← Общие книги

Общие книги · id 36505

الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم

يوسف الطويل

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

للبيت الأبيض للشؤون الثقافية (مارتن ساليفن) فقد استقال يوم ١٤ أبريل ٢٠٠٣، معتبراً أن نهب متحف بغداد كان مأساة يمكن توقعها ومنعها، وفي ذلك إشارة مباشرة على تواطؤ متعمد من قبل القوات الأمريكية لنهب وتدمير الآثار العراقية. أيد إسرائيلية هناك سؤال مهم طرحه (أحمد منصور) على ضيوفه في الندوة المشار إليها فقال: "ما هي مصلحة الولايات المتحدة وهي دولة كل حضارتها ٣٠٠ سنة تقريباً، ما هي مصلحتها في أن تدمر حضارة العراق وثقافتها وتاريخها الذي يمتد إلى خمسة آلاف سنه؟ ما هي مصلحة الولايات المتحدة في ذلك؟ ". فاجاب على ذلك (د. طالب البغدادي) موضحاً أن ذلك في مصلحة إسرائيل وأمريكا حيث قال: "والله لمصلحة الطرفين مثل ما قلنا، لمصلحة أمريكا في أهداف معينة، ولمصلحة إسرائيل في أهداف أخرى ... لمصلحة أمريكا أنها حطمت ودمرت بغداد, التي يعتبرها كل العرب العاصمة الثقافية تاريخياً للأمة العربية, وكذلك للأمة الإسلامية بشكل عام، وهذا معروف وما أريد الإسهاب به". فرد عليه (أحمد منصور) قائلاً: "هناك اتهامات يا دكتور لأيدٍ خارجية في الموضوع، وهناك بعض التقارير ألمحت إلى وجود أيدٍ إسرائيلية من وراء هذا الأمر، على اعتبار وجود ثروة من التاريخ، كما تسعى إسرائيل إلى تغيير هوية وتاريخ فلسطين، يُقال ـ أيضاً ـ إن هناك أيدٍ صهيونية تحاول أن تلعب في تغيير تاريخ وهوية العراق, والدليل على ذلك أنه ليس هناك نهب وسرقة فقط، وإنما حرق وتدمير وإزالة، وبعض الأشياء تقول: أن هذا يعود إلى تصورات تلمودية وتوراتية قديمة، يعني أما يعتبر ذلك مبالغة إلى حد ما؟ ". (د. طالب البغدادي): "لا أعتقد أن هناك مبالغة، لاسيما إذا أخذنا التاريخ اليهودي .. تاريخ الديانة اليهودية، تاريخ إنشاء دولة إسرائيل، لماذا قامت دولة إسرائيل؟ يعني قيام دولة إسرائيل له علاقة كاملة وعلاقة تامة مع التعليمات التوراتية والتعليمات التلمودية، فـ (دانيال) أوصى بقيام مملكة إسرائيل، أوصى كل اليهود وبنى إسرائيل بالذات بإقامة دولة إسرائيل متى تسنى لهم ذلك، وأوصى أيضاً

стр. 702

بصب اللعنة على شعب بابل، نحن لا ننسى أن التوراة كتبت في العراق كتبت في مدينة (الدعة) على نهر الفرات في شمال وسط العراق, وأن التوراة جُمعت وكتبت هناك". أحمد منصور (مقاطعاً): "يعني هل هذه هي الفرصة التاريخية .. لتدمير كل ما يمكن أن يصيغه الآخرون من تاريخ عن العراق؟ ". د. طالب البغدادي: "بالتأكيد هذه الفرصة التاريخية اللي ما سنحت لهم، بالرغم من أن العراق شهد أحداث عنيفة كثيرة وشهد حروب كثيرة .. لكنه لم يشهد مثل هذا الدمار، هناك حملة منظمة لتدمير الهوية الثقافية للشعب العراقي، وتدمير الهوية الثقافية يعني وضع الوجود القومي للشعب العراقي موضع الشك، لأنه أنا في اعتقادي لو أسرد لك بعض .. بعض الشيء عن .. اللي ذكره في شارع حيفا يعني ماذا أحرقوا فيه؟ يعني يقشعر بدني أو تقشعر حواسي, إذا أقول لك أن هناك نسخ من القرآن الكريم قد حُرقت، أي نسخ؟ ابن البواب وابن مقلة، وياقوت المستعصمي وحمد الله الأماسي، و .. علي التبريزي هؤلاء الذين وضعوا أسس الخط العربي والحرف العربي، ناهيك عن .. عن القرآن الذي خطته أيادي الإمام علي بن أبي طالب بالخط الكوفي الجميل، ناهيك عن النسخ الأخرى من القرآن، لكن ابن البواب في بغداد, وابن مقلة في بغداد, وحمد الله الأماسي، كل هذه النسخ من القرآن الكريم موجودة ومحفوظة في مكتبة المخطوطات" (١). العمق الحقيقي للحرب ـ مقصلة الكبرياء بعد هذا التدمير المنظم للعراق ولحضارة العراق, وتعمد الإساءة لشعب العراق العريق، وإظهاره وكأنه حفنة من قطاع الطرق واللصوص, الذين انقضوا على نهب وسرقة كل ما وقعت عليه أيديهم، كتبت الكاتبة (حياة الحويك عطية) مقالاً في جريدة الخليج بينت فيه البعد الحقيقي, فقالت: "هذا هو العمق الحقيقي للحرب، أمر أبعد بكثير من نظام صدام حسين: كسر الكبرياء الوطنية، وتدمير وطنية الحضارة والثقافة، وإذلال الروح, وسحق كل شيء. حرام، وألف حرام! فلنوقف هذه المجزرة!

стр. 703

إنها مجزرة أخطر من مجزرة الأرواح والأجساد والممتلكات والمؤسسات! إنها مجزرة رقبة الكبرياء العراقية، ومن ورائها العربية كلها، تحت مقصلة الحقد اليهودي الأمريكي، إنها تشويه وجه الشهيد وتمثيل بجثته، أوقفوا التمثيل بجثة العراقيين. حرام، حرام! هذه بلاد سومر التي اعترف لها (كرومر) بأن التاريخ بدأ بها، وكل شيء بدأ فيها .. كلنا مدينون لما بين النهريين، ايه (نا) .. (نا) العرب، ام (نا) الإنسانية كلها، بل كلتاهما معاً. حرام! حرام! هذه بلاد آشور بانيبال، وسرجون، واسرحدون، ونبوخذ نصر، والرشيد، والمأمون والمعتصم وصلاح الدين. ولكن ألا يعني كل اسم من هؤلاء ثأراً مراً حاقداً لدى هؤلاء الغزاة الصهاينة؟ أو ليس هذا التشويه انتقاماً حارقاً من السبي, وعمورية, وحطين، وفيما هو أعمق: انتقام من مكتبة نينوى, وألواح آشور ومسلة حمورابي, وقصيدة أبى تمام ... من تمثال جواد سليم, وارث السياب .. بل من شهداء الجيش العراقي على تخوم وأرض فلسطين؟. هذا هو العمق الحقيقي للحرب، أمر أبعد بكثير من نظام صدام حسين: كسر الكبرياء الوطنية، وتدمير وطنية الحضارة والثقافة، وإذلال الروح, وسحق كل شيء، لأجل بداية جديدة، لا مكان فيها إلا لما يرسمه (ريتشارد بيرل) و (بريمر) ولفيفه، من إسرائيل إلى الولايات المتحدة. إذلال لن تنعكس آثاره على العراقيين وحدهم، على مستقبلهم وحدهم، بل على هذه الأمة بكاملها، للقضاء على آخر بؤر الكرامة فيها, وتحويلها إلى جمع من الدلالين والسماسرة، من الباعة والمبيعين، أما البضاعة فكل شيء، ولا حرمة لشيء في غياب الكرامة (١). نعم هذا هو البعد الحقيقي للحرب .. الانتقام والثأر من السبي, وآشور, وسرجون, وصلاح الدين, وكل الذين وقفوا في وجهه الشعب المختار وأحقاده وأحلامه في تأسيس مملكة الرب من النيل إلى الفرات ... من نبوخذ نصر وبابل (أم العاهرات) التي توعدتها التوراة الحاقدة بأشد أنواع الدمار ... "يا بنت بابل المخربة، طوبى لمن يجازيك جزاءك الذي جازيتنا. طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة ... سيبكي وينحب عليها ملوك الأرض الذين زنوا بها واترفوا معها، حين يرون دخان

стр. 704

لهيبها, وعلى بعد يقفون خوفاً من عذابها ويقولون: يا ويلتاه يا ويلتاه أيتها المدينة العظيمة, بابل المدينة القوية، لأنه في ساعة واحدة أتي الحكم عليك" (١). هذا هو البعد الحقيقي للحرب, الذي على أساسه فعلت (الصهيونية المسيحية) فعلها وتأثيرها في كل من بريطانيا وأمريكا، ووصل بها الأمر إلى استخدام أكبر المحرمات الدولية ضد العراق على مختلف الصعد, ولتفرغ ضده كل سموم الأحقاد المزمنة والحديثة، حيث عجزت كل العصور والأزمان الماضية أن تقتص منه، كما يجب أن تقتص - يهودياً ـ ولم يجد يهود العالم وصهيونيوه ـ اليهود منهم وغير اليهود - مناسبة (لمحق العراق) - كما قال الجنرال الأميركي شوارزكوف- أفضل من الحقد الأخير في القرن العشرين، للولوج إلى القرن الحادي والعشرين يهودياً وصهيونياً, وبدعم أميركي دون أن تكون (عقدة بابل) حاضرة في هذا القرن، كما في القرون والعصور الماضية ... وليس أسلوب تدمير العراق، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً ونفسياً، ثم خنقه وقطع أنفاسه، إلا الدليل الحي على ما وصل إليه الحقد اليهودي ماضياً وحاضراً ومستقبلاً ... مجنداً كل طاقاته وإمكانياته وحلفائه في هذا الخصوص، عبر توكيل رسمي لأمريكا وبريطانيا .. من أجل محق العراق البابلي، ومحو عقدة بابل من قاموس يهود العالم وتوراتهم .. وإذا كانت (عقدة بابل) عقدة حية في نفوس اليهود, ويريدونها أن تبقى كذلك حتى (محوها) من الوجود, ألا يحق لعاصمة (الشريعة ألام) الحمورابيه أن تبقى حية في نفوس أبناءها، وفي تاريخ الإنسانية باعتبار أن الحضارة والاكتشافات ليست ملك شعب بمفرده, بل هي ملك للإنسانية جمعاء؟ أليست شريعة حمورابي وقوانينه ملكا للبشرية كلها وقد استفادت منها كلها؟ أليست بابل هي أهم وريثة شرعيه لأول وأهم حضارة وهي سومر؟؟ ... شاء اليهود أم أبوا ... وشاء الصهاينة - على اختلافهم - أم أبوا ... سيبقى العراق بتاريخه وحضارته، كما ببابله وسومره، صفحة مضيئة في سجل التاريخ، على امتداد عصوره وأزمانه، مهما حاول اليهود والصهاينة والأمريكان, وكل أعداء

стр. 705

الحضارات الإنسانية محو هذه الصفحة من الوجود، ومهما كانت قوة (ممحاتهم) التكنولوجية المتطورة فعالة في تغيير المعالم الجغرافية إلا أنها ستعجز عن تغيير (التاريخ) , لأن حقائقه ووقائعه وآثاره ومكتشفاته الناطقة بالحق، ليست قابلة (للمحو) من التاريخ ذاته, ومن الحضارات نفسها .. وهي أكبر من أية قوة متغطرسة لا تستند لقوة الحق في ميزان المعادلات والمقاييس والقيم (١). وماذا بعد بعد أن احتلت أمريكا العراق, ودمرت بنيته التحتية والفوقية -المدمرة أصلاً ـ ودمرت, ونهبت تراثه وآثاره، فإنه من حقنا إعادة السؤال مرة تلو الأخرى، هل انتهت المشكلة التي افتعلتها أمريكيا مع العراق؟ وهل سيتخلص الشعب العراقي من الاحتلال الأمريكي الغاشم؟ وهل ستكف أمريكيا عن ملاحقة الدول العربية والإسلامية وفرض الحصار والعقوبات عليها؟! وهل سيتخلص الشعب الفلسطيني من إرهاب الدولة الصهيونية، وينعم بالسلام وبدولته المستقلة كباقي شعوب الأرض؟؟!. بالتأكيد لا, وسنرى جميعاً في الأيام القادمة مشكلة جديدة ستفتعلها أمريكا لتنفيذ ما تريد سواء مع إيران أو سوريا أو السودان .. الخ. فقائمة المطلوبين كبيره -ستون دولة - والقاسم المشترك في القائمة هو الإسلام والعروبة، والأهداف المعلنة التي رشحت من تصريحات المسئولين الأمريكيين مخيفة، وما خفي كان أعظم. يقول الأستاذ (شفيق مقار) في كتابه (المسيحية والتوراة): "في ضوء تعلق المسيحيين الغربيين المؤمنين، وبخاصة في أميركا، بكل ما يمليه الإيمان عليهم من خطوات عملية، هل قام هؤلاء بكل ما هو مطلوب منهم، أم أنه ما زال عليهم أن يضطلعوا، تحقيقاً للحلم الصهيوني، بما هو أكثر مما اضطلعوا به حتى الآن؟ ". ويجيب على ذلك بقوله: "ما لم نتخل عن الإيمان بحرفية كل كلمة في العهد القديم وسفر الرؤيا، يجب أن ندرك أنه ما زال على المؤمنين الثقاة, الذين جعلوا (الحلم الصهيوني) حقيقة واقعة أن يقوموا بالكثير مما دعاه قادة أميركا الزمنيون بـ

стр. 706

(عمل الله على الأرض) , وما يدعوه قادتها الروحيون بالخطوات اللازمة للتعجيل بمجيء المسيح. وما لم نتخل عن الواقعية، يجب أن نسلم بأن الشيء الوحيد الذي يقف في وجه التحقق المكتمل للخطوة الأولى اللازمة لخلق الظروف المطلوبة لمجيء المسيح , يتمثل في وجود كل تلك الملايين الضالة من الجوييم, التي يمثل (المحمديون) أغلبيتها، على الأرض (المملوكة لليهود) الممتدة من النيل إلى الفرات. وما لم نتناس الأمر الإلهي ببناء الهيكل الثالث, وإخلاء الأرض من كل ما هو ليس يهودياً، يجب أن نتوقع حتمية السير قدماً في مشروع إزالة مسجد عمر, وقبة الصخرة من القدس, وبناء الهيكل الثالث على الموقع بكل تلك الأموال, التي تجمع في أميركا تعجيلاً باستكمال تلك الخطوة الأخرى الضرورية للمجيء" (١). ويقودنا كل هذا، على ضوء ما هو متوافر من معطيات، إلى محاولة الاستبصار، عن طريق القياس، بما يمكن أن يفضي إليه فعل هذا العامل الديني بالنسبة للبشر في منطقة الشرق الأوسط، الساحة الراهنة لانطلاقة المشروع الصهيوني، وما سوف يلي تلك المنطقة من ساحات أوسع للمشروع الكوكبي. ففيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، شهدت المنطقة وستظل تشهد فيما هو مرجح: أولاً: التصميم الأميركي الذي لا يحيد على تأمين التفوق التقني والعسكري الإسرائيلي ابتداءً من المجال التقليدي, ووصولاً إلى مجال القدرة النووية, وقدرات الدمار الشامل. والذي ينبغي ألا يغيب عن الذهن ـ هنا ـ أن موقعة هرمجدون اتخذت في الوعي الأمريكي باستمرار منذ بدأ التبشير الأصولي بها بعد ١٩٤٥ م صورة القصف النووي (٢) المكثف, الذي ستباد فيه كل تلك الجيوش الشريرة (الصاعدة) من

стр. 707

صفحات سفر حزقيال وسفر دانيال وسفر يوحنا اللاهوتي على (المدينة المحبوبة) يروشاليم، و (الأمة المقدسة)، إسرائيل. وإلى وقت قريب، كان الاتحاد السوفيتي المرشح الأول لدور (جوج) الشرير قائد كل تلك الجيوش المكونة, لزحف (أبناء الظلام) , على (أبناء النور) إسرائيل وأنصارها من الأصوليين المسيحيين. لكن الاتحاد السوفيتي انسحب الآن من الساحة، وبانسحابه سوف يتعين على (أبناء الظلام) ليكونوا هدفاً لما سوف يوجهه (أبناء النور) من ضربات وقائية بغية تأمين استمرار وضع إسرائيل كقوة عظمى بالمنطقة. ثانياً: في ظل هذا التصميم الأميركي على تأمين التفوق الإسرائيلي, يرجح أن تشهد منطقة الشرق الأوسط تكثيفاً متصاعداً للدعم التقني والتسليحي الأميركي لإسرائيل, التي يترنم الأميركيون كل صباح معلنين (أنهم يحبونها لأن الله يحبها) , وبالمقابل لذلك التصعيد في قدرات إسرائيل العسكرية والنووية تصعيد للتصدي الأميركي لكل ما يمكن الاشتباه في أنه قد يشكل تحدياً للتفوق الإسرائيلي, أو حتى مجرد (إخلالا بالتوازن) المفروض لصالح التفوق الإسرائيلي تحت رايات التوجه صوب تحديد الأسلحة ونزع السلاح" (١). وما نشهده الآن من حملة على إيران وسوريا وليبيا حول أسلحة الدمار الشامل ما هو إلا خطوة ستفضي إلى ما أفضت إليه في العراق. ثالثاً: هذا الحشد من العنصرية العمياء والخرافة والتأييد الأمريكي الأعمى, والإعلام الموجه, والدعايات المرسومة, والترسانات المجهزة للنسف والخسف, وأكداس السلاح, وأكوام المليارات, وتلال الأكاذيب, والتضليل المنسق للعالم كله, والاتهامات المسمومة لكل من يتعرض لفضح مخططها, هي ما ينتظرنا في الأعوام القليلة القادمة (٢). فهي حرب صليبيه مجنونة يقودها رجال يؤمنون بأن إسرائيل مشروع إلهي لا بد أن يسيطر ويتحكم، وأن علوها محطة تاريخية لازمة لعودة المسيح, وأن هذه

стр. 708

الحرب لا بد أن تجتاح العالم الإسلامي بأسره. بالأمس كانت أفغانستان واليوم العراق، وقبل ذلك فلسطين (١)، وغذاً ايران وسوريا وبعدها السودان والسعودية ومصر ... الخ. فهل سترضى دول العالم بهذا الأمر؟ وهل سيرضى المثقفون والمفكرون ومؤيدو حقوق الإنسان بهذا الواقع الجديد الذي يراد فرضه على الجميع ـ رغم أنوفهم ـ؟ وهل ستبقى الشعوب العربية والإسلامية خامدة مستكينة لتقودها زعاماتها إلى مصيرها المظلم؟. بالتأكيد لا .. فانهيار الطغيان الأمريكى لم يعد مجرد أضغاث أحلام بل له شواهد يراها العقلاء وأصحاب البصائر بجلاء ... فالتخبط والتناقض وانكشاف الأكاذيب الملفقة وفقدان المصداقية هى أدلة واضحة على ذلك الانهيار فضلاً عن المبالغة في القتل و الابادة الوحشية وانفلات الأعصاب وسوء السمعة. لقد بلغ اجرام الصليبيين الجدد مداه ولم تعد هناك حجج جديدة تبرره بل لقد فاضت سجلات جرائمهم وفاحت رائحتها الكريهة في كل أرجاء المعمورة ... وبدأت أصابع الاتهام توجه لأساطين الاجرام و شاهد العالم على شاشات التلفاز صحافية شابة وهى تصرخ في وجه رامسفيلد وتصفه بمجرم الحرب وتلك حادثة لها دلالات واضحة! .. لقد سقط عامل الرعب والصدمة والترويع وبدأ الناس يتجرأون على التعبير عما رأته عيونهم ووعته اذانهم من سفك للدماء وابادة للمدنيين الأبرياء وتعذيب للمعتقلين واهدار لكرامتهم الانسانية ولم يعد أحد يهتم بالتقارير الأمريكية عن انتهاك حقوق الانسان بعد أن رأوه واضحاً للعيان!!! لقد فقد الصليبيون الجدد الحجة في ميادين المنطق والبيان كما فقدوا المبادرة في ساحات القتال وأصبح استمرارهم في الاحتلال يمثل نزيفاً مستمرا لقواتهم وميزانياتهم كما أن اعلان الانسحاب سيكون بداية الحساب على اجرامهم ووتعرية فضائحهم بالقاء المسئولية على بعضهم البعض ولن تنفعهم معذرتهم كما لم تنفع كولن باول ... وما كان اجرامهم ليتكشف للعالم لولا المقاومة العنيدة

стр. 709

التى فتحت عيون العالم على حقيقة زيف الديمقراطية والحرية التى كانوا يفتخرون بحقوق نشرها واحتكار توزيعه (١) ا!!!

стр. 710

الباب الرابع أمريكا ... تاريخ من الغزو والإرهاب الفصل الأول الارهاب الأمريكي في ظل العهد القديم الإرهاب .. صناعة أمريكية اعتاد العالم كله على تلقي النصائح والتوجيهات من أمريكا، في القضايا التي تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان، باعتبارها الدولة الرائدة في العالم في هذين المجالين. بل أن كثيراً من الأمريكيين يحلو لهم وصف بلادهم بـ (مهد الحريات والديمقراطية والحقوق الإنسانية) وهو وصف يصح بشكل نسبي، وفي بعض المواقف فقط، لكن لا يمكن أن ينسحب على أمريكا بشكل عام والدليل ما تبوح به وقائع التاريخ القريب التي يعرفها الأمريكان أكثر من غيرهم. فتاريخ هذه الأمة بنى على مآسي إنسانية يشيب لها الولدان، بداية من الاستيلاء على أراضى الهنود الحمر بالقوة، ثم دحرهم بدلاً من شكرهم أو حتى التعايش السلمي معهم، ثم بعد أن انتهوا منهم تحولوا إلى أفريقيا، للبحث عن عبيد يصلحون لهم أراضيهم، ويمهدون سبل الحياة المرفهة لهم، وهى فترة من التاريخ لا يكاد يوجد أحد في العالم لا يعرفها، ويعرف ما حدث فيها من ظلم، هو النموذج الذي يمكن لأي ظالم أن يستمده منه (١). وفي محاولتها تبرير حملتها الصليبية على العالم الإسلامي، لجأت أمريكا وطوال سنوات عديدة إلى استخدام مبررات مختلفة، مرة بدعوى محاربة المد الشيوعي، وأخرى بدعوى الحرص على تطبيق الديمقراطية والحفاظ على حقوق الإنسان، وأخيراً جاء الشعار الجديد، وهو محاربة التطرف الإسلامي أو الأصولية الإسلامية التي وجدت، أفضل تعبير لها فيما تسميه أمريكا الآن بالحرب على الإرهاب. والمدقق في التاريخ الأمريكي يجد أن مثل هذه المبررات والدعاوى ليس الأولى من نوعها، بل تكررت على مدار التاريخ الأمريكي لتبرير النهب والسلب، وحق

стр. 711

التدخل لفرض سيطرتها على العالم، على اعتبار أن ما تقوم به ما هو إلا تنفيذاً لمشيئة إلهية، لتنوير العالم، والأخذ بيده إلى التقدم والحرية. يقول (جون آدمز) أحد الرؤساء الآباء المؤسسين: "أن الله ما أوجد أمريكا إلا لتنفيذ مشيئته المتمثلة في القيام بعبء تنوير وقيادة الشعوب الرازحة تحت نير الجهل والتخلف والعبودية، والأخذ بأيديها صوب التنوير والتقدم والحرية" (١). ونفس المعنى كرره (هرمان ملفيل) بقوله: " إننا نحمل على كواهلنا حريات العالم" (٢). وبناء على هذا الإيمان تصرفت أمريكا مع العالم، فعلى الصعيد الداخلي تم إبادة الهنود الحمر بدعوى أنهم متوحشون وغير حضاريين، وتم استعباد السود، بتلك الدعوة العنصرية، التي تزعم تفوق الجنس الأبيض. وعلى الصعيد الخارجي، تم نهب ثروات أمريكا اللاتينية ومحاربة دولها باسم الدفاع عن النفس مرة، وباسم الحرية مرة أخرى، مما دفع (سيمون بولفار) أحد أبطال تحرير أمريكا اللاتينية في منتصف القرن التاسع عشر إلى القول: "يبدو أن الولايات المتحدة تسعى لتعذيب وتقييد القارة باسم الحرية" (٣)، هذا ناهيك عما يسميان بالحرب العالمية الأولى والثانية، والحرب الكورية، وحرب فيتنام، والحرب على أفغانستان والعراق .... الخ القائمة الطويلة. نعم هذا هو واقع الحال قديماً وحديثاً منذ أن استعمر الانجلوسكسون أمريكا، وأبادوا سكانها الأصليين، ومروراً بالحروب المختلفة التي خاضتها أمريكا خلال القرنين الماضيين، وانتهاءً بحربها الصليبية على العالم الإسلامي، حيث نجحت أمريكيا في السابق، في تضليل العالم ببعض الشعارات البراقه، وتمكنت من نهب ثرواته، وسلب إرادته تحت شعار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا أنها وفي الآونة الأخيرة بدأت تفقد مصداقيتها، وبدأت تتكشف أهدافها الحقيقية الخبيثة تجاه الإنسانية. ففي الأزمات تسقط دائماً أوراق التوت وتظهر الأمور على حقيقتها دون زيف، ويبدأ التاريخ يظهر من جديد ليشكل مرآة تعكس حقيقة أمة، يؤكدها الحاضر،

стр. 712

وتعززها الممارسات. فمنذ عقود طويلة والعالم ينظر للولايات المتحدة الأمريكية على أنها دولة الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات، ولكن الوجه الحقيقي للولايات المتحدة، بدأ يظهر في الأزمات ليذكر العالم بتاريخ الأمة الأمريكية، وتاريخ الدولة الأمريكية التي أنشئت أساساً على جثث السكان الأصليين للقارة، وبنت اقتصادها على حساب الشعوب المستضعفة. أمريكا .. تاريخ من العنصرية والمآسي الإنسانية إن المتتبع لتاريخ الولايات المتحدة لن يندهش بكل تأكيد من العربدة الأمريكية الحالية، ومن أسلوب القرصنة الذي تنتهجه لنهب مقدرات الشعوب الأخرى باسم محاربة الإرهاب. ففي دراسة لها، ذكرت (اليزابيت مارتينيه)، أستاذة الدراسات العرقية في جامعة كاليفورنيا، وناشطة في مجال حقوق الإنسان، إن الولايات المتحدة الأمريكية كأمة بنيت على ثلاث حقائق أساسية كلها، تؤكد أن فوقية الرجل الأبيض، كفكرة عنصرية هي الأساس الذي شكل الدولة الأمريكية وهذه الحقائق هي: الحقيقة الأولى وهي: إن الولايات المتحدة الأمريكية دولة وجدت بالاحتلال العسكري، الذي تم على مراحل عدة، المرحلة الأولى تمثلت بالاحتلال الأوروبي للأراضي، التي كان يقطنها سكانها الأصليين، حيث كان يقطن أمريكا قبل الغزو أكثر من ١٠٠مليون شخص، ومع نهاية حروب الهنود الحمر، كان هناك ٢٥٠ ألف نسمه فقط من السكان الأصليين، ويطلق (أنيت جيمس) على هذه الحروب في كتابه (الدولة الأمريكية الأم) حروب الابادة الجماعية، حيث اعتبر أن هذه الحروب هي التي مهدت لبناء الولايات المتحدة الأمريكية، بمعنى أن الأمة الأمريكية بنيت أساساً على ابادة السكان المحليين واغتصاب أراضيهم. الحقيقة الثانية تقول: إن الأمة الأمريكية لم تكن لتتطور اقتصادياً دون استعباد العمالة الإفريقية، فعندما بدأت الزراعة والصناعة بالازدهار في العهد الاستعماري، ظهرت الحاجة لعدد كبير من العمال، فكان الحل هو استقدام أعداد

стр. 713

كبيرة من العمالة الإفريقية كعبيد لدعم القوة العاملة الضرورية، لإحداث النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية. أما العامل الثالث في بناء الأمة الأمريكية، وتبعاً (لإليزابيت مارتينيه) فيتمثل في قيام الولايات المتحدة بالاستيلاء على نصف المكسيك بالحرب، الأمر الذي مكن الولايات المتحدة من التوسع إلى المحيط الهادي، وبالتالي فتح باب التجارة على مصراعيه مع آسيا، وفتح الأسواق لتصدير بضائع واستيراد بضائع لبيعها في الولايات المتحدة الأمريكية، وأطلقت الولايات المتحدة على الجزء الذي أخذته من المكسيك اسم تكساس، عام ١٨٣٦م، ومن ثم حولت هذا الجزء إلى ولاية عام ١٨٤٥م. وفي العام الثالث، اجتاحت الولايات المتحدة المكسيك ثانية واغتصبت جزءاً من أراضيها بمعاهدة عقدت عام ١٨٤٨م. وفي عام ١٨٥٣، حصلت الولايات المتحدة على جزء ثالث هو اريزونا. وبذلك تكون قد استكملت الحدود الإقليمية لما يعرف الآن بالولايات المتحدة الأمريكية. هذه كانت الدعائم الأساسية التي بنيت عليها الأمة الأمريكية، وفي عام ١٨٩٨م أخذت خطوة إضافية تمثلت في اغتصاب الفلبين، وبورتوريكو، وجوام، وكوبا، عبر الحروب الأسبانية الأمريكية، ومنذ ذلك الحين بقيت جميع هذه الدول، باستثناء كوبا مستعمرات أمريكية توفر للدولة الأمريكية موارد الثروة والقوة العسكرية. وبذلك تكون الولايات المتحدة قد استكملت مرحلة الاحتلال والاستعمار المباشرين اللذين ابتدأتها بالسرقة الدموية للأراضي الأمريكية الأصلية قبل خمسة قرون (١). مصادر الهوية الوطنية الأمريكية بالاضافة إلى الدعائم السابقة فإن (صموئيل هنتيجون)، يرى أن الهوية الأمريكية استفادت تاريخياً من ركيزتين أساسيتين، أولاهما الأعداء الذين حاربهم الأمريكيون على مدى التاريخ، بداية من الهنود الحمر والمستعمرين الفرنسيين، ثم

стр. 714

المستعمرين البريطانيين، مروراً بسعي الأمريكيين التاريخي المتواصل لتمييز أنفسهم، والحفاظ على استقلالهم عن القارة الأوروبية بشكل عام، وعن القوى الاستعمارية الأوروبية بشكل خاص، وانتهاءً بالحرب الباردة. وهنا يعبر هنتنغتون بصراحة عن اعتقاده، بأن العداء للآخر يلعب دوراً أساسيا في تشكل هوية أي جماعة، ويرى أن الحروب التي خاضها الأوروبيون في العصور الوسطى، وقبل بداية عصر الدولة القومية كانت ضرورية لتشكيل هوية الدول الأوروبية المختلفة. أما ثانية الركيزتين الإضافيتين، فهي عقيدة الأمريكيين السياسية. فلكي يميز الأمريكيون أنفسهم عن أجدادهم البريطانيين سعوا ـ كما يعتقد هنتنغتون ـ لنشر ثقافة سياسة مستقلة ومتميزة عن ثقافة الأوروبيين الإقطاعية والتمييزية، التي اضطرتهم إلى ترك أوروبا للأبد والفرار بمعتقداتهم إلى الولايات المتحدة. ومن أهم عناصر هذه العقيدة السياسية، مبادئ الحرية والمساواة والديمقراطية النيابية واحترام الحقوق والحريات الدينية والمدنية وسيادة حكم القانون، والتى استمدت جذورها من الإثنية البريطانية والعرق الأبيض والدين المسيحي والثقافة الإنجليزية - البروتستانتينية (١). وبكلمات قليلة يلخص الكاتب والصحفي المعروف (بيار سالينجر) في تقديمه لكتاب (أميركا التوتاليتارية) صورة الأمريكي المفعم بالعقيدة الكالفينية، فيقول عن هذه العقيدة: إنها تقرر ما يلي: "لئن كان الله قد سمح بأن يجتمع في أرض أميركا شعب من رجال ونساء مميزين، فذلك لأنه منح هذا الشعب رسالة حكم العالم ذات يوم" (٢). فأمريكا التي خرجت من رحم الثورة على الحكم الإمبراطوري البريطاني، حملت في طياتها بذورها الإمبراطورية الخاصة من البداية، حيث أقدم نوعان من الناس على اقتحام العالم الجديد لبناء المستعمرات أوائل القرن السابع عشر الميلادي، كانا، كلاهما، يبحثان عن مصيريهما. إلى فرجينيا مع الكابتن (جون سميت) ذهب المغامرون والحرفيون سعياً وراء الثروة. وإلى ماساتشوستش مع حاكم الولاية

стр. 715

(جون ونثروب) ذهب الحجاج والطهريون (البيوريتانيون) بحثاً عن الفردوس. هذان الدافعان ظلا يحركان عملية التوسع الأمريكية منذ ذلك التاريخ (١). أما كيف تم ذلك، فهذا ما وضحه (ميشال بوغنون) في كتابه (أميركا التوتاليتارية)، عندما تمسك بالتعريف البسيط للتوتاليتارية، والتي يرى أنها تتمثل في "قوة احتوائية بمعنى أنها تنوي امتلاك مجمل مكونات الكيان الذي تعيش فيه". ولما كانت أميركا مدفوعة بهاجس السيطرة على العالم وأمركته. فإن (بوغنون) ينبش لإثبات هذه الرؤية في التاريخ والضمير الأمريكي، ويرصد بنظرة عابرة، ولكن ثاقبة لحظات تكونهما التي أخرجت ما يعرف بالأمة الأمريكية إلى الوجود، الأمة المختارة باختيار القدر فحسب (٢). أرض الميعاد والدولة الصليبية في كتابه (أرض الميعاد والدولة الصليبية) يتناول (والتر ماكدوجال) معضلة السياسة الخارجية الأمريكية بين المثالية والنفعية التجريبية، حيث يستعرض دور الولايات المتحدة في السياسة العالمية خلال القرنين الماضيين. وكما هو واضح من عنوان الكتاب (أرض الميعاد والدولة الصليبية) يلجأ المؤلف إلى الاستعارة الدينية، فتعبير أرض الميعاد مستعار من العهد القديم (اليهودي)، وتعبير الدولة الصليبية قصد به الإشارة إلى العهد الجديد، والى الصليب، كرمز للتبشير وللتضحية من اجل خلاص البشرية، ومن ثم فان أمريكا ارض الميعاد تعكس فكرة المهاجرين الأوائل، وكذلك الأمريكيين حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي عن أمريكا، إما فكرة الدولة الصليبية فتعكس تصور الأمريكيين عن أنفسهم، وسلوك أمريكا في الشؤون العالمية خلال القرن العشرين، من منطلق أن أمريكا لها رسالة لخلاص البشرية .. رسالة لنشر الحرية والتقدم. وبمعنى آخر فان أمريكا القرن التاسع عشر الميلادي وظفت سياستها الخارجية من اجل الحرية في أرض الميعاد، أما أمريكا ـ القرن

стр. 716

للعشرين ـ فكانت سياستها الخارجية توسعية لنشر الحرية في العالم. ولجوء (ماكدوجال) إلى الاستعارة الدينية، لا يعني انه يقدم رؤية دينية لدور أمريكا في العالم، ولكنه يشي بدور العامل الديني في السياسة الخارجية الأمريكية، والذي استهدف الحرية في الداخل، والعهد الذي حاولت فيه أمريكا توسيع دورها في العالم، ثم قيادته. ففي العهد القديم الأمريكي، اعتبر مؤسسو أمريكا أنها (إسرائيل الجديدة التي هاجروا إليها من أجل الحرية ـ وأرسوا قواعد السلوك الأمريكي الخارجي من أجل أن ينعموا بالحرية في الداخل، وفي العهد الجديد الأمريكي بعد عام ١٨٩٨م (عام اكتمال الاستيطان حتى الساحل الغربي) تحرك الأمريكيون من أجل تشكيل العالم وفق تصورهم، من خلال قواعد جديدة للسياسة الخارجية الأمريكية، يأتي ضمنها تبرير التوسع واستخدام القوة في شكل أقرب إلى الحملة الصليبية، لتحضير العالم (على الطريقة الأمريكية) (١). فهذا الشعب الأمريكي المقدام يحمل على كتفيه رسالة كلفته بها العناية الإلهية، بمنح نعم الحرية والديمقراطية للشعوب الهمجية، التي مازالت محرومة بسبب همجيتها من تلك النعم. ونتيجة لتلك الرسالة الآلهية لم ينج شعب من شعوب العالم حتى الآن من نتائج اضطلاع أمريكا بحمل مشعل الحضارة والحرية والديمقراطية، إلى كل ركن من أركان كوكب الأرض (٢). العهد القديم الأمريكي (الإرهاب ضد الهنود والزنوج) يحدد (والتر ماكدوجال) ثمانية تقاليد للسياسة الأمريكية منذ نشأتها وحتى الآن. فخلال العهد القديم الأمريكي أي حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، حكمت السياسة الخارجية الأمريكية أربعة تقاليد هي: - الحرية في الداخل، أي أن توظف السياسة الخارجية للدفاع عن حرية أمريكا.

стр. 717

- العزلة، أي أن يكون لأمريكا الحرية في صنع سياسة خارجية باستقلال عن مطامع القوى الأوروبية، وان تقف موقف الحياد من الحروب الأوروبية، إلا عندما تتعرض الحرية الأمريكية للخطر. - مبدأ (مونرو)، الذي نص على انه لا يجوز لأي دولة أوروبية أن تعد القارتين الأمريكيتين مكاناً صالحاً للاستعمار، أي عدم تدخل أوروبا في القارتين الأمريكيتين (١). - التوسعية، وهي تقليد قام على مقولة (المصير المبين) (لجون أو سوليفان) بمعنى أن القدر فرض على الأمريكيين، أن مصيرهم الاستكشاف والغزو باتجاه الساحل الغربي وصولاً إلى المحيط الهادي (٢). وقد تميز العهد القديم لأمريكا الذي انتهى عام ١٨٩٨ م باكتمال غزو (أرض الميعاد) في شمالي أمريكا، بين ساحل الأطلنطي شرقاً، وساحل الهادي غرباً، بعملين أساسيين، الأول: ذبح و إبادة الهنود الحمر للاستيلاء على أراضيهم، والثاني استعباد الزنوج لاستخدامهم في المزارع والمناجم (٣). إبادة الهنود الحمر عندما وصل الأوروبيون إلى أمريكا، وجدوا فيها شعوباً ذات حضارات عريقة، كونوا فوق أرض القارة ممالك وإمارات منذ آلاف السنين، ولهم عاداتهم الخاصة بهم وأديانهم وأزيائهم، وكان هؤلاء السكان الذين سماهم الأوروبيون هنوداً حمراً يعيشون في رغد من العيش، ويمارسون الأنشطة الحضارية من زراعة وصناعة وتعدين، يرتادون البلاد شرقاً وغرباً، ويكتشفون المناجم ويستغلون ما بها من معادن مثل الحديد والنحاس والذهب والفضة، حتى أن بعض المدن الأمريكية القديمة كانت شوارعها مرصوفة بمعدن الفضة مثل بعض مدن الأرجنتين، لذلك

стр. 718

اشتق الاسم الأوروبي الجديد لهذه البلاد من لفظ ARGENT اللاتيني، ومعناه الفضة. كما أقام حكام هذه البلاد من الهنود الحمر الهياكل والمعابد والقصور الشاهقة، ومنها أهرمات تشبه أهرمات الجيزة إلى حد ما، وان لم تكن في ضخامتها. وكان هؤلاء السكان يعرفون الفنون المتطورة من حفر ونقش وإقامة للنصب والتماثيل، كما كان لهم باع طويل في أساليب الزراعة، واستغلال الأرض، واستئناس وتربية المواشي، وكان من هذه الشعوب ـ أيضا بدو رحل وظيفتهم الصيد والترحال (١). وتشير المعطيات التاريخية إلى أن الهنود الحمر كانوا أول من سكن القارة الأمريكية منذ القدم، حيث كانت لهم ثقافة مزدهرة، عاشت في ظلها القبائل الهندية المختلفة بسلام ووئام، وظلوا بعيدين عن التأثر بالعالم الخارجي بسبب وجودهم على الطرف الآخر من المحيط. ولكن ذلك لا يعنى أنهم كانوا بمعزل كامل عن العالم كما يعتقد البعض، وكما يروج الغرب لذلك لأسباب استعمارية ليعطي نفسه الحق في نهب هذه البلاد لأنها من اكتشافه هو ـ أي الغرب. وهنا تجدر الإشارة إلى أن العرب المسلمين قد وصلوا إلى أميركا، قبل كولومبوس بخمسمائة سنة، حيث وصل الملاح (خشخاش بن سعيد القرطبي) إلى جزر البحر الكاريبي عام ٨٨٩م، ثم وصل بعده الملاح (بن فروخ الأندلسي) إلى جزيرة جامايكا عام ٩٩٩م. وعندما وصل كولومبوس إلى ميناء بالوس في كوبا عام ١٤٩٢م لم يجرؤ على النزول في تلك المنطقة، عندما شاهد قبة مسجد بالقرب من الشاطئ فحول اتجاهه إلى جزيرة صغيرة، وقد كان يظن نفسه متجها إلى الهند في طريق التفافي لا يسيطر عليه العرب والمسلمون. وكولومبوس نفسه كان عام ١٤٦٧م بحاراً مغموراً في سفينة عربية أبحرت على سواحل أفريقية، ثم وصلت البرازيل دون أن يعرف أنه وصل إلى قارة جديدة، وعندما أبحر بعد ذلك بربع قرن بتمويل وتشجيع من الملكة (إيزابيلا) ملكة أسبانيا، كان ثلث بحارته من العرب ويعتمد على خرائط وأدوات عربية. أما أول من وصل إلى القارة الأمريكية فهو الملاح الفينيقي (ماتو عشتروت) عام ٥٠٨ ق. م، ثم الملاح

стр. 719

القرطاجي (روتان) عام ٥٠٤ ق. م. وتدل الآثار المتبقية والدراسات على اندماج وتأثر واضح لسكان أميركا بالعرب دون أن تطمسهم الحضارة العربية أو تفنيهم (١). وفي كتابه عن الهنود الحمر، قام الكاتب التشيكي (فلاديمير هلباتش) بجمع حكايات الهنود الأميركيين وأساطيرهم متيحاً نافذة نادرة لمعرفة ثقافة أمة لم يعد لها وجود إلا في كتب التاريخ، ومراجع الأنثروبولوجيا، حيث كان للهنود الأمريكيين ثقافة مزدهرة، مفعمة بالمعاني الإنسانية الراسخة، وكان وصول الأوروبيين بداية لانحسارهم، بل وانقراضهم. فمن أبرز ما محاه تاريخ المنتصر إعجاب الغزاة بروعة ما شاهدوه لدى الهنود من أفكار وتقنيات وشرائع وعادات وفنون وفلسفه حياة وأساليب بلاغيه وفصاحة لسان. ولكن تاريخ المنتصر وحش لا يسمن ويقوى إلا بلحم الفرائس الآدمية. لقد محا الحسنات وأباد أهلها المحسنين، ولم يترك منهم إلا تلك الصورة الهوليووديه المشوهة لكائنات عراة متوحشين، ينبت في رؤوسهم الريش، ويعوون في البراري كما تعوي الضباع (٢). مفارقة التوماهوك يلاحظ على قصص الهنود وحكاياتهم، أنها قريبة من قصص الشرق، وبعضها قد يكون يقترب كثيراً من قصص وردت في الكتب السماوية، مثل الحياة في السماء والنزول إلى الأرض، وهي أيضاً منسجمة كثيراً مع تراث الشرق المفعم بالدعوة إلى الخير، والرفق بالناس والحيوان، مثل قصة (توماهوك)، التي هي في الأصل فأس هندية كان الهنود الحمر يحملونها لقتل أعدائهم ونزع فراء رؤوسهم، ولكن زعيم هندي عظيم شعر بقسوة الحرب ووحشيتها فتقدم بمبادرة صلح وسلام بين القبائل، حيث أقيم احتفال كبير وحفر خندق دفنت فيه فؤوس التوماهوك ليعيش الناس في سلام أبدي (٣) ... ولكن ذلك الزعيم الهندي الطيب لو كان يدرى إن التوماهوك (٤) الذي

стр. 720

دفنه سيأتي من سيخرجه إلى الوجود ثانية وسيستخدمه في إبادة ألوف البشر، لما فعل ذلك، ولأبقاه على الأقل لمواجهه عنصرية المهاجرين الأوربيين إلى أمريكا. ولكن يبدو أن هؤلاء الهنود الحمر الطيبين الذين كانت ثقافتهم وحضارتهم تقوم على المثل العليا لم يدركوا طبيعة المغتصب الجديد الذي لا يكتفي بالسلب والنهب، بل أيضاً يعشق القتل ورائحة الدم، حيث كانت سياسة الإذلال والترويع التي انتهجها الحجاج، ومن قبلهم مستعمرو فرجينيا أفضل تعبير عن شكرهم للضيافة الهندية. فكثيراً ما كانوا يقتلون الهنود الذين يحملون إليهم الطعام والهدايا، بل كانوا يقدمون لهم المغريات الكثيرة لزيارتهم من أجل أن يكمنوا لهم ويقتلوهم، وكانت الوسيلة المحببة لاستدراجهم، واستخراج ذهبهم خطف أولادهم لما لاحظوه من تراحم الأسرة الهندية فيما بينها وتكافلها ورعايتها لأطفالها (١). كما عمد المحتلون البيض إلى تدمير حضارة الهنود العالمية وثقافتهم، التي كانت من حيث مستواها الأخلاقي ـ الروحي، أعلى بكثير من الثقافة التلمودية ـ اليهودية وتقترب من الأفكار المسيحية. فالوحشية المرضية والجشع، السمتان المميزتان للمحتلين البيض في أمريكا الشمالية، كانتا بعيدتين تماما عن الهنود الحمر الذين رأوا في الغزاة البيض أناساً شاذين ضارين، ولا يستحقون سوى الشفقة (٢). وفي حديث لزعيم قبائل الهنود الحمر ويدعى (بوهاتن) مع (جون سميث) قائد مستوطنه جيمس تاون قال: لماذا تصرون على أن تأخذوا منا بالقوة ما يمكن أن تأخذوه بالمحبة؟ لماذا تصرون على تدميرنا، ونحن الذين قدمنا لكم الغذاء؟ ما الذي تستطيعون الحصول عليه بالحرب؟ إننا نستطيع أن نخفى تمويننا، ونفر إلى الغابات وعندها سوف تقاسون من الجوع بسبب سوء معاملتكم لأصدقائكم (من الهنود الحمر). ما هو سبب غيرتكم وحسدكم؟ ها أنتم تشاهدوننا فنحن غير مسلحين،

стр. 721

ولدينا الاستعداد لنمدكم بما تحتاجون إليه إذا جئتم بطريقة ودية، وليس بالسيوف والبنادق كما لو كنتم قادمين لغزو عدو (١). كما تكشف قصة احد الهنود الحمر ويدعى (سكوانتو) مع الحجاج الأوربيين، التفوق الأخلاقي والعقلي والحضاري للهنود، وتروي عشرات الكتب التي أرخت لهذا الفتى الأسطورة وعشرات الأفلام وقصص التبشير التي استلهمت سيرة حياته، وجنت منها الملايين، كيف انتشل سكوانتو أسطورة أمريكيا من الموت في شتائها الأول، حين احضر للحجاج الطعام، وعلمهم كيف يزرعون الذرة واليقطين وأنواع الحبوب والقرعيات؟ وأين يصطادون السمك ويسمدون الأرض ببعض أنواعه؟ بل وكيف يغتسلون ويتخلصون من قذارتهم وروائحهم الكريهة عبثاً (٢). وثمة قصص أخرى كثيرة عن الأخلاق الحميدة والشجاعة والكرم التي تحلى بها الهنود الحمر، والتي تحذر من الظلم. وقد اعتبر (كولمبوس) الهنود أكثر شعوب العالم سخاء، مقدماً بذلك مساهمة في أسطورة المتوحش النبيل. "إنهم لا يعرفون اشتهاء ما لدى الغير من خيرات .. إنهم لا يعرفون المكر، ويجودون بما يملكون إلى درجة أن أحد لن يصدق ذلك إلا إذا كان قد رأى شيئاً كهذا" (٣). ولكن وبالرغم من هذه الحضارة الراقية والاخلاق الحميدة التى تميز بها الهنود الحمر، فقد جاء شاحبو الوجوه (الأوروبيون)، وأطلقوا نيران بنادقهم عليهم بلا رحمة، وحاصرهم الموت والجوع والبرد، وطردوا من أراضيهم ودنست مقدساتهم، ولكن بقيت قصصهم تروى وتشهد.!! (٤). حيث بدأت سياسة التدمير الشامل لكل أسباب الحياة الهندية في العالم الجديد، منذ اللحظة الأولى لشروق الشمس الانكليزية على جزيرة روانوك، التي استقبلهم أهلها عام ١٥٨٠م بالترحاب فاقطعوهم ما شاءوا من الأرض وآووهم وكسوهم وأطعموهم الطعام على حبه، وعلموهم أسباب البقاء في هذه الطبيعة الغريبة عنهم. لكن ما إن اشتد ساعدهم قليلاً حتى راحوا يخترعون

стр. 722

الأعذار للقتل العشوائي، ويتحينون الفرص لإتلاف المحاصيل، وإحراق القرى والحقول، وقطع أسباب الحياة عن الهنود عمداً وكان الهنود قد لاحظوا منذ الأيام الأولى أن المستعمرين ينبشون القبور لسرقة ما فيها، أو لآكل جثثها الطازجة أحيانا. ثم تصاعدت خطة التجويع والتدمير الاقتصادي، وازدادت تنظيماً وتركيزاً واستهدافاً على مدى القرنين التاليين (١). ففي بداية الهجرة وصل إلى شواطئ القارة الشمالية نزلاء السجون البريطانية والألمانية الذين أفرجت عنهم السلطات، ودفعت بهم إلى الأرض الجديدة ليبحثوا عن مكان جديد يعيشون فيه ويجربون حظهم في جمع الثروة، وكان هؤلاء مسلحين بأحدث الأسلحة، فكونوا فيما بينهم عصابات مسلحة راحت تداهم قرى الهنود الحمر وجماعاتهم، وتسلب ما بأيديهم من ذهب وجواهر، ثم تفتك بهم و تطردهم من ديارهم، وتستولي على أراضيهم لتقيم عليها مستوطنات أوروبية، ثم تتوسع كل مستوطنه شيئاً فشيئاً بقدوم مهاجرين جدد إليها، وتضم إليها أراض جديدة بعد طرد الهنود الحمر منها أو إبادتهم (٢). وفي نهاية القرن السابع عشر الميلادي زاد الزحف نحو الغرب بعد الثورة (١٧٨٣ـ١٨٠٠) ولكن حرب ١٨١٢م مع بريطانيا، وكذلك غارات الهنود كانت قد أبطأت هذا التقدم بين عام ١٨٠٠ـ١٨١٥م. وهذا الزحف نحو الغرب يمكن وصفه كالآتي: في المقدمة أصحاب الصيد وتجار الفراء والمستكشفين، ويتبع هؤلاء موجه الرواد المزارعين، وعندما تزداد كثافة هؤلاء المستوطنين، فإن موجة أصحاب الصيد وتجار الفراء تتقدم للأمام .. وهكذا تعاد الكرة. وقد تلا الصلح مع بريطانيا عام ١٨١٥م، موجه هجرة داخلية عارمة يطلق عليها في التاريخ الأمريكي اسم الهجرة الكبرى (٣). لقد كان الاستيلاء على الأرض هو الهدف الأول والأخير للمستعمرين الأوربيين في أمريكا الشمالية. وكان إنجاز هذا الهدف مرتبط بشرط آخر، هو إبادة الهنود الحمر، والتخلص منهم بكل الوسائل الممكنة. لذلك أخذت هذه العملية صوراً

стр. 723

مختلفة منها الحروب الشاملة والمناوشات المحدودة والقتل الفردي، حتى أن إبادة الهنود بالسلاح الجرثومي كانت سياسة رسمية عبر تقديم بطانيات ملوثة بالجراثيم لهم (١). كما كانت الحكومة البريطانية في عصر الملك (جورج الثالث) تعطى مكافأة مالية لكل من يحضر فروة رأس هندي من الهنود الحمر، قرينة تدل على أنه قتله. وبعد استقلال الولايات المتحدة بعد ذلك بنحو خمسين عاماً، أي منذ ١٨٣٠م استمر هذا التقليد، بل تصاعد حين اصدر (جاكسون) قانون ترحيل الهنود الذي تم بمقتضاه تجميع خمسين ألفاً من هنود (الشيروكى) من جورجيا، وترحيلهم سيراً على الأقدام في برد الشتاء القارس إلى معسكر خصص لهم في اوكلاهوما، فمات أكثرهم قبل أن يصلوا، وسمى الطريق الذي مشوا فيه: ممر الدموع!! كان ذلك عام ١٨٣٥م، واستمرت حرب الإبادة ضد الهنود الحمر حتى تقلص عددهم من ٦.٥ مليون عام ١٥٠٠م إلى نصف مليون عام ١٨٩٠م!! (٢). لقد كان المهاجرين الأوربيون من أفظع أنواع المجرمين، وأشدهم قسوة وإجراماً وميلاً إلى سفك الدماء، وفي سبيل المغامرة وجمع الذهب أو التنقيب عنه كانوا لا يبالون بشيء، وأصبح قتل الهنود الحمر وتعذيبهم من أعمالهم الروتينية، بل أن العصابات الأوروبية كثيرا ما كانت تهاجم بعضها بعضاً للسلب والنهب، ولا يتورعون في سبيل الحصول على الذهب أو الماشية من فعل أي شيء (٣). وكان (اوليفر هولمز) وهو من اشهر أطباء عصره، "قد لاحظ في عام ١٨٥٥م إن إبادة الهنود هو الحل الضروري للحيلولة دون تلوث العرق الأبيض، وان اصطياد الوحوش في الغابات مهمة أخلاقيه لازمه لكي يبقى الإنسان فعلاً على صورة الله". وهكذا بدأت دعوات الإبادة الشاملة تعلو عندما لم يكن في كل الشمال الأميركي سوى ألفى إنكليزي، ثم ازدادت هذه الدعوة حدة وجنوناً حين تأكد الإنكليز أن الهنود قد يرحبون بهم ضيوفاً، ويكرمونهم بما يكفيهم من الأرض والرزق، ويعيشون معهم بسلام، لكنهم لن يتنازلوا طوعاً عن أراضيهم، ولن يتقبلوا فكرة السخرة والاستعباد، وكانت

стр. 724

كل بادرة لمقاومة هذا الجشع والتعصب المقدس برهاناً إضافياً على صدق أسطورة أميركا، وعلى صدق الدعوى بأن الهنود متوحشون عدوانيين لا تنفع معهم إلا الإبادة، لأن التسامح مع الشرير ليس إلا تشجيعاً للشر، وليست هناك خطيئة أعظم من هذا. ومع تقدم الزمن صارت شيطانية الهندي الأحمر بديهية لا تحتاج إلى دليل مثلما إن إنكليزية الله وتفوق شعبه من البديهيات، التي لا تحتاج إلى دليل. لقد سكنت شيطانية الهنود أحلام الملائكة حتى إن (ميرسي شورت) التي زعمت أن الشيطان تلبسها وصفته على شكل هندي له أظلاف شيطانية (١). وبالرغم من ضخامة عدد الهنود الحمر، الذين تمت إبادتهم، إلا أن أحد الباحثين يرسم صورة أكثر مأساوية فيقول: "لقد بلغ عدد الهنود الحمر في الولايات المتحدة عام ١٩٠١م حوالي ٢٦٩ ألف نسمة، بينما قدر عددهم قبل أربعة قرون من هذا التاريخ بما يتراوح بين عشرة ملايين وأثنى عشر مليون نسمة، ومن هنا يتبين لنا هول عمليات الإبادة التي تعرض لها الهنود الحمر بعد وصول الأوربيون إلى أمريكا. ففي المعدل فإن من بين كل عشرين شخصاً من الهنود الحمر بقى شخص واحد (٢). مفارقه عجيبة وحزينة، ولكن إذا عرف السبب بطل العجب، حيث إن المستوطنين المتوحشون استمروا في الاستيلاء على أراضي الهنود الحمر، الذين نفذ صبرهم فقاوموا المستوطنين، وهاجموا مستعمرة جيمس تاون. وعلى أثر ذلك وضع قادة شركة فرجينيا الإنجليزية ـ التي تشكل جيمس تاون أحد استثماراتهاـ تقريراً جاء فيه: "إن الخلاص من الهنود الحمر أرخص بكثير من أية محاولة لتمدينهم، فهم همج برابرة عراة متفرقون، جماعات في مواطن مختلفة، وهذا يجعل تمدينهم صعباً، لكن النصر عليهم سهل، وإذا كانت محاولة تمدينهم سوف تأخذ وقتاً طويلاً فإن إبادتهم تختصره، ووسائلنا إلى النصر عليهم كثيرة، بالقوة بالمفاجأة بالتجويع، بحرق المحاصيل، بتدمير القوارب والبيوت، بتمزيق شباك الصيد، وفي المرحلة الأخيرة المطاردة بالجياد السريعة، والكلاب المدربة، التي تخيفهم لأنها تنهش جسدهم العاري" (٣).

стр. 725

لقد قدم كثير من المؤرخين الأدلة والبراهين على المجازر التي ارتكبتها المستوطنات الأمريكية بحق الهنود الحمر، وكيف أبيدوا، وكيف كانوا يطاردون ويقتلون. ففي كتابه (سنة ٥٠١ الغزو مستمر) يعرض (نعوم تشومسكي) شهادات ذات دلالات إنسانية حول ما قام به الأمريكيون، حيث يقول: "سلك مستوطنو شمال أمريكا نفس الطريق، الذي سلكه سابقوهم في البلد الأم. فقد كانت فرجينيا منذ الأيام الأولى لاستيطانها مركزاً للنهب والقرصنة، وقاعدة للإغارة على التجارة الاسبانية وسلب المستوطنات الفرنسية على ساحل (مين)، ولابادة (عبدة الشياطين) و (البهائم الأجلاف)، الذين مكن كرمهم المستوطنين الأوائل من البقاء إحياء، صائدين إياهم باستخدام الكلاب المتوحشة، وذابحين النساء والأطفال ومتلفين المحاصيل، وناشرين مرض الجدري بينهم بواسطة توزيع بطانيات حاملة للعدوى، وكل الوسائل الأخرى الحاضرة في أذهان أولئك البرارة والآتية من تجربتهم التي مازالت طازجة في ايرلندا" (١). الحرب الجرثومية في أواخر ما يسمى بالحرب الهندية ـ الفرنسية ظهرت أول وثيقة دامغة تثبت استخدام الغزاة للسلاح الجرثومي عمداً، وتؤكد إن إبادة الهنود بالسلاح الجرثومي، كان سياسة رسميه، ففي سيناريو كلاسيكي منقح لقصة تسميم الزعيم (تشيسكياك) ومن معه بأنخاب (الصداقة الجماعية) على ضفاف نهر البوتوماك، كتب القائد الإنكليزي العام اللورد (جفري امهرست) في عام ١٧٣٦م أمراً إلى مرؤوسه الكولونيل (هنري بوكيه) يطلب منه أن يجري مفاوضات سلام مع الهنود، ويقدم لهم بطانيات مسمومة بجراثيم الجدري (لاستئصال هذا الجنس اللعين). وقد اشتركت (قوى الحضارة) في حرب ضارية لإخفاء هذه الوثيقة وغيرها من الوثائق المشابهة عند اكتشافها في أواخر الثلاثينات (٢).

стр. 726

ففجأة رأت ذاكرة الزنابير صورتها في المرآة: الإمبراطور عارياً تطارده أشباح ١١٢ مليون آدم وحواء، ينتمون إلى أكثر من أربعمائة شعب كانوا يملأون (مجاهل) العالم الجديد بضحكة الحياة (لم يبق منهم في إحصاء ١٩٠٠ سوى ربع مليون) وتلوح لعينيه مشاهد ٩٣ حرباً جرثومية شاملة (١)، آتت على حياة الملايين من هذه الشعوب. هذه الإبادة الجماعية الأعظم والأطول في تاريخ الإنسانية والتي حاول التاريخ المنتصر محو ذكراها من وجه الأرض أيقظتها حالات (الجمرة الخبيثة) بكل أهوالها في مخيلة الزنابير، التي بدأت ترى مستقبلها في صورة ضحاياها، الذين أبيدوا بجراثيم الجدري في خليج مساشوستس أو بمبيد الأعشاب البرتقالي، وغاز الخردل، واليورانيوم المستنفد في كوريا وفيتنام، وما بين الرصافة والجسر (٢). هكذا تأسست أمريكا بلد الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهكذا كانت أخلاق روادها الأوائل ورعيلها الأول الذين لازال الأمريكيون وكثيرون في العالم، يتغنون بإنجازاتهم العظيمة .. !؟ وقد لاحظ (هوارد سيمبسون) في مقدمة كتابه الرائع عن دور الأمراض في التاريخ الأمريكي إن المستعمرين الإنكليز لم يجتاحوا أميركا "بفضل عبقريتهم العسكرية أو دافعهم الدينية، أو طموحاتهم، أو وحشيتهم، بل بسبب حربهم الجرثومية التي لم يعرف لها تاريخ الإنسانية مثيلاً (٣). وحتى إعلان الاستقلال الأمريكي، الذي أقر مبادئ الحرية والمساواة، وصف الهنود بأنهم "متوحشون بغير رحمة وسيلتهم المعروفة هي شن الحرب وذبح الجميع". هكذا تكلموا عن السكان الأصليين حتى يبرروا مسبقاً المذابح ونهب الأراضي، واعتبار تلك الجرائم البشعة نوعاً من الدفاع الشرعي، كما لو كان الهنود غزوا أراضى المهاجرين، بينما هؤلاء الأوربيين كانوا ينهبون أراضى الهنود ويدمرون حياتهم بصفة مستمرة. ومنذ ذلك الحين، ومنذ تلك الخطيئة الأساسية وضع حجر الزاوية الأساسي للسياسة الأمريكية، حيث شهد (توكفيل) بربرية المستعمرين ضد الهنود الحمر، الذين يملكون أسلحة لا تتوازن مع أسلحة الغزاة، ووصف بسخرية

стр. 727

لاذعة وإنسانيه، ذبيحة ذلك النصر، الذي حققته الحرية، وهذه المسيرة المنتصرة للحضارة عبر الصحراء، بينما في قلب الشتاء كان البرد قارصاً وكان ثلاثة أو أربعة آلاف جندي يطاردون السكان الأصليين الرحل، الذين يخطون آخر خطواتهم نحو الانقراض، وهم يحملون جرحاهم ومرضاهم وأطفالهم الرضع وعواجيزهم إلى حافة الموت ... مشهد مؤثر لا يمحى أبدا من الذاكرة (١). لقد كان المستوطنون الجدد الأمريكيون البيض بمنتهى الغدر والجحود تجاه مساعدة الهنود لهم، ولولا هذه المساعدة لما أمكنهم البقاء، ولما تم لهم ذلك ومع هذا لم يكونوا يشعرون بأي دين تجاههم أو أي واجب أخلاقي، بل أن هؤلاء الوافدين جاهروا بازدراء عقائد الهنود واحتقارهم، بل ذهب (كوتون ماذر) أحد أبرز المفكرين الأميركيين إلى اتهام الهنود بأنهم يعملون تحت إمرة (إبليس)، وإنهم قدموا إلى الولايات المتحدة لكي يمنعوا الأناجيل من فرض سلطانهم المطلق عليها (٢). استعباد الزنوج لم يكن البيض الذين هاجروا من بريطانيا بمحض إرادتهم العنصر الوحيد في مجتمع المهاجرين الذي نما في المستعمرات، بل كانت هناك مصادر أخرى في مقدمتها تجارة الرقيق، وترحيل المستعمرين المساجين أصحاب السوابق إلى أمريكا وأستراليا، حيث كانت المشكلة الأساسية، التي واجهت المهاجرين الأوربيين في العالم الجديد، هي توفير الأيدي العاملة لهذه المساحات الشاسعة من الأرض، التي استولوا عليها بالقوة من السكان الأصليين. فقد كان هناك الهنود الحمر بالطبع، ولكن أنفتهم تأبى الاستعباد، ولذلك كان لابد من توفير العمال من بين فقراء الإنجليز، ومن أصحاب السوابق، ولكن ثبت أن العمال البيض أقل صلاحية للعمل في الولايات الجنوبية بسبب ارتفاع درجة الحرارة، وقسوة المناخ على عكس الرقيق السود الذين كانوا أكثر تحملاً وأسهل قياداً (٣).

стр. 728

ولهذا بدأت الشركات التي تعمل في الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة ـ حيث نزلت أولى موجات الهجرة واستقرت، ومضت تزرع وتتاجر وتغتني وتراكم الثروة ـ تواجه مشكلة تحجم نشاطها بالرغم منها، بسبب مشكلة اليد العاملة. ذلك أنه حتى قرابة سنة ١٧٠٠، لم يزد عدد المهاجرين من أوروبا عبر المحيط عن ربع مليون مهاجر، وكلهم يريد المال والأرض والعقار، وليس فيهم أحد يريد أن يكون أجيراً. والا فلماذا ركب جبال الموج وجاء إلى أرض الميعاد. إلى جانب ذلك فإن سكان البلاد الأصليين من الهنود الحمر، وممن تتم عملية إبادتهم (لأنهم همج، لا يصلحون للتمدين ولا للتدين)، ليسوا على استعداد للعمل، ولا لخدمة هؤلاء الذين انقضوا عليهم من أمواج المحيط (١). والحل العملي الذي يطرح نفسه هو الإتيان عن أي طريق بيد عاملة تشتغل ولا تشارك، وتقبل بالقليل ولا تنتظر زيادة. والحل هو العبودية، أي عضلات تعمل بطعامها وليس أكثر، وطاعة تقبل الأمر لأنها لقنت تحت الأسر درس الطاعة بالسلاسل والسياط. وهذا الوضع أدى إلى قيام شركات في أمريكيا (شركات مساهمة أيضاً) نشاطها تجارة العبيد، حيث ازدادت ما بين ستينيات القرن السابع عشر الميلادي ونهاية القرن التاسع عشر الميلادي أعداد العبيد الذين تم استيرادهم من أفريقيا، وبيعهم في أميركا، من ٥٠ ألفا في العقد الواحد إلى حوالي ٤٥٠ ألفا، مع هلاك أعداد مخيفة منهم أثناء السفر (٢). فقد كان المغامرون الأوروبيون المسلحون يجوبون أنحاء القارة الأفريقية خصوصاً غرب وشرق القارة، وتقوم العصابات الأوروبية بالهجوم على القرى الأفريقية والتجمعات السكنية. يقتلون الكبار ويسوقون أمامهم الشبان والفتيات والأطفال مكبلين في الأصفاد، ثم يسيرون بهم وهم حفاة عراة في طريق طويل بين الغابات والأحراش، يسمى طريق العبيد حتى يصلون إلى شاطئ المحيط الأطلسي في غرب إفريقيا. ومن هناك يحشرون في السفن التي تنقلهم إلى الأرض الجديدة، وفي أثناء هذه الرحلة البرية داخل إفريقيا، كان نصف العبيد يموتون من

стр. 729

الجوع والإرهاق، وفتك الحشرات والأمراض بهم، ومن يمت منهم في أثناء الرحلة، كان يفك قيده وتترك جثته على جانب الطريق، لتنهشها الوحوش والطيور. لذلك كان طريق العبيد هذا الذي يمر من شرق القارة الأفريقية إلى وسطها حتى الشواطئ الغربية تتناثر على جانبيه العظام البشرية والجماجم في شكل مخيف، ويقدر عدد من يستطيعون الوصول إلى الشاطئ أحياء بنحو نصف المستجلبين (١). ويورد (جيمس هيدجر) الذي قام بكتابة بحث خاص (بالتجارة في الأرواح) كما سماها، مجموعة من أوراق إحدى الشركات المساهمة في هذا المجال، وقد ركز فيها على سجلات سفينة الشحن (سالي) وقبطانها (أيسيك هوبكنز). وفي سجلات السفينة (سالي) توجيه من الملاك (نيكولاس وبراد)، شركة مساهمة يقولا للقبطان: إننا نثق فيك وفي إخلاصك لنا وخدمتك لمصالحنا، ونحن نفوضك بأن تذهب إلى شواطئ أفريقيا (شاطئ غينيا) وتشحن سفينتك بمن تستطيع أن تجلبهم من العبيد بالوسائل التي تراها، وأنت مخول أن تبيع وتشتري منهم كما تشاء في طريق رحلتك إلى أمريكا عندما تتوقف في جزيرة باربادوس، ونذكرك طبقاً للعقد بأن حصتك هي ٤ عبيد لك مقابل كل ١٠٠ عبد للشركة مضافاً إلى هذا نسبة ٥% من ربح الحمولة عندما يتم بيعها، ونريد أن نذكرك بأن السرعة في هذه التجارة مطلوبة لأن الحاجة إلى اليد العاملة ماسة. وضمن سجلات السفينة (سالي) يوميات قبطانها (هوبكنز) وهو يكتبها بالتفصيل لتكون في علم المساهمين عندما يتحاسب معهم على حصيلة أرباح رحلته، حيث كتب القبطان الآتي: - قدمت لشيخ القبيلة (جالون) من مشروب الروم مقابل عبدة (فتاة). - دفعت سبع جنيهات لشراء صبي. - اشتريت خمسة عبيد صالحين للعمل هذا اليوم بعد الظهر، مقابل بصل وسكر وروم الجلاب. - حمولتنا الآن ١٩٦ عبداً.

стр. 730

- واحدة من العبيد شنقت نفسها. - ثلاثة عبيد قفزوا إلى البحر، ولم نستطيع إنقاذهم من الغرق، وقررنا حبس الباقين في العنبر الأسفل للسفينة، وكنا نخصصه لبقرتين معنا وربطنا الأسرى بالحبال (١). هذه مشاهد يومية حيه لتجارة الرقيق، كما عبر عنها قبطان السفينة وصاحبها، تكشف إلى أية درجة بلغت عنصرية هؤلاء واحتقارهم للرقيق، ومعاملتهم معاملة الحيوانات والمواشي، مما دفع الكاتب الساخر (برناردشو) للقول: "إن هؤلاء يعتبرون قتل الآخرين شجاعة، وتجارة الرقيق فرعاً من فروع التجارة". فالمسألة عندهم لم تخرج عن كونها تجاره ونهب وسرقة أنفس، بعيده كل البعد عن أي معنى أخلاقي إنساني. وقد أوضح نفس هذا المعنى أستاذ جامعي من المؤيدين لنظام الرق اسمه (توماس ديو)، عندما قال: "إن القيمة المالية لرقيق فرجينيا تساوي مائة مليون دولار، أي ما يساوي ثلث ثروة الولاية، وقال ديو: "إن ولاية فرجينيا تصدر كل سنة ستة آلاف رقيق إلى الولايات المتحدة الأخرى، وإن فرجينيا في الواقع ولاية لتربية الرقيق مثل تربية الماشية للولايات الأخرى، وأنها تنتج ما يكفي حاجتها منهم، وتعرض ستة آلاف للبيع". وفي مكان آخر من حديثه قال: "إن الستة آلاف رقيق الذين ترسلهم فرجينيا إلى الجنوب كل عام، هم مصدر ثراء لفرجينيا". وقد حذر ديو من التوقف عن هذه العملية والقضاء على الرق، لأن فرجينيا ستفقد مصدر ثرائها. ويتحدث طبيب قبيل الحرب الأهلية الأمريكية عن زوجين من الرقيق، قد أنجبا لمالكهما رقيقاً باعهم بمبلغ خمسة وعشرين ألف دولار خلال أربعين سنه (٢). هكذا سيق من سموا بالعبيد إلى مصيرهم التعس رغماً عنهم، ورحلوا إلى بلد لم يختاروه في ظروف لا إنسانية همجية، حيث كان الطريق الملاحي الممتد عبر المحيط الأطلسي، والذي يمتد من سواحل غرب إفريقيا إلى جزر الهند الغربية، هو طريق الآلام الذي تمخره السفن التي تقوم بنقل الرقيق الأسود، حيث كانت أيدي وأرجل الرقيق توثق ويشدون إلى بعضهم البعض بالسلاسل، ويحشرون في مخازن

стр. 731

السفن في ظروف صحية سيئة إلى جانب التعذيب وسوء المعاملة، مما أودى بحياة عشرات الملايين منهم كما يشير إلى ذلك المؤرخ (وليم دوبوا) في كتابه (القضاء على تجارة العبيد الأفريقيين) الذي نشر عام ١٨٩٦م. ففي أثناء الرحلة البحرية كانت السفن تتكدس بهؤلاء البؤساء الذين لا ينالون من الطعام والشراب إلا ما يسد الرمق، لذلك كان يموت نصفهم في أثناء هذه الرحلة، ويلقى بجثث الموتى في مياه المحيط. فإذا ما وصل الناجون إلى الشواطئ الأمريكية كان التجار يشترونهم في مزادات للجملة ثم يبيعونهم بعد ذلك في الأسواق الأمريكية. وبعد وصول العبيد إلى المشتري، كان يقوم فوراً بإعداد حظيرة لاستقبالهم ليبدأ تسخيرهم في أعمال الزراعة وغيرها من الأعمال الشاقة، وذلك نظير إمدادهم بما يسد رمقهم من الغذاء والشراب. وكان هؤلاء المساكين محرومون من كل الحقوق، يعاملون من قبل السيد الأبيض كما تعامل الحيوانات ويتعرضون للجلد والتعذيب لأتفه الأسباب، ولا يستطيع أي منهم أن يغادر إقطاعية سيده إلى مكان آخر، وإذا ما بيعت الإقطاعية تبع ما بها من عبيد السيد الجديد. ويقدر بعض العلماء أن نصف سكان القارة الإفريقية قد تعرضوا للاختطاف ليستعبدهم الرجل الأبيض في القارة الجديدة (١). ولم تقف معاناة السود عند هذا الحد، بل عاملهم أسيادهم الجدد معاملة وحشية عنصرية كشف عن أجزاء منها (توماس دي موريس)، الذي تحدث عن عهد العبودية، الذي امتد في الولايات المتحدة الأمريكية لأكثر من مائتي عام، حين كان الأثرياء البيض يشترون عبيداً لهم من السود يسخرونهم لخدمتهم ولحرث أراضيهم، وعندما يموت صاحب العبيد، يتقاسمهم ورثته بالقرعة، كما يتقاسمون رؤوس قطيع الغنم دون أي اعتبار للعلاقات الأسرية. فحين كان يوزع العبيد علي الورثة لم يكن يفكر الرجل الأبيض بأن يبقي علي أفراد العائلة الواحدة معاً كأن يبقى الزوج والزوجة والأبناء في خدمة رجل واحد، بل كان يوزع أفراد العائلة على مجموعة من

стр. 732

الورثة فيفصل أفراد العائلة كل في منطقة، وقد لا يلتقي الأخ بأخيه والأم بأولادها لسنوات طويلة، وقد لا يلتقون أبداً (١). لقد كتب الكثير عن المعاناة التي قاساها السود في ظل حياة العبودية في الولايات المتحدة، كالإبادة والتعذيب والأعمال الشاقة وتشتيت العائلات، وبيع الأطفال، والاستغلال الجنسي، والعقاب الوحشي، فالجلد بالسوط، والوشم ـ أي إحداث علامة على جسم الرقيق باستخدام الحديد المحمى على النار لإثبات ملكية للشخص الذي يسميه ـ كلها من التجارب التي عاناها السود الإفريقيين في عهد العبودية، والتي يصل بعضها إلى حد القتل إذا حاول الرقيق تعلم القراءة والكتابة على سبيل المثال (٢). ولكن برغم هذا الظلم والاستعباد، التي تعرض له الأمريكيون السود، فإنهم لم يستسلموا للعبودية، فقد ثبت من التجارب التاريخية انه حيثما وجدت العبودية كانت هناك محاولات للتحرر، وان حب الحرية ليست قاصرة على البيض وحدهم، وكان من الطبيعي أن يثور السود على من استعبدوهم وسرقوا حريتهم. ففي صيف عام ١٨٣١م قامت عصبة من الرقيق بقيادة (نات تيرنر) بذبح ستين شخصاً من البيض، قرب ساوثمبتون في فرجينيا (٣). واستمرت عمليات مقاومة السود للظلم والعبودية على مدى التاريخ الأمريكي، من اجل نيل حقوقهم والظفر بالحرية والمساواة. وهنا يمكن ملاحظة كيف أن إعلان استقلال الولايات المتحدة الصادر في ٤ يونيو عام ١٧٧٦م الذي يعد إرهاصاً لـ (إعلان حقوق الإنسان والمواطن) في فرنسا عام ١٧٨٩م، يعطى مثالاً صارخاً للنفاق عن الحرية بمعناها الأمريكي، حيث ينص الإعلان في سطوره الأولى على ما يلي: "لقد خلق الناس جميعا متساوين ومنحهم الله حقوقاً لا تقبل التنازل عنها، كالحياة والحرية والبحث عن السعادة"، ومع ذلك فقد استمرت عبودية الزنوج مع هذه الحرية قرناً من الزمان وكان لا بد من أن

стр. 733

تنفجر حرب أهليه عام ١٨٦٥م لإنهاء ما كان يسمى حتى ذلك الوقت بالمؤسسة الخاصة أو (نظام العبيد) (١). وحتى بعد تلك الحرب لم يكن للزنوج مكان في المجتمع الأمريكي، فقد نشأ بعد ذلك إرهاب المنظمات السرية مثل (كوكلوكس كلان) التي اثبتت، خلال ما يزيد على مائة عام من وجودها، فاعليتها كسلاح للارهاب الموجه ضد الزنوج بسبب محاولتهم الحصول على حقوقهم الطبيعية. "ففي عام١٩٤٦ مارست (كلان) موجة عاصفة من الإرهاب لمنع الزنوج من الذهاب إلى صناديق الاقتراع. ففي عشية الانتخابات طافت الصلبان ارجاء الولاية. وعلقت على كنائس الزنوج تحذيرات من هذا القبيل: "ان أول زنجي في جورجيا يتجرأ على التصويت سوف يكون ميتاً. (ك ك ك). وارسلت مثل هذه التحذيرات بالبريد (مع طلقة مسدس في بعض الأحيان)، لا بل القيت من الطائرات فوق احياء الزنوج. وفي يوم الانتخابات استيقظ آلاف الزنوج ليجدوا لدى أبواب منازلهم دمى على شكل توابيت" (٢). يضاف إلى ذلك ان القوانين السوداء استبعدت العبيد القدامى من الحياة السياسية، كما استبعدتهم من الحياة المدنية. واستمر التمييز العنصري حتى يومنا هذا، برغم تضحيات بذلها عظماء مثل (مارتن لوثر كنج)، وغيرهم من دعاة الحقوق المدنية، وظل السكان السود وغيرهم يعانون من نتائج التمييز العنصري الذي انعكس على حياتهم الصحية والاقتصادية، حيث أن أكثر الأجناس معاناة من العوز الاقتصادي هم السود وذوي الأصول الأسبانية، والمواطنون الأصليين (الهنود الحمر) بالذات، حيث يعانون من الفقر المدقع، ويقل متوسط أعمارهم عن متوسط أعمار البيض بمقدار عشرين عاماً، ومعدلات البطالة بينهم مرتفعة جداً، ونسبة الفقراء بينهم تتجاوز٥٠%، ففي حين تبلغ نسبة الفقر بين البيض ١١% (٣). و قد يستغرب الناس خارج الولايات المتحدة أن يكون الفقر في هذه البلاد ظاهرة اجتماعية تفرخ كثيراً من المشاكل والمآسي التي يعاني منها ملايين

стр. 734

الأمريكيين، وإن المعاناة من الفقر مستمرة منذ أن وجدت أمريكا. فمع أن الدخل القومي بلغ سبعة آلاف وخمسمائة وثمانين مليار دولار ٧٥٨٠ مليار دولار في عام ١٩٩٦م، إلا أن هناك ملايين الفقراء من الأمريكيين، الذين لا يتوقع أحد زوال الفقر عنهم في وقت قريب. ففي الفترة ما بين عامي ١٩٧٠م و ١٩٨٨م إزداد عدد الفقراء في الولايات المتحدة بنسبة ٢٦% حيث وصل عددهم في عام ١٩٩٦م ٥، ٣٦ مليون نسمة، وأن خمسي هذا العدد أي ما يصل إلي ٤، ١٤ مليون نسمة يعانون من شدة الفقر حيث بلغ دخلهم أقل من نصف معدل الفقر. وهذا يعنى أن عهود العبودية السوداء لم تنته بعد في الولايات المتحدة، وإنما أصبحت تأخذ أشكالاً جديدة مع احتفاظها بالمعايير نفسها، وتقول الدراسات التي قام بها مركز (ابوليش) المناهض للرق أن هناك آلاف العبيد الذين يعيشون حالياً في (أرض الحرية)، ولكن بالطبع دون أن تجري مزادات لبيع الرقيق علي الملأ، فالعبودية المعاصرة في أمريكا أصبحت تتم في الخفاء وتعتمد أساليب الخداع والتهديد، ولكن ممارستها لا تقل قسوة عن ممارسات (مؤسسات الرق) التي انتشرت لعقود مضت (١). التبرير الديني للنهب والسلب والإبادة في كتابه عن نظريات الاستعمار الإنكليزية يعتقد (كلاوس كنور): "إن الإنكليز أكثر القوى الاستعمارية الأوروبية ممارسة وتعمداً للإبادة وان هدفهم النهائي في العالم الجديد كما في استراليا ونيوزيلانده وكثير من المناطق التي يحتاجونها هو إفراغ الأرض من أهلها، وتملكها، ووضع اليد على ثرواتها. فخلال هذه المسيرة التي بدأت بايرلندا ولن تنته بعد، تحكمت عقدة الاختيار الإلهي والتفوق العرقي بسلوكهم وبنادقهم، واستحوذت على أخلاقهم وعقولهم .. وهذا ما أوهمهم بأنهم يملكون حق تقرير الحياة والموت لكل من عداهم، وأنهم أيضا في حل من أي التزام إنساني قانوني تجاه الشعوب، التي يستعمرونها لا باعتبار أنها أعراق منحطة وحسب، بل لأنها في الغالب مخلوقات متوحشة لا تنتمي للنوع الإنساني. ولم ينج من هذا

стр. 735

التصنيف البيولوجي أقرب الناس إليهم وجيرانهم في الجزيرة وشركاؤهم في البياض والنضارة. فلطالما لازمت الايرلنديين صفة التوحش wild Irish وقالوا عنهم إنهم يعبدون الشيطان، وأنهم أجلاف عراة أحلاس الغابات والمستنقعات، يعيشون على نوع من لحم البشر، أو من لحم أمهاتهم اللواتي كانت لهن أذناب طويلة، وكن متوحشات يأكلن أطفالهن (١). وعندما نزلت أول دفعة من المستوطنين الإنجليز من سفنهم الثلاث عام ١٦٠٧م إلى اليابسة على شاطئ فرجينا في أمريكا الشمالية، فإنهم لم يقوموا فقط ببناء مستوطنة تقوى مركز إنجلترا في مواجهة جارتها الأوربيات، بل جلبوا معهم أفكاراً وعادات شكلت الأساس، الذي قامت عليه ممارساتهم العرقية في المجتمع الأمريكي. وأول ما جلبوه معهم إحساسهم كإنجليز بالتفوق العرقي والثقافي، واعتقادهم بأن البروتستانتية هي التعبير الحقيقي عن الإيمان المسيحي، وإيمانهم بأن التطهيريين (البيوريتان) هم خير من يمارسها في شكلها الصحيح. واعتبر الإنجليز كل من يختلف عنهم بأنه من مرتبة أدنى منهم. وقد ساد هذا الموقف وترك أثره على كل التفاعلات التي حدثت في المجتمع الأمريكي (٢)، حيث أعطى الأميركيون البيض معركتهم من الهنود الطابع الديني وكأنهم يخوضونها بالنيابة عن الله والمسيح، ليبرروا اضطهادهم وسرقة أرضهم. فعندما زحف (أبناء الرب) من جزيرة روانوك في اتجاه الغرب لم تكن حروب الإبادة والتطهير العرقي وحرق المحاصيل، ومصادرة الأراضي، وإطعام الأطفال الهنود للكلاب إلا مظاهر (إرادة الله ـ يهوه) في العهد القديم (٣). وهذه العقلية المتعالية - التي لم تر في الآخرين (وهم الهنود في هذه الحالة) سوى وثنيين مجردين من إنسانيتهم، ومن حقوقهم، ولا يستحقون المواطنيه، لأنهم بكل بساطة تحت (قبضة الشيطان)، ويتربصون بالولايات المتحدة شراً، ويريدون لها أن تصير أرضاً نظيرة للجحيم - هذه العقلية المتعالية، ليست بعيدة عن فكرة (شعب الله المختار)، وهي رؤيا كانت كافيه لاستعباد السود والدعوة إلى استحالة دمجهم في

стр. 736

الأمة الأميركية، لذلك تركوا على هامش الحياة وتم التعامل معهم كأدوات خادمه للآلة الاقتصادية الأميركية. ولقد استند التطهيريون الإنكليز لتبرير مطاردتهم للهنود وسرقة أراضيهم إلى سفر (يشوع) ومنطق الإبادة المقدسة في العهد القديم، وكتب أحدهم يقول: "بديهي أن الرب يدعو المستوطنين إلى الحرب، فالهنود اعتمدوا على عددهم وأسلحتهم كما فعلت قبائل النقب القديمة: العمالقة والفلسطينيون متحالفين مع غيرهم ضد شعب إسرائيل". هكذا وفي ظل هذه الذهنية مورست الإبادة الجماعية ضد الهنود، وكأن هؤلاء الهنود هم الذين غزوا أراضى المستوطنين، فيما كان المهاجرون ينهبون أراضيهم ويدمرون حياتهم (١). يقول (ميشال بوغنون) في كتابه (أميركا التوتاليتارية): "إن استيطان أميركا كان يجري في الأصل في سياق أيديولوجي ثنائي القطب، أولاً: الاغتناء المادي، وثانياً: تمجيد الإنجاز الإلهي. فالأمة الأميركية ورجال الكنيسة والمثقفون الأوائل هم شعب الله المميز، الذي جاء على قدر، فـ (وليام مستوغتون) (١٦٣١ـ١٧٠١م) "يرى أن الله اختار مواطني أميركا بعناية، فغربلهم كما تغربل الحبوب لفصل البذرة الصالحة عن غيرها". و (جون وينثروب) حاكم مستوطنة ماساشوستس عام ١٦٢٩ م حتى وفاته في العام نفسه، "ذهب إلى وصف نفسه وأصحابه بأنهم في خدمة المسيح وأنهم يرتبطون معه بميثاق، وأنهم أعضاء جسم فريد موحد، وهم شعب الله المختار وإله إسرائيل بينهم" (٢). وكان هؤلاء الغزاة الأوائل يسمون بالحجاج أو القديسين، وكانوا يعتبرون هذا العالم الجديد بديلاً عن (أورشليم)، والأراضي المقدسة، ولهذا فقد سموه بكل الأسماء التي أطلقها العبرانيون على بلاد كنعان، وما يزال التاريخ الأميركي إلى الآن يضفي على هؤلاء الحجاج قداسة طوباوية، ويعتبرهم أول نموذج للاستثناء الأميركي الذي فضله الله على العالمين، وأورثه ما أورث بني إسرائيل من قبل، وجعل العهد الذي عقدوه مع الله على متن سفينتهم الأسطورية Mayflower من اللحظات النادرة الخالدة في التاريخ الإنساني، كما يقول الرئيس الأميركي (جون

стр. 737

آدامس). فعهدهم مع الله جب عهد الإسرائيليين القدامى، وتأسيس مستعمرتهم على صخرة (بليموث) ضاهي تأسيس الكنيسة على صخرة بطرس. قضية هؤلاء (الحجاج) هي الأصل الأسطوري، لكل التاريخ الأميركي ومركزيته العنصرية وما يزال كل بيت أميركي يحتفل سنوياً في (عيد الشكر) بتلك النهاية السعيدة، التي ختمت قصة نجاتهم من ظلم فرعون البريطاني و (خروجهم) من أرضه و (تيههم) في البحر و (عهدهم) الذي أبرموه على ظهر سفينتهم مع يهوه ووصولهم في النهاية إلى (ارض الميعاد) " (١). ويعتبر هذا العيد الطقسي (عيد الشكر، الذي يبجله الأميركيون، وطنياً ودينياً أكثر من أي عيد آخرب ما في ذلك عيد الاستقلال)، من أكثر أعياد أميركا قدسية. ففي هذا العشاء الطقسي الذي يذبحون فيه سنوياً بين عشرين وثلاثين مليون (ذبيحة) قرباناً لله الذي وقف منذ اللحظات الأولى لاستعمار أميركا إلى جانب شعبه الإنكليزي المختار، يستعيد الأميركيون أسطورة تاريخهم بكل ما يعنيه طقسية الاحتفال بالاسطوره. فهو طقس يتضمن تقديس فتح الاستعمار الاستيطاني، والتأكيد على التفوق الطبيعي والأخلاقي للمستعمرين، وهو تأكيد على صدق الأسطورة وحياتها المتجددة، وهو احتفال برعاية الله لكل عناصر أسطورة الولادة المقدسة للتاريخ الأميركي، وهو من خلال هذا الطقس الاحتفالي ـ يؤكد على التسامي بالأسطورة ومعايشتها كدين (٢). فأمريكا تعزو بشكل جزئي هويتها الوطنية إلى انتشار مثل هذه الأساطير القوية التي انبثقت في أوائل تاريخها، حيث يرتبط كثير من هذه الأساطير (بالآباء المؤسسين)، الذين أسسوا هذه البلاد، بينما يرتبط بعضها الآخر بخبرات بناء الأمة. وقد تكون أقوى هذه الأساطير، تلك التي تطورت من جراء خبرة الرياديين وانبثاق الأمة وأن بيان المصير ـ كما يسميه علماء التاريخ ـ هو الاعتقاد بأن الاستيطان في تلك الأراضي الشاسعة غير المسكونة وترويضها من قبل المستوطنين الأوروبيين، كان حدثاً تم بموجب مقاصد إلهيه. فالله اصطفى الأمة الأمريكية من بين الأمم

стр. 738

والشعوب وفضلها عليهم، وجعلها شعبه المختار وذلك من أجل قيادة العالم وتخليصه من الشرور (١). وقصة هذا الاصطفاء يمكن روايتها كالآتي: "هرب أناس رياديون شجعان من الاضطهاد الديني والسياسي في أوروبا، وواجهوا عقبات كبيرة في تحقيق أحلامهم بوجود سكان أصليين (متوحشين) استخدموا وسائل إرهابيه لإحباط مقاصد الرياديين، ولكن بمعونة الله استطاع هؤلاء المستوطنين الشجعان أن يهزموا (المتوحشين)، ويطردوهم خارج تلك الأراضي، على الأقل تلك الأراضي الجيدة، هكذا مهدوا الطريق لهؤلاء الذين كانوا قادرين على استغلال المصادر، التي أعطاهم إياها الله في تلك الأراضي بشكل أفضل. ولكن هذه القصة غير المحبوكة فضحتها العلوم والمعارف الحديثة، عندما ركزت على وحشية هذا التطهير العرقي القديم وعواقبه السلبية. غير أن بعض العناصر الأساسية في هذه القصة والمتعلقة بالأسطورة ـ أي الرياديين الشجعان الذين هربوا من الاضطهاد وعملوا على إنشاء دولة حره ـ لا تزال تشكل الهوية الذاتية الأمريكية، ويبدو هذا واضحاً في الطريقة السهلة التي يستطيع بها السياسيون ومن بينهم الرئيس (جورج بوش) في هذه الأيام أن يبحثوا عن الدعم لمغامرات سياساتهم الخارجية باقتباسهم عناصر رئيسة من هذه الأسطورة (أن أي هجوم على أمريكا هو هجوم على الحرية) (٢). ففي التعابير التي كانت تدور على السنة سكان المراحل الأولى من تاريخ فيرجينيا على سبيل المثال، أعلن أوائل المستوطنين عن أنفسهم بجرأة أنهم على حد قول (جون رولف) بأنهم "شعب له خصوصيته، أشار إليه واختاره إصبع الله لامتلاك تلك الأرض لأنه معنا دون شك". والواقع أن مستعمرة فرجينيا في أقدم سنواتها كانت أشبه شيء بمدينة أسستها شركة، وتشبه قاعدة أمامية أو مركزاً متقدماً في أقاصي حدود الاسكا. وقد حافظ المؤسسون بدقة على الشكليات الدينية المعروفة آنذاك بما فيها القوانين التي تتطلب التردد على الكنيسة (٣).

стр. 739

ولكن هذا الورع الزائد للمؤسسين الأوائل، باعتبارهم شعب له خصوصية، كان يعكس عنصرية بشعة، ونظره دونية للآخرين باعتبارهم أقل درجه منهم، حتى لا يجوز هدايتهم. وهنا يقول القس (كوتون ماذر) (١٦٦٣ـ١٧٢٨م) وهو أحد أهم الآباء المؤسسين لأمريكا: "من الكفر بالله والمسيح أن يحاول أحد هداية أهل البلاد الأصليين، الهنود الحمر، لأنه وجدهم مخلوقات بشعة لا يجوز أن تدخل في ديانته المقدسة" (١). وقال كوتون ماذر أيضاً: "إن أميركا كانت قبل مجيء الحجاج الأوائل أرض الشيطان، وإنه ـ أي الشيطان ـ سيستعمل كل حيله للحول دون استيطان المستوطنين". وبهذا تكونت صورة الهندي الشرير والبربري المسكون بالشيطان، في مقابل الرجل الأبيض المختار المسكون بالخير المتصف بالتحضر. وأيضا في مقابل الأسود الجاهل الذي لا يجيد التمتع بالحرية كما هي في الولايات المتحدة" (٢). فهؤلاء المهاجرون المتدينون الهاربون من النظام الطبقي البغيض، ومن كل سلطة دنيوية أو دينيه بحثاً عن حياة جديدة اغفلوا ضمائرهم، أو استطاعوا أن يوفقوا بين معتقداتهم وبين إبادة الهنود الحمر مسترشدين في ذلك ببعض الأساطير التوراتية، التي أباحت لغزاة فلسطين الأول من اليهود إبادة سكان أرض الميعاد ليحلوا محلهم (٣). فقد كانت قصص اجتياح كنعان في العهد القديم تمدهم بالأسس الأخلاقية اللازمة لتماسك هذه السيكولوجية الاستعلائية، ولتبرير عنصريتها وعنفها المميت، ولم يكونوا واثقين إلا من شيء واحد: إن الله فضلهم واصطفاهم على العالمين، وأعطاهم الأرض وحق تقرير الحياة والموت والرزق لكل من يعيش فوق هذه الأرض، هكذا حمل شعب الله سيف (الجلاد المقدس)، ولم يساوره الشك في إن الإبادات لم تكن إلا تدبيراً إلهياً مباركاً ورسالة في المجاهل عهدها الله إليهم (٤).

стр. 740

وهنا يلاحظ الدكتور (عبد الوهاب المسيري) أن ثمة عناصر تسم التشكيل الحضاري الغربي الحديث جعلت الإبادة كامنا فيه وليست مسألة عرضية، وقد قام الإنسان الغربي بكثير من عمليات الإبادة لا على الرغم من حضارته الغربية وإنما بسببها!!. فقد طورت الرؤية الغربية الحديثة للكون رؤية للبشر بحسبانهم مادة بشرية يمكن توظيفها، أما من لا يمكن توظيفه فكان يشار إليه بحسبانه مادة بشرية فائضة وأحيانا غير نافعة، ولا بد من معالجتها, فهي إما تصدر وإما أن تعاد صياغتها وإما أن تباد إن فشلت معها كل الحلول السابقة (١). وهكذا فإن أي قراءة في العقل الأميركي ورؤيته المتعالية للأمة الأميركية، تبين بوضوح من خلال استعادة آراء منظري الكيان الأميركي، الذين يرون أن أحداث التاريخ وإنشاء الولايات المتحدة أمر صادر عن إرادة قوة، وعن قناعة بأن القدرة الربانية كلفت هذا الكيان الوليد والجديد برسالة تسيير شؤون العالم وإدارته، وان عليهم أداء هذه الرسالة والقيام بواجباتها. إنه إذاً عقل مسكون بيقين تجسيده لأمر الهي، إنها صورة يؤكدها العشرات من المفكرين والمؤرخين الأميركيين، ويرون من خلالها أنهم ملزمون في التبشير بها بل أن مؤرخاً أميركيا مثل (دانيال مورستين) وصل في مغالاته إلى القول: ًأن شعبا في العالم لم يكن أكثر يقيناً في سيره على الصراط المستقيم كالشعب الأمريكي". هذه الرؤية وهذا اليقين والوهم بأداء (رسالة ربانية) هما محرك السياسة الأميركية باتجاه فرض سيطرتها على العالم (٢). وبناء على هذا الموقف العنصري المتعالي، المغلف بالمعاني الدينية المستمدة من التوراة اليهودية، لم يجد المؤسسون الأوائل لأمريكا أية حرج، في إبادة الهنود الحمر واستعباد الزنوج ماداموا أجناس اقل مرتبه ومتوحشون، وهو نفس الموقف الذي لجأ لاستخدامه اليهود قديماً وحديثاً مع الفلسطينيين والشعوب المجاورة. وقد صارت هذه الأخلاق الإبادية بنفاقها وبسماتها الانكليزية المسمومة عقيدة وأيديولوجيا، بل صارت النواة الصلبة للقومية الأميركية التي ما تزال تخصب الأدب والفن والسينما وصناعة الجريمة والموت وتعطي أوضح صوره لمفهوم الأميركي عن
следующие страницы →