان البرابرة ضرورة فلابد من وجودهم أو إيجادهم (٢).
القاضي والجنرال
تنسج الرواية على لسان قاض، لا يكشف المؤلف عن اسمه برغم أنه محور الأحداث، وتبدو كما لو أنه يتحدث لنا عن تجربته وفلسفته وأحداثه، ويدير القاضي
стр. 590
شؤون المدينة التي يعمل فيها منذ أكثر من ثلاثين سنة، وينظم الحياة والإدارة في المدينة على نحو يضمن مصالح المستوطنين والأصليين من الصيادين والرعاة، ويسعى في خدمة المدينة وتطويرها وحمايتها، والعمل على الكشف عن آثارها، ودراسة تاريخها وتوثيقه، وهو عمل لا يبدو أنه يشغل أحدا في الإمبراطورية، وربما يشغل إدارتها على نحو يهدف إلى طمس التاريخ واحتقاره وتجاهله، وجعله يبدو قسراً، وقد ابتدأ بلحظة قدوم المستوطنين. وبعد عقود طويلة تأسست فيها المدينة وقامت بعيداً عن مركز الإمبراطورية يأتي إليها العميد (غول) من (المكتب الثالث)، وهي تسمية نفهم من قراءة الرواية أنها تطلق على وكالة المخابرات في الإمبراطورية، ويجتمع بالقاضي في فندق المدينة. وينشغل القاضي بضيافة الضابط، ويحدثه عن الصيد والزراعة في المدينة ومحيطها باعتبارهما الموضوع الرئيس الذي يشغل أهل المدينة والسكان، سواء للمعيشة أو الهواية أو التجارة. ولكن العميد غول يبدو مشغولاً وغير مهتم بحديث القاضي، وكأنه لا يستمع إليه، ويظهر احتقاراً مكتوماً للقاضي ومغلفاً بقدر واهٍ ومزيف من الاحترام والمجاملة.
يخبر العميد غول القاضي بأنه يريد أن يذهب في حملة لملاحقة البرابرة في مناطقهم وتأديبهم، واعتقال المتمردين منهم الذين يسيئون إلى الإمبراطورية. وتعتقل قوة الطوارئ بقيادة غول رجلاً كهلاً وابنه الصبي من السكان الأصليين، ولكن لا يوجد سجن في المدينة، ولا يكاد توجد جرائم كبيرة، ويتعامل القاضي عادة مع الجنح والمخالفات بعقوبات من قبيل العمل التطوعي. ولكن غول يعتقد أن المعتقلين خطران وأنهما من المتآمرين على نظام الإمبراطورية، ويجب أن يعد لهما سجن وحراسة لئلا يهربا، فيوضعا في مستودع للحبوب تحرسه ثكنة عسكرية.
يحاول القاضي أن يفهم المشكلة من الرجل المعتقل، ويفهمه أنه متهم بتنظيم غارات على أهالي المدينة وممتلكاتهم، ولكن الرجل يؤكد أنه لا يعلم شيئاً عن الغارة، وقد اعتقل في طريقه إلى المدينة لمعالجة ابنه الصبي المريض. يحاول القاضي أن يفهم المسألة في حديثه مع العميد غول، فالعجوز وابنه المريض لا يقدران على الغارة، ولا يصلحان في ظروفهما أن يكونا جزءاً من فريق أو عصابة للإغارة، ولا يبدو أن لشخصين بسيطين مثلهما فائدة في التحقيق أو جمع المعلومات. ولكن غول الصامت غالباً يقول: يجب أن أستجوبهما. ويتعرض العجوز في الليل
стр. 591
لتعذيب وحشي حتى يموت تحته، ويقدم الحارس إفادة للقاضي -وفق تعليمات غول- بأنه هاجم المحقق وحاول قتله، هذا برغم أن يديه كانتا موثقتين، وهي الملاحظة التي نسي الحارس علاقتها بسؤال آخر عن كيفية مهاجمة عجوز مقيد لضابط شاب قوي ومدرب.
حروب البرابرة
بعد هذه الحادثة يقود العميد غول حملة عسكرية إلى مناطق (البرابرة) رافضاً نصائح القاضي بعدم ضرورة الحملة، فالسكان الأصليون ليسوا إرهابيين، ويمكن استيعابهم والسيطرة على المشاكل التي يسببونها بدون استعدائهم أو استفزازهم، كما أن المنطقة التي سيتوجه إليها الجنود منطقة مجهولة وصعبة، وبعضها لم يصلها أحد من المستوطنين من قبل. ولكن غول يصر على رأيه ويمضي بالحملة، ويعود بعد عدة أسابيع من الحملة وقد جلب عدداً كبيراً من السكان الأصليين. أعداداً كبيرة من الرجال والنساء والأطفال لا يعلمون شيئاً عن سبب مجيئهم، يحشرون في ساحات الثكنات، وتكون عمليات إيوائهم وحراستهم مرهقة جداً، وتؤدي عاداتهم في الطعام وقضاء الحاجة إلى فوضى عارمة في المدينة. ويقوم غول وأتباعه بعمليات تحقيق واسعة مصحوبة بتعذيب وحشي واغتصاب للنساء، ويموت الأطفال بسبب الإهمال، ويتحول السكان الأصليون إلى أعداء بالفعل، وهنا فقط يكتشف القاضي اللعبة!
فما كان يجري لم يكن عملية متابعة لعنف وإرهاب، ولكنه صناعة واعية للأعداء والكراهية، وما كان يبدو من عمليات قتل للموظفين وسرقة واعتداء على الأملاك لم يكن على أيدي البرابرة، الذين لم يرهم أحد، ولكن على يد جماعات الجنرال غول. وتنتهي الحملة العسكرية ويعود الجنرال إلى العاصمة، ويبقى عدد كبير من البرابرة الذين أطلق سراحهم في المدينة، ويتحولون إلى مشردين ومتسولين، والمحظوظون منهم يعملون في الخدمة والدعارة. واحدة من الفتيات المتبقيات في المدينة تعرضت للاغتصاب وقتل والدها وعذبت تعذيباً شديداً جعلهاً غير قادرة على المشي إلا بصعوبة، يشغلها القاضي في خدمته ويمضي شهوراً عدة
стр. 592
في محاولة علاجها وإعادة تأهيلها، ولكنه يفشل فيقرر نقلها إلى أهلها. يحتاج تنفيذ القرار إلى مغامرة صعبة تتضمن المسير أياما طويلة في الثلوج والصحاري والجبال، وعندما يعود القاضي إلى المدينة يعتقل بتهمة الخيانة والتواطؤ مع الأعداء.
ويجري تحقيق مع القاضي تستخدم فيه الأخشاب والأعمال الأثرية التي عثر عليها أثناء عمليات البحث والتنقيب وأدلة مادية على رسائل سرية متبادلة بين القاضي والبرابرة. ويتعرض القاضي لتعذيب علني مهين يؤدي به إلى الجنون، ويتحول إلى متسول يمضي أيامه في الطرقات يتسول الطعام، ويقدم خدمات بسيطة في المنازل مقابل إطعامه. ويعيد غول حملته في العام التالي، حيث هيمن الجنود على المدينة ونهبوا متاجرها، وأجبروا الأهالي على خدمتهم والترفيه عنهم. ولكن البرابرة كانوا هذه المرة مستعدين ولم يباغتوا كما حدث في العام الماضي، لقد استدرجوا الجنود بدون قتال إلى الصحاري وغابات القصب والجبال البعيدة وتركوهم أسرى الجوع والخوف والتيه، وتشتت الحملة ولم يعد معظم أفرادها. ويجعل فشل الحملة من تبقى من الجنود عرضة لغضب الأهالي، وبدون أن يقول لنا المؤلف، نشعر أن غول هو الآخر تحول إلى مجنون متشرد ومتسول (١).
هكذا تقدم رواية (في انتظار البرابرة) تصويراً رائعاً ومدهشاً لحروب مفتعلة ووهمية تقوم بها الدول والإمبراطوريات والإدارات الحكومية لإظهار القوة وإرهاب الشعوب، وتعرض أفكاراً فلسفية عن الحياة وذهنية رجل المخابرات حامي الإمبراطورية، الذي يقوم بتدمير حياة هانئة وسعيدة باسم شعارات كبرى عن الوطن. فالامبراطورية تحتاج إلى الهياج والحرب لتبرز قوتها، وترهب شعبها قبل البرابرة باسم شعارات كبرى عن الوطن والاعداء. ففي رواية كوتز السابقة تتفتق عبقرية المكتب الثالث (المخابرات)، والإمبراطورية على خلق البرابرة، وليس انتظار مجيئهم تحت رحمة الصدف، فإذا كان البرابرة ضرورة فلابد من وجودهم أو إيجادهم، وهذا ربما يفسر كثيراً مما يسمى حرب الإرهاب، التي تخوضها واشنطن الآن؟ فالارهابيون ليسوا موجودين ولكن لابد من إيجادهم، ليكونوا مبرراً لعمليات
стр. 593
التدخل والنهب؟ ألا يمكن إعادة صياغة الرواية بواقعية وبدون ملكات أدبية تحت عنوان (في انتظار القاعدة)؟. (١)
في انتظار القاعدة .. وابن لادن
بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينات من القرن الماضي، لم يعد بمقدور رعاة البلبلة في واشنطن أن يصرخوا قائلين: أن الروس قادمون، وان طول الواحد منهم يبلغ عشرة أقدام! (كحجة للتدخل)، ولذلك فإنه يتعين عليهم على الدوام أن يجدوا عدوا جديداً. فأمريكا تعز أعدائها، وبدون أعداء تتحول لأمة بلا هدف أو اتجاه. فبدلاً من المؤامرة الشيوعية الدولية، تخبرنا واشنطن حالياً ـ في يوم أو آخرـ أنها تخوض حرباً ضد المخدرات أو التجسس العسكري أو الصناعي، أو انتشار أسلحة الدمار الشامل أو الجريمة المنظمة، أو نيابة عن حقوق الإنسان، أو بصفة اخص ضد الإرهاب (٢). وقد بدأت أمريكا بخوض هذه الحروب، وبالذات الحرب ضد الإرهاب، حيث مهدت لذلك بتشويه صوره الإسلام وإبرازه وكأنه الخطر الرئيس الذي يهدد العالم الغربي، ولهذا بدأ منذ ذلك الحين العمل على اتخاذ الإسلام كعدو بديل كما وضحنا سابقاً، وأصبح إبراز رمز بانتماء إسلامي، ليكون في صدارة أهداف الحملات ضد (الإرهاب الدولي) هدفا ملحاً بحدّ ذاته، وكان هذا من قبل أن يضع تنظيم القاعدة بزعامة بن لادن نفسه في هذا الموضع، لا سيما بعد إخفاق محاولات أخرى تركَّزت على منظمة (حزب الله) في لبنان، حيث أخفقت تلك المحاولات، نتيجة سياسته التي جعلت منه مقاومة إسلامية معترفًا بها وطنياً وعربياً. كما جرت محاولات للتركيز على منظمتي (حماس) و (الجهاد الإسلامي) في فلسطين، لكن مؤتمر (شرم الشيخ) ـ الذي انعقد لهذا الغرض ـ أخفق إخفاقًا ذريعًا على مذابح جرائم العدوان الإسرائيلي المستمرة. لهذا تم اختيار تنظيم القاعدة وزعيمه بن لادن ليكون الرمز الجديد للإرهاب الإسلامي.
стр. 594
فكل الوقائع تشير إلى أن التركيز على ابن لادن وتنظيمه، وإعطاءه مركز (الصدارة) بدأ من قبل أن يظهر هو نفسه بقوة على سطح الأحداث. بل بدأت ملاحقته - كما كان بإخراجه من السودان إلى أفغانستان ـ من قبل أن يتجاوز حدود الإعلام والاستثمارات المالية في التعبير عن معاداته للوجود العسكري الأمريكي في الخليج، ولكنه كان يجمع سائر المواصفات الأخرى التي تصلح لجعله رمزًا دولياً بانتماء إسلامي للإرهاب (١). فأسامة بن لادن نفسه هو شخصية يمكن فهمها بدون حاجة إلى دراسة عميقة في علم النفس، تغوص في النوازع والهواجس الداخلية لتصرفات البشر. والقصة فيما هو شائع قصة شاب من عائلة سعودية لها جذور يمنية تعمل بالمقاولات، وكان له مكتب يمارس نشاطه التجاري في أفغانستان، وعندما بدأت الحرب الخفية ضد الإلحاد في أفغانستان استعمل مكتب بن لادن واجهة لتوصيل الأموال بشكل يبدو مشروعاً إلى أوجه نشاط لم تكن وقتها مشروعة (٢). أي انه عمل تحت إمرة المخابرات السعودية والأمريكية لمقاومة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان.
وهذه ليست المرة الأولى التي تستعمل فيها المخابرات الغربية والأمريكية الإسلام لتحقيق أهدافها .. فقد سبق أن جربته في مصر، عندما سعى (كيرميت روزفلت) مسئول الشرق الأوسط في المخابرات المركزية الأمريكية إلى تجميل صورة الملك فاروق، وحاول إقناعه بأن يكون أمير المؤمنين، وأن يتحالف مع الإخوان المسلمين لمنع الثورة الشيوعية في مصر. حيث يعترف كيرميت بأنه استوعب نظرية استعمال الإسلام استعمالاً سياسياً من نابليون بونابرت .. الذي حاول إقناع المصريين خلال حملته الشهيرة على مصر بأنه ولى من أولياء الله الصالحين .. وأن الرسول ﷺ زاره في المنام، وباركه، وبشره بأنه سيصبح سلطاناً على الشرق. وراح نابليون يطوف بحلقات الذكر .. ويناقش مشايخ الأزهر في تفسير القرآن .. لكن الإسلام الذي استعمله هو نفسه الإسلام الذي أحرقه في ثورة القاهرة (٣).
стр. 595
قصة تنظيم القاعدة
في كتابه (باسم أسامة بن لادن) يعرض الكاتب الفرنسي (رولان جاكار)، مدير المرصد الدولي للإرهاب (باريس) والخبير في الإرهاب لدى مجلس الأمن، للعلاقة بين عائلة ابن لادن الثرية، والعائلة الملكية في السعودية، حيث يناقش المؤلف ما يشاع عن مشاريع البناء الضخمة، التي تولت عائلة ابن لادن تنفيذها في السعودية ومنها عمارات قطنها فيما بعد أفراد القوات الأميركية المتمركزة في السعودية، كتلك التي استهدفها انفجار الخبر .. وبطريقة غير مباشرة يضع صلة بين المنشآت التي أنجزتها عائلة ابن لادن والانفجارات التي اتهم فيها أسامة ابن لادن، والتي استهدفت بعضا منها .. ثم يتحدث عن تنامي مؤسسات عائلة ابن لادن المالية والاقتصادية في أوروبا (١).
أما عن الظروف التي تم بها إنشاء تنظيم القاعدة، والدور الأمريكي في ذلك، "فيكشف) بول. إل. ويليامس) في كتابه (القاعدة .. الإخوة الإرهابيون) عن اليد الأمريكية في تشكيل ما سمي حينها بـ (مكتب الخدمات) عام ١٩٧٩م، وهو الجهة التي تطوّرت فيما بعد لتحمل اسم (القاعدة) عام ١٩٨٨م (٢). "ولكن مسار بن لادن الجهادي بدأ في العام ١٩٨٠م، عندما كلفه (الأمير تركي الفيصل) (مدير المخابرات السعودية) بتنظيم مهمات (الأفغان العرب)، الذين كانوا يعبرون آنذاك عبر جدة إلى بيشاور (باكستان) للالتحاق بأفغانستان، حيث أصبح ابن لادن حجر الأساس في شبكة تجنيد وتدريب المجاهدين" (٣).
وفي عام ١٩٨٤م انتقل ابن لادن إلى باكستان حيث بدأ تنظيم الجهاد في أفغانستان من خلال الاتصال بزعماء المجاهدين، حيث "كان تنظيم القاعدة هو القيادة التي وضعت تحت تصرفها كل إمكانيات التكنولوجيا الأمريكية، وكل مقدرة العسكرية الباكستانية، وكل كرم التبرعات الخليجية والسعودية -صندوق دوار فيه
стр. 596
دائماً (٥٠٠ مليون دولار) - وكل نشاط التسليح والتجنيد المصري والسوري والمغربي وحتى الفلسطيني، بما وصل مجموعه الكلي على مساحة خمس سنوات إلى قرابة خمسين ألف شاب مسلم، نصفهم من العرب بينهم ستة آلاف مصري على أرجح التقديرات، وقد درب هؤلاء جميعاً بكل جد وشحنوا بطاقة إيمان مشبوبة بالنار" (١).
وبحلول عام ١٩٨٥م أدرك ابن لادن نطاق المقاومة وبعدها الدولي، فبدأ بالانفتاح على المنظمات الإسلامية المتشددة في العالم للحصول على دعمها، واتصل بأصوليين مصريين وجزائريين، وأنشأ تنظيمه الخاص (القاعدة) الذي تولى نشاطات عدة منها تجنيد المقاتلين وإيصالهم إلى أفغانستان، حيث استقر عندئذ نهائياً في شرقي أفغانستان، وأخذ على عاتقه الأعباء المالية لعمل مخيمات للمجاهدين، بعد الانسحاب السوفيتي (١٩٨٩م)، مستخدماً ثروته الشخصية، والتبرعات القادمة من المملكة العربية السعودية، والأموال التي تدفعها حكومات دول في الشرق الأوسط، تضاف إلى ذلك الأموال القادمة من تجارة الهيروين الذي ينتج في أفغانستان، كما يزعم بعض الكتاب الغربيين (٢).
ولكن عندما انتهت الحرب الباردة، ورفعت الولايات المتحدة يدها عن الحرب الخفيفة في أفغانستان، وكفت المخابرات المركزية الأمريكية عن التخطيط للمعركة ضد الإلحاد الشيوعي، أصبح الاستمرار الأمريكي والعربي الرسمي غير مبرر، وغير مطلوب وبالتالي وقع الانسحاب (٣). ففي عام ١٩٩٠م، وبطلب من الأميركيين أوقفت السعودية دعمها للأفغان العرب واضعة بالتالي (نهاية لمهمة أسامة بن لادن الرسمية). وبعد عودة هذا الأخير إلى الرياض، حاول إقناع العائلة الملكية بضرورة مواصلة مساعدة المجاهدين في أفغانستان لكن بدون جدوى .. فشعر بالخيانة، وبدأ بعدها معارضته للسلطة والتحالف سراً مع معارضي العائلة الحاكمة في الخارج .. فكان أن انشق عن النظام وأخذ على عاتقه، دعم المجاهدين الأفغان رغم معارضة العائلة الملكية وواشنطن .. وزادت خلافاته مع العائلة الحاكمة إثر حرب الخليج، حيث ندد بوجود قوات غربية في الأراضي المقدسة، وغادر السعودية في ١٩٩١م واستقر
стр. 597
في السودان (١). وحاول تنظيم القاعدة أن يواصل ما يقضي به الإيمان، لكنه ما لبث أن تحول في نظر الذين قاموا على إنشائه، من كتائب جهاد إسلامي إلى عصابات إرهاب إجرامي (٢).
ابن لادن في السودان
في السودان أحاط ابن لادن نفسه بأفغان عرب، وبدأ مجموعة من الاستثمارات الاقتصادية، التي اعتبرتها المخابرات الغربية وسيلة لدعم الإرهاب الأصولي في العالم، وعاش ابن لادن بوصفه رجل أعمال لمدة خمس سنوات في منفاه السوداني، حيث كانت علاقاته متينة مع حسن الترابي زعيم الجبهة القومية الإسلامية .. ومول المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي الذي جمع الحركات الإسلامية وبعض الحركات المعارضة بتنظيم من الترابي في الخرطوم .. كما حاول تطوير تنظيمه (القاعدة). ولكن نشاطاته سببت صعوبات للسودان، ودفعت بالأميركيين إلى الضغط على السعودية، لإصدار قرار توقيف بحقه فكان لهم ما أرادوا .. حيث اتهمته السعودية بدعم الإرهاب في الجزائر ومصر، وباتصالات مع معارضين دينيين حاولوا إنشاء منظمة مستقلة لحقوق الإنسان في المملكة في بداية ١٩٩٦م .. وكانت السلطات السعودية قد جردته من جنسيته السعودية عام ١٩٩٤م.
الالتقاء مع جماعات إسلامية والكفاح ضد أميركا
مع تزايد الضغوط السعودية والغربية على السودان، تخوف ابن لادن من احتمال تسليمه للسعودية، فغادر الخرطوم في مايو ١٩٩٦م عائداً إلى أفغانستان .. وتزامن ذلك مع بروز حركة الطلبان ودخولها كابل في سبتمبر ١٩٩٦م، حيث سهل ذلك استقرار ابن لادن في أفغانستان إذ أصبحت علاقته وطيدة مع الملا محمد عمر زعيم الطالبان. وفي منفاه الأفغاني، أعاد ابن لادن تنظيم شبكاته واتصالاته بقياديين إسلاميين، وباشر نشاطه السياسي بالاتصال والاجتماع إلى هؤلاء وفتح
стр. 598
العديد من المخيمات التدريبية، كما واصل ووطد علاقاته بالجماعات الإسلامية في كثير من دول العالم، وهكذا أصبح ابن لادن على رأس شبكة إسلامية متعددة الحدود ومتفرعة وغير واضحة المعالم. ومن أفغانستان أعلن ابن لادن الكفاح ضد الوجود الأميركي في الأراضي المقدسة، وبدأت المعركة بينه وبين أميركا التي قصفت أحد مخيماته في أغسطس ١٩٩٨م عقب تفجير سفارتيها في نيروبي ودار السلام .. ويعود إعلانه الجهاد ضد أميريكا إلى أغسطس عام ١٩٩٦م، حيث شكلت تصريحاته فيما بعد سنداً للهجوم على المصالح الأميركية في السعودية، وفي كينيا وتنزانيا واليمن (١).
طريد المخابرات العالمية
منذ عام ١٩٩٨م أصبح ابن لادن مركز اهتمام وكالات الاستخبارات الأميركية، حيث ظهرت (خلية أزمة) باسم ابن لادن تقتضي آثاره، وتتجسس عليه، وتحاول كشف معاقله ومخابئه وتطارد شبكاته المالية عالمياً، وهنا نتساءل، لماذا رفضت هذه الأجهزة التعاون مبكراً مع الدول العربية مثل الجزائر ومصر ضد بن لادن وأعوانه المزعومين؟، ولماذا رفضت الحكومات الغربية مطاردة الإسلاميين الجزائريين والمصريين من المتشددين، الذي يمولون ويدعمون الإرهاب في بلدانهم؟ لماذا انتظروا استهداف المصالح الأميركية ليتحركوا؟ (٢). والإجابة على ذلك هو أن تنظيم القاعدة بعد أن انتهى دوره في الحرب على السوفييت، وجدت أمريكا أهمية استخدامه لتبرير حروبها المقبلة على العالم الإسلامي، من خلال تضخيم الخطورة التي يشكلها على أمريكا والعالم. فأمريكا أرادت أن تجعل من (القاعدة) قوة مستقرة وشريرة، لتبرر التدخل في أي مكان وفي أي وقت باسم الإرهاب (٣).
стр. 599
صناعة صورة العدو
بدأت الإدارة ووسائل الإعلام الأمريكية، تسلط الضوء على خطر ما أسموه (الإرهاب أو التطرف الإسلامي) على العالم وأمريكيا بالذات، من خلال نشر تقارير وأفلام وتحقيقات عن المنظمات الإسلامية المختلفة، وعلى رأسها تنظيم القاعدة، لصناعة صورة العدو، أو الوحش الذي يهدد الحضارة والإنسانية، حيث رسمت وسائل الإعلام صوره قاسية لتنظيم القاعدة، ولأسامة بن لادن المدجّج بأسلحة الدمار الشامل، والذي يقود مجموعة من القتلة الذي يستخدمون الأسلحة البيولوجية والكيميائية للقضاء على أعداد كبيرة من الأميركيين وسواهم. وقد عززت هذه الصورة وساهمت في تضخيمها بعض قيادات التنظيمات الإسلامية، من خلال بعض تصرفاتها وتصريحاتها، المسيئة والساذجة والغبية، والتي لا تمت بأيه صله للإسلام (١).
ففي ٢١ نوفمبر ١٩٩٤م أذاعت شبكة تلفزيون P.B.S الأمريكية برنامجاً عن الجهاد في أمريكا .. أعده وعلق عليه الصحفي المعروف (ستيفن امرسون)، الذي اشتهر بتحقيقاته عن الإرهاب الدولي. وفي البرنامج انطلقت حناجر المتطرفين الإسلاميين تصرخ وتزوم وتهدد بنسف الحضارة الأمريكية .. وسفك دماء غير المسلمين ... وإعلان الجهاد في سبيل الله من البيت الأبيض، والكونجرس ومجلس الأمن. وقال المعلق: أنهم يهدفون إلى مقاتلة الكفار وإقامة إمبراطورية إسلامية. وفي اليوم التالي لعرض برنامج الجهاد في أمريكا، عرضت نفس المحطة برنامجاً آخر بعنوان (الأصولية الإسلامية والديمقراطية) ندد فيه عمر عبد الرحمن بالديمقراطية الغربية ووصفها بالتدني والحقارة (٢).
وبعد انقضاء أربع سنوات على انفجار اوكلاهوما سيتى، وخمس سنوات على بث شريط الجهاد في أمريكيا، بث فيلم وثائقي ثان، عزز القلق الشعبي إزاء المسلمين، وأظهر هذا الفيلم الأذى الذي لا يمكن أن يلحقه بسمعة الإسلام إلا أحد ادعيائه. ففي إنتاج بدا انه تتمه لفيلم الجهاد في أمريكا، قدمت شبكة ب. ب. س
стр. 600
شريطاً يحمل عنوان (الإرهابي والقوة العظمى) تناول خطاب أسامة بن لادن، الذي قدم نفسه كمدافع عن الإسلام. حيث يزعم الفيلم ان بن لادن قام بدور رئيس عام ١٩٩٨م في تفجيري سفارتي أمريكا في كينيا تنزانيا، كما قدم تحقياً عن عمليات القصف الانتقامي الأمريكي لأهداف في السودان وأفغانستان. وفي هذا الشريط الوثائقي أعطى بن لادن صورة مزيفه، بشعة، فاسدة عن الإسلام. فباسم الدين دعا المسلمين إلى قتل الأمريكيين أينما استطاعوا ومتى استطاعوا، وهى دعوة تنتهك مبادئ العدل التي تطبع الإسلام، انتهاكاً فاضحاً، وشدد على أن أمريكا هي عدو الإسلام الرئيس وقال: إنه يتوجب على المسلمين محاربتها.
ومها يكن الدافع الذي أدى إلى تفجر نقمة ابن لادن، فقد أظهره منتجو الشريط بصورة المسعور، إذ عمدوا إلى حذف المقاطع التي تضمنت عبارات متقدة، مشوبة بإحساسه بالظلم الواقع من جانب أمريكا (١). وفي البرنامج اعترف رجال المخابرات الأمريكية ورجال المباحث الفيدرالية: إن علاقتهم بالمتطرفين بدأت خلال الحرب الأفغانية .. أنهم دربوا منهم حوالي ٢٠ ألف مقاتل ... والمعنى .. أن الأمريكيين هم الذين ربوا هذه الديناصورات التي استدعوها من أزمنة غابرة ليقاتلوا بها أعداء الله ... السوفيت الكفار في أفغانستان (٢).
وينقل (بول فندلى) حديث دار بينه وبين أحد أصدقائه عن الأثر الذي تركته تلك المقابلة عن الإسلام حيث يقول صديقه: "يثير قلقي سعودي متطرف يعيش في أفغانستان، ويعد نفسه مسلماً، وهو متهم بأنه الدماغ المخطط للإرهاب. لقد أجريت معه مقابلة تلفزيونية الليلة الماضية. إنني لا أتذكر اسمه، غير انه بدأ على الشاشة كالممسوس".
سألته: هل يدعى أسامة ابن لادن؟ فأجاب: هو بعينه. لقد أظهرت نشرة الأخبار هذا الشخص، وأظهرت الإسلام، بمظهر سيء. قد يكون أصدقائك المسلمون أناساً رائعين، إلا أن صورة المسلمين التي عرضها التلفزيون في الأسبوع الماضي بعيده عن أن تكون جذابة. والواقع أنى وجدتها مقلقة ومهينة". ويعلق فندلى على