الأمة الأميركية، لذلك تركوا على هامش الحياة وتم التعامل معهم كأدوات خادمه للآلة الاقتصادية الأميركية. ولقد استند التطهيريون الإنكليز لتبرير مطاردتهم للهنود وسرقة أراضيهم إلى سفر (يشوع) ومنطق الإبادة المقدسة في العهد القديم، وكتب أحدهم يقول: "بديهي أن الرب يدعو المستوطنين إلى الحرب، فالهنود اعتمدوا على عددهم وأسلحتهم كما فعلت قبائل النقب القديمة: العمالقة والفلسطينيون متحالفين مع غيرهم ضد شعب إسرائيل". هكذا وفي ظل هذه الذهنية مورست الإبادة الجماعية ضد الهنود، وكأن هؤلاء الهنود هم الذين غزوا أراضى المستوطنين، فيما كان المهاجرون ينهبون أراضيهم ويدمرون حياتهم (١).
يقول (ميشال بوغنون) في كتابه (أميركا التوتاليتارية): "إن استيطان أميركا كان يجري في الأصل في سياق أيديولوجي ثنائي القطب، أولاً: الاغتناء المادي، وثانياً: تمجيد الإنجاز الإلهي. فالأمة الأميركية ورجال الكنيسة والمثقفون الأوائل هم شعب الله المميز، الذي جاء على قدر، فـ (وليام مستوغتون) (١٦٣١ـ١٧٠١م) "يرى أن الله اختار مواطني أميركا بعناية، فغربلهم كما تغربل الحبوب لفصل البذرة الصالحة عن غيرها". و (جون وينثروب) حاكم مستوطنة ماساشوستس عام ١٦٢٩ م حتى وفاته في العام نفسه، "ذهب إلى وصف نفسه وأصحابه بأنهم في خدمة المسيح وأنهم يرتبطون معه بميثاق، وأنهم أعضاء جسم فريد موحد، وهم شعب الله المختار وإله إسرائيل بينهم" (٢).
وكان هؤلاء الغزاة الأوائل يسمون بالحجاج أو القديسين، وكانوا يعتبرون هذا العالم الجديد بديلاً عن (أورشليم)، والأراضي المقدسة، ولهذا فقد سموه بكل الأسماء التي أطلقها العبرانيون على بلاد كنعان، وما يزال التاريخ الأميركي إلى الآن يضفي على هؤلاء الحجاج قداسة طوباوية، ويعتبرهم أول نموذج للاستثناء الأميركي الذي فضله الله على العالمين، وأورثه ما أورث بني إسرائيل من قبل، وجعل العهد الذي عقدوه مع الله على متن سفينتهم الأسطورية Mayflower من اللحظات النادرة الخالدة في التاريخ الإنساني، كما يقول الرئيس الأميركي (جون
стр. 737
آدامس). فعهدهم مع الله جب عهد الإسرائيليين القدامى، وتأسيس مستعمرتهم على صخرة (بليموث) ضاهي تأسيس الكنيسة على صخرة بطرس. قضية هؤلاء (الحجاج) هي الأصل الأسطوري، لكل التاريخ الأميركي ومركزيته العنصرية وما يزال كل بيت أميركي يحتفل سنوياً في (عيد الشكر) بتلك النهاية السعيدة، التي ختمت قصة نجاتهم من ظلم فرعون البريطاني و (خروجهم) من أرضه و (تيههم) في البحر و (عهدهم) الذي أبرموه على ظهر سفينتهم مع يهوه ووصولهم في النهاية إلى (ارض الميعاد) " (١).
ويعتبر هذا العيد الطقسي (عيد الشكر، الذي يبجله الأميركيون، وطنياً ودينياً أكثر من أي عيد آخرب ما في ذلك عيد الاستقلال)، من أكثر أعياد أميركا قدسية. ففي هذا العشاء الطقسي الذي يذبحون فيه سنوياً بين عشرين وثلاثين مليون (ذبيحة) قرباناً لله الذي وقف منذ اللحظات الأولى لاستعمار أميركا إلى جانب شعبه الإنكليزي المختار، يستعيد الأميركيون أسطورة تاريخهم بكل ما يعنيه طقسية الاحتفال بالاسطوره. فهو طقس يتضمن تقديس فتح الاستعمار الاستيطاني، والتأكيد على التفوق الطبيعي والأخلاقي للمستعمرين، وهو تأكيد على صدق الأسطورة وحياتها المتجددة، وهو احتفال برعاية الله لكل عناصر أسطورة الولادة المقدسة للتاريخ الأميركي، وهو من خلال هذا الطقس الاحتفالي ـ يؤكد على التسامي بالأسطورة ومعايشتها كدين (٢).
فأمريكا تعزو بشكل جزئي هويتها الوطنية إلى انتشار مثل هذه الأساطير القوية التي انبثقت في أوائل تاريخها، حيث يرتبط كثير من هذه الأساطير (بالآباء المؤسسين)، الذين أسسوا هذه البلاد، بينما يرتبط بعضها الآخر بخبرات بناء الأمة. وقد تكون أقوى هذه الأساطير، تلك التي تطورت من جراء خبرة الرياديين وانبثاق الأمة وأن بيان المصير ـ كما يسميه علماء التاريخ ـ هو الاعتقاد بأن الاستيطان في تلك الأراضي الشاسعة غير المسكونة وترويضها من قبل المستوطنين الأوروبيين، كان حدثاً تم بموجب مقاصد إلهيه. فالله اصطفى الأمة الأمريكية من بين الأمم
стр. 738
والشعوب وفضلها عليهم، وجعلها شعبه المختار وذلك من أجل قيادة العالم وتخليصه من الشرور (١). وقصة هذا الاصطفاء يمكن روايتها كالآتي: "هرب أناس رياديون شجعان من الاضطهاد الديني والسياسي في أوروبا، وواجهوا عقبات كبيرة في تحقيق أحلامهم بوجود سكان أصليين (متوحشين) استخدموا وسائل إرهابيه لإحباط مقاصد الرياديين، ولكن بمعونة الله استطاع هؤلاء المستوطنين الشجعان أن يهزموا (المتوحشين)، ويطردوهم خارج تلك الأراضي، على الأقل تلك الأراضي الجيدة، هكذا مهدوا الطريق لهؤلاء الذين كانوا قادرين على استغلال المصادر، التي أعطاهم إياها الله في تلك الأراضي بشكل أفضل.
ولكن هذه القصة غير المحبوكة فضحتها العلوم والمعارف الحديثة، عندما ركزت على وحشية هذا التطهير العرقي القديم وعواقبه السلبية. غير أن بعض العناصر الأساسية في هذه القصة والمتعلقة بالأسطورة ـ أي الرياديين الشجعان الذين هربوا من الاضطهاد وعملوا على إنشاء دولة حره ـ لا تزال تشكل الهوية الذاتية الأمريكية، ويبدو هذا واضحاً في الطريقة السهلة التي يستطيع بها السياسيون ومن بينهم الرئيس (جورج بوش) في هذه الأيام أن يبحثوا عن الدعم لمغامرات سياساتهم الخارجية باقتباسهم عناصر رئيسة من هذه الأسطورة (أن أي هجوم على أمريكا هو هجوم على الحرية) (٢).
ففي التعابير التي كانت تدور على السنة سكان المراحل الأولى من تاريخ فيرجينيا على سبيل المثال، أعلن أوائل المستوطنين عن أنفسهم بجرأة أنهم على حد قول (جون رولف) بأنهم "شعب له خصوصيته، أشار إليه واختاره إصبع الله لامتلاك تلك الأرض لأنه معنا دون شك". والواقع أن مستعمرة فرجينيا في أقدم سنواتها كانت أشبه شيء بمدينة أسستها شركة، وتشبه قاعدة أمامية أو مركزاً متقدماً في أقاصي حدود الاسكا. وقد حافظ المؤسسون بدقة على الشكليات الدينية المعروفة آنذاك بما فيها القوانين التي تتطلب التردد على الكنيسة (٣).
стр. 739
ولكن هذا الورع الزائد للمؤسسين الأوائل، باعتبارهم شعب له خصوصية، كان يعكس عنصرية بشعة، ونظره دونية للآخرين باعتبارهم أقل درجه منهم، حتى لا يجوز هدايتهم. وهنا يقول القس (كوتون ماذر) (١٦٦٣ـ١٧٢٨م) وهو أحد أهم الآباء المؤسسين لأمريكا: "من الكفر بالله والمسيح أن يحاول أحد هداية أهل البلاد الأصليين، الهنود الحمر، لأنه وجدهم مخلوقات بشعة لا يجوز أن تدخل في ديانته المقدسة" (١). وقال كوتون ماذر أيضاً: "إن أميركا كانت قبل مجيء الحجاج الأوائل أرض الشيطان، وإنه ـ أي الشيطان ـ سيستعمل كل حيله للحول دون استيطان المستوطنين". وبهذا تكونت صورة الهندي الشرير والبربري المسكون بالشيطان، في مقابل الرجل الأبيض المختار المسكون بالخير المتصف بالتحضر. وأيضا في مقابل الأسود الجاهل الذي لا يجيد التمتع بالحرية كما هي في الولايات المتحدة" (٢).
فهؤلاء المهاجرون المتدينون الهاربون من النظام الطبقي البغيض، ومن كل سلطة دنيوية أو دينيه بحثاً عن حياة جديدة اغفلوا ضمائرهم، أو استطاعوا أن يوفقوا بين معتقداتهم وبين إبادة الهنود الحمر مسترشدين في ذلك ببعض الأساطير التوراتية، التي أباحت لغزاة فلسطين الأول من اليهود إبادة سكان أرض الميعاد ليحلوا محلهم (٣). فقد كانت قصص اجتياح كنعان في العهد القديم تمدهم بالأسس الأخلاقية اللازمة لتماسك هذه السيكولوجية الاستعلائية، ولتبرير عنصريتها وعنفها المميت، ولم يكونوا واثقين إلا من شيء واحد: إن الله فضلهم واصطفاهم على العالمين، وأعطاهم الأرض وحق تقرير الحياة والموت والرزق لكل من يعيش فوق هذه الأرض، هكذا حمل شعب الله سيف (الجلاد المقدس)، ولم يساوره الشك في إن الإبادات لم تكن إلا تدبيراً إلهياً مباركاً ورسالة في المجاهل عهدها الله إليهم (٤).
стр. 740
وهنا يلاحظ الدكتور (عبد الوهاب المسيري) أن ثمة عناصر تسم التشكيل الحضاري الغربي الحديث جعلت الإبادة كامنا فيه وليست مسألة عرضية، وقد قام الإنسان الغربي بكثير من عمليات الإبادة لا على الرغم من حضارته الغربية وإنما بسببها!!. فقد طورت الرؤية الغربية الحديثة للكون رؤية للبشر بحسبانهم مادة بشرية يمكن توظيفها، أما من لا يمكن توظيفه فكان يشار إليه بحسبانه مادة بشرية فائضة وأحيانا غير نافعة، ولا بد من معالجتها, فهي إما تصدر وإما أن تعاد صياغتها وإما أن تباد إن فشلت معها كل الحلول السابقة (١).
وهكذا فإن أي قراءة في العقل الأميركي ورؤيته المتعالية للأمة الأميركية، تبين بوضوح من خلال استعادة آراء منظري الكيان الأميركي، الذين يرون أن أحداث التاريخ وإنشاء الولايات المتحدة أمر صادر عن إرادة قوة، وعن قناعة بأن القدرة الربانية كلفت هذا الكيان الوليد والجديد برسالة تسيير شؤون العالم وإدارته، وان عليهم أداء هذه الرسالة والقيام بواجباتها. إنه إذاً عقل مسكون بيقين تجسيده لأمر الهي، إنها صورة يؤكدها العشرات من المفكرين والمؤرخين الأميركيين، ويرون من خلالها أنهم ملزمون في التبشير بها بل أن مؤرخاً أميركيا مثل (دانيال مورستين) وصل في مغالاته إلى القول: ًأن شعبا في العالم لم يكن أكثر يقيناً في سيره على الصراط المستقيم كالشعب الأمريكي". هذه الرؤية وهذا اليقين والوهم بأداء (رسالة ربانية) هما محرك السياسة الأميركية باتجاه فرض سيطرتها على العالم (٢).
وبناء على هذا الموقف العنصري المتعالي، المغلف بالمعاني الدينية المستمدة من التوراة اليهودية، لم يجد المؤسسون الأوائل لأمريكا أية حرج، في إبادة الهنود الحمر واستعباد الزنوج ماداموا أجناس اقل مرتبه ومتوحشون، وهو نفس الموقف الذي لجأ لاستخدامه اليهود قديماً وحديثاً مع الفلسطينيين والشعوب المجاورة. وقد صارت هذه الأخلاق الإبادية بنفاقها وبسماتها الانكليزية المسمومة عقيدة وأيديولوجيا، بل صارت النواة الصلبة للقومية الأميركية التي ما تزال تخصب الأدب والفن والسينما وصناعة الجريمة والموت وتعطي أوضح صوره لمفهوم الأميركي عن
стр. 741
نفسه وعن العالم. هذه الأخلاق التي ضربت جذورها في عقدة الاختيار وكراهية الكنعانيين، ورافقت بناء أميركا لحظة لحظه وجبهة بعد جبهة هي التي جعلت (الأميركيين يعتقدون اليوم، كما كان أجدادهم المستعمرين الأوائل يعتقدون قبلهم بأن لهم الحق المطلق في إن يقتحموا أي غرب) في أي مكان من الأرض (١). http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٤/٢/٢-٩-١.htm - TOP#TOP
وإذا كان قساوسة الإمبراطورية الرومانية قد وفروا الفتاوى ذات المسوح والمبررات الأخلاقية اللازمة لحكام نظام العبودية الروماني لشن حروبهم العدوانية واللاأخلاقية، فان أباطرة روما الجدد من ممثلي اللاهوت البروتستانتي الأمريكي المتهود وبعض ممثلي المشيخة الفكرية الأمريكية (من أمثال صموئيل هنتنجتون ومن هم على شاكلته) المندمجة المصالح مع رأس المال، ومراكز السطوة والنفوذ في المجتمع الأمريكي، قد وفروا فتاوى العصر الراهن لحكام بلادهم لتنهض مبررات ومسوغات أخلاقية وحضارية ودينيه لشن حروبهم التوسعية العدوانية ضد البلدان والشعوب الآمنة المغلوبة على أمرها (٢). وهكذا فقد كان التبرير الديني للسلب والنهب والقتل، حاضراً على الدوام في التاريخ الأمريكي، حيث استهل الأمريكيون وجودهم كأمه بعملية إبادة جماعية لشعب بأكمله، كان شعب الهنود الحمر، سكان أمريكا الأصليين، باعتبار أن تلك الإبادة كانت من (اجل المسيح) وقياماً بعمل الله على الأرض (٣). وهنا يجب أن نشير إلى أن ما أمرت به القصص الكتابية وفقاً للمعايير العصرية للقانون الدولي وحقوق الإنسان هو (جرائم حرب)، و (جرائم ضد الإنسانية). وهنا على المرء أن يعترف بأن أجزاء كثيرة من التوراة، ومن سفر التثنية بشكل خاص، تحتوى على عقائد مخيفة وميولاً عنصرية وكراهية للغرباء ودعماً للقوة العسكرية (٤).
стр. 742
أمريكيا ولاهوت الاستعمار العبراني
ألقى القس (ونثروب)، موعظة في الحجاج على متن السفينة الاسطوريه (اربيلا)، أكد فيها على العهد الجديد بين الإسرائيليين الجدد وبين يهوه، وعلى الرسالة التي يحملونها إلى مجاهل ارض كنعان الجديدة قائلاً: "إننا سنجد رب إسرائيل بيننا عندما سيتمكن العشرة منا من منازلة ألف من أعدائنا، وعندما سيعطينا مجده وأبهته، وعندها يتوجب علينا أن نجعل من (نيوانغلاند) مدينة على تل ( city upon a hill) . وهذا التعبير رمز لأورشليم (ولصهيون أيضاً)، وما يزال يستخدم إلى الآن للدلالة على المعنى الإسرائيلي لأميركا، وقد (استخدم) آخر أربعة رؤساء أميركيين هذا الرمز في مناسبات مختلفة: ريغان، بوش الأب، كلينتون، بوش الابن (١).
ولو عدنا إلى الوراء قليلاً وتوغلنا في التاريخ الأمريكي، لوجدنا كثيراً من وجوه التشابه في إنشاء الوطن الأمريكي، وإنشاء دولة إسرائيل، وخير ما يوضح هذا التشابه هو كتاب (مورتن) المسمى (كنعان الجديدة الإنجليزية)، فإنه يعبر أصدق التعبير عن روح فكرة أمريكا، التي هي الفهم الإنجليزي التطبيقي لفكرة إسرائيل التاريخية، حتى أن قصة هؤلاء الحجاج الإنجليز، الذين أسسوا أول مستعمرة فيما سمي بعد ذلك الولايات المتحدة، إن هي ألا تجسيد لإنجلترا الجديدة الأصل الأسطوري للتاريخ الأمريكي ومركزيته الانجلوسكسونية. وفي كل عام يحتفل كل بيت أمريكي بعيد الشكر، وهو تعبير عن النهاية السعيدة الناجحة (لمن هرب) من ظلم الفرعون البريطاني ونجاتهم وخروجهم من أرضه والتيه في البحر، ولذلك صنعوا (العهد) الذي أبرموه على ظهر السفينة، التي حملتهم إلى أمريكا الجديدة مع (يهوه)، حتى وصولهم إلى أمريكاـ التي في نظرهم أرض كنعان الجديدة.
ويمكن ملاحظة أن كل تصورات (العبرانيين القدامى) وأفكارهم عن الحياة والتاريخ والأرض والسماء قد زرعها هؤلاء الإنجليز، الذين هاجروا إلى أمريكا، حتى الأسماء التي سموا بها المدن في أمريكا هي أسماء عبرانيه قديمة كالتي أطلقها اليهود على ارض فلسطين أبان السيطرة اليهودية عليها، ومنها: ارض الميعاد ـ
стр. 743
صهيون ـ إسرائيل ـ واستعاروا كثيراً من سلوك اليهود عند إبادتهم سكان كنعان فشبهوا إبادة الأمريكان للهنود بإبادة اليهود لسكان كنعان. كما أن هناك كثير من التشابه القصصي والتقمص التاريخي لاجتياح العبرانيين أرض كنعان (ارض فلسطين). لقد كانوا يبيدون الهنود وهم على قناعة بأنهم عبرانيون قد اختارهم الله لهذه المهمة وفضلهم على العالمين. وأكثر من ذلك أعطاهم تفويضا بقتلهم (١).
يقول (منير العكش) في كتابه (حق التضحية بالآخر .. أمريكيا والإبادات الجماعية): "إن فكرة إنشاء أمريكا قامت على فكرة إسرائيل التاريخية، وإن ما يعانيه الفلسطينيون هو ما عانى منه الهنود الحمر. فالرواد الأمريكيين الأوائل وصفوا أنفسهم بأنهم الإسرائيليون، وأطلقوا على السكان الأصليين الكنعانيين. واتهم المستوطنين الأوائل بإبادة ١١٢ مليون هندي أمريكي بالسلاح والتجويع وحتى بالأوبئة". وتحت عنوان المعنى الإسرائيلي لأمريكا يقول (العكش): "أن فكرة أمريكا .. فكرة استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة عبر الاجتياح المسلح وبمبررات غير طبيعية، هي محور فكرة إسرائيل التاريخية. فعملية الإبادة التي تقتضيها مثل هذه الفكرة مقتبسة بالضرورة بشخصيات أبطالها .. الإسرائيليون .. الشعب المختار .. والعرق المتفوق وضحاياها الكنعانيون .. الملعونون .. المتوحشون .. البرابرة. ومسرحها ارض كنعان وإسرائيل. ومبرراتها الحق السماوي، أو الحضاري. وأهدافها الاستيلاء على أرض الغير، واقتلاعه جسدياً وثقافياً" (٢).
ولما كان المجتمع الأمريكي، مثل المجتمع العبراني، مؤسساً على اجتياح أرض الغير (الأمريكيون اجتاحوا أرض الهنود الحمر، والعبرانيون أرض كنعان)، كان لابد من تشريع هذا الاجتياح واقتلاع الشعب من أرضه بزعم الحق الإلهي، عن طريق استبطان أسطورة ارض الميعاد، بالزعم أن ما يبدو اغتصاباً، إنما هو تنفيذ لإرادة إلهية. وقد تشابهت في هذه العقدة النفسية، التي احتاجت إلى نظرية ارض الميعاد، مجتمعات عديدة يجمعها اجتياح أرض الآخرين، ومحاولة إبادتهم عنها، وهى أمريكا وإسرائيل والنظام العنصري البائد في جنوب إفريقيا (٣). ولهذا يرى (منير العكش) أن
стр. 744
النازية والصهيونية والعبرانية الانجلوسكسونية استعانت في صناعة فرائسها بمنطق واحد، يتجدر ويستمد كل أخلاقه من لاهوت الاستعمار العبراني.
ولما كانت فكرة قيام أمريكا وهي (استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة) عبر السطو المسلح وبمبررات غير طبيعية، هي نفسها فكرة (إسرائيل التاريخية)، التي أوحت إلى أمريكا بأن هناك قدراً خاصاً بها. فإنه يمكن ملاحظة مثل تلك المبررات من خلال تصريحات (بوش) والمسئولين الأمريكيين إبان غزو العراق، وإلغاء دور الأمم المتحدة وإعطاء الصبغة الشرعية لأمريكا من وجهة نظر مسئوليها كمبررات (السلام العالمي ـ الأمن الوقائي ـ الإرهاب الدولي أسلحة الدمار الشامل- رخاء شعب العراق أو شعوب المنطقة وديمقراطيتها). فكل هذه المبررات بحسب الظاهر لاحتلال وغزو منطقة بتاريخها، والسيطرة عليها وعلى ثرواتها، حسب الاعتقاد الأمريكي هو قدر خاص بأمريكا، وبمشيئة الرب، (ولها) جذور تاريخية واعتقاد راسخ يضرب جذورا عميقة في الذاكرة الأمريكية. وهو واضح أيضا في معظم المناسبات الدينية والوطنية، وكل خطابات التدشين التي يلقيها الرؤساء الأمريكيون، الذين يصرحون بعبارات منها: أن إرادة الله ـ القدر ـ حتمية التاريخ .. الخ، قد اختارت الأمة الأمريكية (ألانجلوسكسونية المتفوقة) وأعطاها التاريخ دور المخلص في حق تقرير الحياة والموت والسعادة والشقاء لسكان العالم، ومن هذه العبارة القدرية أجريت الجراحة التجميلية المزيفة للمعنى الإسرائيلي لأمريكا وفكرة الاختيار والتفضل الإلهي (١).
وبناء على ما تقدم فإننا لا يجب أن نندهش حين يرحب الأمريكيون بالمجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال حالياً على أرض فلسطين، فهذا النعل من ذاك الحذاء. يجب أن لا نندهش وان نعلم أن الأمريكيين يربطون ربطاً لازماً بين مصير الهنود الحمر ومصير الفلسطينيين. يقول (وليم فوكسويل) في كتابه (التوحيد وتطوره، من العصر الحجرى إلى المسيحية): "ان فيلسوف التاريخ وهو القاضي النزيه، يرى على الاغلب ان من الضروري زوال شعب متخلف، ليخلى مكانه لشعب آخر ذي ملكات متفوقة ... فقد يؤدى الاختلاط بين العروق البشرية إلى نتائج مدمرة". وهذا ما اتاح لصاحبنا ان يخلص فيما يخص الكنعانيين إلى ما يلى: "كان من حسن حظ التوحيد
стр. 745
ومستقبله ان الاسرائيليين المجتاحين، كانوا شعباً متوحشاً يملك تلك القوة البدائية مع ارادة للحياة لا نظير لها، فابادة الكنعانيين قد حالت دون الانصهار التام للشعبين المنحدرين من اصل واحد، ولو قدر لهذا الانصهار ان يقع لعمل دون شك على اضعاف ديانة (يهوه) إلى حد بعيد" (١).
وفي كتابه (فلسطين الجانب الإنساني) أورد (ويكفيلد) عبارة للبروفيسور (راينهولد نيبر)، يقول فيها: "إن الزعم بأنه من غير الأخلاقي دولياً أن تؤخذ فلسطين من العرب وتعطى لليهود، زعم عار من الصحة، اللهم إلا إذا صح الزعم بأن المستوطنين الأوربيين لم يكن من حقهم أخذ الأرض من الهنود الحمر ليستوطنوها، ويجعلوا منها القارة الأمريكية العظيمة" (٢). ويقول الحاخام المؤرخ (لي ليفنجر): "أن مؤسسي أمريكا كانوا أكثر يهودية من اليهود أنفسهم، وهم على حسب ما يزعمون (يهود الروح) الذين عهد الله إليهم كما عهد إلى يهود (اللحم والدم)، قبل أن يفسدوا ويتخلوا عن أحلام المملكة الموعودة". ويضيف مخاطباً المهاجرون الأوائل قائلاً: "أن يهوديتكم أيها المهاجرون إلى العالم الجديد هي التي أرست الثوابت الخمسة التي رافقت التاريخ الأمريكي في كل محطاته:
١ - المعنى الإسرائيلي لأمريكا.
٢ - عقيدة الاختيار والتفضيل الإلهي والتفوق العرقي والثقافي والفكري.
٣ - الدور الخلاصي للعالم.
٤ - قدرية التوسع اللامحدود.
٥ - حق التضحية بمن سواهم وإبادتهم واعتبارهم، كما تقول التوراة والتلمود جنساً محتقراً لا لزوم له ما دام ليس يهوديا (٣).
وهكذا فقد اقتدى الأمريكان في المبادئ الخمسة بعلماء اليهود وبحرفية كل ما جاء من في التوراة. فالتفسير النزيه للتقاليد الكتابية التي تأمر بالأعمال الفظيعة، وجرائم الحرب، قد قدمت العزاء والسلوى لأولئك المصممين على استغلال الأراضي
стр. 746
الجديدة على حساب الشعوب المحلية. وهناك دليل وافر بأن الكتاب المقدس كان ولا يزال إلى حد ما، المثل الأعلى الذي يسعى إلى استلاب الأرض بالفتوحات (١).
من هنا يتضح أن سياسة أمريكا تجاه شعب أمريكا الأصلي هي نسخة طبق الأصل عن الموديل التلمودي اليهودي لعلاقة اليهود بالغرباء، حيث يطالعنا الموقف عينه من الناس كأنهم دواب، والوحشية الفظيعة نفسها، والشعور بأن كل شيء مباح ـ السمات المميزة لليهود المتعصبين ـ كما أن أراضى الهنود وأملاكهم لا تخص أحداً مشاعاً يعيد إلى الأذهان أحد معايير التلمود الرئيسة، الذي يعتبر ملكية غير اليهود (بحيرة شاغرة). وانطلاقاً من هذا المبدأ اتخذت الحكومة الأمريكية في عام ١٨٩٩ م إجراء جديدا لنهب أراضى الهنود، التي كانت قد سجلت ملكاً لهم (إلى الأبد) منذ عهد ليس بالبعيد، لقد قررت الحكومة الأمريكية، مصادرة أراضى الهنود من جديد وهكذا بدأ تنفيذ حملة (السباق) لعموم أمريكا.
وقد جاء في نداء حكومة الولايات المتحدة الأمريكيه: "أن على كل مواطن أمريكي أبيض يرغب في الحصول على أرض مجانية الحضور في الثاني والعشرين من نيسان ١٨٩٩م إلى خط محدد مسبقاً. ففي الثامنة من صباح ذلك اليوم ستعطى إشارة الانطلاق. ولسوف يحصل كل متسابق على تلك القطعة من الأرض التي يستولي عليها قبل غيره، دون أي مقابل وسوف يربح ـ أكثر من يجري (أسرع). لقد شارك في هذا (السباق) الآلاف من البيض الراغبين في الإثراء على حساب الهنود. كان كل متسابق يحمل قطعة من القماش الأبيض، وكانت قطعة من الأرض الهندية نصيب أول من يصل إليها، ويركز قطعة القماش عليها. وعلى هذا النحو حققت الروح التلموديه النصر على الأرض الأمريكية (٢).
ثقافة أهل الحدود
في ظل اعتقاد الأمريكيون أن ما يقومون به من احتلال ونهب لأراضي الغير، ما هو إلا تنفيذاً لإرادة إلهية، وان الله منحهم هذا الحق، فإنه كان طبيعياً أن تنشأ
стр. 747
لديهم ثقافة جديدة سماها بعضهم بثقافة أهل الحدود، والتي لا تضع حداً لأطماع الأمريكيين في أراضى الغير. ويصف هذه الحالة (جارودى) بقوله: "فبالنسبة للعلاقة مع الطبيعة لم تكن لـ (الحدود) طوال أكثر من قرن نفس المعنى، الذي كانت تعنيه في أوروبا. كانت الحدود الأمريكية دائماً مساحة مفتوحة حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، ولم تغلق تلك الحدود رسمياً إلا بالوصول إلى المحيط الهادي" (١). "فقدر أميركا الأبدي هو الغزو والتوسع، إنها مثل عصا هارون (موسى)، التي صارت أفعى وابتلعت كل الحبال، هكذا ستغزو أميركا الأراضي وتضمها إليها أرضاً بعد ـ أرض، ذلك هو قدرها المتجلي، أعطها الوقت، وستجدها تبتلع في كل بضع سنوات مفازات بوسع معظم ممالك أوروبا، ذلك هو معدل توسعها" (٢).
فمنذ العهد الاستعماري، تعود الأمريكيون على الاستيطان واستمرارية الزحف من الساحل الشرقي إلى الغربي في اتجاه الأرض البكر ـ غير المستغلة ـ ممارسين التجارة والزراعة. وباستمرار هذه الظاهرة أصبحوا يفكرون بأن ضم أراض جديدة إنما هو عمل طبيعي عودتهم الأحداث عليه (٣). يقول (اى. ا. بيلينكتون) أستاذ التاريخ في جامعة نورث ويسترن ومؤلف (تاريخ الحدود الأمريكية) و (الحدود الغربية القصوى): "إن الأساس الذي قامت عليه حياة أهل الحدود هو الذي يميز، حتى يومنا هذا، اتجاهاتنا وميولنا نحو المجتمع والعالم الذي يحيط بنا. نحن شعب متنقل، نسير إلى الأمام قدماً، ولا تربطنا بالموطن والمجتمع إلا رابطة هينة. وهذا عكس ما هو عليه الإنجليز أو الفرنسيون أو الإيطاليون. إن أسلافنا من أهل الحدود كانوا متنقلين، وأننا دوماً على استعداد للتبدل والتغيير بنحو ما هو أحسن وأفضل لحياتنا" (٤).
والاستعداد للسير إلى الأمام والتبدل نحو الأفضل، لا يعنى للأمريكان سوى أن تظل تلك المساحة الشاسعة داخل أمريكا ـ وبعد ذلك في العالم ـ مسرحاً للنهب والسلب وتدمير الغابات الكثيفة بحثاً عن مناجم الذهب والفضة، وكانت العلاقة مع
стр. 748
الآخرين ـ أيضا ـ ذات طبيعة خاصة بدأت أولاً بطرد الهنود للاستيلاء على أراضيهم ووضعهم بين خيارين: أما الإبادة، وإما النفي والانسحاب إلى المعزل، وبعد ذلك كانت العلاقة بين البيض أنفسهم خاضعة لأحكام قانون الغاب، لنهب الثروات المسروقة من الهنود أرضاً كانت أم ذهباً. فقد كان النيوانجلانديون ميالين لاعتبار كل ما هو محيط بهم على أنه برية تنتظر حضارة منظمة تستنقذها (١). وبالطبع فإن تلك الحضارة، هي الحضارة الأمريكية صاحبة الرسالة الخالدة، التي بشر بها قادة الفكر الأمريكي، وأكدوا بأن أمتهم قادرة بإمكانياتها أن تحقق رسالتها الخالدة وحلمها الأعظم، الذي تعبر عنه أسطورة حكاها (جون فايسك) فيلسوف التاريخ، عضو النادي الميتافيزيقي مهد البراجماتية، إذ رسم (فايسك)، أو رسمت الأسطورة على لسانه، حدود الولايات المتحدة الأمريكية.
تروى الأسطورة، التي استهل بها (فايسك) إحدى محاضراته، قصة حفل غذاء في باريس ضم أربعة من المغتربين الأمريكيين. تحدث كل منهم عن مستقبل الولايات المتحدة وحدودها وأمجادها. إلى أن جاء دور المتحدث الرابع الذي لم يقنع بما رسمه سابقوه من حدود تسع الكرة الأرضية وشعوبها وبلدانها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ومن القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، وانبرى وقال: "لماذا نترك أنفسنا أسرى هذه الحدود الضيقة. أن الولايات المتحدة هي تلك التي يحدها الشفق القطبي شمالاً، والاعتدالين جنوباً، والعماء البدائي شرقاً، ويوم القيامة غرباً" (٢).
ومن الجدير بالذكر أن (جون فسك) كان من فلاسفة الدارونية، الذين استعملوها لتبرير الاستعمار حيث كتب يقول: "إن العنصر الانجلوـ سكسوني هو أصلح الأجناس البشرية، وانه في المستقبل سوف ينتشر هو ولغته وثقافته في أربعة أخماس الكرة الأرضية، وسوف يحيل إفريقيا إلى بلد متقدم ملئ بالمدن والمزارع ومظاهر التكنولوجيا". وقد كرر هذه الآراء في عدد من المؤلفات، حيث كانت الآراء المقابلة في القارة الأوروبية في أمثال: بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، تسير
стр. 749
في نفس الاتجاه وتبرر حركة الاستعمار والتوسع إلى أن أفرزت حركات عنصريه متطرفة من أمثال: النازية والفاشستية، وأشعلت حربين عالميتين في فترة لا تتجاوز نصف القرن" (١).
ولم يكن (جون فايسك) هو أول من عبر عن طموح الولايات المتحدة مجسداً في رسالتها الخالدة التوسعية، وإنما عبر عنها آخرون من رجال الدولة والزعماء السياسيين، مما يؤكد أنها جزء من ثقافة اجتماعية سائدة، وإن صيغت الرؤية في عبارات متباينة. ذلك أن فكرة: "الأمريكيون هم شعب الله المختار"، عبر عنها صراحة (توماس جفرسون) في خطابه الرئاسي الأول عام ١٨٠١م. وسبقه أيضاً (جورج واشنطون) أول رئيس للولايات المتحدة، إذ قال في خطاب رئاسته: "أنه موكل بمهمة عهدها الله إلى الشعب الأمريكي"، وذلك في عام ١٧٨٩م، ومن بعده قال (جون آدمز) الرئيس الأمريكي الثاني: "إن استيطان أمريكيا الشمالية تحقيق لمشيئة إلهية". وقال (تيودور روزفلت): "أمركة العالم هي مصير وقدر أمتنا" (٢). وقد لاحظ المؤرخ الأمريكي (فريدريك جاكسون تورنر) أن: "أمريكا كانت، منذ أيام إبحار كولمبوس إلى عمق مياه العالم الجديد، اسماً آخر للفرصة، وما لبث شعب الولايات المتحدة ان استمد مزاجه من التوسع المتواصل، الذي لم يكن مفتوحاً وحسب، بل بقى مفروضاً عليهم عنوة .. وستظل الطاقة الأمريكية دائمة التطلب لميدان أوسع تتجلى ممارستها في إطاره" (٣).
فالشعب الأمريكي كما وصفته وكالة الإعلام الأمريكية، "دائم النزوح والتنقل من جزء من البلاد إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، ومن المزرعة إلى المدينة، ومن المدينة إلى الضواحي" (٤). فكما يقول الكاتب الأمريكي (والف وايتمان)::إننا لم نعش أهوال الماضي، ونعبر المحيط ونأتي هنا لنتوقف". فالزحف نحو الغرب وعدم الالتزام بأي حدود هي السمة المميزة للشخصية الأمريكية، فقد اندفع المهاجرون غربا على
стр. 750
ظهور العربات التي تجرها الجياد نحو حدود جديدة حتى وصلوا إلى شواطئ المحيط الآخر، ثم نزلوا جنوباً حتى اصطدموا بأول عائق بشرى قوى في دولة المكسيك، فحاربوها واخذوا مساحة كبيرة من أراضيها. والترجمة الحقيقية للتعبير الأمريكي THERE IS NO FRONTIERS ( لا توجد حدود)، هي البحث عن مناطق جديدة للغزو وضمها وهو نفس منطق إسرائيل. ولما اكتملت الحدود، اندفع الأمريكي نحو ارتياد حدود وآفاق جديدة تشمل السيطرة الجغرافية على مناطق من العالم القديم، وكذلك الريادة العلمية، والسياسية والاقتصادية؟ أن هذه المنطق يذكر الأمريكيين بآبائهم المؤسسين باندفاعهم وديناميكيتهم في مضمار التنافس للاستفادة من كل الفرص المتاحة للكسب المادي (١). فقد كان شعار (انطلق نحو الغرب أيها الرجل الشاب)! هو الحل المقدم خلال الأزمة الاقتصادية ١٨٤٠م من هوراس غريلي صاحب جريدة نيويورك تريبيون (٢).
ان ميتافيزياء (اقتحام الغرب) التي نسفت نظام البوصلة واعدت العصر الذهبي لنظرية الإنكليزي (مالثوس) جعلت الغرب الأميركي في كل الجهات وفي كل الأرحام، إنه (الغرب) اللانهائي اللامكان وأنه كل مكان. انه فضاء الزنابير، الثقب الأسود الذي يمتص كل شيء، الأرض التالية، وراء الجبهة التالية، وراء الغرب التالي، وراء المجاهيل التالية، وراء الإبادة الجماعية التالية. إن عالمنا كله يعيش اليوم تحت رحمة (مافيا كولومبس) (٣). http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٤/٢/٢-٩-١.htm - TOP#TOP لقد حلم (جيفرسون) ببلد قارة ترث الأطلسي والباسيفيكي، أرض مبذولة "كبيرة جدا كافية لآلاف الأجيال". وفي سنة ١٨٠٣م قام الرئيس الأمريكي بشراء لويزيانا الشاسعة (تغطي ثلث مساحة الولايات المتحدة حاليا، من خليج المكسيك وحتى الغابات الكندية. من ضفاف الميسيسيبي وحتى صخور المونتانا) من نابليون، وفي السنة الثانية أرسل المستكشفون لفتح طريق الشمال ـ غرب. كانت تلك روحية الحدود: ادفعوا الحدود، اذهبوا دائما نحو البعيد، وبذلك تكونون الثروة. هناك المزيد من الغنى، متوافر للجميع. إن الذي يخاطر
стр. 751
ويعمل يجد مخرجاً على الدوام .. كان يريد من ذلك دفعهم نحو الغرب، وتغذية العقلية الطموحة والفردية إلى حد كبير. لذا فإن ما ينتظر من الحكومة هو الحد الأدنى من القواعد، والحد الأقصى هو الحرية. أما بالنسبة إلى الفقراء فليس من المستغرب اعتبارهم مسئولين عن أسباب شقائهم (١).
وهذه الرغبة المستمرة في التوسع والسيطرة وجدت لها مبررات في نظرية (الجغرافيا الحيوية) التي تزعم بأن: "المكان الجغرافي للدولة المتفوقة كائن حي ينمو باستمرار (ولا يموت طبعاً)، ونظرية (القضاء والقدر الجغرافي)، أو الزعم بان يد القضاء هي التي ترسم الحدود الجغرافية للأمم (لا تعترف الولايات المتحدة كإسرائيل إلى الآن بحدود جغرافية، لها وليس في دستورها إشارة إلى ذلك). ومنذ أن أطلق (جون اوسوليفان) هذا الاصطلاح في مقاله له بعنوان (التملك الحق) تحول (القدر المتجلي) إلى عقيدة سياسية مفادها، إن هذا العالم كله (مجاهل)، وأن قدر أميركا (الانكلوسكسونيه) الذي لا ينازعها فيه أحد، إن تتملك منه ما تشاء من أرض لأن ذلك حقها الطبيعي، ولأن إله الطبيعة والأمم هو الذي أورثها هذه الأرضة، وجعلها ـ مثلما جعل ألمانيا النازية بعدها ـ كائناً حياً لا يتوقف عن النمو (٢).
ولكن النتيجة الطبيعية لهذا النمو الطفيلي لهذا الكائن المتوحش، كانت كارثية، حيث تقلص معنى الحياة إلى هذا التوسع الكمي للملكية والأرض وكنوزها، وكان (الوست) أو (أقصى الغرب البعيد)، يعني ـ باستثناءات قليلة ـ تقديس هذه الملحمة العنصرية، وقانون الأقوى في حرب الجميع ضد الجميع، ولم تلعب التطهيرية المسيحية أو الييوريتانيه أي دور سوى دور المبرر لتلك الأفعال والعلاقات الاجتماعية بل والمحرك لها. وأصبح العنف الأكثر دموية والتحريض عليه بنفاق المتدينين ملمحاً دائماً في تاريخ الولايات المتحدة منذ نشأتها. فلقد قدم المتطهرون من الإنجليز الأوائل إلى الولايات المتحدة حاملين معهم العقيدة الأكثر دموية في تاريخ البشرية، ومسلحين بفكرة (الشعب المختار)، مقننين فكرة الإباده وكأنها حسب روايتهم أوامر إلهيه. كانوا يسرقون أراضى الأهالي الأصليين طبقاً لتعاليم يهوا (إله
стр. 752
الحرب) في العهد القديم، هذا الإله الذي أمر شعبه المختار، بإبادة وذبح السكان القدامى في أرض كنعان واغتصاب أرضهم (١).
وبعد أربعة قرون من مواكبة (العناية الإلهية) لحركة التوسع الاستيطاني نحو الغرب، أعلن (فردرسيك تيرنر) أحد أبرز فلاسفة (الثغور) أن الجبهة القارية الداخلية انتهت ووضعت أوزارها، وبانتهائها ختمت أمريكا حقبتها التأسيسية اللازمة للتوسع وراء المحيط ولبناء إمبراطوريتها الكونية. وعندما نشر كتابه (مشكلة الغرب) أكد على أن التوسع، والحرب كانا أساس النماء الاقتصادي الأمريكي، ولابد لاستمرار هذا النماء من استمرار التوسع، وعدم إطفاء نار الحرب. ودعا (تيرنر) إلى شق قناة لهذا التوسع عبر المحيط والاستفتاح بضم الجزر والبلدان القريبة. إنها حتمية الولادة الأبدية للثغور التي تتقدم باستمرار، وحتمية الولادة الأبدية للحياة الأمريكية على هذه الثغور والجبهات التي ستصل الغرب بالشرق، لتكمل شمس الحضارة الانكلوسكسونية دورتها حول الأرض. "فقد نجا شعب الله الجديد من ظلم فرعون لندن، وخرج إلى كنعان الجديدة فقهر قديسوه مجاهلها. وظل الغرب يفر أمام زحوفهم ويتراجع إلى أن لم يبق أمامهم من غرب، والى أن صار عليهم أن يخترعوا لزحفهم غرباً ولو في أول الشرق" (٢).
السير على هدى وصايا يهوه
قرنت نصوص التوراة والعهد القديم باستمرار وبإلحاح لافت للنظر، بين الثراء والوفرة المادية لدى الفرد ولدى الجماعة، وبين (السير على هدى وصايا يهوه)، باعتبار الثراء والوفرة نعمة، ينعم بها يهوه على من يطع أوامره ويلتزم بنواهيه، وباعتبار الفقر والجوع والشقاء الدنيوي عقاباً، يعاقب به يهوه ممن يعصِ أوامره ولا يلتزم بنواهيه، وهذا ما يوضحه بجلاء بالغ هذا النص: "فإذا سمعتم لوصاياي أعطي مطركم في حينه المبكر والمتأخر. فتجمع حنطتك وخمرك وزيتك .. فتأكل وتشبع. فاحترزوا لئلا يحمى غضب يهوه عليكم ويغلق السماء فلا يكون مطر ولا تعطى
стр. 753
الأرض غلتها. فتبيدون سريعاً .. انظر .. أنا واضع أمامك اليوم بركه ولعنه. فالبركة إذا سمعتم لوصايا يهوه إلهكم .. واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا الرب يهوه (١) " (التثنية١١:١١ـ١٥ و ٢٦ـ٢٨).
ولما كان المتطهرون هم ورثة الصلاح البروتستانتي، لذلك كانوا يعلمون أنها كانت غلطة رومانية كاثوليكية، أن يظن بأن الأعمال الطيبة والصدقات يمكنها أن تمحوا وشم الخطيئة، لان هدف الدين هو تمجيد الرب ذي الجلال والإكرام. وحيث أن أوامره ﷻ ليست سهلة التنفيذ لذلك فإن رحمته لا تحل إلا بالمؤمن (٢). وعندما أخذت البروتستانتية ذلك الكلام من عجزه، فقالت: إن كل من لم يتصف بالمبادأة، ولم يجد لديه القدرة على أن يقوم بأمر نفسه اقتصادياً، مثلما تعين عليه القيام بأمر نفسه دينياً، فابتلى بالفقر والجهل والمرض وداسته الأقدام، لا حق له في أن يلوم أحداً إلا نفسه، لأنه شرير وسيئ وخاطيء ورديء وإلا لما كان جلب على نفسه فراغ خزانته، والخيبة في كل ما يفعل، وما تمتد إليه يده، كانت البروتستانتية بذلك مستنده بظهرها الورع بقوة وتمكن إلى أخلاقيات العهد القديم، الذي زودها بكل ما افتقدته من سند إلهي في التعاليم المتسامحة للسيد المسيح، الذي لم يكتف بأن دعا إلى الرحمة والتراحم وصنع السلام، بل تمادى في نقضه للناموس، الذي ادعى أنه جاء ليكمله وقال: "ما أعسر دخول ذوى الأموال إلى ملكوت الله، لأن دخول جمل من ثقب إبره أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله" (٣) (لوقا ١٨:٢٤).
هكذا قدمت البروتستانتية الكثير من الأفكار، التي حملها الأوروبيون إلى العالم الجديد، حتى أن بعض المؤرخين اعتبروها المكون الرئيس في حوافز المستوطنين الجدد في أميركا، حيث كانت حملات الدعاية لمعظم المشروعات الإنجليزية الاستعمارية، عبارة عن فقرات تناشد أوائل المستعمرين بتقديم العون السياسي أو المالي، أو مواعظ كنسية تدعو للمسافرين بالتوفيق من الله، أو قصص تفاؤل عن مغامرات البحار ـ كانت تؤكد عظمة العناية الإلهية أكثر من أمجاد البشر. كذلك تعكس تلك المقتطفات أن رجال الإنجليز في القرن السابع عشر الميلادي
стр. 754
كانوا يحبون تبرير أعمالهم بعبارات فضفاضة من علم الكونيات الديني. كما كان واضحاً بأن هناك توجها للعناية الإلهية يسري في سائر كتابات أصحاب ذلك المشروع الاستعماري. فهم يتكلمون عن أنه رغم كون الجميع من الناس مشاركين في خطيئة آدم، إلا أنهم يحتفظون بموهبة العقل، التي تمكنهم من استغلال الحيوان والنبات وممالك المعادن. وهم بأعمالهم الأنانية كانوا ينفذون خطة مقدسة تفضي إلى الوفاق النهائي، وهكذا فإن الله تعالى ـ على حسب ما يراه الكتاب الإنجليز ـ قد أخر استعمار العالم الجديد إلى ما بعد الإصلاح الديني البروتستانتي لكيلا تقع أميركا بغير منازع في حضن الظلام البابوي (١).
هذه الخلفية الدينية المستمدة من العهد القديم، والتي تمسك بها المسيحيون البروتستانت، باعتبارهم رسل العناية الإلهية، التي يجب أن يلتزموا بحرفية تعاليمها، لكي يحصلوا على البركة والرخاء، ولكي لا تحل عليهم النقمة، هي التي يمكن أن توضح لنا سبب الجشع والطمع وحب المال الذي يتمتع به الأمريكان، باعتبار أن ذلك هو إطاعة لأوامر الله. وقد اكتشف (توكفيل) هذه الحقيقة، وكان أول محلل ومراقب ثاقب البصيرة للولايات المتحدة منذ عام ١٨٤٠م في كتابه الأساسي عن هذه الدول، وكانت ـ لا تزال ـ وليدة حين قال: "لم أعرف شعباً مثل هذا الشعب استولى فيه حب المال على قلوب البشر، انه شعب من شراذم المغامرين والمضاربين". واليوم ـ أيضا نستطيع أن نتعرف في تاريخ هذا الشعب على أسس انحطاط ثقافته (٢).
التباين في الثروات
لم يكن غريباً أن (مارتن لوثر) مؤسس المذهب البروتستانتي، اعتبر الملكية معياراً للتفريق بين الإنسان والحيوان، ولهذا اتهم القديس الاسيزي بأنه مختل العقل، طائش أحمق شرير لمجرد أنه كان يطلب من أتباعه إن يتخلوا عما لديهم للفقراء. ومنذ نزولهم في جيمستاون عام ١٦٠٧م، لم يستطع القديسون أن يميزوا
стр. 755
بين السماء وعجل الذهب "لقد وجدنا أرضاً واعدة أكثر من أرض الميعاد، فبدلاً من اللبن وجدنا اللؤلؤ، وبدلاً من العسل وجدنا الذهب" (١).
فمنذ وطأت أقدام المستعمرين الأوربيين أمريكا، ودخلوا في صراع دموي مرير مع الهنود الحمر سكان ـ القارة الأصليين ـ وجد رجال الدين أنفسهم في خدمة الحرب الجديدة. وعندما انطلقت دعوة الدارونية الاجتماعية ـ وجدت الكنيسة فيها مبرراً لهذه الخدمة العسكرية. وكان من بين رجال الدين الأمريكيين الذين اعتنقوا الدارونية الاجتماعية عدد غير قليل، منهم الكاهن (جوسيان سترونج)، الذي قال: "إنه طبقا لصراع وتفوق النوع الانجلو ـ سكسوني، يظهر في أمريكا نوع من الناس كبار الأجسام أقوياء فارعو الطول". وقال: "أن العنصر الأمريكي سوف يملأ القارة ويزحف نحو الأقطار الأخرى في أمريكا الجنوبية وإفريقيا، وما ورائها وستكون نتيجة هذا الزحف تفوقه والقضاء على الأجناس الأخرى لان البقاء للأصلح" (٢).
ولما كانت الحيوانات ـ في نظرية دارون ـ غير متساوية وأن أفضلها هو أقواها واقدرها على التكيف مع متطلبات البيئة، فكذلك أفراد الجنس البشري، هم مختلفو القدرات، وأفضلهم هم أقدرهم على التكيف خلال عملية (الصراع من أجل البقاء)، ولذلك فإن المساواة فكرة خاطئة تكرس التخلف والمرض في المجتمع. أما (حرية الصراع) فإنها تولد الشجاعة والتدريب والذكاء والعمل. وهكذا لعبت القيم الدينية المستمدة من التوراة دوراً رئيساً في تبرير الطبقية والغنى والفقر، والذي انعكس بدوره على القيم التى يقوم عليها النظام الرأسمالي برمته، ومن أبرز الناطقين بلسان هذا الاتجاه (وليم جراها صومنر) الذي كانت آراؤه الاقتصادية تطبيقات لنظرية الانتقاء والبقاء للأصلح، وخلاصة آرائه في هذا المجال ما يلي:
١ـ التنافس المطلق الذي لا تقيده قيود، أساس الحياة الاقتصادية، والذين ينجحون في جمع الثروة هم أفضل العناصر في المجتمع، والذين يفشلون هم العناصر السيئة، ولذلك لا تجوز الصدقة على الفقراء لان معناه تكريس الضعف في المجتمع.
стр. 756
٢ـ إن تنافس بني البشر في ميادين الثروة، كتنافس الحيوان في جمع الغذاء، ولذلك لا داعي للفقراء أن يلوموا الأغنياء، وإنما هم مسئولون عن عجزهم عن التكيف والنجاح في ميدان الصراع، لأن الحقيقة الأولى في الحياة هي الصراع من أجل البقاء، وأعظم مظاهر هذا الصراع هو توفير رأس المال والثروة.
٣ـ إن أصحاب الملايين هم حصيلة الانتقاء الطبيعي، الذي يعمل في المجموعة البشرية كلها لانتقاء أولئك الذين لديهم قدرات الإنجاز (١).
وبالرغم من ما أحدثه الإيمان بهذه الأفكار، من تفاوت متزايد في الثروات وبالتالي في السلطات، داخل أمريكا، والذي كان أحد أسباب ظهور الطبقية، وتجمع الثروة في أيدي حفنة قليلة من الأفراد، أفقرت الآخرين ثقافياً ومادياً، الا ان الأمريكيون الأصوليين يعتقدون أن ما تتمتع به أمريكا من رخاء وثراء وتفوق دليلاً لا يدحض على أن الله ذاته يوافق الأمريكيين على إيمانهم بأنهم هم العالم، وأنهم المكلفون بتنفيذ مشيئته والقيام بعمله على الأرض، ويكافئهم على ذلك بالرخاء والثراء والقوة (٢). فالرئيس المؤمن (رونالد ريجان) أعلن، أن ثراء ورخاء الولايات المتحدة يرجع إلى كونها (أمة مباركة من الله)، ولكن أحد رجال الدين الأسبان تجرأ على استهجان ما قاله (ريجان) واصفاً إياه بأنه (تجديف وهرطقة)، لأن ثروة وقوة الولايات المتحدة لا تأتي من مباركة الله، ولكنها ترجع إلى استغلال العالم وبخاصة العالم الثالث، عبر التبادلات غير المتوازنة وغير المتعادلة، وفرض استيراد المنتجات الأمريكية بالقوة وغزو رؤوس الأموال الأمريكية للدول التي تنخفض بها المرتبات، وعبر الفوائد الاستغلالية للقروض (٣).
وهكذا أوجد الإيمان بهذه الأفكار تبايناً صارخاً في الثروات، جعلت واحداً في المئة فقط من الشعب الأمريكي يهيمنون علي ثروات تزيد أضعاف المرات علي ما يمتلكه ثمانون في المئة من الشعب مجتمعين. ويمتلك (بيل غيتس) من الثروة ما يعادل ثروة مدينة أمريكية تعداد سكانها نصف مليون نسمة. ومع ذلك، فقد صنّف المكتب الأمريكي العام للإحصاء في مطلع القرن الواحد والعشرين حوالي ٤٠ مليون
стр. 757
أمريكي كفقراء كثير منهم مشردون دون مأوي. وفي كل مدينة أمريكية كبيرة توجد أحياء فيها فقر مدقع، وبذلك توجد عوالم ثالثة في أمريكا نفسها. وقد وصف (روبرت إي دافولي) المدير التنفيذي لإحدى الشركات الأمريكية العملاقة، النظام الأمريكي بقوله: إن الرأسمالية هي انحراف وتضليل. لدينا أعلي معدلات الجريمة في العالم، ولدينا أناس يعيشون علي قارعة الطريق دون أن يلقي أحد لهم بالاً. فقد أفرز نظام الرأسمالية الاستعمارية المستمد من القيم الدينية البروتستانتية، تفاوتاً وعدم مساواة بين الأمم علي صعيد العالم كله، وهو أمر آخذ في التزايد. وهناك ٣٥٨ مليارديرا يتربعون علي ثروة مجمعة تعادل إجمالي ما يملكه أفقر ٢.٥ مليار إنسان علي ظهر الأرض (١).
أمريكا تقف في صف الله وتنفذ إرادته
لم يقف أثر الأفكار الدينية عند هذا الحد، بل ساعدت التقاليد البيوريتانية في تشكيل فهم الأمريكيين لأنفسهم فهماً جماعياً، إذ لدى الأمريكيين استعداد ـ على سبيل المثال ـ للاعتقاد بأن الازدهار الوطني الدائم الذي ينعمون به يعود إلى ما يتحلون به من فضيلة. ويشكل يوم عيد الشكر الوطني بقية من هذا التقليد الميثاقي. أما النظير المقابل لذلك، وهو أيام الصيام والتوبة التي تمارس على الصعيد الوطني، فكان أقل شعبية لديهم رغم أن الرؤساء احتفوا بهذه الأيام بين الحين والآخر حتى في القرن العشرين. وعندما تبدو الأمور وكأنها تسير نحو الأسوأ درج القوم على تقليد وطني قديم يزعم أن الأمة تواجه المصائب لان الناس فقدوا الفضائل المفترضة التي تحلى بها أجدادهم. وقد أطلق على هذا النوع من التفجع الوطني اسم (الارميادة) نسبة إلى النبي أرميا، الذي ورد في العهد القديم من الكتاب المقدس، وما يحمل السفر المسمى باسمه من نذر وتشاؤم بسبب ابتعاد إسرائيل عن الله، وعن قواعد الأخلاق القويمة. وظهرت الارميادة في المواعظ البيوريتانية
стр. 758
لأول مرة قبل نهاية عقد السبعينات من القرن السابع عشر الميلادي وذلك حال ظهور الجيل الثالث من المستعمرين (١).
ففي منتصف القرن السابع عشر الميلادي ساد اعتقاد بان الله عاتب على شعبه الجديد، وان هناك بوادر خصومه عبر عنها (ميخائيل ويغل وورث) أحد أكبر شعراء عصره في قصيدة ملحمية بعنوان (خصومة الله مع نيو انغلند) ندب فيها فشل المستعمرين في أداء واجبهم الرسالي، وتبدأ الملحمة بمقدمة طويلة تصف شيطانية الهنود وظلاميتهم ووحشيتهم، وكيف أن هؤلاء العماليق والكنعانيين الملعونين تنطحوا لمحاربة رب إسرائيل ثم انهزموا مذعورين أمام جنوده؟! وهناك عشرات المحاولات لتقليد هذه القصيدة الملحمية من قبل شعراء ثانويين، كلهم ردوا غضب الله إلى خيانة العهد معه، ودعوا إلى تجديده كما فعل العبرانيون القدامى (٢).
وهكذا منذ ظهرت أمريكا، كان التبرير الديني حاضراً، ليبرر كل ما تقوم به، من خلال الاعتقاد بأنها، في كل ما تفعل ـ حتى وان كان ما تفعله جريمة إبادة جماعية لشعب بأكلمه ـ تقف في صف الله وتنفذ رغباته. فالهنود الحمر، مثلاً، كانوا أشباه بشر، وأبالسة من أعماق الجحيم، وأعداء للمسيح، ولذا، فإن أبادتهم كانت عملاً خيراً من اجل المسيح وضد الشيطان إبليس عليه لعنة الله. ودائماً بشكل لحوح مستمر ومتواصل كان كل من استهدفته أمريكا شيطاناً (إبليس) أو من زبانية الشيطان (إبليس). وبالتالي كان قتال أمريكا له عملاً مقدساً من أعمال الله على الأرض. فالإمبراطورية الأسبانية، مثلاً، عندما اندفعت أمريكا إلى ما وراء حدودها الوطنية لتأخذ من تلك الإمبراطورية مستعمراتها في أمريكا الجنوبية، والبحر الكاريبي، والمحيط الهادي، كانت (إبليس)، وكانت أمريكا بمحاربتها أسبانيا لأخذ مستعمراتها منها قائمة بعمل الله على الأرض، وقائمة بدور الملاك جبرائيل في قتاله مع إبليس ... وعندما اعتبرت الولايات المتحدة الاتحاد السوفيتي، بعد الحرب العالمية الثانية، منافساً خطراً لها .. بات الاتحاد السوفيتي هو إبليس وقامت أمريكا بدور جبرائيل، دفاعاً عن المسيح (٣).
стр. 759
وبالضبط فانه كما سمي الأسبان حربهم لإبادة الهنود في جنوب القارة الأمريكية تبشيرية، استند المتطهرون الإنجليز على أوامر يهوا بالإبادة المقدسة للهنود، لتبرير طردهم وسرقة أرضهم أحياءً للعهد القديم، ولهذا كتب أحدهم يقول: "واضح أن الله يدفع المستوطنين للحرب، بينما يعتمد الهنود بعدتهم وعددهم على ارتكاب الخطأ مثل القبائل القديمة، يتحينون الفرصة لفعل الشر تماماً مثل قبائل (الاماليسيت) القديمة والفلسطينيين الذين كانوا يتحدون مع آخرين لقتال إسرائيل" (١).
ولما كان تاريخ الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر هو في الأساس تاريخ القضاء على الهنود، واستغلال العبيد الزنوج، فقد ظهر خلال هذه الفترة أبشع أنواع النفاق فيما يخص الهنود، كما ظهر لأول مرة ما أصبح المبدأ المحرك لكل الاعتداءات المستقبلية التي ستقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية عبر العالم اجمع، ويتمثل هذا المبدأ في اعتبار كل عدوان أو إباده تقوم بها الولايات المتحدة نوعاً من (الدفاع الشرعي)، وحق مقدس للرجل الأبيض، لتنفيذ الرسالة الإلهية الملقاة على عاتقه. فالرسالة التي ألقيت على عاتق الأمة الأمريكية التقية، هي رسالة إلهية .... فهذه الأمة التي وصفها ايزنهاور بأنها، "تحب الله كثيراً ويبادلها الله حباً بحب"، مكلفه تبعاً لذلك بتنفيذ مخطط الله للخليقة، ذلك المخطط الوارد بحرفيته في التوراة، وسائر أسفار العهد القديم (٢).
فتعابير مثل (شعب أخص) و (شعوب مختارة)، هي تعابير مهمة وحاسمة، لا توجد فقط في الأدبيّات السياسية لليمين الأمريكي، ولكنها توجد ـ أيضاً ـ في الثقافة الأمريكية عموماً، وهو الإيمان بأمريكا مختارة بشكل خاصّ، وهو ما يصبح عند السيدة (مادلين أولبرايت)، هو الإيمان بـ (أمّة ضرورية)،سواء كانت منتخَبَة من الربّ أم من (القَدَر) أم من (التاريخ)، أو بكل بساطة أمريكا مدعوَّة إلى العظمة وإلى القوة، لأنه مفروضٌ أنها تمتلك أكبر وأقدم ديمقراطية وأكثرها تطوّراً. هكذا سيقول (ويلسون) إن أمريكا لَهَا الامتياز اللامتناهي لأداء قدَرِهَا وإنقاذ العالَم. والأمثلة كثيرة
стр. 760
على هذه المكانة التي يمنحها الأمريكيون لبلدهم، وهي مكانة تتجاوز المنطق، وتذهب بعيداً في مسار نبوئي وتبشيري. وهناك مقطعا لـ (هرمان ميلفيل): "نحن الأمريكيين شعب مختار مميز ـ إسرائيل هذا الزمان، إننا حاملون لتابوت عهد حريات العالم" (١). لقد صوَّرَ الربّ أشياء كثيرة لِعِرْقِنَا، والبشرية تنتظر هذه الأشياء. إننا في قلوبنا نحسّ بهذه الأشياء. أمّا باقي الأمم فسَتَسير، قريباً، خلفنا. إننا روَّاد العالَم، الطليعة التي تم إرسالهَا من خلال غابة الأشياء التي لم تتحقق، لِشّقّ طريق في هذا العالَم الجديد الذي هو عالَمنَا" (٢).
أرض الحرية مسكونة بـ كوابيس العنصرية
في دراسة حديثة لإحدى ناشطات حقوق الإنسان في أمريكا هي (اليزابيت مارتنيه)، التي تعمل في نفس الوقت أستاذة الدراسات العرقية في جامعة كاليفورنيا تؤكد (مارتينية) على أن فكرة (فوقية الرجل الأبيض) و (العنصرية) هي الأساس الذي شكل الدولة الأمريكية. وتسوق أمثلة متعددة على أن مجد أمريكيا الاقتصادي الذي يتباهى به حكامها الآن لم تصنعه إلا بسرقة الموارد الاقتصادية للدول الأخرى واستعباد العمالة اللازمة ثم ـ وهذا هو الأكثر أهمية ـ تبرر جرائمها بدونية ضحاياها!! ثم ترصد الباحثة قناعة أمريكية أخرى، وهي أنها أمة قدر الله لها أخذ أراضي الغير والسيطرة على شعوبها من أجل تحقيق الحرية والحكم الفدرالي! وأخيراً تصل الباحثة إلى اخطر ما في الأمر، وهو أن الرق والعبودية لم ينتهيا في أمريكا، وإنما مازال هناك عبيد يباعون ويشترون داخل حدود الدولة الأمريكية دون أن تذكر (صحافة الحريات) شيئاً عن الموضوع.
تقول (اليزابيت): أن جذور العنصرية الأمريكية أو ما يعرف بـ (الفوقية البيضاء)، تكمن في الاستغلال الاقتصادي عن طريق "سرقة الموارد الاقتصادية واستعباد العمالة"، وتبرر هذا الاستغلال فيما بعد (بدونية، ضحاياها). وكان أول تطبيق
стр. 761
للفوقية البيضاء أو العنصرية قد تمثل في الاحتلال الأوروبي الأمريكي للأراضي الأمريكية بإبادة سكانها الأصليين، ثم جاء عهد (العبودية السوداء)، ثم عهد (العمالة المستعبدة). وباختصار فإن الفوقية البيضاء والقوة الاقتصادية، ولدتا جنباً لجنب. فالولايات المتحدة الأمريكية هي أول أمة في العالم تولد عنصرية، وأول أمة ـ أيضاً ـ تولد رأسمالية، وهذه ليست مصادفة، ففي الولايات المتحدة الأمريكية، يظهر التاريخ أن الرأسمالية والعنصرية يسيران جنباً لجنب.
فمنذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، عززت الحملات الاستعمارية الأوربية الشعور بـ (فوقية الرجل الأبيض) وظهر في الولايات المتحدة مبدأ (القدر الواضح)، الذي يقول إن "الولايات المتحدة قدر لها الله أن تأخذ أراضي الغير وتسيطر على شعوبهم". واستخدم هذا المصطلح للمرة الأولى عام ١٨٤٥م في إحدى المجلات الأمريكية التي ذكرت "لقد منحنا الله حق التوسع وامتلاك القارة بأكملها من أجل تحقيق التجربة العظمى من أجل الحرية وتطبيق الحكم الفيدرالي". ويمثل مبدأ (القدر الواضح) سياسة عنصرية واضحة انتهجتها الولايات المتحدة منذ زمن بعيد، حيث سهلت عليها التوسع الجغرافي والتطور الاقتصادي على مبدأ أحقيتها في ذلك بسبب تفوقها العنصري الأبيض، وكانت نظرتها للشعوب الأخرى وراء نجاحها في الوصول إلى ما تريد. فقد نادى البيض منذ زمن بضرورة إخراج السود من أمريكا لتجنب التلوث، الذي تسببه تلك الشعوب السوداء. وكان قبل ذلك السكان الأصليين قد عانوا من معتقدات الفوقية البيضاء، التي لم تكتف باعتبارهم قذرين، وهمجيين، ولكنها اعتبرتهم دونيين في معتقداتهم وقيمهم. وتؤكد (اليزابيت) إن عنصرية (الفوقية البيضاء) وما تمثله من عنجهية مازالت تسيطر علي المجتمع الأمريكي، ومازالت تحتفظ بعدوانيتها العنصرية، وما يحدث للمسلمين الآن خير مثال على ذلك.
ولكن هل توقف الأمر في الولايات المتحدة عند العوامل التي تحدثت عنها (اليزابيت) من عنصرية وفوقية بيضاء، ورغبة جامحة منذ البداية بإقامة مجتمع رأسمالي يمثل شركة كبيرة همها الأوحد الربح والخسارة دون اعتبار لأي قيم؟ شركة تقوم فقط على الانقضاض علي موارد الشعوب أينما وجدت علي اعتبار أن هذه
стр. 762
الشعوب غير قادرة علي حماية مواردها والاستفادة منها؟ (١). هذا ما حاول المفكر (روجيه جارودى) الإجابة عليه في كتابه (أمريكا طليعة الانحطاط) بقوله: "أصبحت الولايات المتحدة هي منظومة الإنتاج التي يقودها المنطق التكنولوجي والتجاري، والتي يشارك فيها كل فرد منتجاً أو مستهلكاً، في غاية وحيده هي تنمية مستوى المعيشة كمياً. وهكذا كانت كل هوية ثقافية أو روحيه أو دينيه تعتبر مسألة شخصيه فرديه تماماً لا تتدخل مع مسيرة النظام ... واتسع المجال بذلك أمام تفشي الخرافات وانتشار الطوائف والهروب إلى المخدرات أو الشاشة الصغيرة، بينما غطى كل ذلك صبغة تدعى الدينية، وهي (الببوريتانيه) الرسمية أو التطهيريه الرسمية، التي تتعايش مع كل أنواع انعدام المساواة وكل المذابح والجرائم، بل وتمدها بالتبرير والغطاء الديني" (٢).
النازية في ثوب جديد
في كتابه (الفردوس والقوة .. أميركا وأوروبا في النظام العالمي الجديد)، يشير الكاتب الأمريكي (روبرت كيغان) إلى وجود ما يدعوه بـ (سيكولوجيات القوة والضعف)، دون أن يقر بأن بعض تلك السيكولوجيات يمكن أن تتعارض مع مباديء السلوك الحميد، حيث يرى أن الاحترام والتأثير الذي يجب أن تحظى به الأمم في العالم يجب أن تكون متوازية بالضبط مع قدرتها العسكرية وقوتها، من دون أن تكون تلك القوة مقادة ببوصلة أخلاقية. وهذه المعالجة التي تذكرنا بفجاجة الفكر الواقعي السياسي الذي كان الأميركيون رواداً في تعميمه على العالم، وهو الفكر الذي يحيد المعايير الأخلاقية في السياسة الدولية, ويعلي من شأن القوة وما تفرضه (٣). وبالتالي فإن الكاتب يمجد القوة والتسلط مثلما ذهب مفكرون أمريكيون سابقون إلى القول: "أن القانون الطبيعي ليس هو المساواة! بل عدم المساواة،
стр. 763
وحرية المشروعات الفردية، وأن البقاء للأقوى، والقوة صانعة الحق وسنده ومبرره. وان هناك من جاء إلى الحياة ليعانوا الظلم عدلاً وحقاً لان هذا قدرهم ومكانهم، وأن ثورتهم أو تمردهم ثورة وتمرد على الطبيعة ونكران للحق وتحد له".
وهنا يرى (بويل) إن (الهوبزيه) نسبة إلى (توماس هوبز) كان لها أثر كبير في الفكر القانوني الدولي الغربي عموماً، والأمريكي على وجه الخصوص، و (هوبز) هو مؤلف كتاب (لويا تان) والعنوان مأخوذ من الكتاب المقدس ويعني وحشا بحريا يرمز إلى الشر، ثم استعير إلى اللغة السياسية ليعني الدولة ذات القبضة الرهيبة القاهرة والقادرة على تأكيد سلطتها في كل الأوقات والظروف. ويعد (هوبز) مؤسس الواقعية القانونية الحديثة، وملهم النظريات السائدة في الغرب، وتتلخص نظريته في إن "الطبيعة البشرية في أساسها نزاعه إلى الغلبة والتسلط والجشع، ولذا فانه لا معنى لوجود قوانين لا تقف وراءها لفرضها قوة غالبه قاهره لان طاعة القانون لا يمكن إن تتحقق إلا قسراً" (١). ويزيد الأمر إيضاحاً "فريدريك سكينر" (٢) رائد الفكر الفلسفي التربوي في أمريكا بقوله: "إن الأقوى هو الغالب، وصاحب الحق والحرية .. ؟؟ ويؤكد أن الحرية قرين السلطة أو القوة، فإن من يملك القوة أو السلطة لابد له، وحقه ـ أيضاً ـ في مجال الممارسة الاجتماعية أن يمارس هذه السلطة، وطبيعي أن يمارسها. ومعنى هذا أن الأقوى له البقاء، وهو الأحق بالسلطة، وقوته تصنع حقه وتبرره ..
إذن لتكن شريعة الغاب هي دائماً وأبداً الحكم بعد سقوط كل المعايير الأخلاقية وغلبة اللاعقلانية، وتمجيد القوة. وهنا لابد لنا أن نتساءل، هل نجد بعد ذلك أي فارق بين فكر نيتشه، الذي كان ركيزة وتبريراً للعنصرية النازية، ونزعة التفوق العرقي وبين (سكينر) الذي يبرر هيمنة ثقافة الأقوى سلاحاً أو ظلفاً وناباً؟ (٣).
стр. 764
بالطبع لا، ولهذا كان (سكينر) لا يطيق الحرية، ويراها من الموروثات الثقافية البالية، والتشبت بوهم الحرية ركض بالإنسانية إلى هاوية الجحيم. كذلك كان رأى نيتشه فيلسوف النازية قبله، حين قرر أن إرادة القوة لها الأولوية الأخلاقية. وأعرب عن حبه للقسوة والحرب والكبرياء الأرستقراطي. وأكد نيتشه، مثلما أكد من بعده فلاسفة أمريكا ولسان حال رسالتها إلى العالم، أن الأخلاق في خدمة الأقلية الأرستقراطية وهي أداة لتمييز الأقلية، ولها حق الادعاء المستقل في الاستمتاع بالسعادة والرفاهية .. أما العامة فإنهم سقط متاع، عليهم أن يعانوا من أجل إنتاج إنسان عظيم (١).
وقد وصف (جوزيا سترونج) في كتابه الأكثر مبيعاً (بلدنا) في عام ١٨٨٥م أن الأمريكيين باعتبارهم: "عنصر ذو طاقة ليس لها مثيل، بكل ضخامة الأعداد وعظمة الثروة ورائهاـ الممثلين ـ للحرية الأوسع، والمسيحية الأنقى، والحضارة الأعلى ـ ينمون بتميز شمائل فذة، تجذب أعرافها كل البشر، لتنشر في كل أرجاء الأرض. وهل يستطيع احد أن يشك في أن هذا العنصرـ إذا لم يضعف حيويته بالكحول والتبغ ـ فإنه مقدر له أن يتملك عدة أعراق اضعف، ويذيب آخرين، ويعيد تشكيل الباقين، حتى ـ في معنى حقيقي ومهم جداً ـ يجعل البشرية انجلوساكسونية؟ ". وفيما بعد هز (سترونج) فرضية (تيرنر) مصراً على أن قساوات الحدود كانت طريق الرب، لتدريب العرق على قيادة العالم، وبعد إغلاق الحدود جاء الدور على (المنافسة النهائية بين الأعراق). ولم يأتِ مثل هذا الخطاب، فقط من القوميين المخادعين، مثل (روزفلت) الذي قال: "إذا لم نحتفظ بفضائل البربرية، فإن اكتساب الفضائل الحضارية سيكون قليل الجدوى"، ولكن أيضاً من المتحدثين الدينيين، الذين اقترحوا على المؤرخين مقولة أن اندفاع أمريكا وراء الإمبريالية، كان نتيجة لفكر الدارونية الاجتماعية. وآخرون فتشوا في أحداث ١٨٨٩م لاسترداد تفكير "المصير المبين" مترجماً على المسرح العالمي (٢).
стр. 765
الفصل الثاني
الإرهاب الأمريكي في ظل العهد الجديد
منذ البداية، كان الأمريكيون يرون أنفسهم استثناء من المسار الطبيعي للأمم، لنجاحهم في إقامة الجمهورية الأولى منذ العصور الكلاسيكية، حيث اعتبروا أنفسهم واضعي اللبنات الأولى لتاريخ إنساني جديد كلياً. وبوصفة كذلك كان لا بد من حمايته من التلوث بالتعويل على ـ أساليب شعوب التاريخ القديم أو تبنيها. وفي الوقت ذاته كان الأمريكيون مقتنعين أنهم طليعة البشرية، وما لبثوا أن أصبحوا يرون أنفسهم، حسب كلام (ملفيل)، "الشعب المختار المميزـ إسرائيل هذا الزمان". وإذا كان الأمريكيون هم الشعب المختار، فإن أمريكا هي الأرض الموعودة. وكانت عبارة (القدر المكتوب)، هي عنوان العقيدة القائلة بوجوب قيام الأمريكيين بإيجاد دولة ممتدة من البحر إلى البحر. ومع حلول سنة ١٨٨٥م أصبح ذلك واقعاً. كان بالطبع واقعاً تحقق على حساب المكسيك، التي خسرت نصف أراضيها في حرب أشعلتها أمريكا، وعلى حساب الهنود الحمر من السكان الأصليين الذين تمت إبادتهم إبادة شبه كاملة. غير أن ذلك الواقع مر دون إثارة اهتمام ذي شأن في ذلك الوقت، مغلفاً بالخطاب الذي أطلق عليه الرئيس (اندرو جاكسون) اسم (توسيع مساحة الحرية) (١).
فقد ضمنت الولايات المتحدة بواسطة الإبادة الخالصة للهنود الحمر، وبالاستعباد الاجتماعي والسياسي للسود، دائرة أولى تمكنها من الانطلاق نحو غزو أوسع، حيث كانت أهم تواريخ التوسع في هذه الدائرة، تعاظم "الأمة حين ابتيعت لويزيانا من نابليون، عام ١٨٠٨م". وفي العام ١٨٢٣م حدد الرئيس (مونرو) المبدأ الذي يحمل اسمه، مبدأ الحياد ذو الطابع الدفاعي الموجه ضد أي تدخل أجنبي في شؤون القارة الأميركية، واستعملت هذه العقيدة لاحقاً لتعميم التوسع الإقليمي، وأن للولايات المتحدة وحدها حق حراسة الأمريكيين، والتي كانت تعني بكلمات واضحة
стр. 766
"خضوع أميركا اللاتينية لمصالح الولايات المتحدة ثم لقراراتها" (١). فالمبدأ الأساسي لهذه السياسة التي تبيد الهنود، وتستعبد السود، وتطرد الدول الأوروبية، حدده الرئيس (مونرو) في رسالة إلى الكونجرس جاء فيها: "فللأوروبيين القارة القديمة وللأمريكيين القارة الجديدة". وهذا يوضح أن فكرة الأرض الموعودة ليست سوى ارض محتله بالقوة، من قبل شعب مسكون بحقيقة مفادها أنه يجسد أمراً إلهياً قاده إلى الاستيطان، وإبادة الشعب الأمريكي الأصلي، واستعباد الشعب الأسود، ثم دفعه لبدء السيطرة والهيمنة على العالم (٢).
وهكذا وخلال العهد الجديد لأمريكا، الذي بدأ منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، أي بعد الانتهاء من فرض السيطرة على أرض الميعاد كما أسلفنا، "وجد الأمريكيون أنفسهم أمام سؤال مهم كما يقول (والتر مكدوجال) وهو كيفية التصرف خارج حدودنا .. هل يتطلب منا تراثنا المبارك كأرض للحرية أن نشن حملة صليبيه في الخارج من اجل الآخرين وفقا لما يطلبه عهدنا الجديد للسياسة الخارجية؟ أم أن الخضوع لإغراء أن نفرض إرادتنا في الخارج ينتهك مبادئ العهد القديم، التي جعلت من أمريكا أمة عظيمة؟ باختصار، هل بإمكان الولايات المتحدة أن تكون دولة صليبية وتظل ارض الميعاد؟ " (٣).
ويبدو أن إجابة الأمريكيين على ذلك كانت، لخيار شن حمله صليبية في الخارج، من اجل السيطرة على ثروات ومقدرات الشعوب الأخرى، وفرض نمط التفكير الأمريكي عليها. ففي ١٠ مايو ١٨٦٧م، تحركت عاطفة وزير خارجية الولايات المتحدة (وليام سيوارد) ليكتب قصيدة شعرية، تنبأ فيها بمستقل آمته، قائلاً: "امتنا ذات المصالح المتحدة المباركة، غير راضية الآن عن السكون، سوف تحكم الباقين، وإمبراطوريتنا في الخارج لن تعرف حدوداً، وإنما هي مثل البحر سوف تتدفق في
стр. 767
دوائر لا نهائية" (١). والقصيدة لم تكن تبالغ في عرض آمال سيوارد في التوسع اللامحدود للنفوذ الأمريكي، بل إنها كانت تعبر عما كان يجب أن تكون عليه السياسة الخارجية الأمريكية والتي حكمتها أربعة تقاليد كما يقول (مكدوجال) وهي:
- الامبريالية التقدمية، بمعنى أن الأمريكيين مختارون لتحضير البشرية ونقل التقدم إلى الشعوب الأخرى.
- مبدأ ويلسون أو الليبرالية العالمية، وهو التقليد الذي اتبعه الرئيس (ودرو ويلسون) من اجل أن يكون العالم أكثر سلماً وديمقراطية بعد الحرب الأولى، وتمثل في النقاط الأربع عشرة الشهيرة لويلسون.
- الاحتواء، وهو التقليد الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية لمواجهة التهديد الشيوعي دون قيام حرب عالميه.
- تحسين العالم، أي التعبير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي في رسالة أمريكا لجعل العالم أحسن، وقد تجسد في مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا، ثم التدخل الأمريكي في فيتنام الذي كان مثالاً لمحاولة أمريكا وإخفاقها في أن تكون لها رسالة عالميه، وان تكون شرطي العالم (٢).
وبالرغم من الصياغة الجميلة لبعض هذه التقاليد كما عبر عنها مكدوجال، إلا أننا يجب لن ننخدع بكلامه حول الرسالة العالمية للشعب الأمريكي لتحضير العالم، ونشر الحرية والديمقراطية والتقدم وغيرها من المصطلحات البراقة، التي تمكنت أمريكا من خلالها ممارسة إرهابها المنظم على العالم، حيث تقول الحقائق المتوفرة عن تاريخ (الإرهاب الأمريكي) تجاه العالم، انه بزغ مع بدايات القرن التاسع عشر، وتحديداً منذ العام ١٨٣٣م، حيث كانت ملامحه الأساسية هي التحايل بإبعاد القارة الأمريكية عن أسبانيا والبرتغال لفرض سيطرة الولايات المتحدة وتغلغلها الاقتصادي والسياسي على القارة، وكذلك إقصاء إنجلترا وفرنسا لاستغلال البترول بدلاً منهما (٣)،
стр. 768
وذلك تطبيقاً لرأى بعض الساسة الأمريكيون خلال عهدهم القديم الذين كانوا يرون أنه، من الخير أن تبقى القارة في قبضة العرش الإسباني حتى تكتمل لشعبنا القوة ليأخذها منه قطعة بعد قطعه، حيث إن الإمبراطورية الاسبانية كانت غنية بكثير من الثروات وذات موانئ ممتازة، مما فتح شهية الأمريكان لشن حملة صليبية في الخارج.
فقد برزت عدة اتجاهات على الساحة الأمريكية في تلك الفترة حول ماهية السياسة الخارجية الأمريكية التي يجب أن تتبعها أمريكا تجاه العالم الخارجي، حيث رأى البعض انه آن أوان خروج أمريكا من إطارها القاري المعزولة فيه كعزلة الناسك والوصول إلى القواعد البحرية البعيدة والاستيلاء على المستعمرات، مبارية في ذلك الدول العظمى الأخرى. وقد عزز هذه الرؤية أنصار مذهب داروين، الذين يرون أن التقدم لا يتم إلا بالكفاح في سبيل الوجود، وبقاء الأصلح، فانتقال المزايا التي تمكن الإنسان من النصر تنحدر إلى أخلاقه. فعلى الولايات المتحدة أن تنغمر في الصراع العالمي، فلشعبها من المزايا ما يضمن له النصر والبقاء ... وهذا هو التقدم بعينه. وهناك الاتجاه الرسمي الذي كان يدعى أن التفوق مقصور على الشعب النورديكى، ولاسيما الألمان والانجلوسكسون منه. فلقد كان هؤلاء اقدر الناس على الحكم، فدعهم إذن يأتون بأفضل أنواعه إلى أكثر الأصقاع العالمية المتأخرة في هذا المضمار.
وهناك اتجاه آخر أكد على أهمية القوة البحرية في جعل الأمة عظيمة قوية. ولم يكن يقصد بذلك الأسطول والسفن التجارية فحسب، ولكنه كان يدخل فيها المستعمرات والقواعد البحرية في الأقسام النائية من العالم. وقد تبلورت كل هذه الآراء السابقة عند اندلاع الحرب ضد اسبانيا، حيث اعتبرها البعض، إنها الفرصة الذهبية للانغماس في الصراع العالمي للحصول على السطوة ثم نشر الحكم الأمريكي المبارك في المستعمرات التي أساءت اسبانيا حكمها لمدة طويلة. بالإضافة إلى الحصول على مستعمرة غنية في الفلبين وقواعد بحرية أخرى في جزائر الكريبيان والأطلسي من اسبانيا. وشاع بين الناس استعمال مصطلح قديم انحدر من الحرب المكسيكية (المصير المحتوم) ويراد به التوسع في الجهتين المذكورتين (١).
стр. 769
ففي الخمسينات من القرن التاسع عشر، في أعقاب الحرب المكسيكية، تعلق قادة أمريكا في حماس شديد بفضائل التوسع وضرورته، وأعلن الرئيس (فرانكلين بيرس) في خطاب بدء ولايته عام ١٨٥٣م إن إدارته، لن تتحكم فيها أية هواجس شريرة رعديدة تحول دون التوسع. وأعلن جيمس بوكانان، الذي خلفه، إن التوسع هو سياسة المستقبل لبلادنا (١). ففي النصف الأول من القرن التاسع عشر حيث كان الخطاب الرسالي التبشيري لا يزال قوياً ومسلحاً بحجة حماية القارة الأميركية ومساعدتها على إنهاء الاستعمار الأوروبي، خاضت أميركا حوالي ١٤ حرباً باسم الدور الرسالي والأخلاقي، لعبت دوراً رئيسياً في انحسار الدور الأوروبي في تسيير شؤون العالم واستبداله بدور أميركي صاعد (٢).
وهكذا بدأت أمريكا بالتخلى عن سياسة العزله، وبدأت التدخل في شؤون القارة والعالم، وبدأ غزو الولايات المتحدة لأميركا اللاتينية في منتصف القرن الثامن عشر، ضمن مشروع تحرير أميركا اللاتينية، وهو المشروع الذي لقي تجاوباً من بعض دول أميركا اللاتينية نفسها، وهو من أفدح أخطاء تلك الدول كما يقول (سالينغر)، لأنه أعطى الأميركيين الفرصة للتدخل في شؤونهم. بدءاً من احتلال هاواي وضمها للولايات المتحدة، ومروراً بكوبا والهيمنة على بورتوريكو وهندوراس وغواتيمالا، ثم الأنموذج الأنصع للإمبريالية الأميركية في بنما (٣).
ففي عام١٨٣٣م قامت القوات الأمريكية بغزو نيكاراجوا، وفي عام ١٨٣٥م دخلت هذه القوات إلى بيرو، وفي عام ١٨٤٦م احتلت القوات الأمريكية أرضاً طالبت بها المكسيك ـ وهي ما تعرف الآن بولاية تكساس ـ وبهذا أثيرت الحرب المكسيكية، وفي أعقاب انتصار سنة ١٨٤٨م ضمت الولايات المتحدة تلك الأرض بالإضافة إلى كاليفورنيا ونيومكسيكو. وفي سنة ١٨٥٤م دمر المارينز الأمريكي ميناء جراى تاون في نيكارجوا انتقاماً من أبعاد الوزير الأمريكي الذي كان في زيارة لتلك البلاد، وبعد ذلك بعام غزت القوات الأمريكية اورغواى، ثم قامت بغزو قناة بنما، وفي عام
стр. 770
١٨٥٧م تدخلت القوات الأمريكية في نيكاراجوا لإفشال محاولات (وليم روكز) وهو مغامر من تنيسي، حاول تولي السلطة في نيكاراجوا. ثم قامت القوات الأمريكية بغزو كولومبيا عام ١٨٧٣م بعدة انزالات عسكريه تتابعت في الأعوام ١٨٨٥م و ١٨٩٣م و ١٨٩٩م. وفي عام ١٨٨٨م تدخلت القوات الأمريكية في هايتي، وفي عام ١٨٩١م في تشيلي وفي عام ١٨٩٤م تدخلت القوات الأمريكية مرة أخرى في نيكاراجوا (١).
وهكذا فإنه في حين أن أمريكا ارض الميعاد تمسكت بان محاولة تغيير العالم كانت غبية (وغير أخلاقية)، فإن أمريكا الدولة الصليبية تمسكت بأن الأحجام عن محاولة تغيير العالم كان غير أخلاقي وغبيا" (٢). ولهذا ازدادت حدة التدخلات الأمريكية في شؤون القارة الأمريكية، وانطلق الإرهاب الأمريكي تجاه العالم الخارجي انطلاقاً سريعاً، وكان استخدام القوة العسكرية استخداماً عدوانياً ولا يزال هو الوسيلة الرئيسية التي تعتمدها الولايات المتحدة في توسعها الاستعماري، أو ما سمته زيادة مساحة الحرية، حيث كانت هذه المساحة موشكة على تحقيق قفزة ملموسة مع حلول نهاية القرن التاسع عشر. ومع تحقيق قدرها المكتوب تحولت روح أمريكا التوسعية نحو الشواطئ الأجنبية، حيث لم تكن الولايات المتحدة في حقيقة الأمر، غريبة في الخارج، إذ كانت قد خاضت حروباً فيما وراء البحار في أكثر من مئة مناسبة (٣).
واعتباراً من ١٨٩٨م شنت الولايات المتحدة حرباً استعمارية لإعادة تقسيم العالم (٤) وبدأ منذ ذلك الحين النوع الأول من الأخلاق في إفساح الطريق للنوع الثاني، فعندئذ قدس أنبياء الدولة الصليبية عهداً جديداً للسياسة الخارجية، وقام الامبرياليون التقدميون بدور يوحنا المعمدان الذي بشر بالمسيح ومملكة الرب، ولعب
стр. 771
ويلسون دور المخلص، الذي صلب في التو، كما كتب مهندسو الاحتواء وتحسين العالم، الرسائل المقدسة التي علمت الأمريكيين كيف يعيشون إيمانهم الجديد. واعتقدوا كذلك إن سياستهم كانت استجابات أخلاقية وبرجماتية للعالم الذي خبروه في زمنهم (١).
(ويليام ماكنلى) أول رئيس امبريالي
في عام ١٨٩٦م نجح (وليام ماكنلي ١٨٩٦ـ ١٩٠١م) المنتمي للحزب الجمهوري، في أن يصبح الرئيس الخامس والعشرين للولايات المتحدة الأمريكية، حيث سيطر الجمهوريون على الكونجرس بأغلبية ١٩٧ مقعداً مقابل ١٥١ للديمقراطيين، مما أعطى الرئيس حرية واسعة نحو اتخاذ القرارات. وماكنلي هو المؤسس الحقيقي للإمبراطورية (الإمبريالية) الأمريكية، ففي عهده احتلت الولايات المتحدة الأمريكية أول مستعمرات لها خارج حدودها، وذلك تأثراً بالدعوة التي أطلقها المؤرخ (فريدريك تيرنر) في معرض شيكاغو ١٨٩٣م حيث قال: "سيكون القرن القادم هو أول قرن تشهده أمريكا بلا حدود للفتوحات الأمريكية"، كما أرسى العميد بحري (ألفريد ثايرماهان) مذهب التوسعية الأمريكية في ٢٠ كتاباً وعدة مقالات، حفلت باقتباسات توراتية طويلة، وأكد فيها أنه لا توجد أمة عظيمة دون مياه (تحميها كحاجز طبيعي)، وأسطول تجاري متفوق، ومستعمرات فيما وراء البحار. ولهذا فقد جاءت سياسة ماكنلي تطبيقاً أميناً لهذه النصائح والوصايا الإمبريالية، وخاض حروباً في كوبا، الفلبين، والصين، حروباً احتاجت إلى نفقات مولها من الجمارك والضرائب التي تميز عهده بفرض الكثير منها (٢).
أمريكا ترمي إسبانيا في البحر
لنخرج بتصور واضح عما فعله (وليام ماكنلي) علينا أن نعود إلى خريطة العالم عام ١٨٩٨م، وسنرى بريطانيا العظمى (المحكومة بروتستانتياً) تسيطر على العالم
стр. 772
القديم فيما قنعت فرنسا بالنصيب الأقل من الكعكة، وهناك: إيطاليا والبرتغال وهولندا المشاركة من بعيد، أما ألمانيا فكانت تلعب دور: القوة الاقتصادية والعسكرية الآخذة في الصعود. أما في العالم الجديد (الأمريكتين) فكانت الولايات المتحدة الأمريكية (المحكومة بروتستانتياً .. كذلك) هي الدولة الأكثر قوة، مع مناوشة ـ لا منافسة ـ من جانب (إسبانيا)، القوة الاستعمارية الكاثوليكية العجوز، التى سبق لبريطنيا ان دمرت اسطولها (الارمادا) كخطوه مهمه لافساح المجال اما التوسع الانجلوسكسوني الاستعماري في العالم، حيث يمكن القول ان التنافس البحري بين الاسبان والانجليز، كان تناقساً كاثوليكياً بروتستانتياً، وكان انتصار انجلترا وتدميرها للاسطول الاسباني البحري ارمادا عام ١٨٥٥، تعبيراً عن ذلك. اذ كان الامر بالنسبة للانجليز حملة صليبية بروتستانتية. ... وحتى قبل تدمير اسطول الارمادا الاسباني بعقد، فإن السير (همفوت جلبرت)، كان قد اقترح على الملكة البروتستانتية اليزابت الأولى، ان على الانجليز البروتستنانت، استغلال كل فرصة تجعل من اعدائهم الاسبان الكاثوليك فقراء وضعفاء، ومن انفسهم اغنياء واقوياء، في اشارة إلى استعمار أمريكا (١).
فقد كان الأسبان مازالوا يحتفظون بمستعمراتهم في أمريكا الوسطى والجنوبية، وفي الفلبين، وكان الأمريكيون (الولايات المتحدة) لم ينسوا ثأرهم مع إسبانيا التي طاردت البروتستانت واليهود، منذ أربعة قرون تقريباً، والتي رأوا أن وقت الثأر منها قد حان، هكذا .. وبدعم يهودي سياسي ومالي قوي .. تعمد الرئيس الأمريكي أن يتحرش بإسبانيا ويجرها إلى حرب قضت على قوتها وأخرجتها من معادلة (العالم الجديد) .. حتى اليوم، حرب نجحت فيها الولايات المتحدة الأمريكية في أن ترمي إسبانيا في البحر (٢).
وفي ١٨٩٥م، دعمت أمريكا الثوار الكوبيين الذين قادوا تمرداً دامياً ضد إسبانيا، ومارست ضغوطاً سياسية واسعة لإجبار إسبانيا على التخلي عن كوبا. وإذ بدا واضحاً أن هذا التخلي لن يتم دون حرب، أعلن الرئيس الأمريكي حالة الحرب متذرعاً
стр. 773
بالمساندة الإنسانية و"المسؤولية التي وضعها الرب على عاتق أمريكا"، وهو ما علق عليه (دي لومي) السفير الإسباني لدى أمريكا في رسالة قال فيها: "إن ماكنلي "ضعيف ومزايد لاستقطاب الإعجاب الجماهيري"، وقد وقعت الرسالة في يد (راندولف هيرست) محرر وناشر مجلة شعب نيويورك، فنشرها في مجلته مما أغضب القراء. وبعدها بأسبوع واحد، وفي ١٥ من فبراير (شباط) ١٨٩٨م نجح الأسبان في تفجير السفينة الأمريكية (مين) التي كانت تقف في ميناء هافانا ـ العاصمة الكوبية حالياً ـ وقتلوا ٢٦٦ من طاقمها، فطلب ماكنلى تفويضاً لاستخدام القوة لحماية مصالح أمريكا ضد اسبانيا، فوافق الكونغرس على إعلان الحرب بأغلبية ساحقة في ١١ من ابريل نيسان، بشرط أن تكون الحرب من اجل الإنسانية، وتبرأ من أية نية لضم الجزيرة: "نحن نتدخل ليس من اجل الغزو". وقال السناتور (شلبي كولوم): "انه سيساند الحرب فقط إذا كانت تخاض باسم الحرية، التي ـ في هذه الحالة ـ سوف تكسب الولايات المتحدة ثناء كل محب للحرية والإنسانية عبر العالم" (١).
وفي كتابه (إمبراطورية الحرية) يعلق انطونيو (بلتران هرنانديز)، على هذه الحرب تحت عنوان الحملة الصليبية الجديدة الأولى باناما (١٩٨٩م) بقوله: "قبل ست ساعات من تلقى الأمر بمهاجمة مدينة باناما، مساء الاثنين من ١٦ ديسمبر عام ١٩٨٩، كان الملازم أول (دوغ روبن) يصلى مع رجاله: كانت هذه الحرب في نظره، الصراع التقليدي بين الخير والشر، في الطريق القويم، مما كان قد قرأه في العهد القديم. كان يعتبر مركبته المصفحة كجزء من خزانة الأسلحة الإلهية ممتدة ضد مبعوث الشيطان الجديد. ما زال رجاله لا يعرفون النار أبداً، ويريد أن يقنعهم بأن الله معهم. إنني أجهل ماذا تفكرون بالفكرة التي بموجبها يختار الله معسكره، قال لهم، ولكن ما هو مؤكد، انه يرغب في اقتلاع الشر من على سطح الأرض" (٢).
وفي أول مايو نجح العميد بحري (جورج ديوي) في تحطيم الأسطول الاسباني في المحيط الهادي بخليج مانيلا. قضى على الأسطول كاملاً دون أن يخسر واحداً من رجاله، وهكذا سقطت كوبا في يد الأمريكيين، الذين نجحوا ـ بسرعة ـ في اجتياح
стр. 774
(مانيلا) واحتلال الفلبين، ـ وضم جزر هاواي. وبقيادة العقيد (تيودور روزفلت) ـ الذي سنراه فيما بعد نائباً للرئيس ثم رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية ـ ثم احتلال سانتياغو، وقام عميد الأسطول الأمريكي في المحيط الهادي (وليام سايمسن) بتحطيم أسطول إسبانيا الأطلسي في المياه بين كوبا وجامايكا واحتلال بورتريكو. ولم يعد أمام إسبانيا بعد تحطم كامل قواتها وانتزاع أهم مستعمراتها إلا طلب الهدنة بعد ثلاثة أشهر دامية، وفي ١٢ من أغسطس تم إعلان وقف إطلاق النار بعد حرب خسرت فيها إسبانيا أسطولها الحربي كاملاً، ومئات الآلاف من رجالها، ولم يخسر الأمريكيون أكثر من ٤٠٠ رجلاً مات كثير منهم بسبب الملاريا أو الغذاء المسمم، حسب المزاعم الأمريكية! (١).
وفي ١٠ من ديسمبر ١٨٩٨م تم توقيع معاهدة باريس التي سلمت فيها إسبانيا دون قيد ولا شرط، وأكدت الولايات المتحدة وجودها بين القوى الاستعمارية حيث حصلت على بورتريكو، وكوبا (التي ظلت محمية أمريكية حتى ١٩٣٤) والفلبين ـ التي تمردت في ١٩٠٢م، لكن الأمريكيين قمعوا التمرد وقتلوا ٢٠٠ ألف فلبيني ـ وهذا ينسف ما قاله (ماكنل) بعد ليلة صلاة: "لم يبق لنا شيء لعمله إلا أن نأخذهم جميعاً، ونعلم الفلبينيين، نرقيهم ونحولهم إلى المسيحية. وبعون الرب نفعل أفضل شيء نستطيعه لهم كرجال أصحاب لنا، فمن اجلهم أيضاً مات المسيح" (٢). وبعد (تحريم) ـ أي (إبادة) بالمصطلح التوراتي ـ الوجود الاسباني في القارة الأمريكية، أصبح الطريق مفتوحاً إلى الصين، وهو الطريق الذي حرص ماكنلي على ريادته سعياً وراء فتح الطريق التجاري، وخوفاً من الحلف (الياباني الألماني) الذي كان يهدد الطموحات الأمريكية، وبحثاً عن (موطئ قدم) مع بريطانيا العظمى في جنوب شرق آسيا. وفي هذا الخصوص، فإن سياسة (الباب المفتوح) التي أوعز وليام ماكنلي إلى وزير خارجيته بإعلانها، تشكل الأساس النظري لتعامل الولايات المتحدة مع هذه
стр. 775
المنطقة من العالم حتى اليوم، ولا يمكن فهم تحركات ومناورات كلينتون وجورج بوش شداً وجذباً مع الصين إلا بمراجعة سياسة الباب المفتوح" (١).
روزفلت وسياسة العصا الغليظة
"لا أعرف ما الذي يؤمن به الناس، أعرف ما يجب أن يؤمنوا به". بهذه الصرامة كان تيودور روزفلت (١٩٠١ ـ١٩٠٩م) يفكر ويتحدث ويتصرف". وبهذه الصرامة دخل (روزفلت) ـ المصنف بين أقوى ٦ رؤساء في تاريخ أمريكا، والملقب بالرئيس الذي لا يقهرـ البيت الأبيض- بوصفه حاكم نيويورك القوي، تسانده سمعته كقائد حربي فذ ومنتصر في الحرب ضد الأسبان. كان روزفلت أول من أطلق تعبير (النظام العالمي الجديد)، وأول من رسم صورة أمريكا باعتبارها (شرطي العالم) في نصف الكرة الغربي مطبقاً مبدأ (مونرو)، الذي أعطت به أمريكا نفسها حق التدخل في شؤون الآخرين بمنتهى الفجاجة. وفي عهده تمددت الإمبراطورية الأمريكية لتشمل كوبا وهايتي والدومينيكان وبورتريكو، وسيطرت على قناة بنما، مما جعل التجارة الأمريكية تتقدم على نحو واضح. وجاء في تفسيره للسياسة الخارجية الأمريكية قوله: "إن تاريخنا هو تاريخ التوسع .. وهذا التوسع ليس أمراً يستدعي الاعتذار عنه، ولكنه يدعو للفخار" (٢).
وقد امتاز أداء روزفلت بحزم واضح، عبرت عنه كلماته التي ما فتئ يرددها مثل: "لا أحد فوق القانون ولا أحد تحته، ولا نطلب تصريحا من أحد عندما نطلب منه الطاعة". وقوله: "تكلم بهدوء وأحمل عصا غليظة .. وستنجح إلى أبعد مدى". وانطلاقاً من هذه المقولة حرص روزفلت على دعم أسطوله، وتبنى ـ في نفس الوقت ـ سياسة (التحكيم الدولي في النزاعات)، وهي نفس السياسة التي تتبعها أمريكا حتى اليوم وتكسب بها كل معاركها دون أن تطلق رصاصة واحدة، حيث تعتمد على (الرهبة) من قوتها الكبيرة في فرض رأيها. وقد حصل روزفلت على جائزة نوبل بعد مساعيه لفرض مفاوضات مباشرة بين روسيا واليابان لإنهاء الحرب بينهما. تلك