← Общие книги

Общие книги · id 36505

الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم

يوسف الطويل

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

دائماً (٥٠٠ مليون دولار) - وكل نشاط التسليح والتجنيد المصري والسوري والمغربي وحتى الفلسطيني، بما وصل مجموعه الكلي على مساحة خمس سنوات إلى قرابة خمسين ألف شاب مسلم، نصفهم من العرب بينهم ستة آلاف مصري على أرجح التقديرات، وقد درب هؤلاء جميعاً بكل جد وشحنوا بطاقة إيمان مشبوبة بالنار" (١). وبحلول عام ١٩٨٥م أدرك ابن لادن نطاق المقاومة وبعدها الدولي، فبدأ بالانفتاح على المنظمات الإسلامية المتشددة في العالم للحصول على دعمها، واتصل بأصوليين مصريين وجزائريين، وأنشأ تنظيمه الخاص (القاعدة) الذي تولى نشاطات عدة منها تجنيد المقاتلين وإيصالهم إلى أفغانستان، حيث استقر عندئذ نهائياً في شرقي أفغانستان، وأخذ على عاتقه الأعباء المالية لعمل مخيمات للمجاهدين، بعد الانسحاب السوفيتي (١٩٨٩م)، مستخدماً ثروته الشخصية، والتبرعات القادمة من المملكة العربية السعودية، والأموال التي تدفعها حكومات دول في الشرق الأوسط، تضاف إلى ذلك الأموال القادمة من تجارة الهيروين الذي ينتج في أفغانستان، كما يزعم بعض الكتاب الغربيين (٢). ولكن عندما انتهت الحرب الباردة، ورفعت الولايات المتحدة يدها عن الحرب الخفيفة في أفغانستان، وكفت المخابرات المركزية الأمريكية عن التخطيط للمعركة ضد الإلحاد الشيوعي، أصبح الاستمرار الأمريكي والعربي الرسمي غير مبرر، وغير مطلوب وبالتالي وقع الانسحاب (٣). ففي عام ١٩٩٠م، وبطلب من الأميركيين أوقفت السعودية دعمها للأفغان العرب واضعة بالتالي (نهاية لمهمة أسامة بن لادن الرسمية). وبعد عودة هذا الأخير إلى الرياض، حاول إقناع العائلة الملكية بضرورة مواصلة مساعدة المجاهدين في أفغانستان لكن بدون جدوى .. فشعر بالخيانة، وبدأ بعدها معارضته للسلطة والتحالف سراً مع معارضي العائلة الحاكمة في الخارج .. فكان أن انشق عن النظام وأخذ على عاتقه، دعم المجاهدين الأفغان رغم معارضة العائلة الملكية وواشنطن .. وزادت خلافاته مع العائلة الحاكمة إثر حرب الخليج، حيث ندد بوجود قوات غربية في الأراضي المقدسة، وغادر السعودية في ١٩٩١م واستقر

стр. 597

في السودان (١). وحاول تنظيم القاعدة أن يواصل ما يقضي به الإيمان، لكنه ما لبث أن تحول في نظر الذين قاموا على إنشائه، من كتائب جهاد إسلامي إلى عصابات إرهاب إجرامي (٢). ابن لادن في السودان في السودان أحاط ابن لادن نفسه بأفغان عرب، وبدأ مجموعة من الاستثمارات الاقتصادية، التي اعتبرتها المخابرات الغربية وسيلة لدعم الإرهاب الأصولي في العالم، وعاش ابن لادن بوصفه رجل أعمال لمدة خمس سنوات في منفاه السوداني، حيث كانت علاقاته متينة مع حسن الترابي زعيم الجبهة القومية الإسلامية .. ومول المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي الذي جمع الحركات الإسلامية وبعض الحركات المعارضة بتنظيم من الترابي في الخرطوم .. كما حاول تطوير تنظيمه (القاعدة). ولكن نشاطاته سببت صعوبات للسودان، ودفعت بالأميركيين إلى الضغط على السعودية، لإصدار قرار توقيف بحقه فكان لهم ما أرادوا .. حيث اتهمته السعودية بدعم الإرهاب في الجزائر ومصر، وباتصالات مع معارضين دينيين حاولوا إنشاء منظمة مستقلة لحقوق الإنسان في المملكة في بداية ١٩٩٦م .. وكانت السلطات السعودية قد جردته من جنسيته السعودية عام ١٩٩٤م. الالتقاء مع جماعات إسلامية والكفاح ضد أميركا مع تزايد الضغوط السعودية والغربية على السودان، تخوف ابن لادن من احتمال تسليمه للسعودية، فغادر الخرطوم في مايو ١٩٩٦م عائداً إلى أفغانستان .. وتزامن ذلك مع بروز حركة الطلبان ودخولها كابل في سبتمبر ١٩٩٦م، حيث سهل ذلك استقرار ابن لادن في أفغانستان إذ أصبحت علاقته وطيدة مع الملا محمد عمر زعيم الطالبان. وفي منفاه الأفغاني، أعاد ابن لادن تنظيم شبكاته واتصالاته بقياديين إسلاميين، وباشر نشاطه السياسي بالاتصال والاجتماع إلى هؤلاء وفتح

стр. 598

العديد من المخيمات التدريبية، كما واصل ووطد علاقاته بالجماعات الإسلامية في كثير من دول العالم، وهكذا أصبح ابن لادن على رأس شبكة إسلامية متعددة الحدود ومتفرعة وغير واضحة المعالم. ومن أفغانستان أعلن ابن لادن الكفاح ضد الوجود الأميركي في الأراضي المقدسة، وبدأت المعركة بينه وبين أميركا التي قصفت أحد مخيماته في أغسطس ١٩٩٨م عقب تفجير سفارتيها في نيروبي ودار السلام .. ويعود إعلانه الجهاد ضد أميريكا إلى أغسطس عام ١٩٩٦م، حيث شكلت تصريحاته فيما بعد سنداً للهجوم على المصالح الأميركية في السعودية، وفي كينيا وتنزانيا واليمن (١). طريد المخابرات العالمية منذ عام ١٩٩٨م أصبح ابن لادن مركز اهتمام وكالات الاستخبارات الأميركية، حيث ظهرت (خلية أزمة) باسم ابن لادن تقتضي آثاره، وتتجسس عليه، وتحاول كشف معاقله ومخابئه وتطارد شبكاته المالية عالمياً، وهنا نتساءل، لماذا رفضت هذه الأجهزة التعاون مبكراً مع الدول العربية مثل الجزائر ومصر ضد بن لادن وأعوانه المزعومين؟، ولماذا رفضت الحكومات الغربية مطاردة الإسلاميين الجزائريين والمصريين من المتشددين، الذي يمولون ويدعمون الإرهاب في بلدانهم؟ لماذا انتظروا استهداف المصالح الأميركية ليتحركوا؟ (٢). والإجابة على ذلك هو أن تنظيم القاعدة بعد أن انتهى دوره في الحرب على السوفييت، وجدت أمريكا أهمية استخدامه لتبرير حروبها المقبلة على العالم الإسلامي، من خلال تضخيم الخطورة التي يشكلها على أمريكا والعالم. فأمريكا أرادت أن تجعل من (القاعدة) قوة مستقرة وشريرة، لتبرر التدخل في أي مكان وفي أي وقت باسم الإرهاب (٣).

стр. 599

صناعة صورة العدو بدأت الإدارة ووسائل الإعلام الأمريكية، تسلط الضوء على خطر ما أسموه (الإرهاب أو التطرف الإسلامي) على العالم وأمريكيا بالذات، من خلال نشر تقارير وأفلام وتحقيقات عن المنظمات الإسلامية المختلفة، وعلى رأسها تنظيم القاعدة، لصناعة صورة العدو، أو الوحش الذي يهدد الحضارة والإنسانية، حيث رسمت وسائل الإعلام صوره قاسية لتنظيم القاعدة، ولأسامة بن لادن المدجّج بأسلحة الدمار الشامل، والذي يقود مجموعة من القتلة الذي يستخدمون الأسلحة البيولوجية والكيميائية للقضاء على أعداد كبيرة من الأميركيين وسواهم. وقد عززت هذه الصورة وساهمت في تضخيمها بعض قيادات التنظيمات الإسلامية، من خلال بعض تصرفاتها وتصريحاتها، المسيئة والساذجة والغبية، والتي لا تمت بأيه صله للإسلام (١). ففي ٢١ نوفمبر ١٩٩٤م أذاعت شبكة تلفزيون P.B.S الأمريكية برنامجاً عن الجهاد في أمريكا .. أعده وعلق عليه الصحفي المعروف (ستيفن امرسون)، الذي اشتهر بتحقيقاته عن الإرهاب الدولي. وفي البرنامج انطلقت حناجر المتطرفين الإسلاميين تصرخ وتزوم وتهدد بنسف الحضارة الأمريكية .. وسفك دماء غير المسلمين ... وإعلان الجهاد في سبيل الله من البيت الأبيض، والكونجرس ومجلس الأمن. وقال المعلق: أنهم يهدفون إلى مقاتلة الكفار وإقامة إمبراطورية إسلامية. وفي اليوم التالي لعرض برنامج الجهاد في أمريكا، عرضت نفس المحطة برنامجاً آخر بعنوان (الأصولية الإسلامية والديمقراطية) ندد فيه عمر عبد الرحمن بالديمقراطية الغربية ووصفها بالتدني والحقارة (٢). وبعد انقضاء أربع سنوات على انفجار اوكلاهوما سيتى، وخمس سنوات على بث شريط الجهاد في أمريكيا، بث فيلم وثائقي ثان، عزز القلق الشعبي إزاء المسلمين، وأظهر هذا الفيلم الأذى الذي لا يمكن أن يلحقه بسمعة الإسلام إلا أحد ادعيائه. ففي إنتاج بدا انه تتمه لفيلم الجهاد في أمريكا، قدمت شبكة ب. ب. س

стр. 600

شريطاً يحمل عنوان (الإرهابي والقوة العظمى) تناول خطاب أسامة بن لادن، الذي قدم نفسه كمدافع عن الإسلام. حيث يزعم الفيلم ان بن لادن قام بدور رئيس عام ١٩٩٨م في تفجيري سفارتي أمريكا في كينيا تنزانيا، كما قدم تحقياً عن عمليات القصف الانتقامي الأمريكي لأهداف في السودان وأفغانستان. وفي هذا الشريط الوثائقي أعطى بن لادن صورة مزيفه، بشعة، فاسدة عن الإسلام. فباسم الدين دعا المسلمين إلى قتل الأمريكيين أينما استطاعوا ومتى استطاعوا، وهى دعوة تنتهك مبادئ العدل التي تطبع الإسلام، انتهاكاً فاضحاً، وشدد على أن أمريكا هي عدو الإسلام الرئيس وقال: إنه يتوجب على المسلمين محاربتها. ومها يكن الدافع الذي أدى إلى تفجر نقمة ابن لادن، فقد أظهره منتجو الشريط بصورة المسعور، إذ عمدوا إلى حذف المقاطع التي تضمنت عبارات متقدة، مشوبة بإحساسه بالظلم الواقع من جانب أمريكا (١). وفي البرنامج اعترف رجال المخابرات الأمريكية ورجال المباحث الفيدرالية: إن علاقتهم بالمتطرفين بدأت خلال الحرب الأفغانية .. أنهم دربوا منهم حوالي ٢٠ ألف مقاتل ... والمعنى .. أن الأمريكيين هم الذين ربوا هذه الديناصورات التي استدعوها من أزمنة غابرة ليقاتلوا بها أعداء الله ... السوفيت الكفار في أفغانستان (٢). وينقل (بول فندلى) حديث دار بينه وبين أحد أصدقائه عن الأثر الذي تركته تلك المقابلة عن الإسلام حيث يقول صديقه: "يثير قلقي سعودي متطرف يعيش في أفغانستان، ويعد نفسه مسلماً، وهو متهم بأنه الدماغ المخطط للإرهاب. لقد أجريت معه مقابلة تلفزيونية الليلة الماضية. إنني لا أتذكر اسمه، غير انه بدأ على الشاشة كالممسوس". سألته: هل يدعى أسامة ابن لادن؟ فأجاب: هو بعينه. لقد أظهرت نشرة الأخبار هذا الشخص، وأظهرت الإسلام، بمظهر سيء. قد يكون أصدقائك المسلمون أناساً رائعين، إلا أن صورة المسلمين التي عرضها التلفزيون في الأسبوع الماضي بعيده عن أن تكون جذابة. والواقع أنى وجدتها مقلقة ومهينة". ويعلق فندلى على

стр. 601

ذلك بقوله: "لم تفاجئني حدة كلماته، ولا ربطه لابن لادن بأفغانستان، فالتقارير التي تقشعر لها الأبدان عن الحكومة الأفغانية سيطرت على الأخبار، فالصور التي وصلتنا عبر التلفزيون، وعناوين الصحف، لقد بثوا صوراً عن نظام القهر الذي انتزع من رعاياه حقوقهم، وقمع النساء منهم، وقدم ملاذاً لثرى عربي أصبح إرهابياً خطيراً" (١). ومن أيامها ـ أي بعد تلك المقابلة ـ والإعلام الأمريكي والسياسة الأمريكية لا تنطلق إلا باسم ابن لادن، وكأن ذلك الرجل الذي قضى صباه وشبابه مقاولاً لبناء الطرق، ثم عاش ذلك النوع من الحياة التي يعيشها أقرانه من أبناء الغنى السريع في المملكة العربية السعودية، ثم حملته المصادفات إلى أفغانستان في ظروف شديدة الالتباس وقد حلت فيه فجأة روح (هولاكو) و (هتلر) و (جنكيز خان) و (ستالين) في الوقت نفسه" (٢). خرافة السوبر مان مقابل الدولة الأعظم لان الأمريكيين يبحثون عن الأشباح التي ضربتهم واختفت .. فإننا نسمع ونقرأ في الأخبار والتصريحات والتعليقات عجباً .. بعضه حقائق مذهلة وبعضه كوميديا هزلية .. وأغلبه هلاوس وهذيانات! فمخابراتهم ومباحثهم الفيدرالية قد تعرف كل شيء .. ولكنها أبداً لم ولن تعرف حقيقة ما حدث يوم ١١ سبتمبر (٣). والولايات المتحدة الأمريكية تعجّ بأكثر أنواع الاستخبارات تعقيداً في العالم إلي جانب قدراتها الفائقة علي المستوي التقني، إلا أنها وقفت عاجزة أمام أسطورة ابن لادن وتنظيمه الذي يديره من احد الكهوف في أفغانستان، حيث استطاع إذلال القوه العظمى الوحيدة في العالم، واختراق كافة أنظمتها واستخباراتها وتقنيتها المتقدمة. هذه هي الصورة المغلوطة التي أريد لنا وللعالم أن نقتنع بها، من خلال عملية غسل دماغ منظمة مارستها الولايات المتحدة، بالرغم من أن الواقع يقول غير ذلك.

стр. 602

فالولايات المتحدة لا تملك وكالة استخبارات واحدة، بل إنها تقوم علي عدة وكالات للمخابرات تعمل علي المستويين المحلي والدولي، وتربطها أنظمة تعاون وتنسيق غاية في التعقيد، أثبتت كلها نجاعتها. ومن بين هذه الوكالات نذكر: وكالة المخابرات المركزية، وكالة استخبارات وزارة الدفاع، واستخبارات الجيش، واستخبارات البحرية، وخدمات استخبارات سلاح الجو، ووكالة الاستخبارات التابعة لوزارة الخارجية، وهو مكتب الاستخبارات والبحث، واستخبارات مفوضية الطاقة الذرية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وأخيراً وليس آخراً، وكالة الأمن القومي، وهي كبري وكالات الاستخبارات الأمريكية علي الإطلاق. وتعمل وكالة الأمن القومي NSA بمراقبة كل الاتصالات الخاصة والحكومية في العالم، من خلال تقنيات عالية التطور والتعقيد، حيث تعتبر الذراع الالكتروني الذي يسترق السمع علي العالم لحساب الاستخبارات الأمريكية. وقد قامت هذه الاستخبارات بتحذير كلينتون من أن سفارة دولة أجنبية، معينة كانت تتنصت علي مكالماته الهاتفية مع مونيكا لوينسكي، ممّا دفعه إلي الكف عن تلك المكالمات. وعندما أنكر الاتحاد السوفييتي أنه قام بإعطاء الأوامر لإسقاط الطائرة الكورية المدنية، التي كانت تحلق فوق منطقة روسية، قامت وكالة الأمن القومي NSA بعرض الشريط الصوتي الكامل، الذي يحتوي الاتصالات التي دارت بين قائد طائرة الميغ MiG الروسية، وبين محطة القيادة الأرضية، حيث كانت محطة القيادة تعطي أوامرها للطيار بإطلاق النار علي الطائرة المدنية الكورية وإسقاطها. وحتى في المراحل الأولي من عصر التقاط الصور بالأقمار الصناعية، كان بإمكان وكالة الأمن القومي أن تحصي الدبابات السوفييتية عدداً، ومن خلال تقنية الصور الأولية كان بمقدورهم أن يحددوا جاهزية تلك الآليات للعمل. وتمتلك وكالة الأمن القومي، سفن تجسس في المحيطات، وأقماراً صناعية وطائرات أواكس تجوب أرجاء السماء علي مدار الساعة، مغطية كل أنحاء العالم. ويتم اعتراض كل حركات الاتصال من الولايات المتحدة وإليها، كما تصنّف الرسائل التي يتم اعتراضها، ومن ثم تُوجّه لمن هم معنيون بها. وفي مقر وكالة المخابرات المركزية CIA، ثبت جهاز المقارن علي لوح من الغرانيت يزن ٧ أطنان ليجعل آلية عمله الحساسة بمعزل عن

стр. 603

اهتزازات المبني. أما العقل المدبر في مقر الوكالة في (لانجلي) فهو عبارة عن مزرعة ديسكات كمبيوتر في غرفة، تماثل مساحتها مساحة ملعب كرة قدم، إضافة إلي سبع صوامع عملاقة تحتوي كل منها علي (٦) آلاف شريط كمبيوتر مغناطيسي، تقوم الروبوتات بتحميلها. وتتم تغذية عشرات الآلاف من صور الأقمار الصناعية في كمبيوترات فائقة السرعة، التي تعيد عرض رسوم كرتونية للشوارع والأسواق والبنايات أو أي شيء آخر تري الوكالة أو أي من عملياتها ضرورة لمراقبته. وتستطيع وكالات الاستخبارات اقتحام أجهزة الكمبيوتر الشخصية، ونسخ المعلومات الموجودة عليها، دون الحاجة إلي اقتحامها فعليا في مواقعها. وباستخدام شعاع صغير غير مرئي يرسل من محوّل علي بعد مئات الأمتار من النافذة، يتم تضخيم اهتزازات النوافذ، وبالتالي تسجيل المحادثات التي تجري داخل الغرف. وهذا جزء لا يذكر إذا ما قورن بالمعجزات التقنية، التي لا يتم نشرها علي الملأ. ومع ذلك فقد أعلنت الولايات المتحدة مباشرة بعد هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، أن رجلاً يعيش في كهف علي مبعدة عنهم تقدر بنصف محيط الكرة الأرضية هو المسئول عن هذه الهجمات، وأن هذا الرجل الخارق قد تفوَّق علي جيوش وكالات الاستخبارات المذكورة في مهاراته وذكائه. وهذا الرجل هو أسامة بن لادن، ووفقاً للرواية الأمريكية الرسمية، فإن أسامة بن لادن من كهفه، قد تفوق علي القوة العظمي الوحيدة في العالم. وقد طالب هذا العالم أمريكا بتقديم الدليل، ولكن شيئاً لم يُقدَّم (١). أحداث ١١ سبتمبر من المعلوم أن الولايات المتحدة اتهمت أسامة بن لادن وما أسمته هي تنظيم القاعدة ـ إن كان ثمة شيء اسمه تنظيم القاعدة ـ بالمسؤولية عن أحداث ١١ سبتمبر بعد ساعات من وقوع الحادث دون دليل واضح ومقنع، بل إن اللجنة المكلفة بالتحقيق في الحادث خلصت إلى نتائج متهاونة على حد وصف مسئول مكافحة الإرهاب السابق في البيت الأبيض (ريتشارد كلارك)، الذي قال في مقال نشرته

стр. 604

صحيفة صنداي نيويورك تايمز: إن من بين الحقائق الواضحة الموثقة، ولم تذكرها اللجنة أن إدارة الرئيس جورج بوش لم تفعل الكثير بشأن الإرهاب قبل الهجمات (١). فالرغم من ان الولايات المتحدة الأميركية توافر لها ما لم يتوافر لأي دولة وقعت ضحية لجريمة كبرى من المعلومات خلال الثلاث سنوات الماضية، توافر لديها أفغانستان كلها بكل ما فيها من وثائق ومن مواقع للتدريب ومن معسكرات، توافر لديها أكثر من ٦٠٠ شخص في غوانتانامو تحقق معهم خلال ثلاث سنوات، توافر لديها أكثر من ثلاثة آلاف شخص على مستوى العالم تم إلقاء القبض عليهم وصبت كل المعلومات في النهاية لدى الأجهزة الأميركية، كل هذه الأشياء لم تعط واشنطن حتى الآن أي مبرر لاتهام أي شخص في العالم سواء زكريا موسوي الذي يتم الآن التفاوض حول تخفيف الاتهام أو إلغائه هذا الأمر يلقي بالفعل كثيرا من الشكوك حول ما حدث (٢). بل إن الإدارة الأميركية وعلى لسان وزير الدفاع الأميركي (رمسفيلد) أعلنت أنها لا ترغب في اعتقال ومحاكمة أسامة بن لادن، لأنها ببساطة لا تملك أدلة الاتهام، وهو ما حدث لمعتقلي غوانتانامو الذين لا يملكون معلومة ولا علاقة لهم بالأحداث، وإذا قدموا لمحكمة فإنه لا يوجد تهمة توجه ضدهم، فالولايات المتحدة تشن حربا على المجهول (٣). http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٣/٥/ - TOP ولأنها حرب على المجهول، ولا وجود لهذا الخطر المزعوم، فقد بدأت وسائل الإعلام في إيراد التهم التي ثم ألصاقها بالقاعدة، والتي كانت أداة مفيدة بيد الدعاية الأمريكية، لكنها لا تبدو معقولة في نظر القارئ المحايد، حيث بدأ الحديث عن الأسلحة التي تمتلكها القاعدة، وإنها تتكوّن من كميات هائلة من الأسلحة التقليدية التي تشتريها المنظمة من باكستان بصورة رئيسة، كما تمتلك أسلحة نووية تكتيكية يمكن استخدامها من قبل شخص واحد حصلت عليها من مصادر من الاتحاد السوفيتي السابق، إلى جانب ترسانتها من الأسلحة البيولوجية ومن بينها الإنثراكس، والطاعون، والسارين، وبكتيريا التسمّم العصبي.

стр. 605

لكن الغريب على ضوء تلك الخطورة، أن يمر كل هذا الوقت على هجمات ١١ سبتمبر دون أن يوضع أي من تلك الأسلحة موضع الاستعمال، حيث من الصعب تصوّر جماعة بهذه الدرجة من التسلّح تضم ٢٠ ألف شخص في الحد الأدنى، أو ٧٠ ألفاً في الحدّ الأقصى، من المسلّحين المدرّبين المنتشرين في جميع أنحاء العالم، لا تقدم على أي عمل مهم، في الوقت الذي تعرّض زعماؤها إلى تلك الهجمة العاتية، التي شنت عليهم، وهنا يبدو غريباً أنّ الهجوم البيولوجي الوحيد الذي وقع حتى الآن هو الهجوم المتفرّق بالإنثراكس، الذي لم تظهر للقاعدة علاقة به، بل كان من تدبير جماعة يمينية أمريكية متطرفة (١). المسؤولية عن هجمات ١١ سبتمبر في خطابات بن لادن كان من اللافت للنظر أن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن لم يعلن مسؤولية تنظيمه مباشرة عن الهجمات التي تعرضت لها مرافق حيوية في الولايات المتحدة يوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١، بل عمد إلى التدرج في إعلان هذه المسؤولية. فإثر الهجمات وتحديدا بتاريخ ١٦/ ٩/٢٠٠١ أصدر بن لان بيانا مطبوعاً أعرب فيه عن استغرابه لاتهام أميركا له وللقاعدة بالوقوف وراء تلك الهجمات، وأكد أنه لم يقم بهذا العمل معرباً عن قناعته بأن من قاموا بها إنما نفذوها بدوافع ذاتية. وذكر في البيان أنه يعيش في إمارة أفغانستان الإسلامية وقد بايع أمير المؤمنين فيها على السمع والطاعة في جميع الأمور، وهو لا يأذن بالقيام بمثل هذه الأعمال من هناك. وبعد ذلك تدرج بن لادن في بياناته وأحاديثه المسجلة والمصورة خلال السنوات الخمس من نفي المسؤولية عن الهجمات إلى التشجيع على القيام بها والإشادة بها، فالإشارة إلى ما يوحي بالمسؤولية عنها. فبعد شن الولايات المتحدة حربها على أفغانستان بغرض الانتقام من الهجمات التي تعرضت لها، قال بن لادن في شريط مصور بثته قناة الجزيرة في ٣/ ١١/٢٠٠١ إن أفغانستان وتنظيم القاعدة يتعرضان لقصف عنيف دون أن يثبت أي دليل على تورطهما في الهجمات التي تعرضت لها واشنطن ونيويورك، غير أنه أشاد في كلمته

стр. 606

بالهجمات ووصفها بالضربات العظيم. وبعد ثلاثة أشهر من هجمات سبتمبر، وصف بن لادن في شريط مصور بث بتاريخ ١٠/ ١٢/٢٠٠١ - الهجمات بالمباركة، وقال إنها شنت (ضد الكفر العالمي وضد رأس الكفر أميركا)، وأشار إلى أن أحداث ١١ سبتمبر ما هي إلا رد فعل على الظلم المتواصل الذي يمارس (على أبنائنا في فلسطين وفي العراق وفي الصومال وفي جنوب السودان وفي غيرها كما في كشمير وآسام). ووصف في الشريط الذين قاموا بالهجمات بأنهم فتية فتح الله عليهم بأن يقولوا لرأس الكفر العالمي أميركا ومن حالفها أنتم على باطل وضلال، وضحوا بأنفسهم من أجل لا إله إلا الله، على حد تعبيره. وبعد عام على الهجمات تطرق زعيم القاعدة لأحداث سبتمبر في شريط مصور بثته الجزيرة في ١٠/ ٩/٢٠٠٢ فقال: "عندما تتحدث عن غزوتي نيويورك وواشنطن، تتحدت عن أولئك الرجال الذين غيروا مجرى التاريخ وطهروا صفحات الأمة من رجس الحكام الخائنين وأتباعهم، بغض النظر عن أسمائهم ومسمياتهم، نتحدث عن رجال لا أقول إنهم حطموا برجي التجارة ومبنى وزارة الدفاع الأميركية فقط، فهذا أمر يسير، ولكنهم حطموا هبل العصر، وحطموا قيم هبل العصر". وذكر بن لادن أسماء منفذي الهجمات وأشاد بهم فرداً فرداً. وفي الذكرى السنوية الثانية للهجمات بثت الجزيرة في ١٠/ ٩/٢٠٠٣ شريط فيديو يظهر فيه كل من بن لادن ونائبه أيمن الظواهري وهما يسيران جنباً إلى جنب. وتضمن الشريط كلمتين للرجلين أشادا فيهما بمنفذي الهجمات وتوعدا الأميركيين بشن المزيد من الهجمات. وفي ٢٩/ ١٠/٢٠٠٤ وجه بن لادن رسالة إلى الشعب الأميركي، والتي حصلت عليها الجزيرة بالصوت والصورة للمرة الأولى منذ أكثر من عامين، حيث تحدث بن لادن في بدايتها عن الأسباب التي دعته لاختيار الولايات المتحدة لكي ينفذ فيها أحداث ١١ سبتمبر. وهي المرة الأولى التي تحدث بن لادن فيها عن الدوافع التي جعلته يفكر في التخطيط لتلك الهجمات، مؤكدا أن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢ كان أول الأحداث التي جعلته يفكر في ذلك. وفي شريط بثته الجزيرة ناشد الرجل الثاني في القاعدة أيمن الظواهري المسلمين الاقتداء بمنفذي هجمات ١١ سبتمبر، قائلاً: "إن العدو لا يفهم غير لغة الأبراج المحترقة والمصالح المدمرة. ووعد الظواهري بأخبار قال إنها ستثلج صدور المسلمين".

стр. 607

وفي الذكرى الخامسة للهجمات حصلت الجزيرة على شريط مصور بثته في ٧/ ٩/٢٠٠٦ تضمن صوراً بثت لأول مرة عن أجواء الإعداد لضربة الحادي عشر من سبتمبر قبل خمس سنوات. وتظهر الصور التحضيرات التي سبقت الهجمات أو ما تسميه القاعدة غزوة منهاتن (١). ويرصد التسجيل الذي يذاع لأول مرة تفاصيل الحياة اليومية للمنفذين في أفغانستان وقت التحضير للتفجيرات (٢). لغز اختفاء بن لادن ! (٣) مثل أي فيلم عنف أميركي سيئ الإخراج والحبكة، بقيت النهاية مفتوحة في الحملة الأميركية ضد تنظيم القاعدة، ولا يزال الأشرار (أسامة بن لادن والملا محمد عمر) هاربين من الرجال الطيبين (الولايات المتحدة بالطبع!)، الذين يريدون إحقاق العدل وسط تصفيق المشاهدين البلهاء. كيف اختفى أسامة بن لادن من جبال تورا بورا، ومن تحت الأقمار الصناعية الأميركية، ومن بين أعين المخابرات الأميركية، والمرتزقة الأفغان الباحثين عن مكافأة تسليمه؟ بكل بساطة اختفى (المجاهد) أسامة بن لادن، لأن الدور المطلوب منه لم ينته بعد، فقد سيطرت الولايات المتحدة على أفغانستان بالكامل، وحولتها إلى قاعدة عسكرية واستخباراتية أميركية في مواجهة إيران والصين وروسيا، وإبقاء الرقابة على الهند والباكستان وبرامجهما النووية، ولكن لا يزال لأسامة بن لادن دور آخر. المفروض أن يظهر ابن لادن في مكان ما، ربما عن طريق وسائل الإعلام الأميركية أولاً، ومن ثم تسريبات الاستخبارات الأميركية، فهو سيظهر إما في الصومال أو اليمن أو الباكستان أو حتى الشيشان، ولا تستبعدوا الفلبين والسودان ولبنان، ولا سبب يمنع تسلله إلى السعودية أيضاً، فكلها موضوعة في لائحة مواقع الاستهداف، والحرب الأميركية القادمة، وقد قالها بوش بصراحة: "ربما لا نقبض عليه

стр. 608

اليوم أو غداً ولكننا سنفعل ذلك في النهاية"، وهذه النهاية لن تأتي قبل تدمير كل مقدرات الدول والتنظيمات التي يمكن أن تهدد أمن إسرائيل والولايات المتحدة. يجب أن يكتشف العالم الإسلامي وبسرعة ظاهرة ولغز أسامة بن لادن وسيرة حياته غير العطرة، فلا يمكن أن يبقى هذا الشخص في نظر المسلمين إما بطلاً ومجاهداً ـ وهو أبعد ما يكون عن ذلك- أو مجرماً إرهابياً قاتلاً - وهو كذلك أكثر سذاجة من أن يكون كذلك- ولا شك أن هناك سراً وراء اختفائه المفاجئ وغير المفهوم من أنقاض أفغانستان، والذي ترافق مع تخفيف كبير للحملة الأميركية لإلقاء القبض عليه، فقد قضى الأميركيون تماماً على الشبان العرب من تنظيم القاعدة والأفغان من حركة طالبان، ولكن قيادات هذه التنظيمات لم يمسها أي شر، فهل يعقل أن يهرب هؤلاء جميعاً من ساحة المعركة بدون أثر؟ التفسير الوحيد هو أن أسامة بن لادن لم يكمل دوره بعد، فإما أنه يسير ضمن مخطط مرسوم لصالح الولايات المتحدة، أو أنه ترك ليهرب من أفغانستان تحت سمع وبصر القوات الأميركية تمهيداً للضربة الثانية، ولا نعلم ما هي الدولة المتعوسة التي سيهرب إليها ابن لادن ليعيث الخراب فيها من جديد؟. في مثل هذه الأحداث نبقى جميعاً نشاهد ما يسمح لنا برؤيته ونحلل ونصفق ونشتم كما نريد، ولكن في الخفاء توجد الكثير من الأسرار التي لا يعرفها أحد، والتي لا يكشفها ابن لادن في خطبه العصماء على قناة الجزيرة، والذي لم يقل بوضوح فيما إذا كان قد خطط بالفعل لعمليات ١١ أيلول أم لا؟، وفي كل التاريخ لم نر متهما يتجاهل الدفاع عن نفسه بهذه الطريقة المحيرة، وسيبقى لغز ابن لادن قائماً بينما يدفع المسلمون الثمن لواحدة من أكبر حماقات التاريخ، أو أكثر مؤامراته ذكاءً!!. الزرقاوي .. لغز جديد الزرقاوي مصاب .. الزرقاوي لم يصب وبخير .. مجرد بيانات على الانترنت مجهولة المصدر باتت تحتل صدارة الأخبار لتسارع الإدارة الأمريكية الحريصة على إيجاد مبرر لاستمرار احتلالها للعراق إلى التهوين من قيمة هذه البيانات، مؤكدة أن إصابة الزرقاوي أو حتى وفاته لن تؤثر في ما يسمى بـ (تنظيم القاعدة في بلاد

стр. 609

الرافدين)، ولن يحول دون نشاط تلك الجماعة المسلحة في العراق حسب تعبير أحد جنرالات البنتاجون، الذي أكد أن ما يهم بلاده هو معرفة أين هو الزرقاوي وفي أي حالة، خصوصاً أن مكافأة ال ٢٥ مليون دولار، التي رصدتها بلاده للقبض على الزرقاوي لم تعجل في تحقيق هذه الغاية. وبالتزامن مع حديث الزرقاوي المطلوب الأول حالياً في العراق، فاجأنا الرئيس الباكستاني الجنرال (برويز مشرف) بعد مرور ٢٤ يوماً على اعتقال المدعو أبو (الفرج الليبي)، الذي قيل إنه الرجل الثالث فيما يسمى بـ (القاعدة) ـ القيادة المركزية ـ إذا جاز الوصف لا يملك معلومات لها قيمة عن مكان قائده أسامة بن لادن، ومن ثم تراجعت واشنطن عن مكافأة العشرة ملايين دولار، التي سبق ورصدتها لمن يساعد على إلقاء القبض عليه. ويبدو أن واشنطن هي المستفيد من هذه الأشباح، التي جعلت البعض يقول ساخراً إن تنظيم القاعدة هو مجرد صناعة للدعاية الأمريكية، وأن مكان إقامة ابن لادن والزرقاوي .. ممن سمعنا وسنسمع بهم هو البنتاجون، لأن المستفيد الأول من استمرار بقائهما هي الإدارة الأمريكية الحالية، التي تحرص على اختراع عدو لاستخدامه فزاعة، وذريعة لحرب الهيمنة على العالم، خصوصاً المنطقة ومقدراتها، مهما اختلفت العناوين التي تطلقها على تلك الحرب، وأعتقد أن الملايين من أبناء المنطقة يتمنون وضع حد لهذه الأساطير اليوم قبل غدٍ وساعتها لا ندري ماذا ستقول أمريكا (١). فيلم بريطاني: لا وجود دولياً لـ (القاعدة) .. الأمريكيين يصنعون أكاذيب الخطر الخارجي ويصدقونها يؤكد الفيلم التسجيلي البريطاني (قوة الكابوس)، أن القاعدة لا توجد كشبكة منظمة ومنتشرة في العالم، وأن المتطرفين الإسلاميين في العالم والمتطرفين الأمريكيين ممثلين بالمحافظين الجدد يمثلان وجهين لعملة واحدة. ويجري الفيلم مسحاً شاملاً لنشوء الحركات الإسلامية ونموها وتطورها، في كل من مصر، والجزائر، ثم أفغانستان مدعماً بالوثائق، والتحليلات، وشهادات بعض رجال الاستخبارات، وتأكيدهم أن شبكة القاعدة غير موجودة كتنظيم دولي له امتداداته.

стр. 610

والفيلم الذي أنتجه تلفزيون الـ (بي بي سي) وعرض في إطار التظاهرة الرسمية لمهرجان كان السينمائي ال ٥٨ خارج المسابقة هو للمخرج (آدم كورتيس). وينطوي الفيلم على تقنية فنية عالية إذ يعمد إلى استخدام الإعلانات الدعائية والتلفزيونية وصور الأفلام العربية والأمريكية القديمة للتخفيف من حدة الموضوع الذي يطرحه، عائدا بجذور القضية إلى خمسينات القرن الماضي. وحلقة بعد حلقة وعبر معلومات مكثفة ومدروسة، يقود الشريط البريطاني مشاهده ليستنتج ان شبكة القاعدة غير موجودة أساساً، وإن كثيراً من الشبان المعتقلين في جوانتانامو لا علاقة لهم بالقاعدة، وهم أتوا إلى أفغانستان للتدرب على استخدام السلاح لأهداف وطنية مثل شباب الشيشان واذربيجان، الذين أرادوا تغيير أنظمة الحكم في بلادهم. كما يؤكد الفيلم أن التحقيقات والاعتقالات، التي تمت في الولايات المتحدة لم تفض إلى شيء ولم يُدَنْ فيها احد، في حين أكد الرئيس الأمريكي (جورج دبليو بوش) أن القاعدة موجودة في الولايات المتحدة وفي نحو ستين بلداً. ومن النقاط المهمة، التي يبرزها الفيلم الغني بالمعلومات أن أسامة ابن لادن ليس الزعيم الفعلي للقاعدة، وأنه كان فقط البنك الممول لكل هؤلاء الشباب، الذين أتوا إلى أفغانستان، ولا أيمن الظواهري، هو العقل المدبر. ويؤكد الفيلم أن الظواهري الذي تأثر بنظريات سيد قطب وجاء إلى أفغانستان بعد إطلاقه من السجن في مصر مع مجموعة من الإسلاميين المتورطين باغتيال السادات، هو الذي يكره الولايات المتحدة. ويقول الفيلم: إن ابن لادن إضافة لكونه ممولاً، كان (ثرثاراً يدعي ما لم يقم به)، ويعطي بالتالي صدقية للدعاية الأمريكية. ويبين الفيلم كيف أن المسئول عن الوضع في العالم اليوم، هي آيديولوجيات متقابلة يكمل بعضها بعضا وتتسلح بفكرة الدفاع عن الخير ضد الشر، وان كلاً منها مقتنع بالشيء ذاته. ويوضح الفيلم أن فكرة الخطر الخارجي كان يستخدمها الأمريكيون منذ السبعينات، كما حدث مع الاتحاد السوفييتي حين هوّل المحافظون القدرة العسكرية النووية لهذا البلد وأنشأوا فريقاً كاملاً للتحقيق في قدرته النووية وخرج التحقيق بنتائج تبين اليوم أنها كانت كاذبة

стр. 611

بمجملها. ويتعقب الفيلم كيفية تحول الأكاذيب إلى حقائق يصدقها الأمريكيون وهم صانعوها (١). تزويد الأنفاق بالظلام إذا كان بن لاذن وتنظيم القاعدة ما هم الا صناعة امريكية، وينفذون بعلم أو بغير علم مخططات امريكية، فكيف استطاعوا في بداية ظهورهم الحصول عل تعاطف وتأييد كثير من المسلمين؟! ويجيب على ذلك العلامة (محمد حسين فضل الله) محاولاً القاء الضوء على الظروف، التي أحاطت بظهور بن لادن على ساحة العمل الإسلامي، والسبب الذي جعل الكثيرين ينظرون إليه كمخلص للأمة من أزمتها الخانقة حيث يبدأ بوصف حالة الإنسان العربي بعد انتفاضة الأقصى الثانية وأحداث سبتمبر فيقول: "ربما يشكو الإنسان من المظالم ويكتشف الكراهية لأميركا نتيجة سياساتها". ويرى أنها وصلت إلى درجة بات يشعر فيها الناس بالإحباط، ولا يرون فائدة من العمل، "ويأتي هذا مع حالة في المنطقة العربية يصادر فيها الشعب كله، وتسيطر فيها دوائر المخابرات وقوانين الطوارئ، ويشعر الإنسان بالرعب من الحرية والتفكير الحر، ويرى المرء عمليات التدمير، التي تلحق بفلسطين والفلسطينيين، وتبدو في نهاية النفق أميركا تسده بالظلام". وأمام هذا الضغط الاستكباري، قرأت بعض الاتجاهات الإسلامية، الإسلام وآيات الجهاد، والموقف من الكفار وربما قرأت بعض تاريخ العنف، فوصلت إلى نتيجة مؤداها أن الوصول إلى الهدف يكون بعمل عنفي يرضي الحالة النفسية، والشعور بالقهر الذي يسيطر على كثير من المسلمين، بغض النظر عما إذا كان يؤدي إلى نتائج في مستوى الهدف أم لا (٢). وهذه هي

стр. 612

مشكلة هذه الاتجاهات في فهم التحرك نحو الأهداف الإسلامية، فهم يخلطون بين عنف الفكرة في مواجهة فكرة أخرى وعنف الوسيلة، فعنف الفكرة لا يعنى عنف الوسيلة، إلا أن الذهنية غير المثقفة وغير الواعية تخلط بينهما. ولهذا فقد كان من أكبر الأخطاء، ولعله خطأ متعمد أن يقع الخلط بين الاستنكار العربي للسياسة الأمريكية وبين ترجمة هذا الاستنكار على أنه الإعجاب بابن لادن، وربما ساعد على الترويح لهذا الخطأ المتعمد أن الأمة العربية لا تجد في هذه اللحظة قيادة معترفاً بها تتوافر لها المصداقية، ولا فكرة جامعة لها طاقة وحيوية أن تلهم وتحرك" (١). فواقع الشرق أو العالم الثالث أمام الأزمات الخانقة، وأمام كثير من حالات الإحباط والسقوط يجعله يفتش عن بطل أو منقذ ثائر. فمن السهل أن تتحرك بعض الطموحات لتقدم نفسها في موقع البطل، سواء من خلال الموقف المتحدي الذي

стр. 613

يتسم بالعنفوان، أو من خلال حركة تقوم هنا أو هناك، ما يوحي بأن هناك قوة قادمة يمكن أن تحل المشكلة أو تخفف بعض أوضاعها. وشخصية ابن لادن توحي بالكثير من الإعجاب، بتضحياته وزهده بالدنيا رغم توافرها بين يديه، وتبدى عنفوانه بأعمال عنف حتى خيل أنه إسقاط لعنفوان القوة الكبرى أميركا، وحولت الحماسة التمنيات إلى واقع، وهكذا استطاع هذا الرجل أن يحصل على الإعجاب والتأييد في العالم الإسلامي على امتداده، وربما أمكنه أن ينفذ إلى مجموعات من المتعلمين، لأن المسألة كانت عندهم هي الثأر بغض النظر عن المضمون (١). http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٣/٧/ - TOP وهنا أعتقد من يسمون بالأفغان العرب، ودون دراسة للظروف الموضوعية التي تحقق فيها الانتصار في أفغانستان، أن انتصارهم على الاتحاد السوفيتي يمكن أن يحقق لهم انتصاراً على أميركا. وخلق هذا الانتصار حالة من العنفوان ابتعدت بهم عن الواقع، وكان أن حدثت هجمات سبتمبر، وكانت اللحظة الأولى بعدها، في العالم الإسلامي وغير الإسلامي وفي كل العالم المستضعف هي لحظة فرح، لأن العنفوان الأميركي سقط. وخاصة عندما رأى الناس ما لا يرونه إلا في السينما والمسرحيات، فرئيس الولايات المتحدة لا يملك أن ينزل بطائرته في واشنطن، ونائب الرئيس اختفى، وكذلك أغلب الإدارة الأميركية، حتى أن أمريكا مرت في ساعات من انعدام الوزن. كان هناك فرح ينطلق من معنى الثأر والشماتة، ولكن الولايات المتحدة استعادت المبادرة بسرعة، وعلمت كيف تستفيد من الأحداث وتحصل على أكبر مكسب من خلالها. وهذا ما حدث، فقد بادرت أميركا واتهمت الإسلاميين، واستغلت صورة ابن لادن الجاهزة في وسائل الإعلام، وكانت أفغانستان تحتضن ابن لادن والقاعدة، وبهذا أصبح كبش الفداء جاهزاً. وكان يخيل للناس أن طالبان سوف تصمد، وأن أميركا سوف تغرق في وحول أفغانستان كما غرق الاتحاد السوفيتي. ولكن أميركا لم تدخل وحدها، فقد كان الأفغان المعارضون لطالبان جاهزين للعمل معها، في الوقت الذي انسحبت فيه باكستان، وتركت طالبان وحدها في مواجهة حرب عالمية فسقطت، ولا تزال الحرب

стр. 614

العالمية موجهة ضد هذا العدو الأسطوري، الذي استطاعت أميركا بإعلامها أن تضخمه، ليكون انتصارها عليه بحجمها هي لا بحجمه الحقيقي هو. وهكذا قدم هؤلاء الإسلاميين خدمة لأميركا لو بذلت المليارات لما استطاعت أن تحصل عليها، في الوقت الذي أرادوا فيه أن يسقطوا أميركا (١). فجهل بعض رموز الحركات الإسلامية بالسنن الإلهية الكونية، وبموطئ أقدامهم فيها، وكذلك تسرع البعض الآخر من هذه الرموز، وسوء النية والطوية عند قسم ثالث منهم، جعل الإسلام والمسلمون يدفعون ثمنه مرتين: مرة من قبل هؤلاء المتسرعين والجهلة وذوي الأغراض الشخصية، إذ يعيقون بمواقفهم وسلوكهم حركة الإسلام وتقدمه. ومرة من قبل أعداء الإسلام، وأعداء توجهاته السياسية في الداخل والخارج، عندما ينسبون مواقف هؤلاء وأخطاءهم إلى الإسلام نفسه ولله الأمر من قبل ومن بعد (٢). وهذه ليست كل الصورة، حيث أن ما يفعله هؤلاء بجهالة في أفغانستان والجزائر والصومال والسودان وغيرها وراءه أشرار كبار، يخططون في الخفاء، ودول صاحبة مصلحة في إشعال النار تنفق وتسلح وتستعمل الجواسيس والعملاء، وتستغل حب الرياسة في هذا وذاك وحب المال في هذا وذاك ... نعم وراء كل قنبلة تنفجر هناك جيش من الشياطين يعمل، وأجهزة مخابرات تخطط، ليظل الجحيم مستعراً وليظل المسلمين سجناء تخلفهم إلى الأبد. فالصورة كلها صورة بوليسية، والعمل عمل جواسيس محترفين، لكن القيادات الإسلامية، والمسلمون الكبار ليسوا أبرياء فوقوعهم في مصيدة الفتنة، وفي أحابيل المكر الذي حاكته العقول الاستعمارية المحترفة هو ضعف وسذاجة، تحسب عليهم في آخر المطاف، فهم لم يكونوا بالنضج ولا بالوعي الكافي الذي تستلزمه الرسالة التي وهبوا أنفسهم من أجلها. والتساؤل الأعجب، لماذا توجه هذه الفرق الإسلامية رصاصها إلى الفرق الإسلامية المنافسة ولماذا تكون العدوات بينها أشد؟ (حارب الأفغان بعضهم البعض

стр. 615

بأشنع مما حاربوا العدو السوفيتي) لقد غاب حب الرياسة في قلوبهم على حب الحق، وعلى حب الدين، الذي يدعون أنهم يحاربون من أجله، وكان سقوط المأجورين منهم بإغراء الدولارات أفدح وأخزى. لقد سقطوا في الاختبار رغم الشعارات الإسلامية التي يرفعونها، ولهذا اسقط الله الرايات من أيديهم، فالله لا يحابي في الحق أحداً، والله لا ينظر إلى بطاقة المقاتل وإنما ينظر إلى قلبه (١). تنظيمات عبثية مع أن المعركة في أفغانستان بعد الانسحاب السوفيتي لم تعد لها صلة ـ ولا حتى بالإدعاء ـ بين إيمان والحاد، وإسلام وكفر، لأنها أصبحت حرباً بين قبائل وعشائر ومشايخ، فإن أسامة ابن لادن ظل يقود تنظيماً بلا قضية في ارض بلا هوية (٢)، ودخل في تحالفات مع مسلمين ضد مسلمين رافعاً شعار الجهاد ومقاتلة الكفار، حلفاء الأمس، في صراع مقيت جلب الدمار والخراب للمسلمين، وشوه صورتهم في كل مكان، ولا شيء هناك سوى قتال بدائي على السلطة، ومن وراء الكل هناك من يدفع ويمول ويلقى بالأسلحة والذخائر في أتون المعارك حتى لا يجتمع المسلمون على كلمة، وحتى لا ترتفع للإسلام راية في أي مكان، وحتى يصبح الإسلام محل الشبهة والاتهام ومنبع لكل مصيبة. فقد زين لهم جهلهم أسباباً ومبررات لقتالهم وهم لا يعرفون من الإسلام إلا ما قيل لهم، وما وضع في أفواههم ومن ورائهم شياطين اقدر وامكر يستعملونهم، والشريعة الإسلامية بريئة من كل هذا الهراء. فهذا الإرهاب الذي أسموه ظلما بالإرهاب الإسلامي له، في بنوك أمريكا وإنجلترا أرصدة دولاريه بالملايين .. وقد رأينا إنجلترا تحتضن هؤلاء الإرهابيين علناً، وتنظم لهم مؤتمراً كبيراً، ومائدة مستديرة ليجتمعوا عندها في لندن .. ثم رأيناها تنسحب في آخر لحظة خشية الفضيحة وخشية كشف المستور. فقد التقت إرادة الغرب وإرادة إنجلترا وأمريكا على هذا الأمر.

стр. 616

وفي كتابه (علاقات خطره) يكشف مؤلفه (اندرولسلي كوكبيرن) عما يجري في كواليس المخابرات الأمريكيه ال C.I.A والموساد، ويفضح جانباً من ذلك التنظيم السري الرهيب بين الاثنين لتمويل كل البؤر المشتعلة في العالم لصناعة الانقلابات في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، ولتجنيد العملاء وشراء الزعماء وإفساد الذمم، وتحريض الطوائف وإفقار الفقراء وقتل الأبرياء في مخطط دموي رهيب للهيمنة والسيادة على العالم بقوة السلاح (١). فحرب أفغانستان تم خوضها بمساعدة المخابرات المركزية الأميركية من قبل متطوعين إسلاميين، دربوا على الحدود الباكستانية، ولكنه ومع نهاية الحرب أصبحت هذه المنطقة معقلاً للأممية المتعصبة المُشَّكلة من مجموعات صغيرة متشددة منفصلة عن المجتمع، والتي تتبع حصراً أهدافاً متطرفه، حيث تتحمل الولايات المتحدة جزءا من المسؤولية في قدوم هذا النمط الجديد من المتطرفين (٢). فكثيرين بين العرب والمسلمين ساورتهم الشكوك من سنين عديدة حول هذا الذي يجري في أفغانستان باسم الجهاد، وضد الإلحاد. وهم في كل الأحوال لم يصنعوا بن لادن أو يكتشفوه، وإنما سمعوا باسمه لأول مرة على لسان الرئيس (بيل كلينتون) حين وجه إلى مواقعه في جبال أفغانستان دفعة من صواريخ كروز صيف ١٩٩٨م عقاباً على تفجير سفارتين للولايات المتحدة في عاصمتين أفريقيتين. ثم عاد اسم ابن لادن يتردد على لسان الرئيس (جورج بوش) منذ ارتفع صوت الرئيس الأمريكي لأول مرة مساء ١١ سبتمبر وهو يعلن الحرب عليه (٣). كما تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية في صناعة أسامة بن لادن الذي دربته ومولته واستخدمته في أفغانستان ضد السوفيات، كما أن الطالبان حظوا بدعم من العالم الأنجلوساكسوني (أمريكا وبريطانيا) (٤) حيث أن سياسة واشنطن المناهضة لإيران وإستراتيجيتها

стр. 617

دفعتها إلى تسهيل قيام نظام طالبان الذي شكل فيما بعد القاعدة السياسية المثلى لمواصلة معارك ابن لادن. توظيف الدين بين بوش وبن لادن (١) سؤال مشروع في ظل تزايد الحديث عن خطاب ديني (ديماغوجي) يدعو إلى تحقيق الأهداف بالعنف، وخطاب ديني مضاد (منظم) يدعو إلى أهداف موازية وبالعنف أيضاً!!! وبين الخطابين يقبع العالم المسكون بدهشة الصور، التي تلقمها له ماكنة إعلامية ضخمة منقسمة بين طرفي المعادلة الفظيعة. خيط رفيع .. لكنه بالغ الأثر يجمع بوش وابن لادن .. يضيق في أحدهم ليتسع في الآخر، ذلك هو توظيف الدين، (فصليبية) بوش الابن، جاءت في مقابل (جهاد) ابن لادن، وكل منهما كان يقسم العالم إلى ثنائية متضادة حدية، فسطاطي بن لادن (إيمان وكفر)، ومحوري بوش (خير وشر)، و (من ليس معنا ـ نحن الخير المطلق ـ فهو ضدنا). كان الموقف تمثيلاً للتناقضات الموجودة على أرضية دينية، المرتهنة إلى ثنائيات تبسيطية للعالم بأسره، واحد يستلهم القرآن، والآخر يستلهم الكتاب المقدس، وكلاهما يعيش مع الرب؛ ويقوم بتكليف إلهي! " (٢). الأصولية الإسلامية المتطرفة (وهي يمين متطرف بالضرورة)، تدعو إلى محاربة (الشيطان الأكبر) المتمثل في الغرب والولايات المتحدة خصوصاً، ومحاربة الشيطان الأكبر في عمق هذه الميثولوجيا الأصولية المتطرفة، تتطلب إيماناً شديداً بضرورة العنف، وإلغاء الآخر، بهدف الوصول في النهاية إلى عالم يوتوبي مثالي (دولة الشرع العالمية)، حيث يقيم (المؤمنون) دولتهم، وأيضاً في سياق نفس الميثولوجيا المتواترة، فإن هذه الدولة ستكون آخر إشارات (نهاية العالم)، حين تنتصر (قوى الخير)، في معركة ميدانها (فلسطين)، والتي ستسترجع بعد حرب تدميرية، يصرخ فيها الشجر مستنجداً بالمسلمين من يهودي مختبئ خلفه، ويتبع

стр. 618

ذلك ظهور المسيح الدجال، ونزول المسيح إلى الأرض، وقيام معركة دموية بين الخير والشر، لتنتهي بانتصار الخير، وبعد زمن قليل ... ينتهي العالم!!!! هذا الخطاب الأصولي، وفي سبيل تحقيق الرؤيا، يسعى إلى رفع (الظلم) عن المؤمنين من خلال نبوءات دينية بحتة، والمشكلة ـ الكارثة تكمن في التفسير العقائدي لهذا الحدث، والذي يزداد شرعية من خلال إعلام الكاسيتات، والتواتر التقني عبر الإنترنت، ليعزف على وتر العقيدة، مما يدخل (الاجتهاد الفردي)، بتفسير النص إلى خانة المقدس غير القابل للتأويل، ويسهل عملية تجييش البسطاء من (المؤمنين) في حرب تدميرية شاملة، طمعاً بجنة سماوية أو أرضية، وهذا في النهاية ـ حسب الخطاب الأصولي ـ أمر إلهي قادم من (الله) مباشرة، وعليه ... فلا يجوز النقاش فيه. في الجهة الأخرى، هناك إدارة أميركية (جمهورية جديدة)، حوالي ٩٠% من قاعدتها في معظم الولايات خاضعون للكنيسة البروتستانتية المجددة (التدبيريون)، وهم يؤمنون أيضا بضرورة محاربة الشيطان و (محاور الشر) في العالم، وتؤمن بالعنف و (إلغاء الآخر) الشرير بالمطلق، بهدف الوصول ـ حسب رؤيتهم ـ إلى عالم يوتوبي مثالي (مملكة الرب)، حيث يقيم (المؤمنون) دولتهم، وفي نفس السياق الميثولوجي الغريب، فلا بد من السعي إلى (إنهاء العالم)، وتجميع اليهود في فلسطين للوصول إلى المعركة الحتمية الفاصلة وميدانها سهل (مجيدون) في الأرض المقدسة، وهي أرض الميعاد لهذه المعركة التي وعد بها الرب، ولا خوف على (المؤمنين) من السلاح النووي، لأن المسيح سيبعث من جديد، ويحمي أتباعه. فأصولية هؤلاء هي صورة مشابهة تماما لأصولية (ابن لادن) وهم يرون أن هجمات ١١ سبتمبر هي بداية حرب دينيه ضد الكفر والكفار، وهذا ما تم تمهيد الأرض له من قبل الكنائس الراديكالية التي تروج لمقولة: "الأشرار يجب أن يعاقبوا والأخيار يجب أن يكافئوا. لقد جاء وقت العنف". ومثل هذه الأفكار هي التي أدت إلى الوصول إلى منطق: "من ليس معنا أي ضد الكفار- فهو ضدنا"، حيث كانت النتيجة الطبيعة هي حدوث خلط متطرف ولاعقلاني بين المقاتلين الإسلاميين المتطرفين، وبين الإسلام كدين وهذه ما جعل القس (فرانكلين جراهام) يذهب للاتفاق مع الرئيس بوش بصورة متطرفة واضحة حتى انه يصف الإسلام بكامله في خطبه "بأنه

стр. 619

(أقصى أنواع الشر) وبأنه دين ذميم، فلسنا نحن من هاجمنا الإسلام بل هو الذي هاجمنا". بينما يقول زميله (جيري فينز) القس الأكبر لكنيسة بابست في فلوريدا في خطبه: "أن المسيحية تأسست على يد سيدنا المسيح عيسى الذي ولد كابن لله من امرأة عذراء، إنما الإسلام تأسس على يد محمد الذي تلبسه الجن وتزوج من ١٢ امرأة، أخرهن كانت في التاسعة من عمرها". مضيفاً بقوله: "أقول لكم: أن الله ليس هو يهوه، فان يهوه لم يرسل أي نبي إرهابي". ( ... (١) أما القس (اندرو ستيوارت) فإنه يقوم بالدعوة في الكنائس بقوله: "اللهم دمر أعداءنا ودمرهم إلى الأبد وافرد شراعك على رئيسنا وصديقنا رجل تكساس جورج بوش". والمعروف أن هذا القس ينتمي إلى أحد اكبر الطوائف البروتستانتية هي (كنائس بابست) اليمينية المتطرفة، التي تقوم على أسس شديدة التزمت والكراهية والعنف. وفي كنيسة (توماس رود) في ولاية (فيرجينيا) يجتمع أسبوعيا ألف متدين ليس لسماع دروس دينية، بل للانفعال والدعاء لتطهير أمريكا من الكفار ويقوم فيها الواعظ المعروف تليفزيونيا (جيري فالويل) الذي يحظى بمتابعة الملايين لينادي بصراع الحضارات ووجوب الدفاع عن (القيم المسيحية) بأي وسيلة، ومهما كانت الظروف، لتسود العالم. بل انه يرى أن أحداث ١١ سبتمبر كانت عقاباً إلهياً للعاصين من شعبه، وان الحل هو عودة المسيحيين لتحقيق كلمة الله بالقضاء على الأشرار. ويستخدم في ذلك الإنترنت الذي أصبح وسيلة سريعة لنشر التطرف بين هذه المنظمات، حيث يمكن القول أن الثقافة الأصولية الأمريكية في العشرين عاماً الماضية شكلها المقاتلون والمتعصبون الذين يزدادون نفوذاً (٢). والمفارقة هنا أن هذا الخطاب المسيحي اليميني المتطرف كذلك، صادر من (الرب) مباشرة، وإستراتيجيته قائمة على .. "من هو ليس معنا، فهو معهم! " حسب تعبير سيد البيت الأبيض الواشنطوني جورج والكر بوش.

стр. 620

وفي الحين الذي يبدو ابن لادن خارجاً عن سياق كثير من المؤسسات الدينية التي أعلنت أن هذا ليس من الإسلام، وأن القرآن يحض على التسامح والخير، بدا بوش أيضاً كذلك، فالطوائف المسيحية الرئيسة كلها (باستثناء حزام التوراة الجنوبي) أعلنت موقفاً ضد الحرب، عبر عنه موقف البابا (يوحنا بولس الثاني) الذي عاد إلى مانوية بوش معكوسةً معتبراً أن "الخيار بين السلام والحرب هو خيار بين الخير والشر" (١). ويغذي الأصولية الأولى، شيوخ (رجال دين) من أمثال (الملا محمد عمر)، و (أسامة بن لادن)، و (أبو حفص المصري)، ويغذي الأصولية الثانية قساوسة (وهم رجال دين أيضا)، من أمثال (بات روبرتسون) و (جيري فولويل)، و (ديك تشيني)!!! ... نعم، ديك تشيني، الملتزم حد التعصب بما يعتقد، والمؤمن بضرورة العنف للوصول إلى (الأرماجيدون)، في سبيل بعث المسيح مرة أخرى!! (ديك تشيني)، ونتيجة لأي حادث صدفة محتمل، قد يصبح رئيساً دستورياً للقوة الأعظم في العالم، وحينها، فإن (الله) وحده فقط يعلم ماذا يمكن لرجل مثله "يؤمن بخلاص العالم وراحة البشر؟، من خلال تدمير هذا العالم وقتل هؤلاء البشر! " أن يفعل، وطرف سبابته بعيد عن كبسة الزر النووي بضعة إنشاءات لا أكثر!! بلا مبالغة ... أعتقد أن العالم تحت رحمة مجانين! " (٢). حذارِ الحرب الصليبية الجديدة كتب الاستاذ القدير / جورج حاوي مقالاً رائعاً في صحيفة السفير بتاريخ ١٥ سبتمبر ٢٠٠١ بعنوان (حذار الحرب الصليبية الجديدة) تعليقاً على احداث ١١ سبتمبر، جاء فيه: "نبدأ بالاستنكار، بل بالإدانة! ونستطرد بتقديم التعازي الحارة إلى أُسر الضحايا، والى الشعب الأميركي المنكوب، والمجروح في كرامته الوطنية وفي كبريائه!. ونعلن رفضنا للإرهاب بكل صوره وأشكاله، ولكل الأعمال الإجرامية التي تطال مواطنين مدنيين عزّلاً وأبرياء ... في كل زمان ومكان. فليس هكذا تحارَب

стр. 621

الامبريالية، ولا هكذا يمكن التصدي (للنظام العالمي الجديد) ولهجمته الهمجية ضد شعوب الأرض، وبلدان العالم. فمثل هذه الأعمال تخدم عتاة هذا النظام، إلى درجة تسمح باتهام هذه القوى الأكثر رجعية في التاريخ، بأنها، هي، وليس سواها، وراء مثل هذه الجرائم البشعة، أكان ذلك مباشرة، أم بصورة غير مباشرة. ونوعية العنف بالذات تشير إلى انه عنف (أميركي) واخلاقيات أميركية، وأسلوب أميركي، أكان ذلك بفعل اختراق خطير في أعلى درجات القرار في الأجهزة الأميركية، أم بفعل عصابات وميليشيات الإجرام الداخلي، أم وحتى من قبل قوى نقيضة انتقلت اليها عدوى النظام، وعقلية النظام، وأساليبه الاجرامية. أوَلَمْ تصدر في أميركا عشرات الأفلام الشبيهة بما جرى؟ بل مئات لعب الأطفال على الكومبيوتر (والبلاي ستايشن) فيها أعنف مما جرى على الأرض!. فعندما يصبح العنف المطلق وسيلة لتسلية الأطفال، هل نستغرب حصول مثله على أرض الواقع؟ إنه مجتمع العنف المطلق، والمتحرر من أي قيد أخلاقي أو رادع ضميري، أو قيم دينية أو إنسانية. عنف العولمة الذي يسحق شعوب الأرض كما يسحق الإنسانُ نملة أو صرصاراً أو وكر نمل. أوَلم نجد نماذج لهذا العنف حيال العراق، وليبيا، وفلسطين ولبنان ... وحيال غرينادا ونيكاراغوا وكوبا ويوغوسلافيا وكوسوفو ... عبثاً نحارب الإرهاب أن لم نقلع عن نهج إرهاب الدولة (ونموذج ممارسته في تصرف حكام أميركا وحلفهم الأطلسي وأعوانهم الصهاينة)، وعن (عقلية الإرهاب)، و (ثقافة الإرهاب) و (حضارة الإرهاب). أما بعد، فقد أعلنت أميركا الحرب!. وبدأت تفتش عن الضحية، أو عن الضحايا: إنه تارة أسامة بن لادن، والطالبان، وطوراً العراق أو ليبيا. وتسارع إسرائيل إلى القفز على المناسبة، فتحشر اسم سوريا، وحزب الله، والفلسطينيين ... ويذهب شارون إلى أقصى الوقاحة ويحدد الهدف: السلطة الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات!. وتسارع الأنظمة، أنظمة الخوف والذعر والإرهاب والقمع ... ليحشر كل واحد منها اسم عدوه

стр. 622

الداخلي ... أو نقيضه. وتتحدد معالم هذا العدو الذي سيشن هذا (التحالف المقدس) حرب الإبادة ضده: إنه الإسلام، والعروبة، وحركات التحرر. وباختصار: انه (الحرية)!. إننا على أبواب شن حرب صليبية جديدة، تقرع لها الطبول، وتحشد لها الأساطيل بحراً وجواً، ويجري نقل الجيوش براً في كل مكان. والعالم أمام مرحلة سوداء، من قمع الحريات، بحجة تدابير الأمن ومكافحة الإرهاب، حيث ستداس البقية الباقية من حقوق الإنسان، وكرامة المواطن، وسط سُعار نار العنصرية ضد (الغرباء) من رعايا دول الغرب بالذات: الجاليات العربية والإسلامية. إنها (الحروب الصليبية الجديدة) وسيلة نشر (النظام العالمي الجديد). ونتائجها ستكون بداية الإرهاب الحقيقي المعمم، وليس نهاية الإرهاب. حذار، وألف حذار قرع طبول الحرب الصليبية الجديدة. فلنقف صفاً واحداً في مواجهة الإرهاب، ندين معاً ما تم في نيويورك وواشنطن، ونبحث معاً عن سبل حقيقية لمعاقبة مسببيه، ومفتعليه، والمجرمين الذين نفذوه. ولنبحث عن سياسة جديدة لاستئصال الإرهاب. ونحن، ضحايا الإرهاب، أَولى من سوانا بمواجهة الإرهاب. ندين الإجرام بشدة، نعم! ولكن لا نرتعب أمام هجمة الثور المجروح، الباحث عن تغطية عجزه الداخلي بانتقام جهنمي من شعوب العالم. نواجه، نقاوم الإرهاب القادم من الغرب متمسكين بثقافتنا وحضارتنا، وتعاليم أدياننا السماوية ومبادئنا الإنسانية. حضارتنا ... نعم حضارتنا، وقيمنا العربية، والإسلامية، والمسيحية المشرقية، تلك التي وقفت في وجه الغزوة الصليبية السابقة وأحبطت أهدافها، وستقف صفاً واحداً في وجه الهجمة الصليبية التلمودية الجديدة، وتحبط هدفها! " (١).

стр. 623

الفصل الثامن حرب الخليج الثالثة بوش يركب الزوبعة .. ويوجه العاصفة لتدمير العراق في عام ١٩٩٨م افتعلت الإدارة الأمريكية مشكلة مع العراق لإيجاد مبررات لضربه وتدميره، فيما عرف وقتها بازمة القصور الرئاسية، حيث قوبلت هذه المحاولة الأمريكية برفض دولي واسع، تدخل على أثرها كوفي عنان وتوصل لحل لها. وفي حينها قمت بنشر دراسة في جريدة القدس العربي بعنوان (البعد الديني للضربة الأمريكية للعراق) بينت فيها الإبعاد الدينية لضرب العراق وحصاره، وتساءلت في نهاية الدراسة بالقول: نجاح مهمة عنان .. هل ينهى المشكلة؟؟ وقلت: "بعد الانتهاء من كتابة هذا الموضوع، تناقلت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة نبأ توصل أمين عام الأمم المتحدة (كوفى عنان) لاتفاق مع القيادة العراقية، فيما يتعلق بالمشكلة القائمة، حيث رحبت جميع دول العالم بهذا الاتفاق، باستثناء أمريكيا وبريطانيا، حيث كان ذلك واضحاً من خلال تصريحات مسئوليها، الذين تلقوا نبأ الاتفاق بحذر وبوجوم شديد بدا واضحاً على وجوههم، مما يعنى أنهم إن قبلوا بالحل السلمي، فإنهم سيقبلونه على مضض، نتيجة الرفض الدولي المنقطع النظير لاستخدام القوة ضد العراق، ونتيجة لاقتناع دول العالم بأن قضية تفتيش القصور الرئاسية التي افتعلتها أمريكا، ما هي إلا حجة وذريعة استخدمتها لتحقيق أمر ما في نفس يعقوب. وتابعت قائلاً: وهنا لابد من التساؤل، هل انتهت المشكلة التي افتعلتها أمريكيا مع العراق، وهل سيتخلص الشعب العراقي من الحصار الجائر المفروض عليه منذ سبع سنوات، وهل ستكف أمريكيا عن ملاحقة الدول العربية والإسلامية وفرض الحصار والعقوبات عليها!! بالتأكيد لا، وسنرى جميعاً في الأيام القادمة مشكلة جديدة ستفتعلها أمريكا لتنفيذ ما تريد سواء مع العراق أو مع إيران أو سوريا .. الخ (١). هذا ما كتبته قبل تسع سنوات، ثم جاءت الأحداث لتبرهن على صحته. وأنا

стр. 624

هنا لا ادعى القدرة على التنبوء بقدر ما ادعي القدرة على معرفة الطريقة التي تفكر بها تلك العصابة التي تحكم البيت الأبيض، والتي أصبح دليلها تلك النبوءات والخرافات التوراتية التي عرضنا لبعضها سابقاً. فقد افتعلت أمريكا حربها مع أفغانستان ثم جاء دور العراق، والآن تتجه الأنظار إلى سوريا وإيران ثم مصر للأسباب ذاتها التي شرحناها في هذا الكتاب. الحرب على العراق منذ سنوات حينما تجمع العرب مع دول العالم لضرب العراق في حرب الخليج كتب د. عماد الدين خليل موجهاً كلامه للعرب: "إنكم تضربون العراق بأيد أمريكية، وسوف يكون النصر دامياً لنفوس الجميع، وسوف يكره كل واحد نفسه وأخاه وسوف تفتح جراح عربيه لا تندمل، وسوف تستنزف الثروات العربية بدون جدوى، وسوف يستبقى الأمريكان صدام حسين لاستعماله للتهديد والابتزاز كلما حلا لهم، وكلما احتاجوا إلى رشفة أخرى من المال العربي .. وقد حدث كل هذا وأكثر. لقد كانت مكيدة محكمة شربناها جميعاً وجاءت القواعد العسكرية الأمريكية لتحتل سواحل الخليج والجزيرة العربية تحت شعار معلن، هو حماية بترول العرب من أجل العرب، وبدأ الكل يدفع فواتير الاحتلال الجديد ونفقات الجنود الأمريكان بالدولار وبالبترول المرهون تحت الأرض إلى ما شاء الله، ونزلت بعض الميزانيات العربية إلى ما تحت الصفر والحسابات الدائنة أصبحت مدينه، والجيوب المليئة غدت خاوية. فأمريكا تقتلنا ثم تطلب منا أن نعطيها ثمن الرصاصات التي أفرغتها أو ستفرغها في رؤوسنا. وهذا الابتزاز الأمريكي للمال العربي لا يأخذ صيغة واحدة، وإنما يتدرج بين الاستلاب المباشر تحت مبدأ (حكم القوي على الضعيف) وبين التوظيف غير المباشر لرؤوس الأموال، والفائض المالي وفق صيغ مصرفيه واستثماريه شتى فيما هو معروف للقاصي والداني، وفي الحالتين فإن الذي يحدث هو أن (المال العربي) يستخدم أمريكيا ليس فقط ضد مصالح العرب أنفسهم، وإنما ضد دينهم ومصيرهم معا" (١).

стр. 625

لقد كشف احتلال الأمريكان للعراق عن خسة ونذالة الأنظمة التى تحكم بلادنا والتى لم تقف موقفا واحدا مشرفا بل كانت مواقفها تتسم بالخيانة والعمالة ... لقد وعد الأحمق المطاع بوش أن يكون العراق نموذجا يحتذى به لكنه في الحقيقة صار عبرة لمن يعتبر ... فمن صدقوا وعود ذلك الأفاك الدجال سيكون مصيرهم وبال ... اذن فنحن نعيش في عصر اللاقانون واللاأخلاق واللامبادئ ... ونرى بوضوح أن التوحش الأمريكى لا يفله الا الحديد والمقاومة التى تنخر في عظام الاحتلال وتستنزف قواه حتى يخر صريعا وما ذلك على الله بعزيز ... لقد سقط الاحتلال الأمريكى قبل ذلك في فيتنام وتلاه الاحتلال الروسى فىأفغانستان ... اذن فهذا الكابوس ليس كابوسا أزليا وانما قد اقتربت نهايته باذن الله (١). وبعد أن أسدل الستار على الفصل الأول من المأساة .. يرتفع اليوم الستار عن الفصل الثاني من المكيدة الأمريكية، والابتزاز الغربي ليضغط الدائنون الكبار على دول المنطقة الجريحة، التي تنزف دماً واقتصاداً ليقبلوا الأفعى الإسرائيلية في الحضن العربي، ويفسحوا لها مكاناً في أرضهم واقتصادهم ولقمة عيشهم ويوقعوا على سلام إسرائيلي بشروط إسرائيلية وذلك من أجل أن تتدفق الأرض لبناً وعسلاً، ويعم الرخاء على الجميع. واللبن والعسل والرخاء الموعود والجنة الإسرائيلية الفصل الأخير والختامي من المأساة، حينما تفتح إسرائيل نيران ترسانتها العسكرية في مشهد العشاء الأخير الذي يعود فيه يهوذا الاسخريوطي لينتقم من أولاد العم فيما يسمونه في الكتب القديمة معركة هرمجدون، وهي ليست سوى الصليبية الثانية، التي يحلم بها الغرب ليضع بها النهاية الخاتمة للإسلام وأهله وتلك أحلامهم. وقد تحقق منها الفصل الأول بحذافيره" (٢). نعم بدأ الفصل الثاني .. وجاءت أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م (أو بالأحرى جئ بها) لتكون ذريعة كافية لشن حمله صليبية على العالم الإسلامي. فعندما حصل (بوش) على إذن بالحرب بعد أحداث سبتمبر بثمانية أيام، جاءت تصريحات رسمية بأن الحرب قد تمتد إلى عشرة أعوام، ومن أفغانستان إلى مواقع أخرى، فهي حرب

стр. 626

مفتوحة زمانياً وجغرافياً، ولم يكن العراق مستبعداً منذ اللحظة الأولى (١). ففي مساء اليوم التالي الثاني عشر من سبتمبر، جرى في إحدى غرف البيت الأبيض هذا الحوار العجيب بين الرئيس الأميركي جورج بوش وأشهر أميركي في مكافحة الإرهاب (ريتشارد كلارك) وفقا لما كشفه هذا الأخير. جورج بوش: اسمع أعلم كم أنتم مشغولون الآن ... لكنني أريد منكم بأسرع ما يمكن أن تراجعوا كل شيء .. كل شيء ابحثوا لعل صدام فعل هذا ابحثوا لعل له صلة من أي نوع. كلارك: ولكن سيادة الرئيس القاعدة هي من فعل هذا. جورج بوش: أعلم هذا .. أعلم هذا ولكن ابحث فيما إذا كان صدام متورطاً فقط ابحث، أريد أن أعرف كل خيط. كلارك: بكل تأكيد سنبحث من جديد. وعندما غادر الرئيس حدقت إحداهن في كلارك متمتمة، يا إلهي لقد تمكن منه وولف فيتس" (٢). فحتى حينما كانت الحرب على أفغانستان بقيادة الولايات المتحدة تخطط وتنفذ، حيث عجزت الولايات المتحدة، على الرغم من المجهود غير العادي، في العثور على أي روابط مقنعة بين (صدام حسين) و (أسامة بن لادن) أو شبكة القاعدة، مع ذلك فقد ظل جوهرياً في استراتيجية واشنطن أن يستهدف العراق. كانت في جانب منها مسألة (عمل لم ينته): لقد صمم بوش الثاني على إكمال الوظيفة التي كان قد بدأها بوش الأول (٣). http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٣/٤/ - TOP

стр. 627

مسار أزمة العراق منذ عام ١٩٩٠م مرت المسألة العراقية بأحداث كثيرة، أهمها قرار مجلس الأمن رقم ٦٦١ الذي يقضي بفرض عقوبات اقتصادية على العراق، ثم الحرب الأمريكية مع حلفائها عام ١٩٩١م على العراق، وانسحاب العراق من الكويت، وإلزامه بتفكيك أسلحة الدمار الشامل والصواريخ بعيدة المدى، وتنظيم ما يسمى منطقة حظر الطيران في شمال العراق وجنوبه، ومواصلة ضربه بالصواريخ ومراقبة أرضه وأجوائه، ثم إطلاق (برنامج النفط مقابل الغذاء) تحت إشراف الأمم المتحدة عام ١٩٩٦م، حيث استقال المشرف على البرنامج (دينس هاليداي) بعد سنه وبرر استقالته بالقول: "إننا في مسار تدمير مجتمع بكامله". وفي عام ١٩٩٨م أوقف العراق تعاونه مع (أونسكوم) بعدما رفض مجلس الأمن تأكيد أن العقوبات الاقتصادية سترفع في حال التثبت من نزع الأسلحة العراقية، وبعدها قصفت القوات الأمريكية والبريطانية العراق على مدى أربعة أيام في (عملية ثعلب الصحراء) من دون استشارة الأمم المتحدة أو إخطارها. وفي عام ١٩٩٩م كشفت معاينات أجرتها اليونيسيف في جنوب العراق ووسطه أن معدل وفيات الأطفال تضاعف من ٥٦ حالة وفاة لكل ألف ولادة عام ١٩٨٩م إلى ١٣١ حالة وفاة لكل ألف ولادة. وفي عام ٢٠٠٠م استقال منسق الشؤون الإنسانية (هانز فون سبونيك) احتجاجا على العقوبات الاقتصادية، وواصلت أميركا وبريطانيا قصفهما لمواقع عراقية ومحطات رادار بحجة خطورتها على الطيارين الأميركان والبريطانيين. وفي عام ٢٠٠٢م وضعت قائمة طويلة خاصة بالسلع المزدوجة الاستخدام التي لا يسمح للعراق باستيرادها، وقد جعلت هذه القائمة التي سميت (العقوبات الذكية) الوضع الإنساني في العراق أسوأ من قبل. القضاء على التفتيش لم تكن السياسة الأميركية والبريطانية معنية بالتهديد الناشئ عن امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، فقد فعلت الولايات المتحدة الكثير لإتلاف نظام التفتيش وإفشاله، هذا بالرغم أن الأمم المتحدة أنشأت بقرارها رقم ٦٨٧ وكالة

стр. 628

التفتيش الخاصة بالعراق (أونسكوم) لمراقبة نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية والتثبت من ذلك، تمهيداً لرفع العقوبات عن العراق. فبعد سبعة أعوام من أعمال التفتيش والمفاوضات والمراقبة والمواجهة حققت أونسكوم الكثير. وفي بداية عام ١٩٩٨م رفضت بريطانيا والولايات المتحدة مناقشة إنهاء العقوبات على العراق إذا قررت أونسكوم أن العراق التزم بقرارات مجلس الأمن، وبدا واضحاً أن العقوبات ستبقى مفروضة على العراق في جميع الأحوال والاحتمالات. كما دفعت أمريكا العلاقة بين العراق وأونسكوم للانهيار بالإصرار على تفتيش مواقع حساسة لا صلة مباشرة لها بصناعة أسلحة الدمار الشامل، ويعتبرها العراقيون حساسة من زاوية أمنهم القومي وكرامتهم وسيادتهم الوطنية، مثل مرافق الحرس الجمهوري، ومكاتب الاستخبارات والأمن والقصور الرئاسية. ورغم كل التعجيز الذي وضع في وجه تعاون العراق مع أونسكوم، فإن رئيس اللجنة قال في تقريره: إن الجزء الأكبر من عمليات التفتيش قد نفذ، ومن بين ٣٠٠ عملية تفتيش كانت هناك خمس حوادث فقط اعتبرها تقرير (بتلر) مخالفة لقرار التفتيش. وكان (بتلر) يقدر ستة إلى ثمانية أسابيع لانتهاء مهمة أونسكوم، وبدلاً من ذلك خربت الولايات المتحدة وكالة التفتيش وأعاقت عمل لجنة أنموفيك (١)، حيث كان المسمار الأخير في نعش أونسكوم انكشاف سلسلة من الأسرار تتعلق باختراق الاستخبارات الأميركية للوكالة، وهذا ما اعترف به رئيس الوكالة (رولف إيكيوس) في يوليو ٢٠٠٢م و (سكوت ريتر) الرئيس التالي، وتبين أن فريق التفتيش يضم على الأقل تسعة عملاء سريين شبه عسكريين تابعين لوكالة الاستخبارات الأميركية، حيث استخدمت المخابرات الأمريكية وكالة أونسكوم في التجسس واختراق الشيفرة والاتصالات العسكرية والأمنية العراقية، وقال (ريتر): إنه زار إسرائيل مرات عدة واجتمع بقائد الاستخبارات الجنرال (أيالون)، وقدمت له إسرائيل آلات تسجيل وتصوير رقمية لتسجيل المكالمات المشفرة والمرسلة من أعمق مصادر القوة الأمنية والعسكرية العراقية.

стр. 629

ويفصل (ديليب هيرو) في كتابه (العراق تقرير من الداخل)، كيفية توظيف المنظمة الدولية كأداة بيد واشنطن لتحقيق أهداف سياسية وأمنية واستخباراتية لا علاقة لها بعمل الأمم المتحدة، سواء عن طريق اختراق لجان التفتيش من قبل السي آي إي, أو عن طريق التلاعب بقرارات الأمم المتحدة, أو السيطرة على لجانها الخاصة بفرض الحصار على العراق، حيث نقرأ تفصيلات مذهلة تكاد تقترب من الأفلام السينمائية في بعض أجزائها (١). وقد أشار المحلل العسكري (وليام أركين) أن عملية ثعلب الصحراء استهدفت في الأساس الجهاز الأمني الداخلي في العراق اعتماداً على المعلومات التي جمعت من خلال أونسكوم، وكان اغتيال الرئيس العراقي أهم بالنسبة للولايات المتحدة من تأمين نزع أسلحة العراق. أحداث ١١ سبتمبر ـ بوش يعلن حرباً في كل الاتجاهات بعد هجمات ١١ سبتمبر على واشنطن ونيويورك اختيرت أفغانستان مره أخرى لهجوم عسكري أمريكي، ولكن هذه المرة كهدف لحملة قصف طويلة بالقنابل بغرض الإطاحة بنظام طالبان الحاكم وتشتيت شبكة القاعدة (٢). وبعد سقوط طالبان تساءل الأمريكيون عن مسرح حربهم المقلبة لأنهم بحاجة لخوض حرب جديدة. وتعددت الخيارات (الصومال، الفلبين لضرب تمرد الإسلاميين، العراق .... ). حيث طغى على الخطاب السياسي الأمريكي مقاربة (هينغتون) لمّا استخدم بوش تعبير الحرب (الصليبية) ضد الإرهاب، ضد جهاد (بن لادن). وقد أظهر هذا أن فريق بوش يحبذ إعطاء الحروب القادمة صبغة دينية. لكن الصياغة الأكثر تخويفاً هي الرسالة الرئاسية حول حال الاتحاد في جانفي ٢٠٠٢م. "هذا الخطاب السنوي .. الملقى أمام الكونغرس .. أصبح أيضاً منذ رئاسيات عديدة خطاباً حول (حال العالم)، دلالة على اتساع النطاق الإمبراطوري.

стр. 630

ففي هذا الخطاب يعلن بوش حرباً في كل الاتجاهات، ومعركة معسكر الخير ضد معسكر الشر مشيراً بصريح العبارة إلى ثلاثة دول أعضاء في الأمم المتحدة، هي كوريا الشمالية، العراق وإيران، وهي متهمة بالسعي للتزود بأسلحة نووية، وبالتالي بقدرات ردعية كافية لا يمكن أن تتحملها الإمبراطورية الأمريكية إن قررت ضربها عسكرياً في المستقبل، حيث شكل خطاب بوش هذا (إعلان وفاة الأمم المتحدة)، هذا بالرغم من أن وفاة الأمم المتحدة قضية مفروغ منها في قول وممارسات إدارة بوش، التي تؤسس ل ـ "قدوم إمبراطورية كونية لا يمكنها أن تقبل أية قاعدة أعلى منها" (١). وفيما كانت المرحلة الأولى من حرب الرئيس بوش المزعومة على الإرهاب ـ أي استهداف أفغانستان ـ ماضية بسرعة ـ وكانت غالبية الموجودات العسكرية الأمريكية في أماكنها وخلال أيام قليلة أخذت القنابل في التساقط لتدمر ما بقى من البنية التحتية الاجتماعية لأفغانستان التي مزقتها الحرب، لتسدل الستار على جهود الإغاثة، التي كان ملايين الناس يعتمدون عليها في بقائهم، ولتقتل ـ في أحد التقديرات ـ نحو ١٠ آلاف مدني، بينما كان كل ذلك يجرى لم يكن هذا كله كافياً لاستراتيجي واشنطن، بل كان يجرى التخطيط بالفعل للمرحلة الثانية من حرب بوش، كما كان يجرى الدعاية لها. فقد كانت بلدان عديدة تذكر باعتبارها تستحق نوع المعاملة التي كانت ستخص سريعاً أفغانستان، ولم يكن بوش قد ألقى بعد خطابه المثير للسخرية عن محور الشر (العراق وإيران وكوريا الشمالية)، ولكن (دولاً مارقة) عديدة، (الدول المثيرة للقلق) كانت تصطف لجذب الانتباه. إيران، العراق، كوريا الشمالية، سوريا، أفغانستان، السودان، الصومال، اليمن، كوبا، العالم كله كان بالتأكيد منطقة غنية بالأهداف. أفغانستان، هكذا اعلن خبراء الدعاية، سيتم التعامل معها. فأين يكون التوجه التالي لقوات الذين يملكون صولجان الصواب؟ لقد ظل العراق الخيار الأكثر ترجيحاً.

стр. 631

فمع غياب عدو حقيقي في الخارج بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وعدم وجود خصم حقيقي في الداخل، أخذ معسكر الحرب يردد بصوت واحد النغمة المعروفة، التي كان مجلس الشيوخ في روما القديمة يرددها إزاء قرطاجه: (يجب تدمير بغداد) (١). إما لماذا فهذا لا يهم؟! .. فالسيناريو معد مسبقاً ومحتويات الشريط معروفة من قبل أن نشاهده. لا ينقص سوى العنوان. هل هو العودة إلى بغداد، أو بغداد ٢، أو نهاية دكتاتور. أو العدالة الراسخة، أو الإمبراطورية تشن هجوماً مضاداً؟ فلنصبر، فإن اختصاصيي هوليود سيجيبون عن السؤال في الوقت المناسب. فقد أجريت كل الحسابات: عدد القتلى الأمريكيين الذين يمكن أن يتقبله الرأي العام، خليفة صدام، ردود فعل البلدان المجاورة .. كل شئ معلب أو يكاد (٢). وهكذا فقد تخلى بوش وطاقمه الإداري بعد سنة ونصف من أحداث ١١ سبتمبر عن حربه على القاعدة وأسامة بن لادن، واتجه إلى العراق وصدام حسين، بالرغم من أن الإدارة الأميركية، لم تشر قبل عمليات الهجوم على برجي مركز التجارة في ١١ سبتمبر ٢٠٠١م إلى الخطر العراقي الداهم كما فعلت منذ أوائل عام ٢٠٠٢ م. وبينما كان العراق يتهيأ مجدداً لهجوم أمريكي ضار، ومسؤولوه، يسلمون بأنهم يتخذون عدداً من الاحتياطات غير المحدودة، كأن يجري نشر وحدات عسكرية في أنحاء البلاد، والطعام يتم تخزينه في مستودعات الحكومة، كان الرئيس بوش يعلن مجدداً أن دولاً أخرى ستستهدف بعد المرحلة الأولى من الحرب ضد الإرهاب: "اليوم نحن نركز على أفغانستان. ولكن المعركة أوسع. إن كل دولة تملك خياراً لاتخاذه. في هذا الصراع لا توجد أرض محايدة" (٣).

стр. 632

الهدف تغيير نظام الحكم في شهر أبريل ٢٠٠٢م كشف بوش للمرة الأولى، أن تغيير نظام الحكم في العراق هو هدفه، وبدأت عمليات تصعيد كبرى تتوالى لدق طبول الحرب على العراق، وكانت إدارة المخابرات المركزية في غاية الحماس لعمليات سرية في العراق وذلك لتجاوز العجز الكبير الذي ظهرت فيه غداة هجمات ١١ سبتمبر، وبخاصة أنه بعد عدة أشهر من الحرب على أفغانستان لم يمكن القبض على أسامة بن لادن أو اغتياله، وصار مغريا للإدارة الأميركية أن تتحول لتنقض على هدف جلي وواضح مثل العراق. http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٣/٤/ - TOP ولما كانت السياسة الأميركية الخارجية ليست موضع اهتمام الرئيس (بوش)، وهو ينظر إلى الموضوع العراقي على أنه اختيار سهل يجلب التأييد والإجماع ويجنبه قضايا شائكة وخطرة سياسياً مثل الضرائب والنمو الاقتصادي، فأنه وفي خطاب الاتحاد السنوي الذي يعرض السياسات العامة الأميركية كان منتظرا تقديم برامج وسياسات داخلية بعد انتهاء حرب أفغانستان، ولكن الخطاب توجه نحو حروب جديدة، وتوسعة لنطاق الحرب والعمليات العسكرية ليشمل برأي (بوش) شبكات الإرهاب في العالم، ودولاً اعتبرها محور الشر، مثل العراق وإيران وكوريا الشمالية. ولما كانت إيران وكوريا الشمالية لا علاقة لهما بأسامة بن لادن، فإن العراق وضعها غامض ويمكن الحديث عن علاقة ما من هذا القبيل (١). محاولة ربط العراق بالقاعدة كان فريق المحافظين الجدد الواصل إلى البيت الأبيض مهووساً بخلق مسوغات كافية للهجوم على العراق. وفي قلب عملية صنع القرار الأمني والإستراتيجي، كان هناك تياران يتنافسان في إثبات أيهما أكثر خطراً على مصالح الولايات المتحدة: الإرهاب العالمي وفي مقدمته القاعدة, أم العراق وشبكة الاتهامات ضده من امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل وحتى مزاعم صلاته بالقاعدة والإرهاب وغير ذلك. كان (بول وولفويتز) نائب وزير الدفاع الأميركي، وأحد أهم صقور

стр. 633

المحافظين الجدد حامل راية الحرب على العراق وعرابها الأهم. فقد كان يستهزئ بالتقارير التي تريد لفت الانتباه إلى القاعدة عوضاً عن بغداد. ففي يوم ١١ سبتمبر الذي وقعت فيه الهجمات الرهيبة، وبعد خمس ساعات من ارتطام الطائرات المختطفة بوزارة الدفاع الأمريكية، تلقى الجنرال المتقاعد (ويسلي كلارك) مكالمة غريبة من شخص يمثل البيت الأبيض (لم يصرح باسمه) وقال (كلارك) لمقدم برنامج مقابلة مع الصحافة (تيم راسيرت)، كنت أشاهد محطة ألـ سي. إن. إن، وتلقيت مكالمة في بيتي تقول: "ينبغي ربط الأحداث بعضها بعضاً. هذا إرهاب برعاية دولة. ويجب ربط الأمر بصدام حسين". قلت: "لكن أنا أرغب في قول ذلك، لكن ما هو الدليل لديك؟. ولم أحصل على أي دليل. ولم نحصل نحن على دليل كذلك" (١). فقد كان (وولفويتز) ومجموعة قريبة منه يتبنون نظرية غريبة وهامشية، ظهرت في كتاب صدر بعد محاولة تفجير مركز التجارة العالمي بنيويورك سنة ١٩٩٣م لمؤلفة يمينية هي (لوري ميلروي). في ذلك الكتاب بذلت (ميلروي) (ص ٩٥) جهداً خارقاً لمحاولة إثبات مسؤولية العراق عن ذلك التفجير, وأن (رمزي يوسف) الباكستاني المتهم الأول لم يكن سوى عميلاً للمخابرات العراقية, وليس أحد عناصر الحركات الإسلامية القريبة من زعيم القاعدة أسامة ابن لادن غير المشهور آنذاك. كانت النظرية تقول: "إن الرئيس العراقي صدام حسين أراد الانتقام من الولايات المتحدة بعد الحرب فنظم ذلك التفجير. لكن الـ CIA والـ FBI لم يكونا على قناعة بضلوع النظام العراقي بذلك, فظل الاتهام يحوم في هوامش المتطرفين اليمينيين، الذين كانوا حانقين على الرئيس (جورج بوش الأب) بسبب عدم إسقاطه لصدام حسين في حرب الخليج الأولى. لذلك فإن فكرة الحرب على العراق تذهب أبعد بكثير من سنة ١٩٩٨م التي يراها كثيرون كنقطة ارتكاز في فهم تطور ونضوج مخطط الحرب وإسقاط النظام العراقي (٢).

стр. 634

فبعد أحداث ١١ سبتمبر تكررت محاوله اتهام العراق بالوقوف وراء هذه الأحداث من خلال محاولة ربطه بالقاعدة، وبدأت الإدارة الأميركية تفكر في الحرب عليه، حيث ألح المتشددون في الإدارة الأميركية مثل (بول وولفويتز) نائب وزير الدفاع الأميركي، (وريتشارد بيرل) على هذه الحرب، وبدأت المجموعة المتشددة وعلى رأسها وزير الدفاع (رامسفيلد) ـ الذي وصفه كيسنجر بأنه الذاهب دائماً إلى الحرب ـ في البحث عن أدلة تربط العراق بالقاعدة، منها ما قيل عن علاقة (محمد عطا) الذي زعم أنه رئيس المجموعة الفدائية التي نفذت هجمات ١١ سبتمبر بأحد أفراد المخابرات العراقية، وعن لقائهما معا في براغ، بل إن (وولفويتز) ذكر من شواهد الإرهاب العراقي وفاة (أبو نضال) في بغداد في ظروف مشبوهة كأحد الأدلة ضد (صدام). ونظراً لفشل مخطط ربط العراق بالقاعدة لجأت الإدارة الأمريكية إلى ذرائع أخرى. فلم يكن ثمة حاجة لدليل لتعلم الإدارة الأميركية أنه أقرب إلى المستحيل ربط العراق بشبكات القاعدة. ولكن أمريكيا يمكنها الإدعاء بأن أسلحة الدمار الشامل، التي يمكن أن ينتجها العراق، يمكن أن تصل إلى أتباع التنظيمات الإرهابية، ولا تحتاج الولايات المتحدة إلى الانتظار حتى تقع هذه الأسلحة بأيدي الإرهابيين، بل عليها أن تتحرك وفق إستراتيجية جديدة معلنة لمنع وصول الأسلحة إلى الإرهابيين، وهي الإستراتيجية التي عرضها وزير الدفاع الأميركي السابق في عهد (كلينتون) (وليام بيري) في كتابه (الدفاع الوقائي) (١). ولهذا كانت إدارة بوش تعمل جاهدة للعثور على صلات بين النظام الحاكم العراقي والإرهاب، على الرغم من أن (كولن باول)، وزير الخارجية اضطر لأن يعترف بأنه لم يتم العثور على صلة واضحة. وفي نهاية سبتمبر٢٠٠١م كان ثمة هياج متصاعد في الولايات المتحدة تحريضاً على ضربه لإنهاء النظام العراقي دفعة واحدة وإلى الأبد (٢)، وبأي طريقة وبأي مبرر. ولهذا فقد كان قرار إعادة عمل لجنة التفتيش عن الأسلحة في العراق مخالفا لرغبة الإدارة الأميركية، فهي تريد تفويضا بالحرب دون حاجة لقرار جديد من

стр. 635

مجلس الأمن، ولا تقرير من لجنة التفتيش، ولا تريد أن تتصور أي احتمال مهما كان ضئيلاً لمنع الحرب، ويبدو أنها كانت تدرك أن حربها غير منطقية من وجهة نظر العالم كله بما في ذلك أصدقاؤها وحلفاؤها في أوروبا والدول العربية والدول الأخرى، وفشلت الولايات المتحدة في إقناع مجلس الأمن بحربها غير المبررة على العراق، وكذلك حلف الناتو. وفي الوقت الذي قبل فيه العراق بعودة المفتشين دون قيد أو شرط، بدأت الولايات المتحدة بترتيب أوضاع عسكرية جديدة على الأرض بسرعة مذهلة. ووقعت الحرب كما يعلم الجميع (١)، حيث رفضت الولايات المتحدة إسناد دور للأمم المتحدة في مستقبل العراق، وهي ماضية في حربها دون مشورة أو تنسيق مع أحد حتى مع أقرب حلفائها (٢). http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٣/٤/ - TOP تدين بوش وخطة غزو العراق تحدث كثيرون عن مجموعة (ريتشارد بيرل) وزملائه في (معهد الاسراتيجيات المتقدمة والدراسات السياسية) الذين هم أصل فكرة غزو العراق. فقد أعد ريتشارد بيرل منذ أعوام ضمن فريق ترأسه من مثقفي اليهود الأمريكيين دراسة عن (الاستراتيجية الإسرائيلية، إلى العام ٢٠٠٠م) قدموها إلى (بنيامين نتنياهو) فور نجاحه في الانتخابات الإسرائيلية، ودعوا فيها إلى دفع أمريكا إلى غزو العراق باعتبار ذلك جزءاً محورياً من الاستراتيجية الإسرائيلية لاستمرار التفوق العسكري والاستراتيجي في الأمد المنظور. كما دعوا إلى انتهاج سياسة هجومية عدائية ضد الفلسطينيين، والتخلي عن فكرة (السلام الشامل) لصالح فكرة (السلام القائم على ميزان القوى). وقد ورد في سيرة حياة (ريتشارد بيرل) الذي ترأس فريق الدراسة آنذاك، أنه عمل عضواً في مجلس إدارة (المعهد اليهودي لدراسات الأمن القومي) ومديراً لصحيفة (الجروسالم بوست) الإسرائيلية. لكن الأهم والأغرب أنه ترأس (مجلس سياسات الدفاع) في الولايات المتحدة، وعمل مستشارا لوزير الدفاع (دونالد
следующие страницы →