← Общие книги

Общие книги · id 36505

الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم

يوسف الطويل

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الذي تشهد فيه أيضا منظمة (اليونيسيف) بأن طفلاً من بين ثمانية أطفال في أمريكا نفسها لا يجدون ما يسد رمقهم. إن هؤلاء المدافعين عن (حقوق الإنسان)، إلى جانب جرائمهم ضد الإنسانية، يسجلون الأرقام القياسية العالمية في تعاطي المخدرات، وانتحار المراهقين، وعدد الجرائم والفساد والمسجونين والموضوعين تحت المراقبة. وتغطي السينما الأمريكية، بالديكورات الحالمة، شراهة حيتان مسلسل (دالاس)، كما تخفي حقيقة عنف ديناصوراتهم، ومدمريهم من أفلام (شوازينجر) الذي اصبح حاكم ولاية كاليفورنيا. إن إعلامهم وجميع وسائله هي شعاع الموت الذي يحطم على المستوى العالمي روح النقد، بل الروح ذاتها، في الثقافة، والأمل، والحب، عند خمسة مليارات من البشر" (١). لقد اصبحت قيادة المجتمع الغربى والعالم بقبضة دوله بلا خلفية حضارية وبلا تاريخ .. وبلا اهداف سامية. فقط جمع المال والسيطرة على الآخر. فأمريكا تلك التى اصبحت قائدة الغرب الرأسمالى، تشكلت من مجتمع هجين، اناس مغامرون يبحثون عن الماال والربح السريع، ومستعدون للتنازل عن كل شئ مقابل الحصول عليهما. حيث اقاموا مجتمعاً جديداً، خليطاً من عدة اجناس وقوميات لا رابط بين افراده .. الا الربح على حساب تدمير وسحق اصحاب البلاد الاصليين (الهنود الحمر) " (٢). وهذه الدولة استطاعت عبر رؤوس الاموال المكدسة لديها، وعبر تغلغلها في اوروبا عبر الدعم الاقتصادى ومشروع مارشال .. ان تبدأ ما يمكن تسميته امركة اقتصاديات العالم من خلال الشركات المتعددة الجنسيات وفرض الدولار كوحدة نقد عالمية. وبعد الاقتصاد جاء دور الثقافة - الحصن الاخير للمجتمعات - قبل السقوط النهائى امام وحش المال الامريكى الصهيونى. وبدأت محاولات نشر ثقافة ذلك المجتمع الهجين المركب، مترادفة مع امركة الاقتصاد والسياسة. وبدأت المفاهيم الهجينة المسطحة التى افرزها ذلك المجتمع تغزو دول العالم، عبر السينما والقصه والاغنية والموسيقى والكوكا كولا والجينز والمأكولات السريعة .. ولم تكن اوروبا

стр. 877

بمعزل عن هذا الغزو الشامل. وتعمل الولايات المتحدة على استكمال هجومها، فنجد العالم وكأنه امام عدوان لاحضارى امريكى على كل من الشرق واوروبا. يحاول اجتثات كل جذور الحضارات، بفرض هيمنة النموذج الامريكى المتوحش على الحياة البشرية برمتها. ولا يقتصر هذا الخطر على شعوب الجنوب .. بل يطال شعوب اوروبا واليابان ايضاً. وبهدف التعميه على هذه الحقيقة، حقيقة استهداف اوروبا من قبل الخطر الامريكى الصهيونى المتوحش، كانت نظرية هامنتغون (صدام الحضارات) وغيرها من النظريات الأمريكية الصهيونية، التى تتحدث عن حضارة مسيحية يهودية في مواجهة حضارة الإسلام وحضارات الشرق والتصادم معها (١). وفي تلك الهجمة الدونية المسماه (حضارة امريكية) حلت حرية السوق مكان حرية الانسان، فاصبحت تلك الحرية تعطى لمن يملك كل شئ دون حدود الا حدود ما يملك من القوة والامكانيات المالية. وتسحق من لا يملك إلى اقصى درجة .. تهدف إلى بناء عالم ابعد ما يكون عن القيم والاخلاق الانسانية، عالم متصادم ومتصارع في كل شئ .. لا مكان فيه للعدل والتوازن .. أو التكامل لمواجهة التحديات والاخطار التى تواجه البشرية باستمرار. يتحول فيها الانسان إلى وحدة اقتصادية رشيدة، انتاجية استهلاكية، بعيداً عن اى مضمون اخلاقى أو قيمى انسانى .. لا تشغل نفسها بغير الانتاج والاستهلاك، وتسقط كل المبادئ والقيم الانسانية، فلا قداسه ولا احترام لشئ الا المال والذهب ومن يملكهما (٢) واصبح القتل من أجل المال يقع ضمن قِيَم النظام الذي تطالب الولايات المتحدة العالم بتبنيه. ففي نظام الرأسمالية المعلوماتية يعتبر المال المقياس النهائي للنجاح (٣). بهذه الخلفية تقتحم الولايات المتحدة الساحة، وهي صاحبة (رسالة خالدة)، وهذا نهجها: الصراع بكل الوسائل، دعاية واعلاماً وحرباً باردة أو ساخنة في سبيل فرض ثقافة، هي الأقوى سلاحاً لا مضموناً، ومن ثم تصبح بحكم الأمر الواقع سيدة الثقافات. وإذا كان الحق هو ما ينفع، والخير هو المصلحة، إذن ما الخطأ في اتباع كل

стр. 878

وسيلة ممكنة وصولاً إلى هذا الغرض؟ لنصوغ ثقافة هادفة نضع تصميمها ونفرضها بكل الوسائل على البشر. إنها معركة مقدسة من أجل رسالة خالدة هدفها تدجين الإنسان وتحقيق المصلحة (١). فأميركا مدعوة إلى تمثيل الجمهورية الإلهية الوحيدة، ورأى (بنيامين فرانكلين) أن الولايات المتحدة ستكون مولدة لمجتمع عالمي، حيث المؤسسات والعادات والمبادئ الأميركية جاهزة للتطبيق في كل مكان. ومع هذه الوظيفة الفريدة تلازمت ضرورة التوسع في الأراضي، فأميركا في رأيها أنه ليس لأرضها القومية سوى حدود غامضة متحركة قابلة للتوسع باستمرار اعتماداً على ثنائيتها الأيديولوجية: أنموذجية شبه صوفية غازية من جهة، ومحو البنى السياسية والاجتماعية والثقافية لكل كيان غير أميركي من جهة ثانية (٢). والمجتمع العالمي الذي يقصده فرانكلين هو المجتمع الذي يتبنى قيم ومباديء النظام العالمي الجديد التي هي ذاتها قيم الرأسمالية الانكلوسكسونية التي دمجت بين قوة المال وقوة الإعلام لخلق اقتصاد طفيلي جديد. ولكن هذا الاقتصاد الجديد أصبح عبئاً علي الاقتصاد المنتج. وفي هذا الاقتصاد المنتج القديم يعتبر المال إحدي وسائل الإنتاج لا أكثر، أما في هذا الاقتصاد الطفيلي المعلومالي الجديد فقد بات الغرض الأوحد للمال هو جني المزيد من المال دون دخول حلبة الإنتاج. ولقد حوّل بارونات المال اللصوص في كل أرجاء الدنيا، العالم إلي كازينو وقاموا عبر أموالهم ووسائل إعلامهم بتعيين القوي الحاكمة في الولايات المتحدة لإدارة شؤون هذا الكازينو نيابة عنهم مستخدمين ذراع الولايات المتحدة الطولي لهذا الغرض. وقد ساهم الانفجار المعاصر في تكنولوجيا الاتصالات الحديثة في تسارع نمو ووحشية الرأسمالية الأنكلوسكسونية، والتي وظفت تقنيات أكثر بشاعة وشيطانية لتحقيق المبادئ القديمة نفسها، التي تتبناها والتي لم تمسها يد التغيير في يوم من الأيام. وقد استخدم بارونات الربا علي الدوام أسرع وسائل الاتصالات التي كانت موجودة في وقتها، من الحمام الزاجل الذي وصلت عائلة روتشيلد من خلاله إلي

стр. 879

معرفة أخبار معركة واترلو قبل الآخرين، إلي وسائل الكمبيوتر الحديثة. وكان احتكار الإعلام والمعلومات المالية علي الدوام من المتطلبات الضرورية وأحد الأعمدة الرئيسية التي يقوم عليها المجتمع المالي. وقد تمخض هذا المزيج المخيف من قوة المال وقوة الإعلام وقوة التسويق سواء للأشخاص أم للأفكار، عن قدرة هائلة علي غسل الأدمغة لا تقدم للعالم سوي رؤية واحدة فقط لا غير، وهي رؤية قوي الظل التي تسيطر علي العالم عبر واشنطن. لقد قامت قوي الظل هذه بفرض إعادة تشكيل الاقتصادات الإنتاجية للدول ليتوافق مع مخططاتها للهيمنة الاقتصادية وتمت تسمية هذه التغيرات، ظلماً، بأنها إصلاح، وما هي في حقيقتها سوي إعادة تشكيل للاقتصادات بطريقة تمكنهم من السيطرة عليها. ولقد اعتمدوا لذلك وسائل الصدق والكذب سويّاً للوصول إلي هذه الأهداف (١). إن معنى الكلمات نفسه قد تشوه: فنستمر في إن نطلق كلمة (تقدم) على انحراف أعمى يؤدي إلى تدني الإنسان والطبيعه .. ونطلق كلمة (ديمقراطية) على أشنع قطيعة عرفها التاريخ بين من يملكون ومن لا يملكون .. ونطلق كلمة (حرية) على نظام يسمح - بذريعة التبادل وحرية السوق -لأولئك الأكثر قوة إن يفرضوا الديكتاتورية، عديمة الانسانيه، تلك التي تسمح لهم بابتلاع الضعفاء .. ونطلق كلمة (عولمه) لا على حركة تؤدي إلى وحدة متآلفة الأنغام للعالم، عن طريق اشتراك كل الثقافات، ولكن بالعكس على انقسام يتنامى بين الشمال والجنوب نابع من وحدة امبرياليه وطبقيه .. انقسام يدمر تنوع هذه الحضارات ومنتجاتها لفرض لا ثقافة الراغبين في التحكم في الكوكب (٢). ولم تكتف أميركا باحتكارها للقوة المسلحة من خلال الحلف الأطلسي وقبعات الأمم المتحدة الزرقاء، وباحتكارها للاقتصاد من خلال المؤسسات الدولية الخاضعة لتقلبات السوق التي تتحكم بها أميركا، إنما احتكرت أيضا وسائل الاتصال الجماهيري. فأميركا تسيطر على هذا القطاع وشهدت ولادة كبرى الوسائل. كما ان الوكالات الأميركية للأنباء قادرة على مراقبة ٩٠% من الإعلام المبثوث. ويسيطر

стр. 880

الاعلام الأمريكي والموسيقى الأمريكية وبرامج الكميوتر والكتب وافلام السينما والاصدارات المطبوعة على مستوى العالم اجمع، حيث تنتج أمريكا ما يزيد عن ٧٥% من الانتاج العالمي لبرامج الكمبيوتر سنوياً، و٦٠% من الانتاج الموسيقي، و٣٢% من اصدارات الكتب (١). وبالتأكيد فإن هذه السيطرة ليست عيباً أو امراً محرماً، ولكنها تصبح كذلك عندما تتحول إلى احتكارات لمص دماء الشعوب المقهورة، ولسلاح فتاك للسيطرة على عقول الجماهير والتلاعب بها. يقول ميشال بوغنون: "ان الإعلان يدين لأميركا بأنها جعلت منه سلاحاً فعالاً، للتلاعب بعقول الجماهير وللغزو السياسي والثقافي والاقتصادي، ومعظم أجهزة التلفزة تحاكي البرامج الأميركية. أما في مجال السينما فإنه لا طاقة لأوروبا في الصمود في مواجهة مدفعية هوليود، فقد تلاشى معظم إنتاجاتها الوطنية، في هاوية الصناعة السينمائية الأميركية. فضلاً عن ذلك فإن الولايات المتحدة أجادت استخدام التكنولوجيا وتسيطر على معظم محركات الاتصال في العالم، وتخضع الإنترنت لشركاتها العملاقة، وذلك في الوقت الذي أساءت فيه أوروبا، استعمال التنمية التكنولوجية. ويبلغ التبرم بالكاتب من أميركا ذروته، ويحاكم اللباس الأميركي، ذلك (الرداء البقري) كما يسميه، ويحاكم الذوق الأميركي الذي جعل من الأطعمة غير المتناهية من الطعم والكثيرة الروائح، جميعها أكلة واحدة ناشفة تسمى (الأكلة السريعة). حتى إنه توقف عند اللسان الأميركي وكيف فعل فعله في تشويه اللغة الإنجليزية وإخضاعها للأمركة" (٢). فامركيا تسعى إلى أمركة الكون وهذا ما يعترف به المفكر الامريكى دانيال بورستين في كتابه "تاريخ الأمريكيين"رغم دفاعه عنها حيث يقول: «عملياً فيما يرسله لنا الأمريكيون يوجد الكثير من السوقية والكثير من الأدوات المريبة إن كان ذلك يتعلق بالهمبرغر الذي لا طعم له والذي يرافقه البصل والكاتشب، أو بالأفلام التلفزيونية التافهة أو بالشيوخ الروحيين الفاشلين لكاليفورنيا أو بالصخب الصارخ

стр. 881

بشكل موسيقى، أو باستهلاك المخدرات المختلفة». وإذا كان كل هذا موجوداً بمقدورنا بعد أن ننكر بأن أمركة الكون قائمة على قدم وساق. وفي كل مكان تنتشر أنماط الاستهلاك والنماذج والمخططات الأيديولوجية التي أعدتها الولايات المتحدة وهذا يحدث حتى في الدول الاشتراكية، وتتمتع الولايات المتحدة بطاقة دعائية لا مثيل لها. والاختلافات الثقافية التي شكلت ثروة البشرية هي في طريقها للاندثار تسحقها مطابع الشكل الواحد. واستفادة الثقافة الأمريكية من تفوقها المادي فراحت بذكاء تفسد الأرض. فحيث حلت فككت البنى الاجتماعية التقليدية وأفقرت العادات والفلكلور المحلي. إن الامتثالية تجتاح بمكر الكون، امتثالية ذات صناعة أمريكية Made in America تهدف إلى تحويل كل أفراد البشرية إلى «أقزام أمريكيين ضحلين». ألا يحق لنا أن نرى في ذلك أن «الأمريكيين قد صنعوا سلاحاً حاذقاً لتسخير العالم لمصالحهم ولنمط تفكيرهم؟» (١). تشويه العولمه على يد الانجلوسكسون إن مفهوم العولمة قديم قدم التاريخ، إذ لم يكن للعالم أية حدود إلاّ منذ فترة وجيزة فقط، فقد كان العالم يشرع أبوابه للجميع. لذا، فإن الكثير من الحضارات والاختراعات المعاصرة هي نتاج متراكم للتفاعل السلمي وغير السلمي علي حد سواء بين الحضارات السابقة. ولم تعرف كل من الحضارة الرومانية والإغريقية والإسلامية أية حدود علي الإطلاق. وكانت الحضارة الإسلامية، رغم انطلاقها من شبه الجزيرة العربية، عالمية بكل ما في الكلمة من معني. وقد أشارت آيات القرآن الكريم في أكثر من موضع إلي أن الإسلام يحمل رسالة عالمية شاملة تخاطب كافة الأجناس والأعراق بل الإنسانية جمعاء، فقد قال رسول الله محمد (صلي الله عليه وسلم): "لا فضل لعربي علي أعجمي إلاّ بالتقوى" فخير الناس هو أتقي الناس سواء أكان عربياً، فارسياً، حبشياً، أسود أو غير ذلك من الأجناس. كما أن المجلس الذي أقامه النبي ﵊، للشورى كان يتكون من سلمان الفارسي، وصهيب الرومي،

стр. 882

وبلال الحبشي وصحابة من العرب أنفسهم، وبذلك يكون المجلس عالمياً ومتعدد الجنسيات. كما شكلت الحضارة العربية والإسلامية قوة عالمية عظمي ودولة امتد نفوذها ليصل من إسبانيا حتى الصين. وضمت الحضارة الإسلامية تحت لواء سيطرتها، مختلف العقائد والأعراق الذين وصل تعدادهم إلي مئات الملايين. وكما قالت (كارلي فيورين)، الرئيسة التنفيذية لشركة هيوليت باكارد، في خطاب ألقته عام ٢٠٠١، فإن الإسلام كان الجسر الذي ربط بين شعوب أكثر من ١٠٠ دولة، وكانت جيوشه تتكون من جنود من مختلف الجنسيات، وأفضت الحماية العسكرية التي وفّرها إلي درجة لم يشهدها التاريخ من قبل من السلام والازدهار. ولكن ما أدي إلي تشويه عولمة اليوم ووصمها بالعار، هو ارتباطها الوثيق بالرأسمالية الأنكلوسكسونية الداروينية المتسمة بالمغالاة والتطرف، واستخدامها لتكنولوجيا الاتصالات الحديثة وتقنيات الإدارة، لبسط وفرض ثقافتها المنفرة، وحروبها وماديتها البحتة المنحرفة عن الأخلاق والمثل. لقد تمكنت العولمة الأنكلوسكسونية المعاصرة من إدخال ونشر برامجها الداروينية، كما أنها أفرزت نظاماً اقتصادياً طفيلياً جديداً، تحفّه المخاطر من كل جانب، علاوة علي عزمها فرض مفاهيمها ورؤاها أحادية الجانب، في الوقت نفسه الذي تتشدق فيه بالتعددية. أما أجندتها فهي محشوة بأعمال الإبادة الجماعية الوحشية، بينما هي تنادي بحقوق الإنسان. وتدّعي الديمقراطية وتوغل في الديكتاتورية. إنها تؤمن بالله، فقط إذا علمنا أن المال هو إلهها الوحيد (١). ففي الولايات المتحدة الأمريكيه بنيت الحياة على المادة، حيث أرسيت سيكولوجيا سكان هذه البلاد على المبادئ التلمودية القائمة على عبادة المال و (الحق) في نهب وقتل جميع الغرباء بهدف الاستيلاء على أراضيهم واملاكهم. وهكذا اصبح القراصنة وقطاع الطرق وغيرهم من المجرمين المحظوظين، الأبطال بالنسبة للأغلبية الأمريكيه الساحقة. يقول (الغ بلاتونوف) في كتابه (لهذا كله ستنقرض أمريكا): "حين قمت لأغراض دراسية بزيارة إحدى أهم مدن سادوم وعمره - لاس فيغاس - المركز العالمي لصناعة القمار والفسق والعهر، رأيت بأم عيني إن جدران

стр. 883

بعض دور القمار مزدانة بصور القراصنة وقطاع الطرق، أمثال آل كابوني، ضمن إطارات ذهبيه. وفي دور القمار هذه بالذات تدرك الهوس الرئيسي للأمريكيين وتفهم طبيعة الآمال التي تراودهم - الرغبة في كسب النقود والإثراء بأي ثمن. وحين ترى آلاف الوجوه التي شوهتها الحماسة والجشع، والعيون المتوهجة من فرط الاثاره، تفهم الطبيعة الإجرامية لأمريكا ومدى خطرها على العالم" (١). فالعلاقة التي تقيمها الفلسفات الأمريكيه المعاصرة بين الإنسان والحياة هي علاقة المتعة والاستهلاك، والأمريكي يسر بلذة الاستهلاك إلى درجة العمى عن الإثم والفحشاء، ولذلك يتجاوز البحث عن اللذة ميادين المباح إلى اقتراف الحرام والسخرية من الحلال (٢). أهذه هي نهاية التاريخ ؟ الشذوذ الجنسي .. اللواط .. وفضائح كندي وكلنتون .. وشراء الأصوات .. وتوظيف المال والجنس في اللعبة الانتخابية .. وتحكم اللوبي اليهودي .. وهيمنة المافيات العملاقة والشركات الكبرى واختراق المسيحية بالعفن والأساطير اليهودية .. واستجذاء البيت الأبيض للسياسات والمصالح الإسرائيلية .. والإبحار المحموم ضد المصالح القومية العليا للامة الأمريكيه، وتحويل القدرات المالية والعسكرية إلى ضرع يدر في أفواه شذاذ الآفاق .. والغطرسة التي تستفز الخصوم والحلفاء على السواء، والتفرد في اتخاذ القرار بعيداً عن الأقطاب الاخرى التي تطمح لان يكون لها مكان على خارطة العالم، القنابل الذرية والهيدروجينية والنيتروجينيه وأسلحة الدمار الشامل .. وعنقوديات امتصاص الأوكسجين من المغاور والكهوف لقتل الإنسان واستئصال الحياة .. آليات الإبادة الجرثومية والكيماوية والقدرات الاسطوريه على تغيير معادلات الطبيعة وتحويل البيئات إلى معتقلات كبيره تصعب فيها استمرارية الحياة، وتصاعد معدلات الجريمة في وتائرها الاعتيادية والمنظمة، والإحصائيات المخيفة لحالات القتل والاغتصاب والسرقة والانتحار، والهروب المتزايد إلى المخدرات

стр. 884

والحشيش والافيون، وتصاعد نسبة الادمان وامتداد سرطانه المخيف إلى مستويات الاعمار الدنيا في مراحل الدراسة الاعداديه والمتوسطه حتى الابتدائيه، وضياع اجيال الأمريكيين الناشئة فيما سبق إن حذر من نتائجه المفجعة الرئيس الأمريكي كنيدي ١٩٦٣ (١). الخيانة الزوجية والمعاشرة غير المشروعة للأزواج والزوجات، وحالات الطلاق المتزايدة والدمار المتصاعد للحياة الاسريه، ورفض الأبناء لآبائهم وتزايد دور العجزة لاستقبال هؤلاء وإيوائهم، وتقطع الروابط العائلية وغياب الاستقرار والسكن في بيئاتها المخترقة بالريبه والشك والكراهية وشد الأعصاب .. عمليات الاغتيال والتصفية الجسدية (للكبار) على يد المافيات اليهودية والمالية المتحكمة بمصائر الولايات المتحدة بدءا بأصحاب الأصوات الحرة، وانتهاء بالرؤساء أنفسهم لحظة خروجهم عن الخط المرسوم. التكاثر المحموم بالأشياء والعبادة المهووسة لصنميات المال والتنمية، بعيداً عن أية قيمة أو ضابط ديني أو خلقي أو إنساني. تصعيد وتأثر القوة والأسلحة والجيوش وتقنيات الردع والهجوم فيما يجعل من أمريكا (ترسانة) مخيفة قد تلحق الخراب بهذا الجزء أو ذال من العالم في أية لحظة تفور فيها دوامة الغضب ويستشري سعار التفوق والاستعلاء، وتحول أمريكا إلى قوة استعمارية كبرى تسعى لان تضع العالم كله في جيبها، وترغم أممه وشعوبه على إن تكدح لكي يدر ضرعها في الفم الأمريكي، بغض النظر عن حالات الفقر والتخلف والدمار التي يعاني منها العالم الثالث، الذي يراد له للمرة الثالثة إن يسخر لسعادة الرجل الأبيض وانتمائه الذاتي، وأخيرا وليس آخر تآكل ودمار القيم الديمقراطية الأمريكيه نفسها واختراقها المرة تلو المرة بحجة مقاومة الإرهاب بعد إن سهر الأمريكيون القدامى على حراستها القرون الطوال. أهذه هي الحضارة الملائمة لإنسانية الإنسان ومطامح الأمم والشعوب؟ أهذه هي الحالة الحضارية النموذجية أو السقف الأعلى لسعي البشرية عبر تاريخها الطويل؟ أهذا هو (النموذج) الذي سينتهي إليه التاريخ ويلقي عنده عصا الترحال؟

стр. 885

أهذا هو (المثل الأعلى) الذي يتحتم على شعوب العالم إن تلهث وراءه؟ أهذه هي بتعبير (فرنسيس فوكوياما): (نهاية التاريخ) حيث لا تبذل بعدها ولا تحول ما دام الإنسان قد بلغ الحالة القصوى من التقدم والتحرر؟. تقدم باتجاه ماذا؟ وتحرر من ماذا؟ أليست هي بدء التحليل ومنتهاه وفي ضوء التأشيرات أنفة الذكر، نكسة كبرى في تاريخ البشرية حيث يتحكم القطب الأحادي بمصائر العالم، وحيث يتحول السعي البشري إلى لهاث محموم للتكاثر بالأشياء .. وحيث تتسطح الحياة وتفقد عمقها وعذوبتها وغناها ومغزاها .. وحيث تخترق منظومة القيم الانسانيه والخلقية والدينية بحلقات السوء التي تنتشر كالبثور السود .. كالطفح المتقيح .. كالسرطان المخيف في نسيج المجتمعات (١). صورة "درويش"" ... ولا عجب (٢) http://alarabnews.com/ مختارات/الساخر%٢٠ - %٢٠العالم%٢٠بين%٢٠شفتيّ%٢٠أمريكا%٢٠كرشفة%٢٠''الكوكاكولا''%٢٠وقضمة%٢٠''الهمبرجر''%٢٠ (!) _ files/pixel.gif الصورة المعنية، تكاد تستعصي على جهابذة الفكر الإنساني العالمي. إلاّ أن بعض ملامحها، قد قرأها بدقّة وشفافيّة، واستشرافيّة، الشاعر العربي الفلسطيني محمود درويش، من خلال قصيدة: (خُطبة الهندي الأحمر - ما قبل الأخيرة - أمام الرجل الأبيض)، التي نشرها في العام ١٩٩٢ (أيّ بعد نهاية الحرب الباردة بعامين فقط)، ضمن ديوان: (أحد عشر كوكباً). وكان الأجمل من تفاصيل القصيدة الطويلة، تلك الكلمة التي قالها أحد زعماء الهنود الحُمر (اسمه سياتل، وهو زعيم قبيلة دواميش)، ليضعها درويش كمدخل للقصيدة (٣)، حيث قال فيها ذلك الزعيم: "هل قُلت موتى؟ ... لا موت هناك، هناك فقط تبديل عوالم (!) "

стр. 886

والآن ارتبط اسم ذلك الزعيم، الذي استلهمه درويش، بإحدى المدن الأمريكية البارزة (سياتل، في ولاية واشنطن)، ولعلّها أيضاً نفس المدينة، التي شهدت صراع الأمريكيين أنفسهم (وكأن التاريخ يعيد نفسه)، حول البحث عن تأصيل سطوة (العولمة)، حينما انقسم الشعب (المُنقسِم)، ما بين مؤيِّد لتلك الفعاليات، وفقاً للغة المصالح، التي تنسج خيوط (الحلم الأمريكي) الشهير، وما بين معارض لها، وبشدّة (!). بعضٌ من أمريكا درويش في قصيدته، لم يكن بعيداً عن استقراء، الوضع الراهن من طغيان (العولمة)، بكلّ هوامشه الخطرة. أضف إلى ذلك، الحفر بكلمات "الاستقصاء الشعري"، بحثاً عن استمرار تفاصيل "حرب الإبادة"، ولو بصيغة جديدة. وهذا ما يحدث الآن بالضبط (دون الاستعانة بأرقام الفجيعة، في فلسطين وأفغانستان

стр. 887

"مثلاً"!). لهذا لا تستنكروا الاستشهاد، ببعض أبيات القصيدة الدرويشية، في الجزء الأبرز من هذه الكتابة، في إطار قراءة "الطغيان الأمريكي". وفي مدخل القراءة، لم يكن مناسباً، غير الإغراق في التمعُّن، في تلك الحالة الاستشرافيّة، التي نطقها الشعر العربي المعاصر، وكأنّه ينوب عن صوت العرب القديم والأصيل (عبر الشعر أيضاًَ)، حينما كان ممثِّل دبلوماسياتها بين الحضارات والأمم ... آنذاك. إذن، هذه المرّة فقط، ستثبت مقاطع درويش، عبر الخطبة "الهندية الحمراء"، أن الشعر العربي، قد عاد وهجه - مؤقّتاً - وإن كان زمن الكتابة الراهن "روائياً" بحتاً، حينما استنطق الواقع السياسي المُعاش حالياً، أكثر من دُهاة السياسة، وكبار المراقبين والمعلِّقين، في هذه الساحة الساخنة، التي تستعصي حتّى على خبراء الاستخبارات (!). الأرض الأمريكية الراهنة، كانت ملكاً لـ"مجموعات الإسكيمو"، في الشمال النائي المتجمِّد، والمنفصل من الولايات (آلاسكا)، ولـ"قبائل الهنود الحمر"، في بقيّة الأراضي، امتداداً إلى دول أمريكا الجنوبيّة. منذ وطأت قدم البحّار كريستوفر كولومبوس (١٤٥١ - ١٦٠٥)، تلك الأرض في عام ١٤٩٢، بدأ العهد "الأمريكي"، الذي يعرفه العالم الآن، بعد أن تلظّى منه أصحابها (أيّ الأرض!). ولعلّ المؤرِّخون في العالم أجمع، يضمّون حدث اكتشاف أمريكا، ضمن وقائع تُعدّ دليلاً، على بداية الأزمنة الحديثة، إلى جانب اكتشاف المطبعة من قبل جوتنبرج (١٤٣٤)، واكتشافات كوبرنيكوس الفلكية (١٥٤٣). وهنا تأتي الإشارة الأخرى، التي يتّخذها بعض النقّاد، وهي أنّ تلك الوقائع، قد مهّدت إلى انطلاقة اصطلاح "الحداثة" ( Modernity) ، فيما بعد، وذلك في العام ١٨٤٩، في أيام بودلير، ليتأكّد انضمام عصر الحداثة، إلى الأحقاب الثلاثة التي تقسِّم التاريخ الإنساني، إلى جانب العصور اليونانية الرومانيّة القديمة، والعصور الوسطى. إنّها "الحداثة" التي يربطها الغالب فينا، بالاصطلاح الأدبي فقط - خصوصاً نحن العرب (!) - وإن كان أوضح تعريف لها: تموضُع العلم في مركز الحياة الاجتماعيّة، بدلاً من العقليّة الغيبيّة أو الميتافيزيقيّة. ويراها عالم الاجتماع الفرنسي "ألان تورين"، بأنّها ليست عبارة عن مجرّد تتابع للحظات الزمن،

стр. 888

وإنّما هي نشر المنتوجات الفعاليّة العقلانيّة للبشر، وكذلك الفعاليّة العلميّة، والتكنولوجيّة، والإداريّة. هل فهمتهم بعضاً من "أمريكا"، استناداً إلى ارتباطات اكتشافها العظيم (؟!) ... (*) هلّ يفهم "السيِّد الأبيض"؟ ومع ذلك، لنا أن نتوغّل، مع ما كتبه محمود درويش، لنفهم ما لم يفهمه "السيِّد الأبيض" (سيِّد أمريكا الجديدة والمتسِّيدة)، من تلك الخطبة التاريخية، للهندي الأحمر، بعد أن "شعرنها" بطريقته الخاصّة، وقال: لن يفهم السيِّد الأبيض الكلمات العتيقة هُنا، في النفوس الطليقة بين السماء وبين الشجر ... فمن حقِّ كولومبوس الحُرِّ أن يجد الهند في أيِّ بحر، ومن حقِّه أن يُسمِّي أشباحنا فُلفُلاً وهنوداً، وفي وسعه أن يُكسِّر بوصلة البحر كي يستقيم وأخطاء ريح الشمال، ولكنّه لا يصدِّق أنّ البشر سواسيّة كالهواء وكالماء خارج مملكة الخارطة! وأنّهم يولدون كما تُولد الناس في برشلونة، لكنّهم يعبدون إله الطبيعة في كلِّ شيءٍ ... ولا يعبدون الذهب ... وكولومبوس الحُرُّ يبحثُ عن لغةٍ

стр. 889

لم يجدها هُنا، وعن ذهبٍ في جماجم أجدادنا الطيِّبين وكان له ما يريد من الحيِّ الميِّتِ فينا (*) ولا يزال التساؤل مستمرّاً وفي منحنى آخر للاستقراء "الدرويشي"، للحالة المرضيّة "الأمريكيّة"، بدأ بطرح السؤال الساخن، على لسان ذلك الهندي الأحمر، حينما وضع الرمز الأمريكي "الأبيض"، بين قوسي الاستنكار، وهو يقول له: إذن لماذا يواصل حرب الإبادة، من قبره، للنهاية؟ ولم يبقَ منّا سوى زينةٍ للخراب، وريشٍ خفيفٍ على ثياب البحيرات. سبعون مليون قلبٍ فَقَأْتَ ... سيكفي ويكفي، لترجع من موتنا ملكاً فوق عرش الزمان الجديد ... (*) سلطة الأرض ... و"الشمس" كلّ الصراعات في كوكب الأرض، تدور حول "الأرض"، إنّها السلطة التي يبحث عنها ماضي البشر بكافّة "عوالمه"، وحاضرهم باختلالات "عولمته". إلاّ أن درويش لم يكتفِ، بإيضاح نشوة "سلطة الأرض"، لدى صاحب القرار في أمريكا، وإنّما إضاف إليها "سلطة الشمس"، حيث البحث الدؤوب عن تملُّك كلّ شيء: في باطن الأرض، وعلى سطحها، وفوق فضائها ... حتّى ضوء الشمس، الذي يغطِّيها من مشرقها إلى مغربها، ودليل ذلك هُنا: لنا ما لنا ... ولنا ما لكم من سماء لكم ما لكم ... ولكم ما لنا من هواءٍ وماء لنا ما لنا من حصىً ... ولكم ما لكم من حديد

стр. 890

تعالَ لنقتسم الضوءَ في قوّةِ الظلِّ، خُذْ ما تريد من الليل، واترك لنا نجمتين لندفن أمواتنا في الفَلَكْ وخُذْ ما تريد من البحرِ، واترُكْ لنا موجتين لصيد السمك وخُذْ ذَهَبَ الأرض والشمس، واترُكْ لنا أرض أسمائنا (*) صراع أم حوار حضارات؟ وفي منعرج مهم، من تلك القصيدة الطويلة، قرأ محمود درويش مبكِّراً، ما يشاع حالياً من "صراع الحضارات" (كتاب صموئيل هنتنجتون)، أو حتّى "حوار الحضارات"، بعد اشتداد الأزمة، على الأصعدة الدينيّة والإنسانيّة، بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب. لهذا كان الشاعر الفلسطيني واضحاً، في هذه الأسطر: لكُم ربُّكُم ولنا ربُّنا، ولكم دينُكُم ولنا دينُنا فلا تدفنوا الله في كتبٍ وعدتكم بأرضٍ على أرضنا كما تدّعون، خُذوا وردَ أحلامِنا كيْ تروا ما نرى من فرحْ! وناموا على ظلِّ صفصافِنا كيْ تطيروا يماماً يماما كما طار أسلافُنا الطيِّبون وعادوا سلاماً سلاما (*) "إسبارطة" الآيديولوجيّة والتكنولوجيّة

стр. 891

أمّا الوضوح الذي بحث عنه درويش، تجلّى في الجزئية أدناه من القصيدة، حينما فتح كلّ الإشكالات "العولميّة" الراهنة على مصراعيها، وأبرز "الثمن" المدفوع لتلك الإشكالات: موتى، بلدوزرات، مستوطنات، رادارات، وغيرها من الرموز "الصارخة"، حتّى أوصلنا إلى تخوم "روما الجديدة"، وثوابت "إسبارطة" الآيديولوجيّة، بكلّ حوافها التكنولوجيّة (!) ... عمّا قليل تُقيمون عالمكم فوق عالمنا: من مقابرنا تفتحون الطريق إلى القمر الاصطناعي. هذا زمانُ الصناعات. هذا زمان المعادن، من قطعة الفحم، تبزُغُ شمْبانيا الأقوياء ... هنالك موْتى ومُستوطناتٌ، وموْتى وبلدوزراتٌ، وموْتى ومستشفياتٌ، وموْتى وشاشاتُ رادارٍ ترصُدُ موْتى يموتون أكثر من مرّةٍ في الحياةِ، وترصُدُ موْتى يعيشون بعد الممات، وموْتى يُرَبُّون وحش الحضارات موْتا، وموْتى يموتون كي يحملوا الأرض فوق الرُّفات ... إلى أين يا سيِّد البيض، تأخُذُ شعبي، ... وشعبك؟ إلى أيِّ هاويةٍ يأخُذُ الأرض هذا الروبوت المُدجّج بالطائرات وحاملة الطائرات، إلىِّ هاوية رَحْبَةٍ تصعدون؟

стр. 892

لكم ما تشاؤون: روما الجديدة، إسبارطة التكنولوجيا وآيديولوجيا الجنون ... هل تحتاج قصيدة "درويش"، إلى المزيد من التوضيح (؟) ... أعتقد أن الإجابة لا تحتاج إيضاحات أكثر (!!). خدعة الافتتان بأمريكا بالرغم من كل ما تقدم وبالرغم مما هو ماثل على الارض من كذب وتضليل وخذاع وقتل وتدمير وابادة وعربدة ... الا انه لازالت شرائح كبيره من سكان العالم مخدوعه بالنموذج الأمريكي والحياه الأمريكية والقيم الخادعة التى تمثلها. وهنا يكون السؤال المطروح امامنا بصورة لا تقاوم ... كيف يفلتون بذلك؟ كيف تقود الولايات المتحدة الاقتصاديات وتخرب الديمقراطية، وتطيح بالدول ذات السيادة، وتعذبها، وتستخدم معها العناصر الكيمائية والبيولوجية والاشعاعية؟ كيف تفعل كل الاشياء غير اللائقة عادة في وسط الوهج الكامل لوسائل الاعلام الدولية، باكثر التناقضات مدعاة للذهول بين الاقوال والافعال، دون ان تدينها بلا رحمة جماهير العالم الحاشدة، واى إنسان لدية ضمير اجتماعى، وبدون ان تنبذ كالابرص؟، وبدون ان يقدم قادة أمريكا إلى المحاكم الدولية، متهمين بارتكاب جرائم ضد الانسانية؟. والاجابة على ذلك هو ما عرضنا له سابقاً وهو غسل الدماغ من خلال سيطرة أمريكا شبه الكاملة على الاعلام بكافة انواعه، بالاضافة إلى شراء الذمم وغيرها من الوسائل الغير مشروعه. فلم يعد سراً صمت وتواطؤ- ان لم يكن اعجاب- الحكومات الاخرى وقادتها بأمريكا. فالامر لا يقتضى سوى شراء بضع رجال مقابل طائرات نفاثة ملساء أو اطنان من القمح، أو الغاء الديون، أو الاستعانة بالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. لقد تم ترويعهم، وتهديدهم، وابتزازهم، ورشوتهم واذكاء غرورهم، ومناصرة نزعاتهم الوطنية المتطرفة واعطائهم العضوية في نوادي حلف الاطلنطي الخاصة المقصورة على اعضائها، وفي منظمة التجارة العالمية والاتحاد الاوروبي. ان الافتتان بالولايات المتحدة قد بلغ ذراً جديدة مع الانتصار على الفاشية في الحرب

стр. 893

العالمية الثانية، ثم ارتقى مره اخرى مع السحر التقني للخيال العلمي، الذي تجسد في السير على سطح القمر. ونادراً ما نالت من ذلك دعاية الحرب الباردة من قبل السوفييت. فطوال عقود منذ نهاية الحرب الباردة، كان المواطنون يرفضون ان يصدقوا ان هناك مشرديين في أمريكا، أو انه ليس هناك تأمين صحي وطنى، كانوا مقتنعين ان ذلك مجرد دعاية شيوعية، كانوا يؤمنون ان القرارات في المملكة المتحدة وأمريكيا لا تتخذ ابداً بصورة سرية، وانه إذا كذب رجل السياسة مره واحدة فيتم ابعاده من منصبه. وعنما سقطت القنابل الأمريكية على صربيا عام ١٩٩٩، اعرب كثيرون من الصرب عن صدمتهم ودهشهتهم من ان أمريكا - أمريكا المحبوبة محط الاعجاب - يمكن ان تفعل شيئاً كهذا ... وفي روسيا عارض الناس القصف بقوة واصيبوا بالصدمة، وقد بدى الامر كما لو ان الروس يكتشفون للمرة الأولى ان للولايات المتحدة جانباً عنيفاً. وعندما مزقت القذائف الأمريكية اشلاء السفارة الصينية في بلجراد، كان رد الفعل بين الصينيين هو عدم التصديق. وقال مسئول صيني كبير: لقد كنتم المثل الاعلى للكثيرين منا، والآن فإن قنابلكم الغبية قتلت أهلنا. ان هذه السذاجة، وقصة العشق هذه مع روح أمريكا، في حين تمس القلوب بالتأكيد في هذا العالم المتعب، ليسا هما (الحبل بلا دنس). ان الولايات المتحدة هي مخترع ومطور الاعلان الحديث والعلاقات العامة الحديثة، والمنتج والموزع الرئيسي في العالم للافلام وبرامج التلفزيون والكتب والمجلات والموسيقى، بمكتبات ادارة الاعلام الأمريكية الموجودة في اكثر من ١٠٠ بلد، وصوت أمريكا التي يقرب مستمعوها من ٦٠ مليون مستمع. لقد اغرقت الولايات المتحدة - دولة المعلومات العظمى الوحيدة في العالم - وسائل الاعلام وغزت قلوب وعقول العامة في كل انحاء الارض بهذا السحر، وهى تقوم بكل هذا لانه جدير بالعناء، على امتداد الاجيال (١).

стр. 894

الباب الخامس سبل المواجهة .. والخروج من المأزق بالرغم من ان عنوان الكتاب سيبدو للبعض، استفزازياً وتحريضى، الا ان اختيارى لهذا العنوان لم يكن يهدف إلى ذلك بقدر ما يهدف إلى لفت الانظار إلى حقيقة الصراع الدائر في المنطقة والعوامل المؤثرة فيه، لوضع العلاج الناجع له والخطط طويلة الاجل وقصيرة الاجل لمعالجته. فالخطأ في فهم طبيعة العلاقة بين اسرائيل والقوى الداعمة لها كلف العالم العربى والإسلامى الكثير من الجهد والمال والرجال، واصاب الامة بحالة احباط كبيرة لعدم تمكنها من مواجهة هذه الهجمة الصهيونية وهذه الدولة الكرتونية اسرائيل. وكانت حالة الاحباط هذه ناتجة عن اعتقاد الكثير بانهم يواجهون اسرائيل لوحدها أو في احسن الاحوال المدعومة من الدول الاستعمارية أمريكيا وبريطانيا بسبب مصالح هذه الدول أو نفوذ اللوبى الصهيونى والصوت الانتخابى اليهودى. ولذا توجهت الجهود كلها من اجل فصل الظاهرة الاسرائيلية عن مصادر تمويلها وحمايتها من خلال اعتقاد البعض ان الارتماء في الاحضان الأمريكية سيخلق بديلاً لاسرائيل، وبالتالى تفقد اسرائيل اهميتها الاستراتيجية للقوى الاستعمارية فتتخلى عنها. ولكن هذا الامر لم يحدث ولن يحدث، لان الاساس الفكرى الذى انطلق منه هذا التحليل خاطئ ولم يعى حقيقة العلاقة القائمة بين اسرائيل من جهة، وأمريكيا وبريطانيا من جهة اخرى، أو بالاحرى لم يعى البعد الدينى لهذه العلاقة، بل ان كثير من مفكرينا ومحللينا السياسيين وصناع القرار يسخرون ممن يطرح مثل هذه الاقوال باعتبار ان الدين لا يمثل اى شئ لهذا الدول. واعتقد اننا من خلال عرضنا السابق اوضحنا بما لا يدع مجالا للشك الدور الرئيس الذى لعبه الدين في رسم توجهات أمريكيا وبريطانيا تجاه اسرائيل والمنطقة العربية، بل نستطيع ان نقول ان هذا العامل هو العامل الوحيد المؤثر الذى يمكن ان يفسر لنا هذه العلاقة. وحتى لا نعيد ما عرضناه سابقاً ولكى نبتعد عن الجدل العقيم، فان المهم هنا ليس هو البرهنه على العدوانية الأمريكية تجاه المنطقة، أو تحديد اى العومل اسبق

стр. 895

واهم في رسمها وتوجيهها، بل المهم هو كيفية مواجهة هذه السياسة والتصدى لها ولخططها المرعبة والعدمية التي تهدد المنطقة والعالم. فمن السهل على أي باحث أن يقدم ألف دليل ودليل على هذه العدوانية التي تستهدف الإسلام واهله، قديماً وحديثاً، ولكن لا اعتقد أن اجترار ذلك هو المطلوب اليوم من ثقافتنا الشعبية، انه كلما المت مصيبة بمنطقة إسلامية أو حلت بها كارثة، يتوجه اصبع الاتهام تلقائياً نحو الغرب الغير مسلم، ونادراً ما يخطيء. ليس الهدف من هذا البحث أن يكون مجرد حركة إصبع في هذا الاتجاه أو جزاءً من هذه الثقافة الشعبية الصحيحة بعفوية. إنما الهدف منه هو إضاءة شمعة وسط نفق مظلم يبدو في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وانعكاساتها وكأن لا مخرج منه، الا بمواجهه شامله تحشد لها كافة القوى والامكانيات للتصدى لها، من خلال وضع خطة عمل متكامله على المستوى المحلى والدولى، وتستخدم كافة الامكانيات المتاحه، بطريقه حضارية انسانية، توفر لها عوامل النجاح، محلياً ودولياً. والخطة التى نقترحها تقوم على اسس ومبادئ ومسلمات، وتنطلق من الفرضية الاساسية التى اثبتناها في هذا الكتاب، وهى الدور الاساسى الذى يلعبه الدين في توجيه السياسة الأمريكية البريطانية العدوانية تجاه العالم العربى والإسلامى، وبناء على ذلك سيكون العلاج مبنياً على هذا الاساس وانطلاقاً من هذا الفهم، وهذا لا يعنى اهمال دور العوامل الاخرى. ويجب ان نشير هنا ان تركيزنا على دور الدين يجب ان لا يفهم اننا ندعو إلى مواجه هذا التطرف الدينى في أمريكا بتطرف مثله ... أو ان نواجه الارهاب الامريكى بارهاب مثله ... الخ. ليس هذا هو المقصود وليس هذا هدفنا ... ان المواجهة التى نريدها هى مواجه شاملة .. مواجهة حضارية تستوعب كل الامكانيات الخيرة والقيم الجميلة ليس فقط التى افرزتها حضارتنا العريقة ... بل وتستوعب كافة القيم الانسانية النبيلة والخيرة التى افرزتها الحضارات الاخرى .. لان المواجهة الحاليه بين قوى الظلام الامريكى واعوانها، وامتنا سبقتها مواجهات وظلم كبير وقع على شعوب اخرى، وستستمر أمريكا بهذا النهج إذا لم يتحد العالم لايقافها عند حدها وتحريرها من هذا الهوس الدينى، الذى جعلها ترتكب ابشع الجرائم بحق الانسانية.

стр. 896

وخطة العمل المقترحة تقوم على عدة اسس: - مواجهة أمريكا على المستوى الدولي. - مواجهة الصهيونية المسيحية، من الداخل ومن الخارج. - تفعيل حوارالأديان الحضارات. - بناء مشروع نهضوى عربى اسلامى.

стр. 897

الفصل الأول مواجهة أمريكا على المستوى الدولي أمريكيا .. عوامل القوة والضعف بعد كل الذي عرضناه لجرائم أمريكيا الفظيعة عبر التاريخ، هل يعني هذا أن أميركا قضاء وقدر، وهل الامركه هي مستقبل العالم المحتوم وماذا يمكن أن نفعل؟ وما هو المطلوب؟. بالتأكيد ان أمريكا لم ولن تكون قضاءاً وقدراً ولا قوة مطلقة يصعب وقف جبروتها وعنجهيتها, إنّها بسهولة تتغذى من خلافاتنا التي كرسهاّ الحكام العرب في واقعنا, إنّها تتغذى من خيانات الحكام العرب الذين داسوا على تطلعّات شعوبهم وأرتضوا أن يكونوا دائماً في الصف الأمريكي, في صف أعداء الأمة وثوابتها لأنّهم وبكل بساطة يستلهمون شرعيتهم من واشنطن وليس من شعوبهم، ولذلك وضعوا كل المقدرات وكل الجغرافيا وكل الأراضي في خدمة واشنطن. ولهذا فمن التعسف القول أن باب المستقبل مفتوح للامركه فقط. فالتاريخ شاهد على صعود دول وإمبراطوريات كما هو شاهد على وقوع الانهيار السريع للمنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفيتي وهي تملك من قوى عسكرية مرعبه، وعالم اليوم الذي يعيش أحادية قطبيه لم يسلم الرايات لأميركا بعد، فالممانعة تطل برأسها هنا وهناك والتناقضات في داخل المعسكر الغربي متعددة وآخذة في التبلور بل آخذة في الظهور إلى العلن في كل من أوروبا والصين وحتى روسيا، ناهيك عن دول العالم الثالث والعالم الإسلامي الأكثر تضرراً من هذه العولمة المتوحشة والسياسة المنحازة للعدو الإسرائيلي. المطلوب تعديل تركيبة مجلس الأمن وتشكيل مرجعية شرعيه دوليه تقطع الطريق على هذا (التفرد) وتذهب باتجاه صياغة أسس النظام الدولي الجديد، وهو مطلب كفيل بالحد من الاستفراد والهيمنة وهو لا شك سيكون عنوان نضال الشعوب في هذا القرن الجديد (١).

стр. 898

فمن خلال ظهور محاولات لإعادة الاستقطاب في العلاقات الدولية باسم العولمه الامبرياليه للاقتصاد، في مواجهة الهويات الثقافية أو الدينيه والتاريخية للحضارات الأخرى كافة، تنبع الضرورة بوحدة أوروبا واسيا وأمريكا المسماة باللاتينية لإفشال محاولة أمريكا للقضاء على مراكز المقاومة، سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي أو الديني أو الثقافي، الذي يتعدد في كل القارات. أن مناورات أمريكا لتفتيت المراكز الصلبة في كل بقاع الكوكب تظهر في تشجيع الصراع بين الكوريتين، وتايوان ضد الصين، والهند ضد باكستان، وذلك بهدف إيجاد مبرر لتدخل القوات الأمريكيه (١). إن تهديداً واحداً للتوازن يحدق اليوم بالكوكب: أميركا نفسها التي تحولت من حامية إلى نهابة. فالعسكريتارية الاستعراضية الأمريكية قادت في نهاية الأمر إلى انشغال القوى الحقيقية التي هي أوروبا، اليابان وروسيا ودفعها من الآن فصاعداً إلى أن تتقارب فيما بينها. فقد بدأت أوروبا تعي أن روسيا ليست تهديداً إستراتيجياً لها بل أصبحت مساهمة في أمنها العسكري. ولما كانت القوى الحقيقية اليوم كما في الأمس هي سكانية، تربوية وأن السلطة الحقيقية اقتصادية. فلا داعي للانسياق وراء تسابق نحو التسلح مع أميركا يقود إلى التدخل ... في بلدان دون أهمية إستراتيجية حقيقية. فالتدخل العسكري إلى جانب الأميركيين ضد العراق لم يكن مقبولاً، حيث أنه لم تنجح أية دولة في القرن ٢٠ في تنمية قوتها عبر الحرب أو عبر زيادة قواتها المسلحة. فأوروبا، اليابان وروسيا ستخسر كثيراً إن هي انخرطت في هذه اللعبة، فالولايات المتحدة خرجت منتصرة في القرن ٢٠ لأنها وخلال حقبة طويلة من الزمن رفضت الدخول في الصراعات العسكرية في أوروبا. اذاً لنترك أميركا تنهك ما تبقى من طاقتها في (مكافحة الإرهاب)، كبديل للكفاح من أجل الحفاظ على هيمنة لم تعد موجودة. لان أمريكا إذا استمرت في تعنتها لإظهار قوتها الخارقة للعالم، فإنها تظهر في نهاية الأمر عجزها للعالم (٢).

стр. 899

العملاق الأميركي وفقاً لمقاييس القوة يقدم (جوزف ناي) في كتابه (مفارقة القوة الأميركية)، خريطة طريق أو إستراتيجية جريئة لإعادة تعريف المصالح الوطنية الأميركية في عالم جديد متغير، كشفت أحداث ١١ سبتمبر أنه يتضمن فرصة انكشاف الولايات المتحدة وتعرض مؤسساتها ومصالحها للعطب، رغم تفوقها دون منافسة والقوة الهائلة التي تتمتع بها. فالولايات المتحدة تهيمن على العالم على نحو لم يسبق أن حققته إمبراطورية أو قوة من قبل في التاريخ، فهي تسيطر على التجارة والاتصالات والاقتصاد، بالإضافة إلى قوتها العسكرية الحاسمة، ويمتد تأثيرهاـ كما يقول وزير الخارجية الفرنسي السابق (هوبير فيدرين) ـ إلى اللغة وأساليب الحياة والثقافة والفكر. وبالرغم من ضخام القوة الأمريكية، إلا أن ثمة جدال كبير إزاء مدى إمكانية استمرار هذه الهيمنة وخطورتها أو ضرورتها من وجهة نظر الأميركيين، إذ إن تاريخ السياسة الدولية يقضي باستحالة استمرار القوة والهيمنة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو, إلى متى ستبقى الولايات المتحدة القوة العظمى المتفردة في العالم؟ لقد انحسرت قوى ودول عظمى هائلة كثيرة، وقد تنبأ الكثيرون بانحسار وتراجع الولايات المتحدة من قبل، ولكنها في التسعينيات عادت من جديد قوة عظمى، وربما أعظم من أية فترة سابقة، فقد كانت قائدة ثورة المعلومات والعالمية والاتصالات. وكما أتاحت الثورة الصناعية لبريطانيا أن تظل القوة المهيمنة الأولى لأكثر من مائة عام, فقد تتيح المعلوماتية للولايات المتحدة عقوداً من الهيمنة والتفوق. وفي المقابل تبدو فرص لقوى ودول أخرى منافسة لا تقل أهمية وتأثيراً عن الولايات المتحدة مثل الصين وروسيا وأوروبا، أو لتحالفات ممكنة بين اليابان وشرق آسيا، والصين والهند وروسيا (١).

стр. 900

مصادر القوة المقصود بالقوة هو القدرة على التأثير في الأهداف المطلوبة، وتغيير سلوك الآخرين عند الضرورة. وعلى سبيل المثال فقد ردعت القوة العسكرية لحلف الناتو رئيس صربيا (سلوبودان ميلوسووفتش)، ودفعت الوعود بالمساعدات الاقتصادية حكومة صربيا إلى تسليم (ميلوسوفتش) إلى محكمة لاهاي. فالقدرة على الحصول على الأهداف المطلوبة تتحقق بالقوة الصلبة العسكرية, أو الناعمة الثقافية والاقتصادية. وترتبط القوة بالموارد، ولذلك فإن فهم القوة يقتضي فهم الموارد، فتكون المحصلة التطبيقية لفهم القوة ومصادرها بالنسبة للدولة هي امتلاك عناصر معينة امتلاكاً متفوقاً أو مؤثراً, مثل السكان, والإقليم الجغرافي, والموارد الاقتصادية الطبيعية, والتجارية, والقوة العسكرية, والاستقرار السياسي. وتكون في أحيان كثيرة موارد أو مصادر قوة معينة, هي سر القوة والتأثير, مثل: الصناعة القائمة على الطاقة البخارية, والسيطرة البحرية البريطانية في القرن التاسع عشر الميلادي، وسكة الحديد الألمانية في النصف الأول من القرن العشرين، والقوة النووية للولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في النصف الثاني من القرن العشرين. وفي القرن السادس عشر الميلادي كانت الهيمنة والتأثير لإسبانيا عبر السيطرة على الذهب والتجارة الاستعمارية وعلاقات الأسر الحاكمة، كما كانت لهولندا في القرن السابع عشر الميلادي عبر التجارة ورأس المال، ولفرنسا في القرن الثامن عشر الميلادي عبر الثقافة والصناعات الريفية والسكان والإدارة العامة. وتبدو الولايات المتحدة قوة متفوقة بفارق كبير, إذا ما قورنت بالدول المهمة الأخرى مثل: ألمانيا, وروسيا, وبريطانيا, والصين, والهند, واليابان, على أساس مجموعة من مصادر القوة كالمساحة الجغرافية, وعدد السكان, ونسبة التعليم, والقوة النووية, والميزانية, والجيش, والناتج المحلي, والقوة الشرائية, والصناعة, والصادرات التكنولوجية, واستخدام الكمبيوتر، وتتفوق عليها روسيا بالمساحة،

стр. 901

والصين والهند بالسكان، وربما يكون القرن الحادي والعشرين وفق هذه المعطيات قرنا أمريكيا (١). قدرات الإمبراطورية يشير (فيرغسون) إلى القدرات الاقتصادية والعسكرية الهائلة للولايات المتحدة. فقد كان للولايات المتحدة، قبل قيامها بإرسال القوات لغزو العراق، ٧٣٢ منشأة عسكرية في أكثر من ١٣٠ دولة. وتعادل ميزانية وزارة الدفاع الأميركية مجموع ميزانيات الدفاع في الدول الـ١٢ أو الـ١٥ التي تليها، ويشكل الإنفاق العسكري في الولايات المتحدة ٤٠ إلى ٤٥% من مجموع الإنفاق العسكري لكل دول العالم الـ١٨٩. ولدى الولايات المتحدة من الدبابات ما يفوق ما لدى أي دولة أخرى، إضافة إلى كونها الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك (الحاملات الفائقة) , التي يبلغ عددها تسع حاملات, وطائرات (الشبح) غير المرئية, التي تمتلك ثلاثاً منها. ويقول لنا (فيرغسون) إن "مجموع الناتج الإجمالي المحلي الأميركي عام ٢٠٠٢ م، محسوباً بالسعر الدولي للدولار ومعدلاً تبعاً للقوة الشرائية المتناظرة، قد قارب ضعفي الناتج الإجمالي المحلي للصين، وتجاوز نسبة الخمس (٢١.٤%) من مجموع الناتج العالمي، وزاد على الناتج الياباني والألماني والبريطاني مجتمعين. وهذا يتجاوز بما يزيد على الضعفين النسب العليا التي حققتها حصة بريطانيا العظمى من الإنتاج العالمي، عندما كانت إمبراطورية تهيمن على الأسواق العالمية, وبقدر تعلق الأمر بكل من الإنتاج والاستهلاك، فإن الولايات المتحدة تعتبر إمبراطورية أغنى بكثير مما كانت عليه الإمبراطورية البريطانية في أي يوم من أيامها". أما سيادة الثقافة الأميركية فأمر لا يكاد يوجد من يشكك فيه. وكفى بـ (استعمار الكوكا كولا) شاهداً عليه. أما إذا أردت الاستشهاد بمطاعم (ماكدونالدز) , فإن (فيرغسون) يخبرك بأن عددها قد فاق الثلاثين ألف مطعم, تعمل في سبع

стр. 902

وأربعين دولة وموقعاً على امتداد العالم، وأن أقل من نصف هذا العدد فقط موجود داخل الولايات المتحدة (١). ومن الصعب إعادة تقييم إمكانات القوة لدى الولايات المتحدة الأمريكية، فأمريكا في الوقت الراهن تؤثر تأثيراً بالغاً في السياسة الدولية، أكثر من أي دولة أخرى في التاريخ، وبعد سبع سنوات من الازدهار الاقتصادي المتواصل، اقترب إجمالي الناتج القومي لها من ٩ تريليون دولار. وحتى أكثر المتشائمين تحفظاً يعترف بان الظروف المواتية على نحو لا يوصف تضمن لأمريكا عشرين عاماً من الزعامة دون جدال. ولا يظهر حتى الآن أي خصم في الأفق ... ويرى (رونالد ستيل) أن الولايات المتحدة الأمريكية ـ من جميع الجوانب العلمية ـ لا تخضع تحت أي تهديد بالتدخل، وليس هناك ثمة أعداء يرغبون في انهيارها، كما أنها غير خاضعة لأحد في تجارتها الخارجية .. لها حلفائها، ولكنها مستقلة بدونهم، ولم تكن تابعة لأحدهم في يوم من الأيام حتى سنوات الحرب الباردة. أن الولايات المتحدة الأمريكية هي شبكة واسعة من القواعد العسكرية، وهى قواعد لم يكن بناؤها لمجرد الدفاع عن النفس. ويكتب (تشارلز ماينز) قائلاً: "لم يحدث مطلقاً، منذ روما القديمة إن سادت دولة بمفردها النظام العالمي متفوقة على هذا النحو الهائل من التفوق" (٢). وبالرغم من كل ما تقدم فإن حقائق القوة هذه لا تلغي وجود بؤر ضعف بنيوية في النظام والمجتمع الأميركي , الذي يهيمن ١% من سكانه على ٧٠% من ثروة البلاد , بينما لا يتبقى لغالبية السكان سوى ٣٠% من ثروة البلاد الصافية، علما أن التفاوت يشمل حتى الفئة الغنية , إذ يملك ١% من السكان الأغنى ٣٨.٩% من ثروة البلاد , هذا التفاوت أظهر وجود ٣١.١٤ مليون فقير، حسب التعريف الرسمي للفقر عام ٢٠٠٠ م والذي يتركز في الأقليات السوداء والمنحدرة من أصل أميركي لاتيني وآسيوي، هذا التفاوت الرهيب في الثروة والدخل يؤدي داخل أي مجتمع إلى تناقضات , تنتج عالمين يصارع بعضهما البعض , تعمل فيه الطبقات المتوسطة

стр. 903

والفقيرة , التي تبني سياسات اجتماعيه أكثر عدلا مقابل الطبقة الغنية التي ستدافع عن مصالحها بل وتعمل على تحسينها وهو ما سيولد تناقضات داخليه خطيرة في المستقبل، تتهرب من مواجهتها الإدارة الأمريكية من خلال طرح تحديات خارجية ووجودية , هذا بالإضافة إلى حقيقة يجري إغفالها وتتمثل بهيمنة الواسب الانكلو ساكسون البيض على أبرز مصادر ومفاصل القوة والاقتصاد والسياسة (١). وأما نقاط الضعف في القوة الأميركية فهي أن الولايات المتحدة بحاجة إلى ائتلاف وتشارك مع العالم، فهي لا تستطيع التصرف منفردة رغم قوتها وتفوقها. فقوتها لا تكفي لحل مشاكل مثل الإرهاب وانتشار الأسلحة النووية، وستقع في متاعب كثيرة إن لم تتفهم ذلك, وتتعلم كيف تعمل مع الآخرين وتقودهم (٢). ولكي تحافظ أمريكا في القرن الحادي والعشرين على موقع الزعامة في المنظومة العالمية يجب عليها التضحية بمواطنيها, والاستعداد لدفع الضرائب, وإرسال أبنائها فيما وراء المحيطات، فهل أمريكا مستعدة لتقديم مثل هذه التضحيات التي لا مفر منها؟. مع نهاية الحرب الباردة بدأ هذا الاستعداد يفتر أكثر فأكثر، وقد أجرت مجلة تايم الأمريكية دراسة عام ١٩٩١م أثبتت أن ٧٦% من الشعب الأمريكي يعارض قيام أمريكا بدور شرطي الأمن. فيما اثبت استطلاع رأى آخر وجود رغبة شديدة عند غالبية الشعب الأمريكي في تقليص الوجود العسكري خارج الولايات المتحدة (٣). مؤشرات لكسر القوة الأمريكية لا أريد بالطبع، الإساءة إلى الكثير من الأمريكيين البسطاء - الذين ذاقوا مرارة الحرمان والظلم. لا اقل من أولئك الذين عاشوا في عهد هتلر أو جنكيز خان. بل ما ارمي إليه هو تعرية النظام اللاإنساني، والتوليتاري إلى ابعد الحدود، الذي يمثله النظام الأمريكي غير جدير بالوجود إجمالاً، مثله مثل إمبراطورية الشر. أن نظام

стр. 904

الامركة أي الوجود الطفيلي على حساب موارد الآخرين والعنف والخداع واستغلال ونهب الدول الأخرى يجب أن يدمر بجهود البشرية المشتركة وآلا فان العاقبة ستكون وخيمة على العالم بأسره. فخلافاً للقوة المسيطرة السابقة تعمل الولايات المتحدة الأميركية في عالم يشتد فيه الجوار وتقوى أواصر الألفة، فالقوى الامبراطورية السابقة مثل بريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر أو الصين في مراحل مختلفة من تاريخها الممتد آلافاً من السنين أو روما خلال ٥٠٠ عام لم تكن تتأثر نسبياً بالتهديدات الخارجية، فقد كان العالم الذي تسيطر عليه مقسماً إلى أجزاء منفصلة لا يتفاعل بعضها مع بعض، وكانت المسافة والزمن يوفران متنفساً ويعززان أمن الوطن. وبالمقابل ربما تكون الولايات المتحدة الأميركية فريدة في قوتها في المنظور العالمي، ولكن أمنها الداخلي مهدد على نحو فريد أيضاً، وقد يكون اضطرارها إلى العيش في مثل هذا الجو من انعدام الأمن حالة مزمنة على الأرجح (١). فخلال العقود القادمة ستفقد الولايات المتحدة الأمريكيه وجودها كرقعة واحده وكسكان متضامنين وإذا ترك الحبل على الغارب فان انهيار أمريكا سيكون مأساويا بالنسبة للكرة الأرضية برمتها. فأمريكا المحشيه بالسلاح النووي وبالحقد الشيطاني على كل ما هو إنساني، يمكن إن تجر العالم كله إلى الهاوية، ولذا فان على المجتمع الإنساني إن يتخذ الإجراءات الوقائية ويقوم بضبط هذه العملية الكارثيه على شتى محاور الانهيار الأمريكي القادم: المحور القومي العرقي، المالي الاقتصادي البيئي والدولي. وكأية ظاهرة سياسية - اجتماعيه شاذة فان عملية تداعي الولايات المتحدة، تحمل طابعاً متعدد الاحتمالات، وبالتالي يمكن التنبوء بها وضبطها من خلال عدة سيناريوهات، إنما المسألة تكمن في طبيعة وتكوين وفعالية أدوات الضبط التي سنختارها، وسوف يتم الضبط عبر التأثير على نقاط الضعف في إمبراطورية الشر. إن على دول العالم وشعوبه إن تقيم بكل الطرق الممكنة، مرافق مقاومة الولايات المتحدة بالدرجة الأولى عن طريق إنشاء مراكز خاصة تعمل على تهديديها، وترسم الاستراتيجية الطويلة المدى لذلك وشن حملة دعائية مكثفة

стр. 905

ومستمرة عبر وسائل الإعلام الجماهيري، ومن الضروري القيام باستمرار بعرض الأمثلة الحية على الطابع الكافر الإجرامي الطفيلي والتوليتاري لأمريكا وبؤس قيمها الحياتية والفقر الروحي - الأخلاقي المدقع لأغلب الأمريكيين. ويمكن العمل على تعميق الصعوبات التى تواجهها أمريكا من خلال التركيز على نقاط الضعف في النظام الأمريكي واحداث الكسور والشروخ في هذا النظام من خلال عدة محاور: الكسر القومي: من خلال رسم خط الكسر القومي، لا بد قبل كل شيء من تقديم كل دعم ممكن لقوى المقاومة القومية والدينية في بعض مناطق الولايات المتحدة الأمريكيه، وبخاصة في مستوطنات الهنود الحمر وفي ألاسكا وغويان، وكذلك في مناطق أخرى مثل تكساس نيوميكسيكو فلوريدا وغيرها من الولايات الجنوبية، وتوجيه هذه القوى نحو إقامة الكيانات المستقلة ذات السيادة. ويجب إن يتم العمل التنفيذي عن طريق إنشاء وتدريب وتمويل مجموعات المقاومة من بين السكان المحليين وتربية قادة حركات التحرر في الأراضي الوطنية المحتلة من قبل أمريكا. ففي ألاسكا لا بد من تشكيل حركة سياسية للتحرر من الاحتلال الأمريكي ومنحها صفة الدولة المستقلة الصديقة لروسيا. كما آن الأوان لإقامة عدد من الجمهوريات القومية الهندية، التي تتمتع بحقوق السيادة على الأراضي التي اغتصبها البيض دون وجه حق. فمن المعروف أنّ الهنود الحمر وإلى يومنا هذا يطالبون بحقوقهم السياسية والإجتماعية, وإذا كان الصراع سابقاً بين السكان الأصليين لأمريكا والدخلاء عليها يتم على شكل حرب عصابات وقتل بالجملة، من قبل الدخلاء للهنود الحمر السكان الأصليين لأمريكا, إلاّ أنّه اليوم إنتظم في شكل تكتلات سياسية وتنظيمات هندية أمريكية أحرجت أمريكا في الداخل والخارج. والولايات المتحدة الأمريكية التي تدّعي حماية الأقليات ونصرة حقوق الإنسان - الوجه الأخر للتدخّل الأمريكي في الدول الآمنة - إلاّ أنّها لم تأبه لمطالب الهنود الحمر الذين مازالوا يحتجون على السياسة الأمريكية تجاههم، وما زالت تجمعاتهم في أمريكا وتحديداً في الغرب الأمريكي، تتناقل حكايات إجرام العصابات الدخيلة في حق أجدادهم. والصراع بين السكان

стр. 906

الأصليين والدخلاء على أمريكا مرشّح للبروز في أي لحظة لأنّ عوامله مازالت قائمة, وقد يؤدّي هذا إلى خلق فجوة كبيرة في التركيبة الاجتماعية الأمريكية (١). كما إن من العدل والأنصاف إنشاء ودعم حركات العصيان المكسيكية للنضال من اجل استعادة المكسيك أراضيها الشمالية التي احتلتها الولايات المتحدة بشكل غير شرعي. ويجب إن يصبح الوضع المادي والمعنوي للاقليات القومية الأمريكيه المضطهدة موضع اهتمام دائم من جانب المجتمع الدولي إلى درجة إصدار مذكرة خاصة حول شعوب الولايات المتحدة المضطهدة، واستخدام العقوبات الاقتصادية والسياسية وغيرها ضد الولايات المتحده لاجبارها على الاعتراف بجرائمها ضد الهنود الحمر اصحاب البلاد الاصليين. ولكن احد احفاد الهنود الحمر وهو رافن سلفا وهو معد أحد البرامج الإذاعية للكلام عن شعبه واسمه «دائرة الأمم الحمراء «يؤكد بأن الأمريكيين لم يحاسبوا ضمائرهم ولن يفعلوا هذا أبداً. لقد قال: «أمريكا هي آخر مكان في العالم يعترف بأخطائه. هذا البلد مصاب بفقدان ذاكرة جغرافية وتاريخية، فأمريكا تخترع تاريخاً لها خلال حقبٍ منتظمة وهوليود تستخدم كسحر نفسي أمريكي ودولي». لقد منح الكونغرس الأمريكي الهنود حرية ممارسة معتقدهم الديني عام ١٩٧٦ وهم الآن عام ١٩٩٧ لديهم شكوك حقيقية حول إمكانية متابعة العيش (٢). الكسر العرقي: يكمن الكسر العرقى في التنازع المستمر بين البيض وأحفاد العبيد السود، الذين لا يزالون يعانون من التمييز العنصري الذي يتجلى في شتى مجالات الحياة وفي الثقافة والأجور بالدرجة الأولى. فما زال السود في القارة المغتصبة ممنوعين من العديد من الحقوق السياسية, ولا يمكن، ورغم الديموقراطية الأمريكية التي تحولتّ إلى معزوفة، ان تقبل بوجود شخص أسود في البيت الأبيض الذي إحتكره البيض فقط من رجالات القرار في أمريكا. وما زالت القوة السوداء تتعرض إلى إعتداءات من قبل المنظمات العنصرية التي تطالب بضرورة

стр. 907

إخراج هؤلاء من أمريكا وإرجاعهم إلى إفريقيا. وتسجّل الدوائر الرسمية بحذر شديد الإعتداءات على السود من قبل البيض والعكس صحيح. وقد أصبح رجال أمن متورطين في قتل شباب سود، الأمر الذي فجرّ عشرات التظاهرات السوداء الغاضبة على الإدارة الأمريكية, وهذا التمزق والصراع العرقي واللوني مرشح لمزيد من الإتساع كما يقول علماء إجتماع أمريكيون (١). بسبب الأيديولوجية التي كانت العامل الرئيسي في تأسيس أمريكيا، ففتح الباب للسود وقبلهم الهنود بالدخول إلى المواطنية هذا يعني إدخال مفهوم التعددية إلى حد قد يبدل بشكل عميق صلب النظام (٢). ومن الجدير بالذكر ان نسبة المواطنين السود في أمريكا هي ١٢% و ٨% من أصول اسبانية. يقول اندرو هيكر في كتابه "نهاية العهد الأمريكي": يمكننا النظر إلى أمريكا على أنها دولة تتكون من شعبين: البيض وهو الاغلبية المسيطرة والسود وهو الاقلية المضطهدة. ومن غريب الأمور كما يقول المؤلف في موضوع العنصرية السياسية أن أحد الحزبين الرئيسيين في أمريكا وهو الحزب الجمهوري الذي ينتمي اليه رونالد ريجان وجورج بوش، قد صرح علانية بأنه حزب سياسي للمواطنين الأمريكيين البيض. وأنه يهدف إلى تحقيق مصالح البيض في أمريكا (٣). ومن هنا فإنه من الضروري مؤازرة الحركات الزنجية من اجل العدالة ومن اجل إقامة إدارات الحكم الذاتي الزنجية في المناطق التي يشكل الزنوج أغلبية سكانها، كنيويورك، على إن يتم فيما بعد منحها السيادة على مراحل في حدود الولايات المتحدة ذات الصله (٤). كما ان التنازع العرقي سيصيب السعى والتطلع الأمريكي للقيام بدور الامبراطورية العالمية بالشلل، وهذا ما يعترف به كثير من الأمريكيين. يكتب (لييفين): "إن العنصرية العميقة، من النمط الجنوبي، لشخص مثل (وودرو

стр. 908

ويلسون) مثلا، ترْهِق كثيراً ولا تزال تنخر العالمية الليبرالية التي كان زعيمَها في نظر اليابانيين وفي نظر العديد من الشعوب غير البيضاء في العالَم". وكما كتب الثيولوجي (رينهولد نيبوهر) سنة ١٩٤٣: "إن كبرياءنا العِرْقِيّ غير متلائِم مع مسؤولياتنا في الجماعة البشرية. فإذا لَمْ نَنْجح في تصحيحها فإننا سنفشل في مهمتنا"، لأن مصير السود يسيء إلى القوة الأمريكية في صراعها ضد اعدائها. فقد اضطرت النّخَب القومية إلى اتخاذ قرار، في الخمسينات والستينات، بوضع حد لهذه الأشكال الصارخة من العبودية. أَلَمْ يفهمْ (أبراهام لنكولن) في زمنه بأن العبودية تضعِف أمريكا في مهمتها الديمقراطية وتعرِّضها للاتهام بالنفاق؟ " (١). أمريكا دولة الجرائم إنّ إنتشار الجريمة بشكل مذهل في الولايات المتحدة الأمريكية يدلّ على الإنكسار الرهيب في المجتمع الأمريكي, وعلى الطبقية في هذا المجتمع المخملي. وبرغم الإجراءات المتخذة للحدّ من ظاهرة الجرائم إلاّ أنّ كل الإجراءات باءت بالفشل, وقد تتفاقم هذه الطبقية لتتّحول إلى ثورة إجتماعية كما حدث في فرنسا أيام الثورة الفرنسية, وقد تمكنّ (كارل ماركس) من تشخيص منتهى الرأسمالية عندما أشار إلى أنّ المجتمعات الرأسمالية ستثور على الوضع القائم, إلاّ أنّه أخطأ النتيجة عندما قال إنّ هذه المجتمعات الرأسمالية وعندما تثور على الرأسمالية ستنتهي إلى الماركسية، والتي ماتت شأنها شأن الرأسمالية الآيلة إلى الموت. وتفاقم الطبقيّة لا يميّز الوضع العام في أمريكا فقط، بل بات الهاجس اليومي في أوروبا أيضا, فهناك ٦٠% -١٤% من الشعب الأمريكي كانوا ضحية للجريمة مرة واحدة في حياتهم على الأقل.، ٥٨% من الأمريكيين الراشدين سبق لهم تعاطي المخدرات. و٢٠% منهم ما يزالون يتعاطونها. يشير اندرو شابيرو (نحن القوة الأولى: أين تقف أمريكا وأين تسقط في النظام العالمي الجديد؟ إلى ان ٤٦% من المواطنين السود، و ١٥% من الهسبانية لا يجدون لهم سكناً، و ٣٤% من المشردين هم من المواطنين الأمريكيين البيض، ٤%

стр. 909

من أصول عرقية أخرى (١). ومثل هذه النتيجة حتمية في مجتمع يفتقد إلى أدنى موازين العدالة, ولا يعترف بالفقراء والمنبوذين, بل إنّ الحياة للأقوى كما قال نيتشه ذات يوم. وقد تتلاقى صيحات المستضعفين في أمريكا وأوروبا والعالم الثالث أيضاً، وهو مؤشّر على الفصام النكد بين القيادة السياسية في أمريكا والمدعومة من قبل رجال الأعمال وبين الطبقات المسحوقة. وإذا غالطت أمريكا الرأي العام لديها بتوجيه أنظارهم إلى الساحة السياسية الدولية، فسوف يأتي اليوم الذي يلتفت فيه المسحوقون في أمريكا إلى واقعهم ويحتجون عليه بقوة (٢). الكسر المالي: تحولت الولايات المتحدة الأمريكيه من اكبر دولة دائنه في العالم إلى اكبر دولة مدينه في العالم: ومعدل الاستثمار في الولايات المتحدة الأمريكيه يعد الأقل بين الدول الصناعية الكبرى. إن أهم ما يعاني منه الاقتصاد الأمريكي في الوقت الحاضر هو الديون الكثيرة التي فاقت كل تصورات السياسيين والاقتصاديين؛ ففي: سنة ١٩٤٠ كان مجموع ديون الولايات المتحدة ٤٣ مليار دولار. وفي سنة ١٩٥٠ وبسبب الانفاق الهائل على الحرب العالمية الثانية أصبح ٢٥٦ مليار دولار وسنة ١٩٨٠ بلغ مجموع الديون (حرب كوريا/فيتنام) ٩٠٨ مليار دولار، وفي سنة ١٩٨٨وصلت وأثناء رئاسة ريجان (بسبب بناء الترسانة العسكرية) ٢,٦ ألف مليار دولار، وسنة ١٩٩٢م قاربت ديون الولايات المتحدة ٤٠٠٠ مليار دولار. وهكذا ما بين (١٩٨٠ - ١٩٩٢) ازدادت نسبة ديون الولايات المتحدة إلى أكثر من ٦٥% وهو ما يجعل الشعب الأمريكي يتساءل عن الطرق التي أنفقت فيها الحكومة هذه المبالغ الطائلة، ويطرح من القضايا أمام الرأي العام حول الفساد السياسي والاقتصاد. و إذا استمرت هذه الزيادة بمعدلاتها الحالية فان ديون الولايات المتحدة ستصل إلى ما مجموعه١٠,٢ ألف مليار دولار قبل حلول ٢٠٢٠م (٣).

стр. 910

فبرغم قوتها العسكرية التي لا تعتمد على قوة المقاتلين والتي لا تتمنى - كما تشير تقارير البنتاجون- إلا دخول حروب (لا تخسر فيها قتيلاً واحداً) وذلك بإمكاناتها التقنيه العالية الخاصة بإدارة المعارك، وباستخدام المرتزقه وقوات قرين كارد ودول ما تسمى بالتحاف، بهدف أن يصبح قادتها بذلك أسياد العالم. برغم كل ذلك تحولت الولايات المتحدة شيئاً فشيئاً إلى عملاق بطبع (أخيل)، وذلك بسبب الهشاشة الاقتصادية المختفية وراء القناع إلى حين انكشافها عبر سيولة المضاربات الماليه التي حولت البنوك الأمريكيه إلى صالات للقمار. لهذا الضعف الواضح والقصور تقامر الولايات المتحدة حتى إشعار آخر على سياسة التسليح لمواجهة صعود أي عمالقة آخرين إلى قمة العالم التي تعتليها، ومن ثم فهي لا تسلح فقط مرتزقها الرئيسي في الشرق الأوسط: إسرائيل تسليحاً كثيفاً بل تسعى أيضاً لعرقلة صعود الصين (١). إن الكسر المالي حتمي وآت لا ريب فيه بسبب السمات آنفة الذكر للسياسة امريكيه في مجال النقود والاسعار. ولسوف يحدث على الأرجح بشكل عفوي لكنه قد يكون قابلاً للتوجيه. مما يتطلب: أولا: الإسهام في تحطيم القيمة الوهمية للدولار بوساطة (الهروب) منه عن طريق طرح كميات كبيره من الدولارات في السوق في اللحظة (الحرجة) ومن ثم رفض التعامل به مما يؤدي إلى ذعر حقيقي في البورصة مع كل العواقب المترتبة على ذلك. ثانيا -العمل على اصلاح الاسعار العالمية للمواد الأولية والوقود عن طريق تضمينها ضرائب الأرباح المفترضة في السلعة النهائية وضرائب ترصد لإصلاح البيئة في البلدان المصدرة. ثالثا- فرض رقابة مالية شاملة على عمليات الشركات متعددة الجنسيات واجبارها قانونياً على استخدام الأسعار المالية في الحسابات الداخلية. بما في ذلك أجرة اليد العاملة مع اخذ نوعيتها بعين الاعتبار (٢).

стр. 911

الكسر الاقتصادي: تعاني أمريكا من تبعية اقتصادية متنامية حيال العالم الخارجي. والارقام توضح أن أميركا تسجل عجزاً في ميزانها التجاري مع كل البلدان المهمة في العالم. أما الفائض في الميزان التجاري التكنولوجي (سلع التكنولوجيا المتقدمة) فهو في تراجع، ليسجل عجزاً في ٢٠٠١. فالاقتصاد الأميركي نمت فيه الخدمات المالية، التأمينات والعقارات بوتيرة أسرع بمرتين من وتيرة نمو الصناعة، وذلك بين ١٩٩٩ و٢٠٠٠. أما أرقام الناتج القومي الأميركي الخام فضخمت بسبب المخالفات كما ظهر مع فضيحة إنرون، إفلاسها نجم عنه تبخر ١٠٠ مليار دولار. وهذا الرقم يمثل حوالي ١% من الناتج القومي الخام الأميركي. ومع تزييف حسابات الشركات الأميركية بدأ هذا الناتج يشبه من حيث المصداقية الإحصائية الناتج القومي الخام السوفياتي. ولهذا فان أميركا هي قيد التحول إلى فضاء متخصص في الاستهلاك وتابع للعالم الخارجي، فهي ليست مهمة للعالم من حيث إنتاجها وإنما من حيث استهلاكها (١). فالاقتصاد الأمريكي شبيه بالسيارة المندفعة من عل بدون مكابح، فهي غير قادرة على التوقف. لقد نضبت إمكانيات التطور المكثف. حتى إن احدث أنواع التكنولوجيا غير قادرة إجمالاً على مواكبة عملية تقلص الموارد نتيجة سباق الاستهلاك المحموم. لذا فان الولايات المتحدة ستضطر من اجل إطعام غول اقتصادها الاستهلاكي إلى زيادة نهب الآخرين، وهذا ليس بالأمر السهل في الظروف الحاليه. ولقد فقدت الولايات المتحدة الأمريكيه مراكز الصدارة في التكنولوجيا العالية بسبب اعتمادها على مدى عشرات السنين على النهب الاقتصادي للدول الأخرى، من خلال التحكم بالأسعار العالمية والقيمة الشكلية للدولار. ففي بداية السبعينات كان نصيب الولايات المتحدة من الصادرات العالمية من التكنولوجيا المتطورة يصل إلى ٣٠% وفي الثمانينات انخفضت هذه النسبة إلى ٢١% ولن تزيد مع نهاية التسعينات على ٥ - ١. % حيث انتقل مركز القيادة في التكنولوجي المتطورة إلى اليابان وعدد من البلدان الاسيويه الاخرى. ومنذ النصف الثاني من التسعينات ومطلع القرن الحالي دخلت الولايات المتحدة منطقة الأزمة الاقتصادية الطويلة

стр. 912

نتيجة البون الشاسع بين إمكانياتها الاقتصادية وبين مطالبها الاستهلاكية المتفاقمه (١). وفي كتابه "ليست للبيع بأي ثمن: كيف نُحفظ أمريكا لأطفالنا؟ " يقول روس بيرو: لقد علمنا التاريخ أن التنوع يبني القوة، وقد كنا أغنياء وأقوياء لفترة طويلة من الزمن حتى خلنا أننا قد ضمنا البقاء على ذلك الحال. أما اليوم فإننا نجد أن بلادنا العظيمة تعيش منعطفاً خطيراً في تاريخها. إننا نواجه مشكلات اقتصادية خطيرة جداً. إن الخدم المنتخبين قد أساءوا استخدام أموال الدولة (٢). وقد خصص المؤلف الفصل الثاني وهو أطول فصول الكتاب للحديث عن الأوضاع المتردية التي تشهدها الولايات المتحدة في جميع المجالات مع اهتمام واضح بالميدان الاقتصادي. ومن الموضوعات الاقتصادية التي ناقشها؛ مشكلة إرتفاع الديون الفيدرالية، وخطة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لتحسين الأوضاع الاقتصادية وقد ناقشها المؤلف، وأبرزعيوبها وما يمكن أن تحدثه من ديون إضافية على الحكومة الفيدرالية، وكذلك مشكلات العجز في الميزانية، وتقلص حجم الشركات الأمريكية والخسائر التي تعاني منها، وإرتفاع معدلات البطالة الناتجة عن إغلاق بعض الشركات الكبرى لفروعها في بعض المدن الأمريكية، وأسعار البترول، والإنفاق غير المتوازن على التسلح العسكري. وبالنسبة للديون يشير المؤلف إلى إن المؤشرات الاقتصادية تؤكد إن الديون الفيدرالية قد بلغت أكثر من أربعة تريليونات دولار، وحتى نعرض معدلات نمو الديون الفيدرالية السريعة؛ يجب أن نعود إلى العام ١٩٧٥م حيث بلغ مجموع الديون أقل من نصف تريليون دولار، مع العلم أن هذا المبلغ يشمل ديون الدولة منذ عام ١٧٧٦م إلى ١٩٧٦م. أي أن هذا الرقم (نصف تريليون دولار) تقريباً هو مجموع ديون الحكومة الأمريكية خلال مائتي سنة، بما في ذلك تغطية تكاليف الحربين

стр. 913

العالميتين، والحرب الكورية، وحرب فيتنام، والمقاطعة النفطية التي تعرضت لها الولايات المتحدة في عام ١٩٧٣م (١). وهذه الديون لم تأتى نتيجة تأسيس البنية التحية للمجتمع أو الانفاق على الخدمات الاساسية، بل جاءت نتيجة الانفاق العسكرى الهائل وفساد النخب الحاكمة، حيث إن الولايات المتحدة تعاني من ارتفاع مذهل في معدلات الجريمة. وتوجد بها فئة كبيرة من الناس الذين لا يجدون لهم مسكناً، وهناك غلاٌء فاحش في الخدمات الصحية، كما أن الطرق السريعة والجسور والأنفاق قد بدأت تظهر عليها علامات التصدع والانهيار. صراع الكبار قلّ من يعرف عن الصراع الشديد والمستتر بين الشركات الجبّارة التي تتحكّم في الإقتصاد الأمريكي وإقتصاديات العالم الثالث, ومصاديق هذا الصراع تكمن في الإنشطار السياسي بين الأمبراطوريات الماليّة, فبعضها يدعم الحزب الجمهوري والبعض الآخر يدعم الحزب الديموقراطي وأخرى تدعم اللوبي الصهيوني وبينهما علاقة تحالف وثيقة, وأمتد هذا الصراع إلى خارج الخارطة الأمريكية وكل أمبراطورية مالية تملك رؤية إستراتيجية في كيفية إدارة السياسات والإقتصادات ولا سيّما في العالم العربي والإسلامي حيث الثروات الهائلة, والمفارقة أنّ كل شركة متعددة الجنسيات تملك مركزاً إستراتيجياً يعمل فيه خبراء في الإستراتيجيا والجيوبوليتيكا. وقد تتضارب مصالح الكبار لينعكس ذلك على اللعبة السياسية الرسمية المتداخلة كثيراً مع البترودولار والمال ومصادره بشكل عام (٢). الكسر البيئي: وهو قريب من الكسر الاقتصادي وهو ناجم عن الإخلال الحاد بالتوازن بين الإمكانيات الطبيعية وبين ضغط اقتصاد الاستهلاك على هذه الموارد. ولهذا يجب على المجتمع الدولي ان يفرض على الولايات المتحدة ضريبة خاصة

стр. 914

تعادل الضرر الذي تلحقه بطبيعة الكرة الارضية، وقد وضحنا سابقاً كيف ان الاصولية المسيحية وعلى رأسها الرئيس بوش ترفض الالتزام بالاتفاقيات البيئية الموقعه بين الدول باعتبار ان ذلك يخالف النبوءات التوراتية الخاصة بآخر الزمان. ولهذا فقد استبق الرئيس الأمريكي حضوره إلى قمة الدول الثمانية الكبرى في اسكتلندا (٢٠٠٥) باستبعاد تدعيم بلاده لأي اتفاقية متعلقة بالمناخ شبيهة باتفاقية كيوتو مشيراً إلى أنه سيعترض على أي مشروع اتفاقية يهدف إلى التقليل من انبعاث الكربون. مضيفاً إنه سيناقش مع زملائه ابتكار تقنيات جديدة كوسيلة للتعامل مع مسألة الاحتباس الحراري. فما السبب إذن الذي يجعل بوش يماطل وهل هو مجرد حماية اقتصادية فقط لصناعات بلاده؟ وأية فائدة تعود عليه إذا فسد مناخ البلاد وتعرضت لموجات من غضب الطبيعة بسبب الاحتباس الحراري وثقب الأوزون إلى آخر الظواهر الطبيعية الكارثية التي تعصف بكوكب الأرض عصفا؟ الإجابة المرتبطة بالفكر الأصولي والتي تعكس خطورة حقيقية تتمحور حول فكرة أن العمل على إنقاذ كوكب الأرض هو أمر يخالف التدبير الإلهي لنهاية العالم. فاليمين الجديد والاتجاهات الإنجيلية والمتطرفة والطوائف البروتستانتية المخترقة وعلى رأسها الميثوديست التي ينتمي إليها بوش تستعجل قيام الساعة وعودة السيد المسيح لتنطلق إمبراطورية الملك الألفي ويملكون معه ألف سنة على الأرض. والمعروف أنها طوائف تؤمن وتعتقد بأنه (ليس هنا مدينة وإنما نبغي العتيدة) أي لا نريد وطنا على الأرض وإنما نتطلع إلى أورشليم السمائية. وحسب التفسير الحرفي المغلوط لبعض ما جاء في الإنجيل أنه في نهاية الزمان "تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة وتحدث زلازل وأوبئة ومجاعات وحروب كثيرة إضافة إلى الكوارث الطبيعية ومنها أن الشمس تظلم والقمر لا يعطي ضوءه" وهذه كلها أول المخاض، لذا فإن أي تغيير من خلال تدخل الإنسان لإصلاح تلك الأعطاب هو وقوف أمام النهاية السعيدة للإمبراطورية السمائية الألفية التي تكون فيها أمريكا طليعة الأرضيين. وإجمالي المشهد هو أن الإمبراطورية الأمريكية اليمينية يخيل إليها أنها

стр. 915

المؤتمنة على إتمام الإرادة الإلهية في الكون في ظل يقين ثابت لديها بأن سيادتها وريادتها علامة دينية على قرب قيام الساعة ونصرة الحق على الظلم (١). وهكذا فإن الامبراطورية الأمريكية اليمينية المتطرفة تخطط بشكل مرعب لهندسة العالم وفق رغباتها، ويكفي أن نقرأ قول أحدهم حول مشكلة تلوث البيئة كي تتصور المدى المخيف لهذه الهندسة: ينبغي إزالة ٩٠% من سكان الأرض وعندها لن يكون ما يسبب ضررا للبيئة. وقد صفق له الحضور طويلا. وأما إزالة ١٠ % من مصانع هؤلاء التي تسد منبعثاتها الفضاء ومزقت ستار الأوزون فلا. انهم يخططون كي تعم الفوضى والتفسخ، يخططون كي يعم اللواط وتنتشر عبادة الشيطان حتى تقتل في كل نفس قدرة المقاومة. تحت دعاوى الحرية والانفلاش يدمرون كل تاريخ الإنسان وجانبه الإيجابي تحديداً (٢). الكسر الدولي: وهو ناجم عن سياسة الولايات المتحدة الاستهلاكية - العدوانية تجاه البلدان الاخرى، التى يدرك كثير من سكانها الطابع الطفيلي لأمريكا. فبين الولايات المتحدة والاغلبية الساحقة للبلدان الاخرى تتفاقم التناقضات، التي تعجز الولايات المتحدة عن التخلص منها بسبب تكوينها الداخلى. وكما تدل الاستفتاءات التي جرت في عديد من البلدان، فإن اغلب سكان المعمورة يكن الكراهية لأمريكا والأمريكيين، ويرى ان من الانصاف ان يحيق بها ما احاق بالمانيا الفاشية. وهنا يعرض (إمانيول طود) في كتاب (ما بعد الإمبراطورية) لانكشاف القوة الأميركية والتحول التدريجي لأميركا من قوة عظمى إلى قوة كبرى، وإلى تفكك النظام الأميركي حيث أصبحت أميركا بحاجة إلى العالم أكثر من حاجة العالم إليها. ويفتتح المؤلف كتابه بجملة قوية: "إن الولايات المتحدة في طريقها لأن تصبح مشكلة بالنسبة للعالم". فبينما "اعتدنا أن نرى فيها حلاً" وضامنة للحرية السياسية والنظام الاقتصادي خلال نضف قرن، فهي تظهر اليوم أكثر فأكثر عامل فوضى دولية، حيث تبقي ... على اللايقين والصراع". إن أميركا تحتم على العالم أن يعترف بأن دولاً تشكل (محور الشر) يجب محاربتها، كما تستفز قوى أخرى مثل روسيا والصين،
следующие страницы →