السكان العزل من جهة الخصم. وإلى جانب ذلك لا تفتأ هذه الدولة توجيه الانتقادات الشديدة للخونة، واستخدام كافة الوسائل الممكنة لإنجاح حربها ضد عدوها، ومن هنا نرى أن الحرب الأخيرة ضد العراق كانت نموذجاً للأمريكيين يحتدا به على مستوى العالم، وذلك لمن أراد أن يبيع الحرب للشعب على الطريقة الأمريكية (١).
حملة أمريكا الإعلامية لتمرير الحرب
لم يكن أحد يتوهم فيما يخص النوايا الحقيقية لأميركا، فالمبررات الأميركية للدخول في الحرب لم توقن بها أغلبية الحكومات وشعوب العالم. ويكشف عن ذلك تصريح (بول ولفوفيتز) في مايو ٢٠٠٣ م لما أعلن أن الأميركيين اتفقوا على قضية أسلحة الدمار الشامل، لأنها السبب الوحيد الذي كان محل اتفاق الجميع. وهكذا فإن (ولفوفيتز) يعترف رسمياً بأن المبرر الرسمي, الذي على أساسه بررت الحرب على العراق منذ صيف ٢٠٠٢ م لم يكن إلا ذريعة، بل أكثر من ذلك أكذوبة تم التفوه بها لإقناع الرأي العام. وهنا يلاحظ منطق الكيل بمكيالين في سياسة واشنطن التي تختار الحرب على العراق, الذي خضع للتفتيش, وأكد خلوه من أسلحة الدمار الشامل، فيما تحبذ التفاوض مع كوريا الشمالية, التي صرحت علناً وبقوة بقدرتها النووية وطردت المفتشين الدوليين من ترابها وقامت أخيراً بإجراء تجربه نووية.
إن عدم عثور الأميركيين على الأسلحة, التي شنوا باسمها الحرب على العراق يكشف إنه تم تلفيق المعلومات, وإسكات كل الأصوات التي تقول العكس، بل تم التغاضي عن بعض التقارير الأميركية مثل تقرير وكالة الاستخبارات التابعة للبنتاغون في سبتمبر ٢٠٠٢ م الذي أكد عدم وجود معلومات موثوق بها تثبت وجود هذه الأسلحة في العراق، حيث دفع عجز الأميركيين عن العثور على هذه الأسلحة مجلة (تايم ماغزين) في يونيو ٢٠٠٣ م إلى تسمية أسلحة الدمار الشامل (العراقية) بـ (أسلحة الاختفاء الشامل). أما العلاقة بين القاعدة وعراق صدام حسين، فقد أكدت المخابرات المركزية الأميركية عدم وجود معلومات لديها حول هكذا علاقة. ولكن الإدارة الأمريكية أصرت على أن عناصر من القاعدة أقاموا في العراق. لكن هؤلاء
стр. 667
أقاموا في حوالي خمسين بلداً بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا، دون أن يستدعي ذلك ضرورة قلب أنظمة كل هذه الدول.
ولكن الإطاحة بصدام كانت هدفا أميركيا سابقا على أحداث ١١ سبتمبر، حيث إن (ريتشارد بيرل) تحدث عنه عام ١٩٩٦م (لبنيامين نتنياهو) و (رمسفيلد) , وحث (كلينتون) عام ١٩٩٨ م على جعل إزاحة صدام هدفا لسياسته الخارجية (١). ... فالعراق احتل لأنه لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل يدافع بها عن نفسه ويردع من تسول له نفسه مهاجمته ... وأمريكا لم تتجرأ على مهاجمة كوريا الشمالية التى أعلنت وأقسمت بأغلظ الأيمان أنها تمتلك أسلحة دمار شامل في الوقت الذى كان فيه العراقيون يقسمون بأغلظ الأيمان أنهم لا يمتلكون تلك الأسلحة فكان الغزو للعراق و الحوار مع كوريا (٢)!!!
تضليل الرأي العام
لم تكن الحرب على أفغانستان كافية، ولم تكن هي المقصودة، حيث نجحت الإدارة الأميركية مرة أخرى في إقامة (بنية تحتية) من الأكاذيب والاختلاقات, التي أُريد من ورائها تسويغ الحرب وتسويقها على مستوى الرأي العام الأميركي والغربي أو العالمي؟ up وفي كتابه (خطة غزو العراق) يناقش (ميلان راي) الدعاوى الأميركية والبريطانية في الحرب، ويقدم حقائق تواجه برأيه التشويه والكذب الرسمي الذي يتعرض له شعبا الولايات المتحدة وبريطانيا في سياق حملة علاقات عامة مذهلة, وهائلة لتسعير حمى الحرب على العراق. حيث أن (بوش) (وبلير) استغلا معاناة ١١ سبتمبر, لتبرير اندفاعهما نحو الحرب وإسكات الأفواه عن توجيه الانتقادات لمريدي الحرب تحت غطاء الوطنية، وأصبح إظهار الخصم بصورة الشيطان وإثبات أن الحرب ضرورية لا مفر منها، جزء من المبادئ الأساسية التي يتبعها مروجي الحملات
стр. 668
الإعلامية الحربية (١). وقد لخصت المؤرخة البلجيكية (آن موريلي) القوانين الأساسية لإطلاق حملة حربية في عشر نقاط هي:
١ - نحن لا نريد الحرب. ٢ـ المعسكر المعادي هو المسؤول الأول عن الحرب. ٣ـ رئيس المعسكر المعادي هو بمثابة الشيطان ٤ـ ما ندافع عنه يتعلق بشيء نبيل وليست لنا مصالح معينة ٥ـ العدو يثير القلاقل والأعمال الوحشية وإذا اضطررنا إلى ارتكاب بعض التجاوزات فإنما سيكون ذلك لا إرادياً وعن غير قصد. ٦ - العدو يستخدم أسلحة محظورة ٧ـ خسائرنا قليلة جداً مقارنة مع الخسائر الفادحة في صفوف العدو. ٨ - جميع المثقفين والفنانين يؤيدون الحرب. ٩ - كل الذين يشككون في حملتنا هم خونة. ١٠ - قضيتنا تحمل طابعاً مقدساً.
والمتتبع للأحداث يلاحظ أن النقاط السابقة تم ترديدها بحذافيرها من قبل الإدارتين الأمريكية والبريطانية, وعلى رأسهما الرئيس (جورج بوش) (وطوني بلير) (٢)، حيث ساهمت وسائل الإعلام التي تخلت عن وظيفتها الحقيقية, وتحولت إلي بوق دعائي للحكومة في عملية التضليل المنظمة للرأي العام. كما تكشفت المواقف تجاه الديمقراطية بوضوح تام في أثناء التعبئة للحرب، إذ صار من الضروري التعامل بطريقة أو بأخرى مع المعارضة الشعبية الكبيرة، وداخل ائتلاف أصحاب الإدارات، وكان الجمهور الأميركي تحت السيطرة بفعل الحملة الدعائية التي أطلقتها الحكومة. أما في بريطانيا فكان الجمهور منقسماً حول الحرب، ولكن الحكومة حافظت على وضعية الشريك الأصغر التي قبلتها على مضض بعد الحرب العالمية الثانية، والتصقت بها حتى وهي ترى القادة الأميركيين يستهينون بمخاوف بريطانيا في لحظات كان فيها مصير البلاد نفسه في مهب الريح. كانت أغلبية الأوروبيين العظمى تعارض الحرب، ولكن الإعلام كما الإدارة تجاهل الرأي العام، وقدمت تغطية
стр. 669
صحفية للموضوع مبعثرة وملتوية، وتصور المعارضة للحرب على أنها مجرد مشكلة تسويقية بالنسبة لواشنطن (١).
وحتى قوى المعارضة في هذه الدول لم تكن فعاله بالدرجة المطلوبة، فالمعارضة الرئيسة للحرب قادتها قوى شعبية وليست أحزاب. فالحزب الديمقراطي، مع بعض الاستثناءات، انضوى تحت جناح الرئيس في عرض جبان لوطنية زائفة. فعندما تلقي نظرة على الكونجرس تلمس دلائل اللوبي الصهيوني أو اليمين المسيحي أو التجمع العسكري - الصناعي ثلاث أقليات متطرفة بالغة النفوذ، يجمع بينها العداء للعالم العربي وقناعة خرقاء بأنهم من أنصار الملائكة. كما تحول الإعلام إلى مجرد جناح لبذل الجهود التي تتطلبها الحرب. وبتنا لا نسمع في أي من المحطات صوت المعارضة أو حتى ما شابه المعارضة. فوظفت كل محطة كبرى الجنرالات المتقاعدين وعملاء الاستخبارات المركزية الأمريكيين السابقين، وخبراء الإرهاب، ومحافظين حديثي العهد (مستشارين) يتقنون اللهجة المقززة, التي صممت كآلية موثوق بها، لينتهي بها الأمر إلى تأييد كل ما تقوم به الولايات المتحدة، من مجلس الأمن حتى المنطقة العربية. فنحن لا نقرأ أية مقالة معارضة ولا نسمع صوت أي من المعارضين في وسائل الإعلام الكبرى في هذا البلد ... وعندما تذكر هذه المؤسسات خرق العراق لسبعة عشر قراراً لمجلس الأمن كذريعة للحرب، لا نجدها تذكر قط القرارات الأربعة والستين التي ضربت بها إسرائيل عرض الحائط بدعم من الولايات المتحدة، ناهيك عن مآسي الشعب العراقي خلال السنوات الإثنتي عشر المنصرمة ... ويجعل هذا الواقع من التوبيخ الذي يوجهه بوش وأمثاله إلى الأمم المتحدة بضرورة تقيدها بقراراتها أمراً مضحكاً للغاية.
وهكذا نشهد نية متعمدة على خداع الشعب الأمريكي، فقد شوهت مصالحه وبترت من عقالها، وطمست الأغراض الحقيقية لحرب (بوش الابن) الخاصة طمساً يلامس حد الغطرسة. فزمرة المتغطرسين أمثال (وولفويتز) ومساعديه المدعوين للإدلاء بشهادتهم دعماً للحرب من نتائج وتكاليف أمام الكونجرس المخدر, في
стр. 670
أغلبيته، قد سمحوا لهؤلاء بملازمة الصمت حيال الكثير من التجاوزات ... فيخدعون الشعب الأمريكي أكثر مما هو عليه، هذا الشعب الذي لم ينشد وجودهم أساساً. ديمقراطية مطعونة ومخدوعة، ديمقراطية محتفى بها ولكن غارقة بالذل، وقد داست عليها مجموعة صغيرة من الرجال الذين بكل بساطة استولوا علي مقاليد الأمور في هذه الجمهورية (١).
صناعة الأكاذيب وحمايتها - لعبة الترويج والإسكات والتضليل (٢)
في أمثالنا يقال: (حبل الكذب مقطوع). ويعرف دارسو التاريخ الذي لا يكتبه إلا المنتصرون أن حبل الكذب موصول .. بحلقات من الخديعة، والتزييف، والحكايا المتقنة تحت تلك المظلة الواسعة، تتشابك علاقة الصحافة بالأنظمة وأجهزة المخابرات. تتلاحم حيناً بالتواطؤ أو بالمصادفة , وتتلاطم في معظم الأحيان. الموساد أزعجه تقرير ألـ (بي بي سي) الشهير الذي طرح الأسئلة البديهية مباشرة، ببساطة وبوضوح. في زمن أصبحت فيه البديهيات تتسول من يطرحها. فضلأ عن أن (يسمعها) وسط كل هذا الصخب المتلاحق الإيقاع, الذي لا يدع فرصة حقيقية للنظر في (الأمر) بدلاً من مجرد النظر (إليه). والنظر في الأمر مطلوب لندرك، فنحسن (الوصف) وندقق (التعريف)، وهما كذلك ضروريان (للفهم) الذي هو مقدمة لابد منها "للتفسير.
ألـ (بي. بي. سي) طرحت الأسئلة البسيطة: من يملك حقاً أسلحة للدمار الشامل في الشرق الأوسط؟! الإسرائيليون ولا نعرف من أعطاهم الحق ـ احتجوا على الأسئلة معتبرين أنهم غير مطالبين، بل حتى غير معنيين بمناقشة الأجوبة. وإنما ككل (السادة) في مجتمع غير متوازن رفعوا عصا العقاب. فالـ (بي بي سي) باتت ممنوعة في الكيان الصهيوني. وشارون قاطع الإذاعة العريقة في زيارته للندن.
стр. 671
والاتهام المعلب (معاداة السامية) تم توزيعه على نطاق واسع (إرهاباً فكرياً) لكل ذي صلة ليخرس من يعرف، وليتجنب المشكلات من بوسعه ذلك.
ديفيد كيلي
أسئلة أخرى في موضوع آخر، ولكن أيضاً لمحطة (بي بي سي) , وأيضا بحثاً عن الحقيقة، غزلت خيوط دراما من نوع آخر، (ديفيد كيلي) ذو الشعر الأشيب والصوت الهادئ, وسنوات العمر الستين (مات) بالبساطة نفسها التي كان يجيب بها على أسئلة التحقيق الفظة, حول لماذا أخبر (اندرو جيليجان) صحافي المحطة بالحقيقة التي لا يحبها عادة السادة الأقوياء. مات؟! ديفيد كيلي بهدوء على زاوية الغابة القريبة من بيته بجرح في رسغه, وبجواره أقراص مهدئة ومشرط، كأنما الانتحار لا يصلح (درامياً) إلا في الهواء الطلق وظلال الزيزفون. تتفق الروايات أو تتشابه وتتقاطع الشكوك، أو تتناثر، ويبقى الثابت فقط أن الرجل مات، وإن لم يكن عقاباً، فبالضرورة نتيجة لبحث الصحافة عن الحقيقة، وأن أسمه سيضاف على الأرجح إلى قائمة الذين غيبهم الموت في سحابة داكنة من الظنون، والغموض. ليس بدءاً (بجون كنيدي) ولا نهاية (بديانا) الجميلة في النفق الباريسي الشهير.
هدد الإسرائيليون محطة (بي بي سي) ومات (ديفيد كيلي)، وقتل (طارق أيوب) مراسل الجزيرة عشية دخولهم بغداد .. فهل يعادي سادة العالم الجديد الصحافة؟ ليس دائماً ولكنهم ككل السادة، يكرهون أن يقول الآخرون غير ما يقولونه هم. فالحقيقة ككل شئ ملكهم, وينبغي أن تظل كذلك. وبغض النظر عن الواقع على الأرض، يبدو أنه في الزمن الأمريكي (أحادى القطب) تصبح الحقيقة أيضاً (أحادية الجانب). ويصبح على الجميع شاءوا أم أبوا أن يتعاملوا معها، حتى وإن كانت في واقعها (أكذوبة كبرى).
حماية الأكاذيب
حماية الأكاذيب في الزمن الأمريكي/ الإسرائيلي, اقتضت بحكم الخبرة والمهارة, إشهار كل أسلحة الإرهاب الفكري، قديمها (معاداة السامية) أو جديدها
стр. 672
(التحريض) , أو (التعاطف مع الإرهاب) بغض النظر عن (تعريفه)، أو (تشجيع العمليات الإستشهادية) بغض النظر عن المعتقدات الدينية وحريتها، إن "دفع أموال الزكاة لجماعات إسلامية " قد تصبح "إرهابية" في المستقبل, أو "لأسر الشهداء" وبغض النظر عن أنها أحد مصارفها الشرعية. والحبل - كما يقولون - على الجرار. ففي كل الأحوال، ليس مهماً "توصيف التهمة" أو الاتفاق على أنها كذلك. كما أنه ليس مهماً - أيضا - تحديد من يملك صلاحية الاتهام. المهم هو إيجاد حالة من الإرهاب الفكري تصبح كفيلة بحماية منظومة القيم الجديدة في زمن يمسكون بعقاربه كما يتصورون. نتذكر كيف نجحوا يوماً في إسكات (روجيه جارودي)، لأنه تساءل؟! ونعرف أنه في وسط سحابات الأكاذيب تغيب الحقيقة. وتحت غيوم الأباطيل يكون طبيعياً أن ينزلق الجميع في أوحالها، فلا تبقى ثوابت ولا تستقر بديهيات.
نستعرض عناوين الصحف وتصريحات المسؤولين فنستخلص أنه في الزمن الأمريكي ومع بداية القرن الحادي والعشرين ما عاد شيء بديهياً، فالذين يقاومون المحتل، إن في الفالوجة أو خانيونس "إرهابيون" بعد نصف قرن من الأوسمة والنياشين, وأوصاف البطولة لأولئك الذين قاوموا المحتل النازي مثلاً في أوروبا. والأمريكيون المبشرون بالديمقراطية, والحداثة يقولون: " إنهم لن يسمحوا بأن يحكم الإسلاميون العراق "حتى وإن كان ذلك عن طريق انتخابات حرة". ومجلس العراقيين يعتبر أن يوم سقوط عاصمتهم هو يوم عيدهم الوطني الوحيد.
عشر سنوات من الكذب والتحدي
في ١٢ سبتمبر ٢٠٠٢ م وقف (جورج دبليو بوش) أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مدشناً حملته التمهيدية لترويج الحرب، وليلقي تقريره الشهير الذي حمل عنواناً دعائياً: (عشر سنوات من الكذب والتحدي). يومها انصب التقرير كله على اتهام العراقيين (بالكذب). وكانت أدلة الاتهام الرئيسة كما يلي: العراق يقيم علاقات وثيقة مع القاعدة ... العراق يهدد أمن الولايات المتحدة والعالم .... العراق يملك أسلحة دمار شامل. اليوم بعد الحرب وآلاف الضحايا, وبلايين الدولات يتضح أن لا دليل أبداً على ذرائع الاتهام الثلاث. ويصبح السؤال: من الذي كان حقيقة يكذب؟!. نعرف أن السيف سبق العذل. ونعرف أن العراقيين الضحايا في الحرب وبدونها، والذين يعيشون الآن حالة من الزئبقية السياسية غير مسبوقة لم يعد يهمهم لماذا
стр. 673
قامت الحرب؟. إلا أن السؤال يظل مشروعاً ثم مطلوباً عندما نسمع من قادة البنتاجون يقولون: إننا نستخلص الدروس من العراق لجعل احتلالنا لأى بلد آخر أكثر إتقاناً!!.
الكذبات العشر (١)
لم يوافق الأمريكيون على إعطاء مفتشي الأمم المتحدة مهلة للتأكد من وجود أسلحة الدمار الشامل. وقرروا أن يذهبوا بأنفسهم ليحضروا الدليل الذي لم يكن موجوداً أبدا. ولكنهم لم يجدوا حرجاً في أن يقولوا بعد أن وقعت الواقعة وبعد أن عادوا بلا دليل: لقد اعتمدنا إبراز موضوع خطر أسلحة الدمار الشامل لأنها تشكل الحجة الوحيدة التي يمكن أن يتوافق عليها الجميع. (بول وولفويتز ٣٠ مايو ٢٠٠٣ م). واليوم، وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على إعلان الحرب المثير، من قبل الرئيس (بوش)، لم يعثر على أي أسلحة كيماوية، أو بيولوجية أو نووية، ولا على أية وثائق تدل على وجود تلك الأسلحة، أو أية إشارة إلى أنها قد نشرت في الميدان. وتقوم وسائل الإعلام السائدة، بعد سنيين من الجبن، بلفت الأنظار الآن بصورة متأخرة إلى المستوى المفرط من الخداع الإداري. وتبدو متعجبة إذ تجد فيما يتعلق بالعراق، أن إدارة بوش لا تلجأ إلى الكذب النفعي بين الحين والآخر، بل هي في حقيقة الأمر، لم تقل الحقيقة أبداً تقريباً. وليس ما نسوقه فيما يلي، إلا الأهم والأكثر إثارة للغيظ بين عشرات الأكاذيب الصريحة, التي أطلقها بوش وكبار موظفيه على مدى أكثر من سنة، ضمن ما يرقى إلى مرتبة الحملة المنظمة لإرهاب الجميع:
الكذبة الأولى: "تشير الأدلة إلى أن العراق يقوم حالياً بإعادة بناء برنامج أسلحته النووية, وقد يحاول شراء أنابيب ألومنيوم شديدة القوة ومعدات أخرى تلزم في صنع أجهزة الطرد المركزي الغازية، التي تستخدم في تخصيب يورانيوم الأسلحة النووية". (الرئيس بوش، ٧اكتوبر ٢٠٠٢ م، سينسيناتي).
стр. 674
الحقيقة: هذه الحكاية، التي تم تسريبها إلى (جوديت ميللر)، التي سارعت إلى نشرها في صحيفة (نيويورك تايمز) تبين أنها هراء محض. ويقول المسؤولون في وزارة الطاقة، الذين يقومون بمراقبة المصانع النووية، أن الأنابيب لا يمكن استخدامها لتخصيب اليورانيوم. وقد صرح أحد محللي المعلومات الاستخبارية، الذي كان عضواً في فريق التحقيق في موضوع الأنابيب، لصحيفة (ذي نيو ريببليك)، بقوله غاضباً: "لدينا مسؤولون أمريكيون كبار مثل (كوندوليزا رايس)، يقولون: إن الإستخدام الوحيد لهذا الألومنيوم هو أجهزة الطرد المركزي لليورانيوم. وقد قالت ذلك على شاشة التلفزيون. وذلك كذب محض.
الكذبة الثانية: "علمت الحكومة البريطانية أن (صدام حسين) سعى مؤخراً للحصول على كميات كبيرة من اليورانيوم في إفريقيا". (الرئيس بوش، ٢٨ يناير في خطاب حال الاتحاد).
الحقيقة: كانت هذه الفرية مبنية على وثيقة كان البيت الأبيض يعلم أنها زائفة بفضل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. وكانت الوثيقة التي بيعت إلى المخابرات الإيطالية من قبل أحد النصابين، تحمل توقيع موظف رسمي كان قد ترك منصبه قبل عشر سنوات، وتشهد بقانون لم يعد معمولاً به. وقد استشاط السفير السابق الذي أرسلته وكالة المخابرات الأمريكية للتحقيق من صحة الحكاية غضباً، وقال لصحيفة (ذي نيو ريببلك) دون أن يصرح باسمه: إنهم يعلمون أن حكاية النيجر كانت كذبة صريحة .. وكان البيت الأبيض غير مقتنع بشأن أنابيب الألومنيوم، وقد أضاف ذلك لدعم قضيته.
الكذبة الثالثة: "نحن نعتقد بأن صدام حسين، قد أعاد بناء أسلحته النووية حقاً". (ديك تشيني نائب الرئيس في ١٦ مارس ٢٠٠٣ م، ضمن لقاء مع برنامج لقاء مع الصحافة).
الحقيقة: ليس لهذا التصريح، ولم يكن له، أي أساس من الصحة. فلم تظهر تقارير المخابرات المركزية الأمريكية خلال سنة ٢٠٠٢ م أي دليل على وجود برنامج أسلحة نووية عراقية.
الكذبة الرابعة: "تتوافر لدى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تقارير دامغة حول اتصالات على مستوى رفيع بين العراق وتنظيم القاعدة، تعود إلى عقد مضى
стр. 675
من الزمن". (مدير المخابرات المركزية الأمريكية، (جورج تنيت)، ضمن تصريح مكتوب أدلى به في ٧ أكتوبر ٢٠٠٢ م وتردد صداه ضمن الخطاب الذي ألقاه الرئيس بوش ذلك المساء).
الحقيقة: كانت وكالات المخابرات تعلم بوجود اتصالات متقطعة بين صدام وحركة القاعدة في أوائل التسعينات، لكنها لم تعثر على دليل على استمرار العلاقة. وبكلام آخر، وبلغة مضطربة، أدار (تينت وبوش) موقف المخابرات ١٨٠ درجة لتقول عكس ما كان قد قيل تماماً.
الكذبة الخامسة: "علمنا أن العراق قد درب أعضاء حركة القاعدة على صنع القنابل والسموم والغازات الفتاكة، وقد يتيح التحالف مع الإرهابيين للنظام العراقي أن يهاجم أمريكا دون أن يترك أي بصمات". (الرئيس بوش، ٧ أكتوبر)
الحقيقة: لم يقم أي دليل على ذلك، ولم يتسرب أي دليل. وقد قال: (كولن باول) في الأمم المتحدة إن هذا التدريب المزعوم قد حدث في معسكر في شمال العراق. لكن ما ينبغي أن يحرجه أشد الحرج، أن المنطقة التي أشار إليها، كما كشف مؤخراً، كانت تقع خارج سيطرة العراق، وأن طائرات التحالف كانت تقوم بدوريات فوقها.
الكذبة السادسة: "اكتشفنا كذلك من خلال أجهزة المخابرات, أن العراق لديه أسطول متعاظم من العربات الجوية المأهولة, وغير المأهولة التي يمكن أن تستخدم لنشر الأسلحة الكيماوية والبيولوجية عبر مناطق واسعة. ونحن معنيون بأن العراق يقوم باستكشاف طرق لاستخدام هذه العربات الجوية غير المأهولة في مهمات تستهدف الولايات المتحدة". (الرئيس بوش، ٧ أكتوبر/ تشرين الأول).
الحقيقة: لا تستطيع الطائرات من دون طيار المزعومة، والتي تسمى (اليعسوب)، أن تطير أكثر من ٣٠٠ ميل، ويبعد العراق عن السواحل الأمريكية نحو ٦٠٠٠ ميل. يضاف إلى ذلك، أن برنامج العراق لبناء طائرات اليعسوب، لم يكن أكثر تقدماً من الطراز الأمريكي المتوسط. ثم، أليس استعمال تعبير (عربات جوية مأهولة) مجرد طريقة مخيفة للحديث عن (طيارة)؟
الكذبة السابعة: "رأينا معلومات استخبارية على مدى شهور عديدة تقول: إنهم يملكون أسلحة كيماوية وبيولوجية، وأنهم قد نشروها، وأنهم مسلحون، وأن إجراءات
стр. 676
القيادة والسيطرة قد اتخذت في واحدة من الحالات على الأقل". (الرئيس بوش، ٨ فبراير ٢٠٠٣ ضمن خطاب في الإذاعة الوطنية).
الحقيقة: على الرغم من البحث الشامل على مستوى الدولة الذي أجرته القوات الأمريكية والبريطانية، لا توجد علامات، أو آثار أو أمثلة على نشر الأسلحة الكيماوية في الميدان، أو في أي مكان آخر خلال الحرب.
الكذبة الثامنة: "إن تقديراتنا المتحفظة هي أن العراق اليوم يملك مخزوناً يتراوح بين ١٠٠ و ٥٠٠ طن من مواد الأسلحة الكيماوية. وهذا يكفي ليملأ ألف صاروخ ميداني". (وزير الخارجية كولن بول، ٥ فبراير ٢٠٠٣ م، ضمن ملاحظات مقدمة إلى مجلس الأمن).
الحقيقة: بعيداً عن الحقيقة الساطعة التي تقول: إنه لم يعثر على نقطة واحدة من هذا المخزون الهائل، كما ذكر آنفاً، فإن معلوماتنا الاستخبارية الخاصة تبين أن هذه المخزونات إذا كانت موجودة في السابق قد تجاوزت مدة صلاحيتها، ومن ثم أصبحت لا تنفع في إعداد الأسلحة.
الكذبة التاسعة: "نحن نعلم أين توجد أسلحة الدمار الشامل العراقية. إنها في المنطقة الواقعة حول تكريت وبغداد، وفي الشرق والغرب والجنوب والشمال بعض الشيء". (وزير الدفاع، دونالد رامسفيلد ٣٠ مارس ٢٠٠٣ م).
الحقيقة: غني عن القول، إنه لم يعثر على مثل هذه الأسلحة، لا في الشرق، ولا في الجنوب أو الشمال، بعض الشيء أو غيره.
الكذبة العاشرة: "نعم، لقد عثرنا على مختبر بيولوجي في العراق محظور من قبل الأمم المتحدة". (الرئيس بوش ضمن تعليقات أدلى بها في بولندا، ونشرت على نطاق دولي في الأول من يونيو ٢٠٠٣ م).
الحقيقة: كانت تلك إشارة إلى اكتشاف اثنين من العربات المقطورة التي ادعت المخابرات المركزية الأمريكية احتمال أن تكونا مختبرين للأسلحة البيولوجية متحركين. لكن الخبراء البريطانيين والأمريكيين بما فيهم جناح الاستخبارات في وزارة الخارجية أعلنوا منذئذ أن ذلك غير صحيح. وبناء على ما قاله الخبراء البريطانيون، وأثار الضيق والإحراج لدى رئيس الوزراء (توني بلير)، فإن المقطورتين
стр. 677
كانتا ما قاله العراق عنهما تماماً، وهو أنهما تستعملان لملء بالونات تحمل أدوات لقياس حالة الطقس، وأنه اشتراهما من البريطانيين أنفسهم.
وبعد ان عرض (كريستوفر شير) للكذبات العشر يقول: هكذا، بعد انقضاء سنوات على الحرب، ها نحن الآن نعود إلى النقطة التي بدأنا منها بالكثير من الخطاب والبلاغة، ودون دليل على الإطلاق يثبت هذا الخطر الداهم، والذي قتل (اوجيه سميت) في سبيل درئه، ولكن إدارة بوش تندفع الآن لتلقى تبعة أكاذيبها على عاتق المعلومات الاستخبارية الخاطئة، في حين أن المعلومات الاستخبارية لم يكن بها أى بأس، بل يكمن الخطأ في سوء استخدامها. وبدلاً من الاعتذار عن قيادتنا نحو حرب استباقية قائمة على (معلومات استخبارية) مشوهة بشكل مستحيل، أو محرفة بطريقة لا تعرف الخجل، أقول ـ بدلاً من الاعتذار أو تقديم الاستقالة ـ ها هو مجنوننا الخبيث القابع في البيت الابيض- يلعب الجولف منشرحاً، بينما يعد بأن (يطارد القتلة الحقيقيين) ويقسم (بوش الابن) على البحث عن المدى الحقيقي لبرنامج أسلحة (صدام حسين)، مهما استغرق ذلك من وقت" (١).
أكاذيب (باول) وتوني بلير وازنار
حسب رواية (الهيرالدتريبيون) في ٥ حزيران ٢٠٠٣ م، كانت شكوك لدى (باول) في مصداقية الخطاب الذي ألقاه أمام مجلس الأمن قبل أسابيع من الحرب. ولذا حرص على أن يجلس (جورج تنت) مدير سي آي إيه خلفه ليشاركه مسؤولية ما يقول. وربما حرص على ذلك مخططو حملة الترويج الأمريكية ليقولوا لأولئك المحدقين في شاشات العرض الضخمة والمنبهرين بتقنيات العرض المتفوقة، أن وراء كل ذلك إمكانيات الاستخبارات الأقوى في العالم غير المشكوك فيها. أيا كان الأمر. وبالاعتذار (لبيل جيتس)، فقد ثبت أن تقنياته استخدمت في ترويج أكاذيب إضافية. فالشاحنات التي قالوا أنها مختبرات بيولوجية متنقلة لم يعثر عليها أبداً الجنرال (دايتون) الذي ذهب إلى هناك على رأس فرقة من ١٤٠٠ مفتشاً. والمواقع
стр. 678
التي قيل أنها مصدر للخطر (الكيماوي) على العالم أجمع اكتشفوا بعد الحرب أنها خاوية إلا من بعض الحطام والبراميل الفارغة. ولم تكن محاضرة (كولن باول) ذات الوسائط المتعددة أمام مجلس الأمن وأمام الملايين في العالم اجمع، متفردة في نوعها، فما أن بدأ عام ٢٠٠٣ م واقتربت ساعة الحقيقة حسب توقيت (بوش)، حتى كانت الآلة الإعلامية قد دارت بلا هوادة مستمدة وقودها من تصريحات رسمية صارخة لبوش وإدارته وحلفائه.
وفي ٢٤ سبتمبر ٢٠٠٢ م لم يتردد (توني بلير) أن يعلن أمام النواب في مجلس العموم البريطاني, أن العراق يملك أسلحة كيماوية وبيولوجية، وأن في إمكانه نشر صواريخه خلال ٤٥ دقيقة. وفي ٥ فبراير ٢٠٠٣ م كانت لهجة (ماريا ازنار) رئيس الوزراء الأسباني قاطعة, حين أكد أمام برلمانه: "نعلم جميعاً أن (صدام حسين) يملك أسلحة دمار شامل، كما نعلم جميعاً أن لديه أسلحة كيماوية". ولم يكن غريباً وسط طبول الحرب التي كانت دقاتها تعالت فعلاً أن تخرج أوروبا الجديدة مخدوعة بالضجيج الدعائي، أو متملقة باعتبارات السياسة، ببيان الثمانية الشهير في ٣٠ يناير ٢٠٠٣م، الذي يختصر الحملة في الشعار الذي ردده الجميع: (أسلحة الدمار الشامل العراقية تشكل تهديداً للأمن العام).
تاريخ الدولة الأمريكية العريق مع الأكاذيب والتضليل الإعلامي
(انياسيور رامونا) محرر الـ (لوموند ديبلوماتيك) استعرض في دراسة موثقة ومطولة, تاريخ الدولة الأمريكية العريق مع الأكاذيب والتضليل الإعلامي، مصدراً دراسته مقولة (جورج واشنطن) "إني افضل الموت على أن أنطق بكلام غير دقيق". ولكن يبدو أن زعماء الدولة الأمريكية لم يأخذوا بهذه النصيحة، وفضلوا عليها نصيحة (لينين) مؤسس الاتحاد السوفيتي المعروفة: "اكذب واكذب حتى يصدقك الناس"، غافلين عن المثل العربي الذي يقول: "إن حبل الكذب قصير، وأن للحقائق قوة ذاتية تمنحها القدرة على اجتياز حاجز الأكاذيب والإعلان عن نفسها في نهاية الأمر" (١).
стр. 679
ويحكي (رامونا) القصة المثيرة للتضليل الإعلامي، وكيفية نسج (الأكذوبة الكبرى) التي ارتبطت بحادث تدمير البارجة الأمريكية (ماين) في خليج هافانا عام ١٨٩٨ م، وهو ما اتخذ ذريعة كي تدخل أمريكا الحرب ضد أسبانيا, ولضم كوبا, وبورتريكو, والفلبين, وجزيرة جوام. وما حدث، أنه في ١٥ فبراير من ذلك العام تعرضت (ماين) لانفجار عنيف فغرقت البارجة في مرفأ هافانا وعليها ٢٦٠ رجلاً. وسرعان ما اتهمت الصحافة الأمريكية (المدعومة من رجال أعمال لهم استثمارات كبيرة في كوبا ويحلمون بطرد الأسبان منها) بأنهم دسوا لغماً تحت هيكل السفينة منددة ببربريتهم ومعسكرات الموت لديهم, وحتى بممارساتهم (كأكلة لحوم البشر) , وفي جو من الحماسة والهوس ومطالبة الصحافة بالثأر من الأسبان أعلن الرئيس (ويلم ماكمنلي) الحرب. وبعد ثلاثة عشر عاماً كاملة استنتجت لجنة تحقيق مستقلة أن وراء تدمير البارجة انفجاراً عرضياً وقع في حجرة المحركات. فالكذب الذي هو قديم ـ قدم البشرية ذاتها ـ يصبح خطيراً إذاً، عندما يكون معجوناً بأهواء الساسة الذين يملكون قرار الحرب. وبالأخص عندما يجلس هؤلاء على مقعد السيد الأوحد للعالم الجديد (١).
أمريكا تخفي خسائرها في العراق
لم يقف مسلسل أكاذيب الإدارة الأمريكية عند حد فبركة مسوغات الحرب على العراق، بل امتد إلى الحرب نفسها والمعلومات المضللة والكاذبة, التي كانت تذيعها على وسائل الإعلام، ولكن لما بدأت وسائل الإعلام تكشف هذه الأكاذيب والتضليل المتعمد، شنت الإدارة الأمريكية هجوماً كاسحاً على وسائل الإعلام والصحفيين وكل صوت حر سعى إلى قول الحقيقة، بل وصل الحد إلى اغتيال صحفيين وقصف مقراتهم. وهذا ليس غريباً من إدارة تتصرف كعصابة سطو مسلح، لا تتوانى عن استخدام أحط الوسائل وأحقرها للوصول إلى أهدافها الدنيئة. بل إن مسلسل الأكاذيب والتضليل والعنصرية وصل إلي أبعد حد من خلال إخفاء الحجم الحقيقي
стр. 680
للخسائر الأمريكية في العراق، واستخدام المرتزقة وحاملي (الغرين كارت) والسود كوقود للحرب لتضليل الرأي العام.
المرتزقة - قوات (غرين كارد)
كشفت مصادر في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) النقاب عن أن نحو ٤٠ ألف جندي من قواتها العاملة في العراق, إنما هم من المقيمين في الولايات المتحدة, ويحملون ألـ (غرين كارد) وليسوا من المواطنين الأميركيين. حيث يأمل هؤلاء الجنود ـ ومعظمهم من أصول لاتينيةـ عبر مشاركتهم في الحرب بتسريع إجراءات حصولهم على الجنسية. http://www.aljazeera.net/news/america/٢٠٠٣/٩/ - TOP
وقد دفعت هذه الأنباء النائب البريطاني (جورج غالاوي) المعروف بانتقاداته اللاذعة لغزو العراق واحتلاله لمهاجمة الولايات المتحدة, واتهامها باستخدام ما أسماها (قوات غرين كارد) , لتكون وقود حرب، حيث أشار (غالاوي) إلى أن استخدام الأقليات وغير المواطنين والطبقات السفلى بالمجتمع، جزء من تقاليد الولايات المتحدة ليكونوا في الخطوط الأمامية للجبهة بالحروب الأجنبية, التي تخوضها لضمان جزء من تقليد تستخدمه منذ فترة طويلة. وأوضح النائب البريطاني أنها سمة للحكومة, التي تستعمل (المهمشين) لخوض معركتها، حيث أن نسبة السود في الجيش كانت تشكل ٤٠%, بينما هم يشكلون ربع هذا العدد طبقا لكشوفات عدد سكان أميركا. كما أن الطبقات السفلى أصبحت تزداد الآن، وأصبح اللاتينيون أكثر من السود، وربما هذا يفسر حقيقة أن معظم القتلى في العراق يحملون أسماء لاتينية. وقال: "إنه شارك في برنامج إذاعي أميركي حيث كرر المتصلون بالبرنامج أقوالا تشير إلى أن السود واللاتينيين وقود حرب يأتي من خلفهم المتطوعون".
ويعتمد الجيش الأميركي على المتطوعين الذين يعود لهم الفضل في تحرير أبناء وبنات الذين يملكون الثروة, والمال, والنفوذ من الخدمة العسكرية. ويدافع البنتاغون عن هذا بقوله إنه لا يوجد قرار رسمي في الموضوع، لذا فإنه لا تمارس أي ضغوط على أي شخص للانضمام إلى الجيش. وحتى لو كان هناك قرار رسمي فإن صناع القرار يبقون بعيداً عن المشاكل، حسب (غالاوي) الذي قال: "إن أبناء البيض
стр. 681
من حكام أميركا بمن فيهم (جورج بوش) دائماً يجدون الطرق للالتفاف على القرارات" (١). وهنا يرى الكاتب (اناتول لييفين) أن النقص في الحماس لدى الجماهير الأمريكية من فكرة القيام بتضحيات مهمة من أجل الإمبراطورية ليس جديداً، حيث كانت الإمبراطوريات السابقة تجد وسائل أخرى للتعويض: إلى حدود الحرب العالمية الأولى كانت الإمبراطورية البريطانية تعتمد في الحفاظ على هيبتها بكلفة بخسة (في قسم كبير بفضل السكان المحليين) وهو ما يذكِّرنا بحالة الأمريكيين في أفغانستان بعد ٢٠٠١ م، وهي أيضا حالة العديد من الإمبراطوريات الأخرى، حيث أن "الحكومات الأوروبية الذكية كلما كان ذلك ممكناً كانت تلتجئ إلى متطوعين وإلى مرتزقة أجانب وليس إلى الجنود للقيام بحروب كولونيالية" (٢).
دول مرتزقة
لم تكتفِ أمريكيا بتجنيد جنود مرتزقة في جيشها، بل إنها تسعى إلى تحويل جيوش الدول الأخرى إلى جيوش من المرتزقة تحت مسميات (الحلفاء والقوات متعددة الجنسيات). وإذا كانت أمريكا تستخدم الاغراءات لتجنيد الجنود المرتزقة، فهي تفعل نفس الشيء مع الدول المرتزقة من خلال عقدها صفقات مشبوهة مع زعماء هذه الدول وقادتها، سواء عن طريق الرشاوى المالية, أو الضغوط السياسية والاقتصادية والمساعدات المالية (٣)، فأمريكا تريد خوض الحروب وكسبها بدون فقدان أي جندي من مواطنيها الأصليين (الانجلوسكسون) , ولهذا تستخدم الزنوج والمرتزقة في جيشها من ناحية، ومن ناحية أخرى تريد من الغير خوض الحروب عنها وتحت رايتها. ولهذا حاولت أمريكا جاهدة إقناع كثير من الدول للمشاركة في حربها على العراق كما حدث في حربها الأولى عام ١٩٩٠م، ولكن أغلب دول العالم رفضت ذلك إلا بعض دول ما أسمتها أمريكا بـ (أوروبا الجديدة) وبعض الدول الكرتونية من هنا
стр. 682
وهناك، بالإضافة إلى بعض عملائها الدائمين الذين قدموا خدمات اكثر من إرسال القوات، والذين كانوا يتحركون ويصرحون وفق سيناريوهات الإدارة الأمريكية. ونتيجة لإحجام دول رئيسة محترمة عن المشاركة في هذه الحرب، أجرت الولايات المتحدة مشاورات في مجلس الأمن, لاستقدام قوات متعددة الجنسيات إلى العراق. وتعكس الخطوة الأميركية أزمة حقيقية تواجهها إدارة بوش في ضوء خسائرها البشرية المتصاعدة في العراق والتي ألجأتها إلى عرض جزء من الكعكة في العراق على من كانت تريد معاقبته على معارضته الحرب (١).
البروباغاندا والتشويه الإعلامي في الحرب على العراق
لا يزال السجال بشأن دور الإعلام الغربي قبل وخلال وبعد الحرب على العراق على أشده. وربما جاز القول إن النقد الراهن لهذا الإعلام, الصادر عن مؤسسات ومؤلفين ومختصين غربيين, هو من أشد ما تعرض له هذا الإعلام خلال نصف القرن الأخير. ويأتي هذا النقد بعد التطور الهائل في وسائل الإعلام الغربي واختراقها لأسقف عالية, تسنمها موقع السلطة الرابعة في الديمقراطيات الحديثة، حيث هي الراصد والمراقب اليومي عن كثب لأداء السلطات الثلاث الأخرى. لكن هذا كله في وقت السلم، أما في وقت الحرب فإن هذا الإعلام يتردى ـ كما يبدو لمعظم المساهمين في كتاب (اكذب علي) ـ ليصبح مجرد ماكينة من الكذب تعيد إنتاج الخطاب الرسمي وتحتفي به. فهذا الكتاب يشكل صفعة قوية لأداء الإعلام الأميركي والبريطاني في الحرب على العراق, وهو وثيقة إدانة حقيقية. ويبدو أنه كلما بدأت المؤسسة الرسمية في الولايات المتحدة وبريطانيا تأمل بإغلاق ملف مبررات الحرب على العراق, تفاجأ بضربة جديدة تعيد فتح الملف من الصفحة الأولى, وهذا الكتاب ليس سوى إحداها.
الإعلام يؤيد التوسع الإمبريالي: وقف الكاتب البريطاني (جون بلجر) ضد الحرب دون هوادة, ويراها غطرسة إمبريالية أميركية تعكس عجرفة القوة, ولا علاقة لها بأي مسوغ من المسوغات التي سيقت لتبريرها. وهو يلحظ كيف انجرف الإعلام
стр. 683
وراء الشهوة الإمبريالية الإمبراطورية؟ , وعمل على جعل ما هو خارج عن نطاق التصور وكأنه أمر عادي، أمر عادي أن يدمر بلد وتنتهك سيادته, ويحتل دون قرار من مجلس الأمن, ويتم ذلك كله ضد رأي الغالبية الكاسحة من العالم. في خضم ذلك التمدد الإمبريالي يغدو تصنيع الرأي العام في البلدين, وفي العالم, وتهيئته للحرب, وتسويق مسوغاتها أمراً حيوياً. ولتحقيقه كانت المؤسسة الرسمية قد عمدت إلى ممارسة الكذب الصريح, وتشويه الحقائق عن طريق تضخيم صغيرها, وإغفال كبيرها, وأحياناً تخليق جديدها من الصفر. والتساؤل الذي يتوقف عنده (بلجر) وغيره كثيرون, هو إلى أي مدى يمكن للرأي العام في الغرب أن يمرر عمليات التسويغ تلك, ويقبل إغلاق ملف الحرب بالسرعة التي يأملها السياسيون (١).
الإعلام وإستراتيجية الحرب: في معمعمة عملية الحرب, احتل الإعلام موقع القلب, وكان أن نظر له باعتباره رديفا إستراتيجياً لا يمكن التعامل معه بخفة. لم يتم الاعتراف بمركزيته فقط في دعم المجهود الحربي, بل اعتبر جزءاً لا يتجزأ وأساسياً من ذلك المجهود. لذلك فإن محاكمات أداء ذلك الإعلام التي أعقبت قيام الحرب وانتهاء مرحلتها العسكرية المباشرة, توازت ـ ولا تزال تتوازى ـ مع المحاكمات التي تقام لإعادة النظر والتشكيك في الحرب نفسها, وبناء على الاعتبارات والذرائع التي شنت بسببها. لكن الانطباعات العامة التي ترددت في معظم بقاع العالم كانت تحوم حول اتهام مركزي موجه إلى الإعلام الغربي, أو بدقة أكثر الإعلام الأميركي والبريطاني والمتلفز منه على وجه التحديد, مفاده أن هذا الإعلام انحاز بتياراته الرئيسة إلى منطق الحرب, ولم يسأل القائمين عليها كما هي أصل مهمته: (المساءلة والتشكيك). بل عوض ذلك ضحى بالمهنية والموضوعية, داس على كل المدارس الإعلامية التي كان ريادياً في تكريسها في حقل الإعلام, وتمترس في خندق الحكومات.
كسر الاحتكار الإعلامي: في التغطية الإعلامية للحرب واستكمالا لفرادة تلك الحرب, اخترع البنتاغون فكرة (الصحفيين المرافقين) , الذي رافقوا وحدات الجيش,
стр. 684
وكانوا محكومين بتغطية تمليها عليهم الضرورات العسكرية وإستراتيجيتها، وقد بلغ عددهم أكثر من ٧٠٠ صحفي. ونتيجة لذلك فإن الرأي العام الأميركي والبريطاني رأى في البداية صورة زاهية عن الحرب وكأنها (ألعاب نارية). رأى حربا نظيفة ليس فيها قتلى, إذ كانت الصور الموحشة للحرب يتم التخلص منها من قبل الرقابة العسكرية, وهكذا لم ينقل الإعلام الأنغلوأميركي حقيقة الإصابات بين المدنيين والدمار الذي ألحق بالعراق. وفي المقابل كان المشاهدون في بقية دول العالم يرون صورة أخرى للحرب, فيها معاناة العراقيين وموتهم, والإهانات التي تعرضوا لها، وهي الصورة التي كانت الفضائيات العربية تنقلها إليهم. فقنوات الإعلام العربي ـ وخاصة قناة الجزيرة ـ تمكنت من كسر الاحتكار الغربي لتغطية الحرب, بخلاف ما حصل في حرب الخليج الأولى ١٩٩١م, عندما كانت CNN تنقل حصرياً صور القصف الجوي متوائمة مع الإستراتيجية الأميركية. فهنا, انتشرت تغطيات الجزيرة, وكانت تعتمد في تلفازات القارات جميعاً, من أميركا اللاتينية وأفريقيا إلى آسيا والصين. ولهذا فقد اعتبرت تلك التغطيات معادية وتصب ضد الحرب, وكانت النتيجة استهداف الجزيرة وضرب مكتبها في بغداد. لكن بالمجمل, فإنه ولأول مرة في تاريخ الحروب الحديثة, تمكن الناس العاديون في معظم بقاع العالم من متابعة وحشية الحرب على ما هي عليه من دون رتوش, وكما تحدث على الأرض. ولكن ذلك تم على حساب الصحفيين, حيث أن عدد الصحفيين الذين قتلوا في هذه الحرب فاق أي حرب أخرى, وهو عدد غير مسبوق, وهذا يدلل على أمر هام هو حجم الكذب الذي كان يراد له أن يمر دون انكشاف, حتى تظل أسطوانة (اكذب علي) هي السائدة (١).
الإعلام والحرب النفسية
في تحليل له تناول (مارك كيرتز) بشكل مركز مسألة تعزيز دور الإعلام الغربي في الحرب كآلة ضرورية لتطبيق الحرب النفسية, أي أنه تخلى تماماً عن دور المعلم الذي يكون همه اللحاق بالمعلومة والخبر والبحث عن الحقيقة. وهنا يرصد
стр. 685
(كيرتز) كيف كانت التلفازات الغربية تنقل أخبار انتصارات التحالف في الأيام الأولى, والانهيارات العراقية المتتالية رغم أنها لم تكن حقيقية, وكل ذلك بهدف تحطيم معنويات الخصم. وللإشارة إلى الأهمية الفائقة لدور الإعلام والدعاية, فإن نظرة واحدة إلى ميزانيات الدبلوماسية العامة لا تدع مجالا للشك, في أن مسألة الإعلام تقع في قلب الجهد الإستراتيجي الأميركي. فالميزانيات المرصودة من قبل البيت الأبيض لنشر وجهة النظر الأميركية, وتحسين صورة الولايات المتحدة في العالم, وخاصة الإسلامي منه, تزيد عن مليار دولار سنوياً. أما الميزانية المناظرة في بريطانيا فتبلغ نصف مليار دولار (١).
الإعلام بين الوطنية والموضوعية المهنية: تعتبر مسألة الموضوعية ونقل الأخبار كما هي من دون رتوش, وتحري الحقيقة ما أمكن، من أهم القضايا الإعلامية. صحيح أن الحقيقة هي أولى ضحايا الحروب كما يقال دوما, لكن هذه المقولة المعروفة يجب أن تدفع بالإعلام إلى محاولة كسر القيود, التي تفرض عليه للحيلولة دون الحقيقة, وليس للاستسلام لما تتضمنه. والمعلومات المتوفرة تدلل بالمعلومة والرقم والتسجيل, كيف أن محطات كبرى مثل (سي إن إن) , و (بي بي سي) و (فوكس نيوز) , و (سي بي إس) لم تبذل جهداً كافياً لاختراق الحصار الرسمي, ولتمحيص المقولات الرسمية المسوغة للحرب. وليس أدل على ذلك تسويق ما أسماه (ديفيد ميلر) (الكذبة الكبرى) , وهي ـ برأيه ـ تلك التي كانت تقول: إن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل, وبإمكانه أن يضعها قيد التنفيد خلال ٤٥ دقيقة. وهذا الزعم الذي ردده (توني بلير) و (جورج بوش) لم يخضع للمساءلة الحقيقية من قبل الإعلام, بل تم ترديده وكأنه مسلمة. ويذكر أن أسلحة الدمار الشامل العراقية المدعاة, وخطرها المزعوم على المدن الغربية, كان أهم عنصر من عناصر الدعاية للحرب والمؤثرة في الرأي العام البريطاني والأميركي.
وهناك قضية أخرى مهمة على قدر كبير من الخلافية, هي مدى وطنية أو مهنية وسائل الإعلام خلال الحرب. فالجدل الذي احتدم قبيل الحرب في أوساط
стр. 686
أميركية كثيرة, كان يدور حول هذه التقابلية. أي في ما إن كان مطلوباً من الإعلام أن يسير خلف الحكومة, ويدعم رأيها الأخير حتى وإن لم يكن ذلك الرأي هو الصواب, أم يلتزم بالمهنية والموضوعية, ويظل يخضع الرأي وما نتج عنه للنقاش والشك. ونشير هنا إلى أن الأمر حسم باكراً, وإلى أن توجيهات صدرت من أعلى مراكز صنع القرار في واشنطن, وأرسلت إلى أهم محطات التلفزة الأميركية, تطالبها بأن يكون موقفها وبثها الإعلامي خلال الحرب (وطنيا) ومنسجماً مع المصالح الإستراتيجية الأميركية. والغريب في الأمر أن تلك المحطات التزمت الأوامر بحذافيرها, وكأن الأمر يتم في دولة عالم ثالثة من طراز أول. طبعاً ليس في مقدور أي إدارة أميركية أن تصدر مثل هذه الأوامر من ناحية قانونية وتشريعية, لكنها رسمت حدوداً للوطنية والخيانة ما كان بإمكان أي شبكة إعلامية كبرى أن تتجرأ وتتخطاها حتى لا تتهم بأنها تضر بالمصلحة القومية العليا (١).
стр. 687
الفصل التاسع
تدمير حضارة العراق
غزو العراق بين هولاكو وبوش
عندما حرق (هولاكو) عواصم وأباد شعوبًا جاءت (عين جالوت) لتصيب قلب الشر وتخلعه من صفحات الزمان ممجدةً (قطز) الذي أنقذها من وحوش متدثرةً بملامح البشر. واليوم يدور التاريخ ليبني (بوش الابن) من هجمات سبتمبر المزعومة منصةَ القفز نحو حلم السيطرة، ويعلن (سوف أعلنها حربًا صليبية)، ولما راعه انفلات لسانه راح يُطلق على أمانيه صفة (العدالة المطلقة)، ثم عدّل وبدل مستعيرًا اسم إحدى الحملات الصليبية القديمة ليكون عنوانًا لصليبيته الجديدة على الإسلام (حملة النسر النبيل) (١).
وما بين هولاكو وبوش من فروقات في الزمن الا ان نظره متمعنه فيما جرى يكشف عن تشابه بل تطابق بين الحملتين الهمجيتين. فحينما دخل (هولاكو) بغداد في شهر صفر عام ٦٥٥ للهجرة، ١٢٥٨ للميلاد, قام جنوده باستباحة المدينة، فمارسوا القتل والسلب وارتكاب المنكرات، فقتلوا حوالي مليون مسلم من النساء والأطفال والشيوخ والبالغين، حتى كانت الميازيب تجري بدماء الناس ـ كما يقول ابن كثير في تاريخه ـ ثم ركزوا على تخريب القصور وإتلاف الكتب, التي كانت تعبر عن حضارة الأمة وثقافتها، حيث كانت بغداد آنذاك عاصمة الخلافة ومهد الحضارة ومدينة النور. وقد وصل حقد التتار إلى حد أنهم ملئوا نهر دجلة بالمخطوطات، ليجعلوا منها جسراً لعبور خيلهم إلى الضفة الأخرى من النهر، حتى أن مياه النهر تحولت إلى اللون الأسود بعد ما صبغها المداد الذي صيغت به المخطوطات. واستمروا على هذا الحال أربعين يوماً, وهذا ما جعل المؤرخ العريق (ابن الأثير) صاحب كتاب (الكامل في التاريخ) , يقول: "لقد بقيت عدة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فكنت أقدم رِجْلاً وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه
стр. 688
أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فياليت أمي لم تلدني، ويا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً" (١).
"وما حدث على يد (هولاكو) قبل حوالي ٧٤٥ عاماً في بغداد, يتكرر اليوم ولكن تحت رعاية (بوش) وجنوده، فقد استُبيحت ونُهبت ودُمرت متاحف بغداد, والموصل, وكركوك, والبصرة, وجامعاتها, ومكتباتها, وحضارة خمسة آلاف عام، وإذا كان (الطبري) و (ابن الأثير) و (ابن كثير) وعشرات آخرون من مؤرخي المسلمين قد أرخوا بألم وأسى لهجمة هولاكو، فلا ندري ما الذي سيسطره مؤرخو اليوم للأجيال القادمة عن حملة بوش، حيث تُستباح حضارة العراق وثقافته وتاريخه تحت سمع العالم وبصره؟ " (٢).
يقول المؤرخ المنغولي (بيرا) في إحدى المقابلات: "أن المغول اكتسحوا بغداد في أربعة أيام فقط وعاثوا فيها تدميراً وحرقاً, مما ترك المدينة دون ملامح, والسكان في غاية الرعب، ونهبوا الخزينة, وقتلوا ما بين ٢٠٠ ألف و٨٠٠ ألف. واستطاع الجنرالات المغول بث الرعب في الخليفة في بغداد بما أجبره على تسليم كنوزه, وتقديم ٧٠٠ أميرة هدية إلى المغول في مقابل النجاة بحياته". أما قوات التحالف الأميركية ففشلت في إثارة الرعب في عراق القرن الواحد والعشرين، فبعد اكتساحهم بغداد، بقي مغول القرن الثالث عشر الميلادي ينهبون المدينة لمدة سبعة عشر يوماً، أما في عراق القرن الواحد والعشرين فإن النهب والسلب قام به مرتزقة بإشراف ومباركة القوات الأمريكية. ومن المفارقات الغريبة كما يقول الخبير التاريخي (ميكل كون) إلى أن العراق تعرض لحملتين من كل من المغول والأميركيين. والفترة الفاصلة بين الهجومين المغوليين استمرت ١٣ سنة عانت بغداد خلالها من الفيضانات التي أضعفتها، كما فصلت بين الهجومين الأميركيين ١٢سنة تخللتها عقوبات اقتصادية أنهكت العراق" (٣).
стр. 689
ويصل التشابه بين الحملتين ذروته بمقارنه أسباب سقوط بغداد في الحملتين، حيث يرجع كبار مؤرخي ذلك العصر هزيمة الخليفة (المستعصم) أمام المغول إلى عدم الإعداد، وإلى الصراعات الطائفية المريرة بين قادة الشيعة والسنة. فيزعم بعضهم أن حاكم الموصل، والوزير العلقمي (وزير البلاط الأكبر) , وكان شيعياً، قد خانا البلاد، حرفياً، وخدعا حاكمهم لصالح المغول. ويتهم ابن الأثير الوزير بأنه أشار على الخليفة بأن يقلل من حجم الجيش بحيث لم يتبق سوى عشرة آلاف جندي للدفاع عن المدينة في مواجهة مأتي ألف من فرسان المغول. ويشير آخرون بأصابع الاتهام إلى الأكراد الذين كانوا قد دعموا حملة مغولية سابقة (١). واعتقد أنه لا حاجه بنا إلى التأكيد إلى أن نفس الخيانة والتآمر من الشيعة والأكراد, حصل خلال حملة بوش الجديدة طمعاً في تحقيق أطماع طائفية ضيقه، وليذهب بقية العراقيين إلى الجحيم.
بل إن قراءة المفردات المستعملة في خطب وتصريحات الرئيس (بوش) حول قوة أميركا العسكرية, وحول التهديدات الموجهة إلى الرئيس العراقي (صدام حسين) تشبه إلى حد بعيد المفردات التي استعملها (هولاكو) في القرن الثالث عشر الميلادي في رسالة الإنذار التي وجهها إلى الملك (قطز) ملك مصر في عهد المماليك, في تلك الرسالة, قال هولاكو: "إنا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غضبه، فلكم بجميع البلاد معتبر، وعن عزمنا مزدجر، فاتعظوا بغيركم، واسلموا إلينا أمركم، قبل أن ينكشف الغطاء وتندموا على الأخطاء، فنحن لا نرحم من بكى، ولا نرق لمن اشتكى، وقد سمعتم أننا فتحنا البلاد، وطهرنا الأرض من الفساد، وقتلنا معظم العباد. فعليكم بالهرب, وعلينا بالطلب, فأي أرض تأويكم؟ وأي طريق ينجيكم؟ وأي بلاد تحميكم؟ فما من سيوفنا خلاص، وما من مهابتنا مناص، فخيولنا سوابق, وسهامنا خوارق, وسيوفنا صواعق, وقلوبنا كالجبال، وأعدادنا كالرمال، فالحصون لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يسمع .. " (٢).
стр. 690
وقبل أن يصدر (رمزى كلارك) وزير العدل السابق كتابه عن جرائم أمريكا ضد الإنسانية في حربها على العراق، كانت الفرقة الجوية القتالية السابعة والسبعون, قد أنتجت ووزعت كتاب أناشيد تصف فيه ما ستفعله الفرقة في الخليج، وتنذر هذا (المتوحش القميء .. (خذن الأفاعي) بأن يستعد للإبادة فيما ينتهي أحد هذه الأناشيد بخاتمة تقول: "الله يخلق, أما نحن فنحرق الجثث". والكتاب كما يصفه (كريستوفر هيتشنس) في The Nation خليط من السادية والفحش، ومعظمه تشنيع وتشهير وشتائم بذيئة للعرب والمسلمين, باعتبار أنهم أعراق منحطة, و (حشرات) و (جرذان) و (أفاع)، وهي بذاءات مقتبسه بالتأكيد من كتاب (حياة محمد) (لجورج بوش) (الجد الأكبر ١٧٩٦ - ١٨٥٩) الذي يضم أشنع ما كتب عن العرب والمسلمين والنبي محمد في الولايات المتحدة، وقد اعترف (نورمن شوارزكوف) في عدة مقابلات تلفزيونية, بأنه كان يريدها معركة فناء وأشار إلى أنه كان يخطط لأن تكون على شكل معركة (كاناي) القرطاجية, التي يطلق على موقعها اليوم اسم (حقل الدم) , ومن يدري ما ستكشف عنه وثائق هذه الحرب وما تلاها من حصار, حين ترفع السرية الكاملة عنهما يوماً, يتطاير فيه الريش مع رؤوس من تبقى من هذا الجنس اللعين" (١).
فهولاكو لم يترك سلاحاً إلاّ وأستخدمه في سبيل إركاع العراقيين الذين كانوا يتصدون له, فبقر البطون وقطع الرقاب وجزّ الرؤوس و أحرق الأجساد, كما قسمّ الجغرافيا العراقيّة إلى قسمين المنطقة الجنوبية و كانت تابعة لبغداد والمنطقة الشماليّة وكانت تابعة للموصل و عينّ على رأس المنطقتين حاكمين مغوليين بمساعدة تركمان من الدول المجاورة للعراق - وما أشبه الليلة بالبارحة.
بقى ان نشير إلى ان القائد المغولي هولاكو هو حفيد الطاغيّة المعروف (جنكيزخان) - مع الإشارة إلى أنّ جنكيزخان كان له شأن مع العراق تماماً كما كان جورج بوش الأب الرئيس الأمريكي الأسبق قائد الحلفاء ضد العراق في أزمة الخليج الثانيّة. و ها هو إبنه جورج بوش الإبن يكمل مسيرة أبيه تماماً كما أكمل هولاكو مسيرة أبيه جنكيزخان - وقد زحف هولاكو غرباً بإتجاه بغداد وقتل عندما وصل إلى بغداد الخليفة العباسي المعتصم وأستولى على قصره وقتل كل رجاله و بعد أن
стр. 691
أستتبّ له الأمر في العراق توجّه إلى سورية وغزا حلب وقتل رجال حلب الأشاوس الذين تصدوا له - مع الإشارة هنا إلى أنّ بوش الإبن وجه تهديده لسوريا في وقت سابق, ويهدف إلى إضعاف سورية بدولة عراقية متأمركة ودولة الكيان الصهيوني و عندما تصبح سوريا بين فكي الكماشة الأمريكية يسهل الإجهاز عليها حسب إستراتيجيي البنتاغون - ولولا ظهور السلطان قطز الذي لقنّ المغول درسا مؤلماً وألحق بهم هزيمة نكراء لوصل هولاكو إلى مصر, تماماً كما رددّ إستراتيجيو البنتاغون أنّ العراق تكتيك وإستراتيجيتنا السعودية ومصر، ولكن يبدو أنّ هولاكو المعاصر قرأ بدايات هولاكو القديم ولم يقرأ مصيره ونهايته, و على الباغي تدو الدوائر" (١).
مقارنه بين غزو التتار والمغول لبغداد , والغزو الأمريكي البريطاني الحالي (٢)
المغول - التتار ... أمريكا
سبق للمغول اجتياح مملكة خوارزم في طريقهم لبغداد. ... سبق للأمريكان اجتياح أفغانستان في طريقهم إلى العراق.
تحالف المغول والتتار في حربهم على بغداد. ... تحالف أمريكا وبريطانيا في حربها على العراق.
حصار بغداد من الشرق والغرب. ... حصار بغداد من الغرب والشرق.
بدأ غزو بغداد - الخلافة ١٦ محرم سنة ٦٥٦هـ. ... بدأ غزو العراق ١٦ محرم.
دخول بغداد ٧ صفر. ... دخول بغداد ٧ صفر.
انهيار المقاومة ودخول بغداد يوم الأربعاء. ... انهيار المقاومة ودخول بغداد يوم الأربعاء.
стр. 692
مدة الغزو ٢١ يوماً حتى سقوط بغداد - الخلافة. ... مدة الغزو ٢١ يوماً حتى سقوط بغداد - العراق.
تفوق عسكري هائل. ... تفوق عسكري هائل.
تنازع بين السنة والشيعة أدى إلى ضعف الخلافة. ... تنازع بين الطوائف أدي لضعف الدولة.
استباح المغول والتتار بغداد مع قوم جاءوا من عدة أنحاء سلباً ونهباً, وحرق لمكتباتها وضياع العلوم وسفك الدماء وقتل الرجال والشيوخ والأطفال والنساء. ... استباح الأمريكان العراق مع عملاء لهم سلب ونهب, وحرق المكتبات, والمؤسسات, والعلوم, والمتاحف, وسفك الدماء, وقتل الرجال, والشيوخ, والأطفال, والنساء.
تآمر ابن العلقمي والعقربيين وقومه مع المغول والتتار, وحرضوهم على غزو بغداد وزينوا لهم ذلك. ... وكذلك فعلت الشيعة العراقية مع الأمريكان من تحريض على غزو العراق وزينوا لهم ذلك.
توقف الناس خوفاً من أداء صلاة الجمعة في أول جمعة. ... توقف الناس خوفاً من أداء صلاة الجمعة في أول جمعة.
استولى المغول والتتار على أموال طائلة من الخلافة العباسية. ... استولت أمريكا على آبار النفط وثروات العراق الطائلة.
واصل المغول والتتار زحفهم نحو الشام لغزوها. ... تهديد أمريكا لسوريا بالغزو.
بعد سنتين في رمضان سنة ٦٥٨هـ خسر المغول والتتار في الشام كل شيء من هيبة, وتفوقهم العسكري في معركة عين جالوت في معركة كاسحة على أيدي المسلمين من الجيش المصري وما تبقى من جيش الشام والمتطوعين. ... نحن واثقين في أن الله سيضرب أمريكا ضربة قاضية ويسلط جنده لاكتساح تفوقها العسكري وهيبتها, وإفشال مخططاتها في حربها على الإسلام - فمتى تكون عين جالوت المعاصرة ... !؟
стр. 693
تدمير حضارة العراق
تقول كاتبة غربية: "إنه ليس من الممكن أن ترمى قنبلة على العراق دون أن تصيب مكانا أثريا. ولئن صدقت في كلامها, فعلينا أن نمسح دموعنا دائما على الموروث الحضاري الكبير, خصوصاً إذا عرفنا أنه في بغداد ينتصب أقدم قوس حجري في العالم، ويعد العراق من أثرى مناطق العالم أثرياً، ففيه بدأت الحضارة قبل حوالي ستة آلاف عام, وفيه ظهرت الكتابة المسمارية, كما تطورت فيه الرياضيات, وعلم الفلك, وتم اختراع العجلة. وفي منطقة (أور) الجنوبية, ولد النبي إبراهيم ﵇ وشيدت أولى الأحجار هناك, كما وضعت في بقايا عاصمة الإمبراطورية البابلية على يد ملوك مثل (نبوخذ نصر) و (حمورابي) أولى القوانين, بالإضافة إلى أن الآشوريين, والسومريين, والأكديين, تركوا بصماتهم في تلك المنطقة" (١).
وبالرغم من هذه القيمة الكبيرة للآثار العراقية, وأهميتها للحضارة الإنسانية، فقد مثل ما حدث من نهب, وسلب, وتدمير لهذه الآثار مأساة عظمى ليس للعراق فقط، بل للحضارة الإنسانية. وهنا يصف الفنان التشكيلي العراقي (نداء كاظم) الذي كان شاهداً على ما حدث من تخريب وحرق وهدم وسرقة للمتحف الوطني في بغداد, ولكثير من المكتبات منها، المكتبة الوطنية التي نُهبت وحُرقت, فيقول: "بدأ النهب والسلب, وحرق كل مظاهر الحضارة والثقافة، وذلك بأيدي خفية ومنظمة ومدفوعة، الفوضويون يسرقون المواد والحلي وما شاكل ذلك، أما الذين يسرقون الفكر ويحرقوه ويدمروه فهذه مسألة أخرى. لقد سُرق المتحف الوطني والأعمال التي لم يستطيعوا سرقتها بدءوا يهشمونها، ثم سُرقت المكتبة الوطنية، وفي الليل حُرقت، ودخلها ناس متسترين وحرقوها، وسُرقت مكتبة الوثائق والمخطوطات وحُرقت، وسُرقت مكتبة الأوقاف، وهذه من أهم المكتبات النفيسة، وحُرقت ـ أيضاً ـ .. إن عملية حرق بغداد منظمة .. منظمة وورائها ناس من خارج البلد .. حُرق مركز صدام
стр. 694
للفنون، وسُرقت كل الأعمال الفنية، أعمال (فايق, وجواد) والفنانين الآخرين، والأعمال التي لم يستطيعوا سرقتها هشموها وحرقوها".
ويصف (د. هاشم يحيى الملاح) - أستاذ التاريخ في جامعة الموصل- ما حدث من نهب وسلب في الموصل, فيقول: "في الحقيقة, في الليل هجمت مجموعة على متحف الحضارة في الموصل، وكانت الآثار مخزنة في أماكن حصينة، فقام هؤلاء المخربون بتحطيم جدران هذه الغرف الحصينة، وقاموا بسرقة الآثار الموجودة فيها. أما جامعة الموصل, فقد دخلت مجموعة من المخربين جامعة الموصل, وسرقوا كل ما فيها من سيارات كخطوة أولى, ثم بدءوا بسرقة مباني الجامعة, فسرقوا المختبرات والمكتبات، ثم أخذوا يسرقون الأثاث، وقاموا بتشجيع الغوغاء على دخول الجامعة .. حيث لم يبقَ في الجامعة شيء .. الحقيقة هاجموا مكتبة الجامعة, وحطموا أجزاء كبيرة منها, وسرقوا منها الكتب, وكذلك دخلوا إلى مكتبات الكليات, وفعلوا مثل ذلك .. لقد أصبحت الجامعة خراباً" (١).
أما السيدة (نبيهة الأمين) مديرة المتحف الوطني العراقي فقد ذكرت: "أن عدد التحف الأثرية والتاريخية, التي سرقت أو دُمرت في المتحف الوطني العراقي, تصل إلى ١٧٠ ألف قطعة أثرية تغطي تاريخ خمسة آلاف عام من تاريخ العراق". وحول ما تشكله هذه الآثار والتحف، من قيمة إنسانية قال (د. طالب البغدادي) الخبير في الآثار والتحف: "نعم، والله أرجو من الله أن يساعدني في أن أقدر أتكلم, بعد أن سمعت ـ خصوصاً ـ الأخ نداء، وتحية له كيف صبر؟ وكيف تجرأ على أن يذكر هذه الحقائق المؤلمة والمبكية والمحزنة، حاولت أن أبتعد عن العواطف، .. حينما ذكرت السيدة (نبيهة الأمين) - مديرة المتحف الوطني العراقي- أن عدد التحف الأثرية والتاريخية التي سرقت أو دُمرت في المتحف الوطني العراقي تصل إلى ١٧٠ ألف قطعة أثرية, تغطي تاريخ خمسة آلاف عام من تاريخ العراق، العدد لا يهمني، بقدر ما يهمني ما تحتويه هذه المؤسسات، وما يحتويه المتحف العراقي ... كل المحتويات فيها نفيسة، ولكن أنفس المحتويات في قناعتي أنك تجد في هذا المتحف كيف استطاع الإنسان
стр. 695
أن يخترع الكتابة ولأول مرة في الكون؟ ويقدم للبشرية كيف يُكتب الفكر وكيف تُنقل الفكرة على الطين وعلى الرُقم الطينية السومرية؟! ".
"تجد في هذا المتحف أول قيثارة صنعها الإنسان في التاريخ برأس العجل الذهبي المثبت عليها، تجد في هذا المتحف ملحمة (جلجامش) , وهي مسطرة ومكتوبة ومحفورة على لوحات من الرخام، ملحمة جلجامش ماذا تعني؟ تعني فكر كامل يناقش إلى حد اليوم .. فكرة الموت والحياة، فكرة الخلود والفناء، فكرة صراع الإنسان مع الطبيعة, الذي يؤدي إلى التطور الحضاري، في الرُّقم الطينية في المتحف العراقي, تجد شرائع (أورنمو) و هي أقدم من شرائع (حمورابي) بحوالي ألفي سنة، وتجد ما تجد، هذه هي القيمة الإنسانية الموجودة في هذا المتحف، تجد في هذا المتحف أول مولِّد عرفه الإنسان على ما أتذكر ٢٥ وات كهربائي تكتشفه الحضارة العراقية قبل آلاف السنين، تجد المعادلات الرياضية في الزمن البابلي, تجد مكتبة (آشور بانيبال) الملكية التي تحوي على آلاف مؤلفة من اللوحات المرمرية والمنحوتة، أنا لا أتكلم عن التماثيل، أتكلم عن ما تحتويه من فكر, عما تحتويه من أشياء ساهمت في تطور الإنسانية, وفي قناعتي في .. في تطور الكون بأكمله" (١).
ثم لخص (د. هاشم يحيى) الملاح ما حدث بقوله: "في الحقيقة, إن ما حصل هو تعريض لجهود هيئات علمية كبيرة, بدأت نشاطها منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، هذه البعثات الأثرية, التي قامت بالتنقيب في كل جزء من أجزاء العراق، ساهم فيها آثاريون فرنسيون وإنجليز وأميركان وعراقيين وآخرون، لقد بُذلت جهود جبارة في جمع هذه الآثار, وساهمت هذه الآثار في التعرف على نقاط غامضة من تاريخ الإنسانية، وتاريخ العراق وتاريخ المنطقة العربية، إن ما حصل هو نكبة ليس للعراق وحده, وإنما هي نكبة للإنسانية كلها, ولكل الجهود الحضارية التي بذلت من أجل زيادة معرفتنا بتاريخ الإنسان على هذه الأرض" (٢).
стр. 696
تحذيرات قبل الحرب
يقول خبراء الآثار: "إن المتاحف العراقية تعرضت لثلاثة أنواع مختلفة من السرقة، وهي أعمال التخريب والنهب الفردية، وسرقات لقطع أثرية محددة بتكليف من عصابات إجرامية، إضافة لما وصفوه بأعمال تخريب ثقافي متعمد بدوافع دينية أو سياسية. ولكن أهم عمليات السطو التي تعرضت لها المواقع الأثرية في العراق, تتمثل في هجوم قام به مائتي مسلح بمدافع رشاشة على مدينة نمرود الأثرية ومتحفها في نينوى شمال بغداد ونهب محتوياتها, وتقطيع تمثال ثور ذي جناحين في موقع شورباك بالمحافظة ذاتها.
ورغم تحذيرات عدة جهات من نقابات ومؤسسات من أن وضع الآثار العراقية لا يسر في حالة الحرب, ومطالبتهم بحمايتها خاصة من قبل اليونسكو, التي أصدرت بياناً في بداية العمليات العسكرية طالب فيه أمينها العام بالمحافظة على المواقع الأثرية من التدمير والنهب, فإننا شاهدنا متحف بغداد الأثري تصله أيدي لصوص الحضارات والتاريخ. وهنا يقول (جيريمي بلاك) المتخصص في الآثار العراقية في جامعة أوكسفورد: "لقد تم تنبيههم -أي الأمريكيين ـ إلى ذلك وكان من الممكن تفادي ما حدث", مشيراً إلى استقبال مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية علماء آثار أميركيين, جاءوا لتنبيه المسؤولين العسكريين من احتمال تعرض المواقع الأثرية للنهب, وحددوا نحو خمسة آلاف موقع أثري تحتاج إلى الحماية. كما قام (جيسون ماكجير) ـ وهو عالم آثار من جامعة شيكاغو ـ بإطلاع القادة العسكريين الأميركيين على الأهمية التاريخية للعراق, حيث أبلغ العلماء أن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) ستعمل على تشكيل مجموعة عمل لدراسة مشكلة التعرض المحتمل لهذه الآثار للتدمير (١).
كما شدد المجلس الأعلى للآثار بمصر على أهمية الحفاظ على التراث الحضاري العراقي في خضم الحرب الدائرة هناك, باعتباره تراثاً عالمياً، وحملت اللجنة الدائمة للآثار المصرية الولايات المتحدة وبريطانيا مسؤولية الحفاظ على الممتلكات الثقافية العراقية, تنفيذاً لاتفاقية لاهاي الصادرة عام ١٩٥٤ م واتفاقية
стр. 697
التراث العالمي الصادرة في باريس عام ١٩٧٢م بشأن حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة. ولكن خبراء الآثار أصيبوا بالقلق حينما وجدوا أن الولايات المتحدة وبريطانيا لم تصدقا على معاهدة لاهاي لعام ١٩٥٣م, التي تلزم الأطراف الموقعة عدم مهاجمة المناطق الحضارية أثناء الحروب إلا إذا كان هناك وجود لمنشآت عسكرية. ولهذا طالبت اللجنة في بيان أصدرته قبل الحرب الولايات المتحدة وبريطانيا بالإمتناع عن قصف الأهداف العراقية المدنية, خاصة المنشآت والمواقع والمتاحف الأثرية والتاريخية, حيث نبه البيان إلى أن استخدام القنابل ذات القدرات التدميرية الهائلة, التي تخترق باطن الأرض, من شأنه تدمير الآثار المدفونة تحت سطح الأرض التي لم تكتشف بعد. وأشار البيان إلى المخاطر التي تهدد متحف بغداد الأثري الذي يضم حوالي ١٠٠ ألف قطعة أثرية من كنوز الحضارات العراقية المتعاقبة منذ ما قبل التاريخ, وحتى الألف الأول الميلادي. وأهابت اللجنة بالمنظمات الدولية كالأمم المتحدة واليونسكو والمنظمات غير الحكومية للتدخل الفوري, لوقف عمليات القصف واتخاذ الخطوات (١).
كما بعث مدير عام اليونسكو إلى السيد (كوفي عنان) رسالة في شهر نوفمبر ٢٠٠٢ م أبلغه بأهمية التراث الثقافي العراقي, وضرورة المحافظة عليه، وعندما بات وقوع الحرب وشيكاً بعتت اليونيسكو رسالة إلى السلطات الأميركية بينت فيها خارطة المواقع الأثرية والتاريخية, وقائمة المتاحف العراقية المعروفة لدى المنظمة الدولية للمتاحف. حيث رد على الرسالة الميجور (فارولا) من الجيش الأميركي وقال: "إن السلطات الأميركية ستأخذ الإجراءات اللازمة، ولكن في أرض الواقع (٢). وطبعاً أخذت الإجراءات اللازمة، كما رأى الناس كلهم على شاشات التلفزة الجنود الأميركيين يقفون, والناس تنهب وتسرق كل شيء، حيث علق وزير الدفاع الأميركي (رامسفيلد) على ذلك بقوله: "إن ما حدث في العراق يتحمل مسؤوليته النظام الديكتاتوري التسلطي الذي كان قائماً هناك". أما (بول وولفويتس) نائب وزير الدفاع الأميركي
стр. 698
فقد كان له وصف مميز لما حدث من عمليات سلب ونهب في بغداد، حيث قال: "إن عمليات النهب والسطو في بغداد وكركوك والموصل هي تعبير عن الحرية؟ " http://www.aljazeera.net/programs/backstage_events/٢٠٠٣/٤/ - TOP.
الأمريكيون .. متفرجون أم متواطئون ؟
في الندوة التي نظمتها قناة الجزيرة حول الآثار العراقية سأل (أحمد منصور) أحد ضيوفه بقوله: "هل تعتقد أن تدمير هذه الحضارة بهذا التاريخ وبهذه العراقة وبهذه الموروثات كان تدميراً متعمداً؟ ". فرد (د. طالب البغدادي) قائلاً: "بالتأكيد .. بالتأكيد متعمد". وكرر أحمد منصور سؤاله للأستاذ (نداء كاظم) بقوله: "هل تعتقد حرق المكتبة الوطنية التي تحوي أهم الوثائق الرسمية في تاريخ العراق، نهب وحرق المتحف الوطني العراقي الذي يحوي حضارة الإنسانية لأكثر من خمسة آلاف عام، المكتبات التي ذكرتها، مكتبة الأوقاف بمخطوطاتها وبما تحتويه من آثار, ودار الوثائق, وغيرها من عشرات المكتبات, والمراكز الثقافية الأخرى؟ هل نهب هذه الأشياء وحرقها، تم من أناس فوضويين عاديين, أم أن هذا الشيء كان منظماً ومرتباً, ومن يقف وراءه؟ ". فأجاب (نداء كاظم) قائلاً: "منظم .. منظم أستاذ. هذا منظم تنظيم جيد، وهذا التنظيم مُسبق التنظيم".
وحول ما إذا كان الأميركيون مسؤولين عما حدث قال (د. هاشم يحيى الملاح): "نعم .. نعم، هم المسؤولون بلا شك، كانوا يستطيعون أن يحموا كل هذه المراكز، مثلما حموا وزارة النفط، ومثلما حموا المراكز التي هم يقصدوها، ليش حموها؟ ليش المركز الثقافي ما يقدرون يحموه؟! المكتبة الوطنية ما يقدرون يحموها؟! ". كما اتهم مستشار وزير الثقافة العراقي السابق (مؤيد سعيد الدمرجي) القوات الأميركية بالسماح للصوص بنهب متحف بغداد, ودعا الولايات المتحدة والأمم المتحدة إلى إنقاذ الثروة الأثرية في البلاد. وقال (الدمرجي): "إن الدبابات الأميركية كانت تقف أمام الباب الرئيس للمتحف الوطني العراقي, عندما دخل اللصوص إلى المتحف من باب آخر على مسافة قصيرة منها, ولم يتحرك الأميركيون". وأضاف (الدمرجي) وهو أستاذ علم الآثار في جامعة بغداد: "توجهنا إلى الجنود وطلبنا منهم المساعدة, فقالوا لنا: إنهم لم يتلقوا الأمر بالتدخل"، موضحاً أن اللصوص دخلوا كل القاعات دون
стр. 699
استثناء, وحتى إلى المستودعات تحت الأرض ودمروا كل ما كان حجمه كبيراً جداً ولا يمكن حمله.
وأعلن رئيس قسم الآثار في العراق (جابر خليل إبراهيم) أن الضباط الأميركيين الذين زارهم في مقرهم العام بفندق فلسطين في وسط بغداد, وعدوه بحماية الآثار، وقال: "لقد مضى على ذلك ثلاثة أيام ولم يحصل شيء، وعدوا بإرسال دبابات وقوات ولا نزال ننتظر". كما أكد ذلك حارس المتحف (محسن كاظم) بقوله: "إنه طلب من القوات الأميركية قبل نهب المتحف بيوم ـولم يكن قد اقترب شخص واحد من المتحف ـ طلب منهم أن يحموا المتحف, ولو بجنديين فقط، ولكنهم رفضوا، وفي اليوم التالي تدفق اللصوص والفوضويون إلى المتحف, وقاموا ونهبوا محتوياته دون أن يفلح حارس واحد, طبعاً غير مسلح في أن يمنع الناس منه (١). http://www.aljazeera.net/programs/backstage_events/٢٠٠٣/٤/ - TOP
إدانة عالمية لوقوع الآثار في العراق بين أيدي لصوص الحضارات !!
أثار تدمير ونهب المتحف الوطني استنكاراً دولياً وتعبئة واسعة من أجل منع تشتيت هذا التراث, الذي يمثل ذاكرة البشرية. وقال مدير بعثات الآثار الأميركية في العراق (ماكغاير غيبسون): "علمنا للتو أن متحف تاريخ العراق الذي يعتبر من (المواقع) الأكثر أمناً تعرض للنهب". حيث: "إن متحف الآثار في بغداد نهب على دفعتين, الأولى ليلاً من قبل عصابات منظمة استفادت من التسهيلات للوصول إلى المحفوظات، حيث تخزن أجمل القطع, والثانية: أكثر عفوية من قبل أناس غاضبين بسبب ظروفهم المعيشية التعيسة. وأضاف (غيبسون): "نعلم أن مجموعة الألواح المسمارية المصنوعة من الطين, والبالغ عددها ٨٠ ألفا فقدت من متحف الآثار في بغداد, كما فقدت القطع الصغيرة من متحف الموصل والتي كانت وضعت في مأمن في بغداد". وتحدث ـ أيضاً ـ عن فقدان التماثيل الكبرى لموقع الحضر (في الشمال) , التي أدرجت على لائحة التراث العالمي لليونسكو. وتابع أنه تم إحراق مجموعات عديدة لمخطوطات الأرشيفات الوطنية, بينها جميع أحكام المحاكم الإسلامية منذ
стр. 700
القرن السادس عشر الميلادي، كما تحولت مكتبة القرآن في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية إلى رماد وكذلك المكتبة الوطنية".
ومن الجدير بالذكر أن ثلاثين خبيراً دولياً من الأخصائيين في تراث الشرق الأوسط وآثاره, أعربوا عن صدمتهم الشديدة من الأضرار الخطيرة وعمليات النهب التي لحقت بالتراث العراقي الثقافي, عقب سقوط نظام صدام حسين. ونشر الخبراء في مؤتمر صحفي عقد بمقر اليونسكو في باريس, لائحة مطالب موجهة إلى كل المسؤولين عن الحفاظ على النظام لإعادة القطع الثقافية المسروقة, أو التي تم تصديرها بطريقة غير شرعية من العراق. كما اتهم علماء آثار بريطانيون القوات الأميركية والبريطانية بإهمال حماية المتاحف, والمواقع الأثرية, مقابل حرصها على تأمين حقول النفط, وأبدوا أسفهم الشديد لضياع آثار عراقية لا تقدر بثمن. ويقول (ألكس هنت) الباحث والأمين على الآثار في مجلس الآثار البريطانية في يورك ـ شمالي بريطانيا: "إن حماية وزارة النفط وإهمال حماية متحف الآثار في بغداد يعكس موقف التحالف من التراث الثقافي". كما نشر عدد من علماء الآثار المعروفين مقالاً في صحيفة غارديان البريطانية, شجبوا فيه موقف المتفرج الذي وقفته القوات الأميركية والبريطانية من أعمال النهب, التي استهدفت الآثار والأعمال الفنية لا سيما في مدينة الموصل والبصرة وبغداد. وعبر علماء الآثار عن استيائهم إزاء الضغوط التي مورست في الولايات المتحدة بهدف تخفيف القوانين الهادفة إلى حماية الإرث الثقافي العراقي, والتي تحظر بيع أعمال فنية في الخارج بحجة أن هذه القطع ستكون في مأمن في الولايات المتحدة, الأمر الذي قال عنه (ألكس هنت): "إنها الإمبريالية الثقافية بعينها".
وإزاء هذا الموقف اللامسئول والهمجي للقوات الغازية إزاء ثروات العراق وحضارته، قدم ثلاثة من المستشارين الثقافيين للرئيس الأمريكي (جورج بوش)، استقالاتهم من مناصبهم احتجاجاً على فشل القوات الأمريكية في منع نهب متحف بغداد. وقال أحد المستشارين واسمه (ريتشارد لانيير): "إن الولايات المتحدة تعرف ثمن النفط ولكنها لا تعرف قيمة الآثار التاريخية". وأضاف "إن الجنود الأمريكيين أظهروا لامبالاة تامة حيال التراث الثقافي للعراق". أما رئيس اللجنة الاستشارية
стр. 701
للبيت الأبيض للشؤون الثقافية (مارتن ساليفن) فقد استقال يوم ١٤ أبريل ٢٠٠٣، معتبراً أن نهب متحف بغداد كان مأساة يمكن توقعها ومنعها، وفي ذلك إشارة مباشرة على تواطؤ متعمد من قبل القوات الأمريكية لنهب وتدمير الآثار العراقية.
أيد إسرائيلية
هناك سؤال مهم طرحه (أحمد منصور) على ضيوفه في الندوة المشار إليها فقال: "ما هي مصلحة الولايات المتحدة وهي دولة كل حضارتها ٣٠٠ سنة تقريباً، ما هي مصلحتها في أن تدمر حضارة العراق وثقافتها وتاريخها الذي يمتد إلى خمسة آلاف سنه؟ ما هي مصلحة الولايات المتحدة في ذلك؟ ". فاجاب على ذلك (د. طالب البغدادي) موضحاً أن ذلك في مصلحة إسرائيل وأمريكا حيث قال: "والله لمصلحة الطرفين مثل ما قلنا، لمصلحة أمريكا في أهداف معينة، ولمصلحة إسرائيل في أهداف أخرى ... لمصلحة أمريكا أنها حطمت ودمرت بغداد, التي يعتبرها كل العرب العاصمة الثقافية تاريخياً للأمة العربية, وكذلك للأمة الإسلامية بشكل عام، وهذا معروف وما أريد الإسهاب به".
فرد عليه (أحمد منصور) قائلاً: "هناك اتهامات يا دكتور لأيدٍ خارجية في الموضوع، وهناك بعض التقارير ألمحت إلى وجود أيدٍ إسرائيلية من وراء هذا الأمر، على اعتبار وجود ثروة من التاريخ، كما تسعى إسرائيل إلى تغيير هوية وتاريخ فلسطين، يُقال ـ أيضاً ـ إن هناك أيدٍ صهيونية تحاول أن تلعب في تغيير تاريخ وهوية العراق, والدليل على ذلك أنه ليس هناك نهب وسرقة فقط، وإنما حرق وتدمير وإزالة، وبعض الأشياء تقول: أن هذا يعود إلى تصورات تلمودية وتوراتية قديمة، يعني أما يعتبر ذلك مبالغة إلى حد ما؟ ".
(د. طالب البغدادي): "لا أعتقد أن هناك مبالغة، لاسيما إذا أخذنا التاريخ اليهودي .. تاريخ الديانة اليهودية، تاريخ إنشاء دولة إسرائيل، لماذا قامت دولة إسرائيل؟ يعني قيام دولة إسرائيل له علاقة كاملة وعلاقة تامة مع التعليمات التوراتية والتعليمات التلمودية، فـ (دانيال) أوصى بقيام مملكة إسرائيل، أوصى كل اليهود وبنى إسرائيل بالذات بإقامة دولة إسرائيل متى تسنى لهم ذلك، وأوصى أيضاً
стр. 702
بصب اللعنة على شعب بابل، نحن لا ننسى أن التوراة كتبت في العراق كتبت في مدينة (الدعة) على نهر الفرات في شمال وسط العراق, وأن التوراة جُمعت وكتبت هناك".
أحمد منصور (مقاطعاً): "يعني هل هذه هي الفرصة التاريخية .. لتدمير كل ما يمكن أن يصيغه الآخرون من تاريخ عن العراق؟ ".
د. طالب البغدادي: "بالتأكيد هذه الفرصة التاريخية اللي ما سنحت لهم، بالرغم من أن العراق شهد أحداث عنيفة كثيرة وشهد حروب كثيرة .. لكنه لم يشهد مثل هذا الدمار، هناك حملة منظمة لتدمير الهوية الثقافية للشعب العراقي، وتدمير الهوية الثقافية يعني وضع الوجود القومي للشعب العراقي موضع الشك، لأنه أنا في اعتقادي لو أسرد لك بعض .. بعض الشيء عن .. اللي ذكره في شارع حيفا يعني ماذا أحرقوا فيه؟ يعني يقشعر بدني أو تقشعر حواسي, إذا أقول لك أن هناك نسخ من القرآن الكريم قد حُرقت، أي نسخ؟ ابن البواب وابن مقلة، وياقوت المستعصمي وحمد الله الأماسي، و .. علي التبريزي هؤلاء الذين وضعوا أسس الخط العربي والحرف العربي، ناهيك عن .. عن القرآن الذي خطته أيادي الإمام علي بن أبي طالب بالخط الكوفي الجميل، ناهيك عن النسخ الأخرى من القرآن، لكن ابن البواب في بغداد, وابن مقلة في بغداد, وحمد الله الأماسي، كل هذه النسخ من القرآن الكريم موجودة ومحفوظة في مكتبة المخطوطات" (١).
العمق الحقيقي للحرب ـ مقصلة الكبرياء
بعد هذا التدمير المنظم للعراق ولحضارة العراق, وتعمد الإساءة لشعب العراق العريق، وإظهاره وكأنه حفنة من قطاع الطرق واللصوص, الذين انقضوا على نهب وسرقة كل ما وقعت عليه أيديهم، كتبت الكاتبة (حياة الحويك عطية) مقالاً في جريدة الخليج بينت فيه البعد الحقيقي, فقالت: "هذا هو العمق الحقيقي للحرب، أمر أبعد بكثير من نظام صدام حسين: كسر الكبرياء الوطنية، وتدمير وطنية الحضارة والثقافة، وإذلال الروح, وسحق كل شيء. حرام، وألف حرام! فلنوقف هذه المجزرة!
стр. 703
إنها مجزرة أخطر من مجزرة الأرواح والأجساد والممتلكات والمؤسسات! إنها مجزرة رقبة الكبرياء العراقية، ومن ورائها العربية كلها، تحت مقصلة الحقد اليهودي الأمريكي، إنها تشويه وجه الشهيد وتمثيل بجثته، أوقفوا التمثيل بجثة العراقيين.
حرام، حرام! هذه بلاد سومر التي اعترف لها (كرومر) بأن التاريخ بدأ بها، وكل شيء بدأ فيها .. كلنا مدينون لما بين النهريين، ايه (نا) .. (نا) العرب، ام (نا) الإنسانية كلها، بل كلتاهما معاً. حرام! حرام! هذه بلاد آشور بانيبال، وسرجون، واسرحدون، ونبوخذ نصر، والرشيد، والمأمون والمعتصم وصلاح الدين. ولكن ألا يعني كل اسم من هؤلاء ثأراً مراً حاقداً لدى هؤلاء الغزاة الصهاينة؟ أو ليس هذا التشويه انتقاماً حارقاً من السبي, وعمورية, وحطين، وفيما هو أعمق: انتقام من مكتبة نينوى, وألواح آشور ومسلة حمورابي, وقصيدة أبى تمام ... من تمثال جواد سليم, وارث السياب .. بل من شهداء الجيش العراقي على تخوم وأرض فلسطين؟.
هذا هو العمق الحقيقي للحرب، أمر أبعد بكثير من نظام صدام حسين: كسر الكبرياء الوطنية، وتدمير وطنية الحضارة والثقافة، وإذلال الروح, وسحق كل شيء، لأجل بداية جديدة، لا مكان فيها إلا لما يرسمه (ريتشارد بيرل) و (بريمر) ولفيفه، من إسرائيل إلى الولايات المتحدة. إذلال لن تنعكس آثاره على العراقيين وحدهم، على مستقبلهم وحدهم، بل على هذه الأمة بكاملها، للقضاء على آخر بؤر الكرامة فيها, وتحويلها إلى جمع من الدلالين والسماسرة، من الباعة والمبيعين، أما البضاعة فكل شيء، ولا حرمة لشيء في غياب الكرامة (١).
نعم هذا هو البعد الحقيقي للحرب .. الانتقام والثأر من السبي, وآشور, وسرجون, وصلاح الدين, وكل الذين وقفوا في وجهه الشعب المختار وأحقاده وأحلامه في تأسيس مملكة الرب من النيل إلى الفرات ... من نبوخذ نصر وبابل (أم العاهرات) التي توعدتها التوراة الحاقدة بأشد أنواع الدمار ... "يا بنت بابل المخربة، طوبى لمن يجازيك جزاءك الذي جازيتنا. طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة ... سيبكي وينحب عليها ملوك الأرض الذين زنوا بها واترفوا معها، حين يرون دخان
стр. 704
لهيبها, وعلى بعد يقفون خوفاً من عذابها ويقولون: يا ويلتاه يا ويلتاه أيتها المدينة العظيمة, بابل المدينة القوية، لأنه في ساعة واحدة أتي الحكم عليك" (١).
هذا هو البعد الحقيقي للحرب, الذي على أساسه فعلت (الصهيونية المسيحية) فعلها وتأثيرها في كل من بريطانيا وأمريكا، ووصل بها الأمر إلى استخدام أكبر المحرمات الدولية ضد العراق على مختلف الصعد, ولتفرغ ضده كل سموم الأحقاد المزمنة والحديثة، حيث عجزت كل العصور والأزمان الماضية أن تقتص منه، كما يجب أن تقتص - يهودياً ـ ولم يجد يهود العالم وصهيونيوه ـ اليهود منهم وغير اليهود - مناسبة (لمحق العراق) - كما قال الجنرال الأميركي شوارزكوف- أفضل من الحقد الأخير في القرن العشرين، للولوج إلى القرن الحادي والعشرين يهودياً وصهيونياً, وبدعم أميركي دون أن تكون (عقدة بابل) حاضرة في هذا القرن، كما في القرون والعصور الماضية ... وليس أسلوب تدمير العراق، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً ونفسياً، ثم خنقه وقطع أنفاسه، إلا الدليل الحي على ما وصل إليه الحقد اليهودي ماضياً وحاضراً ومستقبلاً ... مجنداً كل طاقاته وإمكانياته وحلفائه في هذا الخصوص، عبر توكيل رسمي لأمريكا وبريطانيا .. من أجل محق العراق البابلي، ومحو عقدة بابل من قاموس يهود العالم وتوراتهم ..
وإذا كانت (عقدة بابل) عقدة حية في نفوس اليهود, ويريدونها أن تبقى كذلك حتى (محوها) من الوجود, ألا يحق لعاصمة (الشريعة ألام) الحمورابيه أن تبقى حية في نفوس أبناءها، وفي تاريخ الإنسانية باعتبار أن الحضارة والاكتشافات ليست ملك شعب بمفرده, بل هي ملك للإنسانية جمعاء؟ أليست شريعة حمورابي وقوانينه ملكا للبشرية كلها وقد استفادت منها كلها؟ أليست بابل هي أهم وريثة شرعيه لأول وأهم حضارة وهي سومر؟؟ ...
شاء اليهود أم أبوا ... وشاء الصهاينة - على اختلافهم - أم أبوا ... سيبقى العراق بتاريخه وحضارته، كما ببابله وسومره، صفحة مضيئة في سجل التاريخ، على امتداد عصوره وأزمانه، مهما حاول اليهود والصهاينة والأمريكان, وكل أعداء
стр. 705
الحضارات الإنسانية محو هذه الصفحة من الوجود، ومهما كانت قوة (ممحاتهم) التكنولوجية المتطورة فعالة في تغيير المعالم الجغرافية إلا أنها ستعجز عن تغيير (التاريخ) , لأن حقائقه ووقائعه وآثاره ومكتشفاته الناطقة بالحق، ليست قابلة (للمحو) من التاريخ ذاته, ومن الحضارات نفسها .. وهي أكبر من أية قوة متغطرسة لا تستند لقوة الحق في ميزان المعادلات والمقاييس والقيم (١).
وماذا بعد
بعد أن احتلت أمريكا العراق, ودمرت بنيته التحتية والفوقية -المدمرة أصلاً ـ ودمرت, ونهبت تراثه وآثاره، فإنه من حقنا إعادة السؤال مرة تلو الأخرى، هل انتهت المشكلة التي افتعلتها أمريكيا مع العراق؟ وهل سيتخلص الشعب العراقي من الاحتلال الأمريكي الغاشم؟ وهل ستكف أمريكيا عن ملاحقة الدول العربية والإسلامية وفرض الحصار والعقوبات عليها؟! وهل سيتخلص الشعب الفلسطيني من إرهاب الدولة الصهيونية، وينعم بالسلام وبدولته المستقلة كباقي شعوب الأرض؟؟!. بالتأكيد لا, وسنرى جميعاً في الأيام القادمة مشكلة جديدة ستفتعلها أمريكا لتنفيذ ما تريد سواء مع إيران أو سوريا أو السودان .. الخ. فقائمة المطلوبين كبيره -ستون دولة - والقاسم المشترك في القائمة هو الإسلام والعروبة، والأهداف المعلنة التي رشحت من تصريحات المسئولين الأمريكيين مخيفة، وما خفي كان أعظم.
يقول الأستاذ (شفيق مقار) في كتابه (المسيحية والتوراة): "في ضوء تعلق المسيحيين الغربيين المؤمنين، وبخاصة في أميركا، بكل ما يمليه الإيمان عليهم من خطوات عملية، هل قام هؤلاء بكل ما هو مطلوب منهم، أم أنه ما زال عليهم أن يضطلعوا، تحقيقاً للحلم الصهيوني، بما هو أكثر مما اضطلعوا به حتى الآن؟ ".
ويجيب على ذلك بقوله: "ما لم نتخل عن الإيمان بحرفية كل كلمة في العهد القديم وسفر الرؤيا، يجب أن ندرك أنه ما زال على المؤمنين الثقاة, الذين جعلوا (الحلم الصهيوني) حقيقة واقعة أن يقوموا بالكثير مما دعاه قادة أميركا الزمنيون بـ