← Общие книги

Общие книги · id 36505

الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم

يوسف الطويل

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فمع غياب عدو حقيقي في الخارج بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وعدم وجود خصم حقيقي في الداخل، أخذ معسكر الحرب يردد بصوت واحد النغمة المعروفة، التي كان مجلس الشيوخ في روما القديمة يرددها إزاء قرطاجه: (يجب تدمير بغداد) (١). إما لماذا فهذا لا يهم؟! .. فالسيناريو معد مسبقاً ومحتويات الشريط معروفة من قبل أن نشاهده. لا ينقص سوى العنوان. هل هو العودة إلى بغداد، أو بغداد ٢، أو نهاية دكتاتور. أو العدالة الراسخة، أو الإمبراطورية تشن هجوماً مضاداً؟ فلنصبر، فإن اختصاصيي هوليود سيجيبون عن السؤال في الوقت المناسب. فقد أجريت كل الحسابات: عدد القتلى الأمريكيين الذين يمكن أن يتقبله الرأي العام، خليفة صدام، ردود فعل البلدان المجاورة .. كل شئ معلب أو يكاد (٢). وهكذا فقد تخلى بوش وطاقمه الإداري بعد سنة ونصف من أحداث ١١ سبتمبر عن حربه على القاعدة وأسامة بن لادن، واتجه إلى العراق وصدام حسين، بالرغم من أن الإدارة الأميركية، لم تشر قبل عمليات الهجوم على برجي مركز التجارة في ١١ سبتمبر ٢٠٠١م إلى الخطر العراقي الداهم كما فعلت منذ أوائل عام ٢٠٠٢ م. وبينما كان العراق يتهيأ مجدداً لهجوم أمريكي ضار، ومسؤولوه، يسلمون بأنهم يتخذون عدداً من الاحتياطات غير المحدودة، كأن يجري نشر وحدات عسكرية في أنحاء البلاد، والطعام يتم تخزينه في مستودعات الحكومة، كان الرئيس بوش يعلن مجدداً أن دولاً أخرى ستستهدف بعد المرحلة الأولى من الحرب ضد الإرهاب: "اليوم نحن نركز على أفغانستان. ولكن المعركة أوسع. إن كل دولة تملك خياراً لاتخاذه. في هذا الصراع لا توجد أرض محايدة" (٣).

стр. 632

الهدف تغيير نظام الحكم في شهر أبريل ٢٠٠٢م كشف بوش للمرة الأولى، أن تغيير نظام الحكم في العراق هو هدفه، وبدأت عمليات تصعيد كبرى تتوالى لدق طبول الحرب على العراق، وكانت إدارة المخابرات المركزية في غاية الحماس لعمليات سرية في العراق وذلك لتجاوز العجز الكبير الذي ظهرت فيه غداة هجمات ١١ سبتمبر، وبخاصة أنه بعد عدة أشهر من الحرب على أفغانستان لم يمكن القبض على أسامة بن لادن أو اغتياله، وصار مغريا للإدارة الأميركية أن تتحول لتنقض على هدف جلي وواضح مثل العراق. http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٣/٤/ - TOP ولما كانت السياسة الأميركية الخارجية ليست موضع اهتمام الرئيس (بوش)، وهو ينظر إلى الموضوع العراقي على أنه اختيار سهل يجلب التأييد والإجماع ويجنبه قضايا شائكة وخطرة سياسياً مثل الضرائب والنمو الاقتصادي، فأنه وفي خطاب الاتحاد السنوي الذي يعرض السياسات العامة الأميركية كان منتظرا تقديم برامج وسياسات داخلية بعد انتهاء حرب أفغانستان، ولكن الخطاب توجه نحو حروب جديدة، وتوسعة لنطاق الحرب والعمليات العسكرية ليشمل برأي (بوش) شبكات الإرهاب في العالم، ودولاً اعتبرها محور الشر، مثل العراق وإيران وكوريا الشمالية. ولما كانت إيران وكوريا الشمالية لا علاقة لهما بأسامة بن لادن، فإن العراق وضعها غامض ويمكن الحديث عن علاقة ما من هذا القبيل (١). محاولة ربط العراق بالقاعدة كان فريق المحافظين الجدد الواصل إلى البيت الأبيض مهووساً بخلق مسوغات كافية للهجوم على العراق. وفي قلب عملية صنع القرار الأمني والإستراتيجي، كان هناك تياران يتنافسان في إثبات أيهما أكثر خطراً على مصالح الولايات المتحدة: الإرهاب العالمي وفي مقدمته القاعدة, أم العراق وشبكة الاتهامات ضده من امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل وحتى مزاعم صلاته بالقاعدة والإرهاب وغير ذلك. كان (بول وولفويتز) نائب وزير الدفاع الأميركي، وأحد أهم صقور

стр. 633

المحافظين الجدد حامل راية الحرب على العراق وعرابها الأهم. فقد كان يستهزئ بالتقارير التي تريد لفت الانتباه إلى القاعدة عوضاً عن بغداد. ففي يوم ١١ سبتمبر الذي وقعت فيه الهجمات الرهيبة، وبعد خمس ساعات من ارتطام الطائرات المختطفة بوزارة الدفاع الأمريكية، تلقى الجنرال المتقاعد (ويسلي كلارك) مكالمة غريبة من شخص يمثل البيت الأبيض (لم يصرح باسمه) وقال (كلارك) لمقدم برنامج مقابلة مع الصحافة (تيم راسيرت)، كنت أشاهد محطة ألـ سي. إن. إن، وتلقيت مكالمة في بيتي تقول: "ينبغي ربط الأحداث بعضها بعضاً. هذا إرهاب برعاية دولة. ويجب ربط الأمر بصدام حسين". قلت: "لكن أنا أرغب في قول ذلك، لكن ما هو الدليل لديك؟. ولم أحصل على أي دليل. ولم نحصل نحن على دليل كذلك" (١). فقد كان (وولفويتز) ومجموعة قريبة منه يتبنون نظرية غريبة وهامشية، ظهرت في كتاب صدر بعد محاولة تفجير مركز التجارة العالمي بنيويورك سنة ١٩٩٣م لمؤلفة يمينية هي (لوري ميلروي). في ذلك الكتاب بذلت (ميلروي) (ص ٩٥) جهداً خارقاً لمحاولة إثبات مسؤولية العراق عن ذلك التفجير, وأن (رمزي يوسف) الباكستاني المتهم الأول لم يكن سوى عميلاً للمخابرات العراقية, وليس أحد عناصر الحركات الإسلامية القريبة من زعيم القاعدة أسامة ابن لادن غير المشهور آنذاك. كانت النظرية تقول: "إن الرئيس العراقي صدام حسين أراد الانتقام من الولايات المتحدة بعد الحرب فنظم ذلك التفجير. لكن الـ CIA والـ FBI لم يكونا على قناعة بضلوع النظام العراقي بذلك, فظل الاتهام يحوم في هوامش المتطرفين اليمينيين، الذين كانوا حانقين على الرئيس (جورج بوش الأب) بسبب عدم إسقاطه لصدام حسين في حرب الخليج الأولى. لذلك فإن فكرة الحرب على العراق تذهب أبعد بكثير من سنة ١٩٩٨م التي يراها كثيرون كنقطة ارتكاز في فهم تطور ونضوج مخطط الحرب وإسقاط النظام العراقي (٢).

стр. 634

فبعد أحداث ١١ سبتمبر تكررت محاوله اتهام العراق بالوقوف وراء هذه الأحداث من خلال محاولة ربطه بالقاعدة، وبدأت الإدارة الأميركية تفكر في الحرب عليه، حيث ألح المتشددون في الإدارة الأميركية مثل (بول وولفويتز) نائب وزير الدفاع الأميركي، (وريتشارد بيرل) على هذه الحرب، وبدأت المجموعة المتشددة وعلى رأسها وزير الدفاع (رامسفيلد) ـ الذي وصفه كيسنجر بأنه الذاهب دائماً إلى الحرب ـ في البحث عن أدلة تربط العراق بالقاعدة، منها ما قيل عن علاقة (محمد عطا) الذي زعم أنه رئيس المجموعة الفدائية التي نفذت هجمات ١١ سبتمبر بأحد أفراد المخابرات العراقية، وعن لقائهما معا في براغ، بل إن (وولفويتز) ذكر من شواهد الإرهاب العراقي وفاة (أبو نضال) في بغداد في ظروف مشبوهة كأحد الأدلة ضد (صدام). ونظراً لفشل مخطط ربط العراق بالقاعدة لجأت الإدارة الأمريكية إلى ذرائع أخرى. فلم يكن ثمة حاجة لدليل لتعلم الإدارة الأميركية أنه أقرب إلى المستحيل ربط العراق بشبكات القاعدة. ولكن أمريكيا يمكنها الإدعاء بأن أسلحة الدمار الشامل، التي يمكن أن ينتجها العراق، يمكن أن تصل إلى أتباع التنظيمات الإرهابية، ولا تحتاج الولايات المتحدة إلى الانتظار حتى تقع هذه الأسلحة بأيدي الإرهابيين، بل عليها أن تتحرك وفق إستراتيجية جديدة معلنة لمنع وصول الأسلحة إلى الإرهابيين، وهي الإستراتيجية التي عرضها وزير الدفاع الأميركي السابق في عهد (كلينتون) (وليام بيري) في كتابه (الدفاع الوقائي) (١). ولهذا كانت إدارة بوش تعمل جاهدة للعثور على صلات بين النظام الحاكم العراقي والإرهاب، على الرغم من أن (كولن باول)، وزير الخارجية اضطر لأن يعترف بأنه لم يتم العثور على صلة واضحة. وفي نهاية سبتمبر٢٠٠١م كان ثمة هياج متصاعد في الولايات المتحدة تحريضاً على ضربه لإنهاء النظام العراقي دفعة واحدة وإلى الأبد (٢)، وبأي طريقة وبأي مبرر. ولهذا فقد كان قرار إعادة عمل لجنة التفتيش عن الأسلحة في العراق مخالفا لرغبة الإدارة الأميركية، فهي تريد تفويضا بالحرب دون حاجة لقرار جديد من

стр. 635

مجلس الأمن، ولا تقرير من لجنة التفتيش، ولا تريد أن تتصور أي احتمال مهما كان ضئيلاً لمنع الحرب، ويبدو أنها كانت تدرك أن حربها غير منطقية من وجهة نظر العالم كله بما في ذلك أصدقاؤها وحلفاؤها في أوروبا والدول العربية والدول الأخرى، وفشلت الولايات المتحدة في إقناع مجلس الأمن بحربها غير المبررة على العراق، وكذلك حلف الناتو. وفي الوقت الذي قبل فيه العراق بعودة المفتشين دون قيد أو شرط، بدأت الولايات المتحدة بترتيب أوضاع عسكرية جديدة على الأرض بسرعة مذهلة. ووقعت الحرب كما يعلم الجميع (١)، حيث رفضت الولايات المتحدة إسناد دور للأمم المتحدة في مستقبل العراق، وهي ماضية في حربها دون مشورة أو تنسيق مع أحد حتى مع أقرب حلفائها (٢). http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٣/٤/ - TOP تدين بوش وخطة غزو العراق تحدث كثيرون عن مجموعة (ريتشارد بيرل) وزملائه في (معهد الاسراتيجيات المتقدمة والدراسات السياسية) الذين هم أصل فكرة غزو العراق. فقد أعد ريتشارد بيرل منذ أعوام ضمن فريق ترأسه من مثقفي اليهود الأمريكيين دراسة عن (الاستراتيجية الإسرائيلية، إلى العام ٢٠٠٠م) قدموها إلى (بنيامين نتنياهو) فور نجاحه في الانتخابات الإسرائيلية، ودعوا فيها إلى دفع أمريكا إلى غزو العراق باعتبار ذلك جزءاً محورياً من الاستراتيجية الإسرائيلية لاستمرار التفوق العسكري والاستراتيجي في الأمد المنظور. كما دعوا إلى انتهاج سياسة هجومية عدائية ضد الفلسطينيين، والتخلي عن فكرة (السلام الشامل) لصالح فكرة (السلام القائم على ميزان القوى). وقد ورد في سيرة حياة (ريتشارد بيرل) الذي ترأس فريق الدراسة آنذاك، أنه عمل عضواً في مجلس إدارة (المعهد اليهودي لدراسات الأمن القومي) ومديراً لصحيفة (الجروسالم بوست) الإسرائيلية. لكن الأهم والأغرب أنه ترأس (مجلس سياسات الدفاع) في الولايات المتحدة، وعمل مستشارا لوزير الدفاع (دونالد

стр. 636

رامسفيلد)، مع العديد من اليهود الأمريكيين المحيطين بوزير الدفاع الأمريكي، وليس أقلهم شأناً نائب الوزير (بول ولفويتز). وقد قدمت قناة "سي أن أن" (ريتشارد بيرل) في مقابلة معه، على أنه "الرجل الذي ينظر إليه باعتباره صاحب فكرة غزو العراق" .. ولا يترك (أفرايم كام) الباحث في (مركز جافي للدراسات الاستراتيجية) بجامعة تل أبيب، شكاً في أن إسرائيل هي صاحبة المصلحة الأولى والأخيرة في غزو العراق، وذلك في دراسة له منشورة بعنوان: (صبيحة ما بعد صدام). لكن ما هي علاقة كل ذلك بتدين (جورج بوش)؟ الحق أن العلاقة وطيدة، لأن اليمين المسيحي الذي ينتمي إليه (جورج بوش) يؤمن بأن إسرائيل مشروع إلهي، ومحطة تاريخية لازمة لعودة المسيح. وكل رجال الدين الأقوياء الذين يقفون وراء (بوش) ويمثلون القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري معروفون بولائهم لإسرائيل في عقائدهم ومشاعرهم. وهذا المعتقد الديني الراسخ هو الذي يجعل رجلاً مثل (بوش) يتبنى الخطة الإسرائيلية لغزو العراق، حتى ولو عنى ذلك إشعال الحرب مع العالم الإسلامي، وانهيار العلاقات التاريخية بأوربا (١). وهكذا فإن خطة العدوان على العراق هي خطة إسرائيلية وضعها الصهيوني الأمريكي (ريتشارد بيرل)، بمشاركة عناصر هامة من اللوبي اليهودي الصهيوني، وجرى إقناع الرئيس (بوش) بتبنيها باعتبارها بداية تحقيق الحلم الإلهي الكبير بقيام دولة إسرائيل الكبرى، التي ستمهد لعودة المسيح ونشر المسيحية في أنحاء العالم الإسلامي بعد القضاء على الإسلام. اقرأوا ما نشرته مجلة النيوزويك في عدد ١٠ مارس ٢٠٠٣ م عندما قالت: "إن أنصار بوش من الإنجيليين يأملون أن تكون الحرب القادمة على العراق فاتحة لنشر المسيحية في بغداد". فأمريكا تتحرك الآن وفي يدها الصليب الذي تحمله دعاوى زائفة، ومجموعة الهوس الديني داخل البيت الأبيض، قررت أن تشن حرباً دينية مرتبطة بمخطط استراتيجي هدفه القضاء على الأمة وعقيدتها، والسيطرة على كل مناحي الحياة على أرضها (٢).

стр. 637

في مهمة إلهيه حرب جورج بوش الصليبية في مقال منشور في جريدة الأسبوع المصرية في ٢٤/ ٢/٢٠٠٣م ما نصه: "التقرير الذي نشرته مجلة دير شبيغل الأولى في ألمانيا وإحدى أهم المجلات الأسبوعية الأوروبية والعالمية، كتبه كل من (هانز هو بنج) و (جيرهارد شبرول) ولأهميته، تم وضعه ليكون عنوان الغلاف في عددها الصادر يوم الاثنين ١٧ فبراير ٢٠٠٣م ويحمل عنواناً (في مهمة إلهيه حرب جورج بوش الصليبية)، بدأها الكاتبان بالتأكيد على أن الرئيس بوش لا يريد باجتياحه بغداد إلا أن يقوم بتنفيذ (تكليف إلهي) يقوم على أفكار مسيحية يمينيه متطرفة، وعلى ما يبدو فمن النادر أن تجتمع المصالح القومية المتطرفة، والأصولية الدينية الأمريكية بهذه القوة، كما هي اليوم إلى الحد الذي أصبح فيه المسيحيون المتحمسون يطالبون علنا بشن (حرب صليبيه) ضد الإسلام". وتضيف المجلة: "انه كلما اقتربت حرب العراق، ازداد الرئيس في الحديث عن معتقداته وقيمه. لذا فان تقواه الدينية لها تأثير كبير على تعامله مع هذه القضية، ورغم انه يعرف أن أمريكا في أزمة وطنيه إلا أن الرئيس يقدم نفسه كواعظ، بل ويتحدث عن أسس سياسته بطريقة اقرب إلى نبرة القساوسة". فبوش يقول: "إنني مقتنع بأن الله وضعني في منصبي في هذه اللحظة التاريخية، أرجو أن أكون قبل الجميع قويا بما يكفي لتحمل هذه المهمة المقدسة". ويضيف قائلا: "لقد نادانا الله للدفاع عن بلدنا ولنقود العالم إلى السلام". وتعلق مجلة (دير شبيغل) على ذلك بقولها: "إن البيت الأبيض لا يمثل فقط قلب وعقل القوة العظمى اليوم بل هو أيضا مكان تجمع الأتقياء والمتدينين". وتنهي (دير شبيغل) تقريرها بعبارة قالها (بوش) للبحرية الأمريكية في فلوريدا يوم الخميس ١٣/ ٢/٢٠٠٣م بقوله: "ترغب أمريكا في أن تكون بلدا فوق الجميع"، مستندة في ذلك إلى مفاهيم إنجيليه قد سبق لعديد من الرؤساء الأمريكيين الحديث عنها وهي أن: "البشرية بكاملها يجب أن تنظر لأمريكا كيوتوبيا واقعية لمدينة القدس السماوية كمدينة إلهية على الأرض". مثل هذه الادعاءات المفرطة غير المعقولة هي التي تهيمن على السياسة الخارجية الأمريكية، فحكومة بوش حاولت منذ البداية تبرير حربها ضد العراق بأسباب متناقضه مرة بسبب علاقة صدام حسين وابن لادن التي

стр. 638

لم ينجحوا أبداً في إثباتها، ومرة لتغيير النظام العراقي المعادى لأمريكا، ومره لتدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية، ومره لضمان أمن احتياطي النفط في الشرق الأوسط، ثم مرة أخرى لتحرير الشعب العراقي من صدام حسين. ورغم أن هناك أهداف معروفه لحربه ضد العراق مثل تدمير أسلحة الدمار الشامل، والسيطرة على النفط وتدمير منظمة الاوبك، إلا أن مهمته (التبشيرية) أو ما يسميه (التكليف الإلهي) لها اثر أعمق في هذه الحرب. فهو يؤدي إلى سيطرة نوع من الراديكاليه الورعة، كما أن هناك شائعات تقول: إن بوش يحكم ولا يحكم بمعنى أن الكلمة العليا للنظام الرئاسي الذي يضم وزير الدفاع (رامسفيلد) ووزير الخارجية (باول) ومستشارة الأمن (كونداليزا رايس) ونائب الرئيس (ديك تشيني)، الذي يزداد نفوذه كثيراً عن مجرد نائب للرئيس". وتضيف المجلة: "إن الرئيس الضعيف قد يكون خطراً، إلا أن الرئيس المؤمن ربما يكون أخطر على العالم، خاصة إذا أخفقت خططه لتحسين العالم (١). وبعيداً عن المسوغات القانونية أو العقلانية للحرب, يلتقط (ديليب هيرو) في كتابه (أسرار وأكاذيب عملية تحرير العراق) أسبابا (غيبية) للحرب, وهي مدهشة. فهو أولاً يشرح التأثيرات المسيحية الأنجليكانية على الرئيس (جورج بوش) , وكيف قال ذات يوم لمجموعة من رجالات الدين اجتمع بهم في البيت الأبيض: "لولا الإيمان ولولا قوة الصلاة، لكنت الآن في بار بتكساس, وليس في البيت الأبيض". ثم يقتبس مقتطفات قالها لرئيس الوزراء الفلسطيني السابق (محمود عباس) في يونيو ٢٠٠٣م نقلتها صحيفة هآرتس الإسرائيلية جاء فيه: "لقد أمرني الرب أن أضرب القاعدة وقد ضربتهم, ثم أمرني أن أضرب العراق وقد ضربته, والآن أنا مصمم على حل المشكلة في الشرق الأوسط". ويعلق (هيرو) ساخراً: "وحيث أن (جورج بوش) كان قد قرر ضرب أفغانستان ظهر يوم ١١ سبتمبر نفسه, فيبدو أن الرب قد تحرك سريعاً حقاً لتزويده بالأوامر! " (٢).

стр. 639

فالرئيس (بوش) يرى وفقاً لمعتقداته "أن الخطر الأكبر على ظهور المسيح سيكون من خلال العراقيين حيث أنهم الأكثر تأهيلاً لقتال إسرائيل، وان أي ضعف ديني أو سياسي لإسرائيل سيؤدي إلى تأخير عودة المسيح. وان كل يوم يمضي دون ظهور المسيح ستلعن فيه طائفة الميسوديت ـ التي ينتمي إليها بوش ـ وان هذه اللعنة ستجعلهم يعذبون يوم القيامة" (١). كما أن القس (دافيد بريكنر) يقول: "إننا نعرف أن تدمير بابل الذي ورد في الإصحاح ١٨ يعني تدمير العراق"، كما إن القس تشالز داير أستاذ اللاهوت في جامعة دلس يدعي "إن إصحاح اشعيا ١٣ يشير إلى قيام صدام حسين والى غزوة للكويت، وذلك لإقامة قاعدة للهجوم على إسرائيل". واعتبر القس داير في تفسيراته لهذه النبوءات " (صدام حسين) خليفة (نبوخذ نصر)، الذي هزم الإسرائيليين وسباهم إلى بابل ودمر الهيكل، وذلك بسبب عدائه لإسرائيل وبسبب نواياه لإعادة بناء بابل". وهكذا تبدو عملية ربط الوقائع السياسية بالنبوءات الدينية عملية متحركة فإذا كان القس (داير) يعتبر العراق اليوم بمثابة بابل القديمة فان القس (سكوفيلد) وهو من اللاهوتيين المؤسسين لهذا الفكر الصهيوني الإنجيلي في الولايات المتحدة يرفض فكرة التماثل الحرفي بين العراق وبابل، ويقول: "إن المقصود ببابل وما تمثله من خطر على إسرائيل، هو الفاتيكان بسبب ما يكنه (سكوفيلد) وأمثاله من عداء للكاثوليكية وللبابوية" (٢). الصراع بين الخير والشر لقد عميَ بوش عن رؤية الآثار السلبية التي قد تنتج عن حربه ضد العراق، ومنها: سقوط عدد كبير من المدنيين العراقيين والعسكريين الأمريكيين في القتال، ومزيد من الهجمات داخل أمريكا، وحدوث أزمة نفطية عالمية، وتعميق الجفوة بين العالم الإسلامي وأمريكا، واحتمال انهيار بعض الحكومات الموالية لواشنطن، وعزلة الولايات المتحدة في العالم، وبث الكراهية لها في أركان الأرض .. الخ. وبدلاً من الرد

стр. 640

على هذه الاعتبارات العملية بحجج عملية مناقضة، فإن (جورج بوش)، يصوغ خطابه بلغة المطلقات: صراع بين الخير (أمريكا) والشر (العرب والمسلمون)، ورسالة أمريكا التاريخية لنشر الحرية، منحة الرب المقدسة لكل البشر .. وهو خطاب يجذب اليمين المسيحي، ويرضي اليمين اليهودي، ولا يهم ما يحدث بعد ذلك. فخطاب الرئيس (بوش) يذكر بخطاب المستعمرين في القرن التاسع عشر الميلادي وبداية القرن العشرين، وحديثهم عن (مسؤولية الرجل الأبيض) و (الهم الذي يحمله بين جنبيه) و (العبء الملقى على عاتقه) لنشر الحضارة، وتمدين الشعوب المتوحشة!! فالرئيس (بوش) الذي يعتقد بأنه رسول العناية الإلهية وأن جنوده هم جند الله على أرضه، قال في إحدى خطبه الملتهبة قبل الحرب على العراق واصفاً الأمة الأمريكية بأنها: "تلك الأمة الإلهية التي تقودها اعتبارات أخلاقية غير قابلة للتفاوض، وعلى فضائلها أن تنطبق على العالم بأسره" (١). فها نحن إذن إزاء نداء سماوي هبط على واشنطن في ليله ظلماء، فالمسيحي الذي جرى تهويده ينتظر الخلاص، وقد يتولاه بنفسه لأنه نافذ الصبر، متعجل من أمره، وأمر دمار العالم، وما كنا نتوقع من عصر القنابل الذكية، والانترنت، الذي يطرح نفسه بديلاً لجملة حضارات دفعة واحدة، أن يفرز هذا الغباء، الذي حاول عدد من الأمريكيين رصده، وهم يكتبون سيرة آخر الرؤساء. فالسانت (بوش)، لم يكن يعرف شيئاً عن السياسة الدولية، وظل يتصور حتى العام الماضي أن (جوزيف بروز تيتو) على قيد الحياة والرئاسة في يوغسلافيا. ومن يقرأ ما كتبه الساخرون عن رئيسهم تأخذه الدهشة، وقد يعيد النظر بما كان للتو مسلمات في المشهد الثقافي الأمريكي" (٢)! بوش و معركة هرمجدون كما جاءت في سفر اشعياء يأخذ البعض على بوش النظرة الجبرية التي تسم رؤيته الشخصية والسياسية، إذ تشير الكاتبة (دانا ميلبانك) إلى أن الحرب على العراق، "يراها كثيرون مغامرة، لكن بوش يعتبرها حتمية تاريخية"، وتضيف الكاتبة: "إن هذه الثقة رغم

стр. 641

المخاطر ورغم قوة المعارضة للحرب، تكشف الكثير عن شخصية (بوش) ورؤيته للعالم. ويعبر الرئيس (بوش) عن هذه الحتمية التاريخية بقوله: "إننا نؤمن بأنفسنا. لكن ليس بأنفسنا وحدها. إننا لا نزعم أننا نعرف كل الطرق التي تعمل بها العناية السماوية، بيد أننا نثق بها ونضع كل ثقتنا في الله المحب الذي يقف وراء كل التاريخ". فالله له دور فعلاً في أفعال بوش .. ) كما يعتقد المبشر (ستيف كلارك) (١). وقد قام المؤرخ (بول س. بوير) وهو أستاذ في التاريخ في جامعة ويسكونسن، بتحليل خطاب (حال الاتحاد) الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي: "أنه يمكن لصدام حسين أن يثير يوم رعب لم يعرفه أحد". وخلص من خلاله أن بوش في كلامه هذا "يعود إلى ذكرى الحادي عشر من أيلول مستعملاً مفردات مرمزة وقديمة، تذكرنا برؤيا القيامة وتتضمن رسالة محددة تطال المؤمنين وتعلن عن نهاية قريبة ليس نهاية صدام حسين فحسب، بل نهاية التاريخ البشري كما عرفناه حتى يومنا هذا" (٢). فقد ظن الرئيس الأمريكي (جورج بوش) أنه مبعوث العناية الإلهية فزعم أنه في حربه على العراق إنما ينفذ مهمة إلهية مقدسة، وأن الله يبارك هذه الحرب. وبوش في تبريره للحرب يزعم: "أن ما جاء في العهد القديم ولا سيما في سفر اشعياء النبي الفصول ١٠،١٣،٤٧، وهي الفصول التي تتحدث عن أشور وبابل وخرابهما، لا بد أن يتحقق في العراق اليوم". وبوش بتفسيره الخاطئ لنبوءات الكتاب المقدس، إنما ينتمي إلى بعض الجماعات المسيحية الأصولية، التي تربط بين مجيء المسيح ثانية، وبين دولة إسرائيل الحالية. فبوش يظن أنه عندما يحارب أعداء إسرائيل فهو يتمم نبوءات الكتاب المقدس، ويعجل بنهاية العالم، ومجيء المسيح ثانية. وما يؤكد هذا: أن (جورج بوش الأب) أثناء غزو العراق للكويت، كان يستمع للواعظ الشهير (بيلي جراهام) في موطنه بولاية Miame ووعظ (بيلي جراهام) عن المعني الكتابي لبابل وقال لسامعيه: إن الأحداث التي تجري الآن في الخليج قد تكون لها دلالة روحيه فإن الموقع الجغرافي لبابل هو الآن في العراق".

стр. 642

وقال (جراهام): "إن هذا المكان هو الذي ابتدأ فيه التاريخ وان الكتاب المقدس يعلمنا أن التاريخ سينتهي من حيث ابتدأ. ويبدو أن (بوش الابن) ينتمي إلى نفس المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها أبوه، فهذه المدرسة تخلط بين الحقائق الدينية والأحداث السياسية، وتخرج باستنتاجات حول نهاية العالم ومجيء المسيح ثانية. وهذه المدرسة عندما تفسر نبوءات الكتاب المقدس لا تطبق مبادئ علم النفس فلا تراعي النص الأصلي، ولا تاريخه، ولا ظروف كتابته، ولا القرائن المختلفة للنص. كذلك لا تركز هذه الجماعات على التفسير التاريخي للنبوءة بل تعطيها بعداً مستقبلياً وتربطها بالأحداث السياسية المعاصرة. الأمر الذي يشبع الفضول البشري، لذلك فإن بوش عندما يقرأ سفر اشعياء ويفسره بما يتماشى مع أهوائه وأغراضه السياسية يرى في نفسه أنه متمم هذه النبوءات، وأنه مبعوث العناية الإلهية، وأنه بتدميره العراق إنما ينفذ مهمة إلهية مقدسة" (١). مما تقدم يتضح أن بوش يعتبر نفسه موضوعاً على جدول أعمال الله، وبالتالي فكل ما يفعله ـ بما في ذلك الحرب على العراق ـ يعتبر تجسيداً لمشيئة العناية الإلهية وإرادتها .. كما يقول (جيم كودي) المبشر البروتستانتي البارز. يقول (سانت بوش) في خطاب الأمة في ٢٩ يناير عام ٢٠٠٣م: "الحرية التي نناضل من أجلها ليست هدية أمريكا إلي العالم، بل هي هدية الرب إلى البشرية". وهنا هل يمكن لعاقل أن يرى بالعبارة التي وردت علي لسان (السانت)، وهي الحروب الصليبية مجرد زلة لسان؟ خصوصاً إذا تذكرنا ما قاله بالحرف الواحد في خطاب ألقاه في حفل تخريج في أكاديمية (ويست بوينت) العسكرية: "بعد الآن ستسمى أمريكا الشر باسمه". وأول ما يمكن استخلاصه من هذه الجملة هو أن أمريكا هي الخير الخالص، والنور المحض مادامت تقع علي النقيض التام من الشر غير المسمى بعد! " (٢). لقد أعلن (جورج بوش الصغير) أن العالم بات مقسوماً بين الخير والشر وبين المؤمنين والكفار، والمؤمنون هم أولئك الذين يرتضون القيم الأمريكية للرأسمالية

стр. 643

الانكلو ـ ساكسونية برمتها، أما الكفار فهم الذين يرفضونها، ويجب على الأمم الآن أن تقرر ما إذا كانت مع هذه القيم أو ضدها، وعليها كذلك أن تقرر إن كانت مع الحرب الأمريكية على الكافرين بهذه القيم. وهنا تصبح الدول التي لا تقبل بالقيم الأمريكية والغربية دولاً شريرة بشّرها (بوش) بعذاب أليم (١). وهنا يبدو أن تقسيم بوش للعالم إلى محورين لا ثالث لهما، وهما محور الشر ومحور الخير، قد جاء تلبية لنداء ليلي، فالملائكة تحرس الإمبراطورية، وتملي على الرئيس قائمة بأسماء الأسلحة التي يريد تجريبها في لحوم الأطفال العرب والأفغان، حيث أعلن (بوش) أن الحرب ستكون طويلة ضد الإرهاب .. ويا لها من حرب غريبة لا مثيل ولا سابق لها!. لقد بدأت الحرب الأمريكية الجديدة ضد حركة طالبان في أفغانستان، وضد أسامة بن لادن وضد صدام حسين في العراق .. وفي الانتظار قائمة طويلة من الأشرار والدول المارقه التي وردت في ذلك النداء الليلي الذي ترائي للسانت بوش. فكيف يمكن لهذا الجنون أن يكون توأم التكنولوجيا في ذروة عبقريتها؟ وأية كيمياء سياسية هذه التي تمزج الثلج بالنار؟ فيبقى الثلج ثلجاً، وتبقى النار ناراً! لو ادعى أي زعيم في العالم الثالث كل هذا، لوصف بالشعوذة والجنون، وكتبت عنه مئات الكتب التي تحشره في خانه واحدة مع الشيطان، لكن الأمريكي مؤمن ومحروس معصوم، مادامت القوة هي المنطق البديل، ومادام الآخرون لا يفتحون أفواههم إلا ليقولوا نعم، أو ليتثاءبوا"! (٢) لاري فلايشر يهدد صدام بما كتب على الحائط بعد كل هذه الخرافات والهوس الديني الذي يسيطر على تفكير رئيس أكبر دولة في العالم، فإنه ليس من قبيل المصادفة أن يكون التهديد الذي أطلقه المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض (آري فلايشر) في يوم السبت ١٥مارس ٢٠٠٣م قبيل بدء الحرب بأيام على العراق، على شكل رسالة ملغزة إلى الرئيس العراقي صدام حسين يؤكد فيها على ما يلي: "لا يزال هناك وقت لكي يرى صدام

стр. 644

حسين ما كتب على الحائط ويرحل عن العراق". وهنا يستخدم (آري فلايشر) قصة من قصص العهد القديم (التوراة)، وبالتحديد من سفر دانيال، لتهديد الرئيس العراقي ومعناها: أن الملك (بيلشاصر) عمل حفلة ودعا إليها ألفا من عظمائه من الرجال والنساء، وأمر بإحضار آنية الذهب والفضة التي استولى عليها أبوه من هيكل سليمان بأورشليم، وشربوا فيها الخمر. وفي لحظة ابتهاجهم، ظهرت يد إنسان على الحائط وكتبت ثلاث كلمات غامضه المعنى وهي: ١ـ (منا) ٢ـ (تقيل) ٣ـ (فرسين). فذهل الملك عندما رأى هذه الكلمات، وطلب منجميه لفك رموز هذه الشفرة، ولم يتمكن واحد من التفسير. وعندئذ أرشدته أمه إلى دانيال النبي الذي كان سجيناً في بابل من أيام غزو والده نبوخذ نصر لفلسطين، وسبى اليهود إلى العراق فاستدعاه، وفسر له دانيال هذه الكلمات على النحو التالي: كلمة (منا) تعني أن الله قد أحصى أيام مملكتك، ووضع لها حداً. كلمة (تقيل) تعني، لقد وضعت في الميزان ولم يعد لك وزن. كلمة (فرسين) تعني: أن مملكتك قد قسمت وتم تسليمها إلى الفرس والميديين. ويستطرد دانيال قائلاً: إنه في تلك الليلة تحقق ما كتب على الحائط (١). ولما كان بوش ورفاقه يستدلون بنبوءات التوراة والإنجيل على أخذ العراق بالقوة بالتفسير الذي يرونه للنصوص، رأينا أن نوضح نبوءة دانيال عن تشبيه (نبو خذ نصر) رئيس مملكة (بابل) برأس تمثال من الذهب، وقد سحب بوش ورفاقه التشبيه في عصرنا هذا على أهل العراق برئاسة (صدام حسين)، فشبهوا (العراق) ورئيسه (صدام حسين) بـ بابل، ورئيسها (نبوخذ نصر) بالتمثال الذي رآه في الحلم. وعلى كل الأحوال فإن هذه النبوءات ليست إلا دعوة صريحة للانتقام من العراق

стр. 645

بسبب نبوخذ نصر المشبه بالرأس من ذهب، ولذلك صرح (بوش) في بدء المعركة مع العراق أنها معركة الرأس، ويقصد بذلك: أن صدام مثل نبوخذ نصر المشبه بالرأس من ذهب في حلم التمثال والحجر في الإصحاح الثاني من سفر دانيال. فكأصولى مسيحي ولد من جديد، يعلم بوش جيداً خطايا بابل القديمة (أحد مواضيع العهد القديم المفضلة) ويعلم الأشعار المصاحبة لسرد تلك الخطايا (١). الصدمة والرعب مما يدل على أن بوش ورفاقه يحاربون المسلمين حرباً دينية، أنهم يقتبسون عبارات وردت في التوراة لتطبيقها على العصر الحاضر كما لاحظنا في المثالين السابقين، بل إن الخطط العسكرية سميت بأسماء من التوراة: مثل (الصدمة والرعب)، التي سميت بها خطة غزو العراق. ففي الإصحاح الثاني من سفر اشعياء: "إنه في آخر الأيام سيظهر النبي المنتظر، وسيحارب اليهود الكافرين به والأمم الكافرة في (يوم الرب)، في أرض (هرمجدون) في الساعة التي قال عنها المسيح عيسى ﵇ إنه لا يعلمها إلا الله وحده. وقال اشعياء مهدداً بهذا اليوم: "ويسمو الرب وحده في ذلك اليوم وتزول الأوثان بتمامها ويدخلون في مغاير الصخور، وفي حفائر التراب من أمام هيبة الرب ومن بهاء عظمته، عند قيامه ليرعب الأرض" (٢). وفي الإصحاح الثامن من سفر اشعياء: "هيجوا أيها الشعوب وانكسروا، واصغي يا جميع أقاصي الأرض. احتزموا وانكسروا. تشاوروا، فتبطل. تكلموا كلمة، فلا تقوم لأن الله معنا. فإنه هكذا قال لي الرب بشدة اليد، وأنذرني أن لا أسلك في طريق هذا الشعب قائلاً: لا تقولوا فتنة لكل ما يقول له هذا الشعب: فتنة ولا تخافوا خوفه، ولا ترهبوا. قدسوا رب الجنود، فهو خوفكم وهو رهبتكم. ويكون مقدساً وحجر صدمة وصخرة عثرة لبيتي إسرائيل. وفخاً وشركاً لسكان أورشليم. فيعثر بها

стр. 646

كثيرون ويسقطون، فينكسرون ويعلقون فيلقطون عصر الشهادة. واختم الشريعة بتلاميذي" (١). النسر النبيل كلنا يعلم ما سقط من لسان الرئيس الأمريكي جورج بوش عشية غزو أفغانستان حين اعتبر الغزو حرب صليبية جديدة، بل سمى إحدى حملاته العسكرية تلك بعملية (النسر النبيل) أو العظيم مستوحياً تلك التسمية من الكتاب المقدس، حيث يقول يوحنا اللاهوتي: "ولما رأى التنين انه طرح إلى الارض اضطهد المرأة التي ولدت الابن الذكر. فأعطيت المرأة جناحي النسر العظيم لكي تطير إلى البرية إلى موضعها حيث تعال زماناً وزمانين ونصف زمان من وجه الحية. فالقت الحية من فمها وراء المرأة ماء كنهر لتجعلها تحمل بالنهر. فاعانت الارض المرأة وفتحت الارض فمها وابتلعت النهر الذي ألقاه التنين من فمه. فغضب التنين على المرأة وذهب ليصنع حرباً مع باقي نسلها الذين يحفظون وصايا الله وعندهم شهادة يسوع المسيح (٢) ". فحملة الثأر لضحايا يوم الرعب الأمريكي في نيويورك وواشنطن تأتي تحت عنوان (النسر النبيل) و (العدالة المطلقة). ولكي يتطابق العنوان الموضوع مع الفعل المأمول لا بد ان تتسيد الحكمة منطق المعالجة لكي تبقي العدالة قائمة بعيدا عن الارهاب. فان لم يكن الامر كذلك لن يتم القضاء علي الارهاب بسلاح الاهداف السياسية. وعندها قد تنتهي عدالة القوة المحمولة علي اجنحة النسر النبيل أو العظيم كما تنبأ بها يوحنا اللاهوتي الي القضاء علي نمط محدد من الارهاب، الا انها لن تجتث جذوره. وعندها سنكون بانتظار انماط جديدة ووسائل مبتكرة توقظ الارهاب من مضاجعه.

стр. 647

الصلاة مع ومن أجل الرئيس بوش عندما ترشح الحاكم (جورج بوش) للرئاسة، أكد أن يسوع المسيح كان فيلسوفه السياسي المفضل، واليوم بعد أن أصبح رئيساً، يبدأ كل اجتماعاته الوزارية بصلاة (١). فواشنطن صارت مدينة التقوى والورع، والنفوذ الديني المسيحي اليميني، بدأ يسيطر عليها بصورة غير معقولة، بل إن الشعائر الدينية تقام حتى في البيت الأبيض إلى الحد الذي تبدأ فيه جلسات الحكومة بالصلاة، حيث يطلب الرئيس (بوش) من وزرائه التمتمة بعبارات دينيه بتركيز شديد يقوم فيه جميع من في المكان بتشبيك أيديهم وإغلاق أعينهم وخفض رؤوسهم إلى الأسفل انحناء وورعاً، بينما يقوم المقاتل العجوز (دونالد رامسفيلد) بالتضرع إلى الله. ليس ذلك فقط، بل نجد أيضاً حلقات لقراءة الإنجيل بصورة يوميه في البيت الأبيض. ورغم عدم وجود أي إجبار للعاملين في البيت الأبيض إلا انه يتم تسجيل الحاضرين والغائبين عن هذه الحلقات. فالسباب هناك ممنوع والتدخين والشراب، ليس ذلك فقط، بل إنه لا أحد مسموح له بالعمل هناك دون ملء استمارة تنص على إتباعه جميع الأوامر والنواهي الدينية المنصوص عليها. فحركة الإنجيليين الجديدة تكتسح البيت الأبيض، وتسيطر عليه تماماً، فالقس (ديفيد فروم) الذي كان يقوم بكتابة الكلمات التي يلقيها الرئيس (بوش) في خطبه يقول: "إن بوش يقرأ الإنجيل يومياً (٢)، ويتحدث عن (أشياء جديده) تعطيه القوة بصورة دائمة. ويؤكد (بوش) ذلك قائلاً: "إنني اصلي لأحصل على القوة والإرشاد والغفران، أرجو من الله الودود الكريم أن يقبل شكري له" (٣). وهذه الدرجة العالية من التدين تعكسها العبارات الدينية التوراتيه في كلام الرئيس الأمريكي خاصة عندما يتحدث عن الشرق الأوسط، حيث أن كاتب خطاباته وتصريحاته هو القس (مايكل جيرسون) الذي حل في هذا العمل محل كاتب آخر هو (دافيد فروم)، الذي اضطر للتخلي عن عمله لأنه لم يكن يشارك الرئيس إيمانه

стр. 648

بالولادة الثانيه. ويذكر (فروم) في مذكراته التي نشرها أخيراً: "إن أول سؤال كان يواجهه في الصباح هو لماذا تغيبت عن الدرس الديني؟ ذلك أنه صباح كل يوم وقبل بدء العمل في البيت الأبيض، يتجمع كبار الموظفين والمستشارين مع الرئيس (بوش) للاستماع إلى موعظة دينيه يقدمها أحد القساوسة تعقبها صلاة ودعاء، ثم يتوجه الجميع إلى مكاتبهم" (١). وهكذا تبدو الرئاسة في الولايات المتحدة أشبه بقاعة للصلاة يقوم فيها المعنيون بين قراءتين جماعيتين للعهد القديم أو العهد الجديد بإدارة شؤون أميركا والعالم (٢). ويبرر مساعدو بوش ومستشاروه عادة الصلاة اليومية بالقول: "ان الرئيس الأمريكي يرتاح حين يؤدي الصلاة لأنها تعطيه قوة داخلية وإيماناً عميقاً" (٣). وربما لهذا السبب سعى هؤلاء المستشارين لإجبار الجنود الأمريكيين في العراق للدعاء والصلاة للرئيس. فبالرغم من أن الجنود الأمريكيين الذين يشاركون في القتال ضد العراق هم الذين يواجهون الخطر في ارض المعركة، إلا أنه طلب منهم الدعاء من اجل رئيسهم (جورج بوش). حيث وزعت كتيبات علي آلاف من رجال مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) تحمل عنوان (واجب المسيحي)، وتحتوي علي أدعية كما تحتوي علي جزء يتم نزعه من الكتيب لإرساله بالبريد إلى البيت الأبيض، ليثبت أن الجندي الذي أرسله كان يدعو من أجل (بوش). وطبقاً لأحد الصحفيين المرافقين للقوات الغازية فان هذا الجزء يقول: "لقد صليت من أجلك ومن اجل عائلتك وموظفيك وجنودنا في هذه الأوقات التي تسودها حالة عدم اليقين والإضطراب. ليكن سلام الله دليلك". ويقدم الكتيب الذي وضعته جماعة تسمى (ان توتش منيستريز) صلوات يومية من اجل الرئيس الأمريكي. وتقول صلاة يوم الأحد: "ادع من أن يلجأ الرئيس ومستشاروه إلى الله وحكمته كل يوم ولا يعتمدون علي فهمهم الخاص". أما صلاة الاثنين فتقول: "ادع أن يكون الرئيس ومستشاروه أقوياء وشجعاناً لعمل الصواب بغض النظر عن النقاد" (٤).

стр. 649

استغلال المسيحية لتبرير الغزو ليس جديداً علي التاريخ أن يضيف المحاربون إلى غزواتهم جرعة سماوية، ويزعمون بأنهم يلبون نداءً سماوياً، فتلك حيلة لاذ بها غزاة عديدون ادعو الإلهام ... فالطغاة الكبار لديهم وهم كبير أيضاً، فهم يتصورون أنهم خالدون وليسوا من البشر الفانين (١). وهنا يعبر القس (فريتس ريتسش) في مقاله له بالواشنطون بوست، عن قلقه من هذه الظاهرة التي تقلب العلاقة التقليدية بين الكنيسة والدولة في التاريخ الأمريكي رأساً على عقب، وتجعل رجل الدين في خدمة رجل الدولة، بكل ما يعنيه ذلك من استغلال المسيحية في تبرير الغزو والاستعمار، وإشعال الحروب مع ديانات أخرى وخصوصاً الإسلام. فالعلاقة بين الرئيس بوش والقاعدة الدينية اليمينية التي حملته إلى الرئاسة ليست علاقة صحية، ذلك أن: "أنصار بوش المتدينين يتصدرون المصفقين له. وبدلاً من أن يقدموا له الهداية الأخلاقية، فإنهم يرضون بأن يكونوا تلاميذ ومريدين له حسب تعبيره. ويقصد القس (فريتس) بذلك قادة اليمين المسيحي من أمثال بيلي غراهام وابنه فرانكلين، وجيري فالويل، وبات روبرتسون، وغيرهم .. وكلهم معروف بصداقتهم الحميمة للرئيس (بوش) ودعمهم المطلق له، وكلهم معروف بعدائه السافر للمسلمين، وهجومه على الإسلام ومقدساته، وبإيمانهم الراسخ بالدولة اليهودية. ويعترف القس (فريتس) بحقيقة تأثير الدين في السياسة الأمريكية اليوم أكثر من أي وقت مضى، فيقول: "لم يحدث في التاريخ أن كانت أمريكا مسيحية سياسياً وبشكل علني مثل ما هي اليوم". لكنه يحذر، "بأن اقتناعنا بأن الرب إلى جانبنا، يجعل الحاجة إلى مراجعة الذات وإلى التواضع أقل". ويختم القس فريتس مقاله العميق بدعوة رجال الدين المسيحيين إلى بث رسالة التواضع والإنصاف، ويحذر قائلا: "إن التكبر الأمريكي في العصر النووي، ليس انحرافاً أخلاقياً فقط، بل هو يحمل بين جنبيه أيضا بذور الكارثة" (٢). وفي كتابه الجديد (القيم الأمريكية تتعرض للخطر) يتناول الرئيس السابق

стр. 650

(كارتر) العلاقة بين الدين والحكومة في ظل إدارة بوش، فيقول: "أن من أعجب الخلطات بين الدين والحكومة، النفوذ القوي لبعض الأصوليين المسيحيين على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. إن كل شخص في أمريكا قد سمع بسلسلة روايات (المخلفين Left Behind) ، تأليف (تيم لاهاي) و (جيري جنكينز)، وهي اثنا عشر كتاباً سجلت رقم مبيعات لم يسبق له مثيل. ومنطقها قائم على اختيارات منتقاة بعناية من آيات الكتاب المقدس، ومعظمها من سفر الرؤيا، وهي تصف سيناريو يوم القيامة، أو نهاية العالم. فعندما يعود المسيح، سوف يرفع المؤمنون إلى السماء، حيث يرقبون مع (الرب) تعذيب معظم البشر الآخرين الذين خلفوهم وراءهم. وسوف يكون هذا الحدث فورياً وفي وقت لا يمكن التنبؤ به". ويتابع (كارتر) قائلاً: "إن هنالك ملايين من زملائي المعمدانيين الذين يؤمنون إيماناً تاماً بكل كلمة في هذا التصور، على أساس تمجيد الذات الذي تكنه القلة المختارة لنفسها، إلى جانب الإدانة والتخلي، خلال فترة (المحنة)، عن أفراد العائلة، والأصدقاء، والجيران الذين لم يقع عليهم الاختيار للخلاص". ويتابع كارتر قائلاً: "إن حقن هذه المعتقدات في سياسات الحكومة الأمريكية مبعث للقلق. فهؤلاء المؤمنون مقتنعون بأنهم يتحملون مسؤولية تعجيل حدوث هذا (الاختطاف)، من أجل تحقيق النبوءة التوراتية. ويدعو جدول أعمالهم إلى شن حرب في الشرق الأوسط ضد الإسلام (العراق؟) واستيلاء اليهود على (الأرض المقدسة) كافة (احتلال الضفة الغربية؟)، مع الطرد التام للمسيحيين والأغيار الآخرين. ومن المفروض أن يتلو ذلك استيلاء الكفار (المناوئين للمسيح) على المنطقة، ثم انتصار المسيح نهائياً. وفي هذا الوقت من الاختطاف، إما أن يتحول جميع اليهود إلى المسيحية، وأما أن يحترقوا. ويقول كارتر متابعاً: "بناء على هذا المنطق، أصبح بعض كبار الزعماء المسيحيين في طليعة المؤيدين لحرب العراق، وهم يقومون بزيارات متكررة إلى إسرائيل، لكي يدعموها بالتمويل، ويحشدوا التأييد في واشنطن لاستعمار الأرض الفلسطينية. وكان الضغط القوي من قبل اليمين الديني عاملاً رئيساً في قبول أمريكا الخانع بقيام إسرائيل، بعملية بناء هائلة للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية، وإقامة شبكة واسعة من الطرق في الضفة الغربية المحتلة. وقد أفاد

стр. 651

بعض الزعماء الإسرائيليين من هذه المساعدة بينما غضوا الطرف عن نبوءة محنة جميع اليهود في نهاية الأمر" (١). اعتراضات من داخل المسيحية لعل أعمق تحليل ونقض لفلسفة بوش وحماسه الديني، الذي يطغى على حكمته السياسية، هو ما كتبه القس (فريتس ريتسش) في مقاله في الواشنطون بوست (عن الرب والإنسان في المكتب البيضاوي). فقد تتبع القس فريتس المصطلحات الدينية في خطاب جورج بوش، والنزعة الوثوقية في أحاديثه بأن الرب إلى جنبه دوماً. مثل قول بوش: "إن الحرية والخوف، العدل والفظاعة، ظلا دوماً في صراع، ونحن نعرف أن الرب ليس حيادياً في هذا الصراع". ومن ذلك تكراره الدائم أن أمريكا "أمة مؤمنة وخيِّرة ومثالية"، وأحيانا "أمة رحيمة وسخية". وبالطبع فإن أطفال العراق وفلسطين يعرفون عن تلك الرحمة وذلك السخاء أكثر من غيرهم!! ويعلق القس (فريتس) على ذلك داعياً إلى قدر أكبر من التواضع وقدر أقل من التبجح، فيقول: "إن أغلب المصلين الذين يحضرون إلى كنيستي الصغيرة لا يعتبرون أنفسهم، ولا يعتبرون الأمة الأمريكية، مجموعة من القديسين، وهم ليسوا مستيقنين من الورع الأمريكي الذي يتحدث عنه (جورج بوش). وهم يرون أن انتصارنا على صدام حسين ليس دليلاً كافياً على فضيلتنا أمام الناس ولا أمام الله، وهو لا يبدو حتى دليلاً كافياً على انتصارنا على الإرهاب". فتقديم (جورج بوش) تبريرات دينية لحربه على العراق لأمر مقلق بل مرعب للكثيرين حسب تعبير القس (فريتس). وهو بدون نزاع أكثر جرأة من أي رئيس سبقه في هذا المضمار، باتفاق الجميع. ثم يقدم القس (فريتس) خلفية تاريخية لما يبدو حماساً دينياً متأججاً لدى الرئيس (بوش)، فيجد جذوره في تراث المستوطنين الأوربيين الأوائل في القارة الأمريكية، الذين كانوا متدينين لحد التعصب، يؤمنون بأن أمريكا هي صهيون الجديدة، والأرض الموعودة. والأمريكيون ـ اليوم ـ هم ورثة أولئك روحياً". وهو يشير

стр. 652

إلى أن الأمريكيين الحاليين مثل أجدادهم السابقين "يؤمنون بأنهم محط عناية إلهية وقدر إلهي محتوم". لكن اليمين المسيحي الذي ينتمي إليه (جورج بوش) صاغ هذه الأفكار الثيولوجية صياغة سياسية عملية. حيث يرى أن (بوش) ومَن ورائه من الأصوليين المسيحيين واليهود في أمريكا، يمثلون فلسفة دينية أساها العنف والكراهية والتكبر، في وقت تحتاج فيه البشرية إلى التواضع والإنصاف واعتماد النسبية في تقويم الأفراد والأمم، فلا يوجد بين البشر من هو شرير بشكل مطلق ولا مَن هو خيِّر بشكل مطلق، ولا يوجد في البشرية (محور شر) و (محور خير) كما يريد بوش أن يقنعنا بذلك اليوم" (١). كما أن الكنائس الأمريكية الكاثوليكية والأرثوذكسية والإنجيلية المختلفة، بدأت ترفع صوتها منددة بالتوظيف السياسي للدين، الذي يتناقض مع ما تقول به العقيدة المسيحية حتى أن القس (ملفين تالبيرت) رئيس الكنيسة الميثوديه، التي يعتبر الرئيس (بوش) أحد أبنائها قال في مقابلة تليفزيونية أجريت معه: "إن سياسة إدارة الرئيس بوش في الحرب على العراق ستنتهك الشريعة الإلهية كما تنتهك تعاليم السيد المسيح". كما أطلقت مجموعة ضغط مسيحية ليبرالية في واشنطن نشاطاً مكثفاً، لمنع إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي (بوش) ومواجهة نفوذ المحافظين الجدد من المسيحيين اليمينيين، والصهاينة الذين يرسمون لبوش سياساته واستراتيجياته. وقالت (بريندا بترسون) مديرة (شبكة الزعامة الكهنوتية): "إن الإدارة تتلاعب بالدين بمستويات غير مسبوقة ومثيرة للغضب. ونددت بما سمته (عقلية رعاة البقر) التي تنتهجها إدارة (بوش). ويقول رئيس المنظمة (البرت بينيباكر): "نحن هنا لتشجيع التغيير في القيادات الفاشلة وسياساتهم الأكثر فشلاً. وعملنا يركز على تجميع الليبراليين ليتحدوا في مواجهة إدارة بوش وسياساتها الخارجية والاقتصادية وهي الإدارة التي تحاول تمييع أساسيات الفصل بين الدولة والكنيسة،

стр. 653

وتنتهج سياسات خارجية تعتمد على البطش وتهديد الدول الأخرى، وسياسات داخلية تكافئ الأغنياء على حساب الفقراء والأطفال" (١). ولا شك في أن اشد عبارات التنديد المسيحية بسياسة الرئيس (بوش) وردت على لسان البابا الراحل (يوحنا بولس الثاني)، الذي قد أوفد الكاردينال (اتشيجارى) أوائل فبراير إلى بغداد في مبادرة مسيحية لافته، حيث أعلن بابا الفاتيكان خلال صلاته الأسبوعية، أن الخيار بين السلام والحرب في الوضع الدولي الراهن هو أيضاً الخيار بين الخير والشر، وكأنه يرد على تقسيم (بوش) للعالم إلى أخيار وأشرار. وقال للمصلين المحتشدين في ساحة القديس بطرس: "في الإطار الدولي الراهن: نشعر بقوة بضرورة تطهير الضمير واهتداء القلب إلى طريق السلام الحقيقي. ففي أعماق قلب كل شخص يتردد صوت الله وصوت إبليس الماكر". وقال وهو يعلن مناسبة الصوم والبدء بأسبوع رياضات روحية: "خلال أسبوع التأمل والصلاة هذا، ستكون مطالب الكنيسة ومشاغل البشرية جمعاء حاضرة في مخيلتي، ولا سيما بالسلام إلى العراق والأرض المقدسة". وكان البابا قد دعا قبل ذلك مسئولي العالم أجمع إلى (فحص ضمير) من أجل تجنيب البشرية نزاعاً مأساوياً آخر" (٢). كما أن البيان الذي صدر في الخامس من فبراير ٢٠٠٢م عن المؤتمر المشترك لمجلس الكنائس العالمي، ومؤتمر الكنائس الأوروبي، والمجلس الوطني لكنائس المسيح في الولايات المتحدة، ومجلس كنائس الشرق الأوسط يعتبر عن حق (البيان المسيحي) المبدئي الرافض للحرب على العراق، باعتبارها حرباً غير مبرره أخلاقياً أو دينياً، وقد ندد البيان بمبدأ اللجوء إلى القوة العسكرية بدلاً من المساعي السياسية لحل الخلافات (٣). كما وجه الرئيس الألماني (يوهانس راو) انتقاداً شديداً إلى نظيره الأمريكي (جورج بوش) بسبب تبريره الحرب على العراق بأنها (مهمة إلهية)، وقال (راو) في مقابلة تلفزيونية: "أن استشهاد (جورج بوش) بالله في خطاباته حول الحرب في العراق يولد سوء تفاهم هائلاً، اذ يتحدث (بوش) عن

стр. 654

(مهمة إلهية) أوكلت إليه لتبرير الهجوم الأمريكي على العراق". وأضاف (راو): "إنها رسالة تخفي نيات مبيتة يوجهها بوش". وأكد (راو) "أن الإنجيل لا يأتي إطلاقاً على ذكر أي حملة صليبية، وقال:"لا أعتقد أن شعباً ما يمكن أن يتلقى أمراً إلهياً بتحرير شعب آخر" (١). رفض الحلول والسعي للحرب لقد كان الأمر أكثر تعقيداً مما يتصور الرئيس الأمريكي، الذي غطى الحماس الديني على بصيرته السياسية، وأعماه عن الصراعات الدينية والسياسية القادمة، التي سيفتح لها الباب بحربه على العراق، وبرجوعه إلى عصر الاستعمار المباشر بعد أن أصبح الضمير البشري يرفض هذا النمط من الاستعمار. ولكن الذي يبشر بالخير أنه لا يزال في أمريكا اليوم أصوات ـ مثل صوت القس فريتس ـ تدعو إلى التواضع والإنصاف، وهي أصوات قد يكون لها شأن في المستقبل، لكن من المحزن أن هذه الأصوات لا تكاد تسمع الآن بسبب طبول الحرب وصخب الأصولية المسيحية وأختها اليهودية. وفي محاولة يائسة لمنع الحرب، أصدرت جماعة من المثقفين الأمريكيين نداء بعنوان (ليس باسمنا)، رد فيه موقعو البيان على قول الرئيس بوش: "إما أن تكونوا معنا، أو تكونوا ضدنا"، بقولهم: "نحن نرفض إعطائكم الحق بان تتكلموا باسم جميع الأمريكيين. نحن لن نتنازل أبداً عن حقنا في المساءلة. نحن لن نقدم لكم ضمائرنا لقاء وعود أمنية فارغة. ونقول لكم: ليس باسمنا. نحن نرفض أن نشارك في هذه الحروب، ونرفض كل افتراض بأنها تخاض باسمنا أو لأجل خيرنا" (٢). وبالرغم من هذه المعارضة الداخلية والخارجية للحرب، "أعلن الرئيس (بوش) في يناير ٢٠٠٢م عن نيته توسيع حربه على الإرهاب إلى ما يتعدى تدمير شبكة القاعدة إلى كوريا الشمالية وإيران والعراق، وربما أعداء رسميين آخرين للولايات المتحدة. واستبعدت كوريا وإيران في جملة واحدة وركز بوش على العراق، ودلت خطب متوالية لشخصيات بارزة في إدارة بوش على أن واشنطن عازمة على شن

стр. 655

هجوم كبير على العراق" (١). وهكذا تحولت آلهة الحرب من جبال الأولمب إلى واشنطن، لكي تبدأ صفحة جديدة من سفك الدماء، متذرعة هذه المرة بمبررات مقاومة الإرهاب وحماية السلام .. وهي الحجة نفسها التي سفكت الشيوعية تحت مظلتها أنهارا من الدماء" (٢). ولكن التحضيرات للحرب على العراق كشفت عن هموم عميقة لحلفاء بوش، فقد جاهر قسم كبير من وزارة حرب (بوش الأب) بمعارضة الحرب على العراق، مثل جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي الأسبق، وبرنت سكوكروفت مستشار الأمن القومي الأسبق. ولكن الحرب الأمريكية على أفغانستان والعراق وربما غيرهما في المستقبل، كانت مطلباً ملحاً للإدارة الأميركية التي تسعى وتخطط لتحقيقها وتهيئ الظروف المواتية لإشعالها، فقد كان يمكن على سبيل المثال تسلم أسامة بن لادن قبل عام ١٩٩٨م، وأبدت قيادة طالبان في أفغانستان استعدادها لتسليمه إلى السعودية، وكان ثمة مفاوضات قطعت شوطا مهما مع (تركي الفيصل) المدير السابق للمخابرات السعودية، ولكن قصف أفغانستان والسودان قوض المشروع، بل إنه حتى بعد أحداث ١١ سبتمبر كان ثمة فرصة لتسليم أسامة بن لادن لباكستان ومحاكمته هناك. وكان من المحتمل أن تفضي هذه المحاكمة إلى تسليمه للولايات المتحدة، أو يطبق عليه حكم لن يقل عما يفترض أن تسعى إليه الولايات المتحدة، وبخاصة أن باكستان دولة حليفة لأميركا، ولكن بريطانيا والولايات المتحدة تجاهلتا الاتفاق وعملتا على هدمه (٣). وحتى الحرب الأمريكية البريطانية الأولى على العراق كان يمكن تجنبها، حيث أبدى صدام حسين استعداده للانسحاب من الكويت بشرط ضمان عدم تعرضه لضربه أمريكية، كما جاء في مذكرات (بريماكوت) المبعوث الروسي لبغداد، والذي لم يستطع أن يعطي أي تعهد بضمان عدم إقدام أمريكا على ضربه، وحتى حرب احتلال العراق الأخيرة، كان يمكن الوصول إلى حلول كثيرة ومخارج لها ولكن أمريكا تريد الحرب ولا تريد غيرها مهما حدث. وهنا يطرح (فليب هيرو) في كتابه (العراق تقرير

стр. 656

من الداخل) مجموعة من الأسئلة الحادة, ويقول: إن الولايات المتحدة لا تستطيع تفادي الإجابة عنها أمام الرأي العام العالمي, وهي: لماذا قامت الولايات المتحدة بالحرب على العراق مع أن تقارير لجان التفتيش التابعة للأمم المتحدة أكدت أنه تم نزع ما بين ٩٠ إلى ٩٥% من أسلحة الدمار الشامل العراقية؟ وأين الدليل على صلة العراق بتنظيم القاعدة؟ ثم ما دور جهازي الاستخبارات الأمريكية (سي آي إي) والبريطانية (أم آي سكس) في محاولات الانقلاب الست الفاشلة التي نظمت للإطاحة بنظام حكم صدام حسين منذ عام ١٩٩١م؟. فالمؤتمر الوطني العراقي برئاسة (أحمد جلبي) الذي تأسس برعاية أميركية عام ١٩٩٠م، وثم ترسخه في اجتماع فيينا عام ١٩٩٢م وموله جهاز (السي آي إي) , كان الهدف منه قلب نظام الحكم في بغداد، حيث وضعت مخططات انقلابات عسكرية بين عامي ١٩٩٥م و١٩٩٦م أشرفت عليها السي آي إي بالتعاون مع المؤتمر الوطني والأحزاب الكردية في شمال العراق من أجل التخلص من النظام في بغداد، لكن الفشل كان حليفها. ومن المثير هنا أنه عندما اقترب انقلاب سنة ١٩٩٥م من النضوج، أرسل مدير جهاز (السي آي إي) آنذاك (جون ديتش) إلى رئيس محطة عمان التابعة للجهاز فريقاً خاصاً للتنسيق مع المخابرات الأردنية بشأن الانقلاب (١). ومن الجدير بالذكر أيضاً ان ولفويتز كان وراء محاولات الاغتيال المتكررة التي استهدفت الرئيس العراقي صدام حسين، كما طور إلي جانب -ديك تشيني- خطة عام ١٩٩١، أطلق عليها عملية العقرب، للقيام بغزو بري للعراق. ومرة أخري، خطط (ولفويتز) لغزو شمال العراق انطلاقاً من تركيا، حيث أطلق علي تلك العملية عملية المطرقة. وفي عام ١٩٩٧م، وضع (ولفويتز) والجنرال (وين داوننغ) مسودة خطة ضد العراق باستخدام المعارضة العراقية التي تتخذ من لندن مقراً لها (٢).

стр. 657

أسباب رفض العالم للحرب حملت الصفحة الأولى لجريدة واشنطن بوست بتاريخ ٢٤/ ٢/٢٠٠٣م مادة تقول: إن كثيرين في العالم يعدون الرئيس (جورج دبليو. بوش) تهديداً للسلم العالمي أكثر من صدام حسين. ليس هذا تطوراً حديثاً ناجماً عن الجدل الدائر حول ما يمكن عمله بشأن العراق، بل حقيقة وهاكم ما تقوله الغارديان اللندنية: باتت أمريكا، تلك الدولة التي لا يمكن الاستغناء عنها، توشك أن تشبه الدولة المارقة المطلقة. فبدلاً من قيادة أسرة الأمم والدول، تبدو أمريكا بوش مياله أكثر فأكثر إلى مجابهة هذه الأسرة. فبدلاً من مدينة مشعة على تلة .. ثمة جلجلة قومية: نحن نفعل ما نريد .. وإذا لم يرق لكم ذلك، فلكم إن تنطحوا الجدار (١). وهكذا لم تكن صورة الأمريكي في التاريخ بمثل بشاعة الصورة التي صنعتها إدارة الرئيس بوش، وفي ذلك ظلم لقطاع مهم من الشعب الأمريكي الذي عبر عن حقيقة مشاعره وقناعاته من خلال المسيرات ضد الحرب، ومن خلال بيانات المجالس الكنسية الأمريكية التي اعتبرت الحرب خروجاً على تعاليم المسيح وانتهاكا لقيمها (٢). وهنا يرى (ميلان رأى) أن هناك عشرة أسباب لرفض الحرب الأمريكية، فالعراق لم يطور أو يمتلك أسلحة دمار شامل بحسب المعلومات، وعمليات التفتيش والمراقبة التي أجريت، ولا يوجد رابط بين العراق وهجمات ١١ سبتمبر، وهذه الحرب ليست من أجل الديمقراطية، بل ولا تستهدف تغيير سوى شخص الرئيس العراقي صدام حسين، ويمكن أن تؤدي إلى كارثة إنسانية وتدمر كردستان العراق، وهي حرب غير مشروعة ولا تغطيها الأمم المتحدة، وستعرض جيران العراق للخطر وهم يعارضونها. كما يعارض الحرب معظم القادة العسكريين في الولايات المتحدة، ويعارضها أغلب الناس في بريطانيا، ومن شأنها أن تسبب ركوداً عالمياً (٣). أما (دبليب هيرو) فيقول: لقد نجح (جورج بوش الابن) عن طريق شن هجوم وقائي ضد العراق، في استفزاز صدام حضارات بين الإسلام والغرب, وهو الأمر الذي فشل فيه أسامة

стр. 658

بن لادن. وبهذا فإن (هيرو) يحمل (بوش) والإدارة الأمريكية اليمينية المتطرفة التي يرأسها، بالتسبب في تشجيع وتكريس مقولات صدام الحضارات بسبب تبني سياسات هجومية هوجاء (١). أما الكاتب الأمريكي (روبرت كيغان) فله رأى آخر حيث يرى أن العالم خارج أوروبا ما زال، يعيش (في التاريخ). وأن العالم ما يزال مليئاً بالإرهابيين و الدول المارقة. فصدام حسين كان خطراً حقيقياً وداهماً هدد سلامة الغرب، وأن ما يراه الأوروبيون خلاف ذلك ليس سوى الرد الطبيعي الذي اقترن بالضعفاء الذين دأبوا عبر التاريخ على دفن رؤوسهم في الرمال، كلما برز لهم خطر على الطريق. ويرى كيغان أن الموقف الأوروبي كان دافعه الجبن لأن الأوروبيين حسبوا أن المخاطر التي كانوا سيتعرضون لها في حالة تصديهم لإزاحة صدام تفوق المخاطر التي تنجم عن تركه وشأنه (٢). معارضة فرنسا للحرب إن التوتر الذي نجم عن الأزمة العراقية ليس ظاهرة استثنائية في العلاقة بين باريس وواشنطن، فقد كان الفرنسيون دوماً ابطال معاداة أمريكا في اوروبا الغربية (٣). ذلك أن هذه العلاقة لم تكن قط منسجمة سواء خلال الحرب الباردة أم بعدها. فالرفض الفرنسي للانفرادية الأمريكية قضية مبدأ، حيث أن هذه الانفرادية توجه ضخم وعميق في سياسة أميركا التي بقوتها المتزايدة لم تعد تتحمل الضغوط الخارجية والالتزامات المتعددة الأطراف. وهذه الانفرادية سابقة على انتخاب بوش وإن كان هذا الأخير قد عمقها. ولهذا جاء استهداف أميركا لفرنسا والتهديد بمعاقبتها دون سواها بسبب الدور الأساسي الذي لعبته في معارضة السياسة الانفرادية الأمريكية. ففرنسا هي الوحيدة التي بإمكانها تجسيد سياسة كونية مختلفة عن

стр. 659

النموذج الأمريكي، فهي لم تعارض فقط أميركا، بل دافعت عن تصور لمجتمع دولي مبني على أساس القانون وتعدد الأطراف، فحالت دون تمتع أميركا بأغلبية في مجلس الأمن، بل وفي العالم أيضاً. فهي أثبتت أن عالما آخر كان ممكناً، لذا فهي مستهدفة من قبل أميركا، لهذا السبب ففرنسا لا تتمتع بشعبية في أميركا، لكنها للسبب نفسه لها شعبية في العالم لأن عملها حال دون ظهور عالم أحادي القطب. ففرنسا وضعت على رأس أولوياتها احترام إجراءات الأمم المتحدة، فبالنسبة إليها وإلى روسيا أيضاً الذي كان مهماً في المسألة العراقية هو المنظمة الأممية، وهذا من باب القناعة بضرورة العمل في إطار المنظمات الدولية واحترام القانون الدولي. وهكذا فإن الفشل هو فشل أميركا أكثر منه فشل المنظمة الأممية، فهذه الأخيرة لم تكن حقيقة فعالة في السابق، ذلك أن واشنطن رغم الضغوط والإمكانات لم تفلح في الحصول على أغلبية. ويعني طلب أميركا عون الأمم المتحدة للخروج من المستنقع العراقي اعترافاً ضمنياً بفشل عملها الانفرادي وفوقية الإجراءات المتعددة الأطراف. فالعالم الأحادي القطبية غير موجود، وحرب العراق أعطت الدليل على ذلك، حيث أن مفهوم القوة تغير وأنه في عالم معولم يميزه تعدد الفاعلين فمن غير الممكن أن يتحكم بلد وحده في مجمل بقية الدول (١). بيلير وتشرشل .. التاريخ يعيد نفسه تبدو مسألة التأييد الدولي مهمة لدى الرأي العام الأمريكي، الذي وإن كان يؤيد عملاً عسكرياً ضد العراق، فإنه يفضل أن تكون هذه الحرب تحت غطاء دولي. وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه مجلس شيكاغو للعلاقات الخارجية في أغسطس ٢٠٠٢م أن ٢٠% من الأميركيين فقط يؤيدون حرباً أميركية منفردة على العراق، في حين أعرب ٦٥% عن اعتقادهم بضرورة الحصول على تأييد من الحلفاء للحرب، وتفويض من الأمم المتحدة. ولذلك فقد كان (بلير) هو حبل النجاة لبوش لتسويق الحرب

стр. 660

وإعطائها طابع التحالف الدولي، ولكن بلير كان مكشوفاً على نحو خطر، فأغلبية حزبه (العمال) تعارض الحرب وحتى من داخل وزارته، بالإضافة إلى أغلبية الرأي العام البريطاني. ولذلك كان يجب أن تسوق الحرب على النواب والرأي العام على أنها حرب خاطفة، لن يكون لها ضحايا كثيرون ولن تستغرق وقتا طويلا (١). لهذا فقد كان لاستماتة (جون بلير) في الدفاع عن مزاعم (بوش) لتبرير الحرب على العراق، وحملة الأكاذيب التي قادها، أصداء واسعة على المستويين البريطاني والعالمي، حيث بدت بريطانيا وكأنها تابعة بالكامل لأمريكا، ووصف البعض (بلير) بأنه كلب بوش المدلل وغيرها من الأوصاف، بسبب تحمسه الكبير للحرب على العراق ووقاحته في افتراء الأكاذيب والدفاع عنها، ورحلاته المكوكية حول العالم لجلب التأييد لهذه الحرب. وهنا يجب أن نشير إلى أن (بلير) ليس ظاهره شاذة في التاريخ البريطاني، فقد سبقه إلى مثل هذا الأمر من الكذب المكشوف والفج والوقاحة في الدفاع عن الحرب كثير من الزعماء البريطانيين، أمثال: بلفور ولويد جورج وتشرشل وتاتشر وغيرهم، ولكن تشرشل كان أشدهم في هذا المجال. فقد كان تشرشل منذ فترة قصيرة بطلاً لا يبارى ولكن الشعوب تعيد فتح سيرة أبطالها وأحياناً ما تكشف أخطاء تاريخية قاتلة، وهنا ظهر المؤرخ الإنجليزي (ماكولي) وأكد أن ظهور ونستون تشرشل في المجتمع يعود لتهتك شقيقية ودعارتها، كما أنه أتصل بأكثر العاهرات فسقاً وكانت حياته دناءة ليس لها نظير وخسة ليس لها مثيل (٢). أما عن دوره في إشعال فتيل الحرب العالمية الثانية، فتشير الحقائق إلى أن تشرشل لم يكن يريد سوى القضاء على القوة الألمانية الناشئة حتى لا تقوم لها قائمة من جديد وتنافس انجلترا وفرنسا في العربدة في أوروبا والعالم، فأخذ يفترى ويختلق عليها الأكاذيب حتى يهيج الشعب عليها فيطالب بحرب معها. ولهذا يعتبر مجرم الحرب تشرشل من أسوء شخصيات القرن الماضي بسبب امتداد شروره تشرشل إلى كل العالم وذلك بإشعاله للحرب العالمية الثانية. فقد كانت ألمانيا تحرر أراضيها المغتصبة، وظل تشرشل يحرض النواب في البرلمان الإنجليزي على الحرب

стр. 661

ضد ألمانيا ويقلب منطق الأمور، ويزعم أن ألمانيا هي المعتدية ثم دفعه أصحاب الاحتكارات إلى قمة السلطة في انجلترا ليقوم بجرائمه الكبرى أثناء الحرب العالمية (١). يقول (وليم جاى كار) في كتابه (أحجار على رقعة الشطرنج): لا احد يستطيع أن ينكر أن (هتلر) حاول مره بعد مره الوصول لحل عادل لمشكلة (دانزج)، لكن المرابيين العالميين لم يسمحوا له بذلك وذلك بإيهام تشمبرلين بإنذارات هتلر المزورة وتحريك جيوشه وكان هذا الخداع والكذب قد جعل تشمبرلين ينصح متردداً الحكومة بإعلان الحرب على ألمانيا. فعلى مدى ٦ شهور طلب هتلر من بولندا إعادة مدينة دانزج ومنطقة الممر التي تحتلها بولندا، ورفضت بولندا بإيحاء إنجليزي وقدم (هتلر) مبادرتي سلام، ولكن بولندا رفضت النقاش (٢) ... فكان أن بدأ (هتلر) حرب التحرير، فأعلنت انجلترا وفرنسا الحرب على ألمانيا. يقول تشرشل: "ها نحن نعود مرغمين إلى حمل السلاح دفاعاً عن دولة صغيرة، انتهكت حرمتها وتعرضت لعدوان لغير سبب يدعو لذلك، وهكذا أصبح علينا أن نحارب دفاعاً عن كياننا وشرفنا ضد غضبة الشعب الألماني وقوته" (٣). أليس هذا ما حدث عندما احتل العراق الكويت، حيث سارعت بريطانيا وأمريكا لنصرة الدولة الضعيفة الكويت، وأيضاً دفاعاً عن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، ولا يهم إن أدى ذلك إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين، كما فعل تشرشل الذي كان هو أول من بدأ بضرب المدنيين .. وكان يقول لا ينبغي لنا أن نقف مكتوفي الأيدي بسبب مبادئ حمقاء. ومن الجدير بالذكر هنا أن بريطانيا استخدمت الأسلحة الكيماوية في عام ١٩١٩م عندما تدخلت قواتها في شمال روسيا ضد الثورة البلشيفية، محققة نجاحاً باهراً، حسب القيادة البريطانية. حيث كان رئيس الوزراء البريطاني تشرشل وزيراً للحرب في عام ١٩١٩م، وكان متحمساً بشدة لاستخدام الغاز السام ضد القبائل الهمجية من الأكراد والأفغان. وفوض تشرشل سلاح الجو الملكي في الشرق الأوسط

стр. 662

باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد العرب المتمردين، على سبيل التجربة، متجاهلاً اعتراضات مكتب الهند ومعتبراً إياها (غير مقبولة) ومستهجناً الحساسية المفرطة حول استخدام الغاز. وأوضح تشرشل أيضاً "أننا لا نستطيع تحت أية ظروف أن نقبل الاستسلام لعدم استخدامنا الأسلحة المتوفرة لدينا التي تستطيع أن تحقق لنا النصر الأكيد وتنهي أعمال الشغب المندلعة على الحدود". وأضاف كذلك، "أن الأسلحة الكيميائية ما هي إلا "تطبيق العلم الغربي على الحرب الحديثة" (١). ومن سخريات القدر أن بريطانيا وأمريكا حاربت العراق وتريد محاكمة قادته بدعوى استخدام أسلحة كيماوية ضد الأكراد، هذا في حين أن البريطانيين كانوا أول من استخدمها ضدهم، وهم الأولى بالمحاكمة. ويلقى كتاب (الإمبراطورية .. كيف صنعت بريطانيا العالم الحديث) الضوء على كيفية نشوء الإمبراطورية البريطانية؟ حيث يبين كيف أنها توسعت من خلال القرصنة وافتعال الحروب، وممارسة الإبادة العنصرية ضد الشعوب التي احتلتها (٢). التخطيط لضرب العراق كان التحسن المطّرد للعلاقات العراقية العربية عاملاً محفزاً على تسريع مسار المواجهة والحرب معه، إذ إن آخر ما كانت تريده واشنطن هو أن يتصالح العرب مع النظام في العراق مهما كانت أرضية ذلك التصالح, حتى لو كان اعتذار بغداد للكويت عن غزو سنة ١٩٩٠م، حيث أن مؤتمر قمة القاهرة في أكتوبر ٢٠٠٠م قطع خطوة مهمة في ذلك الطريق. كما أن أهمية العراق الدائمة تكمن في نفطه، فالعراق يحتوي على ثاني أكبر مخزون للنفط في العالم بعد السعودية, ويعتبر النفط العراقي من أنظف وأجود أنواع النفط. ولا يمكن للغرب أن يتسامح مع وجود نظام غير مؤيد له يسيطر على ذلك المخزون (٣). وهنا يميل الكاتب والروائي البريطاني

стр. 663

(جون لوكاريه) إلى الاعتقاد أن العراق لا يشكل تهديدا لجيرانه، ولكن سوء حظه يقع في النفط الذي يتوافر في أراضيه بكميات هائلة مغرية للشركات الأميركية، وأما مسألة حقوق الإنسان فهي لا تحتاج إلى نقاش، فمعظم حلفاء أميركا المهمين يمارسون انتهاكات بشعة للحريات والديمقراطية وأبسط حقوق الإنسان (١). ولكن أياً كان التحسن في علاقات بغداد مع جوارها الإقليمي, أو الاعتراف بأهمية نفطها, فإن أحداث ١١ سبتمبر وفرت للولايات المتحدة الفرصة التاريخية، لتحاول الحسم مع العراق بالقوة العسكرية هذه المرة. لكن الخطط الأميركية للقيام بعمل عسكري ضد العراق سبقت قدوم إدارة (جورج بوش الابن) وتفجيرات سبتمبر ٢٠٠١, وتعود إلى (رؤى) قدمها صقور أميركيون عام ١٩٩٨م إلى الرئيس السابق بيل كلينتون تدعو إلى الإطاحة بصدام عسكرياً. وكان من سخريات القدر أن أولئك الصقور الذين كانوا خارج إدارة كلينتون, صاروا من أعلى القيادات في إدارة جورج بوش الابن, مثل دونالد رمسفيلد وريتشارد بيرل وبول وولفويتز. وهكذا فقد سارعت تلك المجموعة إلى تفعيل (المسار العراقي) البعيد وغير الموصول بكل قصة (الحرب ضد الإرهاب) أو بتنظيم القاعدة أو أسامة بن لادن. وتم الإعلان عن محور الشر الذي ضم بالإضافة إلى العراق إيران وكوريا الشمالية (٢). ولكن كيف تحول المشروع الإمبراطوري الأمريكي من الحرب على الإرهاب إلى الحرب على العراق؟ وكيف انتقلت بؤرة الحوادث في ما جرى يوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١م من نيويورك إلى كابل، ثم من كابل إلى بغداد؟. يجيب الأستاذ (محمد حسنين هيكل) على ذلك بقوله: "لقد وجدت الإدارة الأمريكية بعد تدمير برجي مركز التجارة مباشرة أنها بحاجة إلى ضرب العراق، لأن الشعب الأمريكي برأي الرئيس بوش كان بحاجة إلى عمل كبير، وليس معركة واحدة، ولكن حرب ممتدة يشعر بها الشعب

стр. 664

الأميركي، ويتأكد أن الإدارة الأميركية تدافع عنه حتى أقاصي الأرض، واتخذ قرار الحرب على العراق بعد الأحداث بأيام قليلة" (١). وفي الحقيقة فإن الحرب على العراق بدأت عام ١٩٩١م، ولم يكن الغزو عام ٢٠٠٣م إلا استكمالا لهذه الحرب، ولا علاقة له بالحرب على الإرهاب، وقد شنت الولايات المتحدة أربع حروب متتالية على العراق منذ العام ١٩٩١م، وهي حرب الخليج وتدمير البنية التحتية المدنية العراقية، وحرب الاستنزاف الطويلة والعملية الاستخبارية المتواصلة بالتعاون مع لجان التفتيش، وحرب العقوبات الجماعية الخطيرة، وأخيرا غزو العراق في ٢٠ مارس ٢٠٠٣م، حيث شنت الولايات المتحدة في مساء ١٩ مارس ٢٠٠٣م هجوماً على العراق، وأسقطت في الساعات الثلاث الأولى لحربها على العراق ٣٠٠٠ قنبلة وصاروخ معلنة حرباً لاحتلال العراق استغرقت ٢٠ يوماً وانتهت بسقوط بغداد في ٩ أبريل (٢). ودخلت الولايات المتحدة فوراً في ترتيب الغنائم وإحصائها والسيطرة عليها، وأهمها بالطبع هو النفط، ثم السيطرة الإستراتيجية على المنطقة وتهديد جميع الأنظمة السياسية والدول, وربما يكون التحول في السلوك والمواقف العربية، والإعلان عن مشروعات لتغيير مناهج التعليم في الدول العربية من تجليات ونتائج الحالة الجديدة الناشئة بعد احتلال العراق. وقدرت خسائر الدول النفطية بسبب غزو العراق عام ٢٠٠٣ بعشرات المليارات من الدولارات، وتكبدت الدول المجاورة للعراق خسائر فادحة، وتدهورت أسعار النفط، وتضررت السياحة العربية والقطاعات الحليفة لها كالطيران والفنادق والمطاعم والصناعات الحرفية، وتراجعت بل انحسرت الاستثمارات الأجنبية الموجهة إلى البنى التحتية، وعمليات الخصخصة في الدول العربية. وتقدر الخسائر الملموسة بـ ٤٠٠ مليون دولار يومياً، وقدرت الخسائر

стр. 665

العربية حتى نهاية العام ٢٠٠٣ م بـ١١٥ مليار دولار، وهذا المبلغ يساوي ١٥% من الناتج العربي العام البالغ ٧٥٠ مليار دولار سنويا (١). هكذا سوقت أمريكا حربها ضد العراق اتخذ بوش وفريق اليمين المتطرف في مارس ٢٠٠٢م، قرار الحرب على العراق، ومنذ ذلك الوقت عمل ذلك الفريق على (التجميع القسري) لمبررات ومسوغات الحرب. حيث كان الهدف واضحاً لكن طريق الوصول إليه كان شائكاً, إذ أن الرأي العام العالمي لم يكن مقتنعاً بالحرب, ولهذا كان لابد من حشد كل الأسباب وتضخيمها والتمهيد للحرب. فمحاولات الربط المتعسف بين العراق والقاعدة على خلفية تفجيرات ١١ سبتمبر, كان بسبب نجاحات الأمم المتحدة في نزع سلاح العراق, حيث كانت تلك النجاحات تثير بشكل غير مباشر المحافظين الجدد, والذين أرادوا قطع الطريق على فرق التفتيش الأممية التي كانت تقاريرها تشير إلى عدم بقاء أية قوة معتبرة لدى العراق, خاصة على صعيد أسلحة الدمار الشامل. ولهذا يرى (هيرو) أن الغزو (الأنغلو أميركي) للعراق ـ كما يسميه إذ يرفض قبول تعبير (التحالف) ـ يمثل ظاهرة فريدة في الحروب الحديثة، إذ إن ذلك الغزو أول حرب وقائية منذ قرن تقريباً، ولا يماثله إلا غزو الإمبراطورية النمساوية الهنغارية لصربيا عام ١٩١٤ م. ويمثل أيضاً أول حرب أميركية - بريطانية مستندة كلياً على معلومات مضللة، وكاذبة, ولا أساس لها من الصحة (٢). فأي دولة مهما بلغت قوتها لا يمكنها أن تدخل في صراع مسلح دون أن تتسلح بمساندة الشعب أولاً. ويجب على هذه الدولة أن تمعن في إقناع شعبها من خلال الأوساط الإعلامية، بأن هذه الحرب التي تخوضها, إنما هي من أجل العدل والشرف. وفي سبيل ذلك لا تدخر الدولة جهداً في إظهار الخصم بمظهر الشيطان الأكبر، كما وتحاول أن تقلل من أهمية الخسائر التي يمكن أن تقع بين جنودها, أو في صفوف

стр. 666

السكان العزل من جهة الخصم. وإلى جانب ذلك لا تفتأ هذه الدولة توجيه الانتقادات الشديدة للخونة، واستخدام كافة الوسائل الممكنة لإنجاح حربها ضد عدوها، ومن هنا نرى أن الحرب الأخيرة ضد العراق كانت نموذجاً للأمريكيين يحتدا به على مستوى العالم، وذلك لمن أراد أن يبيع الحرب للشعب على الطريقة الأمريكية (١). حملة أمريكا الإعلامية لتمرير الحرب لم يكن أحد يتوهم فيما يخص النوايا الحقيقية لأميركا، فالمبررات الأميركية للدخول في الحرب لم توقن بها أغلبية الحكومات وشعوب العالم. ويكشف عن ذلك تصريح (بول ولفوفيتز) في مايو ٢٠٠٣ م لما أعلن أن الأميركيين اتفقوا على قضية أسلحة الدمار الشامل، لأنها السبب الوحيد الذي كان محل اتفاق الجميع. وهكذا فإن (ولفوفيتز) يعترف رسمياً بأن المبرر الرسمي, الذي على أساسه بررت الحرب على العراق منذ صيف ٢٠٠٢ م لم يكن إلا ذريعة، بل أكثر من ذلك أكذوبة تم التفوه بها لإقناع الرأي العام. وهنا يلاحظ منطق الكيل بمكيالين في سياسة واشنطن التي تختار الحرب على العراق, الذي خضع للتفتيش, وأكد خلوه من أسلحة الدمار الشامل، فيما تحبذ التفاوض مع كوريا الشمالية, التي صرحت علناً وبقوة بقدرتها النووية وطردت المفتشين الدوليين من ترابها وقامت أخيراً بإجراء تجربه نووية. إن عدم عثور الأميركيين على الأسلحة, التي شنوا باسمها الحرب على العراق يكشف إنه تم تلفيق المعلومات, وإسكات كل الأصوات التي تقول العكس، بل تم التغاضي عن بعض التقارير الأميركية مثل تقرير وكالة الاستخبارات التابعة للبنتاغون في سبتمبر ٢٠٠٢ م الذي أكد عدم وجود معلومات موثوق بها تثبت وجود هذه الأسلحة في العراق، حيث دفع عجز الأميركيين عن العثور على هذه الأسلحة مجلة (تايم ماغزين) في يونيو ٢٠٠٣ م إلى تسمية أسلحة الدمار الشامل (العراقية) بـ (أسلحة الاختفاء الشامل). أما العلاقة بين القاعدة وعراق صدام حسين، فقد أكدت المخابرات المركزية الأميركية عدم وجود معلومات لديها حول هكذا علاقة. ولكن الإدارة الأمريكية أصرت على أن عناصر من القاعدة أقاموا في العراق. لكن هؤلاء

стр. 667

أقاموا في حوالي خمسين بلداً بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا، دون أن يستدعي ذلك ضرورة قلب أنظمة كل هذه الدول. ولكن الإطاحة بصدام كانت هدفا أميركيا سابقا على أحداث ١١ سبتمبر، حيث إن (ريتشارد بيرل) تحدث عنه عام ١٩٩٦م (لبنيامين نتنياهو) و (رمسفيلد) , وحث (كلينتون) عام ١٩٩٨ م على جعل إزاحة صدام هدفا لسياسته الخارجية (١). ... فالعراق احتل لأنه لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل يدافع بها عن نفسه ويردع من تسول له نفسه مهاجمته ... وأمريكا لم تتجرأ على مهاجمة كوريا الشمالية التى أعلنت وأقسمت بأغلظ الأيمان أنها تمتلك أسلحة دمار شامل في الوقت الذى كان فيه العراقيون يقسمون بأغلظ الأيمان أنهم لا يمتلكون تلك الأسلحة فكان الغزو للعراق و الحوار مع كوريا (٢)!!! تضليل الرأي العام لم تكن الحرب على أفغانستان كافية، ولم تكن هي المقصودة، حيث نجحت الإدارة الأميركية مرة أخرى في إقامة (بنية تحتية) من الأكاذيب والاختلاقات, التي أُريد من ورائها تسويغ الحرب وتسويقها على مستوى الرأي العام الأميركي والغربي أو العالمي؟ up وفي كتابه (خطة غزو العراق) يناقش (ميلان راي) الدعاوى الأميركية والبريطانية في الحرب، ويقدم حقائق تواجه برأيه التشويه والكذب الرسمي الذي يتعرض له شعبا الولايات المتحدة وبريطانيا في سياق حملة علاقات عامة مذهلة, وهائلة لتسعير حمى الحرب على العراق. حيث أن (بوش) (وبلير) استغلا معاناة ١١ سبتمبر, لتبرير اندفاعهما نحو الحرب وإسكات الأفواه عن توجيه الانتقادات لمريدي الحرب تحت غطاء الوطنية، وأصبح إظهار الخصم بصورة الشيطان وإثبات أن الحرب ضرورية لا مفر منها، جزء من المبادئ الأساسية التي يتبعها مروجي الحملات

стр. 668

الإعلامية الحربية (١). وقد لخصت المؤرخة البلجيكية (آن موريلي) القوانين الأساسية لإطلاق حملة حربية في عشر نقاط هي: ١ - نحن لا نريد الحرب. ٢ـ المعسكر المعادي هو المسؤول الأول عن الحرب. ٣ـ رئيس المعسكر المعادي هو بمثابة الشيطان ٤ـ ما ندافع عنه يتعلق بشيء نبيل وليست لنا مصالح معينة ٥ـ العدو يثير القلاقل والأعمال الوحشية وإذا اضطررنا إلى ارتكاب بعض التجاوزات فإنما سيكون ذلك لا إرادياً وعن غير قصد. ٦ - العدو يستخدم أسلحة محظورة ٧ـ خسائرنا قليلة جداً مقارنة مع الخسائر الفادحة في صفوف العدو. ٨ - جميع المثقفين والفنانين يؤيدون الحرب. ٩ - كل الذين يشككون في حملتنا هم خونة. ١٠ - قضيتنا تحمل طابعاً مقدساً. والمتتبع للأحداث يلاحظ أن النقاط السابقة تم ترديدها بحذافيرها من قبل الإدارتين الأمريكية والبريطانية, وعلى رأسهما الرئيس (جورج بوش) (وطوني بلير) (٢)، حيث ساهمت وسائل الإعلام التي تخلت عن وظيفتها الحقيقية, وتحولت إلي بوق دعائي للحكومة في عملية التضليل المنظمة للرأي العام. كما تكشفت المواقف تجاه الديمقراطية بوضوح تام في أثناء التعبئة للحرب، إذ صار من الضروري التعامل بطريقة أو بأخرى مع المعارضة الشعبية الكبيرة، وداخل ائتلاف أصحاب الإدارات، وكان الجمهور الأميركي تحت السيطرة بفعل الحملة الدعائية التي أطلقتها الحكومة. أما في بريطانيا فكان الجمهور منقسماً حول الحرب، ولكن الحكومة حافظت على وضعية الشريك الأصغر التي قبلتها على مضض بعد الحرب العالمية الثانية، والتصقت بها حتى وهي ترى القادة الأميركيين يستهينون بمخاوف بريطانيا في لحظات كان فيها مصير البلاد نفسه في مهب الريح. كانت أغلبية الأوروبيين العظمى تعارض الحرب، ولكن الإعلام كما الإدارة تجاهل الرأي العام، وقدمت تغطية

стр. 669

صحفية للموضوع مبعثرة وملتوية، وتصور المعارضة للحرب على أنها مجرد مشكلة تسويقية بالنسبة لواشنطن (١). وحتى قوى المعارضة في هذه الدول لم تكن فعاله بالدرجة المطلوبة، فالمعارضة الرئيسة للحرب قادتها قوى شعبية وليست أحزاب. فالحزب الديمقراطي، مع بعض الاستثناءات، انضوى تحت جناح الرئيس في عرض جبان لوطنية زائفة. فعندما تلقي نظرة على الكونجرس تلمس دلائل اللوبي الصهيوني أو اليمين المسيحي أو التجمع العسكري - الصناعي ثلاث أقليات متطرفة بالغة النفوذ، يجمع بينها العداء للعالم العربي وقناعة خرقاء بأنهم من أنصار الملائكة. كما تحول الإعلام إلى مجرد جناح لبذل الجهود التي تتطلبها الحرب. وبتنا لا نسمع في أي من المحطات صوت المعارضة أو حتى ما شابه المعارضة. فوظفت كل محطة كبرى الجنرالات المتقاعدين وعملاء الاستخبارات المركزية الأمريكيين السابقين، وخبراء الإرهاب، ومحافظين حديثي العهد (مستشارين) يتقنون اللهجة المقززة, التي صممت كآلية موثوق بها، لينتهي بها الأمر إلى تأييد كل ما تقوم به الولايات المتحدة، من مجلس الأمن حتى المنطقة العربية. فنحن لا نقرأ أية مقالة معارضة ولا نسمع صوت أي من المعارضين في وسائل الإعلام الكبرى في هذا البلد ... وعندما تذكر هذه المؤسسات خرق العراق لسبعة عشر قراراً لمجلس الأمن كذريعة للحرب، لا نجدها تذكر قط القرارات الأربعة والستين التي ضربت بها إسرائيل عرض الحائط بدعم من الولايات المتحدة، ناهيك عن مآسي الشعب العراقي خلال السنوات الإثنتي عشر المنصرمة ... ويجعل هذا الواقع من التوبيخ الذي يوجهه بوش وأمثاله إلى الأمم المتحدة بضرورة تقيدها بقراراتها أمراً مضحكاً للغاية. وهكذا نشهد نية متعمدة على خداع الشعب الأمريكي، فقد شوهت مصالحه وبترت من عقالها، وطمست الأغراض الحقيقية لحرب (بوش الابن) الخاصة طمساً يلامس حد الغطرسة. فزمرة المتغطرسين أمثال (وولفويتز) ومساعديه المدعوين للإدلاء بشهادتهم دعماً للحرب من نتائج وتكاليف أمام الكونجرس المخدر, في

стр. 670

أغلبيته، قد سمحوا لهؤلاء بملازمة الصمت حيال الكثير من التجاوزات ... فيخدعون الشعب الأمريكي أكثر مما هو عليه، هذا الشعب الذي لم ينشد وجودهم أساساً. ديمقراطية مطعونة ومخدوعة، ديمقراطية محتفى بها ولكن غارقة بالذل، وقد داست عليها مجموعة صغيرة من الرجال الذين بكل بساطة استولوا علي مقاليد الأمور في هذه الجمهورية (١). صناعة الأكاذيب وحمايتها - لعبة الترويج والإسكات والتضليل (٢) في أمثالنا يقال: (حبل الكذب مقطوع). ويعرف دارسو التاريخ الذي لا يكتبه إلا المنتصرون أن حبل الكذب موصول .. بحلقات من الخديعة، والتزييف، والحكايا المتقنة تحت تلك المظلة الواسعة، تتشابك علاقة الصحافة بالأنظمة وأجهزة المخابرات. تتلاحم حيناً بالتواطؤ أو بالمصادفة , وتتلاطم في معظم الأحيان. الموساد أزعجه تقرير ألـ (بي بي سي) الشهير الذي طرح الأسئلة البديهية مباشرة، ببساطة وبوضوح. في زمن أصبحت فيه البديهيات تتسول من يطرحها. فضلأ عن أن (يسمعها) وسط كل هذا الصخب المتلاحق الإيقاع, الذي لا يدع فرصة حقيقية للنظر في (الأمر) بدلاً من مجرد النظر (إليه). والنظر في الأمر مطلوب لندرك، فنحسن (الوصف) وندقق (التعريف)، وهما كذلك ضروريان (للفهم) الذي هو مقدمة لابد منها "للتفسير. ألـ (بي. بي. سي) طرحت الأسئلة البسيطة: من يملك حقاً أسلحة للدمار الشامل في الشرق الأوسط؟! الإسرائيليون ولا نعرف من أعطاهم الحق ـ احتجوا على الأسئلة معتبرين أنهم غير مطالبين، بل حتى غير معنيين بمناقشة الأجوبة. وإنما ككل (السادة) في مجتمع غير متوازن رفعوا عصا العقاب. فالـ (بي بي سي) باتت ممنوعة في الكيان الصهيوني. وشارون قاطع الإذاعة العريقة في زيارته للندن.
следующие страницы →