ويلسون دور المخلص، الذي صلب في التو، كما كتب مهندسو الاحتواء وتحسين العالم، الرسائل المقدسة التي علمت الأمريكيين كيف يعيشون إيمانهم الجديد. واعتقدوا كذلك إن سياستهم كانت استجابات أخلاقية وبرجماتية للعالم الذي خبروه في زمنهم (١).
(ويليام ماكنلى) أول رئيس امبريالي
في عام ١٨٩٦م نجح (وليام ماكنلي ١٨٩٦ـ ١٩٠١م) المنتمي للحزب الجمهوري، في أن يصبح الرئيس الخامس والعشرين للولايات المتحدة الأمريكية، حيث سيطر الجمهوريون على الكونجرس بأغلبية ١٩٧ مقعداً مقابل ١٥١ للديمقراطيين، مما أعطى الرئيس حرية واسعة نحو اتخاذ القرارات. وماكنلي هو المؤسس الحقيقي للإمبراطورية (الإمبريالية) الأمريكية، ففي عهده احتلت الولايات المتحدة الأمريكية أول مستعمرات لها خارج حدودها، وذلك تأثراً بالدعوة التي أطلقها المؤرخ (فريدريك تيرنر) في معرض شيكاغو ١٨٩٣م حيث قال: "سيكون القرن القادم هو أول قرن تشهده أمريكا بلا حدود للفتوحات الأمريكية"، كما أرسى العميد بحري (ألفريد ثايرماهان) مذهب التوسعية الأمريكية في ٢٠ كتاباً وعدة مقالات، حفلت باقتباسات توراتية طويلة، وأكد فيها أنه لا توجد أمة عظيمة دون مياه (تحميها كحاجز طبيعي)، وأسطول تجاري متفوق، ومستعمرات فيما وراء البحار. ولهذا فقد جاءت سياسة ماكنلي تطبيقاً أميناً لهذه النصائح والوصايا الإمبريالية، وخاض حروباً في كوبا، الفلبين، والصين، حروباً احتاجت إلى نفقات مولها من الجمارك والضرائب التي تميز عهده بفرض الكثير منها (٢).
أمريكا ترمي إسبانيا في البحر
لنخرج بتصور واضح عما فعله (وليام ماكنلي) علينا أن نعود إلى خريطة العالم عام ١٨٩٨م، وسنرى بريطانيا العظمى (المحكومة بروتستانتياً) تسيطر على العالم
стр. 772
القديم فيما قنعت فرنسا بالنصيب الأقل من الكعكة، وهناك: إيطاليا والبرتغال وهولندا المشاركة من بعيد، أما ألمانيا فكانت تلعب دور: القوة الاقتصادية والعسكرية الآخذة في الصعود. أما في العالم الجديد (الأمريكتين) فكانت الولايات المتحدة الأمريكية (المحكومة بروتستانتياً .. كذلك) هي الدولة الأكثر قوة، مع مناوشة ـ لا منافسة ـ من جانب (إسبانيا)، القوة الاستعمارية الكاثوليكية العجوز، التى سبق لبريطنيا ان دمرت اسطولها (الارمادا) كخطوه مهمه لافساح المجال اما التوسع الانجلوسكسوني الاستعماري في العالم، حيث يمكن القول ان التنافس البحري بين الاسبان والانجليز، كان تناقساً كاثوليكياً بروتستانتياً، وكان انتصار انجلترا وتدميرها للاسطول الاسباني البحري ارمادا عام ١٨٥٥، تعبيراً عن ذلك. اذ كان الامر بالنسبة للانجليز حملة صليبية بروتستانتية. ... وحتى قبل تدمير اسطول الارمادا الاسباني بعقد، فإن السير (همفوت جلبرت)، كان قد اقترح على الملكة البروتستانتية اليزابت الأولى، ان على الانجليز البروتستنانت، استغلال كل فرصة تجعل من اعدائهم الاسبان الكاثوليك فقراء وضعفاء، ومن انفسهم اغنياء واقوياء، في اشارة إلى استعمار أمريكا (١).
فقد كان الأسبان مازالوا يحتفظون بمستعمراتهم في أمريكا الوسطى والجنوبية، وفي الفلبين، وكان الأمريكيون (الولايات المتحدة) لم ينسوا ثأرهم مع إسبانيا التي طاردت البروتستانت واليهود، منذ أربعة قرون تقريباً، والتي رأوا أن وقت الثأر منها قد حان، هكذا .. وبدعم يهودي سياسي ومالي قوي .. تعمد الرئيس الأمريكي أن يتحرش بإسبانيا ويجرها إلى حرب قضت على قوتها وأخرجتها من معادلة (العالم الجديد) .. حتى اليوم، حرب نجحت فيها الولايات المتحدة الأمريكية في أن ترمي إسبانيا في البحر (٢).
وفي ١٨٩٥م، دعمت أمريكا الثوار الكوبيين الذين قادوا تمرداً دامياً ضد إسبانيا، ومارست ضغوطاً سياسية واسعة لإجبار إسبانيا على التخلي عن كوبا. وإذ بدا واضحاً أن هذا التخلي لن يتم دون حرب، أعلن الرئيس الأمريكي حالة الحرب متذرعاً
стр. 773
بالمساندة الإنسانية و"المسؤولية التي وضعها الرب على عاتق أمريكا"، وهو ما علق عليه (دي لومي) السفير الإسباني لدى أمريكا في رسالة قال فيها: "إن ماكنلي "ضعيف ومزايد لاستقطاب الإعجاب الجماهيري"، وقد وقعت الرسالة في يد (راندولف هيرست) محرر وناشر مجلة شعب نيويورك، فنشرها في مجلته مما أغضب القراء. وبعدها بأسبوع واحد، وفي ١٥ من فبراير (شباط) ١٨٩٨م نجح الأسبان في تفجير السفينة الأمريكية (مين) التي كانت تقف في ميناء هافانا ـ العاصمة الكوبية حالياً ـ وقتلوا ٢٦٦ من طاقمها، فطلب ماكنلى تفويضاً لاستخدام القوة لحماية مصالح أمريكا ضد اسبانيا، فوافق الكونغرس على إعلان الحرب بأغلبية ساحقة في ١١ من ابريل نيسان، بشرط أن تكون الحرب من اجل الإنسانية، وتبرأ من أية نية لضم الجزيرة: "نحن نتدخل ليس من اجل الغزو". وقال السناتور (شلبي كولوم): "انه سيساند الحرب فقط إذا كانت تخاض باسم الحرية، التي ـ في هذه الحالة ـ سوف تكسب الولايات المتحدة ثناء كل محب للحرية والإنسانية عبر العالم" (١).
وفي كتابه (إمبراطورية الحرية) يعلق انطونيو (بلتران هرنانديز)، على هذه الحرب تحت عنوان الحملة الصليبية الجديدة الأولى باناما (١٩٨٩م) بقوله: "قبل ست ساعات من تلقى الأمر بمهاجمة مدينة باناما، مساء الاثنين من ١٦ ديسمبر عام ١٩٨٩، كان الملازم أول (دوغ روبن) يصلى مع رجاله: كانت هذه الحرب في نظره، الصراع التقليدي بين الخير والشر، في الطريق القويم، مما كان قد قرأه في العهد القديم. كان يعتبر مركبته المصفحة كجزء من خزانة الأسلحة الإلهية ممتدة ضد مبعوث الشيطان الجديد. ما زال رجاله لا يعرفون النار أبداً، ويريد أن يقنعهم بأن الله معهم. إنني أجهل ماذا تفكرون بالفكرة التي بموجبها يختار الله معسكره، قال لهم، ولكن ما هو مؤكد، انه يرغب في اقتلاع الشر من على سطح الأرض" (٢).
وفي أول مايو نجح العميد بحري (جورج ديوي) في تحطيم الأسطول الاسباني في المحيط الهادي بخليج مانيلا. قضى على الأسطول كاملاً دون أن يخسر واحداً من رجاله، وهكذا سقطت كوبا في يد الأمريكيين، الذين نجحوا ـ بسرعة ـ في اجتياح
стр. 774
(مانيلا) واحتلال الفلبين، ـ وضم جزر هاواي. وبقيادة العقيد (تيودور روزفلت) ـ الذي سنراه فيما بعد نائباً للرئيس ثم رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية ـ ثم احتلال سانتياغو، وقام عميد الأسطول الأمريكي في المحيط الهادي (وليام سايمسن) بتحطيم أسطول إسبانيا الأطلسي في المياه بين كوبا وجامايكا واحتلال بورتريكو. ولم يعد أمام إسبانيا بعد تحطم كامل قواتها وانتزاع أهم مستعمراتها إلا طلب الهدنة بعد ثلاثة أشهر دامية، وفي ١٢ من أغسطس تم إعلان وقف إطلاق النار بعد حرب خسرت فيها إسبانيا أسطولها الحربي كاملاً، ومئات الآلاف من رجالها، ولم يخسر الأمريكيون أكثر من ٤٠٠ رجلاً مات كثير منهم بسبب الملاريا أو الغذاء المسمم، حسب المزاعم الأمريكية! (١).
وفي ١٠ من ديسمبر ١٨٩٨م تم توقيع معاهدة باريس التي سلمت فيها إسبانيا دون قيد ولا شرط، وأكدت الولايات المتحدة وجودها بين القوى الاستعمارية حيث حصلت على بورتريكو، وكوبا (التي ظلت محمية أمريكية حتى ١٩٣٤) والفلبين ـ التي تمردت في ١٩٠٢م، لكن الأمريكيين قمعوا التمرد وقتلوا ٢٠٠ ألف فلبيني ـ وهذا ينسف ما قاله (ماكنل) بعد ليلة صلاة: "لم يبق لنا شيء لعمله إلا أن نأخذهم جميعاً، ونعلم الفلبينيين، نرقيهم ونحولهم إلى المسيحية. وبعون الرب نفعل أفضل شيء نستطيعه لهم كرجال أصحاب لنا، فمن اجلهم أيضاً مات المسيح" (٢). وبعد (تحريم) ـ أي (إبادة) بالمصطلح التوراتي ـ الوجود الاسباني في القارة الأمريكية، أصبح الطريق مفتوحاً إلى الصين، وهو الطريق الذي حرص ماكنلي على ريادته سعياً وراء فتح الطريق التجاري، وخوفاً من الحلف (الياباني الألماني) الذي كان يهدد الطموحات الأمريكية، وبحثاً عن (موطئ قدم) مع بريطانيا العظمى في جنوب شرق آسيا. وفي هذا الخصوص، فإن سياسة (الباب المفتوح) التي أوعز وليام ماكنلي إلى وزير خارجيته بإعلانها، تشكل الأساس النظري لتعامل الولايات المتحدة مع هذه
стр. 775
المنطقة من العالم حتى اليوم، ولا يمكن فهم تحركات ومناورات كلينتون وجورج بوش شداً وجذباً مع الصين إلا بمراجعة سياسة الباب المفتوح" (١).
روزفلت وسياسة العصا الغليظة
"لا أعرف ما الذي يؤمن به الناس، أعرف ما يجب أن يؤمنوا به". بهذه الصرامة كان تيودور روزفلت (١٩٠١ ـ١٩٠٩م) يفكر ويتحدث ويتصرف". وبهذه الصرامة دخل (روزفلت) ـ المصنف بين أقوى ٦ رؤساء في تاريخ أمريكا، والملقب بالرئيس الذي لا يقهرـ البيت الأبيض- بوصفه حاكم نيويورك القوي، تسانده سمعته كقائد حربي فذ ومنتصر في الحرب ضد الأسبان. كان روزفلت أول من أطلق تعبير (النظام العالمي الجديد)، وأول من رسم صورة أمريكا باعتبارها (شرطي العالم) في نصف الكرة الغربي مطبقاً مبدأ (مونرو)، الذي أعطت به أمريكا نفسها حق التدخل في شؤون الآخرين بمنتهى الفجاجة. وفي عهده تمددت الإمبراطورية الأمريكية لتشمل كوبا وهايتي والدومينيكان وبورتريكو، وسيطرت على قناة بنما، مما جعل التجارة الأمريكية تتقدم على نحو واضح. وجاء في تفسيره للسياسة الخارجية الأمريكية قوله: "إن تاريخنا هو تاريخ التوسع .. وهذا التوسع ليس أمراً يستدعي الاعتذار عنه، ولكنه يدعو للفخار" (٢).
وقد امتاز أداء روزفلت بحزم واضح، عبرت عنه كلماته التي ما فتئ يرددها مثل: "لا أحد فوق القانون ولا أحد تحته، ولا نطلب تصريحا من أحد عندما نطلب منه الطاعة". وقوله: "تكلم بهدوء وأحمل عصا غليظة .. وستنجح إلى أبعد مدى". وانطلاقاً من هذه المقولة حرص روزفلت على دعم أسطوله، وتبنى ـ في نفس الوقت ـ سياسة (التحكيم الدولي في النزاعات)، وهي نفس السياسة التي تتبعها أمريكا حتى اليوم وتكسب بها كل معاركها دون أن تطلق رصاصة واحدة، حيث تعتمد على (الرهبة) من قوتها الكبيرة في فرض رأيها. وقد حصل روزفلت على جائزة نوبل بعد مساعيه لفرض مفاوضات مباشرة بين روسيا واليابان لإنهاء الحرب بينهما. تلك
стр. 776
الحرب التي قضت على الأسطول الروسي، ووضعت حكم القيصر على طريق النهاية، والتي كان إيقافها عند هذه النقطة مطلباً صهيونياً، درءاً لاحتمال أن تنهض روسيا القيصرية مرة أخرى أو تستعيد توازنها. ويجمع المؤرخون على أن هزيمة قيصر روسيا (الذي أذل اليهود ولم يرضخ للتهديدات الأمريكية) أمام الأسطول الياباني كانت أهم عوامل ضعف دولته، وسقوطها بعد ذلك لقمة سائغة في يد الثورة البلشفية، وهي الهزيمة التي عمد روزفلت إلى تكريسها، مستعينا بتعبيرات توراتية وهو يتحدث عن (مسؤولية الرجل الأبيض) و (دوره كمسيحي).
حرب كل عام
كما أسلفنا كانت في عام ١٨٩٨م الحرب الأمريكية الأسبانية، حيث افتعلت الولايات الأمريكية حادثة كوبا، وقد حاصر على أثرها الأسطول الأمريكي الموانئ الكوبية بينما قام الجيش والمتطوعون بما فيهم رجال تيودور روزفلت بسحق القوات الأسبانية على الشواطئ، وبعد ثلاثة أعوام جعلت الولايات المتحدة من كوبا وكراً أمريكياً للقمار، كما ضمنت الحق في قاعدة بحريه في خليج (جوانتا نامو) (١)، ومازالت تحتفظ بها حتى الوقت الحاضر. وفي عام ١٩٠١م و ١٩٠٢م تدخلت القوات الأمريكية في كولومبيا، وفي عام ١٩٠٢م تدخلت في هندوراس، وفي عام ١٩٠٦م خلال الحرب الأهلية في كوبا انتظمت القوات الأمريكية في جيش التهدئة الكوبية لاستعادة النظام وإقامة حكومة مستقلة خلال ثلاث سنوات. وفي عام ١٩٠٧م تدخلت القوات الأمريكية واستولت على ست مدن في هندوراس، وفي عام ١٩١٤ م دخل الماينز الأمريكيون إلى هايتي في عملية إنزال، حيث سرقوا البنك المركزي استرداداً لبعض الديون، وبعد سنة واحده ـ أي في عام ١٩١٥م دخلت القوات الأمريكية إلى هايتي واحتلت البلاد عام ١٩٣٤. وفي عام ١٩١٤م أمر الرئيس ولسون بحريته بقصف واحتلال فيركروز، وفي عام ١٩١٦م وبعد غارات مكسيكيه على الأراضي الأمريكية أرسل قوة بقيادة بيرشينغ دخلت المكسيك لمطاردة زعيم
стр. 777
الثوار بانكوفيلا، وفي عام ١٩١٦م تدفقت القوات الأمريكية إلى (الدومينكان) لتهزم الثوار وتسيطر على البلاد بحكومة عسكريه حتى عام ١٩٢٤م.
ويلسون والخضوع لحقنا باستغلالهم ونهبهم
في بداية القرن الماضي، في عام ١٩٠٨ م، تطرق (أناتول فرانس) في كتابة (جزيرة البطاريق) إلى هذا العالم الخالي من الروح، عالم الحسابات السياسية والأمريكية. وذلك عندما حضر البروفيسور اوبنوبيل إحدى جلسات الكونجرس الأمريكي وسجل ما حدث.
"لقد انتهت الحرب لفتح أسواق (زيلندة الثالثة) بإرضاء الولايات، واقترح عليكم إرسال الحساب إلى اللجنة المالية .... لا توجد معارضة ... لقد أخذنا بالاقتراح. "أحقا ما سمعت؟ (يتساءل البروفيسور أوبنوبيل) ماذا أنتم؟ إنكم بلا شك شعب صناعي، إنكم تتورطون في كل هذه الحروب".
بلا شك، (رد المترجم): "إنها حروب صناعية. إن الشعوب غير الصناعية التي لا تملك تجارة ولا صناعة ليست مرغمة على التورط في حروب، ولكن مصير شعب يقوم على الأعمال هو الاعتماد على الغزو. إن عدد حروبنا يتزايد بالضرورة بحجم تزايد أنشطتنا الإنتاجية. وعندما تعجز صناعة عن تصريف منتجاتها لابد من حرب، لفتح آفاق جديدة لها، وهكذا كانت لنا في هذا العام حرب الفحم، وحرب القطن. لقد قتلنا في زيلنده الثالثة ثلثي السكان لنرغم الباقين على شراء الشماسي والحمالات منا! ".
في هذه اللحظة صعد رجل ضخم كان جالساً في وسط المجلس إلى المنصة، وقال: "أنا أطالب بحرب ضد جمهورية (الزمرد) التي تنافس ـ بوقاحةـ هيمنة لحم خنازيرنا ومنتجاتنا من السجق في كل أسواق العالم".
من هذا النائب (تساءل البروفسور أوبنوبيل) ... إنه تاجر خنازير. لا توجد معارضة؟ (سأل رئيس المجلس). سأعرض الاقتراح للتصويت. لقد قبل المجلس اقتراح الحرب ضد جمهورية "الزمرد" بأغلبية ساحقة.
стр. 778
كيف (سأل البروفسيور أوبنوبيل) تصوتون على حرب بهذه السرعة وبعدم اكتراث؟! ... أوه! أنها حرب بلا أهمية، لن تكلفنا سوى ثمانية ملايين دولار بالكاد. ... والرجال؟! .... إن المبلغ يشمل ـ أيضاً ـ الرجال)!! (١).
بهذه الطريقة شنت أمريكا حروبها المختلفة، لتحدد مهمتها الخاصة بأنها تلقين كل شعب مستعمر النظام وضبط النفس والتدريب على القانون والطاعة. ومعنى ذلك من الناحية الواقعية على حد تعبير (ودرو ويلسون): "الخضوع لحقنا في استغلالهم ونهبهم". ويشرح ودرو ويلسون في مذكراته السرية الدور الذي تقوم به سلطة الدولة في هذا المشروع فيقول: "بما أن التجارة لا تعرف حدوداً قوميه .. وبما أن المنتج يحتاج إلى العالم ليصبح بأجمعه سوقه التجاري، فلا بد إذن من أن يسبقه علم بلاده، حتى يوفر له فرصة اختراق كل الأبواب المغلقة، ولا بد أن يحمى رجال الدولة الامتيازات التي يحصل عليها رجال المال حتى ولو أدى ذلك إلى تدمير سيادة الأمم التي تحاول التصدي. لذلك يجب إقامة المستعمرات أو ضمها حتى لا نترك أي ركن في العالم". وهذه المذكرات السرية توضح المعنى الحقيقي لمثل ويلسون العليا في الحرية والحكم الذاتي، وهي المثل العليا التي يثرثر بها كثيراً مثقفو العرب. وقد طبق ويلسون عقيدته في الحكم الذاتي عندما أصبح رئيساً، فغزا المكسيك وهايتي والدومينكان واعمل جنوده الذبح والقتل والدمار، ليضعوا البلاد في قبضة رجال الأعمال الأمريكيين (٢).
الحرب العالمية الأولى والسيطرة على أوروبا
بنفس الطريقة ولنفس الأسباب حصل إعلان الرئيس (ويلسون) بدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى في ١٩١٧م على تأييد شبه كامل من الجماعات الدينية، حتى تلك الملتزمة عادة بالسلامية. ومما سهل تقبل الأمر، وصف (ويلسون) دخول الولايات المتحدة النزاع بأنه لم يكن إلا لدعم حقوق الإنسان. وحتى من أيد ألمانيا مسبقاً في النزاع الأوروبي تحول عن ذلك. ونظر للحرب على أنها شر لا
стр. 779
بد منه وأنها الطريق الوحيد للسلام. وانشغلت المنظمات الدينية وزعماؤها بتأييد محموم لجهود الحرب، مما جعلها تبدو كحملة صليبية. "فقد دعا الرب الأمة لدخول المعركة لإحراز النصر النهائي (للحضارة المسيحية) ومجد المحاربين كأبطال الحق ضد أتباع الشيطان" (١).
مره أخرى يتم تمويه الأهداف الحقيقية للحروب الأمريكية بعبارات رنانة، مع إغفال متعمد للأهداف التوسعية والرغبة في السيطرة ونهب ثروات الشعوب المغلوبة. فأمريكا عملت على الاستفادة من الحرب إلى أقصى درجة، حيث كانت الحرب العالمية الأولى من عام ١٩١٤م إلى عام ١٩١٨م والتدمير المتبادل بين الدول الأوروبية، بمثابة منجم من الذهب للولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تسرع إلى النجدة والانتصار إلا في نهاية الحرب عام ١٩١٧م. حيث خرجت الولايات المتحدة من الحرب في وضع هيمنة كليه، وضع لا مثيل له في التاريخ. فمنافسوها الصناعيين قد دمروا أو اضعفوا إلى حد كبير، بينما تضاعف إنتاج أمريكيا الصناعي أربع مرات تقريباً خلال سنين الحرب.
وإذا كان الصراع الأوروبي ـ الأوروبي كلف أوروبا خسارتها لكثير من مستعمراتها ومواقع نفوذها، فإن هذا الصراع كان سبباً في تعاظم النفوذ الأميركي وتغلغله إلى داخل القارة نفسها. ففي الحرب ما بين (١٩١٤ـ١٩١٦م) لم يتورع الأميركيون عن تزويد المتحاربين بالأغذية والأسلحة والمنتجات مقابل المال، مما زاد من حصتها التجارية في التعامل مع عدد من الدول الأوروبية، ولم تتدخل أمريكيا في الحرب إلا للمحافظة على التوازن العالمي وللدفاع عن التجارة البحرية التي هددتها الغواصات الألمانية. وقد جنت أميركا الكثير من الأرباح والفوائد من الحرب، بينما كانت مذبحة لأوروبا فدفعت الثمن من دمائها واقتصادها.
ولكن هذا الحال لم يستمر طويلاً حيث بدأت الدول الأوربية وعلى رأسها ألمانيا تنهض من كبوتها، وبدأت تشهد ازدهاراً اقتصادياً، في الوقت الذي بدأ الاقتصاد الأمريكي يعاني من وضع انهيار اقتصادي وانكماش وجمود، وصل معه عدد العاطلين عن العمل عام ١٩٣١م إلى سبعة ملايين ليرتفع عام ١٩٣٢م إلى ١١ مليون عاطل
стр. 780
عن العمل، عدا عن إفلاس مئات البنوك والمؤسسات والشركات (١). ونتيجة لهذا الوضع الاقتصادي الصعب كان الحل هو مزيد من التدخل والحروب. ففي عام ١٩٣٢م تدخلت القوات الأمريكية في السلفادور بمساعدة السفن الكندية، وبعدها بسنوات تكررت مأساة الحرب العالمية الأولى، وتكرر المشهد الانتحاري الأوروبي مرة ثانية في الحرب العالمية الثانية (٢)، التي كانت فرصة ذهبية أخرى للاقتصاد الأمريكي، الذي أنتج في الفترة ما بين عامي ١٩٣٩م و ١٩٤٥م: ٨٦٣٣٠ دبابة، و ٢٩٦٤٠٠ طائرة و ٦٥٠٠ سفينة بحرية (٣)، هذا بالإضافة إلى تزويد المتحاربين باحتياجاتهم من الأغذية وباقي المنتجات.
زعامة العالم
من خلال متابعة إنجازات الرؤساء الأمريكيين خلال القرن التاسع عشر ثم إنهاء الاستعمار وتطويره وفي هذه النقطة برز بشكل خاص تصميم الرئيسين ويلسون وروزفلت، فالشعوب لها الحق بتقرير مصيرها فكان من الطبيعي أن تتوصل شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية إلى اختيار مصيرها بأنفسها. ولكن يبدو واضحاً هنا خبث المقولة، إن مقولة إزالة الاستعمار بالنسبة للولايات المتحدة تعني دائماً الآخرين ولا تعنيها هي أبداً. وهكذا ومن عام ١٩٤٥ حتى عام ١٩٦٢ منحت فرنسا الاستقلال لكل أراضيها القديمة ما عدا جيبوتي ومن عام ١٩٤٥ حتى عام ١٩٥٧ كانت إنكلترا مرغمة على فعل الشيء ذاته وفي عام ١٩٤٩ تحررت إندونيسيا من وصاية هولندا وتحررت المستعمرات الأفريقية من الانتداب الإسباني والبرتغالي والبلجيكي ونالت استقلالها. أليس من الصدفة إذاً أن تتحرك الولايات المتحدة في نفس الوقت ببيادقها في كل مكان من آسيا وأفريقيا وتعزز سيطرتها على أمريكا اللاتينية «دائرتها الثانية»؟!! أليس من الصدفة أيضاً أن يحل الدولار مكان الفرنك والجنيه والبيزتا في المستعمرات الأوروبية القديمة المحررة وأن تتخذ سياسات
стр. 781
اقتصادية وعسكرية مقتبسة عن النموذج الأمريكي وأن تحل اللغة الإنكليزية مكان اللغات الأجنبية الأخرى؟ (١)
وهكذا وفي منتصف القرن العشرين بعد انهيار ودمار أوروبا بأسرها من الأطلنطي إلى جبال الاورال في أعقاب حربين أوروبيتين (سميتا بالعالميتين لان الأوربيين استخدموا أبناء الشعوب المستعمرة في القارات الثلاث كطعام للمدافع)، انقلب محور العالم: الولايات المتحدة الأميركية ـ التي اغتنت بفضل احتضار كل الشعوب، ولم تهب لنجدة المنتصرين إلا في اللحظة الأخيرة (عام ١٩١٧م بعد معركة فردان وعام ١٩٤٤م بعد معركة ستالينجراد)، وجدت نفسها على رأس نصف الثروة العالمية، هذه الثروة سمحت لها بأن تجعل من الدولار معياراً للنقد العالمي على قدم المساواة مع الذهب، كما سمحت لها بأن تدعم (بشرط خضوعها السياسي) أوروبا عبر مشروع مارشال كي تجعلها من جديد سوقا رائجة، بعد دمارها (٢).
وعلي النقيض مما حصل بعد الحرب العالمية الأولي، فإن الاقتصاد الأمريكي الضخم تمكن من المضي قدماً لقيادة النظام الاقتصادي العالمي الجديد ليكون هو الرائد له، وليعكس صوره لأمريكا ليس فقط كأرض ميعاد، ولكن كدولة صليبية، رسالتها إنقاذ العالم (٣)، كما جاء ذلك على لسان الرئيس الأمريكي (هارى ترومان) الذي أعلن في ١٩٥٢م: "إن الولايات المتحدة استجابت لإلحاح العناية الإلهية فقبلت أن تأخذ عبء زعامة العالم على عاتقها". وهذا الإعلان الذي جاء على لسان الرئيس الذي ألقيت بأمره أول قنبلة من قنابل الدمار الشامل في التاريخ على هدف مدني، كان استمراراً لسلسة من تصريحات الساسة ورجال الدولة الأمريكيين، أفصحت عن اتجاه الولايات المتحدة الذي لا رجعة فيه صوب وضع الدولة الحاكمة لكوكب الأرض، وهذا ما أوضحه أيضاً الرئيس الأمريكي، بطل الحرب العالمية الثانية، (دوايت ايزنهاور) بقوله: "إن الشعب الأمريكي شعب يحب الله محبة عميقة، وانه لما كان الله
стр. 782
يبادله حباً بحب، فإن الله انعم على ذلك الشعب التقى بنعمة الحرية وكلفه ـ في الوقت نفسه ـ بتوصيل تلك النعمة لغيره من الشعوب، وتنفيذ مشيئته على أرضه" (١).
الحرب البارة
تركز تاريخ القرن العشرين في نظر أمريكا على ثلاث حملات صليبية (ثلاثة حروب مقدسة) خاضتها أمريكا لإنقاذ العالم من النزعة العسكرية أولاً، ومن فاشية إبادة الجنس البشري ثانياً، ومن النظام الشيوعي الشمولي أخيراً (٢). فنتيجة للحرب العالمية الثانية، والدمار الذي أحدثته، شملت الفوضى كثير من الدول، مثل، اليابان والصين والاتحاد السوفيتي وأوروبا، حيث أصابها الانهيار في جميع المجالات وعانت من العجز والبطالة والتضخم، وأصبحت على حافة الإفلاس، بينما كان لها أثر معاكس في أميركا. فقد أنهت الأزمة الاقتصادية وامتصت البطالة وكشفت طاقات إنتاجية غير متوقعة، وكان لابد من الاستمرار في استغلال هذا الوضع، وتكريسه من خلال رؤية رسم أهدافها (بول نيتز)، احد الصقور في الإدارة الأمريكية، بقوله: "تمتلك الولايات المتحدة قوة عالميه ومن الضروري أن نحدد لها عدواً إجمالياً ـ وهو في ذلك الحين الاتحاد السوفيتي ـ وتجسيد أخطاره وتجسيمها بحيث يبرر ذلك كل تدخل من الولايات المتحدة أو هجوم منها كرد فعل على تهديد شامل تتعرض له كطليعة للعالم الحر". هكذا حددت أهداف الحرب الباردة بوضوح، إمبراطورية الشر هي الاتحاد السوفيتي والنزاع "بين قوى النور وقوى الظلام لا يهدد فقط جمهوريتنا، وإنما الحضارة نفسها والهجمة على مؤسسات العالم الحر شاملة، وتفرض علينا من اجل مصلحتنا الذاتية مسؤولية ممارسة الزعامة العالمية" (٣).
وهكذا فقد استطاعت أميركا أن تستثمر تفوقها في الحرب وازدهارها نتيجة لها، واستفادت من الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي لاقتياد الدول الأوروبية إلى
стр. 783
توقيع معاهدات ستؤدي كما يقول (ميشال بوغنون): "تدريجيا إلى نسج شبكة عنكبوتيه سياسية اقتصادية مالية إستراتيجية ودبلوماسية، ستوقع فيها واشنطن العالم الحر الأوروبي على مراحل" (١).
فعلى الصعيد الاقتصادي كانت بنية صندوق النقد الدولي تؤسس لهيمنة أميركية لا رجوع عنها، فأميركا تمتلك فيه حق النقض وأكثرية فعلية يسمحان لها بألا يجري التصويت إلا على ما تريد تمريره. وكذلك في المصرف الدولي الذي يتلخص دوره بتأمين الانتقال من الاقتصاديات الوطنية إلى الاقتصاد المعولم، وأميركا تهيمن عليه وتملك الأغلبية فيه. وقد شن (جوزيف سيلتزر)، الحائز علي جائزة نوبل، هجوماً عنيفاً علي صندوق النقد الدولي وبرامجه التي تحمي المجتمع الرأسمالي لبارونات المال، تلك البرامج التي جلبت الخراب والدمار لتلك الدول التي كان الصندوق يفرض عليها القبول بشروط الاقتراض والتداوي بوصفاته العلاجية المميتة. حين أجبر كلينتون إندونيسيا علي القبول بالوصفة القاتلة لصندوق النقد الدولي وكأنها منزلة من عند الله؟. وهنا يجب على (سيلتزر) أن يعلم جيداً أن المأساة لا تكمن فقط في صندوق النقد الدولي، بل في النظام الذي أوجده وأخرجه للعالم، حيث تحول الحلم الأمريكي إلي كابوس أمريكي وأوهام أمريكية. وفي نظام كهذا، فإن رأس المال أو الاقتصاد يتحكم بأرواح الأفراد والجماعات ويطغي علي أية قضايا سياسية، واجتماعية وأخلاقية أكثر أهمية لهم (٢).
وعلى الصعيد العسكري، فإن الحلف الأطلسي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية يقوم برقابة عسكرية على أوروبا، وكان قد بدأ في العام ١٩٤٩م كأي حلف كلاسيكي يتساوى فيه الأعضاء، غير أن الولايات المتحدة فرضت نفسها كقائد وحيد للحلف بما كانت تقدمه من مساعدات ولاحتكارها السلاح النووي، حيث اتخذت أمريكا العديد من الإجراءات والوسائل للهيمنة المطلقة على الحلف، رغم الممانعة الفرنسية ولا سيما الديغولية لهذه السياسة، حيث إن أميركا كانت تتبع سياسة (فرق تسد) بين الدول الأوروبية لتنال بغيتها، وقد استعملت هذه السياسة في مواضع عدة.
стр. 784
أما الشق الدبلوماسي من الشبكة الأميركية فتجسده منظمة الأمم المتحدة، التي وصفها السيناتور جوزيف بال في مؤتمر بكاتدرائية سان جون، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بقوله: "إن التوجه الراهن لقيام منظمة عالمية يمثل أضخم حملة صليبية منذ أن بعث السيد المسيح بحوارييه الإثنى عشر لتعليم الأخوة الإنسانية" (١). فميثاقها المعمول به الآن، هو ثمرة إستراتيجية أنجلوسكسونية، حيث أن جميع مهمات الأمم المتحدة ذات الصلة بالأمن الجماعي قد فشلت، لأنه لا يتم التوصل إلى قرار سياسي حقيقي بين الأعضاء الخمسة الدائمين، "بل يسود إجماع رخو قلما تترتب عليه نتائج. لكن، عندما تمس مصالح الولايات المتحدة كما هو الحال في حرب الخليج، لا يواجه الأميركيون أي صعوبة لإقناع شركائهم حتى يعرجوا أمامهم" (٢).
ونتيجة لهذه القوه الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي حصلت عليها أمريكا بعد الحرب العالمية الثالثة، فقد استمرت أمريكيا في إرهابها العالمي. وقياماً بمهمة فرض الحرية على شعوب العالم، أطاحت الولايات المتحدة بحكومة (غواتيمالا) في عام ١٩٥٤م، وفي عام ١٩٦١م غزت أمريكا خليج الخنازير في كوبا بواسطة جيش من المبعدين الذين تبنتهم وانتهى هذا الغزو إلى الفشل، وفي عام ١٩٦٢م فرض الرئيس كنيدي حصاراً جوياً وبحرياً على كوبا لإجبار السوفيت على إبعاد صواريخهم الذرية من الجزيرة، وفي عام ١٩٦٧م ساعدت المخابرات المركزية الأمريكية (سي اى ايه) في قتل (جيفار) في بوليفيا، وفي هذه الأثناء اشتدت التدخلات الأمريكية في فيتنام وكوريا، والتي كانت نتائجها مرعبه، حيث تكلفت حرب فيتنام لوحدها٢٢٠ مليار دولار، وفقدت ٥ آلاف طائرة هليكوبتر، وتم قصف فيتنام ب ٦.٥ مليون طن من القنابل، وأدت لمقتل ٥٨ ألف جندي أمريكي، وما يزيد علي ٢ مليون فيتنامي وآسيوي!!!
стр. 785
الصراع العربي الإسرائيلي
في عام ١٩٦٧م أمدت الولايات المتحدة الأمريكية إسرائيل بالمال والعتاد والأسلحة، ونتج عن ذلك هزيمتها للعرب في نكسة ١٩٦٧م، واستيلائها على مساحات واسعة من الأراضي العربية. وعندما حاولت الدول العربية استعادة حقوقها وقفت لها أمريكا بالمرصاد من خلال دعمها اللامحدود لإسرائيل عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. وفي عام ١٩٧٣م تدخلت الولايات المتحدة عن طريق وزير خارجيتها (هنري كيسنجر) وأوقفت مد النصر العربي على إسرائيل في حرب ١٠ رمضان المجيدة، حيث كان هذا التدخل بداية دخول مصر تحت المظلة الأمريكية وتوقيع أول معاهدة سلام مع إسرائيل.
وبالرغم من أن انتصار أكتوبر وما تبعه من حظر تصدير النفط للدول الغربية حقق للعرب فائض مالي كبير، إلا أن هذا الأمر كانت له نتائج خطيرة على المستويين العربي والدولي. فعلى المستوى العربي احدث النفط فساداً في الواقع العربي وفي المجتمع العربي، وتحولت هذه النعمة التي أنعم الله بها على العرب إلى نقمة عليهم بسبب أنانية بعض الدول النفطية وضعفها وخضوعها لمصالح الغرب، بدلاً من استخدام هذه النعمة كوسيلة ضغط للحصول على حقوق الأمة أو لتنمية اقتصاديات إخوانهم العرب على الأقل.
أما على المستوى الدولي فقد استغلت أمريكا هذا الأمر لإيقاع دول العالم الثالث في شرك الدين، حيث تمخضت الزيادة المفاجئة في أسعار النفط أوائل السبعينيات عن زيادة هائلة في الفائض من العملات الأجنبية المتحصلة للدول المصدرة للنفط من خلال مبيعاتها في الخارج والتي أودعت في البنوك الغربية الكبرى الرئيسية، التي توظف تلك الأموال من خلال منح القروض للدول النامية بأسعار فائدة مرتفعة. وعادة ما تكون معدلات النمو في الدول المدينة أدني من معدلات الفائدة التي يتعين علي هذه الدولة دفعها، فتبدأ العناصر الإنتاجية ومقومات الاقتصاد في ذلك البلد بالعمل فقط لتوفير خدمات الديون والقروض. ولما
стр. 786
كان متعذراً في هذه الحالة تسديد الدين الأساسي فإن الدولة ستستمر في دفع فوائد الديون إلي الأبد (١).
ريجان والأمة المباركة
تبين دراسة لحالات التدخل الأمريكية الكثيرة التي عرضنا لكثير منها، بوضوح أن الإخلاص لأي نوع من الأخلاق ليس هو وقود محرك للسياسة الخارجية الأمريكية، وإنما الوقود هو ضرورة خدمة سادة آخرين (٢). فبالرغم مما أحدثته الحروب وعمليات النهب من إفقار للدول النامية، واغتناء لبارونات أمريكا، إلا أن الرئيس المؤمن (رونالد ريجان) أعلن أن ثراء ورخاء الولايات المتحدة يرجع إلى كونها (أمة مباركة من الله). ففي عهد (ريجان) وصلت نقطة الامتزاج الروحي بين إيديولوجيا اليمين المتطرف الذي يمثل مصالح كبريات شركات السلاح والنفط في أمريكا وبين المرجعيات الدينية المسيحية البروتستانية المتهودة، إلى ذروتها، حيث أفسح هذا الحلف المقدس المجال إلى تنامي الشعور بالفوقية، وتبلور فكرة ونزعة السيطرة على العالم، باعتبار أن الأمة الأمريكية هي الأمة الأنقى والأميز والأرقى قيماً وحضارة، والأجدر بقيادة العالم على الطريقة الأمريكية الرائدة في إشاعة الخير ومحاربة الشر.
وحيث أن الرئيس الأسبق ريجان وضع معركة (تل مجدو) نصب عينيه فقد وجد من واجبه الديني العمل على زيادة الجبروت العسكري الأمريكي استعدادا للمعركة الرهيبة، وليس من شك في أن عقيدة ريجان بقرب انتهاء التاريخ في تل مجدو كان لها الأثر الأكبر في توجيه سياسته الاقتصادية، وسياسة التسلح العسكري الأمريكي، وقد انبثقت سياسة (ريجان) الاقتصادية المبنية على الإنفاق التضخمي من اعتقاده بعدم وجود مبرر للقلق من تفاقم الدين العام ما دامت (الخطة الإلهية) اقتضت نهاية التاريخ العاجل، ثم أن الإنفاق تركز على التسلح باعتباره الوسيلة المثلى لضمان المستقبل. ولهذا فإن أمريكا ومنذ تولي الرئيس ريجان للسلطة عام ١٩٨٠م وهي ترسل المساعدات والمستشارين عملاء (السي اى ايه) إلى مختلف بلاد العالم. وفي
стр. 787
عام ١٩٨١م و١٩٨٢م بدأت أمريكا بتعزيز أساطيلها العسكرية في الخليج العربي ونشر الصواريخ في أوروبا، وفي عام ١٩٨٣م دخلت القوات الأمريكية في لبنان بدعوى حفظ السلام، وغزت جرينادا، وهي احدى دول أمريكا اللاتينية. وفي عام ١٩٨٦م شنت القوات الأمريكية غارة على ليبيا لقتل الرئيس (معمر القذافي)، وضربت الأسطول الليبي في خليج سرت. وفي عام ١٩٨٦م قامت باختطاف الطائرة المصرية، وفي عام ١٩٨٨م ضربت القوات الأمريكية في الخليج طائرة الركاب الإيرانية، وفي عام ١٩٩٠م كانت جريمة أمريكا في الخليج وتدمير العراق والكويت معاً (١).
جذور الحرب
من سوء الحظ أن الرأسمالية الانكلوسكسونية لا تزدهر إلاّ في ظل الحروب، التي تمثل بدورها فرصاً سانحةً للبارونات اللصوص الأثرياء، بينما تمثل بالنسبة لبقية شعوب العالم الموت والدمار. فقد أفرزت الحضارة الغربية وقيمها أكثر الحروب ضراوة في التاريخ، حيث أودت الحرب العالمية الثانية لوحدها بحياة ٥٠ مليون شخص، وسمحت أخلاقيات هذه الحضارة الغربية العنصرية بإلقاء قنبلتين نوويتين علي المواطنين في مدينتين يابانيتين في وقت كان واضحاً فيه أن الاستسلام الياباني وشيك (٢). وهنا يتساءل (جورج. ف. كنان) في (كتابه الدبلوماسية الأمريكية) عن جدوى هذه الحروب فيقول: "لئن أجريتم الحساب في ما أدت إليه الحربان (الأولى والثانية) قياساً على الهدف المقصود منهما لرأيتم الكسب منهما أن وجد، أضأل من أن تبينه عين العقل" (٣). ولكن ربما يكون هذا الكلام صحيحاً من وجهة نظر الكثيرين حول العالم، ولكن ذلك ليس صحيحاً من وجهة النظر الأمريكية، التي طبعت على الحرب والتدمير والإبادة، التي تعلمتها من يهوه (رب الجنود).
يقول (كلايد برستوفنر) في كتابه (الدولة المارقة): "إن الشعب الأمريكي، لم يكن مؤسساً على قاعدة الحرب فقط، بل ظل على نحو شبه متواصل منخرطاً في
стр. 788
الحرب أو الإعداد لها منذ ولادته. وحسب ما أعلم لم تكد سنه تمر، منذ توقيع الدستور في ١٧٨٩م وحتى اليوم، لم تكن الولايات المتحدة فيها متورطة في عملية عسكرية ما فيما وراء البحار ... حتى قبل حرب الاستقلال كان الأمريكيون منخرطين في قتال السكان الأصليين. فمنذ تأسيس البلد وحتى إغلاق الحدود بعد مائة سنه، لم تكد سنه واحدة تمر دون نشوب صراع بين الولايات المتحدة والقبائل المختلفة. ومهما يكن الأمر فقد كان الهنود الحمر قد باتوا جميعاً، لدى حلول سنة ١٨٩٠م في القبور أو في معسكرات الاحتجاز" (١).
وبعد تطهير أرض الميعاد من الهنود، توجهت آلة الحرب الأمريكية إلى الخارج فكانت حروبها الصليبية في أمريكا اللاتينية والمكسيك والفلبين وأوروبا والعالم الثالث. وهنا يلاحظ (ريتشارد بارنت) في كتابه (جذور الحرب)، أن تدخلاً عسكرياً أمريكياً في العالم الثالث كان قد حدث كل سنه بين ١٩٤٥م و١٩٦٧م. ومنذ ذلك الوقت، ما تزال الولايات المتحدة ناشطة نشاطاً مؤثراً بلغ أوجه أثناء حرب الخليج عام ١٩٩١م ... كما يلاحظ (بارنت) أن مثل هذه التدخلات تملك جميع مقومات مذهب امبريالى قوى يقوم على: "إحساس بالرسالة، والضرورة التاريخية، والحميا التبشيرية"، التي حذر رجال الكنيسة من التخلي عنها: "ويل لأي أمة تدعو لهداية شعب ضعيف لمستقبله، وتتردد خوفاً على مصالحها ومستقبلها من ذلك الواجب الإنساني الذي لا يخطئه العقل" (٢). فالولايات المتحدة وقد حبتها الطبيعة بما لم تحب به غيرها من ثروات تفوق الوصف، ومن تاريخ استثنائي، لتقف فوق النظام العالمي، لا ضمنه. وإذ تشمخ سيدة فائقة بين الأمم، فإنها تقف مستعدة أيضاً لتكون رافعة لواء حكم القانون (٣).
وفي كتابه (الدين والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية) يوضح (د. مايكل كوربت) الموقف الأمريكي الديني من الحروب، فيشير إلي الحرب الصليبية، وهي الحرب التي تستحضر الحروب الصليبية في العصور الوسطي، وتستند إلي نصوص
стр. 789
دينية من التوراة أو الإنجيل. ومن ثم وصف الرئيس الأمريكي للحرب علي أفغانستان بأنها حرب صليبية لم تكن زلة لسان، وإنما هي تعبير عن الثقافة الأمريكية في الموقف من الحرب، كما أن ما يسمى بالحرب العادلة، هي أيضاً تستند إلي مبررات أخلاقية ذات جذور دينية. ولذا فكلمات الشر والخير التي نسمعها من الرئيس الأمريكي وصناع القرار لتبرير الحرب الراهنة ضد العالم الإسلامي وبعض دول العالم هي جزء من الثقافة الدينية الأمريكية حيث الخير هو الحق المسيحي، والشر هو الباطل الذي تحاربه أمريكا، وهو هنا الإسلام (١). "فإذا كانت إرادة الرب الأعظم، انه بالحرب ينزاح الأثر الأخير لوحشية الرجل تجاه الرجل في نصف الكرة الغربي، فلندعها تأتى". و"إذا توجب علينا أن نذهب إلى الحرب، فان دافعنا سيكون صائباً. كل واعظ ميتودى سيكون داعياً للتجنيد" (٢).
هكذا تستمر أمريكا في محاولة فرض آراءها بالقوة والسلاح عبر العالم بأسره مستخدمة كافة الأساليب. والمدهش في هذا الأمر لا يتمثل في محاولة تحقيقه، بل في أنها تتم بهذه الدرجة العالية من الإقرار وبإجماع شبه تام، حيث تؤدى أجهزة الإعلام دوراً خارقاً في (صناعة الموافقة والتسليم)، كما اسماها (تشومسكى)، وفي جعل الأمريكي العادي يشعر بأنه يقع على عاتقنا نحن (الأمريكيين) أن نصحح ما يقترفه العالم من أخطاء وآثام، وإلى الجحيم بكل ما ينشأ من تناقضات وعدم اتساق واطراد. لقد سبقت التدخل في حرب الخليج سلسلة من التدخلات (بنما، غرينادا، ليبيا) تمت مناقشتها كلها، وإقرار معظمها، أو على الأقل عدم ردعها، بوصفها من اختصاصنا (نحن) بحكم الحق، وبعبارة (كينان): "لقد أولعت أمريكا بالاعتقاد بأن كل ما ترومه، هو بالضبط يرومه الجنس البشرى برمته" (٣).
فإذا لم تكن المنظمة الدولية تعمل على خدمة مصالح الولايات المتحدة فلا مبرر لاستمرارها، لان الرئيس بوش وبطانته من المحافظين يؤمنون بأن ما يصلح لأميركا يجب أن يصلح للعالم أجمع، بغض النظر عن كل الكلام عن (الحريات) الذي
стр. 790
يغلفون به هذه القناعة. وهنا يتعرى مأزق الليبرالية العالمية الممزقة بين الدعوة العالمية لنشر الحريات والديمقراطية, والحيرة إزاء الاختطاف الراهن للشعار الليبرالي من قبل المحافظين الجدد، الذين يزعمون أنهم يريدون نشر الليبرالية بالقوة العسكرية والإمبريالية إن لزم الأمر (١). وقد سبق أن فندت إدارة الرئيس (ريجان) أسباب إقصاء المعايير الدولية عندما كانت محكمة العدل الدولية تنظر بالتهم التي وجهتها نيكاراجوا ضد الولايات المتحدة، وسخر وزير الخارجية الأمريكي (جورج شولتز) من أولئك الذين يؤيدون الوسائل اليوتيبية، مثل تسوية الخلافات من قبل الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، بينما يتجاهلون عنصر القوة الفاعلة في المعادلة. كما ابلغ الرئيس (كلينتون) الأمم المتحدة في عام ١٩٩٣م بان الولايات المتحدة ستتصرف (جماعياً عندما يكون ذلك ممكناً) وستتصرف (أحادياً عندما يكون ذلك ضرورياً) (٢).
وبالرغم من المعارضة العالمية لهذه العربدة الأمريكية، حتى من حلفائها الأوربيين، الذين يحاولون حل المشاكل الدولية سياسياً، إلا أن أمريكيا تصر على تنفيذ ما تريد، تحت شعار (إما معنا أو ضدنا)، معتبرة أن السعي الأوروبي لحل المشاكل سياسياً ناجم عن ضعفهم عسكرياً، وأن استخدام أميركا القوة يعكس قوتها. وهنا تتساءل (صوفي جندرو) في كتابها (المجتمع الأميركي بعد ١١ سبتمبر) فتقول: "هل القوة وحدها هي الحل؟ ألا يتعين تسوية المشكلة الإسرائيلية الفلسطينية كأولوية؟ أليست أميركا مقيدة من الداخل من قبل اللوبيات القوية؟ ". وتضيف موضحة جذور هذه العربدة الأمريكية فتقول: "أن ما يقوله اليوم الأميركيون عن قوة الولايات المتحدة وضرورة الحفاظ على الهيمنة الأميركية ليس بجديد، فالمسألة تعود إلى مبدأ (مونرو) عام ١٨٢٣م ثم سياسة (العصا الغليظة) التي تبناها (ثيودور روزفلت) عام ١٩٠١م، الذي كان يقول: "في هذا العالم، أن الأمة التي تدرب نفسها على حياة لا تتسم بالطابع الحربي هي أمة محكوم عليها بالزوال، قبل
стр. 791
الأمم التي لم تفقد مزايا الرجولة والمغامرة" (١). وترى (جندور) أن الإشارة في خطاب بوش عن حال الاتحاد في يناير/ كانون الثاني ٢٠٠٢ للخير والشر، تندرج ضمن هذه الاستمرارية الفكرية (٢).
وفي الوقت الحاضر ابتدع (صامويل هنتنغتون) إلي جانب كثيرين آخرين من شاكلته، معظمهم جاءوا من رحم قوي الظل العالمية، رسالة يشرح فيها التبرير الأخلاقي للحرب التي من أجلها أوصلوا (جورج دبليو بوش) إلي البيت الأبيض. وتروج الرسالة إلي وجوب اعتناق القيم الأمريكية والغربية واعتبارها قيما عالمية، حيث زعم الموقعون علي تلك الرسالة، أن من قاموا بهجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) إنما كانوا يهاجمون تلك القيم، وأعلنوا أن العالم أصبح قرية واحدة، وأن عملية العولمة المستمرة لا بد وأن تحمل في ثناياها مجموعة واحدة من المبادئ العالمية، وقرروا نيابة عن العالم بأن هذه المفاهيم والقيم يجب أن تكون المبادئ الغربية (٣). وقد تناسى هؤلاء الجرائم وحروب الإبادة التي افرزها الإيمان بهذه القيم، عندما حاول رؤساء أمريكا الحديثة التوسع في غرب (الغرب الأميركي)، وحيثما شاء (القدر المتجلي). حيث أنهم في كل خطوة من هذا التوسع (لم يتخلوا قيد أنملة عن السياق التاريخي العنصري والدموي) حيث تحكمت عقدة الاختيار والتفوق بسلوكهم وبنادقهم فأوهمتهم بأنهم يملكون حق تقرير الحياة والموت لكل من عداهم، وأنهم في حل من أي التزام إنساني أو قانوني تجاه الشعوب التي يستعمرونها، لا باعتبار أنها أعراق منحطة وحسب، بل لأنها في الغالب مخلوقات متوحشة لا تنتمي للنوع الإنساني. إن ميتافيزياء كراهية الهنود (لدى الزنابير) ـ كما يقول (هرمان ملفيل) استحكمت بطقس (التضحية بالآخر)، وهذا ما جعل أميركا تعيش بضحاياها. ولا يمكن فهم حروبها وعلاقاتها الدولية إلا بالبحث عن ينابيع طقوسها الخاصة بالتضحية بالآخر (٤).
стр. 792
لقد أنتج مؤرخو الثقافة الأمريكيون ما يكفى من الدراسات لكي يفهم منابع الدافع إلى السيطرة على نطاق عالمي، والطريقة التي بها يتم تمثيل هذا الدافع وجعله موضع قبول. وهنا يطرح (ريتشارد سلوتكين)، مثلاً، في كتابه (التجدد عن طريق العنف)، منظومة أن التجربة المكونة للتاريخ الأمريكي هي الحروب المديدة ضد الهنود الأمريكيين الأصلانيين، وقد أنتج هذا بدوره صورة للأمريكيين لا كمجرد قتله (كما وصفهم دى. اتش لورانس)، بل كعرق جديد من البشر، مستقلين عن الميراث الإنساني الذي لطخه الإثم بالسواد. يرومون علاقة جديدة وأصيلة تماماً مع الطبيعة النقية كصيادين، ومستكشفين، ورواد، وباحثين. وتتكرر مثل هذه الصور مراراً في أدب القرن التاسع عشر الميلادي، وهى تبزغ بزوغها، الأشد التصاقاً بالذاكرة في رواية (هرمان ملفيل)، (موبى دك)، حيث يجسد القبطان آهاب، تمثيلاً ترميزياً للبحث الأمريكي الكوني. فآهاب مهووس، يفرض نفسه بقوة، لا يصد، ملفع بتبريراته النظرية الشخصية وبإحساسه برمزيته الكونية" (١).
فمنذ البداية كما رأينا أنها حتى قبل أن تصبح ولايات متحدة كانت أمريكا تطمح إلى عولمة نمط أنظمتها، ولم يفتش مفكروها الأوائل من أساتذة وكتاب وقساوسة ورجال دولة عن لحظة لاخفاء هدفهم النهائي ألا وهو: فرض نموذجهم للمجتمع على العالم أجمع. وقبل كل شيء ومن أجل تقديم المثال عرضت للآخرين لدرجة التفاخر الصورة الرائعة لأمة جديدة مختارة من الله لهدف واحد هو توزيع رسالة وحيدة لمستقبل تراه مشرقاً لكل الشعوب. إلا أنه وفي وقت مبكر جداً زالت إرادة إثارة الرغبات أمام اليقين بخضوع الآخرين بالإكراه لأنه بدا أمام هذه المقاومة أو تلك أمراً لا مفر منه. لقد اعتقدت أمريكا وأرادت لنفسها أن تكون كياناً كلياً لا شبيه له. ولذلك رأت نفسها أعلى من كل المناطق التي يعيش فيها الأفراد والأمم، المناطق التي تعتبر أن من واجبها ضمها، فهي العالم بأسره لأن الإرادة السماوية أرادت ذلك ولأنها تجسد نموذج العالم الأتي حسب المخططات الإلهية، فالقدر حملها مهمة الإملاء على الأمم والشعوب لقانون واحد ما هو إلا قانونها.
стр. 793
وإذا كانت بعض الشعوب والأمم خلال التاريخ اعتقدت أيضاً بأنها مكلفة بمهمة حضارية وهذا لا نقاش فيه ولكن ما يميز أمريكا التي أصبحت فيما بعد الولايات المتحدة هو التأكيد الشرعي بالثقة بالذات وبشخصية غير مألوفة أخذت عندها شكلاً مرضياً. وإن كان من الطبيعي كما يحدث في أي جهاز حي بأن تعبر أي أمة دون مراوغة عن إرادتها بالسيطرة أما فيما يخص أمريكا فهي تشعر بهذه الإرادة لها جذور إلهية. لقد ظهرت ثقتها بنفسها منذ البداية بشكل تأكيد مضخم لاستعلاء مطلق وفي الوقت نفسه بشكل شخصية قومية مصابة بمرض العظمة (١).
إرهاب التسعينيات وحرب العراق الأولى
منذ (ترومان) وحتى (بوش)، حاول رؤساء أمريكا الحديثة التوسع في غرب (الغرب الأميركي) وحيثما شاء (القدر المتجلي). لقد حاولوا التصدي للشيوعية والتوسع الصيني وبسط سيطرتهم على منابع النفط العربية. وخلال حقبة التسعينيات، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وولادة نظام أحادى القطبية، عملت أمريكا على عولمة إرهابها وسيطرتها على العالم في ظل ما سمى بالنظام العالمي الجديد، الذي هو تسمية بديله للهيمنة على العالم، حيث صاغت أمريكيا إستراتيجيتها الانفرادية التي تحوي ثلاثة عناصر أساسية:
١. عدم تسوية أي مشكلة نهائياً لتبرير عمل عسكري في أي زمان ومكان تختاره أمريكيا.
٢. تطوير أسلحة جديدة يفترض أن تضع أميركا في تسابق نحو التسلح يجب ألا يتوقف أبداً.
٣. التركيز على ميكروـ قوى (العراق، كوريا الشمالية ... ). لأنها "الطريقة الوحيدة لإبقاء السيطرة الأمريكية على العالم من خلال (مواجهة) فاعلين من الدرجة الدنيا للرفع من شأن القوة الأميركية، "وهذا مفيد لمنع أو على الأقل لتأخير وعي
стр. 794
القوى الأساسية التي ستتقاسم مع أميركا التحكم في العالم: أوروبا، اليابان وروسيا على المدى القصير، والصين على المدى البعيد" (١).
فأميركا لم تعد الأمة الكبرى كما كانت في السابق، لان نظامها الديمقراطي في أزمة، ولذا فهي تحاول أن تحافظ وتبرر هيمنتها وشرعيتها باستهدافها بلداناً قليلة الأهمية اقتصادياً وعسكرياً. ولهذا فقد مارست الولايات المتحدة إرهابها على منطقة البلقان وتحديداً (يوغوسلافيا سابقاً)، وفي السودان وليبيا، ومارست ضغوطاً شديدة على العرب في حربهم وانتفاضتهم ضد الاحتلال الصهيوني، سواء في الجنوب اللبناني أو في الانتفاضة الفلسطينية الأولى (٨٧ ـ٩٣م) أو الثانية.
أما الحرب على أفغانستان والعراق فحدث ولا حرج .... فالملاحظ أن الإمبريالية الأمريكية الأصولية بلغت، في إعادة تنظيم الشرق المتوسطي، مستوى جديداً من العدوانية لم تبلغه من قبل، تمثل في السياسة الجديدة التي تعود بالعالم إلى أساليب الاستعمار الكولونى القديم، والاحتلال الفج الصريح، والتهديد بالمدافع والأساطيل الحربية، التي كشفت عن تفاقم سياسات العنف والعدوان، مقنعاً أو صريحاً، من جانب الامبريالية، وخاصة الامبريالية الأمريكية في السنوات الأخيرة. والواقع أن حرباً لم تكشف من قبل، بهذا الوضوح والعراء، حقيقة التناقضات والصراعات التي تهز عالم اليوم من الأعماق، كما كشفتها حرب الخليج بخاصة. فقد فضحت محاولات الإمبريالية، وفي مقدمتها الأمريكية، استغلال الظروف الجديدة، لمزيد من النهب للعالم الثالث الغنى بثرواته، والمنهوب سلفاً حتى القاع.
فلم يكن تحرير الكويت سوى ذريعة، لم تكن تستدعى كل هذا الحشد الهائل من القوة العسكرية التي لم يسبق لها مثيل. كما لم تكن لتبرر التدمير الشامل للعراق، شعباً وبنية أساسية وصناعية، فضلاً عن كافة المرافق الحيوية والحياتية. لقد كان الهدف الأمريكي الصهيوني المدبر، بعيداً عن تحرير الكويت، انتهاز الفرصة المواتية لتدمير العراق نفسه، كقوة عربية اقتصادية وعسكرية نامية، من بلدان العالم الثالث المتخلف، التي تتطلع إلى الخروج من طوق التخلف، والى امتلاك أسباب
стр. 795
التكنولوجيا، مما يهدد بخلل في ميزان القوى في المنطقة المشمولة بالحماية والرعاية الأمريكيتين، بين الدول العربية وبين إسرائيل. لقد كان المقصود في الدرجة الأولى من حرب عاصفة الصحراء أن تكون درساً لا ينسى للدكتاتوريات الصغيرة لكي تفهم أن ما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية يتم برضي الله، ولتذهب العدالة والحقيقة والأخلاق إلى الجحيم. درساً لبلدان العالم الثالث ولكل من تحدثه نفسه بالتمرد على النظام العالمي الجديد، الذي رسمته الولايات المتحدة. درساً لكل من يراوده الأمل أو يتطلع إلى اللحاق بركب الحضارة، واكتساب التكنولوجيا الحديثة المتطورة، والتنمية المستقلة والتقدم.
فبعد تضخيم الإمكانيات العراقية وبعد تحرير الكويت حدد خيار أميركي جديد، الانخراط في أكبر عدد من الصراعات مع قوى عسكرية مثيرة للسخرية والتي تنعت بـ (الدول المارقة). وقد أثبتت أحداث حرب الخليج بأجلى بيان أن النظام العالمي الجديد يعنى الزعامة المنفردة لأمريكا في العالم. بعبارة أخرى فرض الهيمنة الأمريكية المطلقة على مصائر العالم، وقد عبرت عن ذلك بصدق (الوموند ديبلوماتيك) بقولها: "أن انهيار الاتحاد السوفيتي حرم العالم من الحماية ضد نزعة المغامرة الأمريكية (١)، التي كانت تبحث عن حرب جديدة. فقد انتهت الحرب الباردة وحربا الخليج و حرب (كوسوفا) بعد حرب البوسنة والهرسك، فالحروب يجب أن تستمر، ومصانع الأسلحة يجب ألا تتوقف طالما أن كل ذلك يتم علي حساب الآخرين، سواء كانوا الأوربيين أو اليابان، أو حتى الدول العربية النفطية!! ولهذا كانت حربها الجديدة ضد ما يسمى بالإرهاب، والتي بدأتها بأفغانستان والعراق، ووضعت على قائمتها أكثر من ستون دولة، حيث لم تكن أحداث ١١ سبتمبر سوى ذريعة لها، ولم تكن تستدعى كل هذا الحشد الهائل من القوة العسكرية التي لم يسبق لها مثيل لضرب أفغانستان ذلك البلد الفقير والممزق، والذي عانى اشد المعاناة من الحروب، التي كانت تحركها أمريكا.
стр. 796
الألفية الثالثة والدولة المارقة
ما إن انتصر قادة الولايات المتحدة في الحرب حتى بدأوا يسيئون إدارة السلام. وواصلوا التصرف كما لو أن الحرب الباردة والقرن العشرين لم يكونا قد انتهيا (١). فقد أكد كثير من المراقبين علي أن حكومة بوش قامت في خلال ثمانية أشهر فقط منذ تسلمها السلطة، بمعاداة معظم الدول، بل ومنظمات العالم بصورة غير مسبوقة، حيث اصطدمت بروسيا فيما يتعلق بحرب طرد الجواسيس، ثم بمظلة الصواريخ الدفاعية، واصطدمت بالصين في موضوع الطائرة الصينية، ومع معظم دول العالم ومنظماته في تصرفات استفزازية، بدأت بإعلان الانسحاب من اتفاقية الحد من الصواريخ الباليستية، والإصرار علي مشروع مظلة الصواريخ الدفاعية، والانسحاب من اتفاقية كيوتو لحماية المناخ، والانسحاب من اتفاقية وقف إنتاج الأسلحة البيولوجية، ورفض اتفاقية الحد من إنتاج الأسلحة الصغيرة وغيرها من القرارات التي أدت لتذمر عالمي حتى بين أقرب حلفائها الأوروبيين، الذين ساعدوا علي طردها من لجنتي حقوق الإنسان ومكافحة المخدرات في حرب دبلوماسية واضحة، عبر عنها المحلل الألماني الشهير (جوزيف جوفه) بعبارة (أمريكا التي لا شريك لها)، مؤكداً أنها تتعامل حتى مع دول أوربا والناتو بغطرسة، تعتمد علي إصدار القرارات، ثم إجبار هذه الدول بإتباعها بلا مناقشة، وهذا ما يؤكد أن أعداء أمريكا ليسوا فقط العرب والمسلمين، أو في شرق ووسط أسيا بل إن العداء أصبح عالمياً بصورة واضحة!
فالأوروبيين كما يقول (جوفه) يريدون دعم الولايات المتحدة ومنعها في نفس الوقت من أن تتحول (آخر قوة عظمي) إلى قوة أكثر تجبراً وغطرسة، بعد أن صارت تتعامل حتى مع حلفائها الأوروبيين بطريقة الآمر النهائي، وعلي الجميع إطاعته. وربما هذا ما يجعلنا نفهم السبب في تمرد السياسة الأمريكية على النظام العالمي بعد أحداث ١١ سبتمبر، حيث يذكر (فرانسو هايزبور) في كتابه (فرط الإرهاب) ببعض المعطيات العالمية وتطوراتها عشية هجمات ١١ سبتمبر، والتي يمكن من خلالها فهم مغزى انعكاسات أحداث ١١ سبتمبر، حيث يرصد على سبيل المثال
стр. 797
الانحراف الأحادي الجانب في السياسة الأميركية في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون، والذي تأكد مع تسلم الرئيس الحالي جورج بوش الابن السلطة. ويسوق سلسلة من المواقف الأميركية حول هذا الانحراف الأحادي الجانب مثل المواقف الأميركية في البوسنة بين ١٩٩٢م و١٩٩٥م عندما رفضت واشنطن التدخل والاستجابة لمطالب حلفائها الأوروبيين، والقوانين الأميركية التي تعاقب الشركات الأجنبية ـ بما فيها الأوروبية ـ التي تستثمر في (الدول المارقة)، كوبا، إيران، ليبيا ... ، وأعلنت نيتها عدم المصادقة على اتفاقية إنشاء محكمة الجزاء الدولية، وعزمها الانسحاب من معاهدة الصواريخ الباليستية لعام ١٩٧٢م (انسحبت منها فعلاً) (١).
وقد أشار (د. برهان غليوم) في لقاء مع قناة الجزيرة إلى تقرير اسمه (المبادئ الأساسية للردع بعد الحرب الباردة) قدم لـ (قيادة القوة النووية)، يوضح إلى أي مدى تحترم أمريكيا القوانين الدولية حيث يقول التقرير: "إن من الخطر الشديد أن نظهر أنفسنا، أننا نحترم أموراً صبيانية سخيفة، مثل: القانون والمعاهدات الدولية، ولابد أن تكون في حكومتنا عناصر تظهر مستعدة للتصرف بجنون وغير قادرة على ضبط أعصابها، فذلك هو الذي يساعد على بث الخوف وتعميقه في قلب خصومنا". ويضيف التقرير: "على أميركا أن تستفيد من قوتها النووية حتى تعطي عن نفسها في المواجهات صورة لا عقلانية وإتهامية عندما تتعرض مصالحها للتهديد". وفي تصريح آخر يقول (جورج شولتز) وزير الخارجية السابق: "إن كلمة مفاوضات لا تعني شيئاً آخر سوى الاستسلام إذا لم يسبقها عرض للقوة". هذه هي شريعة الغاب التي تحكم أمريكا، والتي حولتها إلى اكبر دوله إرهابية سفاك للدماء على مر التاريخ، ابتداء من مذابحها ضد الهنود الحمر، ومروراً بجرائمها في أمريكيا اللاتينية وأوروبا وآسيا والمنطقة العربية.
стр. 798
أمريكا .. ذلك الوجه الآخر !
في إحدى الغزوات اكتشف أحد صيادي الأرواح إمكانية استخدام الأعضاء الذكرية أكياساً للتبغ، ثم تطورت الفكرة المثيرة من هواية فرديه للصيادين إلى صناعة رائجة, بعد إن صار (كيس التبغ) هذا مثل الشاربين، من أبرز علامات الرجولة والفروسية والأرستقراطية الاستعمارية، وصار الناس يتهادونه في أعيادهم وأفراحهم، لكن هذه الصناعة لم تعمر طويلاً في داخل أميركا, بعد أن انخفض عدد الهنود في عام ١٩٠٠م إلى ربع مليون، وضاق وجه الأرض الأمريكية بالسلخ وقطع الرؤوس, ولم يعد أمام الحضارة إلا أن تبحث وراء المحيط عن مجاهل جديدة ووحوش طازجة في باناما, والفيليبين, واليابان و وهاييتي, وكوريا, وفيتنام, وبلاد العرب (١). فكانت النتيجة أن القرن العشرين كان هو القرن الأكثر دموية في تاريخ الجنس البشري، حيث قتل في هذا القرن ١٢٠ مليون شخص في ١٣٠ حرباً، وهذا العدد يفوق عدد من قتلوا في كل الحروب فيما قبل سنة ١٩٠٠ م (٢)، وقد كان لأمريكا نصيب الأسد في ذلك. وهناك إحصائية موثقة في سجلات هيئة الأمم المتحدة تشير بوضوح بأن عدد الناس الذين قتلوا من قبل أميركا فقط ـ بشكل مباشر ـ بحروبها منذ الحرب العالمية الأولى, وحتى نهاية حرب أفغانستان بلغوا أكثر من ٦٠ مليون إنسان، وهنا علينا أن نتخيل ما هي الديمقراطية التي تطالب بها الولايات المتحدة؟!. وهنا يحاول كل من (جيف سيمون) و (نعوم تشومسكى) بيان الوجه الآخر للديمقراطية الأمريكية عبر مسح الجرائم, التي قام بها الأمريكيون في التاريخ القريب وفيما يلي أبرز محطاته:
في إفريقيا: " ... في ليبيريا قتل في أوائل عقد التسعينيات أكثر من ١٥٠ ألف شخص، وقتل الآلاف في زائير (أرغم نصف مليون شخص على هجر منازلهم بسبب التطهير العرقي)، وشرد مليون نسمة في سيراليون، ومات زهاء٦٠ ألفا في الحرب والمجاعة عام ١٩٩٠م وحده، وفي أنغولا مات عشرون ألفا أثناء حصار منظمة يونيتا لمدينة كويتو, الذي استمر ثمانية أشهر، وهو حدث بين أحداث مماثلة عدة
стр. 799
للسياسات الاستراتيجية الأمريكية في إفريقيا التي لا يكشف عنها ... حيث طورت الولايات المتحدة (التي نشأت عبر التطهير العرقي والإبادة الجماعية)، قدرتها على التطهير العرقي والإبادة الجماعية باستعمال تقنية لم يسبق لها مثيل. وقد تطورت معظم براعة واشنطن في ارتكاب الإبادة الجماعية أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها (١).
ضرب المدنيين
لقد أثار القصف الألماني مدينة غويرنيكا قبل الحرب، وهو حدث مهم في الحرب الأهلية الإسبانية، احتجاجاً شديداً في الولايات المتحدة, ومن الرئيس (فرانكلين روزفيلت) نفسه. وعندما نشبت الحرب الأوروبية عام ١٩٣٩م أعلن (روزفيلت): "أن القصف الوحشي من الجو للمدنيين في مراكز سكانية غير محصنة أثناء العمليات الحربية التي دارت في أنحاء مختلفة من العالم في السنوات القليلة الماضية، وأدى إلى تشويه وموت آلاف الرجال والنساء والأطفال العزل، قد أدمى قلوب كل الرجال والنساء المتمدينين, وهز ضمير الإنسانية هزاً عميقاً". وفي عام ١٩٤٠م حث (روزفيلت) الأطراف جميعاً على الإحجام عن قصف المدنيين، وفي الوقت نفسه ذكر بفخر "أن الولايات المتحدة قد أخذت زمام المبادرة في الدعوة إلى حظر هذه الممارسة اللاإنسانية".
هوريشيما وناغازاكي
وقبل مضي زمن طويل استدارت واشنطن دورة كاملة، وأصبحت القوة الجوية الملكية والقوة الجوية للجيش الأمريكي راعيتي القصف الاستراتيجي, ومضيتا في إتقان أسلوب التدمير الواسع للمدن باستعمال القنابل الحارقة. كان الجنرال (جورج مارشال)، رئيس الأركان، قد أمر مساعديه في الواقع بتخطيط هجمات حارقة "تحرق الهياكل الخشبية والورقية للمدن اليابانية الكثيفة السكان". وفي إحدى الليالي دمرت
стр. 800
٣٣٤ طائرة أمريكية ما مساحته ١٦ ميلاً مربعا من طوكيو بإسقاط القنابل الحارقة، وقتلت ١٠٠ ألف شخص وشردت مليون نسمة. "ولاحظ الجنرال (كيرتس لوماي) بارتياح أن الرجال والنساء والأطفال اليابانيين قد أحرقوا، وتم غليهم وخبزهم حتى الموت". كانت الحرارة شديدة جداً, حتى أن الماء قد وصل في القنوات درجة الغليان, وذابت الهياكل المعدنية, وتفجر الناس في ألسنة من اللهب. وتعرضت أثناء الحرب حوالي ٦٤ مدينة يابانية، فضلاً عن هيروشيما وناغازاكي، إلى مثل هذا النوع من الهجوم. ويشير أحد التقديرات إلى مقتل زهاء ٤٠٠ ألف شخص بهذه الطريقة. وكان هذا تمهيداً لعمليات الإبادة التي ارتكبتها الولايات المتحدة ضد أقطار أخرى لم تهدد واشنطن.
أما ما حدث في هيروشيما وناغازاكي فقد فاق كل تصور. ففي توان أحترق الآلاف الذين كانوا يسيرون في الشوارع والحدائق من جراء الحرارة الهائلة, التي ولدها الانفجار، بينما وقع الكثيرون على الأرض صارخين من الألم الناتج من الحروق الشديدة, وتهدم كل شيء من منازل ومصانع, وانتزعت القطارات من خطوطها الحديدية, وارتفعت في الهواء كأنها لعب أطفال, واختفت الأشجار في اللهيب وكان انهيار المباني شبيهه بانهيار بيوت الكرتون (١).
حرب فيتنام
بين عامي ١٩٥٢م و ١٩٧٣م ذبحت الولايات المتحدة في تقدير معتدل زهاء عشرة ملايين صيني وكوري وفيتنامى ولاوسي وكمبودي. وذكر الراهب البوذي الفيتنامي (ثيتش ثين هاو) أنه بحلول منتصف عام ١٩٦٣م سببت حرب فيتنام مقتل ١٦٠ ألف شخص، وتعذيب وتشويه ٧٠٠ ألف شخص، واغتصاب ٣١ ألف امرأة، ونزعت أحشاء ٣٠٠٠ شخص وهم أحياء، وأحرق ٤٠٠٠ حتى الموت، ودمر ألف معبد، وهوجمت ٤٦ قرية بالمواد الكيماوية السامة. . الخ. وأدى القصف الأمريكي لهانوي وهايفونغ في فترة أعياد الميلاد وعام ١٩٧٢م إلى إصابة أكثر من ٣٠ ألف طفل بالصمم الدائم. وبعد الحرب بينما عانى الأمريكيون الكرب بسبب ٢٤٩٧ جندياً مفقوداً (بحسب أحد التقديرات) , كافحت العوائل الفيتنامية للتكيف مع ٣٠٠ ألف
стр. 801
مفقود. وربما بلغ عدد القتلى في فيتنام ٤ ملايين فضلاً عن ملايين كثيرين آخرين من المعوقين والمصابين بالعمى والصدمات والتشويه. وتقلصت فيتنام إلى بلد للقبور, ومبتوري الأعضاء, والأرض المسممة, واليتامى, والأطفال المشوهين. ولعل مجموع الموتى والمشوهين، ضحايا الأيديولوجيا الأمريكية، يصل إلى ٢٢ مليوناً، إلا أن الكآبة الأمريكية بسبب (مرض فيتنام) لا علاقة لها بذلك (١).
عولمة الإرهاب الأمريكي
إن دماء الكوريين والفيتناميين واللاوسيين والكمبوديين ليست وحدها التي لوثت الأيدي الأمريكية, التي لا يمكن محو الدماء عنها، فقد شاركت الولايات المتحدة على نحو مباشر وغير مباشر في عمليات التعذيب والتشويه والقتل في أقطار كثيرة أخرى في أنحاء العالم. وثمة تواطؤ أمريكي واضح في المجازر الإندونيسية والحروب ضد الناس المكابدين في أمريكا الوسطى, (نيكاراغوا والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس): قتل مئات الآلاف الآخرين عن طريق الأسلحة الأمريكية, والتدريب, والمشورة الأمريكيين. ونيابة عن أمريكا في الاضطرابات المدنية الأمريكية (الصراع الدامي في أنغولا, وموزمبيق, و ناميبيا وغيرها)، وفي أعمال القمع التي ارتكبها الطغاة الذين دعمتهم أمريكا عبر العقود (سوموزا, وبينوشيه, وماركوس, وموبوتو, وباتيستا, ودييم وكي, وري, ودوفاليه, وسوهارتو, وسافيمبي وغيرهم). ثمة مثال واحد من أمثلة كثيرة: ذبح الجنود الذين دربتهم الولايات المتحدة في الوزوتي عام ١٩٨١م حوالي ألف فلاح أعزل منهم ١٣٩ طفلا، وقتل الجيش الأمريكي المدرب في غواتيمالا أكثر من ١٥٠ ألف فلاح بين عامي ١٩٦٦م و ١٩٨٦م.
وبالرغم من أن هذه الجرائم الوحشية هي جرائم ضد الإنسانية وإرهاب دوله منظم، إلا أن أمريكا تضعها تحت مسميات نشر الديمقراطية وتوسيع مساحة الحرية، ولا تعتبرها إرهابية لان الذين فعلوها أمريكيون. وأيضاً قُصفت مدينة دريسدن في فبراير ١٩٤٥م، وهذا عمل وحشي ارتكبه البريطانيون. فمدينة دريسدن لم تكن ذات أهمية صناعية أو عسكرية. وقد لقي أكثر من ١٠٠,٠٠٠ ألماني من غير
стр. 802
العسكريين مصرعهم خلال الغارة، وكانت تلك الجريمة انتهاكاً صريحاً لمعاهدات جنيف، ولكن الذين ارتكبوها هم البريطانيون, وهم ليسوا بإرهابيين!. وهناك أيضاً القصف العشوائي في فيتنام، واستخدام المواد الكيماوية المحظورة، وهذا عمل وحشي وانتهاك فاضح لمعاهدات جنيف، ولكن، ومن جديد فالأمريكيون ليسوا بإرهابيين! وهناك قصف بلجراد وتدمير الجسور والإنشاءات المدنية، وكلها أعمال تعارضت مع معاهدات جنيف، ولكن دول حلف شمال الأطلنطي (ناتو) ليست إرهابية!!
ولا ننسى قصف العراق، والتدمير التام لمحطات المياه والكهرباء, وموت أكثر من مليون ومائتي ألف طفل عراقي, وآلاف من العراقيين قضوا نحبهم نتيجة للحصار الاقتصادي, الذي فرضه الأمريكان على بلادهم .. الخ (العدد الإجمالي أكثر من الذين قتلوا في هيروشيما ونكازاكي) .. ثم القتل الذي يمارسه اليهود ضد الفلسطينيين, الذي تستخدم فيها السكينة الأمريكية من سلاح ومال .. والدعم السياسي والاقتصادي والعسكري واستخدام الفيتو خصوصاً ضد الإسلام والمسلمين, وهي جرائم تتنافى ومعاهدات جنيف، ولكن إسرائيل والتحالف المناوئ للعراق لم يكن إرهابياً!! وأخيراً وليس آخراً .. غزو أفغانستان ذلك البلد الفقير، واحتلالها وقتل الآلاف من شعبها باستخدام أبشع أنواع الأسلحة المحرمة دولياً التي لا تقتل البشر والناس فقط، بل تدمر كافة مناحي الحياة في البقعة المنكوبة (١).
هذه بعض الجرائم الأمريكية بحق البشرية, والتي تكشف إلى أي حد وصلت بربرية وهمجية هذه الدولة المارقة والتي تدعى الفضيلة والحرص على حقوق الإنسان وتطبيق القانون الدولي ... إنها فضيحة في القانون الدولي المعاصر، إنه في حين يعتبر (التدمير المتعمد للبلدان والمدن والقرى) جريمة حرب قديمة العهد، فان قصف المدن بالقنابل والطائرات لا يمضى فقط دون عقاب، بل ودون توجيه اتهام أيضاً. إن القصف بالقنابل من الجو هو إرهاب دولة، إرهاب الأغنياء. لقد أحرق وفرق أشلاء أبرياء في العقود الماضية أكثر مما فعله الإرهابيون المناوئون للدولة على مر
стр. 803
الزمن (١). ولكنه حكم القوى على الضعيف قديماً وحديثاً ... وهنا يحكى أن أحد القراصنة وقع في أسر الإسكندر الكبير، الذي سأله: "كيف تجرؤ على إزعاج البحر، كيف تجرؤ على إزعاج العالم بأسره أيها اللص؟ فأجاب القرصان: لأنني أفعل ذلك بسفينة صغيره فحسب ادعى لصاً، وأنت الذي يفعل ذلك بأسطول ضخم تدعى إمبراطوراً .. !! (٢). إنها ازدواجية المعايير وشريعة الغاب قديماً وحديثاً.
الحرب على الإرهاب
هذه محطات مختلفة للإرهاب الأمريكي حول العالم، تكشف بجلاء ذلك الوجه القبيح لهذا البلد, ولتلك العصابة العنصرية التي تقوده وتقود العالم نحو الهاوية، بدعوات وشعارات مخادعة وكاذبة، مرة باسم نشر الديمقراطية والحرية والدفاع عن حقوق الإنسان .. وأخرى بدعوى مكافحة الإرهاب، حيث يبقى ما يجري منذ بدء الحرب على الإرهاب ماثلاً في الذاكرة. فالحرب الحالية على ما يسمى بالإرهاب هي في حد ذاتها إرهاب .. إرهاب دوله منظم نشأ مع نشأة أمريكيا ذاتها، واستمر في حصد الأرواح والدمار في كل مكان حل به، وهذا ليس جديداً على أمريكا كما سبق وأكدنا ـ إذا علمنا أن أمريكيا قد خصصت ميزانية لممارسة الإرهاب قدرها ٢ مليار دولار، منذ العام ١٩٦٩م وازدادت الآن إلى ١٠ مليار، لتنفقها مبكراً جداً على فريق خاص (٢٠ ألف مجند) للعمليات الخاصة بالاغتيال السياسي والتصفية الجسدية, لمن تسميهم بأعداء الولايات المتحدة خارج الحدود ـ حتى لو كانوا حركات تحرر وطني ـ وهم في الغالب كذلك ـ تصفيتهم دون انتظار قرار دولي أو إذن من مجلس الأمن تماماً, كما حدث في حرب الخليج الثانية، وكما يحدث في الحرب الراهنة ضد أفغانستان والعراق. وإذا علمنا أيضا أن لدى الولايات المتحدة فرقاً خاصة للإرهاب (٣) المنظم تتلخص
стр. 804
مهمتها في تمشيط أرض من يسمونهم بأعداء أمريكا تمهيداً للاقتحام كما حدث في أنجولا (١).
لاهوت الهيمنة الأمريكية (٢)
صرح الرئيس (تافت) في عام ١٩١٢م: "يجب أن نحمي شعبنا وأملاكه في المكسيك، إلى أن تفهم حكومة المكسيك بأن هناك إلهاً في إسرائيل، وأن الواجب يحتم طاعته". هذه العبارة شائعة الانتشار: "إسرائيل مملكة الله الجديدة على الأرض"، ظهرت برواج في التاريخ الأمريكي منذ مايفلاور وإقامة مستعمرة بلايموث (١٦٢٠م).
تاريخ جميل وقوي. شعب في المنفى، شعب صغير، هارب من السيطرة القمعية وباحث عن بداية جديدة. تستدعي للذاكرة علاقة يهوه مع شعبه المختار على جبل سيناء: لقد أعطى يهوه لليهود في المنفى مكانة خاصة (الأمة المفضلة)، اليهود هم (الشعب المختار) بأرض موعودة. كما وعدهم - إذن بأن لهم دوراً مهماً لقيادة شعوب أخرى. كذلك اعتبر الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية البيوريتانيون (المتطهرون) أنفسهم شعباً مختاراً منذ قرون بقراءة الكتاب المقدس، ليس فقط من قبل يهوه، ولكن أيضا ًمن خليفته الرب المسيحي. فلماذا لا تكون هذه الأرض إذن الأرض الموعودة؟ ويكونون هم بذلك النور والإرشاد للشعوب الأخرى، لأنهم الشعب المختار من الله؟ ... لكن الأرض الموعودة لم تكن قفراً.
الفكرة الرئيسة هي أن الله يساعد المختار، أما نجاحه فلا يبدو لنا مبرراً في عيون الرب فحسب، بل والطرق المستخدمة لتحقيق هذا النجاح يجب ـ أيضاً ـ أن تكون مبررة. وكما أعطى العهد القديم تشبيهاً يتماشى مع البيوريتانيين الأوائل في تنكيلهم بالهنود، عاد هؤلاء البيوريتانيون بدورهم، إسقاط التشبيه الذي ينسجم وتنكيل الإسرائيليين بالفلسطينيين.
стр. 805
هكذا اتفقنا على تكوين جبهة ضد الإسلام. إن الاقتناع بكونهم الشعب المختار، قد سبقه الاقتناع بأن الولايات المتحدة هي الأمة الأقرب إلى الله من أي أمة أخرى، وذلك موضح على شعارهم المدون على كل دولار (إننا نثق بالله) ... من ثم، فإن الدولة الأقرب إلى الله هي ـ أيضاً ـ ممثلة الله على الأرض طبقا لثلاث خصائص رئيسية، من صفات الله: امتلاك كل العلوم، والقوة الشاملة، والإحسان.
بالتالي، يعني هذا رقابة اليكترونية على العالم، وعلى الذين يشك في كونهم ممثلي الشر وحملته. وتستأثر الولايات المتحدة لنفسها بمعرفة من يدخلون تحت هذا التصنيف فلا توجد محاكمة لهم، بما أن الولايات المتحدة تحتكر مسألتي الثواب والعقاب، بالإضافة لحق الإدعاء. هكذا تمارس هيمنة ثقافية, وتمتلك قوة اقتصادية وعسكرية تحت إدارة البنتاجون, وجهاز الاستخبارات لتنفيذ أحكامها.
تستحق) إمبراطورية الشر) أن تسحق حتى تعود إلى العصر الحجري، إنه الواجب.
أي ديانة يمكنها التفوق على الإيمان اليهودي المسيحي؟ أي أيديولوجية يمكنها التفوق على الليبرالية المحافظة على طبعتها الرأسمالية؟ لا يمكن حتى لمنظمة سوبر عالمية أن تكون فوق الولايات المتحدة. وهذا يعني بالنسبة إلى الأمم المتحدة ألا تكون سوى وسيلة للولايات المتحدة لتنفيذ هيمنتها على العالم بأسره.
وتحتل الولايات المتحدة القمة في تسلسل الأمم، وهي محاطة بمن يمثلون مركز العالم: الحلفاء الذين تنطبق عليهم سمتان أو السمات الثلاث الخاصة: اقتصاد سوق حرة، إيمان بالله يهودي ـ مسيحي، انتخاب حر. على الكفة الأخرى لهذا العالم الموزع بين الخير والشر، إمبراطورية الشر تتمثل في البلدان التي لا تتبع اقتصاد سوق حرة، ولا إيماناً يهودياً مسيحياً، ولا ديموقراطية على الطريقة الأمريكية. فللولايات المتحدة اتحاد مع الله، وتتحالف الأمم الأخرى معها من موقع التبعية لها والخضوع، كالعلاقة بين الأطراف والمركز. فالأمم الغربية ملك الولايات المتحدة، والولايات المتحدة في حلف مع الله. هذا هو اللاهوت المستتر للسياسة الخارجية لأمريكا.
стр. 806
الفصل الثالث
الارهاب الأمريكي الداخلي
دأبت الحكومات الأمريكية المختلفة على إتباع أسلوب فريد في إخفاء وتبرير عدوانيتها وعنصريتها وإرهابها على العالم، بإسقاط مثل هذه الصفات على دول وشعوب أخرى. والمتأمل للتاريخ الأمريكي سيلاحظ هذا الأمر بسهولة. فقد بررت أمريكا ذبح الهنود الحمر واستعباد الزنوج بالقول بهمجيتهم ووحشيتهم، وبررت حروبها في أمريكا اللاتينية بدعوى نشر الحرية والديمقراطية ... وفي العصر الحديث بررت حروبها المختلفة مره بدعوى محاربة الشيوعية والأصولية وأخيراً بدعوى محاربة الإرهاب.
وبالرغم من هذه الشعارات البراقة التي استخدمتها أمريكا لتبرير جرائمها بحق الإنسانية، إلا أن الحقيقة والواقع يقول أن أمريكا نفسها هي التي بحاجه إلى من يعلمها معاني حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية، وحتى التطرف الأصولي التي تدعي أمريكا أنها تسعى لمحاربته، لم يظهر وينمو إلا في أمريكا حتى تمكن هذا التيار من حكم أمريكا والعالم، وما عرضناه وما سنعرضه خير دليل على ذلك. أما الإرهاب الذي اتخذت منه أمريكا هدفاً وعدواً جديداً، تشن بسببه الحروب هنا وهناك وتقتل وتعتقل وتمنع وتحاصر وتعاقب .. هذا الإرهاب ليس إلا صناعة أمريكية من ألفه إلى يائه. ولكن لأن أمريكا تدرك أن خير وسيله للدفاع هي الهجوم، لهذا بادرت باتهام الغير بالإرهاب، حتى لا تدع لهم مجالاً للتفكير في الإرهاب الأمريكي قديماً وحديثاً داخلياً وخارجياً، والذي لم يشهد له التاريخ مثيلاً.
النشاط الإرهاب الداخلي
بدأت أجهزة الإعلام الأمريكية في منتصف الثمانينات تسلط الضوء على الحركات اليمينية المتطرفة، والتي تحمل أسماء غريبة، مثل الأمم الآرية وحليقي الرؤوس وغيرها ممن ترتبط أسماؤها بحوادث إرهابية، مثل قتل رجال الشرطة، واغتيال أصحاب الرأي المخالف، والقيام بعمليات السطو، والسرقات الكبيرة. وكان كل
стр. 807
ما تقوم به أجهزة الإعلام هو الربط بين هذه الحوادث والجماعات المتطرفة، التي تقوم بها دون التعمق في البحث في معتقدات هذه الجماعات التي تجيز وتدفع إلى ارتكاب مثل هذه الحوادث الفظيعة. وفي كتابه التضليل الشيطاني يعلق (تيرى ميسان) على هذه الظاهرة بقوله: "إن تاريخ الولايات المتحدة المعاصر يبين لنا أن الإرهاب الداخلي هو من الممارسات التي تشهد نمواً متزايداً. فمنذ العام ١٩٩٦م ينشر الـ اف. بي. آي تقريراً سنوياً عن النشاط الإرهابي الداخلي كانت حصيلته: أربع عمليات في ١٩٩٥م، ثمانية في ١٩٩٦م، خمسة وعشرون في ١٩٩٧م، سبعة عشر في ١٩٩٨م وتسعة عشر في ١٩٩٩م، نفذ معظم هذه العمليات مجموعات عسكرية وشبه عسكرية، تنتمي إلى اليمين المتطرف (١). وبالطبع فإن هذا العدد لا يشمل العمليات اليومية التي تشهدها كافة المدن الأمريكية من سرقة واغتصاب وقتل، وجرائم أخرى لا تحصى، والتي جعلت أمريكيا من أكثر دول العالم في نسبة انتشار الجريمة المنظمة وغير المنظمة.
وبعد أحداث ١١ سبتمبر التي سارعت أمريكا لإلصاقها بالعرب، نشرت في ذلك الوقت كثير من التقارير الصحفية التي توجه إصبع الاتهام للجماعات الإرهابية الأمريكية المتطرفة، وهنا يذكر تقرير للمركز العربي للمعلومات بثته الصحف اللبنانية الأربعاء ١٢ - ٩ - ٢٠٠١م أن على أمريكا إذا أرادت أن تبحث عن مرتكب إنفجارات ١١ سبتمبر، أن تفتش داخل أمريكا نفسها عن المنظمات الإرهابية، فهناك منظمات متطرفة يمكن أن تقوم بهذه الانفجارات، مثل: (فريمان)، (الأمم الآرية)، (الباتريوت) (مليشيا ميتشيغان)، (أريزونا باتريوتس)، (جيش تحرير ميامي). وهذه التنظيمات أنتجتها الأرض الأمريكية الخصبة، وبعضها قديم قدم الجمهورية الأمريكية ذاتها، وإن تغير معناها ومغزاها خلال التاريخ الأمريكي القصير، فقد كان للميليشيات في البداية معنى إيجابي، إذ كانت تشمل القوات الشعبية التي شاركت في حرب الاستقلال. وفي وقت لاحق، استمر وجود هذه الجماعات الصغيرة التي كانت تحاول قدر المستطاع أن تحكم نفسها محلياً، وخاصة في ولايات الغرب، أو في
стр. 808
الجنوب (كلوكلاس كلان) (١)، إلا أنها كانت معزولة وبقيت على هامش الحياة السياسية، لكن الوضع تغير اليوم بفعل التطورات التقنية، التي تسهّل صنع القنابل وتهريب الأسلحة، وكذلك تطور وسائل الاتصال التي تسمح لهذه التنظيمات بالاتصال الفوري بعضها ببعض، إما عبر البرامج الإذاعية أو الفاكس، وأخيرا عبر الإنترنت (٢).
وحسب تقرير مركز المعلومات العربي، ففي منتصف التسعينيات، اتسع انتشار هذه التنظيمات في ولايات الوسط والغرب. وتظهر الأرقام الرسمية الأمريكية أنه في عام ١٩٩٤م وحده، تم تسجيل ٢٤٣٨ محاولة تفجير، أو تفجير لم يتبعه حريق، معظم المسئولين عنها من الشبان الذين يعتمدون على كتب مثل: (دليل الفوضوي)، و (جيمس بوند للرجل الفقير) أو (يوميات تونر)، الذي يعتبر الكتاب المقدّس للميليشيات. ويعتبر مكتب التحقيقات الاتحادي (إف بي آي) أن كتاب (يوميات تونر)، الذي صدر في عام ١٩٨٧م استند إليه (ماكفاي) مفجّر أوكلاهوما، ومؤلفه هو (أندرو ماكدونالد)، ويعمل أستاذا جامعياً. والكتاب عبارة عن رواية سيطرت على خيال هواة اقتناء الأسلحة والشبان البيض المتعصبين عرقياً، وصار واسع الانتشار. وهناك من يقول: إن اسم المؤلف الحقيقي لهذا الكتاب هو (وليم بيرس). وقد تنبهت وزارة العدل الأمريكية لهذا الكتاب عام ١٩٨٩م، عندما قامت مجموعة إرهابية أمريكية معادية للحكومة الاتحادية، أطلقت على نفسها اسم (النظام) بعمليات اغتيال وسطو على مصارف، أملاً منها في إطلاق ثورة عنيفة.
أفراد الميليشيات وأفكارها
تجذب هذه الميليشيات أساساً عناصر أمريكية يعيش معظمها على هامش المجتمع، وينتمي أعضاؤها إلى العرق الأبيض، وهم في غالبيتهم من الطبقة العاملة، ومن العاطلين عن العمل، ومن الذين يعتبرون أنفسهم متدينين. وتعكس قيم هذه التنظيمات مزيجاً غريباً من الدين المسيحي، وتقديس الحرية الفردية
стр. 809
للمواطن، والقيم العسكرية، وخاصة حرية اقتناء وحيازة الأسلحة النارية، والخوف من السلطة المركزية، والرغبة في مقاومة تدخّلها في حياة المواطن. ولذلك فإن الطابع العقائدي الغالب على هذه التنظيمات هو الطابع اليميني، الذي يصل في أحيان كثيرة إلى الشوفينية والعنصرية والحقد على كل ما هو غير أبيض أو مسيحي.
ويقوم أعضاء هذه التنظيمات خلال العطلات بارتداء الزي العسكري، والتدرب على إطلاق النار بالأسلحة النارية والمتفجرات الحية في معسكرات أو مزارع خاصة، (لضمان عدم تدخل رجال الأمن) أو في الغابات. وهناك نسبة كبيرة من الأعضاء من الجنود السابقين. فعلى سبيل المثال، فإن المتهم الرئيس بتفجير أوكلاهوما (تيموثي ماكفاي) خدم في حرب الخليج، ونال ميدالية النجمة البرونزية. لكن من بين أعضاء الميليشيات ـ أيضاً ـ مجموعة من المحامين والمثقفين البارزين والأساتذة الجامعيين، بالإضافة إلى ضباط متقاعدين من ذوي السجل العسكري المثالي.
ويعتبر بعض أعضاء هذه الميليشيات أنفسهم في حالة حرب مع السلطة الاتحادية، التي يرون أنها تحاول حرمانهم من حقوقهم الدستورية (الفردية)، وهم يرفضون دفع الضرائب. أما المتطرفون منهم فيؤمنون بوجود مؤامرة تشارك فيها الحكومة الاتحادية، والمصارف العالمية والأمم المتحدة، وعناصر يهودية عالمية وغيرها من القوى المعادية للمسيحية، تهدف إلى إقامة حكومة عالمية، أو كما هو شائع الآن (النظام العالمي الجديد). ويدّعي هؤلاء أنهم يملكون معلومات، أو وثائق تثبت صحة ما يقولون، منها ظاهرة تحليق طائرات مروحية سوداء في ولايات الغرب، يعتقدون أنها لرصد تحركاتهم، ويقولون: إن أمريكا ستستعين بقوات روسية أو صينية لنزع أسلحتهم. وهذه الميليشيات مختلفة عن الميليشيات المتنازعة في الدول التي تشهد الحروب الأهلية. فهي تنتمي عقائدياً إلى المدرسة ذاتها، وليس بينها تنافس أو عداء، وما يحدد توجهها وبرامجها هو خوفها وعلاقتها المتوترة بالسلطة الاتحادية .. أي إن لهذه الميليشيات عدواً أساسياً هو السلطة الاتحادية (١).
стр. 810
الميليشيات المسيحية الأمريكية .. هواية القتل اللذيذ
"ماذا نفعل؟ نعلم أن الضحايا مجرد رهائن لدى الإدارة الأمريكية وأنهم لم يتبنوا الفلسفة المريضة والأهداف المدمرة التي يتبناها النظام .. ولكن ما من طريقة تتفادى سقوط الأبرياء في سبيل تدمير هذا النظام .. ما من طريقة فلا بد أن يسقط ضحايا"!! ليست هذه تصريحات لأعداء تقليديين لأمريكا .. ليست لأحد ـ الصرب أو الشيوعيين أو الكوبيين أو الكوريين الجنوبيين ولا حتى لأحد أتباع بن لادن، لكنها لأمريكي أبيض من ميليشيا ولاية ميتشجان، فهو لا يهتم بالدماء مهما كانت درجة تدفقها في سبيل القضاء على الإدارة الأمريكية، مهما كان حجم الضحايا والأبرياء!!
قد تتعجب إذا علمت أن هذا كان تعليقه للنيويورك تايمز إثر حادثة أوكلاهوما، التي نفذتها الميليشيا وراح ضحيتها ١٦٦ قتيلا .. ولكن عجبك قد يزول إذا قرأت لأحد هؤلاء المهووسين في أحد مواقع الميليشيات يعرفنا بنفسه أن هوايته إطلاق الرصاص على الحيوانات، والأمريكان الوافدين (يقصد الأفارقة والآسيويين والأسبان)، وأن الحكمة التي تنير دربه في الحياة: "بمجرد أن أملك بندقية فحتماً سوف تقع جريمة". وسينتهي تعجبك تماماً إذا علمت أن ثمة إعلانات تُنشر في جرائد أمريكا الكبرى والمحلية على حد سواء يرد فيها عبارات من قبيل "يجب ألا نسمح للحكومة بإدارة شئوننا وحياتنا .. يجب أن نعود إلى أيام الثورة الأمريكية الأولى .. نحن ثوريون أمريكيون" .. ثم يردف الإعلان بالطريقة الأمريكية النمطية "تعالوا مع أسلحتكم وأصدقائكم ... ". وهذه الإعلانات المتنوعة والكثيرة تقف وراءها مجموعة ضخمة من الميليشيات الأمريكية المسلحة. فهذا الإعلان مثلاً نشرته ميليشيا ولاية أريزونا، التي تهدف إلى فصل الولاية عن أمريكا الأم وإعلانها دولة مستقلة. وهذه الميليشيا يقودها (ديفيد إبسي) الذي يُسمي نفسه (الكابتن الثوري)، ويدعو إلى إعلان ثورة جديدة كالتي أعلنها الأمريكان الأوائل ضد الاستعمار البريطاني.
وهذه الميليشيات تنتشر في شتى الولايات الأمريكية، ولها أنصارها الذين يشكلون فكرهم الغريب والمختلف، ولكل ميليشيا منطقة نفوذ، وتحترم الميليشيات فيما بينها مناطق نفوذها. ورغم أنه لا توجد مؤشرات تدل على نوع من الوحدة في الهدف أو الرؤية، فإنه من المؤكد أن ثمة خلفيات مشتركة أدت إلى تكوُّن مثل هذه