← Общие книги

Общие книги · id 36505

الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم

يوسف الطويل

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الجدد). فالداروينية تعني (البقاء للأصلح)، وهي متوحشة وتعبر عن توحشها في الاقتصاد عن طريق حصر التنافس, بين الشركات الكبرى, وقتل الصغرى. وفي السياسة تحصر التنافس بين الدول فتطيح الكبرى بالصغرى ـ أيضاً. ويرصد (سورس) جذور الداروينية الأميركية الحاكمة في (مشروع القرن الأميركي الجديد) , الذي صاغته عام ١٩٩٧ م مجموعة من المحافظين الجدد دعوا فيه إلى انتقال أميركا إلى مرحلة الهجوم والسيطرة العالمية من دون تحفظ، من أجل الحفاظ على الموقع القيادي لها في القرن الحادي والعشرين. أميركا ـ بحسب المشروع ذاك ـ يجب أن تنطلق لتحقيق أهدافها غير آبهة باعتراض الأمم الأخرى، وهي لن تتوقف كثيراً عند مسألة التعاون مع الدول أو الأمم المتحدة, إن هي رأت أن مصالحها يمكن أن يتم تحقيقها من دون ذلك. وعلى أميركا أن تواجه بالقوة العسكرية والحزم أي دولة تتحداها، وعليها أن تثبت أن بمقدورها القيام بذلك من دون تردد. وتوج المشروع بوثيقة يوردها (سورس) في كتابه عنوانها (بيان المبادئ). ولا تتمثل خطورتها في نبرتها الهجومية والشبق نحو السيطرة فحسب، بل في مجموعة الأسماء الموقعة عليها. فهي تحتوي على شخصيات أصبحوا فيما بعد هم الحكام المباشرين للولايات المتحدة في إدارة بوش، ومن ضمنهم: نائب الرئيس (ديك تشيني)، ووزير الدفاع (دونالد رمسفيلد)، ونائبه (بول ولفويتز)، وغيرهم ممن أصبحوا مستشارين ومقربين، إضافة إلى عدد من مفكري اليمين المشهورين مثل (فرانسيس فوكوياما) (١) و (دونالد كيغان) (٢). ولكن بيان (المبادئ) والمشروع الذي يحمله، كان بحاجة ماسة إلى ظرف تاريخي كي تقتنصه, فتنقل من أفكار على الورق إلى تطبيق على الأرض، وهذا ما وفرته تفجيرات ١١ سبتمبر على طبق من ذهب (٣). فالذي حدث كما يقول (سورس) أن (داروينيي) إدارة بوش لم يضيعوا دقيقة واحدة وهم يفركون أيديهم غبطة على

стр. 842

توفر الفرصة السانحة، لذلك كانت ردة الفعل الأميركي على تلك التفجيرات مفاجئة للجميع، لأنها في الواقع لم تكن خاصة بالتعامل مع حدث ظرفي بقدر ما كانت معنية بتطبيق إستراتيجية جاهزة, كانت تنتظر لحظة نضوج ظرفها الموضوعي. ويلحظ (سورس) كيف أن (مبادئ) وشعارات (المشروع الأميركي للقرن الجديد) سيطرت وطغت على الخطاب الرسمي السياسي والإعلامي في حقبة ما بعد ١١ سبتمبر. فقد كرر (بوش) بلا ملل أن قيم الحرية هي القيم الأميركية, وهي التي يجب أن تنتشر، وساوى بين مصالح أميركا الخاصة ومصالح العالم بأسره، بما يعني أن السير نحو تحقيق المصلحة الأميركية يخدم بالتوازي المصلحة العالمية. وهذا الفكر الإمبريالي قيمياً والمطبق عسكرياً في أفغانستان والعراق, هو الإطار العام (لفقاعة التفوق الأميركي) كما يراها (سورس)، الذي يرى ايضاً أن نهاية تفوق أميركا وفقدانها لموقعها القيادي في العالم سيكون النتيجة الحتمية لمثل هذا الفكر. ولهذا السبب فإنه يستشعر "ضرورة أن يهب هو والمخلصون من الأميركيين، لوقف هذا الانحطاط السياسي, وإنقاذ أميركا من العصبة اليمينية الحاكمة". ففي عهد (بوش) وحروبه (الإلهية والتبشيرية والوطنية) تحول نقاد السياسة الخارجية والمعارضون لها إلى خونة ولا وطنيين يُشك في ولائهم للوطن. وصار التقييم يعتمد مبدأ (معنا أو ضدنا) من دون تفاصيل أو لكن. يقول (سورس): "إن أحداث ١١ سبتمبر كان يجب أن تُعامل على أنها جريمة ضد الإنسانية, وليس عملاً يستدعي إعلان الحرب في كل مكان. فتلك الجريمة تم التنديد بها من قبل كل دول ومجتمعات العالم، وحظيت الولايات المتحدة والأميركيون على أوسع قدر متخيل من التعاطف العالمي, وبدت الولايات المتحدة بلا أعداء. فالرئيس مرحب فيه في كل مكان (١). وكان بالإمكان استثمار ذلك التعاطف لتقوية العلاقات الأميركية بكل دول ومجتمعات العالم وتجييشها برغبتها للعمل ضد الإرهاب، على قاعدة التعاون المتكافئ وليس الفرض الفوقي القسري. لكن ما حدث هو أن أميركا أرادت أن تتحرك بانفرادية معتمدة سياسة فرض لا نقاش فيها، مما

стр. 843

أفقدها لحظة التعاطف التاريخية, تلك التي كان بالإمكان جعلها نقطة مفصلية للحد من العداء المتبادل بين أميركا والعالم. والخلاصة لذلك كله هي ـ كما يجملها (سورس) ـ أنه لم يمر وقت على الولايات المتحدة تدهور فيه وضعها في العالم في وقت قياسي وقصير جداً كما هو في عهد (جورج بوش الابن) (١). http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٤/٣/ - TOP أزمة أمريكا الأخلاقية في كتابه الجديد (القيم الأمريكية تتعرض للخطر)، يحذر (جيمي كارتر) بشدة من الاتجاه الذي تسير به الولايات المتحدة حالياً، حيث اختلطت معالم السياسة والأصولية الدينية الجامدة. ومنذ السطور الأولى في الكتاب، يعترف الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر)، بأن هنالك تغيرات واسعة جارية على قدم وساق، داخل الولايات المتحدة، على صعيد القيم الأخلاقية الأساسية للأمة الأمريكية، وخطابها العام، وفلسفتها السياسية. ويقول: "إن الشعب الأمريكي، كان يفخر بأن يرى قوة أمريكا ونفوذها، يستخدمان لحفظ سلام الأمريكيين وسلام الآخرين، وتعزيز العدالة الاقتصادية والاجتماعية، ورفع شعار الحرية وحقوق الإنسان عالياً، وحماية نوعية البيئة في الولايات المتحدة، وتخفيف المعاناة البشرية، وتدعيم حكم القانون، والتعاون مع الشعوب الأخرى". ويقول (كارتر)، إن الأمريكيين، الذين يملكون مجتمعاً هو الأكثر تنوعاً وابتكاراً على وجه البسيطة، أدركوا قيمة تزويد المواطن الأمريكي بالمعلومات الصحيحة الدقيقة، والتعامل مع الأصوات المعارضة والمعتقدات المخالفة باحترام، وتوفير الحوار الحر والمفتوح في القضايا الخلافية. وقد ظل معظم قادة أمريكا السياسيين، يمجدون استقلالية الولايات المتحدة والمقاطعات الأمريكية، ويحاولون السيطرة على عجز الإنفاق، ويتجنبون نزعات المغامرة الخارجية، ويحافظون على الفصل بين الكنيسة والدولة، ويحمون الحريات المدنية والخصوصية الشخصية". ولكن (كارتر) يرى أن "جميع هذه الالتزامات يجري تحديها الآن".

стр. 844

ويضيف قائلا: "إن معظم القضايا الحساسة والمثيرة للجدل التي يواجهها الأمريكيون اليوم، قد جرت مناقشتها قبل أن يصبح رئيساً بوقت طويل، حيث أن هذه الخلافات طبيعية، ولا يمكن تجنب معظمها. ويرى (كارتر) أن هذه القضايا الخلافية، كانت تناقش بحرية وانفتاح ودون إثارة للمشاكل، ولكن نقاشها الآن بات يثير انقسامات داخل المجتمع الأمريكي لا سابق لها، حيث يعتمد الحزبان الديمقراطي والجمهوري على الإعلانات التجارية التشهيرية لكسب الانتخابات، وحيث تتسم مداولات الكونجرس بعداء متحيز، وحيث أصبح سكان أمريكا جميعاً يتبنون كلمات مثل (أحمر و أزرق) في وصف العلاقات بين الولايات الأمريكية، بل داخل الولاية الواحدة (١). ويتساءل كارتر: ما الذي أثار هذه الخلافات الحادة، وولد في الوقت ذاته ذلك الابتعاد السحيق عن قيم أمريكا التقليدية؟ ويجيب عن هذا التساؤل، قائلاً: "إن أحد العوامل لذلك هو رد فعل الأمة الأمريكية على هجوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١ م الإرهابي، حيث أدركت شدة الإرهاب، وديمومته، وطبيعته الكونية. ولكن هذا العامل ليس الوحيد في نظر (كارتر)، بل هناك عوامل أخرى منها: حقن الأموال الطائلة في شريان العملية السياسية، والنفوذ غير المسبوق للشركات والمصالح الخاصة في مداولات الحكومة, التي باتت تتجه إلى السرية بصورة متزايدة. ولكن العامل الأهم، كما يقول (كارتر)، هو أن الأصوليين أصبحوا بصورة متزايدة متنفذين في شؤون الدين والحكومة، كما أفلحوا في تغيير الفوارق الدقيقة في النقاش التاريخي، ليصبح جامداً متصلباً يختزل الأمور إلى أبيض أو أسود، حيث يلقى كل من يجرؤ على المخالفة الازدراء والاحتقار الشخصي. وفي الوقت ذاته يقول (كارتر): "وحّد هؤلاء المحافظون الدينيون والسياسيون جهودهم، وأزالوا المسافة التي كانت تحترم في السابق، بين الكنيسة والدولة. وقد عزز ذلك قوة نفر من (المحافظين الجدد) المتنفذين، الذين تمكنوا من تطبيق فلسفتهم التي طال احتباسها، على صعيدي السياسة المحلية والسياسة الخارجية. حيث جرى تبني تفسير ضيق للمعتقدات

стр. 845

الدينية، واعتماد هذا التفسير باعتباره الأجندة الصارمة لحزب سياسي. وقامت الجماعات الضاغطة القوية، سواء داخل الحكومة أو خارجها، بتحريف الإيمان الأمريكي المثير للإعجاب بمشروع حر، أصبح حقاً للمواطنين الأثرياء ثراء فاحشاً، يخولهم تكديس المزيد من الثروة وتمريرها جميعها إلى أحفادهم. حيث يجري منح الفوائد من تجارة الأسهم والدخل المتأتي من حصص الأرباح وضعاً ضرائبياً مميزاً، بالمقارنة مع الأجور التي يتقاضاها معلمو المدارس ورجال الإطفاء". ويقتطف كارتر وصف أحد أصدقائه للفلسفة الاقتصادية الجديدة لواشنطن، الذي يقول فيه إنها فلسفة تقوم على أن المد المتصاعد يرفع على سطحه جميع اليخوت. ويصف المؤلف ما فعلته الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، فيقول: "إنها أعلنت الاستقلال عن القيود التي تفرضها المنظمات الدولية، وتنكرت للعديد من الاتفاقيات الدولية القائمة منذ زمن طويل، بما في ذلك قرارات قضائية، واتفاقيات أسلحة نووية، وقيود على الأسلحة البيولوجية، وحماية البيئة، ونظام العدل الدولي، ومعاملة السجناء الإنسانية". ويتابع قائلاً: "وحتى مع انخراط قواتنا في القتال، ومواجهة أمريكا خطر المزيد من الهجمات الإرهابية، أهملت الولايات المتحدة التحالفات مع الدول التي تحتاج إلى الانضمام إليها في الحرب الطويلة الأمد مع الإرهاب. وكانت جميع هذه الأعمال السياسية بتنسيق من أولئك الذين يعتقدون أن الاستخدام الأمثل للقوة والنفوذ الأمريكيين الهائلين، يجب ألا يخضع لقيود يمارسها الأجانب. وبصرف النظر عن التكاليف والنفقات، يتحرق بعض الزعماء شوقاً، وبصورة علنية، إلى خلق إمبراطورية أمريكية مهيمنة على العالم برمته. حيث لم يعد يعتبر ضرورياً مراعاة قيود تحد من مهاجمة دول أخرى عسكرياً، شريطة أن تدْعي مصادر استخبارية غالباً ما تكون غير مؤكدة، إن السياسات العسكرية أو السياسية لهذه الدول يمكن أن تكون خطرة على الولايات المتحدة في نهاية الأمر. فما أن يتم وصم هذه الدول بأنها (محور شر)، حتى تصبح منبوذة، ولا يعود ممكناً القبول بها شريكة في التفاوض، وتصبح حياة أفراد شعوبها غير مهمة من ثم" (١).

стр. 846

قناع أبيض للعالم كله لكي نفهم أكثر مظاهر الرعونة والعنجهية التي تحكم سلوك الولايات المتحدة الأمريكية, التي وقعت في قبضة أصولية المحافظين الجدد تجدر بنا العودة إلى (فرانز فانون) الذي حين كتب (بشرة سوداء .. أقنعة بيضاء) , كان يدرك أن الانفجار لن يحدث لحظتها، لعل الوقت كان متقدماً جداً أو متأخراً جداً, كما أومأ هو بنفسه إلى ذلك. ولم يكن الرجل يدعي التواضع أو يتظاهر به، وإنما كان يتصرف كأي عالم حقيقي لا يركن إلى اليقين أبداً: "أنا لا أصل البتة مسلحاً بحقائق حاسمة .. وعيي لا تخترقه ومضات جوهرية". لكنه يرى، وبكل صفاء، أنه من المفيد أن تقال بعض الأمور, وهو يحلل كيف يتصرف الرجل الأبيض، الذي خلق لنفسه دوماً صورة المنتصر والفاتح والمنقذ، إزاء البشر الآخرين من الملونين والسود؟ ثم يحلل كيف يتصرف هؤلاء الملونون والسود تحت وقع ذلك الشعور بالانسحاق الذي جلبه لهم الأبيض السكران بنشوة التفوق؟. إن الأمريكيين هم الشعب الوحيد الحديث، تبعاً لأقصى ما تتيحه ذاكرة إنسان، الذي (كنس) عن الأرض, التي استوطنها السكان الأصليون. يمكن لنا العودة إلى النص المدهش (لمحمود درويش) (الخطبة الأخيرة للهندي الأحمر) لندرك هول الكارثة. و (فانون) يرى أن أمريكا وحدها كانت تستطيع أن تكون ذات إحساس قومي بالخطأ وتسعى للاعتذار عنه، لكنها لم تختر هذا السبيل، إنما سعت لتهدئته من خلال اختراع صورة الهندي الأحمر السيئ، لكي تتمكن لاحقاً من إعادة إدراج للصورة التاريخية لصاحب البشرة الحمراء, الذي يدافع بلا نجاح عن ترابه الذي خلق من عجينته بمواجهة الغزاة المسلحين بكتب مقدسة وبناءة. بعد ذلك بقرون سيأتي الفتيان السود يرددون في المدارس نشيد: (آباؤنا الغاليون) وهو نشيد يتماهى مع المستكشف، مع الرجل الذي يزعم أنه جلب الحضارة، جلب الحقيقة (البيضاء) تماماً، صافية. يراد من هؤلاء الفتيان نسيان أن تلك الحضارة البيضاء إنما شيدت بعرق ودماء أجدادهم. فالآباء الغاليون في النشيد ليس هم أولئك الأجداد, ولا أولئك الهنود الحمر الذين أبيدوا عن بكرة أبيهم تقريباً لحظة أتى المغامرون البيض بحثاً عن الذهب في العالم الجديد.

стр. 847

لم تكن أمريكا قد بلغت ما بلغته اليوم من جبروت وطغيان, حين حلل فانون سلوك الرجل الأبيض، لكنه كان يضع قاعدة فيها نبوءة رجل العلم, الذي يهجس بأن هذا السلوك سيغدو كونياً. إن ذات الذهنية التي حكمت سلوك المغامرين الأول, الذين استباحوا براءة القارة الأمريكية مترامية الأطراف، ستؤسس لنهج أكثر شمولاً حين يتصل الأمر بالعالم كله. الهدف من حيث الجوهر واحد لم يتبدل، ولكن نسبة القوى تغيرت جوهرياً لتجعل من هذا السلوك سلوكاً يستهدف العالم كله، على غير الأمريكي، أبيض كان أم أسود، أن يغدو أمريكياً لا بالنسبة وإنما بالخضوع، بالتماهي مع (ثقافة) تعلن نفسها ثقافة منتصرة على العالم كله، بحيث يغدو من واجب الفتيان الصغار في مدارس العالم كله أن يرددوا النشيد الأمريكي بالمفردات, التي تحمل معاني قهرهم وإخضاعهم، بالطريقة التي يبدو فيها الهندي الأحمر المباد مجازاً للفلسطيني, ولكل شعب شاء أن يقاوم إبادته. وفي نص (محمود درويش) المشار إليه الكثير مما يشي بهذا المعنى (١). الأصوات المغيبة والمصلحة القومية الكاذبة إذا كان جورج سورس وجيمى كارتر و فرانز فانون، وغيرهم من الكتاب الأمريكيين قد حاولوا رسم صوره للكابوس الأمريكي الذي يهدد العالم، فإن (هوارد زن) وهو كاتب امريكي اسود، حاول رسم صورة هذا الكابوس من خلال قراءة التاريخ الأمريكي بطريقه اخرى، حيث يقول: "عندما قررت في أواخر سبعينات القرن الماضي إن أولف كتاباً يتناول تاريخ الشعب الأمريكي. كان قد مضى علي عشرون عاماً وأنا ادرس التاريخ. ولكن تجربتي الشخصية جعلتني اعرف إن التاريخ الذي درسته في الجامعة قد حذف عناصر بالغة الأهمية من تاريخ البلاد، ولم تكن عاقبة عمليات الحذف هذه تقتصر على إعطاء صورة محرفه عن الماضي، بل أنها تضللنا جميعاً في ما يتعلق بالحاضر. وعلى سبيل المثال هنالك قضية الطبقات، فالثقافة السائدة في الولايات المتحدة في أوساط التعليم وبين الساسة وفي وسائل الإعلام - تتظاهر بأننا نعيش في مجتمع خال من الطبقات له مصلحة عامة واحده. وفي ديباجة دستور

стр. 848

الولايات المتحدة، التي تعلن أننا (نحن الشعب) قد وضعنا هذه الوثيقة، تضليل عظيم. فالدستور كان قد كتبه سنة ١٧٨٧ خمسة وخمسون رجلاً من البيض- ملاك العبيد، وملاك السندات والتجار- الذين أسسوا حكومة مركزيه قوية ستخدم في ما بعد مصالحهم الطبقيه. إن استخدام الحكومة على ذلك النحو للأغراض الطبقية ولخدمة احتياجات الأثرياء والأقوياء قد استمر عبر التاريخ الأمريكي وصولاً إلى يومنا الحاضر، ويتجسد ذلك في اللغة التي توحي بأننا جميعا أغنياء وفقراء وأبناء طبقة متوسطة لنا مصلحة مشتركه" (١). هكذا توصف حالة الأمة بتعبيرات شمولية عامه. وعندما يعلن الرئيس مسرورا (إن اقتصادنا سليم)، لا يعترف بأنه غير سليم بالنسبة إلى أربعين أو خمسين مليوناً من الناس يكافحون من اجل البقاء، رغم انه قد يكون سليماً باعتدال لكثيرين في الطبقة المتوسطة، وسليم بإفراط لأغنى ١% من الأمة وهم الذين يملكون ٤٠% من ثروتها القومية. كان يجري دوماً تغييب مصلحة الطبقات خلف حجاب سميك يدعى المصلحة القومية، "وقد جعلتني تجربتي الخاصة مع الحرب وتاريخ تلك التدخلات العسكرية التي تورطت فيها الولايات المتحدة ارتاب عندما اسمع الناس في الأوساط السياسية العليا يتوسلون (المصلحة القومية) أو الأمن القومي لتبرير سياساتهم. انه بمثل هذه المبررات بدأ هاري ترومان (عملا بوليسيا في كوريا) أسفر عن قتل ملايين عديدة من الناس، ونفذ ليندون جونسون وريتشارد نيكسون حرباً في جنوب شرق آسيا مات خلالها نحو ثلاثة ملايين شخص، وغزا رونالد ريجان جرينادا، وهاجم بوش الكبير بنما ومن بعدها العراق، وقصف بيل كلينتون العراق المرة تلو المرة. والادعاء الذي اتخذه بوش الجديد في ربيع سنة ٢٠٠٣ وزعم فيه إن غزو العراق وقصفه بالقنابل في مصلحة أمريكا القومية، كان منافياً للعقل على نحو خاص، ولم يكن الشعب في الولايات المتحدة ليتقبله لولا غطاء من الأكاذيب نشرته فوق البلاد الحكومة وأبواق الإعلام الرئيسية- أكاذيب عن علاقات العراق بحركة القاعدة". ويتابع (هوارد زن) كلامه: "وعندما قررت إن أؤلف كتاب (تاريخ شعبي للولايات المتحدة)، صممت على إن اروي قصة حروب الأمة لا من خلال عيون الجنرالات

стр. 849

والزعماء السياسيين، بل من وجهة نظر صغار أفراد الطبقة العاملة، الذين اصبحوا أفرادا في الجيش، أو الآباء أو الأمهات والزوجات، الذين تلقوا برقيات النعي. أردت إن اروي قصة حروب الأمة من وجهة نظر العدو: وجهة نظر المكسيكيين الذين جرى غزوهم في الحرب المكسيكيه، والكوبيين الذين تم الاستيلاء على بلادهم سنة ١٨٩٨، والفليبنيين الذين عانوا حرباً عدوانية مدمرة في مستهل القرن العشرين قتل فيها نحو ٦٠٠ ألف شخص نتيجة لتصميم حكومة الولايات المتحدة على الاستيلاء على الفليبين". والذي أذهلني حين بدأت دراسة التاريخ، والذي أردت إن انقله عبر كتابتي للتاريخ، هو كيف إن حماس القوميين الذي يجري غرسه في الأذهان منذ الطفولة من خلال قسم الولاء والسلام الوطني والتلويح بالأعلام والخطاب العسكري - يخترق الأنظمة التعليمية والتربوية ويتخللها في جميع الدول بما فيها دولتنا. كنت أتسائل كيف كانت ستبدو سياسات الولايات المتحدة الخارجية لو أزيلت الحدود الوطنية في العالم، في أذهاننا على الأقل، واعتبرنا الأطفال في كل مكان مثل اطفالنا. لو فعلما ذلك لما كان بوسعنا إن نلقي قنبلة ذرية على هيروشيما، أو قنابل النابالم على فيتنام أو القنابل العنقودية على أفغانستان أو العراق، لان الحروب وبخاصة في وقتنا الحاضر هي حروب ضد الأطفال دوما" (١). الكلمة المحكية كعمل سياسي عندما بدأت كتابة (تاريخ شعبي) كنت متأثرا بتجربتي الخاصة، حيث أعيش ضمن مجتمع السود في الجنوب مع عائلتي، وأمارس التدريس في كلية البنات السوداوات، وانخرط في الحركة المناوئة للفصل العنصري، وقد أصبحت مطلعاً على الكيفية التي يجري بها تحريف تدريس وكتابة التاريخ على نحو سيئ، وذلك بطمس الناس غير البيض. نعم كان الأمريكيون الاصليون هناك في التاريخ ولكنهم اختفوا بسرعة. وكان السود ظاهرين عبيداً ثم احتسبوا أحراراً، ولكنهم لا يظهرون. كان التاريخ تاريخ الناس البيض. ومنذ المرحلة الابتدائية وحتى التخرج من المدرسة لم

стр. 850

أجد ما يوحي بأن هبوط كريستوفر كولومبوس في العالم الجديد قد افتتح إبادة جماعية تم خلالها القضاء على السكان الأصليين في جزر الانديز الغربيه قضاءاً مبرماً. أو إن هذه كانت المرحلة الأولى في ما طرح باعتباره توسعاً حميداً للدولة الجديدة، ولكنه اشتمل على الطرد العنيف للأمريكيين الأصليين مصحوباً بفظائع لا يمكن السكوت عنها من كل ميل مربع من القارة، حتى لم يعد هنالك ما يمكن فعله سوى حشرهم في معازل. إن كل تلميذ مدرسة أمريكي يتعلم عن مذبحة بوسطن التي سبقت الحرب الثورية ضد انجلترا. وقد قتل فيها خمسة مستعمرين على أيدي الجنود البريطانيين سنة ١٧٧٠، ولكن كم تلميذ من هؤلاء التلاميذ تعلم عن المذبحة التي راح فيها ستمائة رجل وامرأة وطفل من قبيلة ريكوت في نيو انجلاند سنة ١٦٣٧، أو المذبحة التي ارتكبها الجنود الأمريكيون في منتصف الحرب الاهليه، وسقط فيها المئات من العائلات الأمريكيه الاصليه في ساند كريك (كولورادو) ولم اطلع في أي مكان خلال دراستي التاريخ على مذابح الناس السود التي وقعت مراراً وتكراراً في ظل حكومة وطنية تعهدت من خلال الدستور بحماية الحقوق المتساوية للجميع. وعلى سبيل المثال في سنة ١٩١٧ وقع في سانت لويس الشرقيه واحد من أعمال الشغب العرقية العديدة الني كانت تحدث ضمن ما تدعوه كتب التاريخ عندنا التي يوجهها البيض (الحقبة التقدميه)، حيث قتل العمال البيض الذين أغضبهم تدفق العمال السود، نحو مائتي شخص، مما حفز الكاتب الأمريكي من اصل إفريقي (دبليو أي دي بويز) على كتابة مقالة بعنوان (مذبحة سانت لويس الشرقيه) وحمل الفنانة المسرحية جوزفين بيكر على القول إن فكرة الموضوعية بحد ذاتها تجعلني ارتعد وارتجف وتسبب لي الكوابيس. لقد أردت من خلال كتابتي للتاريخ الشعبي إن أوقظ وعياً عظيماً بالصراع الطبقي والظلم العرقي، واللامساواة الجنسية والعجرفة القومية، ولكني أردت إلى جانب ذلك إن أسلط الضوء على مقاومة الشعب الخفية لسلطة المؤسسة ورفض الأمريكيين الأصليين إن يموتوا ويختفوا ببساطة وتمرد الناس السود في الحركة المناوئة للرق والحركة الأحدث منها عهداً وهي الحركة المناوئة للفصل العنصري والإضرابات التي كان ينفذها الناس العاملون في سبيل تحسين مستوى عيشهم.

стр. 851

عندما بدأت العمل قبل خمس سنوات في تأليف ما سيصبح مجلدا مصاحبا لكتابي (تاريخ الشعب) ويحمل عنوان (أصوات تاريخ شعبي للولايات المتحدة)، كنت أريد لأصوات الكفاح الغائبة على الأغلب في كتب تاريخنا، إن تأخذ المكان الذي تستحق. كنت أريد لتاريخ العمال الذي ظل ميدان القتال عقداً بعد آخر وقرناً بعد آخر للكفاح المستمر في سبيل الكرامة الانسانيه، إن يتصدر المقدمة كما كنت أريد لقرائي إن يخبروا كيف كان بعض أشجع الأعمال السياسية وأكثرها فاعلية معبراً عن الصوت الإنساني ذاته في اللحظات الحاسمة في تاريخنا، عندما أعلن (جون راون) - نصير إلغاء الرق الذي اعدم شنقا، وكان قد عاش بين ١٨٠٠ و ١٨٥٨ - أثناء محاكمته إن تمرده ليس خاطئا بل هو صحيح، وعندما أدلى (فاني لوهامر) - مزارع أمريكي وناشط في مجال حقوق الإنسان ١٩١٧ - ٧٦ م- بشهادته سنة ١٩٦٤ عن المخاطر التي تعرض لها السود الذين حاولوا التسجيل للاقتراع في الانتخابات، وعندما تحدى (اليكس مولنار) - أستاذ جامعي أمريكي- الرئيس الأمريكي نيابة عن ابنه وعنا جميعاً .. ، عندما فعل هؤلاء ذلك، أثرت كلماتهم في كثير من الناس وكانت مصدر الهام لهم ولم تكن تلك مجرد كلمات بل كانت أفعالا (١). أصوات أمريكا الغائبة ويتابع (هوارد زن) كتابه فيقول: "يشير قراء كتابي (تاريخ شعبي للولايات المتحدة) دائماً إلى غناه بالمادة المقتبسه - أقوال العبيد الآبقين، والأمريكيين الأصليين، والمزارعين وعمال المصانع والمعارضين والمنشقين من جميع الأصناف. وعلي إن اعترف كارهاً بأن ما يذهل قرائي هؤلاء هو كلمات الناس الذين استشهد بهم اكثر مما يدهشهم تعليقي المصاحب على تاريخ الأمة، ولا أستطيع القول أنني ألومهم على ذلك، فكل مؤرخ سيواجه صعوبة في مضاهاة بلاغة زعيم الأمريكيين الأصليين (بوهاتان) الذي كان يقول للمستوطنين البيض راجيا سنة ١٦٠٧: "لماذا تأخذون بالقوة ما قد تنالونه بهدوء بالرفق والمحبة؟ ".

стр. 852

أو العالم الأسود (بنيامين بانيكر) حين كتب للرئيس الأمريكي توماس جفرسون: "إني أدرك انك سوف تتبنى كل فرصة لاستئصال تلك السلسله من الأفكار والآراء الخاطئة والمنافية للعقل والسائدة بوجه عام فيما يتعلق بنا. وان مشاعرك تتفق ومشاعري والتي هي إن الله قد خلقنا جميعاً وانه لم يقتصر على انه خلقنا من لحم واحد، بل انه منحنا جميعاً ومن دون تمييز المشاعر ذاتها ووهبنا جميعاً القدرات ذاتها". أو (سارة جريمكي) وهي امرأة من جنوب الولايات المتحدة، كانت مؤيده لإلغاء الرق كتبت: "إني لا اطلب أي جمائل لبنات جنسي، وكل ما اطلبه من إخواننا إن يرفعوا أقدامهم عن رقابنا ويسمحوا لنا بالوقوف معتدلين على الأرض التي كتب لنا الله إن نعيش عليها". أو (هنري ديفيد ثورو) وهو يحتج على الحرب المكسيكيه، حين كتب عن العصيان المدني، "من النتائج العامة والطبيعية لاحترام القانون الذي ليس في محله، إن ترى ارتالاً من الجنود من مختلف الرتب تسير إلى الحروب زاحفة فوق التلال والوهاد، في نظام يدعو إلى الإعجاب خلافاً لإرادتها. نعم خلافاً لفطرتها السليمة وضمائر أفرادها، مما يجعل ذلك الزحف انحداراً شعبياً في حقيقة الأمر يحمل القلوب على الخفقان". أو (جرمين ويزلي لوجين) وهو عبد آبق يتحدث في سيراكوز (مدينة في وسط ولاية نيويورك) عن قانون العبيد الهاربين الذي صدر سنة ١٨٥٠: "لقد تلقيت حريتي من السماء ومعها جاء الأمر بالدفاع عن حقي فيها .. إني لا احترم هذا القانون - ولا أخشاه - ولن أطيعه، انه يجرمني وأنا أجرمه". أو الخطيبة المناصرة للنظرية الشعبية (ماري اليزابيث ليز) من كنساس التي قالت: "أن وول ستريت (المركز العالمي في مانهاتن) يملك البلاد أنها لم تعد حكومة الشعب، بالشعب وللشعب بل هي حكومة وول ستريت وتعمل لمصلحة وول ستريت". أو (ايما جولدمان) وهي تتحدث إلى هيئة المحلفين أثناء محاكمتها لمعارضتها الحرب العالمية الأولى: "نحن المفتقرين حقاً إلى الديمقراطية، كيف نستطيع إن نعطيها للعالم؟ إن الديمقراطية التي تشكلت في رحم الاستعباد العسكري للجماهير

стр. 853

واسترقاقهم اقتصادياً، وترعرعت على دموع هذه الجماهير ودمائها، ليست ديمقراطيه أبداً". أو المزارع المستأجر في منطقة المسيسبي (فاني لوهامر) في شهادته سنة ١٩٦٤ عن الأخطار على السود الذين حاولوا التسجيل للاقتراع: "جاء ملك المزرعة، وقال: فاني لو .. إذا لم تذهب وتسحب تسجيلك فان عليك إن ترحل لأننا غير مستعدين لذلك في المسيسبي. التفت إليه وقلت: إني لا أحاول التسجيل لك بل لنفسي". أو الفتيان السود في ماككومب في منطقة المسيسبي، الذين حين علموا بخبر مصرع احد زملائهم ايام الدراسة، في فيتنام وزعوا منشوراً جاء فيه: "لا ينبغي لأي اسود في منطقة المسيسبي إن يقاتل في فيتنام من اجل حرية البيض، قبل إن يتحرر جميع السود في هذه المنطقة". أو الشاعرة (اوريان ريتش) حين كتبت في سبعينات القرن الماضي: "لا اعرف امرأة عذراء أو أماً عزباء أو متزوجه - سواء كانت تكسب قوتها، ربة منزل أو نادله في مقهى أو مصوره بالأشعة- ليس الجسد لديها مشكلة أساسيه، معانيه الغائمة، خصوبته، رغباته، ما يدعى هشاشته، ولغته الدامية، وحالات صمته، وتغيراته، وتشوهاته، اغتصاباته وحالات نضجه". أو (اليكس مولنار) الذي كان ابنه البالغ من العمر واحداً وعشرين عاماً جندياً من مشاة البحرية في الخليج العربي، حين كتب رسالة غاضبة إلى الرئيس بوش الأول قال فيها: "أين كنت أيها الرئيس عندما كان العراق يقتل شعبه بالغاز السام. انوي إن أساند ابني ورفاقه الجنود بفعل كل ما أستطيع لمعارضة أي عمل عسكري أمريكي عدواني في الخليج العربي". أو (اورلاندو وفيليس رودريجز) اللذين قالا في معرض معارضتهما لفكرة الانتقام بعد مقتل ابنهما في برجي مركز التجارة العالمي: "إن ابننا جريج واحد من الكثيرين الذين غيبهم الهجوم على مركز التجارة العالمي. ومنذ إن سمعنا الأخبار للمرة الأولى، تقاسمنا لحظات الأسى والراحة والأمل والقنوط وذكريات الحنان، مع زوجته والعائلتين وأصدقائنا وجيراننا وزملائه الذين كانوا يحبونه في كانتور متزجرالد، وكل العائلات المكلومة التي تلتقي يومياً في فندق بيير. ونحن نرى الأذى

стр. 854

والغضب الذين ألما بنا في وجوه كل من نقابله، ولا نستطيع الانتباه إلى فيض الأخبار اليومية عن هذه الكارثة، ولكننا نقرأ من الأخبار ما يكفي للإحساس بأن حكومتنا تسير باتجاه الانتقام العنيف، مع احتمال مقتل أبناء وبنات وأباء وأمهات وأصدقاء في بلاد بعيده، أو معاناتهم وإحساسهم بالمزيد من الظلم الذي ألحقناه بهم، وليست تلك هي الطريق التي ينبغي إن نسلكها، وهي لن تشفي غليلنا لمقتل ابننا وليس باسم ابننا". إن ما يجمع كل هذه الأصوات هو أنها على الأغلب قد أبعدت عن تواريخنا التقليدية وعن وسائل الإعلام الرئيسية والكتب الدراسية المقررة المعيارية والثقافة الخاضعة للسيطرة. والنتيجة التي تنجم عن خضوع تاريخنا لهيمنة الرؤساء والجنرالات والناس (المهمين) الآخرين، هي خلق مواطنين سلبيين لا يدركون مكمن طاقاتهم وينتظرون دوماً مخلصاً يأتي من السماء على هيئة رئيس أو غيره ليجلب السلام والعدالة. إن التاريخ المنظور إليه تحت السطح في الشوارع وفي المزارع وفي ثكنات الجنود والمعسكرات المتنقلة وفي المصانع والمكاتب، يخبرنا بقصة جورجيا، وفي كل وقت تم رفع مظالم أو وقف حروب أو منح النساء والسود والأمريكيين الأصليين حقوقهم المشروعة، كان ذلك لان أناساً غير مهمين رفعوا أصواتهم بالحديث ونظموا واحتجوا ومارسوا الديمقراطية" (١). الفيروس الأميركي .. فضح الإمبرطورية الأميركية اشتهر في علم السياسة والإستراتيجيات مصطلح (باكس بريتانيكا) ( Pax Britanica) ، وكان وما زال يشير إلى عصر الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس. يتضمن ذلك المصطلح مغزى مهماً (من تصنيع منظري الإمبراطورية)، هو أن الإمبراطورية تنشر السلم والأمان وأنها عبر الانتشار العسكري والكولونيالي في طول وعرض الكرة الأرضية، توحد البلدان المتنازعة تحت رايتها، وتنزع فتيل الصراع ويعيش الجميع في كنفها بسلام. وطبعاً لم تكن الأمور بهذه البساطة والليونة, فقد كان عصر الـ (باكس بريتانيكا) عصراً استعمارياً بامتياز، فيه

стр. 855

نهب لثروات البلدان المستعمرة, وفيه حروب، وفيه قمع، وفيه حالات إبادة عنصرية أيضاً. وفي أعقاب انهيار إمبراطورية لندن أصبحت الولايات المتحدة القوة الخليفة, لكنها رفعت شعار أنها لا تبدأ بأي حرب, بل تدافع عن نفسها, وأن ليس لديها أي مشروع إمبريالي توسعي تحت أي مسمى, ولو كان لفرض السلم العالمي تحت مظلة "باكس أميركانا" ( Pax Americana) (١) . وكتاب الفيروس الأمريكي سخر من ذلك التعبير ويعيد إنتاجه بطريقة تهكمية, إذ يحوره إلى ( Pox Americana) , وهنا فإن كلمة Pox تعني الوباء الفيروسي أو شيئاً قريباً من ذلك. ومن وراء هذا يريد محررا الكتاب أن يقولا للقارئ إن الإمبراطورية الأميركية الراهنة هي كالفيروس المنتشر في العالم, وليس لها علاقة بإحلال السلم العالمي. وينقضان المزاعم الأميركية بعدم وجود نيات إمبريالية وراء الحروب التي تشنها الولايات المتحدة في العالم اليوم، إذ سرعان ما وقع العالم بأكمله أسير الصراع مع الاتحاد السوفياتي وانخرط الطرفان في صراع إمبريالي للسيطرة وشراء الولاءات في مناطق العالم المختلفة. وبدأ منظرون أميركا يكتبون في ضرورة أن يكون لدى الولايات المتحدة مشروعاً إمبريالياً ذا صفات حميدة، منها نشر السلام ولو اقتضى الأمر استخدام القوة في بعض الأحيان كما كان الأمر في فيتنام. وكتب بعض أولئك المنظرين, من أمثال رونالد ستيل, أن الإمبراطورية الأميركية تختلف عن الإمبراطوريات التي سبقتها بأن أهدافها نبيلة وأنها لا تستهدف الربح والاستيلاء على الثروات كما كان ماضي الإمبراطوريات المنقضية. ولكن حتى قبل ذلك التاريخ, كان للإمبريالية الأميركية سجل طويل في التدخل المباشر أو غير المباشر ونقرأ عن حالات الغزو التالية في ذلك السجل: الصين ١٩٤٥, اليونان ١٩٤٧ إلى ١٩٤٩, كوريا ١٩٥. إلى ١٩٥٣, إيران ١٩٥٣, غواتيمالا ١٩٥٤, لبنان ١٩٥٨, الكونغو ١٩٦. إلى ١٩٦٤, كوبا ١٩٦١, أندونيسيا ١٩٦٥, جمهورية الدومينكان ١٩٦٦, تشيلي ١٩٧٣. أما بعد حرب فيتنام فإن القائمة طالت

стр. 856

وشملت: لبنان ١٩٨٢ إلى ١٩٨٤, أنغولا ١٩٧٦ إلى ١٩٩٢, غرينادا ١٩٨٣ و١٩٨٤, أفغانستان ١٩٧٩ إلى ١٩٨٩, السلفادور ١٩٨١ إلى ١٩٩٢, نيكاراغوا ١٩٨١ إلى ١٩٩., بنما ١٩٨٩ و١٩٩٠, العراق ١٩٩١, الصومال ١٩٩٢ إلى ١٩٩٤, هايتي ١٩٩٤, البوسنة ١٩٩٥, يوغسلافيا ١٩٩٩, انتهاء بأفغانستان والعراق في سنوات ٢٠٠١ وما تلاها. وهنا يبدو ضرورياً فهم واستيعاب التاريخ الإمبريالي للولايات المتحدة لتفادي الوقوع فريسة الشعارات البراقة التي تسبق وتحيط بكل حملة إمبريالية أميركية. فجذور الإمبريالية الأميركية تعود إلى هزيمة المسلمين على يد الأسبان في القرن الخامس عشر, واكتشاف العالم الجديد من قبل كولومبس، الذي أتبعه حرب الإبادة ضد الهنود الحمر. وهذا يؤكد ان الجانب الإمبريالي في الولايات المتحدة هو جزء عضوي لا يتجزأ من الرأسمالية نفسها, ولا يمكن أن تنمحي الإمبريالية إلا بإمحاء الرأسمالية نفسها (١). فالاعتقاد بأن الولايات المتحدة ليست قوة إمبريالية, ولا هي قوة استعمارية رغم امتلاكها قدرات هائلة تمكنها من أن تكون كذلك، وهي لم تمارس الاحتلال والاستعمار كما مارسته القوى الإمبراطورية المشابهة السابقة مثل بريطانيا العظمى وفرنسا والبرتغال وإسبانيا. هذا الاعتقاد هو ما ترسخ في الذهنية الأميركية الجماعية, عبر عقود طويلة من السنين. وبناءً عليه, فإن كل التدخلات الأميركية العسكرية الخارجية والاعتداءات والاحتلالات سواء في أميركا اللاتينية, أم في الهند الصينية أو في فضاء المحيط الباسيفيكي لم يكن هدفها سوى نشر الحرية, أو وقف تقدم الشيوعية, أو دعم الديمقراطية. ولكن هذا الاعتقاد يتعرض لنقد لا يرحم في كتاب (الصرح: صعود وسقوط الإمبراطورية الأميركية) , من تأليف نايل فيرغسون المؤرخ البريطاني وأستاذ التاريخ العالمي في كلية ستيرن بجامعة نيويورك. فبالنسبة لفيرغسون لم تكن الولايات المتحدة ومنذ نشأتها سوى إمبراطورية إمبريالية بالمعنى الحرفي للكلمة (٢).

стр. 857

التنظير الجديد لـ (باكس أميركانا) كما كان (روديارد كبلينغ) , الكاتب والروائي والشاعر البريطاني المشهور في ذروة قوة الإمبراطورية البريطانية, يكتب مدافعاً عن الاستعمار البريطاني من منطلق (مسؤولية الرجل الأبيض) إزاء (تحضير وعصرنة) بقية العالم, تطور في السنوات الأخيرة منظرون أميركيون يسوغون للإمبريالية الأميركية الجديدة إستراتيجيتها وأهدافها في العالم. ففي حربي أفغانستان والعراق كان كثير من التنظير الأكاديمي الذي يُساق مدافعاً عن مسوغات الحرب، يقوم على قاعدة شعور أميركا بالمسؤولية التاريخية بكونها قائدة العالم للتدخل من أجل جلب الحرية والتحضر والسلام للشعب الأفغاني والعراقي. وفي قلب التنظير الجديد لـ (باكس أميركانا) المعاصرة تقع الدعوة إلى الديمقراطية, بكونها الهبة الأميركية التي تحملها الدبابات الأميركية إلى البلدان التي تعاني من الاستبداد. وعلى كل حال الأهم من التنظير هو الفعل, فشبكة القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة على أرض المعمورة مخيفة ولا تترك زاوية من زوايا الأرض إلا وعليها وجود للجيش الأميركي. لكن الأمر المدهش للغاية أنه رغم هذا التواجد الإمبريالي الهائل في طول وعرض الكرة الأرضية، ما زال المواطن الأميركي العادي مقتنعاً بأن بلاده بلاد مسالمة ولا تعتدي على أحد, وإنما تتعرض للاعتداءات من قبل الآخرين. فالحكومات الأميركية المتعاقبة كانت ذكية بما فيه الكفاية، بحيث لم تجعل أمر هذه القواعد العسكرية علنياً ومطروقاً, بل أحيل دائما إلى قائمة الأسرار العسكرية, وبهذا تحالف الجهل العادي مع التجهيل المقصود. ومن هنا فإن ردة الفعل الأميركية الشعبية على تفجيرات١١ سبتمبر٢٠٠١ كانت في الكثير من جوانبها مفاجئة للعديدين حين تبدت سذاجة الرأي العام الأميركي إزاء الشؤون الخارجية والقناعة شبه العامة لدى الأميركيين بأن بلدهم وحكوماتهم ليست سوى أحمال وديعة في عالم من الأشرار (١).

стр. 858

أمريكيا البريئة هناك قضية هامة على المستوى الاخلاقي، تروج لها الثقافة الأمريكية منذ عدة عقود، ومفادها أن أمريكا لا صلة لها بآثام القارة الاوروبية، فالمهاجرون الذين قدموا من هناك بدؤوا تاريخاً جديداً من نقطة الصفر. وتقول الكاتبة: "إن وراء دينامية الحلم الأمريكي، وقوة الاكاذيب تظهر اسطورة اخرى مؤسسة، هي ان أمريكا فقدت براءتها. انهم يعلنون ذلك مع كل ازمة تحدث، وتجد هذه السذاجة الامكانية لتعيد انتاج نفسها من جديد. ان الأمر تكرر في (بيل هاربر) وفيتنام و١١سبتمبر". وتتساءل: "كيف يحصل ذلك؟. ان اسطورة الأصل يمكن ان تتلخص هكذا: انسان جديد (الأمريكي) يتخلص من تاريخه ومن مآسي اوروبا العجوز، ويبدأ تاريخاً جديداً من الصفر، على ارض عذراء. لقد كون امة جديدة ويبحث عن السعادة، واجه المأساة (في كل مرة يقال إن هذا يحصل للمرة الأولى). هذه الامة الاخلاقية والمتفائلة تفقد براءتها، كأي حواء تقضم التفاحة". ان النظر إلى التاريخ يكشف انه لا توجد أمة بريئة. وإذا اعتبرنا ان أمريكا غير مسؤولة عن الشمولية والنازية والستالينية والماوية، الايديولوجيات التي خلفت من الموتى في القرن العشرين، اكثر مما عرفه تاريخ البشرية، فهي مع ذلك ليست عذراء ولا طاهرة. انها على الاقل لا تتوقف عن مغالطة ضميرها، والدعوة إلى نظافة نواياها، الأمر الذي يبدو باعثا على السخط. لنلاحظ، انها ليست وحدها، بل معها اوروبا، لا تكف عن ان تعطي لنفسها حق مقاضاة العالم بأكمله، في حين ان ماضيها يجب ان يحرضها على الخشوع" (١). لماذا يكرهوننا ربما كانت عبارة كرمويل شديدة الدلالة حين قال: "تسعة يكرهونني؟ وما هم إذا كنت العاشر الوحيد المسلح"، وهي عبارة تستوحي ما قاله فيلسوف روما قديماً: "دعهم يكرهونك ما داموا يخشونك" وهو قول استرشد به الأباطرة الرومان واستخدموه في المحافظة على هيبة الامبراطوريه وفي البطش والإرهاب وإبادة

стр. 859

الشعوب، وهو ما حرك ضدهم جميع أنواع المقاومة التي أدت في النهاية إلى تفكك امبراطوريتهم وسقوطها (١). وربما ينطبق هذا القول على الأمبراطورية الأمريكية، ولكن مع الفارق في ان الأمريكان لا يعرفون أو لا يريدون ان يعرفوا سبب كره العالم لهم. ففي مؤتمر صحفي عقده بعيد هجمات ١١ سبتمبر، سئل الرئيس جورج بوش لماذا يكرهوننا؟ و (واو) الجماعة كان عائداً على الارهابيين ومؤيديهم، بمن فيهم اولئك الذين كانوا يعرفون باسم الدولة المارقة، والتي ما لبث بوش ان وصمها بمحور الشر (٢). وقد جاء الجواب مضللاً حينها على لسان بوش الابن وصناع القرار: "أن الذين يهاجمون أميركا يدفعهم الحسد والغيرة من الرفاهية والديمقراطية التي تنعم فيها الولايات المتحدة، وهو الجواب الأكبر شعبية وتعميما اليوم" (٣). وقد علق على ذلك (وليام بلوم) بقوله: "هناك بعض الابتدال والتفاهات التي يغدينا قادتنا ونقادنا بها عقب كل هجوم ارهابي ضد منشآت امريكية، هي: ان صورة أمريكا، الجميلة الواقفة على التل يحسدها عليها الجميع، مما يجعلها هدفاً لهجمات الارهابيين الذين لا يستطيعون تحمل ان تنتصر مثل هذه الطيبة المطلقة في عالم ينتمى إلى سيدهم ابن الصباح نفسه الشيطان" (٤). اما لماذا لا ينتبه الأمريكيون لكره العالم لهم، فيعود إلى انشغالهم بأنفسهم، أو كما قال أحد مسؤولي محطات التلفزيون الأميركية العملاقة: "إن الشباب الأميركيين يهتمون بنظام التغذية والريجيم أكثر من اهتمامهم بالخفايا المعقدة لدبلوماسية الشرق الأوسط". وبتفسير أكثر رصانة لرئيس شبكة MSNBC يقول فيه: "إن اللوم يقع على غشاوة وطنية من ضباب المادية، وعدم الاهتمام، والميل إلى الانطواء". وقد أظهر الأميركيون المشاركون فعلياً في السياسة الخارجية الأميركية أنهم ضيقي الافق ومصابون بغطرسة القوة، وراحوا يجادلون بعدم الحاجة إلى

стр. 860

الاهتمام بالأمم الأخرى (١). ولكن ثورة المعلومات والاتصالات أتاحت الفرصة للاعبين جدد غير الحكومات للعمل والتدخل والتأثير، وحدث ما يمكن تسميته بـ (خصخصة الحرب)، فقد استطاعت منظمات أهلية صغيرة ومحدودة في مناطق فقيرة وهامشية ومعزولة من العالم أن تشغل الولايات المتحدة وتهددها (٢). فبعد ان شعر الآخرون أن أميركا قد أعلنت الحرب على العالم - وهو امر يصعب على كثير من الأميركيين فهمه وإدراك أن هذا هو رأي العالم بما يقوم به بلدهم في الخارج- بدأ الأمريكيون يشعرون بكره العالم لهم، حيث ان ضيق أفق الكثير من الأميركيين هو المسؤول عن إطلاق هذه الكراهية. ويحاول (كلايد برستوفتز) ان يفسر سبب ضيق افق الأمريكيين وكره العالم لهم فيقول: "هذا ويرجع ضيق الأفق ذاك، إلى حقيقة كون أميركا لا تعنى بالكثير من الأخبار الخارجية ولا تنفتح على الثقافات الشعبية الأجنبية, ويحكمها نواب منتخبون لم يسبق لهم أن غادروا أميركا". فأميركا بالنسبة للغالبية القصوى من الأميركيين هي (أم العالم) أو هي العالم، وكل ما يجري خلف البحار والمحيطات التي تحيط بها لا يعنيهم في شيء. وهكذا فإن عدداً من اصدقائنا وحلفائنا يبادرون إلى تبني وجهة نظر بعد وجهة نظر اخرى، مناقضة لوجهة نظرنا نحن. فهل هم بلهاء؟ تافهون؟ فاسدون؟ قد يكون عدهم كذلك مريحاً، غير ان الحقيقة هي اننا نحن انفسنا، من يجسد حالة الشذوذ والخروج على المألوف. لقد اصبحنا غرباء كدولة وكأمة. كثيراً ما لا ندرك الحقيقة بسبب ضخامة حجمنا بالذات، هذه الضخامة التى تعرقل رؤيتنا للآخرين، وبسبب قوتنا التي تمكننا من ان نفترض ان معيارنا أو رأينا هو المعيار أو الرأى السائد، أو الذى ينبغي ان يكون سائداً في العالم. "وهكذا فاننا ما زلنا، على مستوى شبه طائفي، متمسكين بالاميال والبوصات ودرجات الفهرنهايت، مع ان باقى العالم انتقل منذ زمن بعيد إلى اعتماد النظام المترى الابسط بكثير". يكمن الجانب الغريب حقاً لهذه الظاهرة في حقيقة هي ان باقي العالم يحرص، بسبب قوتنا على مسايرتنا، وعلى (اخذنا على قدر عقولنا) مما يتيح لنا فرصة الغرق في نشوة الانبهار

стр. 861

وعدم رؤية الواقع. ففيما يظل باقي العالم عاكفاً على مراقبة أمريكا باهتمام وعلى اخذ آرائها في الحسبان، يبقى الأمريكيون غالباً غافلين عن وجود آراء اخرى- أو هم لا يبالون بها إذا انتبهوا إلى وجودها. وليس الامر الذى يثير حفيظة الاجانب من النزعة الاحادية الأمريكية متمثلاً بقراراتها السياسية الواعية، بل متجسداً بحالة النسيان والغفلة الكامنة وراء تلك السياسات والخطط (١). وهناك أيضاً تأكيد كبير على جوانب ضعف الثقافة الأميركية وفشل المخيلة الأميركية في إدراك مدى المعارضة التي تثيرها السياسات الأميركية. فالأميركي المعزول طوعاً بسبب انشغاله في تفصيلات حياته اليومية, أو قسراً بسبب إغراق وسائل الإعلام في القضايا المحلية والتافهة وملاحقة أخبار الفنانين, لا يستوعب ولا يعرف أساساً ما الذي تقترفه السياسة الخارجية الأميركية في بقية مناطق العالم, وكيف يُنتج توحش تلك السياسة عداوات متراكمة ضد الولايات المتحدة وسياستها وشعبها أيضاً. وعندما تنفجر تلك العداوات بشكل عنيف يتفاجأ الأميركيون ولا يدركون ما الذي حدث ولماذا. فقد شهدت الولايات المتحدة بعد عام ١٩٨٩ موجة مراجعة شاملة للسياسات والمواقف الأميركية قائمة على الانكفاء للداخل، وتقليص الإنفاق العسكري، حتى إن محطات الإعلام الأميركي خفضت مكاتبها الخارجية بنسبة الثلثين، ولكن أحداث ١١ سبتمبر أعادت السياسة الخارجية مرة أخرى إلى الواجهة وجعلتها مركز الإستراتيجية الأميركية، حيث كشفت الأحداث عن الحاجة إلى إستراتيجية أميركية جديدة قائمة على القوة العسكرية والقوة الناعمة التي لا تقل أهمية عن السلاح والتقنية، ويقصد بها الثقافة والإعلام، إذ تبين للأميركيين أن العالم يكرههم، فتنبهوا إلى ضرورة تنفيذ حملة إعلامية وفكرية تحت عنوان (لماذا يكرهوننا؟). http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٣/٣/٣-٥-١.htm - TOP

стр. 862

كراهية السياسة الأميركية حدد السيناتور الأميركي الليبرالي (وليم فولبرايت) في كتابه (غطرسة القوة) عام ١٩٦٦، موطن الداء في السياسة الخارجية الاميركيه التي تهيمن عليها بحسب وصفه "روح توسعيه تسعى إلى هداية الدول الأخرى ودعوتها أو إجبارها على الاقتداء بالنموذج الأميركي، باعتباره افضل ما أنجزته البشرية"، حيث كانت هذه الكلمات صرخة قويه تعبر عن الاحتجاج على اعتبار القوة والفضيلة صنوان يتماهيان إلى حد التطابق، وهذه هي الآفة الكبرى للغرب والتي ستقوده إلى الأفول، وربما ستقود البشرية إلى دفع الثمن الذي لا يحتمل. ليس الغرب إذن مجرد هدف للعنف أو الإرهاب، بل هو كان ولا يزال نموذجاً ومثالاً أعلى لصناعة العنف والقوة والارهاب (١). فهذه الحضارة الغربية قد ولّدت أبشع الحروب وأكثرها مأساوية في التاريخ، وأن ضراوة ووحشية تلك الحروب كانت دوماً من حرب إلي أخري، تصبح أكثر تدميراً، وذلك في تناسب مباشر مع الحضارة الغربية وحداثتها. فكلما زادت الحداثة الغربية، زادت إمكاناتها وزادت تبعاً لذلك لا إنسانيتها ووحشيتها (٢). وبدلاً من ان يعترف الغرب وأمريكا بالذات بمسئوليتهم عن صناعة الارهاب، فإن كثير من التحليلات الأميركية تحوم في مجملها حول القول بأن: "الإرهابيين يستهدفون الولايات المتحدة لأنهم يحسدونها, أو لأنهم يكرهون نمط الحياة فيها, أو لأنهم يحبون الموت الأعمى والمجاني". ولكن البعض يقول إن هؤلاء (الإرهابيين) هم نتيجة لظاهرة, وليس ظاهرة بحد ذاتها معزولة عن جذور مؤسسة لها. إنهم, نتاج السياسة الخارجية الأميركية الفاشلة التي حشدت العداء والأعداء في كل العالم وتحصد الآن ما زرعت ليس إلا. فالعالم لا يكره الولايات المتحدة كشعب, أو طريقة حياة, أو نمط تسييس داخلي. لكن ما تكرهه الشعوب هو سياسة أميركا الخارجية لا

стр. 863

حياتها الداخلية (١). بحيث يصير المعادون لأمريكا ظاهرة عالمية بقدر عالمية الهيمنة الأمريكية (٢). وهنا يقول مؤلف كتاب (ترهات امبريالية): "كيف يمكن أن نتوقع أن يبلع العرب والمسلمون دعمنا الأعمى واللامحدود لإسرائيل ولسياستها المتجاوزة كل قانون؟. كيف نريد من تلك الشعوب أن لا تكرهنا ونحن ندعم الأنظمة الفاسدة التي تتحكم في رقابها, على عكس كل شعاراتنا الديموقراطية وكل تغنينا بحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية؟ كيف يمكن أن نتوقع استمرار سكوت هذه الشعوب على السياسات العقيمة التي لا تنتج إلا التطرف بعد أن نكون قد سددنا عليهم كل نوافذ التحرك السلمي والاعتراض غير العنيف؟ ". وهنا يقف المؤلف أكثر من مرة ليكرر أنه بكلامه هذا لا يبرر ما فعله بن لادن ولا يقبل أياً من مسوغاته, لكنه في الوقت ذاته فإنه لا يتردد في توجيه النقد الذاتي إلى السياسين والمفكرين الأميركيين الذين إما كانوا على درجة رفيعة من السذاجة السياسية والثقافية في تجاهلهم للنار التي تمور تحت الرماد, وإما كانوا على درجة كبيرة من الخبث أو اللامبالاة حتى بمصالح بلدهم عندما أوغلوا في سياسة الازدراء والعنجهية الخارجية. لكن سواء أكانت السذاجة أم اللامبالاة فإن الجذر الذي يرصده المؤلف يعود إلى ما يسميه (الترهات أو العجرفة الإمبرطورية) التي تفاقم تحكمها في العقلية الأميركية خلال العقود الأخيرة. فهذه العقلية تؤمن بأن أميركا, سيدة العالم الحر, بإمكانها أن تفعل ما تشاء لأنها تريد تحقيق الخير والمصلحة للعالم ونشر الحرية والديمقراطية. وتعتقد أنها تظل تفعل ذلك حتى تحالفت مع نظم مستبدة أو قلبت أنظمة حكم ديمقراطية أو ضربت حركات تحرر تتأسس لتقاوم الظلم والدكتاتورية في بلدانها. فثمة التباس كبير في الإدراك الأميركي العام, إن على مستوى القيادة السياسية العليا, أو الرأي الشعبي العريض, في اعتبار مصالح الولايات المتحدة هي مصالح البشرية. وأن ما يستعصي على الفهم خارج إطار هذا الالتباس الفاضح مرده إلى تخلف الآخرين وراء

стр. 864

الحدود أو حسدهم أو إرهابهم غير المفهوم أو محدودية ثقافتهم التي لم تنقلهم النقلة المطلوبة لاستيعاب فكرة تماهي المصلحة الأميركية بالمصلحة البشرية العامة. إذ لم يكن مفهوماً بالعمق المطلوب أن هناك مظالم متراكمة وتاريخية ومعاصرة وصلت بشعوب بأكملها إلى انسدادات مطبقة (حيث الأنظمة المستبدة داخلياً, والقوى الضاغطة خارجياً) مما دفع بشرائح من الشبان إلى حواف الجنون والتطرف الذي لا يُرى إلا بأنه أعمى، عندما يرى من الخارج (١). الكيان السياسي العنيف ان تحليل الأسباب السياسية التي تجعل أميركا مكروهة توضح ان: "ما يكرهه الناس في أميركا هو ذلك الكيان السياسي المستند إلى العنف وازدواجية المواقف, والخيلاء, والأنانية, والسذاجة التاريخية التي لا تفرق بين الذات وبقية العالم". فالولايات المتحدة في تعاملها مع بقية العالم تتصرف مثل مراهق نزق هائل الحجم, فإن لم تعجبها السياسة الاقتصادية لبلد ما، فإنها تسحقه بواسطة منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي. فإذا لم يأت لها ذلك بالنتيجة المطلوبة فإنها تفرض عليه العقوبات أو تسعى إلى الإطاحة بزعمائه في انقلاب مدبر كما حدث في إيران وتشيلي وغواتيمالا. أو عن طريق الغزو العسكري كما حدث في أمريكيا اللاتينية واوروبا واسيا". وهنا يقول ايمانويل فالترشتاين: "تبالغ الولايات المتحدة في التعويل على ورقة واحدة في لعبة (البوكر) الدولية، هي الورقة العسكرية. صحيح انه لا يطيب لنا ان نرى انفسنا شعباً مولعاً بالحرب، ولكن هل نستطيع ان نتوقع من الآخرين ان يعانقونا على اننا (محبو سلام) وهم يرون بأعينهم اننا لا نثق في الحقيقة الا بالسلاح (٢). فمن اجل ترسيخ وتثبيت حقها في استغلال الشعوب الأخرى، تلجأ أمريكا بانتظام إلى استخدام أشكال العنف المتطرفة، وفي طليعتها الحرب. فعلى مدى

стр. 865

العقود القليلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية ارتكبت الولايات المتحدة من الجرائم الحربية ضد البشرية، ما يكفي لجعل النظام العالمي الأمريكي جديراً بمحاكمة نيورنبرغ، والإدارة الأمريكيه جديرة بالمصير الذي احاق بالمجرمين الهتلريين. وتلكم هي قائمة العدوان السافر فقط هذا عداك عن الحرب غير المعلنة التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكيه وعلى مدى عشرات السنين ضد السلفادور غواتيمالا، كوبا، نيكاراغوا أفغانستان وإيران واتفقت الأموال الطائلة لدعم الأنظمة العميلة لأمريكا أو المتمردين الذين يتلقون دعم أمريكا، والذين يعارضون الحكومات الشرعية، التي لا تعترف بالسيطرة الأمريكيه في هذه المنطقة. أما هندوراس فقد حولتها الولايات المتحدة إلى رأس جسر للعدوان على السلفادور ونيكاراغوا. وبلغ إجمالي ضحايا الحروب والإرهاب الأمريكيه خلال اقل من نصف قرن تقريبا ١٩٤٨ - ١٩٩٦اكثر من ١٠مليون شخص، هذا عداك عن الجرحى والمشردين (١). وربما هذا هو ما دفع (مارتن لوثر كينج) للتحدث باسم قارات بأكملها حينما صرح قائلاً: "إن متعهد العنف الوحيد في العالم هو بلدى" (٢). نهب ثروات الأمم بالاضافة إلى ان العالم يكره السياسة الأمريكية العنيفة والمتطرفة، فإن هناك اسباب مهمة أخرى لكراهية العالم لأمريكيا. فالاسباب الاقتصادية لكراهية أمريكا تعود الي، إن أميركا "قد جعلت العيش أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة للشعوب الأخرى", بسبب ما تعمد إليه من تلبيس اهتمامها الوحيد بالتجارة الحرة بلبوس المظهر الإنساني الذي تتخذ منه ذريعة للمزيد من التدخلات الخارجية حول العالم (٣). وإذا كانت التجارة الحرة قد تحولت إلي كلمة مألوفة بعد ان تم إيجاد منظمة التجارة العالمية مؤخراً لمراقبتها، فقد ظلت سياسة التجارة الحرة علي الدوام محوراً للرأسمالية الأنجلو-سكسونية. وكان البرلمان البريطاني قد أصدر بيان مبادئ منذ

стр. 866

عهد سحيق يعود إلي عام ١٨٢٠ دعماً للتجارة الحرة المطلقة. وقد تمت إعادة صياغة هذا البيان بموجب قوانين كورن عام ١٨٤٦. وهكذا فإن أيديولوجية الرأسمالية الحاليّة القائمة علي المبادئ الداروينية الأنكلوسكسونية لم تتغير وما زال هدفها النهائي هو المال الذي يجر مالاً، ويجب أن يكون كذلك وبأية وسيلة بالحرب أو السلام. فقط هي الوسائل التي تغيرت، فقد كانت في الماضي عبارة عن الاحتلال المباشر للدول، أما اليوم فتتم من خلال مصائد الديون وإخضاع الإرادة والاستقلالية الاقتصادية. فبعد ان انتهى عصر الاستعمار المباشر وتحرر معظم دول العالم وحصولها على استقلالها، لجأت الدول الاستعمارية إلى اسلوب جديد من الاستعمار من خلال التركيز على نخب معينه في مختلف المجالات لضمان تبعيتها للاستعمار وتنفيد مطالبه واهدافه مقابل منافع خاصه لهذه النخب. فقد تم إيجاد نخبة مختارة في كل بلد ودربت هذه النخبة لخدمة المستعمرين مقابل منافع خاصة بهم. وهكذا وجدت طبقة الواحد بالمئة في هذه المستعمرات وباتت مصالحها ومصالح المستعمر وقوانينه واحدة لا تتجزأ. وفي الوقت نفسه، كانت هذه المصالح، بطبيعة الحال، مختلفة عن مصالح الشعوب. فقد كانت المواد الخام تنتج في المستعمرات وتشحن إلي الدول الغربية حيث تصنع ويعاد شحنها من جديد إلي المستعمرات كمنتجات لتصريفها في أسواقها. أما في النظام الاستعماري الجديد، عندما أصبح النمط القديم من الاستعمار باهظ التكلفة، فقد اعتنق الغرب مبدأ الاستعمار غير المنظور، حيث منحت المستعمرات استقلالها وقام الغرب بتنصيب تلك النخبة التي قاموا بإعدادها وتعيين أفرادها قادة وحكاماً للبلدان المستقلة الجديدة. ومن خلال حرية تحرك رؤوس الأموال والسلع استحوذ المستعمرون الجدد علي القطاعات الصناعية والمالية والشركات الأخري في المستعمرات السابقة، عن طريق الشركات متعددة الجنسيات التابعة لهم (١). وقد سبق لانجلز ان اعرب في احد كتبه عن اعتقاده أن الليبرالية الداعية إلى التجارة الحرة تعاني من خلل ضمني يتعلق بصميم تكوينها لأنها تقوم على استغلال

стр. 867

الطبقات العاملة: وهو وضع بات يعبر عن نفسه بالجريمة وسوف يقود سريعاً إلى الثورة (١). فالولايات المتحدة تشكل اليوم النموذج الأبرز للطفيلية الاقتصادية في التاريخ العالمي: فهي تستهلك ٤٠.% من إجمالي موارد العالم الاستهلاكية، في الوقت الذي لا تزيد نسبة سكانها عن ٥ % من سكان العالم. وهي إذ تستولي من البشرية على القسم الأكبر من الموارد، لا تدفع إلا النذر اليسير مقابل ذلك، والأكثر من هذا أنها تخلف وراءها الطبيعة الميتة والأنهار والأجواء المسمومة، فثلث التلوث للبيئة يحدث بسبب الولايات المتحدة. ومن حيث المعايير الاقتصادية فان ما ينتج في الولايات المتحدة ليس أمريكيا في الواقع بل يخص البشرية، التي قامت بتصديره إليها. إن كل أمريكي يستهلك اليوم ثمانية امثال ما يستهلك نظيره في العالم. فهل يعقل إن يصدق أحد إن الفضل في تأمين هذا المستوى الخارق من الاستهلاك يعود فقط إلى الاجتهاد المميز في العمل أو إلى الإنتاجية العالية؟ (٢). لقد خلص الكثير من المفكرين إلي أن الرأسمالية التي ترتكز علي ثقافة الرغبة، قد فشلت في الوفاء بوعودها، وبدلاً من ذلك فهي لم تجلب لمعتنقيها سوي التعاسة. وكتب (لي آتووتر)، وهو أحد الرموز البارزة في إدارة الرئيس ريغان، في عدد فبراير ١٩٩١ من مجلة (لايف): "لقد ساعدني مرضي علي أن أدرك أن ما كان مفقوداً في المجتمع كان مفقوداً في داخلي أنا أيضاً: قليل من الحب والمودة وقليل من الأخوة. كانت الثمانينيات عقد الاكتساب- اكتساب الثروة والقوة والهيبة، وأعلم أنني اكتسبت من هذه كلها أكثر مما اكتسبه غيري بكثير. ولكن بإمكان المرء أن يكتسب من الثروة والسلطة والهيبة قدر ما يريد، ولكنه سيظل فارغاً خاوياً من الداخل ... لقد تكلفني الأمر هذا المرض العضال القاتل حتي أصل إلي الحقيقة وجهاً لوجه، حقيقة أن هذا البلد، الذي يرزح تحت الطموحات التي لا ترحم والانحلال الأخلاقي، يمكنه أن يتعلم علي حساب تجربتي. لا أعلم من سيقودنا في عقد التسعينيات، ولكن ينبغي عليه أن يتحدث صراحة عن هذا الخواء الروحي في قلب المجتمع الأميركي، إنه ورم

стр. 868

خبيث ينتشر في أرواحنا". لقد اتفق الكثيرون في أميركا مع هذا التحليل: أن هناك ورماً خبيثاً يسري في أعماق الرأسمالية وماديتها ويتغلغل في روحها. ولو قلنا إن أولئك العاملين في قلب الرأسمالية ومركزها والذين يحولون مصادر العالم وثرواته لتصب في جيوبهم ليسوا سعداء ضمن هذا النظام الرأسمالي، فما من شك في أن أولئك الذين عانوا أيضاً من استغلالية هذا النظام في دول الأطراف ليسوا سعداء أيضاً، إن لم نقل أكثر تعاسة. لقد بدأ الطرفان، أباطرة الرأسمالية والشعوب في دول الأطراف، بالبحث عن الحل. يخبرنا التاريخ أن الإنسان منذ بدء الخليقة كان محتاجاً إلي روابط روحية وكان له إلهه الذي يعبده. لقد عاد الناس في كل دول العالم إلي أديانهم وكتبهم المقدسة. وحتي أولئك الذين لم يجدوا إجابات في كتبهم استمروا في البحث عنها في أديان أخري. وظهر العديد من المنظمات الرئيسية الدينية، إلي جانب التنظيمات المتطرفة التي تسمي في أميركا بالجماعات المتعصبة، في كل الديانات مثل المسيحية والإسلام واليهودية وحتي في ديانات أخري مثل الهندوسية. وكلما أصبح تعصب الأسواق أكثر وحشية ازدادت التوترات وارتفعت وتيرة كل أشكال التعصب الأخري (١). الأسباب الحقيقية لكره العالم لأمريكا اذ كانت الاسباب السابقه هى مؤشرات لاسباب كره العالم لأمريكا، الا ان السبب الحقيقي يكمن في ان العقلية الأمريكية المبنية على القواعد التلموذية هى التى تجعل العالم يكره أمريكا، بسبب كون الثقافة الأمريكية في جزء كبير منها ذات جذور يهودية. فكما كره العالم اليهود واليهودية بسبب تكوينهما الفكري والديني العنصري والوحشي والاستغلالى، فان العالم اليوم يكره أمريكا لنفس السبب السابق، حيث تعتبر أمريكا نفسها اسرائيل الجديدة وشعبها شعب الله المختار الذي ميزه الله عن غيره وحمله رسالة الهية لتمدين العالم بكل الوسائل. "وتساند هذه الرسالة رؤية فلسفية حددتها البراجماتية، منها الإيمان بأن الحياة، ثقافة واقتصاداً وسياسة، صراع دموي، وأن البقاء للأقوى. إن مبدأ التطور، حسب التأويل البراجماتي،

стр. 869

يبرر التنافس بين الثقافات. وإن الحروب بين الحكومات والأديان والنظم الإجتماعية والأجناس البشرية والطبقات تقوم على أساس أن بقاء للأصلح، بمعنى الأقوى في نظرهم، هو قانون الطبيعة، وهي طبيعة (حمراء الظلف والناب). وإذا كان الإنسان قد خرج من الصراع وهو سيد الأنواع، فلماذا لا نتطلع إلى سلالة بشرية تكون سيدة السلالات؟ وإذا كانت الثقافة قد تطورت من خلال عملية مماثلة، فلماذا لا نتطلع إلى تقافة هي سيدة الثقافات؟ وبقاء الثقافة وانتصارها على سواها رهن بعمل وجهد أصحابها" (١). هذه الثقافة الأمريكية التي استمدت جذورها من ثقافة العهد القديم، ثقافة النهب والسلب والابادة والقتل والدمار، هى ما يكرهه العالم في أمريكا. ولهذا فقد أمضى (توماس باين) كل حياته في التفنيذ والنقد والتحذير من كتابه المقدس الذي "يفسد البشر ويصنع منهم وحوشاً". انه في عصر العقل يعري أخلاق (العهد القديم) التي تبرر الإبادة والمذابح الطقسيه والتضحية المقدسة بذلك (الآخر) الكنعاني المهدور الدم ... في هذه التعرية يرينا توماس باين كيف يمكن للخطاب المقدس إن يصنع من الإنسان وحشاً يوحد بين طبيعته الوحشية وما يعتقد انه إرادة الله" (٢). وباختصار يمكن القول ان إمبراطورة الشر في العالم تتجسد الآن في أمريكا وقد تمادت في غيها إلى أقصى الحدود مستخدمة كل أنواع الفجور المشفوعة بكل أنواع القوة، بدءاً من أول تاريخها الذي قام على إبادة شعب قارة بأقذر الطرق وأفظعها بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية، وحتى هتلر ودعواه العرقية التي يحتمل انه استمدها من غزاة القارة الأمريكيه، لم تستطيع أن تصل إلى سوية ممارستهم، وانتهاء بالواقع الراهن الذي تباح فيه كل أنواع المحظورات الأخلاقية والأدبية وتحت شعارات واهية (الحرية). وأما حرية الشعوب والحقوق التي يتحدثون عنها بشكل يصم الآذان فلا تتعدى قول بوش الأول: "ما نقوله يمشي". فالحق ما تقوله أمريكا وكلام أهل الأرض قاطبة ضلال. وهنا يبين المفكر واللغوي المشهور (نعوم تشومسكي) كيف أوصلت الولايات المتحدة العالم إلى لحظة الحدود النهائية

стр. 870

بين امتيازات القوة وإمكانية العيش على الأرض، وما هي المخاطر المحدقة بالعالم بسبب هذه السياسة، ولماذا يرغب القادة الأميركيون في تعريض مستقبل البشر للخطر من خلال السعي للسيطرة على العالم مهما كانت التضحيات والخسائر، مثل إرهاب الدولة، وعسكرة الفضاء، وتعطيل الاتفاقات الدولية (١). معنا أم ضدنا: دراسات في ظاهرة معاداة أميركا عالمياً تكمن أهمية كتاب (معنا أم ضدنا: دراسات في ظاهرة معاداة أميركا عالمياً) في أن محرريه, قد عالجا مسألة انتشار ظاهرة العداء للولايات المتحدة الأميركية على المستوى العالمي وفي مناطق مختلفة ومتباعدة ومن زوايا عدة, ولم يختصرا أو يربطا ظاهرة العداء لأميركا بالشرق الأوسط أو العالم العربي والإسلامي كما حاول غيرهما فعل ذلك (لغاية في نفس يعقوب)، حيث يشير المحرران في مقدمة الكتاب إلى أن ظاهرة العداء المتزايد للولايات المتحدة الأميركية في العالم إنما تعود إلى التناقض الكامن في سياسات الولايات المتحدة نفسها, فهي تدعو إلى احترام القانون وفي نفس الوقت تقوم بانتهاكه, وتدعو إلى احترام الديمقراطية ثم تقوم بانتهاكها. ومن هنا, فإن انتشار المشاعر المعادية للولايات المتحدة لا يعد إلا رد فعل على سياساتها المتضاربة التي تعتمد على التحدي الفردي والقوة العسكرية بشكل مبالغ فيه, وهو الأمر الذي من شأنه أن يولد شعوراً لدى الجماعات الوطنية والدينية المختلفة بخطورة الولايات المتحدة وبكونها عدواً تشكل (رسالته العالمية) تهديداً لها. ويضيف المحرران أن سياسات جورج بوش كانت سبباً أساسياً في انتشار مظاهر العداء للولايات المتحدة الأميركية، وإن هذا العداء هو عداء لسياسات بوش بالدرجة الأولى وإدارته، التي عكست للآخرين مدى الانفراد الأميركي بإدارة شؤون العالم، الأمر الذي قاد العديدين للقول بعجرفة وغطرسة الولايات المتحدة الأميركية خاصة اثر تصرفاتها الأحادية.

стр. 871

مؤشرات سلبية عن صورة أميركا في أوروبا لم يحدث في تاريخ أوروبا أن تشكلّ إجماع شبه مطلق ضدّ أمريكا مثلما هو الحاصل الآن بعد شروع أمريكا في إحتلال العراق. وإذا كان الإعتراض على أمريكا في أوروبا في وقت سابق مقصور على التيارات والنخب الثقافية اليسارية, فقد بات الغضب على أمريكا سمة الشارع الأوروبي في الظرف الراهن. ولأوّل مرة تتوافق القوى السياسية اليمينية واليسارية والتي تقف في الوسط, والكنائس والتيارات الدينية بمختلف مذاهبها، على الإعتراض الشامل على أمريكا سياسة وتوجهات عدوانية. كما أنّه ولأول مرّة وفي معظم الدول الأوروبية تتقاطع فيه التوجهات الرسمية مع التوجهات الجماهيرية، حيث أصبحت أمريكا دولة عدوانية بدائية، بعد أن نجحت في تسويق نفسها أوروبياً في وقت سابق كدولة ديموقراطية أولى في العالم (١). وتؤكّد إستطلاعات الرأي العام في معظم العواصم الأوروبية كألمانيا والسويد والنرويج وفنلندا والدانمارك وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان وغيرها، أنّ أغلبية شعوب هذه الدول هيّ ضدّ أمريكا وسياستها العدوانية في العراق. ففي فرنسا تضامن الشعب الفرنسي والحكومة مع خسائر الولايات المتحدة في أحداث ١١ سبتمبر, لكن الولايات المتحدة خسرت هذا التعاطف تجاهها، عندما قررت غزو العراق دون الاكتراث لموقف (أوروبا العجوز) -على حد تعبير وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد- وقتئذ. وفي ألمانيا تولدت ظاهرة العداء لأميركا نتيجة عوامل عديدة، أبرزها العوامل التاريخية مثل الماضي النازي وذكريات الحرب الباردة. وقد عززت الحرب الأميركية على العراق وإمطاره بالقنابل والقذائف والصواريخ المخاوف الشعبية الألمانية، وأحيت ذاكرته المرتبطة بذكريات مشابهة عن قصف مماثل تعرضت له المدن الألمانية في الحرب العالمية الثانية، وطرد الألمان من شرق أوروبا. ولا يقتصر العداء على الجانب السياسي, إذ تعارض قطاعات واسعة في ألمانيا نموذج حرية السوق الأميركية. ويندرج في هذا اهتمام الأجيال الشابة في ألمانيا، كما هي

стр. 872

الحال في أوروبا عموماً، بقضايا مثل العولمة وتدهور البيئة، والدور السلبي للولايات المتحدة تجاهها. أما في روسيا فإن المشاعر القومية والدينية (الأرثوذكسية) تلعب دوراً في تغذية العداء للولايات المتحدة، وإن انهيار الاتحاد السوفياتي كقوة عظمى خلق لدى البعض امتعاضاً ومشاعر كبيرة من العداء لأميركا، خاصة عندما يقيم القوميون الروس مقارنة بين التدخلات الانتهازية والاستعمارية للولايات المتحدة في العالم من جهة، ومساندة الاتحاد السوفياتي لشعوب العالم المقهورة ودعم حركات الاستقلال سابقاً, بهدف المساعدة وليس المصلحة من جهة ثانية, كما يقول هؤلاء. وهم كما الألمان والفرنسيين عارضوا بشدة الحرب الأميركية على العراق عام ٢٠٠٣ (١). هل يجب الخوف من أمريكا ؟ تعتبر (نيكول باشاران) (٢) الاختصاصية الأولى على المستوى الفرنسي في شؤون الولايات المتحدة، ويكاد أن يصح العكس ايضاً. هي امريكية لدى الفرنسيين، وفرنسية لدى الأمريكان. لقد بلغت أرجاء العالم قاطبة اصداء الصرخة التي اطلقتها بعد ساعات من احداث ١١ سبتمبر عبر القناة الثانية في التلفزيون الفرنسي: (كلنا امريكيون)، وصارت شعاراً، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مبرر لنقد انسياقها وراء العاطفة الأمريكية الجياشة، بدلاً من ان تعمل ميراثها (الديكارتي) من أجل قراءة متأنية للموقف. وتقدم في كتابها الجديد الذي صدر بالفرنسية: (هل يجب الخوف من أمريكا؟)، صورة هي كناية عن مزيج بين تجربة شخصية حياتية قائمة على المعايشة والمعاينة المباشرة، وقراءة سياسية مبنية على محاكمة منهجية يلعب التاريخ دوراً أساسياً في توجيهها، حيث تبدأ الكتاب باعتراف شخصي على قدر كبير

стр. 873

من الأهمية: "لطالما تساءلت أنا شخصياً، في ما إذا كانت أمريكا مصدر ألم العالم. وفي ما إذا كان واقع الحال، يطابق الصورة التي ترسم لها من هذه الضفة الثانية من الاطلسي: مغرورة، عنيفة، عديمة المساواة، مبتذلة، أمريكا امبريالية. ان أمريكا مثلما تسحر، هي موضوع كل حوار، وهدف كل نقد، لقد تم الحكم عليها بوصفها المسؤولة عن كل صداع الأرض. بل انها تحولت في السنوات الأخيرة إلى مادة للتندر، وصارت عبارة: على الطريقة الأمريكية، مثار شتيمة. (تحرير على الطريقة الأمريكية) و (نظام صحي على الطريقة الأمريكية) و (طائفية على الطريقة الأمريكية) ". تجربة شخصية تقول الكاتبة: أمريكا جزء من تاريخي وعائلتي وثقافتي. امضيت طفولتي في فرنسا في وسط فرنسي امريكي، وجزءاً من حياتي بعد ذلك في الضفة الأخرى من الاطلسي. تابعت دراساتي وعملت وربيت بناتي الثلاث في الولايات المتحدة، لقد كنت أراهن وهن يكبرن هناك، وفي كل صباح يقفن في ساحة المدرسة لتحية العلم الأمريكي، وهن ينشدن، والأيادي على القلوب، النشيد الوطني الأمريكي في المناسبات. شقيقتي عاشت هي الأخرى هناك واختطفها الموت قبل الأوان. حماتي لاتزال تعيش هناك في وسط امريكي محض. داخل هذه القبيلة الغريبة، الانجليزية هي لغة البيت: الضحك والمشاحنات والمسامرات. لقد عدت للاستقرار في فرنسا منذ حوالي عشر سنوات، لكن ما ازال موزعة بين البلدين. أمريكا الخاصة بي، كما يقول المغني الراحل (جاك بريل): "ليست حلما ولا وسواسا. انها ببساطة، حياتي وعملي". في كل يوم من اجل ناشري ومستمعي ومشاهدي على التلفزيونات، وجمهوري في الندوات، احاول ان اقيم مسافة: اشرح أمريكا للفرنسيين، وفرنسا للامريكيين. اشعر بالاغتناء من هاتين النظرتين للعالم، وأنا كالجسر بين هاتين الحقيقتين. وتضيف: ابحر دائماً بين هذين القطبين والقارتين، وحين هبت ريح مجنونة بينها خلال عدة اشهر، في فرنسا رأيت هوة تحفر، سوء تفاهم يقوم ... فجأة تحولت أمريكا إلى طفلة

стр. 874

الغرب الشقية، بشعة ومرعبة، وحش مغرم بالغزو. هل حقاً أمريكا التي تخصني تتصرف بهذه الطريقة الفظة؟. نعم، الحلم الأمريكي لا يزال له معنى ... ولكن ! تحت هذا العنوان تبدأ المؤلفة بالاستشهاد بجملة لمهاجر ايطالي في نهاية القرن التاسع عشر مخطوطة على باب متحف نيويورك تقول: "قالوا ان شوارع أمريكا مبلطة بالذهب، لكني حينما وصلت اكتشفت ثلاثة أشياء: الأول، انها غير مبلطة بالذهب. الثاني، انها ليست مبلطة على الاطلاق. الثالث، انهم ينتظروني لأقوم بتبليطها". ومن هنا تطرح السؤال: كم عدد الناس الذين رغبوا بالذهاب إلى أمريكا؟. عشرات ملايين النساء والرجال والاطفال، راودهم هذ الامل. هناك ارض بوسعنا ان نبدأ فوقها حياة جديدة، هناك بلد حيث بوسعنا الوصول إلى ما هو غير متاح: الحرية، الرخاء المادي، بل ان الثروة ممكنة كذلك. هذا هو (الحلم الأمريكي). فالحلم الأمريكي ليس طموح المحظوظين والأحرار والذين يعيشون الرفاه المادي، انه حلم الفقراء والمهاجرين الذين يحاولون منذ عدة قرون، بشتى الوسائل، الوصول إلى أمريكا (١). ولكن هذا الحلم له وجه آخر .. فنحن نعرف منذ البداية ان هناك وجهاً مخفياً لهذا التاريخ الجميل، كذبة خلف المثاليات الكبرى، نوعاً من الخطيئة العامة. فالقارة التي تم اكتشافها من طرف المستكشفين الاوائل لم تكن خالية تماماً، مثلما كان الامر بالنسبة إلى سكانها الاصليين، اذ لم تكن هناك حرية ولا سعادة، ولا حتى حياة. كانت البداية بين المستوطنين والهنود الحمر عبارة عن صدامات ومجازر، ولكن تحالفات ايضاً، وحتى زيجات. لكن لم يطل الوقت حتى بدأت الصدامات بين الطرفين وكان البادئ بها هم المستوطنين الذين جاؤوا من اوروبا، بهدف توسيع مزارعهم وزيادة ملكياتهم من الاراضي، لذا كان طرد الهنود لا رجعة فيه، ومهما بلغ الثمن. فكانت المجازر وعمليات الترحيل الجماعي نحو جزر الانتيل، ومن ثم موجات الموت

стр. 875

الجماعي عن طريق الانفلونزا والسل وأمراض اخرى، لم تكن معروفة حتى هذا الوقت في هذا الجزء من العالم. لقد قاد ذلك إلى حلم مشوه ومنحرف. في سنة ١٨٢٠ كانت يتوجب عليهم ترك كل المناطق لعبور نهر اوهايو شمالاً، وفي سنة ١٨٣٠ طردوا جميعاً إلى غرب الميسيسيبي. شيئاً فشيئاً بدا ان هناك عملية مسح مدروس للهنود من الأرض التي عاش عليها اجدادهم آلاف السنوات. مكان فارغ من اجل الحلم الأمريكي! كانت المواجهات الاخيرة مع القوات الفيدرالية سنة ١٨٩٠، ولم يبق من الهنود في مناطق المحميات المخصصة لهم سوى ٣٠٠ ألف نسمة. وقد اتبعت الحكومة سياسة الحفاظ على هذا القدر، وأعطتهم حق ادارة القطعة الصغيرة الواقعة تحت تصرفهم مع منحهم الجنسية الأمريكية، بعضهم اندمج في المجتمع الأمريكي، والبعض الآخر لايزال يعيش على طريقة الأجداد. وتتساءل الكاتبة: هل تصفية الهنود كانت مزروعة في جذر الحلم الأمريكي، هل كانت المقابل الذي لم يكن من الممكن تلافيه لديمقراطية جيفرسون؟ وتجيب: لا اعتقد. ان بناء عالم جديد لا يحتم تصفية السكان القدامى. كان هناك الفضاء الكافي، والمتسع من الارض، بل ان بعض القيم الهندية كان يمكن ان يجد مكانه داخل الحلم الأمريكي، وكان بوسع هذه البصمات والانسجام ان يخلقا عالماً جديداً عن حق (١). أمريكيا طليعة الانحطاط هكذا تحول الوهم الذي دام اكثر من مائة عام، والذي سمى بالحلم الأمريكي إلى كابوس أمريكي، بسبب رغبة قادة أمريكا في السيطرة على العالم وبسبب جموحها البربري في التسلح، وبسبب نفاق تلك (الليبرالية) الإقتصادية المفروضة على الشعوب لامتلاك أسواقها بإنشاء عدة امبراطوريات للشر متعاقبة، تبرر إرهابها الخاص باسم محاربة الإرهاب، وتبرر جرائمها ضد الإنسانية: ضد الهنود والسود والفيتناميين، والحصار المفروض على كوبا وليبيا وإيران، والعراق الذي يشهد الصليب الأحمر الآن بأن أكثر من مائتين وخمسين ألف من أطفاله قد ماتو، في الوقت

стр. 876

الذي تشهد فيه أيضا منظمة (اليونيسيف) بأن طفلاً من بين ثمانية أطفال في أمريكا نفسها لا يجدون ما يسد رمقهم. إن هؤلاء المدافعين عن (حقوق الإنسان)، إلى جانب جرائمهم ضد الإنسانية، يسجلون الأرقام القياسية العالمية في تعاطي المخدرات، وانتحار المراهقين، وعدد الجرائم والفساد والمسجونين والموضوعين تحت المراقبة. وتغطي السينما الأمريكية، بالديكورات الحالمة، شراهة حيتان مسلسل (دالاس)، كما تخفي حقيقة عنف ديناصوراتهم، ومدمريهم من أفلام (شوازينجر) الذي اصبح حاكم ولاية كاليفورنيا. إن إعلامهم وجميع وسائله هي شعاع الموت الذي يحطم على المستوى العالمي روح النقد، بل الروح ذاتها، في الثقافة، والأمل، والحب، عند خمسة مليارات من البشر" (١). لقد اصبحت قيادة المجتمع الغربى والعالم بقبضة دوله بلا خلفية حضارية وبلا تاريخ .. وبلا اهداف سامية. فقط جمع المال والسيطرة على الآخر. فأمريكا تلك التى اصبحت قائدة الغرب الرأسمالى، تشكلت من مجتمع هجين، اناس مغامرون يبحثون عن الماال والربح السريع، ومستعدون للتنازل عن كل شئ مقابل الحصول عليهما. حيث اقاموا مجتمعاً جديداً، خليطاً من عدة اجناس وقوميات لا رابط بين افراده .. الا الربح على حساب تدمير وسحق اصحاب البلاد الاصليين (الهنود الحمر) " (٢). وهذه الدولة استطاعت عبر رؤوس الاموال المكدسة لديها، وعبر تغلغلها في اوروبا عبر الدعم الاقتصادى ومشروع مارشال .. ان تبدأ ما يمكن تسميته امركة اقتصاديات العالم من خلال الشركات المتعددة الجنسيات وفرض الدولار كوحدة نقد عالمية. وبعد الاقتصاد جاء دور الثقافة - الحصن الاخير للمجتمعات - قبل السقوط النهائى امام وحش المال الامريكى الصهيونى. وبدأت محاولات نشر ثقافة ذلك المجتمع الهجين المركب، مترادفة مع امركة الاقتصاد والسياسة. وبدأت المفاهيم الهجينة المسطحة التى افرزها ذلك المجتمع تغزو دول العالم، عبر السينما والقصه والاغنية والموسيقى والكوكا كولا والجينز والمأكولات السريعة .. ولم تكن اوروبا

стр. 877

بمعزل عن هذا الغزو الشامل. وتعمل الولايات المتحدة على استكمال هجومها، فنجد العالم وكأنه امام عدوان لاحضارى امريكى على كل من الشرق واوروبا. يحاول اجتثات كل جذور الحضارات، بفرض هيمنة النموذج الامريكى المتوحش على الحياة البشرية برمتها. ولا يقتصر هذا الخطر على شعوب الجنوب .. بل يطال شعوب اوروبا واليابان ايضاً. وبهدف التعميه على هذه الحقيقة، حقيقة استهداف اوروبا من قبل الخطر الامريكى الصهيونى المتوحش، كانت نظرية هامنتغون (صدام الحضارات) وغيرها من النظريات الأمريكية الصهيونية، التى تتحدث عن حضارة مسيحية يهودية في مواجهة حضارة الإسلام وحضارات الشرق والتصادم معها (١). وفي تلك الهجمة الدونية المسماه (حضارة امريكية) حلت حرية السوق مكان حرية الانسان، فاصبحت تلك الحرية تعطى لمن يملك كل شئ دون حدود الا حدود ما يملك من القوة والامكانيات المالية. وتسحق من لا يملك إلى اقصى درجة .. تهدف إلى بناء عالم ابعد ما يكون عن القيم والاخلاق الانسانية، عالم متصادم ومتصارع في كل شئ .. لا مكان فيه للعدل والتوازن .. أو التكامل لمواجهة التحديات والاخطار التى تواجه البشرية باستمرار. يتحول فيها الانسان إلى وحدة اقتصادية رشيدة، انتاجية استهلاكية، بعيداً عن اى مضمون اخلاقى أو قيمى انسانى .. لا تشغل نفسها بغير الانتاج والاستهلاك، وتسقط كل المبادئ والقيم الانسانية، فلا قداسه ولا احترام لشئ الا المال والذهب ومن يملكهما (٢) واصبح القتل من أجل المال يقع ضمن قِيَم النظام الذي تطالب الولايات المتحدة العالم بتبنيه. ففي نظام الرأسمالية المعلوماتية يعتبر المال المقياس النهائي للنجاح (٣). بهذه الخلفية تقتحم الولايات المتحدة الساحة، وهي صاحبة (رسالة خالدة)، وهذا نهجها: الصراع بكل الوسائل، دعاية واعلاماً وحرباً باردة أو ساخنة في سبيل فرض ثقافة، هي الأقوى سلاحاً لا مضموناً، ومن ثم تصبح بحكم الأمر الواقع سيدة الثقافات. وإذا كان الحق هو ما ينفع، والخير هو المصلحة، إذن ما الخطأ في اتباع كل

стр. 878

وسيلة ممكنة وصولاً إلى هذا الغرض؟ لنصوغ ثقافة هادفة نضع تصميمها ونفرضها بكل الوسائل على البشر. إنها معركة مقدسة من أجل رسالة خالدة هدفها تدجين الإنسان وتحقيق المصلحة (١). فأميركا مدعوة إلى تمثيل الجمهورية الإلهية الوحيدة، ورأى (بنيامين فرانكلين) أن الولايات المتحدة ستكون مولدة لمجتمع عالمي، حيث المؤسسات والعادات والمبادئ الأميركية جاهزة للتطبيق في كل مكان. ومع هذه الوظيفة الفريدة تلازمت ضرورة التوسع في الأراضي، فأميركا في رأيها أنه ليس لأرضها القومية سوى حدود غامضة متحركة قابلة للتوسع باستمرار اعتماداً على ثنائيتها الأيديولوجية: أنموذجية شبه صوفية غازية من جهة، ومحو البنى السياسية والاجتماعية والثقافية لكل كيان غير أميركي من جهة ثانية (٢). والمجتمع العالمي الذي يقصده فرانكلين هو المجتمع الذي يتبنى قيم ومباديء النظام العالمي الجديد التي هي ذاتها قيم الرأسمالية الانكلوسكسونية التي دمجت بين قوة المال وقوة الإعلام لخلق اقتصاد طفيلي جديد. ولكن هذا الاقتصاد الجديد أصبح عبئاً علي الاقتصاد المنتج. وفي هذا الاقتصاد المنتج القديم يعتبر المال إحدي وسائل الإنتاج لا أكثر، أما في هذا الاقتصاد الطفيلي المعلومالي الجديد فقد بات الغرض الأوحد للمال هو جني المزيد من المال دون دخول حلبة الإنتاج. ولقد حوّل بارونات المال اللصوص في كل أرجاء الدنيا، العالم إلي كازينو وقاموا عبر أموالهم ووسائل إعلامهم بتعيين القوي الحاكمة في الولايات المتحدة لإدارة شؤون هذا الكازينو نيابة عنهم مستخدمين ذراع الولايات المتحدة الطولي لهذا الغرض. وقد ساهم الانفجار المعاصر في تكنولوجيا الاتصالات الحديثة في تسارع نمو ووحشية الرأسمالية الأنكلوسكسونية، والتي وظفت تقنيات أكثر بشاعة وشيطانية لتحقيق المبادئ القديمة نفسها، التي تتبناها والتي لم تمسها يد التغيير في يوم من الأيام. وقد استخدم بارونات الربا علي الدوام أسرع وسائل الاتصالات التي كانت موجودة في وقتها، من الحمام الزاجل الذي وصلت عائلة روتشيلد من خلاله إلي

стр. 879

معرفة أخبار معركة واترلو قبل الآخرين، إلي وسائل الكمبيوتر الحديثة. وكان احتكار الإعلام والمعلومات المالية علي الدوام من المتطلبات الضرورية وأحد الأعمدة الرئيسية التي يقوم عليها المجتمع المالي. وقد تمخض هذا المزيج المخيف من قوة المال وقوة الإعلام وقوة التسويق سواء للأشخاص أم للأفكار، عن قدرة هائلة علي غسل الأدمغة لا تقدم للعالم سوي رؤية واحدة فقط لا غير، وهي رؤية قوي الظل التي تسيطر علي العالم عبر واشنطن. لقد قامت قوي الظل هذه بفرض إعادة تشكيل الاقتصادات الإنتاجية للدول ليتوافق مع مخططاتها للهيمنة الاقتصادية وتمت تسمية هذه التغيرات، ظلماً، بأنها إصلاح، وما هي في حقيقتها سوي إعادة تشكيل للاقتصادات بطريقة تمكنهم من السيطرة عليها. ولقد اعتمدوا لذلك وسائل الصدق والكذب سويّاً للوصول إلي هذه الأهداف (١). إن معنى الكلمات نفسه قد تشوه: فنستمر في إن نطلق كلمة (تقدم) على انحراف أعمى يؤدي إلى تدني الإنسان والطبيعه .. ونطلق كلمة (ديمقراطية) على أشنع قطيعة عرفها التاريخ بين من يملكون ومن لا يملكون .. ونطلق كلمة (حرية) على نظام يسمح - بذريعة التبادل وحرية السوق -لأولئك الأكثر قوة إن يفرضوا الديكتاتورية، عديمة الانسانيه، تلك التي تسمح لهم بابتلاع الضعفاء .. ونطلق كلمة (عولمه) لا على حركة تؤدي إلى وحدة متآلفة الأنغام للعالم، عن طريق اشتراك كل الثقافات، ولكن بالعكس على انقسام يتنامى بين الشمال والجنوب نابع من وحدة امبرياليه وطبقيه .. انقسام يدمر تنوع هذه الحضارات ومنتجاتها لفرض لا ثقافة الراغبين في التحكم في الكوكب (٢). ولم تكتف أميركا باحتكارها للقوة المسلحة من خلال الحلف الأطلسي وقبعات الأمم المتحدة الزرقاء، وباحتكارها للاقتصاد من خلال المؤسسات الدولية الخاضعة لتقلبات السوق التي تتحكم بها أميركا، إنما احتكرت أيضا وسائل الاتصال الجماهيري. فأميركا تسيطر على هذا القطاع وشهدت ولادة كبرى الوسائل. كما ان الوكالات الأميركية للأنباء قادرة على مراقبة ٩٠% من الإعلام المبثوث. ويسيطر

стр. 880

الاعلام الأمريكي والموسيقى الأمريكية وبرامج الكميوتر والكتب وافلام السينما والاصدارات المطبوعة على مستوى العالم اجمع، حيث تنتج أمريكا ما يزيد عن ٧٥% من الانتاج العالمي لبرامج الكمبيوتر سنوياً، و٦٠% من الانتاج الموسيقي، و٣٢% من اصدارات الكتب (١). وبالتأكيد فإن هذه السيطرة ليست عيباً أو امراً محرماً، ولكنها تصبح كذلك عندما تتحول إلى احتكارات لمص دماء الشعوب المقهورة، ولسلاح فتاك للسيطرة على عقول الجماهير والتلاعب بها. يقول ميشال بوغنون: "ان الإعلان يدين لأميركا بأنها جعلت منه سلاحاً فعالاً، للتلاعب بعقول الجماهير وللغزو السياسي والثقافي والاقتصادي، ومعظم أجهزة التلفزة تحاكي البرامج الأميركية. أما في مجال السينما فإنه لا طاقة لأوروبا في الصمود في مواجهة مدفعية هوليود، فقد تلاشى معظم إنتاجاتها الوطنية، في هاوية الصناعة السينمائية الأميركية. فضلاً عن ذلك فإن الولايات المتحدة أجادت استخدام التكنولوجيا وتسيطر على معظم محركات الاتصال في العالم، وتخضع الإنترنت لشركاتها العملاقة، وذلك في الوقت الذي أساءت فيه أوروبا، استعمال التنمية التكنولوجية. ويبلغ التبرم بالكاتب من أميركا ذروته، ويحاكم اللباس الأميركي، ذلك (الرداء البقري) كما يسميه، ويحاكم الذوق الأميركي الذي جعل من الأطعمة غير المتناهية من الطعم والكثيرة الروائح، جميعها أكلة واحدة ناشفة تسمى (الأكلة السريعة). حتى إنه توقف عند اللسان الأميركي وكيف فعل فعله في تشويه اللغة الإنجليزية وإخضاعها للأمركة" (٢). فامركيا تسعى إلى أمركة الكون وهذا ما يعترف به المفكر الامريكى دانيال بورستين في كتابه "تاريخ الأمريكيين"رغم دفاعه عنها حيث يقول: «عملياً فيما يرسله لنا الأمريكيون يوجد الكثير من السوقية والكثير من الأدوات المريبة إن كان ذلك يتعلق بالهمبرغر الذي لا طعم له والذي يرافقه البصل والكاتشب، أو بالأفلام التلفزيونية التافهة أو بالشيوخ الروحيين الفاشلين لكاليفورنيا أو بالصخب الصارخ
следующие страницы →