الفصل الثالث
الارهاب الأمريكي الداخلي
دأبت الحكومات الأمريكية المختلفة على إتباع أسلوب فريد في إخفاء وتبرير عدوانيتها وعنصريتها وإرهابها على العالم، بإسقاط مثل هذه الصفات على دول وشعوب أخرى. والمتأمل للتاريخ الأمريكي سيلاحظ هذا الأمر بسهولة. فقد بررت أمريكا ذبح الهنود الحمر واستعباد الزنوج بالقول بهمجيتهم ووحشيتهم، وبررت حروبها في أمريكا اللاتينية بدعوى نشر الحرية والديمقراطية ... وفي العصر الحديث بررت حروبها المختلفة مره بدعوى محاربة الشيوعية والأصولية وأخيراً بدعوى محاربة الإرهاب.
وبالرغم من هذه الشعارات البراقة التي استخدمتها أمريكا لتبرير جرائمها بحق الإنسانية، إلا أن الحقيقة والواقع يقول أن أمريكا نفسها هي التي بحاجه إلى من يعلمها معاني حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية، وحتى التطرف الأصولي التي تدعي أمريكا أنها تسعى لمحاربته، لم يظهر وينمو إلا في أمريكا حتى تمكن هذا التيار من حكم أمريكا والعالم، وما عرضناه وما سنعرضه خير دليل على ذلك. أما الإرهاب الذي اتخذت منه أمريكا هدفاً وعدواً جديداً، تشن بسببه الحروب هنا وهناك وتقتل وتعتقل وتمنع وتحاصر وتعاقب .. هذا الإرهاب ليس إلا صناعة أمريكية من ألفه إلى يائه. ولكن لأن أمريكا تدرك أن خير وسيله للدفاع هي الهجوم، لهذا بادرت باتهام الغير بالإرهاب، حتى لا تدع لهم مجالاً للتفكير في الإرهاب الأمريكي قديماً وحديثاً داخلياً وخارجياً، والذي لم يشهد له التاريخ مثيلاً.
النشاط الإرهاب الداخلي
بدأت أجهزة الإعلام الأمريكية في منتصف الثمانينات تسلط الضوء على الحركات اليمينية المتطرفة، والتي تحمل أسماء غريبة، مثل الأمم الآرية وحليقي الرؤوس وغيرها ممن ترتبط أسماؤها بحوادث إرهابية، مثل قتل رجال الشرطة، واغتيال أصحاب الرأي المخالف، والقيام بعمليات السطو، والسرقات الكبيرة. وكان كل
стр. 807
ما تقوم به أجهزة الإعلام هو الربط بين هذه الحوادث والجماعات المتطرفة، التي تقوم بها دون التعمق في البحث في معتقدات هذه الجماعات التي تجيز وتدفع إلى ارتكاب مثل هذه الحوادث الفظيعة. وفي كتابه التضليل الشيطاني يعلق (تيرى ميسان) على هذه الظاهرة بقوله: "إن تاريخ الولايات المتحدة المعاصر يبين لنا أن الإرهاب الداخلي هو من الممارسات التي تشهد نمواً متزايداً. فمنذ العام ١٩٩٦م ينشر الـ اف. بي. آي تقريراً سنوياً عن النشاط الإرهابي الداخلي كانت حصيلته: أربع عمليات في ١٩٩٥م، ثمانية في ١٩٩٦م، خمسة وعشرون في ١٩٩٧م، سبعة عشر في ١٩٩٨م وتسعة عشر في ١٩٩٩م، نفذ معظم هذه العمليات مجموعات عسكرية وشبه عسكرية، تنتمي إلى اليمين المتطرف (١). وبالطبع فإن هذا العدد لا يشمل العمليات اليومية التي تشهدها كافة المدن الأمريكية من سرقة واغتصاب وقتل، وجرائم أخرى لا تحصى، والتي جعلت أمريكيا من أكثر دول العالم في نسبة انتشار الجريمة المنظمة وغير المنظمة.
وبعد أحداث ١١ سبتمبر التي سارعت أمريكا لإلصاقها بالعرب، نشرت في ذلك الوقت كثير من التقارير الصحفية التي توجه إصبع الاتهام للجماعات الإرهابية الأمريكية المتطرفة، وهنا يذكر تقرير للمركز العربي للمعلومات بثته الصحف اللبنانية الأربعاء ١٢ - ٩ - ٢٠٠١م أن على أمريكا إذا أرادت أن تبحث عن مرتكب إنفجارات ١١ سبتمبر، أن تفتش داخل أمريكا نفسها عن المنظمات الإرهابية، فهناك منظمات متطرفة يمكن أن تقوم بهذه الانفجارات، مثل: (فريمان)، (الأمم الآرية)، (الباتريوت) (مليشيا ميتشيغان)، (أريزونا باتريوتس)، (جيش تحرير ميامي). وهذه التنظيمات أنتجتها الأرض الأمريكية الخصبة، وبعضها قديم قدم الجمهورية الأمريكية ذاتها، وإن تغير معناها ومغزاها خلال التاريخ الأمريكي القصير، فقد كان للميليشيات في البداية معنى إيجابي، إذ كانت تشمل القوات الشعبية التي شاركت في حرب الاستقلال. وفي وقت لاحق، استمر وجود هذه الجماعات الصغيرة التي كانت تحاول قدر المستطاع أن تحكم نفسها محلياً، وخاصة في ولايات الغرب، أو في
стр. 808
الجنوب (كلوكلاس كلان) (١)، إلا أنها كانت معزولة وبقيت على هامش الحياة السياسية، لكن الوضع تغير اليوم بفعل التطورات التقنية، التي تسهّل صنع القنابل وتهريب الأسلحة، وكذلك تطور وسائل الاتصال التي تسمح لهذه التنظيمات بالاتصال الفوري بعضها ببعض، إما عبر البرامج الإذاعية أو الفاكس، وأخيرا عبر الإنترنت (٢).
وحسب تقرير مركز المعلومات العربي، ففي منتصف التسعينيات، اتسع انتشار هذه التنظيمات في ولايات الوسط والغرب. وتظهر الأرقام الرسمية الأمريكية أنه في عام ١٩٩٤م وحده، تم تسجيل ٢٤٣٨ محاولة تفجير، أو تفجير لم يتبعه حريق، معظم المسئولين عنها من الشبان الذين يعتمدون على كتب مثل: (دليل الفوضوي)، و (جيمس بوند للرجل الفقير) أو (يوميات تونر)، الذي يعتبر الكتاب المقدّس للميليشيات. ويعتبر مكتب التحقيقات الاتحادي (إف بي آي) أن كتاب (يوميات تونر)، الذي صدر في عام ١٩٨٧م استند إليه (ماكفاي) مفجّر أوكلاهوما، ومؤلفه هو (أندرو ماكدونالد)، ويعمل أستاذا جامعياً. والكتاب عبارة عن رواية سيطرت على خيال هواة اقتناء الأسلحة والشبان البيض المتعصبين عرقياً، وصار واسع الانتشار. وهناك من يقول: إن اسم المؤلف الحقيقي لهذا الكتاب هو (وليم بيرس). وقد تنبهت وزارة العدل الأمريكية لهذا الكتاب عام ١٩٨٩م، عندما قامت مجموعة إرهابية أمريكية معادية للحكومة الاتحادية، أطلقت على نفسها اسم (النظام) بعمليات اغتيال وسطو على مصارف، أملاً منها في إطلاق ثورة عنيفة.
أفراد الميليشيات وأفكارها
تجذب هذه الميليشيات أساساً عناصر أمريكية يعيش معظمها على هامش المجتمع، وينتمي أعضاؤها إلى العرق الأبيض، وهم في غالبيتهم من الطبقة العاملة، ومن العاطلين عن العمل، ومن الذين يعتبرون أنفسهم متدينين. وتعكس قيم هذه التنظيمات مزيجاً غريباً من الدين المسيحي، وتقديس الحرية الفردية
стр. 809
للمواطن، والقيم العسكرية، وخاصة حرية اقتناء وحيازة الأسلحة النارية، والخوف من السلطة المركزية، والرغبة في مقاومة تدخّلها في حياة المواطن. ولذلك فإن الطابع العقائدي الغالب على هذه التنظيمات هو الطابع اليميني، الذي يصل في أحيان كثيرة إلى الشوفينية والعنصرية والحقد على كل ما هو غير أبيض أو مسيحي.
ويقوم أعضاء هذه التنظيمات خلال العطلات بارتداء الزي العسكري، والتدرب على إطلاق النار بالأسلحة النارية والمتفجرات الحية في معسكرات أو مزارع خاصة، (لضمان عدم تدخل رجال الأمن) أو في الغابات. وهناك نسبة كبيرة من الأعضاء من الجنود السابقين. فعلى سبيل المثال، فإن المتهم الرئيس بتفجير أوكلاهوما (تيموثي ماكفاي) خدم في حرب الخليج، ونال ميدالية النجمة البرونزية. لكن من بين أعضاء الميليشيات ـ أيضاً ـ مجموعة من المحامين والمثقفين البارزين والأساتذة الجامعيين، بالإضافة إلى ضباط متقاعدين من ذوي السجل العسكري المثالي.
ويعتبر بعض أعضاء هذه الميليشيات أنفسهم في حالة حرب مع السلطة الاتحادية، التي يرون أنها تحاول حرمانهم من حقوقهم الدستورية (الفردية)، وهم يرفضون دفع الضرائب. أما المتطرفون منهم فيؤمنون بوجود مؤامرة تشارك فيها الحكومة الاتحادية، والمصارف العالمية والأمم المتحدة، وعناصر يهودية عالمية وغيرها من القوى المعادية للمسيحية، تهدف إلى إقامة حكومة عالمية، أو كما هو شائع الآن (النظام العالمي الجديد). ويدّعي هؤلاء أنهم يملكون معلومات، أو وثائق تثبت صحة ما يقولون، منها ظاهرة تحليق طائرات مروحية سوداء في ولايات الغرب، يعتقدون أنها لرصد تحركاتهم، ويقولون: إن أمريكا ستستعين بقوات روسية أو صينية لنزع أسلحتهم. وهذه الميليشيات مختلفة عن الميليشيات المتنازعة في الدول التي تشهد الحروب الأهلية. فهي تنتمي عقائدياً إلى المدرسة ذاتها، وليس بينها تنافس أو عداء، وما يحدد توجهها وبرامجها هو خوفها وعلاقتها المتوترة بالسلطة الاتحادية .. أي إن لهذه الميليشيات عدواً أساسياً هو السلطة الاتحادية (١).
стр. 810
الميليشيات المسيحية الأمريكية .. هواية القتل اللذيذ
"ماذا نفعل؟ نعلم أن الضحايا مجرد رهائن لدى الإدارة الأمريكية وأنهم لم يتبنوا الفلسفة المريضة والأهداف المدمرة التي يتبناها النظام .. ولكن ما من طريقة تتفادى سقوط الأبرياء في سبيل تدمير هذا النظام .. ما من طريقة فلا بد أن يسقط ضحايا"!! ليست هذه تصريحات لأعداء تقليديين لأمريكا .. ليست لأحد ـ الصرب أو الشيوعيين أو الكوبيين أو الكوريين الجنوبيين ولا حتى لأحد أتباع بن لادن، لكنها لأمريكي أبيض من ميليشيا ولاية ميتشجان، فهو لا يهتم بالدماء مهما كانت درجة تدفقها في سبيل القضاء على الإدارة الأمريكية، مهما كان حجم الضحايا والأبرياء!!
قد تتعجب إذا علمت أن هذا كان تعليقه للنيويورك تايمز إثر حادثة أوكلاهوما، التي نفذتها الميليشيا وراح ضحيتها ١٦٦ قتيلا .. ولكن عجبك قد يزول إذا قرأت لأحد هؤلاء المهووسين في أحد مواقع الميليشيات يعرفنا بنفسه أن هوايته إطلاق الرصاص على الحيوانات، والأمريكان الوافدين (يقصد الأفارقة والآسيويين والأسبان)، وأن الحكمة التي تنير دربه في الحياة: "بمجرد أن أملك بندقية فحتماً سوف تقع جريمة". وسينتهي تعجبك تماماً إذا علمت أن ثمة إعلانات تُنشر في جرائد أمريكا الكبرى والمحلية على حد سواء يرد فيها عبارات من قبيل "يجب ألا نسمح للحكومة بإدارة شئوننا وحياتنا .. يجب أن نعود إلى أيام الثورة الأمريكية الأولى .. نحن ثوريون أمريكيون" .. ثم يردف الإعلان بالطريقة الأمريكية النمطية "تعالوا مع أسلحتكم وأصدقائكم ... ". وهذه الإعلانات المتنوعة والكثيرة تقف وراءها مجموعة ضخمة من الميليشيات الأمريكية المسلحة. فهذا الإعلان مثلاً نشرته ميليشيا ولاية أريزونا، التي تهدف إلى فصل الولاية عن أمريكا الأم وإعلانها دولة مستقلة. وهذه الميليشيا يقودها (ديفيد إبسي) الذي يُسمي نفسه (الكابتن الثوري)، ويدعو إلى إعلان ثورة جديدة كالتي أعلنها الأمريكان الأوائل ضد الاستعمار البريطاني.
وهذه الميليشيات تنتشر في شتى الولايات الأمريكية، ولها أنصارها الذين يشكلون فكرهم الغريب والمختلف، ولكل ميليشيا منطقة نفوذ، وتحترم الميليشيات فيما بينها مناطق نفوذها. ورغم أنه لا توجد مؤشرات تدل على نوع من الوحدة في الهدف أو الرؤية، فإنه من المؤكد أن ثمة خلفيات مشتركة أدت إلى تكوُّن مثل هذه
стр. 811
البؤر الفكرية المسماة بـ (الميليشيات)، سواء أكانت هذه الخلفيات اجتماعية أم سياسية أم دينية أم عسكرية، كما أن تشابهًا في الوسائل يلحظه المتابع لهذه الميليشيات. فالعدد المعلن لهذه الميليشيات ٤١ منظمة، و٢٢ ميليشيا، غير تلك التي تفضل العمل السري ولا تعلن عن نفسها، بل تغلق العضوية على من يصطفيهم القائد (١).
قائمة بأهم الميليشيات الإرهابية الأمريكية
ميليشيا ولاية ميتشجان: تعتبر هذه المليشيا من أقوى الميليشيات وأكثرها عدداً، حيث يقدر عدد جنودها بـ٥٠ ألف جندي. وقد اشتهرت هذه المليشيا بعد الانفجار في مدينة أوكلاهوما، لأن الاثنين اللذين اعتقلا عضوان فيها. ورغم أن قائد الميليشيا ادعى أنه طردهما، لأنهما متطرفان أكثر مما يجب، الا إن القس (نورمان أولسون) قائد (الجيش الأول) أحد قطاعات الميليشيا، أيَّد فكرة أن يذهب الآلاف من الجنود بالملابس العسكرية وكامل الأسلحة لإنذار كلينتون أن هذه ستكون بداية الثورة الأمريكية الثانية.
والميليشيات تملك دبابات وعربات مصفحة ومدافع مضادة للدبابات، وتتدرب على حرب العصابات وبعض تدريباتها تتم في الليل، وتُستعمل فيها نظارات تسمح بالرؤية في الظلام. وفي جنوب الولاية فرع للميليشيا، يتدرب عسكريًا بأقنعة واقية من الغازات السامة، لاعتقاده بأن الجيش الأمريكي سيستعملها ضدهم.
ميليشيا ولاية كولورادو: اسمها الرسمي هو حراس الحريات الأمريكية، العضو فيها يطلق على نفسه لقب حارس وطن، وأسلحة أعضائها كثيرة ولا يكتفي الواحد بأسلحة لنفسه، إنما يخزن مجموعة أخرى للمتطوعين الذين ربما لن تتوفر لهم أسلحة كافية عند قيام الحرب. كما يخزن أعضاء هذه المليشيا ـ أيضاً ـ كميات كبيرة من الطعام وضروريات الحياة، ليعيشوا أسابيع بل شهوراً إذا فرضت عليهم الحكومة
стр. 812
الحصار. وميليشيا كولورادو عندها جريدة ودار نشر. ومن مطبوعاتها: النظام العالمي الجديد.
وبداخل هذه المليشيا لجنة تشرف على التمارين العسكرية وتخزين الأسلحة، كما ترسل مستشارين عسكريين لمساعدة الميليشيات في الولايات الأخرى، وعلى رأس قائمة أعدائهم ـبالإضافة إلى الحكومة الفدراليةـ البنوك العالمية التي يسيطر عليها اليهود. وهذه الميليشيا تحمل اليهود مسئولية فساد النظام البنكي العالمي بما في ذلك سقوط بنك الاعتماد.
ميليشيا ولاية فلوريدا: تتكون هذه الميليشيا من ٦ ميليشيات فرعية، ولها جنود في كل مقاطعة ومدينة في ولاية فلوريدا. ففي مدينة تاميا يوجد فرع للمتطوعين المسلحين، وفي مقاطعة هيلزبورو المجاورة جيش وجهاز حكومي وجهاز قضائي، وعلى رأس الجهاز القضائي المحكمة الدستورية التي أرسلت أخيراً أوامر إلى المسئولين في المقاطعة لإطاعة قوانينها. وفي مقاطعة سانت لوشي يحمل الجنود مسدسات وبنادق ومدافع رشاشة إلى اجتماعات التدريب.
ميليشيا ولاية إيداهو: تستفيد هذه الميليشيا من المناطق الجبلية الوعرة، في ولاية إيداهو. ومن الذين يقودون هذه الميليشيا الكابتن (صمويل شيرود)، الذي يقول: ستشهد أمريكا الحرب الأهلية مرة أخرى، ونحن هنا في ولاية إيداهو سنبدأ بالهجوم على مبني برلمان الولاية ونقتل كل النواب رمياً بالرصاص.
أما (جيمس جرينز) ـ وهو كولونيل متقاعد من فرقة القبعات الخضراء التي اشتركت في حرب فيتنام ـ فهو يظهر وجهاً آخر من وجوه الميليشيات التي لا تنظر إلى أمريكا بالكراهية فحسب، وإنما توجه عنصريتها للعالم كله من حولها، فيقول: "الجنس الأبيض هو سيد الأجناس، والأفارقة ـوالآسيويون مثلهم ـ أقذر الناس وفي أسفل قائمة الأجناس ... " (١).
ميليشيا ولاية إنديانا: ترأس ميليشيا ولاية إنديانا امرأة هي جنرالة سابقة بالجيش الأمريكى وتدعى (ليندا طومسون)، وعندها مكتب محاماة في إنديانا بولس
стр. 813
عاصمة الولاية، وهي تقول: إن يوماً ما ستهجم فيه على الكونجرس وتعتقل كل أعضائه وتدمرهم.
ميلشيا ولاية ميسوري: هذه الميليشيا أقل حجمًا ونشاطًا من ميليشيا ولاية ميتشجان، لكن لها فروعاً في خمس مقاطعات. وهذه تجمع بين العملين العسكري والسياسي. فبالإضافة إلى تسليح أعضائها فإنها ترشحهم في الانتخابات المحلية لعُمُد المدن الصغيرة واللجان التعليمية.
والبرامج السياسية لهؤلاء تدعو إلى الانسحاب من منظمة الأمم المتحدة "خوفًا من سيطرتها على الحكومة الأمريكية"، وإلى إنهاء النظام الدولي الجديد. وشنت هذه الميليشيا هجومًا شخصيًا على الرئيس كلينتون، وخاصة على زوجته هيلاري، التي وصفت بأنها تقود شبكة شيوعية للسيطرة على أمريكا. وهذه الميليشيا تتحدث عن طائرات تجسس تابعة لشرطة التحقيق الفدرالي (إف بي آي)، تحلق فوق معسكراتها للهجوم عليها، وعن صواريخ جو ـ أرض، وقنابل عنقودية رغم أن الشرطة الفدرالية لا تملك مثل هذه الأسلحة.
ميليشيا ولاية مونتانا: لأن ولاية مونتانا في أقصى شمال الولايات المتحدة (تجاور كندا)، فأن الميليشيا تريد فصلها لتكون دولة بيضاء، حيث ان عدد كبير من قادة هذه الميليشيا مشهورون بآرائهم العنصرية والإرهابية. وهذه الميليشيا تطبع مجلات وجرائد تتحدث عن عظمة الجنس الآري ... إلخ. ومن أشرطة الفيديو التى تنتجها شريط عنوانه: (إرهاب كلينتون ورينو)، في إشارة إلى وزيرة العدل الأمريكية ودورها في القضاء على الجماعة الدينية المتطرفة، في ولاية تكساس خلال عهد كلينتون.
ميليشيا ولاية أريزونا: حديثة وصغيرة الحجم بالمقارنة مع غيرها، ومن قادتها (ديفيد أبسي) الكابتن الثوري، و (جارى هانت) الثوري الأول، وهما يريان أن على الأمريكيين إعلان ثورة جديدة مثل التي أعلنوها ضد الاستعمار البريطاني قبل أكثر من مائتي سنة، ثم إعادة تأسيس الولايات المتحدة. ولأن هذه الميليشيا جديدة فإن أسلحتها فردية وهي عبارة عن أسلحة أعضائها (الواحد منهم يملك مجموعة من المسدسات والقنابل). تقوم هذه المليشيا عادة بنشر إعلانات في الصحف الأمريكية، تدعو المواطنين للانضمام إليها، واسمها الرسمي هو (منظمة أبناء الحرية)، وأحد
стр. 814
إعلاناتها يقول: "يجب ألا نسمح للحكومة بإدارة شئوننا وحياتنا، يجب أن نعود إلى أيام الثورة الأمريكية الأولى، نحن ثوريون أمريكيون". ومن أهدافها فصل ولاية أريزونا عن الولايات المتحدة. وفي إعلانات اجتماعاتها تدعو الميليشيا المواطنين حسب الطريقة التالية: (تعالوا مع أسلحتكم وأصدقائكم).
ميليشيا ولاية نيو هامبشير: تستفيد هذه الميليشيا من قانون في الولاية، يسمح بتشكيل فرق عسكرية تطوعية لكل من يزيد عمره عن ١٨ سنة. وهدف القانون هو الاستفادة من هؤلاء في حالات الطوارئ وتحت إشراف حاكم الولاية، لكن الميليشيا تسلح نفسها بضمان أنها ستطيع أوامر الحكومة. وولاية نيو هامبشير من الولايات التي بدأت فيها الثورة الأمريكية ضد الاستعمار البريطاني، لهذا ترى الميليشيا نفسها استمرار لهذا التقليد، لكن عكس ميليشيات الولايات في الغرب والوسط، فإن هذه الميليشيا تعتمد على أسلحة فردية، وإستراتيجيتها العسكرية تقوم على حرب العصابات أكثر من مواجهة مباشرة مع القوات الحكومية.
ميليشيا ولاية أوهايو: هذه الميليشيا صغيرة الحجم، لكن لها فروعاً في عدد مقاطعات الولاية، مثل مقاطعة بايك الريفية في جنوب الولاية. لكن حتى في مدينة كبيرة في الولاية، مثل سنسناتي يوجد فرع للميليشيا، ويجتمع أعضاؤها تحت اسم أبطال أوهايو، وأحيانًا يجتمعون في ولاية كليرمونت الريفية المجاورة لإجراء تمارينهم. كما يوجد في مقاطعة بايك الريفية عدد من المنظمات العنصرية مثل كوكلكس كلان والنازيين، وأصحاب الرؤوس المحلوقة، والمنظمات الدينية المتطرفة، حيث أن الانضمام إلى الميليشيا يسهل على هؤلاء الحصول على التدريب العسكري.
منظمات إرهابية أمريكية
بالاضافه إلى هذه المليشيات توجد في أمريكيا كثير من المنظمات الارهابية التى لها فروع في كثير من المدن والولايات نذكر منها: كوكاكس كلان (٩٨ فرعا) ـ اللجنة الأمريكية الأولى (فرع واحد) ـ الحزب النازي الأمريكي (فرع واحد) ـ الشعب الآرى (١٨ فرعا) ـ الحزب الثورى الآري (فرع واحد) ـ المشروع الآرى (فرع واحد) ـ
стр. 815
الأخوان (فرع واحد) ـ التحالف الأمريكي الأوربي (فرعان) ـ المنظمة الأمريكية الأوروبية (فرع واحد) ـ التحالف الوطني (١٠ فروع) ـ الحزب الألماني الوطني الاشتراكي (٣ فروع) ـ الحزب الاشتراكي الوطني (فرعان) ـ حزب العمل الأبيض (فرعان) ـ الحزب الاشتراكي الأبيض (فرعان) ـ المجموعة النازية الألمانية (٥ فروع) ـ النازيون الأمريكيون (فرع واحد) ـ محاربو الحرية البيضاء (فرع واحد) ـ المقاومة الآرية البيضاء (٥ فروع) ـ المقاومة البيضاء (فرع واحد) ـ الجيش الثورى الأبيض (فرع واحد) ـ حزب أمريكا الأول (فرعان) ـ زمالة مسيحيي المستقبل (فرع واحد) ـ الجناح الآري (فرعان) ـ الإخوان الأمريكيون المتمردون (فرعان) ـ مؤيدو الإنجيل المسيحيون (فرعان) ـ عصبة الدفاع المسيحي (فرع واحد) ـ طلائع الوطنيين الاشتراكيين (٣ فروع) ـ جيش المسيح في إسرائيل (فرع واحد) ـ كنيسة إسرائيل (فرعان) ـ جمعية عيسي المسيح (٣ فروع) ـ جمعية للخالق (٤ فروع) ـ الجمعية الدولية الانفصالية (٣ فروع) ـ الميليشيا البيضاء (٥ فروع) ـ الاتحاد القومي لتقدم البيض (٩ فروع) ـ اتحاد حقوق البيض (فرع واحد) ـ اتحاد النساء البيضاوات (فرع واحد) ـ الجبهة العالمية للخطر الملون (فرعان) ـ تحالف الطلاب البيض (فرع واحد) ـ التحالف ضد الأجانب (فرعان) ـ جمعيات أصحاب الرؤوس المحلوقة (٣٥ فرعا).
من تكساس ظهرت منظمة الكوكلاكس كلان وجورج بوش (١)
لا يسمع المرء اسم "تكساس" إلا ويقفز إلى ذهنه صورة راعي البقر المتوحش، الذي يضرب بقدميه الأبواب مقتحماً حقوق الآخرين، ومنتهكا القوانين بالبندقية والرشاش. فمنذ قيامها وهذه الولاية تعتبر المرادف الرئيس للقتل والعنف والإرهاب بأنواعه، وبالتالي كانت الجماعات الخارجة منها هي الأشهر، والأشد فعالية في هذا المجال. ولم تختلف الشخصيات التي أفرزتها كثيراًً عن جماعات الإرهاب من أبنائها، فهذه الولاية التي كانت الرحم الطبيعي لمنظمة " كوكلاكس كلان" الإرهابية، هي ذاتها الولاية التي قدمت جورج بوش على طبق من الموت للعالم.
стр. 816
تعتبر مشكلة الزنوج أكثر المشكلات حدة في المجتمع الأمريكي الذي يتفشى فيه داء العنصرية العضال، وباتت حالة الزنوج الاميركيين مغالطة كبرى يعتبر القضاء عليها ضرورة تاريخية، اقتصادية، سياسية واخلاقية ملحة. وعليه، فإن العنصرية هي المفهوم الأكثر ثباتاً وقدرة على الاستمرار من بين جميع المفاهيم الايديولوجية للامبريالية، والاعظم تغلغلاً في شتى مجالات الحياة في الولايات المتحدة الأميركية.
ويعتبر الإرهاب الجماعي من أهم الوسائل لبلوغ هذه الغاية حيث يمكن أن تتبدل اشكاله تبعاً للموقف السياسي في البلاد، وتبعاً لتناسب القوى الطبقية والسياسية. ولابد لممارسة هذا الإرهاب من منظمة متخفية لا يلقي نشاطها ظلاً على المؤسسات الحكومية والسياسية الرئيسية في البلاد، كما لا تسيء إلى الأسس الاقتصادية ـ الاجتماعية للديمقراطية البورجوازية. ولعل كو ـ كلوكس ـ كلان أو (ك ك ك) هي المنظمة التي توافرت فيها هذه الشروط خلال ما يزيد على مائة عام من وجودها، وربما كانت فاعليتها كسلاح للارهاب الموجه ضد الزنوج هو السبب في أن هذه المنظمة المشؤومة قد تجاوزت الحقبة التي ظهرت فيها، واستمرت في البقاء حتى ايامنا الحاضرة؛ على أمل أن تتحول إلى نموذج لنمط الحياة الأمريكي. ولهذا تلعب كو ـ كلوكس ـ كلان الدور الأكثر نشاطاً وتأثيراً بين جماعات اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأمريكية
التأسيس:
و"كو ـ كلوكس ـ كلان هي المنظمة البروتستانتية المسيحية البيضاء والأمريكية الخالصة الوحيدة التي يرفع أعضاؤها شعاراً مفاده: " الكلانيون ـ انقى واكمل الناس على الأرض وقسمها هو منع تحقيق المساواة لذوي البشرة السوداء". وأول ظهور أو تشكل للكلان كان في عام ١٨٦٦. حيث تأسست من قبل المحاربين القدامي في الجيش الكونفدرالي و كانت مهمة هذه المنظمة مقاومة إعاد التأسيس و معارضة تحرير العبيد التي حدثت عقب الحرب الأهلية الأمريكية. وسرعان ما طورت هذه المنظمة أساليب عمل عنيفة. عندئذ كانت ممارسات الكلان عذرا لحلفاء الجنوبيين لمتابعة القوات الفيدرالية فعالياتها في الجنوب. انحسرت منظمة الكلان
стр. 817
بين عامي ١٨٦٨ و ١٨٧٠ و تم تدميرها بالكامل في بدايات السبعينات من القرن التاسع عشر على يد الرئيس أوليسيس غرانت في عملية الحقوق المدنية لعام ١٨٧١ (تعرف أيضا بعملية كو كلوكس كلان) (١).
ويليام جوزيف سيمون مؤسس جماعة الكلان الثانية عام ١٩١٥
الظهور الثاني لكلان كان في عام ١٩١٥ عن طريق جماعة تبنت نفس الاسم، حيث أعلن عن تأسيس هذه الجماعة في ولاية جورجيا الأميركية بوصفها "جمعية أخوية اجتماعية خيرية وطنية في ٢٨ أكتوبر (تشرين الأول) من العام ١٩١٥. وقد جاء أول ظهور علني للمنظمة يوم عرض فيلم "ميلاد أمة" The Birth of a Nation في اطلنطا، وتتركز الفكرة الرئيسية للفيلم على إظهار "الطبيعية الحيوانية للزنجي"، و"النبل" الذي تتحلى به عناصر كو ـ كلوكس ـ كلان، والبرهان على ان تحرير الزنوج كان مأساة، وذلك ان حرمانهم من حق الانتخاب واستعبادهم ومعاملتهم بالعنف ـ هي أمور نابعة من "طبيعة الافريقي".
كانت الجماعة الثانية من (ك. ك. ك) منظمة رسمية تتألف من عضوية رسمية ذات بنية قومية، مما دفع الكثير من الرجال لتأسيس فروع محلية في كافة أرجاء الولايات المتحدة. فبعد وقت قصير ظهرت كو ـ كلوكس ـ كلان في الولايات المجاورة لجورجيا مثل الآباما وفلوريدا. وتشير إلى ان عدد أعضاء "الإمبراطورية الخفية" قد بلغ في عام ١٩١٦. ١٠٠ألف عضوا تم تجنيدهم من الضباط والجنود السابقين في جيش المتمردين. كانت "الإمبراطورية الخفية" تؤكد باستمرار ولاءها "للقانون والنظام" مما أدى إلى اقتناع قسم كبير من الأمريكيين بأن ك ك ك هي فعلاً منظمة أمريكية سياسية دينية اخلاقية رفيعة المستوى، وأن الانتساب إليها شرف لكل إنسان ما دام "الهدف الوحيد لكلان هو خدمة الوطن وإنقاذه" (٢).
стр. 818
لذلك دخل في صفوفها الكثيرون طمعاً في رفع اعتبارهم الاجتماعي بالنظر إلى أن "العضوية فيها أصبحت رمزاً اجتماعياً من نوع خاص. . ولهذه الغاية وسعت ك ك ك نشاطها الخيري مما اضفى عليها، وهي المنظمة الرجعية "مسحة الوقار" ولكنها كانت في الحقيقة تمثل مبادىء عنصرية بيضاء ضد الزنوج وتنفذ أهدافها بطرق سرية.
فقد صرح غوفارد مدير "مكتب المحررين" في إحدى وسائل الإعلام الأمريكية الشهيرة انه تم تسجيل ١٠٠ ألف عملية إرهابية في كارولينا الشمالية وحدها خلال عام واحد. وكانت تتم بالدرجة الأولى تصفية أبناء الزنوج الأكثر تطوراً ووعياً واستقلالية، وأضاف: "كانوا يكرهون الزنوج، ويخشون وعيهم ومواهبهم".
واستهدفت ك ك ك في ارهابها ضباط وجنود القوات الفدرالية المرابطة في الجنوب، والزنوج منهم بشكل خاص لأنها رأت فيهم حملة أفكار وتطلعات ثورية تهدد الأوليغارشية الزراعية عدوة الثورة. ولم توفر الشماليين المؤيدين للافكار الراديكالية.
ولذلك كان نشطاء هذه المنظمة يهاجمون بلا رحمة كل من رأت فيه مواهب وقدرات غير عادية، من مختلف القطاعات وقد بلغ عدد ضحايا رجال كلان الملايين. وقد أعلنها صراحة ر. هـ. سوير، أحد محاضري كلان، بعد ذلك حين قال: "الزنجي مريض بجرثومة الجنون التي تتجلى في مطالبته بالمساواة الاجتماعية والعرقية .. ان عليه، وسوف يكون، ان يوضع تحت المراقبة .. " وفي عام ١٩١٨ وحده أعدم ٧٠ زنجيا حيث استغل الكلانيون موجة العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الأولى بنجاح. وفي العام الذي يليه اشتدت حدة المشكلة العنصرية حيث شهدت البلاد ٢٦ عصياناً جماعياً قام بها العنصريون (حوكم خلالها ٧٧ من السود امام محكمة لينتش).
بلغت هذه المنظمة الذروة في العشرينات من القرن العشرين حيث ضمت حوالي ١٥% من التعداد الرسمي للسكان في الولايات المتحدة. [١] ففي عام ١٩١٩ أيضاً نظم الكلانيون حملة قمع جماهيري ضد الزنوج والفلاحين الفقراء منهم في فيليبس (مقاطعة آركانساس) وخلال ١٩١٩ ـ ١٩٢٢ اعدم دون محاكمة ٢٣٩ زنجياً. كان الكلانيون في بيولاسكي يلبسون الاقنعة البيضاء ذات الثقوب للعينين والانف،
стр. 819
وقبعات عالية خيطت بحيث تطيل قامة الذين يرتدونها، ورداءاً يخفي اشكالهم. وتُوجت هذه التجهيزات بصفارة يحملها الكلانيون لتبادل الاشارات، وقد أعد لذلك قواعد خاصة ليصبح تخويف السكان السود الذين يؤمنون بالخرافات الشغل الشاغل لدى "مهرجي" مدينة بيولاسكي؛ نظراً لأن الزنوج الذين اعتقوا قد اعتقدوا في البداية أن هؤلاء هم أرواح الكونفدراليين الذين قتلوا.
وقد روى حاكم فلوريدا فلمنغ ان الكلانيين قتلوا أحد الزنوج ورموا جثته في مرجل خاص لتحضير السكر؛ وبعد ذلك جمع الجراح هيكله العظمي حيث علق على مفترق الشوارع لتخويف السكان. إلى أن أصبح العنف في الجنوب امراً مألوفاً جداً حتى أنه لم يعد يثير الاهتمام إلاّ في بعض مظاهره الأكثر فظاعة، ووحشية.
لقد كانت سادية اعداء الثورة نتيجة حتمية لبربرية ملاك العبيد. ورغم كل شيء تملك الذعر الجنوب أمام هذه القوة الغاشمة. وفي كثير من الحالات كان يكفي تهديد أولئك الذين لا ترضى عنهم "الإمبراطورية الخفية" كي يهاجروا من المنطقة التي يعيشون فيها. إلا أنه وبعد مضي وقت أخذت شرطة الزنوج تطلق النار على رجال كلان وتقتلهم مثل البشر العاديين، وتلاشي الخوف من أولئك الذين كانوا يمثلون "قوى خارقة".
لقد كانت المنظمة الثانية للكلان تعتنق أفكارا عنصرية و معادية للسامية و معادية للكاثوليكية إضافة للشعور القومي و معظم هذه الجماعات قامت باعمال تندرج ضمن العقاب اللينشي lynching و غيرها من العمال العنيفة وشعبية هذه الحركة انخفظت بشكل كبير خلال فترة الكساد الكبير Great Depression ثم انخفضت أعداد العضاء أكثر خلال الحرب العالمية الثانية نتيجة فضائح نتجت عن جرائم الأقادة البارزين و دعمهم للنازيين.
النشاط السياسي
أدى الإرهاب الشامل إلى اعطاء كلان قوة هائلة لا حدود لها في الجنوب، الأمر الذي ترك أثره داخل الحزب الديمقراطي، مما جعل علاقته مع كو ـ كلوكس ـ كلان شديدة الترابط وأكثر من وثيقة، ولم تقتصر هذه العلاقة على التطابق التام في
стр. 820
الأفكار؛ بل تعدته إلى وحدة تنظيمية وثيقة بينهما .. فكان الحزب الديمقراطي يبادر في الحال إلى حل الشرطة الزنجية فور استلامه السلطة في أي من الولايات التي يعاد بناؤها.
"من ناحية أخرى انتشر عدد الكلانيين في صفوف الجيش الأمريكي وكان هؤلاء الضباط يمثلون في اغلبيتهم الساحقة الاوساط الأكثر عدوانية ورجعية في الصفوة التي تحكم البلاد وقد طرحت "كلان" الجنرال ج. براون المعروف بعنصريته، مرشحاً لها لمنصب الرئاسة في عام ١٩٧٦. وعلى صعيد النشاط الإعلامي فإن كلان فرضت فاعليتها في هذا المجال فهي تُصدر صحفها ومجلاتها الخاصة، وتشارك في برامج الإذاعة والتلفزيون، والمناقشات والندوات في الكليات والجامعات، وتنظم معارضة خاصة بها، وتدعو الكلانيين إلى اجتماعات يرافقها احياناً مراسم احراق الصليب التي يدعى إليها الغرباء أيضاً. كذلك شاركت كلان بنشاط كبير في فترة الانتخابات الفدرالية. وقد قدمت إليها الاحتكارات النفطية دعماً مالياً كبيراً في عام ١٩٢٢، ففي إحدى الدورات رصد أحدهم مبلغ ١٠٠ ألف دولار لدعم مرشحي كلان لمنصب السناتور في الحملة الانتخابية في تكساس. وفي عام ١٩٢٤ خصصت ك ك ك ٥٠٠ ألف دولار من أجل إعادة انتخاب صنيعتها هاريس نائباً عن جورجيا.
"كلان" مازالت تتغلغل في أوصال المجتمع الأمريكي، وهي فاعلة ومتنفذة، وفي موقع القرار من الحكم، وقد باءت حتى الآن كل الجهود الرامية إلى تحجيمها، فلقد بيّن تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية ان العنصرية أكثر المفاهيم الايديولوجية الامبريالية ثباتاً واستمرارية وهي تدمغ كل أزمنة المجتمع الأمريكي (١).
الجذور الفكرية للجماعات المتطرفة
رغم أن معظم أدبيات الميليشيات المتطرفة تُعد من قبيل الهلوسة المرضية المحضة والأفكار الشاذة، فإن المتابع عن قرب يستطيع تلمس عدد من الجذور لهذه الاتجاهات المتطرفة، والتي يمكن حصرها بالآتي:
стр. 821
الجذور الدينية
يجب أن نلاحظ أن المعتقدات الدينية البروتستانتية المستمدة من العقيدة اليهودية هي المصدر الأساسي لكل الدعوات العنصرية والتفوق العرقي في الغرب، ويعود ذلك إلى أثر التوراة على الفكر البروتستانتي، الذي استقى فكرة شعب الله المختار اليهودية، وتقمصها منذ البدايات الأولى لانتشار البروتستانتية في أوروبا، ومن تم انتقالها مع البوريتانيون إلى أمريكيا. وقد ساعد على ترسيخ هذه النظرة العنصرية لدى البروتستانت تشابه تجاربهم أثناء غزوهم للعالم الجديد بما ورد بالتوراة عند خروج بنى إسرائيل من مصر ومحاولة غزوهم لفلسطين في العصور القديمة. ولهذا تقمس البروتستانت القيم اليهودية العنصرية بحذافيرها، وحاولوا إعادة إخراج المشهد التوراتي بحذافيره، ويكفى أن نتأمل مشاهد القتل والحقد الواردة في التوراة بما قام به الانجلوسكسون في أمريكا من إبادة جماعية للهنود الحمر. وحتى النازية تسمتد فكرها من التوراة، ولكنها استبدلت الألمان بدل اليهود باعتبارهم الشعب المختار أو العرق النقي، فعندما "سئل هتلر عن سبب معاداته لليهود، كانت إجابته قصيرة بقدر ما كانت قاسية: لا يمكن أن يكون هناك شعبان مختاران. ونحن وحدنا شعب الإله المختار" (١).
يضاف إلى ذلك ان بعض الكتاب والمحللين اتجه إلى الربط بين اليمين الثوري الجديد، وبين إحدى الحركات الدينية البروتستانتية التي تعتقد أن البريطانيين هم سلالة القبائل الإسرائيلية العشر المفقودة، وإنه بالإضافة إلى تعاطف اليمين الأمريكي المتطرف مع النازية وإيمانه العميق بتفوق العنصر الأبيض أو الآري، فإن أفراده ملتزمون بموقف ديني متميز يدخل في إطار عام يسمى الهوية المسيحية، لكن هؤلاء الأفراد غير منظمين في طائفة دينية محددة، وليس لديهم كتب يمكن الرجوع إليها للتعرف على تعاليمهم، ولكن الاتجاه العام لهذه الجماعة يتمثل في
стр. 822
كراهية الأجانب والعمل على التخلص من المؤسسات السياسية الأمريكية القائمة (١).
كما أن المتابع لأدبيات الحركة الأصولية المسيحية التي انبثقت عنها مثل هذه المليشيات، يلاحظ مدى تقديسها للمادة والعنف وتأليه القوة وفصل الروح عن الطبيعة والشخصية عن الأنا الإنسانية الحقه، حيث أفرزت هذه الاتجاهات المتهودة ثقافة شعبيه تعتبر (العنف فضيلة)، حتى بات الدين المسيحي يفسر لديها ويقدم وكأنه يعظم العنف ويقدسه، وتحولت المسيحية على أيدي هؤلاء إلى تاريخ للحروب تحت شعار (لاهوت العنف الشرعي)، وقد أتاح هذا اللاهوت لهؤلاء أن يعلنوا، أن الله يقف إلى جانبهم، وان الحروب التي خاضتها أمريكا داخلياً وخارجياً هي حرب عادلة وتلبية للإرادة الإلهية، هذا في الوقت الذي يتمحور فيه الإنجيل بكليته حول اللاعنف والمسامحة والمسالمة، فمسخوا حلم المسيحية ألحقه بمصالحة الإنسان مع نفسه ومع الآخرين ومع الطبيعة والنفس مع العقل. وهكذا تدهورت في ظل هذه الاتجاهات المتهوده القيم الأخلاقية الدينية إلى درجة القول انك تقتل عدوك بمحبة. أنها اتجاهات مشوهة ومغشوشة وخطره وقد آن أوان كشفها وإحباطها (٢). وفي دراسة قام بها كريستوفر اليسون و (مارك ميوزيك) (من علماء الاجتماع) نشرت سنة ١٩٩٣م، لخصا المبادئ الأساسية للعقيدة الأصولية في أربعة مبادئ:
١ـ الكتاب المقدس وحده هاد ومرشد كاف، وبه حلول جميع مشكلات الحياة، ويجب أن يؤخذ بحرفيته لا بتأويلاته.
٢ـ الإله شخص هرمي التنزل .. فعال في حياة الناس .. إليه المآب وهو القاضي يوم الحساب.
٣ـ الخطيئة البشرية كلية الوجود.
٤ـ الخلاص الشخصي هو المخرج الوحيد من اللعنة الأبدية، على يدي الرب العادل المنتقم.
стр. 823
ويلف هذه المبادئ اعتقاد جازم، بأن نهاية الكون قد أزفت، وان هذه النهاية سيسبقها تجمع اليهود في الأرض المقدسة، وأن معركة كبرى ستقع في موضع بهذه الأرض يسمى (هرمجيدون) بين قوى الخير وقوى الشر، سينتصر فيها المسيحيون الأتقياء وتتم إبادة الكفار الأشرار، ثم ينزل المسيح ليحكم العالم من القدس عصراً ذهبياً، قوامه العدل والسلام يستمر ألف عام. وهناك ما يشبه الإجماع بين كثرة من علماء النفس الاجتماعي والسياسي، أن الأصولية الدينية وامتداداتها في السياسة الأمريكية متمثلة في اليمين المتطرف ترجع في جذورها العميقة إلي أسلوب التنشئة القائم على العقوبات البدنية القاسية، والى العنف وسوء المعاملة التي يتلقاها الأطفال في سنوات العمر الأولى في حياتهم. في هذا المجال يلعب الآباء غير الأسوياء أخطر دور في تشكيل شخصية هؤلاء الأطفال، ولكن التوجيه الديني الأصولي يوفر خلفية ثقافية تستند إليها قيم التنشئة، ونماذج السلوك السائد في تنشئة الأطفال. فالأصوليين البروتستانت عموماً يعتقدون أن ضرب الأطفال ضرورة لازمة لإنقاذ أرواحهم من عذاب جهنم (١).
ومما يؤكد الجذور الدينية لهذه المليشيات، هو أن كثيراً من قادتها هم من رجال الدين المتعصبين، مثل القس (نورمان أولسون)، الذي يترأس أحد جيوش مليشيا ولاية ميتشيجان، كما أننا إذا استعرضتا أسماء هذه المنظمات لطالعنا: (مؤيدو الإنجيل)، (جيش المسيح في إسرائيل)، (كنيسة إسرائيل)، (جمعية عيسى المسيح)، (جمعية الخالق)، (عصبة الدفاع المسيحي)، (زمالة مسيحيي المستقبل) .. الخ. وهذه الأبعاد الدينية في منتهى الخطورة على من يحمل هذه الأفكار المريضة، لأنها تدفعه إلى عمل أي شيء، ظنًا منه أنه على صواب، وأنه ذاهب إلى الخلد. وأهم الميليشيات التي تعتمد على العنصر الديني ميليشيا فرجينيا، التي ينتمي أغلب أعضائها إلى منظمات مسيحية متطرفة، وبعض الوجوه المشهورة دينيًا أعضاء أساسيين في هذه الميليشيا.
стр. 824
الجذور الاجتماعية
ثمة بعداً اجتماعياً لا بد أن يُشار إليه في هذا السياق، وهو يتجلى في ملامح كثيرة أبرزها النظرة إلى (الآخر) بازدراء واحتقار، والرغبة في إبادته (١)؛ فالفكرة الأساسية التي تدعمها هذه الميليشيات بهدف اجتذاب أعضاء لها، هي أن الحكومة ستشن حرباً على الأمريكيين البيض، خصوصاً (الأنجلوساكسون)، الذين يسمون أنفسهم (المسيحيين الحقيقيين)، ويدّعون أن هذه الحرب ستكون لصالح الزنوج والأقليات والمهاجرين والروس والصينيين ... بل ويتمادون في تخيل أن "الحكومة تبيع البلاد لسلطة عالمية تنفذ مؤامرة، هدفها تدمير الرجل الأبيض". ولهذا أخذت هذه المليشيات على عاتقها مهمة الدفاع عن أمريكيا، لأنها تزعم أنها أكثر حرصاً على أمريكا من الحكومة نفسها، التي يرون أنها عميلة خائنة حتى النخاع .. تستحق ما يحدث لها، لأنها تصل في خيانتها إلى حد (إعلان الحرب على الأمريكيين).
كما أن وجهاً آخر من وجوه الدور الاجتماعي لنشأة هذه التيارات، أنها تلجأ ـ أو هكذا تستشعر حقيقةـ إلى تخويف الأمريكان على مستقبلهم وأولادهم ... "إنكم أيها الأمريكيون لا تسيطرون على حياتكم وأطفالكم وبيوتكم، فالحكومة تسحقكم، وتُحكِم سيطرتها على كل شيء ... استعدوا للدفاع عن حريتكم، فيوم قريب سيأتي سيكون الرصاص في نفاسة الذهب والفضة" (٢).
وفي سبيل تكريس هذا التصور يعمد كثير من أعضاء هذه الميليشيات إلى الانعزال عن المجتمع، وتكوين مجتمعات صغيرة منعزلة في الضواحي والقرى، وداخل أماكن مغلقة يتناوبون الحراسة عليها، وتضم زوجاتهم وأولادهم، الذين تصدر لهم أوامر واضحة بمقاطعة برامج التليفزيون، لأنه يمثل رمزاً للمجتمع الأمريكي البغيض ... فجيمس جريتز يعيش وسط ولاية إيداهو مع مجموعة من
стр. 825
المسلحين، ويحكمون هذه المدينة ويحرسونها، وهو يقول: "إننا مستعدون تماماً للشرطة الفيدرالية إذا احتكَّت بنا".
وفي هذا الصدد نشير إلى الجماعة المتطرفة التابعة (لتكساس) التي صدرت أوامر وزيرة العدل الأمريكية (رينو) عام ١٩٩٣م بنزع أسلحتها، ورفضت الجماعة الإذعان، وقرروا الانتحار الجماعي بدلاً من الإذعان للفيدراليين، ولم يُضِع جنود الميليشيات هذه الفرصة هباءً، لكنهم نشروا شريط الانتحار بعنوان (إرهاب كلينتون ورينو)، بل وشنوا عليها حملة إعلامية واسعة النطاق، ادعوا فيها أن (رينو) شاذة جنسية، ولها علاقات مشينة متعددة مما أثر على مستقبلها السياسي.
الجذور الاقتصادية
يرى البعض أن تطبيق (ريجان) لسياسات (مالتون فريدمان) الاقتصادية كان أحد أسباب انتشار هذه الأفكار نظرًا لأن أفكار (مالتون) كانت تركز على إطلاق العنان لقوى السوق وتخفيض الضرائب على الأغنياء، وهو ما أدى لتركز الثورة في أيدي القلة، ففي نهاية الثمانينيات أصبح دخل ٥% من الأمريكان يفوق دخل ٤٠% من الشعب، وأصبحت ثروة ١% تفوق ثروة ٩٠% من الأمريكان، وهو ما أدى لثورة هذه القطاعات، وتولد أحقادها على الحكومة الفيدرالية، فهذه الميليشيات ترى أن على الحكومة أن تكف عن فرض الضرائب؛ لأنها (سرقة للمواطن)، وأن الفيدراليين يحاولون حرمانه من الأمن بوضع قيود على السلاح، تمهيداً لإذلاله ونهبه وتجريده من قوته.
ولا يسفر هذا النموذج من الرأسمالية ذات القيم المادية عن شيء إلاّ الجريمة، والجريمة المنظمة، وما شاكلهما. وقد أوردت شركة الإذاعة الوطنية NBC عام ١٩٩٧م في تقرير لها عن مدينة لوس أنجيلوس، ما يفيد أن أغلبية ال ١٥٠ ألفا من أعضاء العصابات المسلحة من المراهقين. ويلقي حوالي ٩٠٠٠ شخصاً سنويا حتفهم علي أيدي تلك العصابات، منهم ٢٥ في المئة من المارّة الأبرياء. وفي ثقافة المادة والنمو الاقتصادي والرغبات المباحة، يغذي هؤلاء المراهقين بالثقافة، التي تشجعهم على العنف وتحرضهم علي الجريمة لأنها تجارة مربحة، فالمال في النظام الانكلوـ ساكسوني الرأسمالي هو المقياس النهائي للنجاح. وقد باعت شركة إنتر ـ سكوب
стр. 826
ريكوردز)، التي تتخذ من لوس أنجيلوس مقراً لها والمملوكة جزئياً لشركة سيغرام أكثر من مليون نسخة من ألبوم لفرقة الروك أند رول الشيطانية، الذي يحمل عنوان "نجم المسيح المزيف". وتستمد (مارلين مانسون) صاحبة الألبوم اسمها من المغني الرئيس فيها الذي يتكون اسمه من مقطعين هما (مارلين) و (مانسون)، حيث المقطع الأول يشير إلي (مارلين مونرو) التي أنهت حياتها بالانتحار، بينما يشير الثاني إلى (تشارلز مانسون) السفاح الذي عرف بارتكاب جرائم جماعية. وتقوم كلمات الأغاني في الألبوم علي الجريمة والانتحار واليأس، كما أن كثيراً منها لا يمكن طباعته (١).
أما الجانب السياسي والعسكري، فيأتي هو الآخر في قائمة الأسباب التي أدت لتكون هذه الميليشيات، إذا أخذنا في الاعتبار أن نسبة لا بأس بها من قادتها، ممن لهم مواقف معينة من سياسات أمريكا، خاصة فيما يخص تدخل جيشها في العالم الخارجي، سواء في فيتنام أم العراق وكوسوفا، ومن أشهر هؤلاء كولونيل جيمس جريتز، وهو من فرقة (القبعات الخضراء)، التي اشتركت في فيتنام، وأعمق من ذلك أنهم يجدون لأنفسهم عمقاً تاريخياً؛ فهم يرون أنهم امتداد للمنظمات المسلحة، التي حاربت الاستعمار البريطاني منذ ٢٠٠ عام تقريبًا، وقاتلت الهنود الحمر حتى توسعت أمريكا إلى المحيط الهادي. والأخطر من هذه وتلك أن يجدوا سياسيين يلتقون معهم في أفكارهم المتطرفة؛ (فنيوت جينجرتش)، الذي يوصف بـ (الجمهوري المتطرف) يقول في أحد برامجه الانتخابية - وذلك في تصريح للتايم: إن واشنطن مكان بشع ويجب أن يُنسف بالديناميت، وإننا نملك الثقاب ومستعدون لإشعال الفتيل ونسف الكونجرس!!!.
ولا يتصور أن تنبت هذه الأفكار المهووسة من فراغ، لكنها تحتاج إلى تربة خصبة ـربما يكون (جينجرتش) أحد النبت الزاهر فيهاـ، لكن الأكيد أنه ليس إلا نبتاً خبيثاً. ولكن من هذه التربة نستطيع قياس مدى اشتعال قلبها بالأفكار المجنونة إذا علمنا أن الـ (سي إن إن) والتايم قد نظمتا استطلاع رأي بعد ٩ أيام من انفجار أوكلاهوما ١٩٩٥م فكانت النتائج تعبر عن (البارانويا)، التي تنتشر بين نسبة كبيرة من الأمريكيين المشاركين في الاستطلاع، ففي حين أيَّد ٣٦% فقط تفكيك
стр. 827
الميليشيات، فإن ٢١% وصفها بأنها وطنية تماماً، و٣٠% بأنها حسنة النية، ودافع ٢٧% عن حق الميليشيات في اقتناء السلاح وتخزينه. وقد تكتمل الصورة إذا علمنا أن كلينتون في حديث له مع التليفزيون الأمريكي في خضم الغضب، الذي ساد الشارع الأمريكي عقيب تفجيرات أوكلاهوما لم يجرؤ على إدانة هذه الميليشيات، وإنما أثبت حقهم في ارتداء أزياء عسكرية وتكوين ميليشيات وحمل السلاح، لكنه فقط طالب باستعطاف هذه الميليشيات ألا تتصدى للسلطات حين تطبق القانون!!. ورغم أن كلينتون نفسه كان قد أحس خطر هذه الأفكار حين كان حاكماً لولاية (أركنسو)، وحاول حظر تكوينها، إلا أنه وُوجه بمقاومة شديدة من المجلس التشريعي للولاية والأهالي فأعلن تراجعه.
إذن الأمر ليس ميليشيات بعينها ولا فئات أو شراذم، لكنه يقترب من أن يكون تياراً أصيلاً داخل المجتمع الأمريكي يستشعر خطراً غامضاً، ويبحث عن عدو، ويحاول أن ينطح الصخور، فيُدمي قرنه الوعل!. وقد عرض (روجيه جارودى) في كتابه (أمريكيا طليعة الانحطاط) لموعظة ساخرة اقترحها كتاب (مليفان) حول (تكلفة التنمية) سماها (موعظة طاحونة الشيطان) حاول خلالها توضيح العلاقة بين تطور الاقتصاد، وتطور الإنسان في ظل النظام الأمريكي، والذي افرز ما يمكن أن نسميه ثقافة العنف. فالعنف في المجتمع الأمريكي يفوق مثيله في المجتمعات الأخرى, فوفقا للإحصائيات الأخيرة فقد كان هناك أكثر من مئتي مليون قطعة سلاح موزعة بين أيدي المدنيين في الولايات المتحدة أي ما يوازي قطعة سلاح لكل مواطن أمريكي وقد فاق عدد متاجر بيع الأسلحة المئة ألف, كل هذا وغيره من الأدلة التي ساقها الكاتب تدل من وجهة نظره على مدى النزعة العنفية لدى الأميركيين (١).
وفي سياق تناوله بدأ الكاتب استعراض الموضوع منذ نشأة الولايات المتحدة الأمريكية وأول أبناء العم سام "كريستوفر كولومبس" والذي بمجرد أن وطأت قدماه أرض الهنود الحمر - والتي عرفت بأمريكا فيما بعد - أخذ يكتب في مذكراته عن مدى تخلف هؤلاء القوم وعدم معرفتهم بأي نوع للأسلحة سوى العصي والحراب, ثم
стр. 828
كتب كولومبس"أستطيع أن استولي على كل هذه الأراضي بخمسين فقط من رجالي وأن أحكمها كيفما أشاء".
ولم يفت كولومبس أيضا أن يصف مدى الكرم الذي لاقاه من جانب هؤلاء القوم الذين لم يضنوا عليه وعلى من معه بأي شيء من المتاع الذي كانوا يملكونه. ولكن كيف يرد كولومبس لهم المعروف? أخذ يقتل ويعذب فيهم هو ومن معه بغية إبادتهم والاستيلاء على أرضهم (١).
موعظة طاحونة الشيطان
في أحد البلاد "المتقدمة جداً" سارت الحكومة في اتجاه اليمين، وتمشياً مع الحرية الشخصية، سمح للأفراد بحق حمل السلاح، وشهدت صناعة الأسلحة الخاصة رخاء غير مسبوق، وتنافس المنتجون في السوق الحرة بخيال وإعلانات هائلة تنشر وتوزع عدد غير معروف ولا نهاية له من المسدسات والمتروليوزات والبندقيات الآلي منها واليدوي، من الطراز الفاخر، حتى الطراز الشعبي، الذي يمكن أن يكون في متناول الجميع. ومن الأسلحة كاتمة الصوت، حتى الأسلحة المسماة بـ "الرادعة"، والتي يفضي الانفجار الذي تسببه إلى سحق المعتدي المحتمل دون تعيين هدف خاص.
إن حرية الاختيار أمام المستهلك مؤمنة. وأصبحت السوق فعلياً غير محدودة، لأن العصبية التي تسببها ضغوط العمل، والزحام في المدينة ومعارضة " القيم المقدسة " عبر الإثارة الإباحية أو المادية، جعلت الرجال حتى المسالمين منهم ـ بل النساء ـ حتى الأقل جمالاً وغير المرغوب فيهن - جعلتهم كلهم يحملون على الأقل سلاحاً أو سلاحين ناريين، والعديد من الذخائر وفضلاً عن ذلك، وصل ارتفاع "مستوى المعيشة" إلى أعلى معدلاته بفضل التوسع الملازم لهذه الإثارة الاقتصادية. وسمحت لكل فرد بشراء العديد من الأسلحة. لقد مضى عصر الندرة والبؤس الآدمي.
стр. 829
لقد ولدت صناعات جديدة، وهي تؤكد هذه الديناميكية الحيوية الرائدة، ومنها: صناعة السترات الواقية من الرصاص، الخوذ، أحذية ذات شبك معدني، أقنعة واقية من الغاز، هياكل سيارات مصفحة، زجاج مضاد للرصاص، وشراعات من الصلب للمنازل. "الطفرة" في صناعة الحديد، هي مؤشر صحة الاقتصاد القومي. لقد انفجرت روح المبادرة عند المعلنين عن الصناعات، وظهرت قيم الشركات الخاصة، دليلاً للفكر الثاقب للحكام. تلك الغبطة وهذا السرور اللذان أحدثهما هذا الرخاء أنهيا كل الأحزان. كما استقبلت كل فروع النشاط القومي نبضات منعشة: إنه العصر الذهبي لشركات التأمين وللعيادات الخاصة، والمعامل الدوائية التي تلبي ـ بالكاد ـ طلبات المهدئات التي لا تنتهي. إنها سوق مضمونة، فالعروض لا تنتهي للشباب حتى للخاملين فيهم، إذ لهم فرصة عظيمة بل مضمونة لإيجاد أعمال مربحة وبنزاهة، ولا تتطلب سوى معرفة سطحية لبعض الأشياء، ككيفية نقل الموتى أو جمع المصابين.
يتم نقاش الميزانية، لهذا الاقتصاد المتنامي، حسب منطق "رد الفعل" الذي أخرج العلوم المستفيدة من "نتائج" التسليح الخاص غير المباشرة: فالاستهلاك العالي للحديد وما تنتجه المناجم، وجه الاقتصاد إلى البحث والاستكشاف في المواد المركبة الأشد صلابة والأكثر مقاومة، من أجل صناعة الدروع، مما أنتج تقدماً هائلاً في صناعة المقذوفات. وكما قال أحد أبرز خطبائنا البرلمانيين في هذه المناسبة: إن بوابة التقدم انفتحت إلى ما لا نهاية. كما استشرف الطب والطب النفسي والجراحة، آفاقاً عظيمة واستعراضية عبر شفائهم لأمراض مجهولة وجديدة: لقد عبروا بر الأمان بالدروع المحكمة، التي غيرت مفهوم التغيرات الفسيولوجية والسيكولوجية، وذلك التغيير الخاص بالسلاح، شجع على استكشافات في مناخ الاضطراب والعدوانية، مما سيؤثر في مستقبل علم النفس.
يا له من تغيير في الثقافة، وبخاصة في العلوم الإنسانية، لقد انفتح علم الاجتماع الإيجابي أمام ذلك، لاستخدام وسائل وقواعد جديدة بلا نهاية، لأنها تلعب دوراً محركاً ورائداً في وصل العلوم المتعددة، ووسائل البحث المتباينة "المسدسية"، وعلماء الإحصاء أتقنوا تكنيك الحساب العاقل الرزين، كما استطاعوا أن يحسبوا تاريخ اليوم، الذي سيصل فيه حجم ووزن الأسلحة إلى التساوي مع حجم الأرض. لقد حسب أحد العلماء البارزين السابقين أنه في عام حدده بعد بضع سنين. لن تترك
стр. 830
زيادة السكان لأي فرد أكثر من متر مربع واحد في الكون. أما اليوم فقد اختلف الأمر تماماً، وانقلبت الآية، وظهر "قانون اللوغاريتمات" للإبادة، والذي سمح بالتنبؤ باليوم الذي سيكون في مجال النظر للرجل الأخير في العالم، قلب جاره، وسيتمكن من إطلاق الرصاص القاتل عليه. من هذا المنظور العلمي أصبحت "المستقبلية" الإيجابية للمسدساتية ملكة العلوم، وتمتاز بالشدة والصرامة والدقة، كالفيزياء أو علم الصوتيات اللغوية.
"مؤسسة راند" ومنافسوها، ممن يمتازون بخبرة كبيرة في "نظريية الألعاب" الإستراتيجية، يلعبون دورهم الرائد كمستشارين وأنبياء لدى كبار مديري صناعة الموت. لقد توصل أحد باحثينا ـ وربما يكون أحد أعظم عباقرة قرننا هذا، لما يمتاز به من بعد نظر ـ إلى اقتراح جديد يغير أسلوب العمارة والإنماء، والفن بصفة عامة، لكي يتناغم مع عصر "المسدساتية": شوارع منحنية لتخفيض مرمى التراشق بالرصاص. ومن هنا قامت "الثورة" في عالم الأشكال، والتي نهضت على تلك الضرورة الأساسية. هكذا، بفضل الالتصاق الداخلي للنظام، الذي ميز كل الحضارات الكبرى في ذروتها، بزغت ثقافة مبدعة جديدة، كلاسيكية جديدة ستزدهر وذكرت الحكومة بزهو شرعي وبافتخار بالآفاق، كل مرة يتم فيها تقييم للتوسع، الذي شجعت عليه: معدل نمو أعلى من أي دولة أو بلد آخر، مصحوب بكل نتائجه: عملة قوية، والعمل للجميع، وميزان المدفوعات رائع بكل المقاييس ورابح، والغزو للأسواق الأخرى لا ينتهي من أجل تصدير السلاح، لأن الإشباع الداخلي لمنتجاتنا "المسدساتية" النارية جعلت أسعارنا منافسة للغاية.
قد تضاعف الناتج القومي الصافي للفرد، في عشر سنوات. وتبرز كل المؤشرات صحة وقوة الاقتصاد وتوحده. لقد تم استكمال كل أحلام الاقتصاد والتنمية، ويمكننا بكل عدالة أن نطالب بحقنا في الهيمنة العالمية ليس فقط بفضل ثرائنا وقوتنا، ولكن بفضل حكمتنا (١).
стр. 831
تيموتى مكفاي نموذجاً ! (١)
"لا أخاف الموت فإن كانت هناك حياة بعد الموت فسأجد ما أقوله وأتأقلم وأتغلب على الأمر .. تماما كما علمتني العسكرية، وإن ذهبت إلى الجحيم فسيكون برفقتي الكثيرون" .. (تيموثي جيمس مكفاي).
في ١٩ إبريل ١٩٩٥م، وصباح يوم مشمس في مدينة أوكلاهوما بالولايات المتحدة الأمريكية، دخلت شاحنة صفراء إلى جراج المبنى الفيدرالي (ألفريد بي موراه). وفي تمام الساعة التاسعة صباحا غادر السائق الشاحنة، وفي التاسعة ودقيقتين انفجرت الشاحنة مفجّرة المبنى الفيدرالي معها. بعد الحادث توجهت الاتهامات المعلّنة للإرهابيين من المسلمين والعرب، واتجهت جهات البحث والتحقيق كلها في هذا الاتجاه، حيث كانت الهتافات من قبل السياسيين والمحللين والإعلام تعلو مطالبة بإخراج (السرطان) الإسلامي من أمريكا.
وبينما كل ذلك يحدث كان هناك خط آخر من الحقيقة يتكون دون أن يدركه أحد، فبعد مضي حوالي ساعة ونصف من الانفجار، كان تيموثي مكفاي البالغ من العمر ٢٧ عاماً يقود سيارته على بعد ٧٥ ميلاً من الحادث، حين أوقفه شرطي لاحظ أن السيارة التي يستقلها ليس عليها لوحة أرقام معدنية، وعند سؤاله عن ذلك قال مكفاي: إن السيارة جديدة ولم ترخص، وسلّم رخصته الشخصية. عندها لاحظ الشرطي انتفاخاً بسترة مكفاي ففتشه ليجد معه مسدساً، فاقتاده إلى قسم الشرطة، وبعد التحري وجد أن ملف مكفاي نظيف تماماً، إلا أنهم أعلموه أن رخصة السلاح في نيويورك لا يعتد بها في أوكلاهوما. كان من المفترض أن ينتهي الأمر عند هذا الحد، إلا أن القاضي الذي كان من شأنه النظر في القضية كان مشغولاً في قضية طلاق شائكة لن ينتهي منها قبل ٢١ مايو، وهكذا دخل مكفاي السجن لأول مرة في حياته.
كانت الأحداث تتوالى خارج سجن مكفاي؛ حيث تمكنت الشرطة من التعرف علي شركة التأجير صاحبة السيارة، وتوجه المسئولون من مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى شركة تأجير السيارات المذكورة، وبعد أخذ المواصفات وتمريرها على الفنادق الصغيرة تمكنوا من الوصول لمرتكب الحادث، وحين وصلت صورته وبياناته
стр. 832
إلى قسم الشرطة، تعرف عليه المسئولون، مفيدين أنه مسجون عندهم بالفعل لكن في تهم مختلفة!!
من هو مكفاي
ولد مكفاي في ٢٣ إبريل ١٩٦٨م، وكان الابن الأوسط بين ابنتين لأسرة مسيحية في بلدة بندلتون الريفية، في ولاية نيويورك. عمل والده (بيل) في معمل لأجهزة تبريد المحركات تابع لشركة (جنرال موتورز)، إلا أن (إيدي) الجد كان صاحب التأثير الأقوى على الطفل (تيموثي)، فهو من علّمه الصيد وعرّفه على البنادق، واشترى له أول بندقية عيار ٠.٢٢ عندما كان تيموثي في الثالثة عشرة من عمره. أما والدته (ميكي) فبعد تمزق بين العائلة ومتعتها الشخصية تركت البيت وهو في أوائل سن المراهقة، آخذة معها ابنتيها، بينما فضّل تيموثي البقاء مع أبيه وجده. وفي عام ١٩٨٦م، تم الطلاق رسمياً بين أمه وأبيه، وكان هذا هو نفس عام تخرجه في المدرسة الثانوية بمرتبة الشرف، حيث أثبت مكفاي جدارة كبيرة في الدراسة، كما اكتسب تقدير المحيطين في الحي والمدرسة، حتى أن مُدرسة اللغة الأسبانية بمدرسته تقول: (لن تجد أحداً قط يذكره بسوء).
بعد تخرجه في المدرسة عمل مكفاي بـ (برجر كينج)، وزاد اهتمامه بالبنادق والرشاشات والقوانين الخاصة بالتجارة فيها، إلا أنه تحت ضغط والده التحق بالجامعة، وما لبث أن تركها وعاد لعمله بعد أن أجبروه على دراسة الفنون الليبرالية (سينماـ مسرح ... )، وهو يدرس علوم الكمبيوتر. استمر مكفاي في التدريب على أسلحته الخاصة، واشترى قطعة أرض ليسكن بها ليتمكن من التدريب بحرية، وكان قد بدأ في قراءة المجلات، التي تصدرها الميليشيات اليمينية حين انضم إلى الجيش الأمريكي لتحسين قدراته على استخدام السلاح، ويقول زملاؤه في الجيش: إنه كان جنديا مثالياً، فبالإضافة إلى التهذيب العالي والفعالية تميز مكفاي بالاهتمام بتنظيف مسدساته وبنادقه كما تميز بالطاعة والشجاعة.
وجاءت حرب الخليج عام ١٩٩١م وشارك فيها مكفاي، وكانت نقطة فاصلة بالنسبة له .. حيث تبادر إلى ذهنه العديد من التساؤلات، ففكر مكفاي في القوة التي
стр. 833
تتمتع بها الولايات المتحدة مقارنة بعامة الناس في بغداد وقتلها لهم بلا مبالاة، وجاءه الرد بأن حكومة بغداد ـ رغم أن الولايات المتحدة هي التي دعمتها في حربها ضد إيران ـ تمثل الآن (تهديداً للأمن)، وأن الضحايا من البشر هم (خسائر لا بد منها). وتحول حب مكفاي للرصاص إلى رغبة عارمة في القتال حتى جاءت عاصفة الصحراء عام ١٩٩٢م، ونال مكفاي ميدالية المشاة والنجمة البرونزية لقتله قائد دبابة عراقية على بعد أكثر من ١.٦ كيلومتر، ولبراعته في القتال. وبعد رجوعه إلى أمريكا حاول مكفاي أن يلتحق بما يعرف في الجيش الأمريكي بـ (القبعات الخضر)، وهي قوات خاصة داخل الجيش، إلا أنه لم يتمكن من اجتياز الاختبار الخاص بها بعدما أرهقته حرب الخليج. على أثر ذلك ترك مكفاي الجيش وداخله سخط ما عليه، وعمل بتجارة السلاح، وزاد اهتمامه بالميليشيات وكتبها، وكان كتابه المفضل رواية (يوميات تورنر) للكاتب النازي (ويليام بيرسن)، وهي تتحدث عن رجل أشعل ثورة في الولايات المتحدة وفجّر مبنى الـ (إف بي آي) في واشنطن، أما فيلمه المفضل فكان (الفجر الأحمر) الذي لعب بطولته (باتريك سوايزي) في عام ١٩٨٤م، ويدور حول مجموعة شباب تحولوا إلى محاربين عندما غزا جيش أجنبي أمريكا.
وفي عام ١٩٩٣م حاصرت الشرطة الفيدرالية مركزاً لأتباع المذهب الداودي المسيحي الأصولي المتعاطف مع الميليشيات في بلدة (واكو) في تكساس، واشتعلت النار بعدما حاولت الشرطة تفريق المجتمعين من خلال إلقاء عدد كبير من قنابل الغاز المسيل للدموع، وهو ما أدى إلى موت ٨٢ شخصاً، بينهم ٢١ ولداً، وكان مكفاي بين الناس الذين شاهدوا العملية من خارج الطوق الذي نصبته الشرطة، وشعر فيها بأنه يجب إشعار الحكومة بأن هناك حدوداً لاستغلال السلطة، وفي الذكرى الثانية للحادث في تكساس نفذ مكفاي عملية التفجير في أوكلاهوما، حيث أعرب (بروس هوفمان) ـ الخبير في قضايا الإرهاب ـ في الشهر ذاته أن انفجار أوكلاهوما كان من المفترض له أن يكون شرارة للثورة المرتقبة، لكن شيئاً من هذا القبيل لم يحدث، لذلك يعمد المعادون للحكومة المركزية اليوم إلى الاكتفاء بعدم دفع الضرائب أو تسجيل المركبات ... بدل اللجوء إلى حمل السلاح.
стр. 834
التفجيرات
تفجرت شاحنة مكفاي داخل المبنى الفيدرالي في أوكلاهوما، وكانت تحتوي على ٢.٢ طن من المتفجرات المصنوعة يدوياً، حيث استدعى خبراء الإرهاب ليحللوا أسباب ذلك الحادث المروع، وانطلقت الأسئلة في طول الولايات المتحدة وعرضها: من فعلها؟ وأخذت أصابع الاتهام تتجه بالإشارة إلى العرب والمسلمين في غيبة العقل والضمير، ودون دليل، وعاش الأمريكيون من أصول عربية ظروفاً عصيبة، ولكن سرعان ما أخرست الحقائق الاتهامات الباطلة والانفعالات الهوجاء التي حركها الحقد والتعصب الأعمى عندما ألقى القبض على جنديين سابقين شاركا في حرب الخليج. لقد أصيب الأمريكيون بصدمة شديدة عندما عرفوا أن الذي فعلها كان من الأمريكيين أنفسهم، وانطلقت أسئلتهم في ذهول: هل يعقل أن يستهدف الأمريكيون مواطنيهم الأمريكيين؟ ما الذي يدفع شخصاً ما لقتل العزل من الرجال والنساء والأطفال؟ لماذا يرتكبان هذه الجريمة النكراء بحق الإنسانية؟ وكانت الإجابات على هذه الأسئلة تخرج مضطربة فلقد كان أسهل على الأمريكيين استيعاب هذه الحادثة، والتعامل مع نتائجها لو أن الآخرين هم الذين فعلوها (١).
أما ماذا فجرت الشاحنة فالكثير .. ونذكر منه:
١. المبنى الفيدرالي، وهو ما أسفر عن مقتل ١٦٨ شخصاً، بينهم ١٩ طفلاً كانوا في روضة أطفال داخل المبنى، إضافة إلى ما يزيد عن ٥٠٠ جريح، هذا إلى جانب تفجير أحلام المئات من الأقارب والأصدقاء وآمالهم وتوليد حزن داخل قلوب الملايين.
٢. براءة أمريكا، كما أشار الكاتب الأمريكي (تيد آوتلي)، موضحاً أن الجميع كان يبحث عن مجرم من خارج الحي ليكتشف أن المسئول عن الحادث ابن الجيران الذي يسكن في الجوار، وأنه بينما كان ينظر الجميع بريبه لذوي البشرة الملونة والشعر الداكن .. ظهر مكفاي ليجدوا أنه ليس سوى شخص يحمل ملامحهم، وهكذا فقدت أمريكا براءتها مع تفجيرات الشاحنة الصفراء، واكتشف الأمريكيون أن المتهم ـ الذي كانوا يبحثون عنه في الخارج، مرجّحين أن تكون ملامحه عربية ـ من بني
стр. 835
جلدتهم، وموجود، بينهم ويتحدث لغتهم، وله ملامحهم نفسها، ويلف نفسه بالعلم الأمريكي ويقدّس الدستور ذاته.
٣. قضية الميليشيات الأمريكية، حيث أظهر الحادث خطر الميليشيات المعادية للحكومة المركزية، والذي بلغ عددها قبل الحادث ٨٥٨ ميليشيا علنية، أما جذورها فتوجد في الكنائس المسيحية الأصولية واليمينية المتطرفة التي بدأت بالظهور في الولايات المتحدة في أربعينيات القرن العشرين. إلا أن الحكومة الأمريكية لما لم يلحق حادث أوكلاهوما حوادث أخرى مماثلة، أعلنت في إبريل ٢٠٠١م أن الميليشيات ـ بإعدام مكفاي ـ لفظت أنفاسها الأخيرة.
٤. قضية العرب والمسلمين داخل أمريكا .. أرض الحريات والمساواة، ونذكر هنا ما كتبته (راي حنانيا) في إبريل ٢٠٠١م وهي أمريكية عربية ـ من أن الجميع بإعدام مكفاي نالوا حظهم من العدالة كل بطريقته الخاصة: الأمة التي صُدمت بأسوأ حادث إرهابي في تاريخها، شعب أوكلاهما، أقارب وأصدقاء الضحايا، الحكومة الأمريكية التي كانت هدف مكفاي، وحتى مكفاي الذي تمكن من توضيح دوافعه لارتكاب الحادث على الصفحات الأولى من كل وسائل الإعلام الأمريكي .. أما الفئة الوحيدة التي تُركت بعيدا عن عملية تضميد الجروح هذه فهم الأمريكان العرب، الذين كانوا الأهداف الأولى للغضب الأمريكي بعد الحادث. وأضافت أن المصادفة وحدها هي التي قادتهم إلى مكفاي، بل إنه وحتى بعد القبض عليه استمروا في البحث عن تورطه مع ما سموه الجهات العربية المتطرفة .. وختمت حنانيا كلامها بأنه يتعين على أحد الاعتذار للعرب الأمريكان كذلك!
ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وهنا يتساءل (بول فندلي) في كتابه "لا سكوت بعد اليوم" عن مغزى الحادث بالنسبة للمسلمين فيقول: لو لم يعتقل ماكفاى لاستمر "امرسون" وغيره، ممن ينتحلون لقب خبراء الإرهاب، بتوزيع مقولاتهم المعادية للمسلمين، على محرري نشرات الأخبار لاستمرت الأمة تستجيب للشائعات الكاذبة، ولبقيت "بنية الإرهابيين التحتية العاملة في البلاد والتي سبق لامرسون منذ البداية إلصاق نشاطها بالمسلمين، تحتل الصدارة بين عناوين الأخبار، ولكان الأمريكيون الخائفين ابقوا المسلمين في دائرة الشك، باعتبارهم الأنذال الذين ارتكبوا مجزرة اوكلاهوما سيتى المروعة. وكان يمكن للآلاف المؤلفة من المواطنين الأبرياء أن
стр. 836
يجدوا أنفسهم في موقف المرتعد اليائس، الذي يحاول دفاعاً، فلا يستطيع. وأمام هذا الواقع، ونزولاً عند إلحاح الجماهير المرتاعة، كان يمكن للكونغرس، أن يسن قانوناً أوسع واخطر من قانون مكافحة الإرهاب (١).
اللحظات الأخيرة
كان من المقرر أن يُعدم مكفاي في مايو ٢٠٠١م، إلا أن مكتب التحقيقات الفيدرالية اعترف أن هناك وثائق تخص القضية لم يطلع عليها محامو مكفاي وقت المحكمة عام ١٩٩٧م، وهكذا، تقرر تأجيل حكم الإعدام شهراً آخر ليطّلع المحامون على ٤٠٠٠ وثيقة خاصة بالقضية، وإن أكد وزير الدفاع الأمريكي (أشكورفت) أن الوثائق المكتشفة ليس بها ما يفيد مكفاي، الذي اعترف بمسئوليته عن الحادث. وبالفعل لم يتغير الحكم بعد انقضاء الشهر، وتم إعداد العدة لإعدام مكفاي. وتواجد حوالي ٣٠٠ شخص، منهم ٢٣٢ من الناجين وأسر الضحايا، لمشاهدة مكفاي عبر شاشات الفيديو، وهو مقيد في كرسي الإعدام، وتمّ حقنه إلى أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.
وبعد الحادثة بأكثر من ثلاث سنوات، ذكرت إحدى الصحف اليومية أن القاضي (ريتشارد ماتش) الذي نظر في قضية التفجير قد أصدر يوم الخميس ٢٨ مايو ١٩٩٨م حكماً بالسجن مدى الحياة على تيري نيولز المتهم الثاني في حادثة التفجير، ووصف (نيكولز) بأنه عدو للدستور، وقال القاضي (ماتش): إن المؤامرة كانت أكبر من عمل عنف مدبر ضد العاملين في مبنى (الفريد موراة الحكومي الفيدرالي)، إنها لم تكن جريمة موجهة ضدهم بقدر ما كانت جريمة ضد دستور الولايات المتحدة، الدستور هو الضحية.
لقد ذاع بين الناس إثر انفجار أوكلاهما أن (ماكفي) و (نيكولز) ناشطان في الحركة القومية، وهي حركة شبه سرية تضم أشخاصاً ينتمون إلى قطاعات عريضة من المجتمع. ويضم الجانب المعتدل من الحركة مسيحيين محافظين، يشعرون بالاستياء من الطريقة التي تسير بها السياسة الأمريكية، ويركز هؤلاء المعتدلون
стр. 837
جهودهم على تغيير الحكومة بالأساليب السياسية، أما الجماعات الأمريكية الأكثر تطرفاً والتي تضم مسيحيين وغير مسيحيين، فهم ممن يرفضون جنسيتهم الأمريكية ويقودون سياراتهم دون رخصة قيادة، لأنهم يستنكفون عن استخراج هذه الرخص من دوائر الحكومة ويرفضون دفع الضرائب ليؤكدوا أنهم يعيشون خارج النظام القائم (١).
وعن اللحظات الأخيرة نذكر أقوال من رأى ومن سمع:
الرئيس الأمريكي جورج بوش: "ضحايا التفجير لم يأخذوا الثأر فقط بل العدل. لقد قابل هذا الشاب اليوم المصير، الذي اختاره لنفسه منذ ست سنوات ... على مكفاي أن يكون شاكراً، لأنه في بلد نزيه مثل هذا. لقد تأجل إعدامه شهراً لظهور وثائق جديدة رغم أنها لن تغير من الأمر شيئاً .. لكنه العدل".
مشاهدو الإعدام من أقارب الضحايا: "لقد تُوفي مفتوح العينين ... لقد رفع رقبته للنظر إلى الشهود واحدا تلو الآخر ... لقد حدق إلينا بنفس الطريقة التي تجعلني أشعر بأنه حصل على ما يريد. كنت أعتقد أنه خائف فعلاً، وأنه شرير حقاً ... أعتقد أنني رأيت وجه الشر اليوم".
تيموثي مكفاي: "كنت أتمنى لو أنني قمت بسلسلة من الاغتيالات لعدد من رجال الشرطة ومسئولين في الحكومة الأمريكية بدلاً من قيامي بعملية التفجير ... عندما تُدمي أنف زميلك ويعلم أنه سيُلْكم مرة أخرى فلن يعاود مضايقتك .... إنني أشعر بالأسف الشديد لموت هؤلاء الأشخاص، إلا أنه كان على الحكومة الأمريكية أن تعرف تماماً مغبة العبث بالأرواح البشرية .. ما فعلته كان أمراً ضرورياً للدفاع عن حرية المواطن الأمريكي، وفي نفس الوقت انتقاماً للكارثة، التي تسببت بها السلطات الفيدرالية .... أنا لا أخشى الموت وآمل أن يتم تذكري كمقاتل للحرية مثل (جون براون) ... أريد إخفاء بقايا جثتي في مكان سري؛ وذلك بعد إحراقها في مراسم مقصورة على عدد من أفراد عائلتي ... موت الأطفال كان خسارة لا بد منها ... كنت أدرك قبل تنفيذ العملية حجم الخسائر البشرية ... لو لم يكن ما حدث في (واكو) قد
стр. 838
حدث لكنت قد استقررت في مكان، أو لما كنت قد تزعزعت بهذه الصورة؛ بسبب حقيقة أن حكومتي .. هي تهديد لي".
وصية مكفاي لم تكن سوى قصيدة للشاعر النازي (ويليام أرنست هنلي) كُتبت عام ١٨٧٥م بعنوان: (الذي لا يُقهر) تقول أبياتها: من الظلام الذي يغطيني أسود كالحفر العميقة بين عمودين ...
أشكر أية آلهة كانت لروحي التي لا تُقهر ...
تحت وطأة الواقع القابضة لم أجفل أو أصرخ ...
تحت مطرقة الأقدار رأسي ينزف، لكن غير محني ...
بعد عالم الغضب والأحزان هذا ...
هناك أطياف ليس بينها طيف الخوف، وتهديد السنوات يجدني وسيجدني غير خائف ...
لا يهم مدى ضيق الباب ...
مدى حفّة الدرج بالعقوبات ...
أنا سيد مصيري ..
أنا مالك روحي.
стр. 839
الفصل الرابع
الكابوس الأمريكي
بعد هذا التحديد والإيضاح لتاريخ الولايات المتحدة منذ افتراس وذبح سكان شبه القارة الأصليين, وإلى أيامنا هذه، يجب تقييم ما يسمى بـ (الديمقراطية الأمريكية) والعمل على إزالة الأوهام, واكتشاف أوهام وأكاذيب الحرية التي تزعم أمريكا أنها الحامية الأولى لها في كل مكان في العالم، بل يجب تقييم التجربة الأمريكية برمتها، أو ما يحلو لقادة أمريكا بتسميتها بالحلم الأمريكي. فهذا الحلم تحول إلى كابوس مرعب ليس للعالم, بل لبعض الأمريكيين أنفسهم، الذين لم يحتملوا جنوح بلادهم إلى حافة الهاوية والانحطاط. "فمادية المجتمع الأمريكي وعسكريتاريته, كما يقول (رو برت دول) في كتابه (الكابوس الأمريكي)، تدعوان إلى القرف اليوم أكثر من الأمس". ولهذا فقد قرر أن يكتب كتابه الجديد بلغة (مولبير) الفرنسية, وليس بلغة شكسبير، ليكشف عن انتمائه الطوعي الجديد، هذا بالرغم من أنه يجيد سبع لغات ويكتب بها جميعاً. وهو لن يجرؤ على ترجمة كتابه إلى الإنجليزية لأنه يخاف من ردة فعل اليمين الأمريكي المتطرف، ويعرب عن سروره لان تعلم اللغات الأجنبية لا يشكل جزءاً من عادات وتقاليد هؤلاء الفاشيين الأمريكيين.
يقول (روبرت دول): "إن العقلية الأمريكية هي انعكاس لبيوريتارية القرن السابع عشر الميلادي، حيث يرى أن هناك أربع آثار للبيوريتارية تبدو واضحة اليوم في السلوك الأمريكي المعاصر, وهى: الفردانية المتوحشة - الاعتقاد بأنهم شعب الله المختار على الأرض - الفظاظة المتأسسة, وتقليد الاعتراف العلني". وبالرغم من أن دول هو كاتب أمريكي بيوريتانى من حركة المتطهرين الأمريكية، إلا أنه مع ذلك لم يستطع العيش في ظل القيم المادية التي تحكم المجتمع الأمريكي، ولهذا اختار كندا منفى نهائياً له منذ عام ١٩٧٧م. حيث يقول: "إن هربه إلى الخارج ليس خيانة لبلده وأسرته، بل كان بحثاً عن السلام الداخلي لانه لم يستطع إيجاد أرضية مشتركة بين قيمه الشخصية، وقيم المجتمع الأمريكي في نهاية القرن العشرين. ولأنه يحب وطنه كثيراً فإنه يأبى مشاهدته وهو يسير مسرعاً في طريق الانحطاط".
стр. 840
ولهذا يدعو (روبرت دول) إلى عدم تكرار التجربة الأمريكية أو الاقتداء بها في أي مكان في العالم (١).
وإذا كان هذا هو رأي كاتب أمريكي عاش في صميم المجتمع الأمريكي، ولاحظ عوامل انحطاطه وتحوله إلى كابوس رهيب يهدد الشعب الأمريكي نفسه، بنفس الدرجة التي يهدد بها العالم، فإننا سنستغرب ما يقوله (جورج سورس) الملياردير الأميركي ذو الأصول الأوروبية الشرقية الذي يفاجئنا في كل مرة يكتب فيها، فهو وإن كان مديناً بامتياز للعولمة التي جمع من خلالها ثروته الهائلة، فقد كتب بشراسة ضدها وضد إنفلاتاتها وآثارها على الدول النامية في كتابه عن العولمة. وإن كانت أمواله قد طافت الأسواق المالية في العالم أجمع فتضاعفت عبر الطواف ذاك, وخاصة في أسواق شرق آسيا، واتهم بأنه كان وراء انهيار بعضها، فقد كتب بضراوة ضد هشاشة النظام المالي العالمي, ودعا إلى ضبطه ومراقبته في كتابه عن إصلاح النظام المالي المعولم. والآن وهو الذي كان قد هاجر إلى الولايات المتحدة بلد الفرص والأحلام، وحقق فيها ربما ما لم يحلم به أصلاً، فإنه يكتب بلا هوادة ضد نظامها الداخلي وسياستها الخارجية، ويحمل حملة شعواء على يمينها المحافظ الحاكم اليوم، ويشرح أوجه الخراب التي ألحقتها إدارة بوش الجمهورية بالولايات المتحدة داخلياً وخارجياً. http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٤/٣/ - TOP
الداروينية الأميركية الحاكمة
في السطر الأول من كتابه يقول (سورس): "إنني أعتبر سياسة بوش التي تتبنى الضربة العسكرية الوقائية مدمرة، وكذا يعتبرها كثيرون حول العالم". وقاعدة انطلاق سورس في نقده لأميركا بوش وإدارته, هي ما يراه من أن حكومة أقوى دولة على وجه الأرض وقعت في يد من يراهم "مجموعة من المتطرفين, الذين تقودهم الصيغة الفجة من الداروينية الاجتماعية". وهو يفضل استخدام وصف (الداروينية الاجتماعية) للإشارة إلى اليمين الأميركي الحاكم, عوضاً عن وصف (المحافظين
стр. 841
الجدد). فالداروينية تعني (البقاء للأصلح)، وهي متوحشة وتعبر عن توحشها في الاقتصاد عن طريق حصر التنافس, بين الشركات الكبرى, وقتل الصغرى. وفي السياسة تحصر التنافس بين الدول فتطيح الكبرى بالصغرى ـ أيضاً. ويرصد (سورس) جذور الداروينية الأميركية الحاكمة في (مشروع القرن الأميركي الجديد) , الذي صاغته عام ١٩٩٧ م مجموعة من المحافظين الجدد دعوا فيه إلى انتقال أميركا إلى مرحلة الهجوم والسيطرة العالمية من دون تحفظ، من أجل الحفاظ على الموقع القيادي لها في القرن الحادي والعشرين.
أميركا ـ بحسب المشروع ذاك ـ يجب أن تنطلق لتحقيق أهدافها غير آبهة باعتراض الأمم الأخرى، وهي لن تتوقف كثيراً عند مسألة التعاون مع الدول أو الأمم المتحدة, إن هي رأت أن مصالحها يمكن أن يتم تحقيقها من دون ذلك. وعلى أميركا أن تواجه بالقوة العسكرية والحزم أي دولة تتحداها، وعليها أن تثبت أن بمقدورها القيام بذلك من دون تردد. وتوج المشروع بوثيقة يوردها (سورس) في كتابه عنوانها (بيان المبادئ). ولا تتمثل خطورتها في نبرتها الهجومية والشبق نحو السيطرة فحسب، بل في مجموعة الأسماء الموقعة عليها. فهي تحتوي على شخصيات أصبحوا فيما بعد هم الحكام المباشرين للولايات المتحدة في إدارة بوش، ومن ضمنهم: نائب الرئيس (ديك تشيني)، ووزير الدفاع (دونالد رمسفيلد)، ونائبه (بول ولفويتز)، وغيرهم ممن أصبحوا مستشارين ومقربين، إضافة إلى عدد من مفكري اليمين المشهورين مثل (فرانسيس فوكوياما) (١) و (دونالد كيغان) (٢).
ولكن بيان (المبادئ) والمشروع الذي يحمله، كان بحاجة ماسة إلى ظرف تاريخي كي تقتنصه, فتنقل من أفكار على الورق إلى تطبيق على الأرض، وهذا ما وفرته تفجيرات ١١ سبتمبر على طبق من ذهب (٣). فالذي حدث كما يقول (سورس) أن (داروينيي) إدارة بوش لم يضيعوا دقيقة واحدة وهم يفركون أيديهم غبطة على
стр. 842
توفر الفرصة السانحة، لذلك كانت ردة الفعل الأميركي على تلك التفجيرات مفاجئة للجميع، لأنها في الواقع لم تكن خاصة بالتعامل مع حدث ظرفي بقدر ما كانت معنية بتطبيق إستراتيجية جاهزة, كانت تنتظر لحظة نضوج ظرفها الموضوعي. ويلحظ (سورس) كيف أن (مبادئ) وشعارات (المشروع الأميركي للقرن الجديد) سيطرت وطغت على الخطاب الرسمي السياسي والإعلامي في حقبة ما بعد ١١ سبتمبر. فقد كرر (بوش) بلا ملل أن قيم الحرية هي القيم الأميركية, وهي التي يجب أن تنتشر، وساوى بين مصالح أميركا الخاصة ومصالح العالم بأسره، بما يعني أن السير نحو تحقيق المصلحة الأميركية يخدم بالتوازي المصلحة العالمية. وهذا الفكر الإمبريالي قيمياً والمطبق عسكرياً في أفغانستان والعراق, هو الإطار العام (لفقاعة التفوق الأميركي) كما يراها (سورس)، الذي يرى ايضاً أن نهاية تفوق أميركا وفقدانها لموقعها القيادي في العالم سيكون النتيجة الحتمية لمثل هذا الفكر. ولهذا السبب فإنه يستشعر "ضرورة أن يهب هو والمخلصون من الأميركيين، لوقف هذا الانحطاط السياسي, وإنقاذ أميركا من العصبة اليمينية الحاكمة". ففي عهد (بوش) وحروبه (الإلهية والتبشيرية والوطنية) تحول نقاد السياسة الخارجية والمعارضون لها إلى خونة ولا وطنيين يُشك في ولائهم للوطن. وصار التقييم يعتمد مبدأ (معنا أو ضدنا) من دون تفاصيل أو لكن.
يقول (سورس): "إن أحداث ١١ سبتمبر كان يجب أن تُعامل على أنها جريمة ضد الإنسانية, وليس عملاً يستدعي إعلان الحرب في كل مكان. فتلك الجريمة تم التنديد بها من قبل كل دول ومجتمعات العالم، وحظيت الولايات المتحدة والأميركيون على أوسع قدر متخيل من التعاطف العالمي, وبدت الولايات المتحدة بلا أعداء. فالرئيس مرحب فيه في كل مكان (١). وكان بالإمكان استثمار ذلك التعاطف لتقوية العلاقات الأميركية بكل دول ومجتمعات العالم وتجييشها برغبتها للعمل ضد الإرهاب، على قاعدة التعاون المتكافئ وليس الفرض الفوقي القسري. لكن ما حدث هو أن أميركا أرادت أن تتحرك بانفرادية معتمدة سياسة فرض لا نقاش فيها، مما
стр. 843
أفقدها لحظة التعاطف التاريخية, تلك التي كان بالإمكان جعلها نقطة مفصلية للحد من العداء المتبادل بين أميركا والعالم. والخلاصة لذلك كله هي ـ كما يجملها (سورس) ـ أنه لم يمر وقت على الولايات المتحدة تدهور فيه وضعها في العالم في وقت قياسي وقصير جداً كما هو في عهد (جورج بوش الابن) (١). http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٤/٣/ - TOP
أزمة أمريكا الأخلاقية
في كتابه الجديد (القيم الأمريكية تتعرض للخطر)، يحذر (جيمي كارتر) بشدة من الاتجاه الذي تسير به الولايات المتحدة حالياً، حيث اختلطت معالم السياسة والأصولية الدينية الجامدة. ومنذ السطور الأولى في الكتاب، يعترف الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر)، بأن هنالك تغيرات واسعة جارية على قدم وساق، داخل الولايات المتحدة، على صعيد القيم الأخلاقية الأساسية للأمة الأمريكية، وخطابها العام، وفلسفتها السياسية. ويقول: "إن الشعب الأمريكي، كان يفخر بأن يرى قوة أمريكا ونفوذها، يستخدمان لحفظ سلام الأمريكيين وسلام الآخرين، وتعزيز العدالة الاقتصادية والاجتماعية، ورفع شعار الحرية وحقوق الإنسان عالياً، وحماية نوعية البيئة في الولايات المتحدة، وتخفيف المعاناة البشرية، وتدعيم حكم القانون، والتعاون مع الشعوب الأخرى". ويقول (كارتر)، إن الأمريكيين، الذين يملكون مجتمعاً هو الأكثر تنوعاً وابتكاراً على وجه البسيطة، أدركوا قيمة تزويد المواطن الأمريكي بالمعلومات الصحيحة الدقيقة، والتعامل مع الأصوات المعارضة والمعتقدات المخالفة باحترام، وتوفير الحوار الحر والمفتوح في القضايا الخلافية. وقد ظل معظم قادة أمريكا السياسيين، يمجدون استقلالية الولايات المتحدة والمقاطعات الأمريكية، ويحاولون السيطرة على عجز الإنفاق، ويتجنبون نزعات المغامرة الخارجية، ويحافظون على الفصل بين الكنيسة والدولة، ويحمون الحريات المدنية والخصوصية الشخصية". ولكن (كارتر) يرى أن "جميع هذه الالتزامات يجري تحديها الآن".
стр. 844
ويضيف قائلا: "إن معظم القضايا الحساسة والمثيرة للجدل التي يواجهها الأمريكيون اليوم، قد جرت مناقشتها قبل أن يصبح رئيساً بوقت طويل، حيث أن هذه الخلافات طبيعية، ولا يمكن تجنب معظمها. ويرى (كارتر) أن هذه القضايا الخلافية، كانت تناقش بحرية وانفتاح ودون إثارة للمشاكل، ولكن نقاشها الآن بات يثير انقسامات داخل المجتمع الأمريكي لا سابق لها، حيث يعتمد الحزبان الديمقراطي والجمهوري على الإعلانات التجارية التشهيرية لكسب الانتخابات، وحيث تتسم مداولات الكونجرس بعداء متحيز، وحيث أصبح سكان أمريكا جميعاً يتبنون كلمات مثل (أحمر و أزرق) في وصف العلاقات بين الولايات الأمريكية، بل داخل الولاية الواحدة (١).
ويتساءل كارتر: ما الذي أثار هذه الخلافات الحادة، وولد في الوقت ذاته ذلك الابتعاد السحيق عن قيم أمريكا التقليدية؟ ويجيب عن هذا التساؤل، قائلاً: "إن أحد العوامل لذلك هو رد فعل الأمة الأمريكية على هجوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١ م الإرهابي، حيث أدركت شدة الإرهاب، وديمومته، وطبيعته الكونية. ولكن هذا العامل ليس الوحيد في نظر (كارتر)، بل هناك عوامل أخرى منها: حقن الأموال الطائلة في شريان العملية السياسية، والنفوذ غير المسبوق للشركات والمصالح الخاصة في مداولات الحكومة, التي باتت تتجه إلى السرية بصورة متزايدة. ولكن العامل الأهم، كما يقول (كارتر)، هو أن الأصوليين أصبحوا بصورة متزايدة متنفذين في شؤون الدين والحكومة، كما أفلحوا في تغيير الفوارق الدقيقة في النقاش التاريخي، ليصبح جامداً متصلباً يختزل الأمور إلى أبيض أو أسود، حيث يلقى كل من يجرؤ على المخالفة الازدراء والاحتقار الشخصي. وفي الوقت ذاته يقول (كارتر): "وحّد هؤلاء المحافظون الدينيون والسياسيون جهودهم، وأزالوا المسافة التي كانت تحترم في السابق، بين الكنيسة والدولة. وقد عزز ذلك قوة نفر من (المحافظين الجدد) المتنفذين، الذين تمكنوا من تطبيق فلسفتهم التي طال احتباسها، على صعيدي السياسة المحلية والسياسة الخارجية. حيث جرى تبني تفسير ضيق للمعتقدات
стр. 845
الدينية، واعتماد هذا التفسير باعتباره الأجندة الصارمة لحزب سياسي. وقامت الجماعات الضاغطة القوية، سواء داخل الحكومة أو خارجها، بتحريف الإيمان الأمريكي المثير للإعجاب بمشروع حر، أصبح حقاً للمواطنين الأثرياء ثراء فاحشاً، يخولهم تكديس المزيد من الثروة وتمريرها جميعها إلى أحفادهم. حيث يجري منح الفوائد من تجارة الأسهم والدخل المتأتي من حصص الأرباح وضعاً ضرائبياً مميزاً، بالمقارنة مع الأجور التي يتقاضاها معلمو المدارس ورجال الإطفاء".
ويقتطف كارتر وصف أحد أصدقائه للفلسفة الاقتصادية الجديدة لواشنطن، الذي يقول فيه إنها فلسفة تقوم على أن المد المتصاعد يرفع على سطحه جميع اليخوت.
ويصف المؤلف ما فعلته الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، فيقول: "إنها أعلنت الاستقلال عن القيود التي تفرضها المنظمات الدولية، وتنكرت للعديد من الاتفاقيات الدولية القائمة منذ زمن طويل، بما في ذلك قرارات قضائية، واتفاقيات أسلحة نووية، وقيود على الأسلحة البيولوجية، وحماية البيئة، ونظام العدل الدولي، ومعاملة السجناء الإنسانية". ويتابع قائلاً: "وحتى مع انخراط قواتنا في القتال، ومواجهة أمريكا خطر المزيد من الهجمات الإرهابية، أهملت الولايات المتحدة التحالفات مع الدول التي تحتاج إلى الانضمام إليها في الحرب الطويلة الأمد مع الإرهاب. وكانت جميع هذه الأعمال السياسية بتنسيق من أولئك الذين يعتقدون أن الاستخدام الأمثل للقوة والنفوذ الأمريكيين الهائلين، يجب ألا يخضع لقيود يمارسها الأجانب. وبصرف النظر عن التكاليف والنفقات، يتحرق بعض الزعماء شوقاً، وبصورة علنية، إلى خلق إمبراطورية أمريكية مهيمنة على العالم برمته. حيث لم يعد يعتبر ضرورياً مراعاة قيود تحد من مهاجمة دول أخرى عسكرياً، شريطة أن تدْعي مصادر استخبارية غالباً ما تكون غير مؤكدة، إن السياسات العسكرية أو السياسية لهذه الدول يمكن أن تكون خطرة على الولايات المتحدة في نهاية الأمر. فما أن يتم وصم هذه الدول بأنها (محور شر)، حتى تصبح منبوذة، ولا يعود ممكناً القبول بها شريكة في التفاوض، وتصبح حياة أفراد شعوبها غير مهمة من ثم" (١).