الكسر الاقتصادي: تعاني أمريكا من تبعية اقتصادية متنامية حيال العالم الخارجي. والارقام توضح أن أميركا تسجل عجزاً في ميزانها التجاري مع كل البلدان المهمة في العالم. أما الفائض في الميزان التجاري التكنولوجي (سلع التكنولوجيا المتقدمة) فهو في تراجع، ليسجل عجزاً في ٢٠٠١. فالاقتصاد الأميركي نمت فيه الخدمات المالية، التأمينات والعقارات بوتيرة أسرع بمرتين من وتيرة نمو الصناعة، وذلك بين ١٩٩٩ و٢٠٠٠. أما أرقام الناتج القومي الأميركي الخام فضخمت بسبب المخالفات كما ظهر مع فضيحة إنرون، إفلاسها نجم عنه تبخر ١٠٠ مليار دولار. وهذا الرقم يمثل حوالي ١% من الناتج القومي الخام الأميركي. ومع تزييف حسابات الشركات الأميركية بدأ هذا الناتج يشبه من حيث المصداقية الإحصائية الناتج القومي الخام السوفياتي. ولهذا فان أميركا هي قيد التحول إلى فضاء متخصص في الاستهلاك وتابع للعالم الخارجي، فهي ليست مهمة للعالم من حيث إنتاجها وإنما من حيث استهلاكها (١).
فالاقتصاد الأمريكي شبيه بالسيارة المندفعة من عل بدون مكابح، فهي غير قادرة على التوقف. لقد نضبت إمكانيات التطور المكثف. حتى إن احدث أنواع التكنولوجيا غير قادرة إجمالاً على مواكبة عملية تقلص الموارد نتيجة سباق الاستهلاك المحموم. لذا فان الولايات المتحدة ستضطر من اجل إطعام غول اقتصادها الاستهلاكي إلى زيادة نهب الآخرين، وهذا ليس بالأمر السهل في الظروف الحاليه. ولقد فقدت الولايات المتحدة الأمريكيه مراكز الصدارة في التكنولوجيا العالية بسبب اعتمادها على مدى عشرات السنين على النهب الاقتصادي للدول الأخرى، من خلال التحكم بالأسعار العالمية والقيمة الشكلية للدولار. ففي بداية السبعينات كان نصيب الولايات المتحدة من الصادرات العالمية من التكنولوجيا المتطورة يصل إلى ٣٠% وفي الثمانينات انخفضت هذه النسبة إلى ٢١% ولن تزيد مع نهاية التسعينات على ٥ - ١. % حيث انتقل مركز القيادة في التكنولوجي المتطورة إلى اليابان وعدد من البلدان الاسيويه الاخرى. ومنذ النصف الثاني من التسعينات ومطلع القرن الحالي دخلت الولايات المتحدة منطقة الأزمة الاقتصادية الطويلة
стр. 912
نتيجة البون الشاسع بين إمكانياتها الاقتصادية وبين مطالبها الاستهلاكية المتفاقمه (١).
وفي كتابه "ليست للبيع بأي ثمن: كيف نُحفظ أمريكا لأطفالنا؟ " يقول روس بيرو: لقد علمنا التاريخ أن التنوع يبني القوة، وقد كنا أغنياء وأقوياء لفترة طويلة من الزمن حتى خلنا أننا قد ضمنا البقاء على ذلك الحال. أما اليوم فإننا نجد أن بلادنا العظيمة تعيش منعطفاً خطيراً في تاريخها. إننا نواجه مشكلات اقتصادية خطيرة جداً. إن الخدم المنتخبين قد أساءوا استخدام أموال الدولة (٢).
وقد خصص المؤلف الفصل الثاني وهو أطول فصول الكتاب للحديث عن الأوضاع المتردية التي تشهدها الولايات المتحدة في جميع المجالات مع اهتمام واضح بالميدان الاقتصادي. ومن الموضوعات الاقتصادية التي ناقشها؛ مشكلة إرتفاع الديون الفيدرالية، وخطة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لتحسين الأوضاع الاقتصادية وقد ناقشها المؤلف، وأبرزعيوبها وما يمكن أن تحدثه من ديون إضافية على الحكومة الفيدرالية، وكذلك مشكلات العجز في الميزانية، وتقلص حجم الشركات الأمريكية والخسائر التي تعاني منها، وإرتفاع معدلات البطالة الناتجة عن إغلاق بعض الشركات الكبرى لفروعها في بعض المدن الأمريكية، وأسعار البترول، والإنفاق غير المتوازن على التسلح العسكري.
وبالنسبة للديون يشير المؤلف إلى إن المؤشرات الاقتصادية تؤكد إن الديون الفيدرالية قد بلغت أكثر من أربعة تريليونات دولار، وحتى نعرض معدلات نمو الديون الفيدرالية السريعة؛ يجب أن نعود إلى العام ١٩٧٥م حيث بلغ مجموع الديون أقل من نصف تريليون دولار، مع العلم أن هذا المبلغ يشمل ديون الدولة منذ عام ١٧٧٦م إلى ١٩٧٦م. أي أن هذا الرقم (نصف تريليون دولار) تقريباً هو مجموع ديون الحكومة الأمريكية خلال مائتي سنة، بما في ذلك تغطية تكاليف الحربين
стр. 913
العالميتين، والحرب الكورية، وحرب فيتنام، والمقاطعة النفطية التي تعرضت لها الولايات المتحدة في عام ١٩٧٣م (١).
وهذه الديون لم تأتى نتيجة تأسيس البنية التحية للمجتمع أو الانفاق على الخدمات الاساسية، بل جاءت نتيجة الانفاق العسكرى الهائل وفساد النخب الحاكمة، حيث إن الولايات المتحدة تعاني من ارتفاع مذهل في معدلات الجريمة. وتوجد بها فئة كبيرة من الناس الذين لا يجدون لهم مسكناً، وهناك غلاٌء فاحش في الخدمات الصحية، كما أن الطرق السريعة والجسور والأنفاق قد بدأت تظهر عليها علامات التصدع والانهيار.
صراع الكبار
قلّ من يعرف عن الصراع الشديد والمستتر بين الشركات الجبّارة التي تتحكّم في الإقتصاد الأمريكي وإقتصاديات العالم الثالث, ومصاديق هذا الصراع تكمن في الإنشطار السياسي بين الأمبراطوريات الماليّة, فبعضها يدعم الحزب الجمهوري والبعض الآخر يدعم الحزب الديموقراطي وأخرى تدعم اللوبي الصهيوني وبينهما علاقة تحالف وثيقة, وأمتد هذا الصراع إلى خارج الخارطة الأمريكية وكل أمبراطورية مالية تملك رؤية إستراتيجية في كيفية إدارة السياسات والإقتصادات ولا سيّما في العالم العربي والإسلامي حيث الثروات الهائلة, والمفارقة أنّ كل شركة متعددة الجنسيات تملك مركزاً إستراتيجياً يعمل فيه خبراء في الإستراتيجيا والجيوبوليتيكا. وقد تتضارب مصالح الكبار لينعكس ذلك على اللعبة السياسية الرسمية المتداخلة كثيراً مع البترودولار والمال ومصادره بشكل عام (٢).
الكسر البيئي: وهو قريب من الكسر الاقتصادي وهو ناجم عن الإخلال الحاد بالتوازن بين الإمكانيات الطبيعية وبين ضغط اقتصاد الاستهلاك على هذه الموارد. ولهذا يجب على المجتمع الدولي ان يفرض على الولايات المتحدة ضريبة خاصة
стр. 914
تعادل الضرر الذي تلحقه بطبيعة الكرة الارضية، وقد وضحنا سابقاً كيف ان الاصولية المسيحية وعلى رأسها الرئيس بوش ترفض الالتزام بالاتفاقيات البيئية الموقعه بين الدول باعتبار ان ذلك يخالف النبوءات التوراتية الخاصة بآخر الزمان. ولهذا فقد استبق الرئيس الأمريكي حضوره إلى قمة الدول الثمانية الكبرى في اسكتلندا (٢٠٠٥) باستبعاد تدعيم بلاده لأي اتفاقية متعلقة بالمناخ شبيهة باتفاقية كيوتو مشيراً إلى أنه سيعترض على أي مشروع اتفاقية يهدف إلى التقليل من انبعاث الكربون. مضيفاً إنه سيناقش مع زملائه ابتكار تقنيات جديدة كوسيلة للتعامل مع مسألة الاحتباس الحراري. فما السبب إذن الذي يجعل بوش يماطل وهل هو مجرد حماية اقتصادية فقط لصناعات بلاده؟ وأية فائدة تعود عليه إذا فسد مناخ البلاد وتعرضت لموجات من غضب الطبيعة بسبب الاحتباس الحراري وثقب الأوزون إلى آخر الظواهر الطبيعية الكارثية التي تعصف بكوكب الأرض عصفا؟
الإجابة المرتبطة بالفكر الأصولي والتي تعكس خطورة حقيقية تتمحور حول فكرة أن العمل على إنقاذ كوكب الأرض هو أمر يخالف التدبير الإلهي لنهاية العالم. فاليمين الجديد والاتجاهات الإنجيلية والمتطرفة والطوائف البروتستانتية المخترقة وعلى رأسها الميثوديست التي ينتمي إليها بوش تستعجل قيام الساعة وعودة السيد المسيح لتنطلق إمبراطورية الملك الألفي ويملكون معه ألف سنة على الأرض. والمعروف أنها طوائف تؤمن وتعتقد بأنه (ليس هنا مدينة وإنما نبغي العتيدة) أي لا نريد وطنا على الأرض وإنما نتطلع إلى أورشليم السمائية. وحسب التفسير الحرفي المغلوط لبعض ما جاء في الإنجيل أنه في نهاية الزمان "تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة وتحدث زلازل وأوبئة ومجاعات وحروب كثيرة إضافة إلى الكوارث الطبيعية ومنها أن الشمس تظلم والقمر لا يعطي ضوءه" وهذه كلها أول المخاض، لذا فإن أي تغيير من خلال تدخل الإنسان لإصلاح تلك الأعطاب هو وقوف أمام النهاية السعيدة للإمبراطورية السمائية الألفية التي تكون فيها أمريكا طليعة الأرضيين. وإجمالي المشهد هو أن الإمبراطورية الأمريكية اليمينية يخيل إليها أنها
стр. 915
المؤتمنة على إتمام الإرادة الإلهية في الكون في ظل يقين ثابت لديها بأن سيادتها وريادتها علامة دينية على قرب قيام الساعة ونصرة الحق على الظلم (١).
وهكذا فإن الامبراطورية الأمريكية اليمينية المتطرفة تخطط بشكل مرعب لهندسة العالم وفق رغباتها، ويكفي أن نقرأ قول أحدهم حول مشكلة تلوث البيئة كي تتصور المدى المخيف لهذه الهندسة: ينبغي إزالة ٩٠% من سكان الأرض وعندها لن يكون ما يسبب ضررا للبيئة. وقد صفق له الحضور طويلا. وأما إزالة ١٠ % من مصانع هؤلاء التي تسد منبعثاتها الفضاء ومزقت ستار الأوزون فلا. انهم يخططون كي تعم الفوضى والتفسخ، يخططون كي يعم اللواط وتنتشر عبادة الشيطان حتى تقتل في كل نفس قدرة المقاومة. تحت دعاوى الحرية والانفلاش يدمرون كل تاريخ الإنسان وجانبه الإيجابي تحديداً (٢).
الكسر الدولي: وهو ناجم عن سياسة الولايات المتحدة الاستهلاكية - العدوانية تجاه البلدان الاخرى، التى يدرك كثير من سكانها الطابع الطفيلي لأمريكا. فبين الولايات المتحدة والاغلبية الساحقة للبلدان الاخرى تتفاقم التناقضات، التي تعجز الولايات المتحدة عن التخلص منها بسبب تكوينها الداخلى. وكما تدل الاستفتاءات التي جرت في عديد من البلدان، فإن اغلب سكان المعمورة يكن الكراهية لأمريكا والأمريكيين، ويرى ان من الانصاف ان يحيق بها ما احاق بالمانيا الفاشية. وهنا يعرض (إمانيول طود) في كتاب (ما بعد الإمبراطورية) لانكشاف القوة الأميركية والتحول التدريجي لأميركا من قوة عظمى إلى قوة كبرى، وإلى تفكك النظام الأميركي حيث أصبحت أميركا بحاجة إلى العالم أكثر من حاجة العالم إليها. ويفتتح المؤلف كتابه بجملة قوية: "إن الولايات المتحدة في طريقها لأن تصبح مشكلة بالنسبة للعالم". فبينما "اعتدنا أن نرى فيها حلاً" وضامنة للحرية السياسية والنظام الاقتصادي خلال نضف قرن، فهي تظهر اليوم أكثر فأكثر عامل فوضى دولية، حيث تبقي ... على اللايقين والصراع". إن أميركا تحتم على العالم أن يعترف بأن دولاً تشكل (محور الشر) يجب محاربتها، كما تستفز قوى أخرى مثل روسيا والصين،
стр. 916
وتضع حلفاءها في موقف حرج باستهدافها مناطق متاخمة لهؤلاء الحلفاء" (١). بهذا http://www.aljazeera.net/books/٢٠٠٣/٥/ - TOP يمكن تفسير السلوك الدولي" لأميركا على اساس أنها لا تعاني فرط القوة وإنما انخفاضاً في قوتها، حيث أن القوة الأميركية في تراجع ومراكز القوة في العالم تتعدد والتكتلات الإقليمية الكبرى ستفقد جدوى وجود مركز أميركي عالمي.
فمع الغياب المفاجئ لكل تهديد لامن الولايات المتحدة، ومع اندفاع الجزء الاكبر من العالم نحو تبني السياسة الديمقراطية ورأسمالية السوق جنباً إلى جنب مع التجارة الحرة، كما لو لم يبق شئ جدير يمكن ان يكون موضوع جدل. في نهاية التاريخ بشر فرانسيس فوكوياما بحقبة جديدة سيمهد فيها احتضان وتبني حملة القيم والانظمة الأمريكية الكونية أو الغربية بشكل اوسع طريق ترسيخ الازدهار والسلم العالميين (٢). ولكن أطروحات فوكوياما عن صراع الحضارات تقود في نهاية الأمر إلى (لا حاجة العالم إلى أميركا). حيث إنه إذا قبلنا بفرضية مايكل دويل - والتي تبناها فوكوياما- والقائلة بأن الديمقراطية لا تدخل في حروب فيما بينها، فهذا يعني أنه حين تعم الديمقراطية في العالم فإن أميركا كقوة عسكرية تصبح عديمة الجدوى بالنسبة للعالم مما يحتم عليها أن تكون ديمقراطية بين ديمقراطيات أخرى (٣).
العجز العسكرى واستهداف دول ضعيفة
ان أفول القوة الأميركية لا رجعة فيه، وأن إشكالية أميركا العسكرية هي أنها لم تواجه أبداً خصماً في مستواها العسكري، كما أنها لم تربح حرباً بمعنى الكلمة، فحتى الحرب العالمية الثانية لم تكن لتنجح فيها لولا التضحيات الروسية على الجبهة الشرقية. وبحكم تبعية أميركا للعالم، فإنه لم يعد بوسعها انتهاج الانعزالية. وهي ليست حقاً قوية، بسبب افتقارها إلى قوات برية، وهي بحاجة ماسة لقواعدها العسكرية في الخارج أكثر من حاجتها لحاملات طائراتها. ولهذا فان تركيزها على
стр. 917
نفط الشرق الأوسط يعبر عن تخوفها من أن يقذف بها خارج أوراسيا. واذا حدث تحالفاً أوروبيا روسيا قد يعني نهاية السيطرة الأميركية على العالم. ولهذا وبعد تضخيم الإمكانيات العراقية وبعد تحرير الكويت، حدد خيار أميركي جديد، الانخراط في أكبر عدد من الصراعات مع قوى عسكرية مثيرة للسخرية والتي تنعت بـ (الدول المارقة).
فمن خلال نشاطها العسكري الموجه ضد الدول الضعيفة تسعى أميركا لحجب انحسار قوتها. فهي تستخدم مكافحة الإرهاب ومحور الشر كمبررات. وبما أنه ليس بوسعها التحكم في كبار الفاعلين الاقتصاديين والإستراتيجيين أي أوروبا، روسيا، اليابان والصين، فإنها ستفقد التحكم في العالم، وتصبح قوة كبرى بين قوى كبرى أخرى. ولهذا تريد بالسعي للتحكم في مصادر الطاقة إخفاء بؤسها الثقافي والاقتصادي المتنامي. وتبعث بإشارات عسكرية لإعطاء الانطباع بأنها لازالت الأمة القوية كما في الماضي (١).
خرافة الديمقراطية
لقد ظل البعض يشنف أذاننا بسيمفونية الديمقراطية والحرية الأمريكية والأحلام الوردية التى ستحل كل مشاكلنا وتغرقنا في أنهار السمن والعسل، إلى أن تكشفت الحقائق شيئاً فشيئاً واذ بنا نرى الأنياب الحادة للديمقراطية تقطر من دماء الأبرياء الذين نهشت أجسادهم وتنشب أظفارها في رقابنا، تحاول خنقنا واخماد أنفاسنا وتستهزئ بمقدساتنا وتحتل أرضنا وتدمر قرانا ومدننا وتنتهك أعراض الحرائر في بلادنا! لقد خرست ألسنة أدعياء الديمقراطية ومبشريها بعد أن ثبت أن الديمقراطية هى الاسم الحركى للحملة الصليبية الجديدة بقيادة الأحمق المطاع ... ان نشر الديمقراطية في بلادنا يعنى في حقيقة الأمر احتلالها عسكريا وتدمير البنى التحتية واذلال شعوبنا ونهب خيرات بلادنا والقضاء على ديننا وقيمنا ونشر الأناجيل
стр. 918
والصلبان في ربوعنا ... وهذا هو ما حدث في العراق إلى أن أسلموه إلى حافة الحرب الأهلية ثم أعلنوا أنهم لن يتدخلوا في هذه الحالة (١)
لقد كانت السنوات الاخيرة حافلة بالاحداث التى تدل على زيف الديمقراطية الأمريكية: الرئيس (كلينتون) لم يكن ينقصه سوى ان يطرد من البيت الابيض سنة ١٩٩٩ بسبب الخيانة الزوجية، انتخابات مشكوك فيها سنة ٢٠٠٠ تكشف عن التصدعات والتجاوزات في النظام الانتخابي (٢). فالمنظومة الاجتماعية- السياسية للولايات المتحدة الأمريكية ليست إلا شكلاً متطرفاً من التوليتاريزم/ النظام الشمولي المطلق والخطير بما يفوق توليتاريزم ألمانيا الفاشية. وعلى سبيل المثال فعلى مدى مائتي عام يختار الأمريكيون رؤساءهم من بين مرشحين اثنين، تم إعدادهما مسبقاً خلف الكواليس الماسونية- اليهودية. وبسبب روح الجشع السائدة فان تاريخ أمريكا كله لا يعرف رئيساً نزيهاً واحداً، لم يسرق خزينة الدوله. وهذا شيء عادي في الولايات المتحدة حيث يتفهم الناخبون نقاط ضعف رؤسائهم ويتعاطفون معها (٣). وقد كان البروفيسور (كارول كويجلي) - الذي درّس بيل كلينتون في جامعة جورج تاون، ويعمل مستشاراً في البنتاغون- يخبر طلابه، بمن فيهم كلينتون، أن الأحزاب السياسية هي مجرد تنظيمات جاهزة ومعدة للاستخدام، وأن كلاً من الحزبين الرئيسيين تسيطر عليها الأنشطة التجارية الكبري منذ عام ١٩٠٠. كما أنه أخبر طلابه وعلّمهم أن ما يسمي بالتعددية الحزبية أي أن يكون للحزبين أفكار وسياسات وقيم متضاربة ... هو مجرد فكرة حمقاء.
فالمجتمع كما يقول (ليبمان) - أحد أبرز أقطاب الإعلام الأميركيين في النصف الأول من القرن العشرين- ينبغي أن: يدار من قبل نخبة أو طبقة خاصّة، يدعوهم ليبمان الرجال المسؤولين. ووظيفة هذه النخبة أن يحدّدوا ما سيصطلح علي تسميته المصلحة الوطنية. هذه النخبة هي التي ستصبح البيروقراطية المتفانية في خدمة
стр. 919
مصالح القوة الخاصّة والثروة الخاصّة. ولكن ينبغي عدم الكشف عن حقيقة روابطهم تلك للعامة الجهلاء، حيث تم إنشاء المجلس النخبوي للعلاقات الخارجية، وتم تجميع النخب من علي جانبي الأطلسي لصياغة السياسات الوطنية لكل دولة، وأُتقنت الديمقراطية الميكانيكية على زرع هذه السياسات والمؤسّسات والأفراد في مواقع حكومية منتقاة. أما القضايا المهمّة فيجري تقريرها خلف الأبواب المغلقة، في حين تترك مسرحيات الانتخابات للمرشحين المتنافسين الذين عليهم جميعاً القبول بوضع النخبة. وهكذا، إذن، أصبحت طريقة الحكم تكنوقراطية لا ديمقراطية (١). فأمريكا كما يقول جورج وولد استاذ بجامعة هارفارد الأمريكية، لا يحكمها نظام يقوم على حزبين كما يدعى البعض بل على حزب واحد يدعى صفة التعدد لتضليل الرأى العام (٢).
فمنذ القدم وضعت الية دقيقة يمكنها حرمان جزء هام من قاعدة الناخبين الأمريكيين من حق التصويت الديمقراطي عند اللزوم. وقد ظهرت فاعلية هذه الآليات حين اصبحت فلوريدا ساحة قتال لانتخابات الرئاسة الأمريكية (جور ضد بوش (٣) (. فبعد الحرب العالمية الثانية، غير جهاز التلفزيون من طبيعة وشكل الحملات الانتخابية وجوهر الأحزاب والسياسة، من خلال قدرته على التلاعب بالرأي العام بواسطة الحملات المتلفزة المكلفة، مما جعل السياسيون عاجزين عن تحدي مموّليهم وسادتهم من أرباب المال، وهذا يعني ان النظام اصبح اقل ديمقراطيه. إن ظهور التلفزيون وسيطرة القلة عليه، بل وامتلاكه، قد ادي إلي تعاظم قوة وسيطرة القلة علي الأحزاب السياسية والانتخابات ومختلف العمليات. واستخدمت القلة مصاردها المالية الهائلة للتلاعب في الرأي العام والتأثير علي المرشحين. ولكن الناخبين توقفوا عن المشاركة في الانتخابات لانها باتت مجرد مضيعة للوقت، لا سيما أن لعبة السيطرة من قبل المصالح الخاصة للقلة باتت مكشوفة أمام أعينهم وإدراكهم (٤). وهكذا اصبحت أمريكا اليوم هي المجتمع الأكثر توليتاريه في العالم،
стр. 920
فالاغلبيه الساحقة من الأمريكيين تتبنى وجهة نظر واحده - وحيده تجاه العديد من المواضيع ذات الأهمية الاجتماعية الكبيرة. فأين يمكن إن تعثر على دولة حيث يدلي سكانها بأصواتهم لصالح أحد الحزبين لا ثالث لهما. أنها انتخابات بدون خيار لتنصيب كوبوي أو بليبوي جديد في سدة الرئاسة له شكل وسلوك المانيكان، الذي يعد الأمريكيين بنقود وسلع اكثر على حساب الاخرين (١).
وهنا تقف (نيكول باشان) في كتابها (هل يجب الخوف من أمريكا؟) عند عبارة (نحن الشعب)، وتقول: "هي صيغة جميلة جداً. وهي شهيرة، تفتتح سنة ١٧٨٧ التمرين الاكثر قدماً في العالم، الذي يجعل من أمريكا الديمقراطية الاقدم في العالم". ولكنها تتسائل بعد ذلك فتقول: "هل كان بوسعنا التحدث مرة اخرى عن الديمقراطية بعيداً عن المبادئ الجميلة الواردة في التصريحات الكبيرة؟؟ وما حقيقة هذه الديمقراطية، وهل تمثل حقاً المواطنين، جميع المواطنين، وهل تبقى هناك سبباً للادعاء، وتقديم النفس كموديل؟ (٢)، يجب على الآخرين الاقتداء به. بالتأكيد لا يمكن الحديث عن ذلك، بل لابد من كشف زيف تلك المزاعم عن الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان والحرية التى لا تكف أمريكا عن استخدامها كسوط مسلط على الشعوب لاستعبادها. فلقد كانت الديمقراطية دائما ستاراً للأقلية من ملاك العبيد حتى أساطين المال، وما يسمى ب (ديمقراطية أثينا) في وقت بيركليس والتي كان يضرب بها المثل كأم الديمقراطيات، لم تكن في الحقيقة سوى سيادة عشرين ألف مواطن حر على مائة ألف عبد محروم من أي حق. أننا أمام حكم الأقلية المستعبدة ويسمى (ديمقراطية)، ديمقراطية للسادة وليست للآخرين (٣).
وبالرغم من ان إعلان استقلال الولايات المتحدة ينص على المساواة في الحقوق بين المواطنين جميعاً، الا انه وعقب هذا الإعلان الحاسم تم الحفاظ على العبودية - بالقانون - لمدة زادت على قرن وما زالت التفرقة العنصرية ضد السود
стр. 921
باقيه حتى الآن ... الديمقراطية للبيض وليست للسود ولا للهنود (١). الديمقراطية للبروتستانت الانجلوسكسون وليست للكاثوليك والارثوذكس أو المسلمين، الديمقراطية للانجلوسكسون وليست للاسبان أو الايطاليين أو العرب.
الكسر الحضاري
إنّ الذي يمعن النظر في حركة التاريخ، يتجلّى له بوضوح أنّ أقصى ما تعمرّه أيّ قوة حضاريّة هو خمس قرون, لتنتقل الدورة الحضاريّة إلى بقعة أخرى تكون قد إستجمعت شروط الإنطلاق النهضوي والحضاري. وهذا ما تجسدّ بالفعل في التاريخ البشري. وقد تمكنّ العديد من المفكرين الغربيين من الوصول إلى هذه النتيجة كروبنسون وبرتراند رسل وروني دوبو و روجيه غارودي وروني جينه وغيرهم. وكل المؤشرات تشير إلى ان أمريكا مقبله على سقوط حضاري كبير، حيث إنّ أعظم ما أنتابها هو إنعدام التوازن في مشروعها النهضوي, فبدل أن تهتم بالإنسان كجوهر إهتمّت به كعرض, مما جعل التقنية المتطورة التي بلغتها تسير في غير هدى حضاري, وهذا من شأنه أن يعرّض ليس أمريكا فحسب بل الإنسانية بكاملها لعملية الإنقراض الشاملة. وهذا الإنعدام في التوازن ولدّ التخطيط المشوّه, إذ أنّ أمريكا سخرّت آلاف الملايير من الدولارات لدعم التسلّح والترسانة العسكريّة على حساب المجالات الإجتماعيّة الأخرى. وهذا ما أنتج طبقة فقيرة في المجتمع الأمريكي قد تتحوّل مع مرور الأيّام إلى قنبلة موقوتة في وجه الشركات الأمريكية الكبرى ذات النفوذ الواسع في السياسة الأمريكية (٢).
لقد دخلت الولايات المتحدة مرحلة السقوط التاريخي بالانهيار التدريجي للخط البياني لحضارتها أي التفكك التدريجي الداخلي (بؤس متزايد) ثلاثة وثلاثون مليون نسمه يعيشون تحت خط الفقر، تحلل في المجتمع يرجع إلى تفرقة عنصريه عريقة الأصول بالأخص للزنوج، وتعتبر اضطرابات لوس أنجلوس ومسيرة المليون اسود بقيادة لويس فاراخان في واشنطن أهم الشواهد على ذلك، وذلك فضلاً عن تفتت
стр. 922
اجتماعي بالمخدرات والفساد والمضاربات الطفيليه (١). ان ما يزيد على خمسة عشر الفاً من البشر يقتلون سنوياً في الولايات المتحدة - نسبة متفوقة كثيراً على نظيراتها في البلدان الصناعية الاخرى، وهو معدل قد لا يكون مرتبطاً بواقع كون المدنيين في الولايات المتحدة مدججين بالسلاح. وكذلك فان السجون الأمريكية اكثر امتلاء من نظيرتها في اى بلد رئيسي. واحد من كل ثمانية رجال امريكيين قد اقترف جريمة، وواحد من كل عشرين دخل السجن (والنسبة عند السود هى واحد من كل خمسة). ويشكل عدد سجناء الولايات المتحدة ذات الكتلة السكانية البالغة ٥ بالمائة من سكان العالم ربع سجناء العالم (٢).
ان أمريكا تسير نحو نهايتها الحتمية، وهذا ما يتجلى بالدرجة الأولى في تداعى القيم الأمريكية التقليدية ... لقد دل الاستتفتاء السيوسولوجى الذى اجراه معهد هارييس في الولايات المتحدة على ان غالبية الأمريكيين يفضلون قيام نمط للحياه اكثر انسانية على الانماط الاخرى. وهذا يؤكد ان اكثر الانظمة معاداة للانسانية عاجزة عن القضاء التام على كل ما هو انساني في الانسان. كانت عاقبة جنكيز خان وهتلر ونظامهما المعادي للانسانية وخيمة، بسبب تناقض هذا النظام مع الطبيعة الالهية للانسان، ولهذا السبب فإن نهاية أمريكا حتمية، ولهذا بالذات سوف تنقرض (٣).
يقول الكاتب الأمريكي ارثر كروك:" يساورني خوف شديد من أن فترة سيادة الولايات المتحدة وبروزها كقوة عظمى ووحيدة في العالم ستكون من أقصر الفترات في التاريخ. ويقول الكاتب الأمريكي لورانس جولد: أنا لا أعتقد أن الخطر الأكبر الذي يهدد مستقبلنا يتمثل في القنابل النووية أو الصواريخ الموجهة آليا. ولا أعتقد أن نهاية حضارتنا ستكون بهذه الطريقة. إن الحضارة الأمريكية ستزول وتنهار عندما نصبح عديمي الاهتمام وغير مباليين بما يجري في مجتمعنا، وعندما تموت العزيمة على إبقاء الشرف والأخلاق في قلوب المواطنين. و يقول آرنولد توينبي: إن معظم
стр. 923
الحضارات التي عرفها الإنسان قد سقطت من الداخل فقط ولم تسقط لأن قوى خارجية استولت عليها (١). .
كتاب موت الغرب
يرى "بات بوكانان" كبير المستشاريين لثلاثة رؤساء أمريكان وهومرشح رئاسة الجمهورية في الولايات المتحدة سنوات ١٩٩٢ و ١٩٩٦.، في كتابه "موت الغرب- مؤشرات هامة لبداية موت الغرب: منها انخفاض معدلات المواليد وذوبان العائلة واندثارها كوحدة اجتماعية، وعزوف النساء عن الحياة الطبيعية التقليدية مثل الزواج وانجاب الاطفال ورعايتهم، وعزوف الشباب عن مؤسسة الزواج وشيوع الجنس واللواط والحماية القانونية لهذه النزعات غير السوية، يقابل هذا نمو المجتمعات في العالم الثالث وخاصة الإسلامي حجماً وكياناً، وهجرة العرب والمسلمين إلى ديار الغرب وتشكيلهم كينونة ثقافية مغايرة للكينونة الغربية ومتحديه لها، وغشيان العرب والمسلمين في ديار الغرب لمجالات الاعلام والسياسة والنقابات وممارسة دورهم بروح رسالية خاصة بعد سبتمبر ٢٠٠٠.
وينطلق بوكانان في كتابه من قناعة راسخة لديه، بأن الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً، يتجهان نحو الموت والفناء والذوبان ما لم تتم مراجعة سريعة لكثير من سياساته واوضاعه واتجاهاته، وما لم ـ على ضوء المراجعة ـ يتم اتخاذ اجراءات فورية تصحيحية. اكبر خطرين يهددان الغرب عموماً يتلخصان في نقطتين: انخفاض معدلات المواليد وموجات الهجرة التي يقوم بها شعوب العالم الثالث (وبالخصوص العرب والمسلمون) إلى ديار الغرب. فانخفاض معدلات المواليد في الغرب تكمن وراءه رؤية اجتماعية شائعة هناك، بأن هدف الحياة هو اللذة بكل اشكالها وان مؤسسة الزواج والعائلة باتت عبئا لا داع له، طالما الشيوعية الجنسية هناك تلبي حاجة اللذة.
стр. 924
كما إن انهيار النظام القيمي في الولايات المتحدة، جعل الكثير من الانحرافات الخلقية والسلوكية امراً مقبولاً بين عموم الناس هناك. فالمثلية الجنسية والسحاقية بين النساء والزنى صارت اموراً مألوفة وعادية وجزءاً من اليوميات الأمريكية. وصارت لهذه الفئات (المخنثين والنساء السحاقيات) مقرات وجمعيات ونشرات وكراسات تدعو الجمهور الأمريكي ـ تحت مظلة حرية الرأي والتعبير عنه ـ إلى ممارسة المثلية الجنسية (اللواط) والسحاقية بين النساء. وصارت هذه الفئات تطبع كتباً ومجلات واشرطة وكشاكيل عضوية بالعناوين والهواتف. يقول بوكانان ـ بحيث باتت هذه الفئات تعتبر عملها شبيها بالعمل الحزبي اذ لها مرشحوها في الانتخابات المحلية والفدرالية ليس هذا فحسب، بل ان البيت الابيض نفسه اصبح منشغلاً في هذا الامر، اذ عيّن ملحقاً خاصاً وجهازاً وظيفياً خاصاً لاسترضاء هذه الفئات التي تتنامى مع الوقت في الولايات المتحدة وتكثر.
كما ان الأمريكي - حاليا - في رأي بوكانان منقسم على نفسه في شكل صارخ لا يشكل الشعب الأمريكي (امة واحدة) بل امتين: امة فقيرة وامة ثرية ولماذا نذهب بعيدا - يقول بوكانان - فبوش رئيس الجمهورية يقول في خطاب له في ٢٠ يناير ٢٠٠١ ان الخلافات بين الأمريكان انفسهم عميقة إلى درجة تدفعه إلى الاقتناع بانهم يتشاركون العيش في قارة وليس في وطن؟ (١).
تحديات الهوية الوطنية الأميركية
لا يمكن للشعوب الهجينة أن يستمر تجانسها خصوصا في ظلّ غيّاب عقيدة واحدة تنصهر فيها كل الفروقات العرقيّة, والولايات المتحدة الأمريكية يسود فيها شعب متباعد الأطراف، هذا الشعب الذي تشكل من هجرات متباينة من مختلف المناطق الأوروبية والإفريقية والآسيوية, وهذا التباعد العرقي يصحبه تباعد ديني وعقائدي, إذ أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تكاد تشبه الهند في عدد الديانات والمذاهب والتيارات الفكرية والفلسفية السائدة فيها. والشيئ الوحيد الذي ما زال
стр. 925
يحافظ على التماسك بين أعراق الشعب الأمريكي هو المصلحة الإقتصادية, وأي ضعف إقتصادي حقيقي في أمريكا قد ينعكس سلباً على تماسك الأعراق فيها (١).
فأمريكا ليست دولة ولا قومية. بل هي مجرد مساحات واسعة يقطنها مؤقتا أناس ينحدرون من بلدان مختلفة، والمهم هو أن أمريكا تفتقر إلى النواة القومية، إلى شعب الدولة - الأساس الأصيل لكيان الدولة المتين. أن ما يسمى بالشعب الأمريكي هو تعريف غير أصيل وغير متجانس. بل هو خليط مصطنع من الأشخاص، الذين لا يمتون لبعضهم البعض بصلة، باستثناء الرغبة المشتركة في الاستهلاك والكسب والخوف الغريزي من المسؤولية عن الجرائم التي اقترفوها بحق البشرية. أن خليطاً كهذا لا يمكن أن يبقى متراصاً إلا لفترة زمنية قصيرة نسبياً، والتاريخ غني بالأمثلة على انه يتداعى لدى أول صعوبات جديه لم تعان منها أمريكا بشكل حقيقي بعد. لكنها تقف الآن على أعتابها (٢). وربما هذا ما دفع هنتجتون إلى دق ناقوس الخطر محذراً من التحديات التى تواجهها الهوية الأمريكية، حيث يرى أن الهوية الأميركية واجهت خلال العقود الأخيرة -خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين- عدداً من التحديات الضخمة التي أضعفت من التفاف الأميركيين حول هويتهم بشكل يمثل تهديداً لبقاء الهوية الأميركية واستمرارها، ومن أهم التحديات التي رصدها هنتنغتون ما يلي:
أولا: التقدم في وسائل الاتصالات والمواصلات، والذي أدى -كما يرى هنتنغتون- إلى ربط المهاجرين الجدد إلى الولايات المتحدة بمجتمعاتهم القديمة بشكل قوي وغير مسبوق، مما أضعف من اندماجهم بالمجتمع الأميركي وسهل عملية تواصلهم مع مجتمعاتهم الأصلية، وشجع المهاجرين الجدد على الحفاظ على ثقافاتهم الأصلية وهوياتهم الأجنبية، ومحاولة نشر هذه الهويات بين أبناء بلدانهم في أميركا. كما أن تقدم أدوات الاتصال والمواصلات وقوى العولمة أدى إلى انفتاح النخب الأميركية الاقتصادية الكبرى بشكل غير مسبوق على العالم، حيث بدأت هذه النخب في تكوين هويات فوق-قومية تتخطى الهوية الأميركية، إذ تنظر هذه النخب
стр. 926
والهيئات لهوياتها -بشكل متزايد- نظرة عالمية ترتبط بمصالحها الاقتصادية المنتشرة عبر بقاع العالم.
ثانيا: نفوذ الليبراليين الأميركيين وثقافتهم التعددية، إذ ينتقد هنتنغتون اليسار الليبرالي الأميركي ودعواته المستمرة للتعددية ومراجعة الذات الأميركية والغربية، التي ساعدت على نمو هويات فرعية أميركية عديدة وانتشارها وعلى رأسها هويات الأفارقة الأميركيين واللاتينيين الأميركيين. كما وقف اليسار الأميركي موقفاً ناقداً للثقافة الأنغلو-بروتستانتينية خاصة تجاه الجانب الديني منها، ونادى الليبراليون بشكل متكرر بسيادة قيم العلمانية وفصل الدين عن الدولة وعن الحياة العامة الأميركية، ما أضعف المكون الديني المسيحي للهوية الأميركية.
ثالثا: ينتقد هنتنغتون سياسات الهجرة الأميركية الحديثة التي ساعدت على تدفق ملايين المهاجرين على أميركا منذ الستينيات، دون وضع ضمانات كافية لدمج وصهر موجات الهجرة الجديدة في ظل ثقافة التعددية التي سعى اليسار الليبرالي الأميركي بقوة لنشرها منذ النصف الثاني للقرن العشرين. كما يقدم هنتجتون نقداً مباشراً للهجرات اللاتينية الأميركية والسماح بتدريس اللغة الإسبانية واستخدامها كلغة ثانية رسمية في العديد من المدن والولايات الأميركية. وهنا يظهر قلق هنتنغتون الخاص من المهاجرين اللاتينيين الأميركيين على الهوية الأميركية بعد أن أصبحوا يمثلون ١٢% من تعداد الشعب الأميركي، ونظراً لارتباطهم الوثيق بأوطانهم الأصلية القريبة من الولايات المتحدة. كما يبدي هنتنغتون قلقاً خاصاً تجاه من ينادون بإقرار اللغة الإسبانية لغة ثانية رسمية، ويرى أن ذلك يعد أحد أخطر التهديدات الموجهة للهوية الأميركية، لأنه ينذر بتحول أميركا لبلد ذي هوية لغوية ثنائية إنجليزية-إسبانية.
رابعا: يرى أن سقوط الاتحاد السوفياتي وعدم تبلور عدو جديد للولايات المتحدة أسهم في ضعف التفاف الأميركيين حول هويتهم خاصة في أواخر القرن العشرين. ويرى هنتنغتون أن التغيرات الكبرى السابقة والتحولات العديدة التي شهدها المجتمع الأميركي أدت إلى تراجع مصادر الهوية الأميركية الرئيسية، وهي الإثنية البريطانية والعرق الأبيض والدين المسيحي والثقافة الإنجليزية - البروتستانتينية. إذ ساعدت الهجرات الأوروبية العديدة غير الإنجليزية كالألمان
стр. 927
والإيطاليين وغيرهم إلى الولايات المتحدة على إضعاف أهمية الإثنية البريطانية في الهوية الأميركية، وأضعفت دعاوى التعددية والعلمانية دور الثقافة المسيحية، كما أضعفت ثورات الحقوق المدنية دور العرق أو العنصر الأبيض كمصدر للهوية، وإن كان هنتنغتون يرى أن العنصرية مازالت قوية وحية وتمثل عامل تمييز أساسياً داخل المجتمع الأميركي خاصة على المستوى الاقتصادي والسياسي حيث يبرز نفوذ الأميركيين البيض. ويرى هنتنغتون أن التحديات السابقة يمكن أن تؤدي إلى واحد من التبعات الأربع التالية على الهوية الأميركية في المستقبل:
أولا: فقدان الهوية الأميركية وتحول أميركا إلى مجتمع متعدد الثقافات والأديان مع الحفاظ على القيم السياسية الأساسية. ويرى هنتنغتون أن هذا السيناريو يفضله كثير من الليبراليين الأميركيين ولكنه سيناريو مثالي يصعب تحققه.
ثانيا: تحول أميركا إلى بلد ثنائي الهوية (إنجليزي-إسباني) بفعل زيادة أعداد ونفوذ الهجرات اللاتينية الأميركية.
ثالثا: ثورة الأميركيين البيض لقمع الهويات الأخرى، ويرى هنتنغتون أن هذا السيناريو هو احتمال قائم ويدرس إمكانات وقوعه ودوافعه بالتفصيل خلال الفصل قبل الأخير من كتابه.
رابعا: إعادة تأكيد الهوية الأميركية من قبل الجميع والنظر لأميركا كبلد مسيحي تعيش به أقليات أخرى تتبع القيم الأنغلو-بروتستانتينية والتراث الأوروبي والعقيدة السياسية الأميركية كأساس لوحدة كافة الأميركيين (١).
العالم وأمريكا .. معنا .. أم ضدنا
إذا كان العالم العربي والإسلامي يعاني في الوقت الحاضر من التجبر والعربدة الأمريكية، فإنه ليس الوحيد في هذا المجال، حيث سبق التسلط الأمريكي على المنطقة العربية والإسلامية تسلط وتجبر في كافة مناطق العالم، وقد عرضنا لذلك
стр. 928
في هذا الكتاب بدءاً من ابادتة الهنود الحمر واستعباد الزنوج، مروراً بتمير القوة الاسبانية واستباحة أمريكيا اللاتينية والفلبين، وتدمير اوروبا واليابان والتحكم بمقدراتها من خلال حربيين عالميتين، وصولاً إلى الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي وما صحبها من مجازر وابادة بحق الفيتناميين والكوريين، وانتهاءاً بالنظام العالمي الجديد الذى ارادت أمريكا من خلاله الانفراد بالعالم وتحويل شعوبه إلى عبيد تسخرهم لخدمة اطماعها القذرة، ضاربه عرض الحائط بكل المبادئ والقيم الانسانية، وما يحدث في افغانستان والعراق خير مثال على ذلك.
فهذا التاريخ الطويل من الاجرام والابادة الأمريكية التى شملت الكرة الارضية بكاملها، وما صاحبه من تضليل وتزوير للتاريخ بدأ يتكشف الآن وبدأت شعوب العالم تتعرف على الحقائق المؤلمة للجرائم الأمريكية بحقها وبحق الانسانية، وهذا هو العامل الرئيسي الذي يمكن ان يفسر لنا سبب كره شعوب العالم لأمريكا، والذي بدأ يظهر بصورة جليه على الساحة حتى بدأ الأمريكيون انفسهم يشعرون بهذا الكره، فكان سؤالهم الدائم والساذج: "لماذا يكرهوننا"، متناسيين ما جلبته سياسة بلادهم من دمار وخراب على كافة شعوب العالم، التي بدأت تعبر عن كرهها للسياسة الأمريكية، حتى وصل الامر إلى بدايات تمرد من بعض حلفاء أمريكا، وكان اظهر ما يكون في الموقف الاوروبي بشكل عام والفرنسي بشكل خاص. وقد خاضت كل من فرنسا وألمانيا معركة جادة للتخلص من الهيمنة الأمريكية على القرار الأوروبي، وجعل السياسة الأوروبية نابعة من المصالح الأوروبية ذاتها، كما تجلى ذلك في مواقف الزعيمين الأوروبيين شرودر وشيراك في معارضتهما الحرب الأمريكية على العراق (١).
فلأوّل مرّة في تاريخ الصحافة الأوروبيّة تصبح أمريكا موضوعاً يتناوله المحللون والكتّاب بكثير من النقد اللاذع أحياناً والجرئ أحياناً أخرى. وإذا كان نقد أمريكا في السابق حكراً على الكتّاب والمثقفين اليساريين والقوميين .. فإنّ الكتّاب الليبيراليين الذين كانوا إلى وقت قريب معجبين بالحضارة الأمريكية وبالنمط
стр. 929
الأمريكي في الحياة سخروا أقلامهم لفضح هذا النموذج الذي بات يستهدف الإنسان في كل أبعاده. وفي نظر هؤلاء فإنّ الأمركة هي مشروع إستعماري جديد لا يختلف عن الإستعمار الأوروبي القديم لكن بأساليب جديدة, والعجيب أنّ هذه الآراء تصدر من لدن مفكرين غربيين في الوقت الذي بذلت فيه أمريكا مجهودات جبّارة عقب الحادي عشر من سبتمبر لإستمالة الرأي الغربي إليها حتى شبّه البعض التجيير الأمريكي الإعلامي والسياسي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر لصالحها بالهلوكست اليهودي وأسموه الهلوكست الأمريكي. وقد إستطاعت تظاهرات ١٥ فبراير ٢٠٠٣ المنددة بالغارة العسكرية الأمريكية المرتقبة على العراق أن ترخي بظلالها ليس على الخطّ الإعلامي والسياسي لمعظم الصحف الغربية بل أرخت بظلالها على صنّاع القرار في أوروبا الذين أضطرّوا إلى عقد قمّة طارئة الإثنين ١٧ فبراير ٢٠٠٣ في العاصمة البلجيكية بروكسل والتي تناولت موضوع العراق والغارة الأمريكية المرتقبة عليه في ضوء يقظة الشارع الأوروبي المعادي للحرب الأمريكية، وقد أجمع القادة الأوروبيون على ضرورة أن تكون جمعية الأمم المتحدة هي مركز النظام العالمي وليس أمريكا (١).
فبعد تأسيس الاتحاد الاوروبي وظهور تحالف قوى بين فرنسا والمانيا، فإننا نجد أن أوروبا لم تعد الحليف المؤكد والدائم للولايات المتحدة الأمريكيه (٢). وهنا يجب ان نوضح ان مناوأة أميركا في أوروبا وفي فرنسا لا سيما منذ الحرب العالمية الثانية، تأتي بسبب بعض سلوكيات سياسة أميركا وبعض جوانب نظامها التي تلقي بثقلها في الإدراك الأوروبي للولايات المتحدة (٣). والحال هذه، وفي ظل تباعد وجهتي النظر بين أوروبا وأمريكا فيما يتعلق بالفلسفة لكل واحدة منها إلى العالم، والقيم، والمصالح في آن واحد، نجدهما الآن تنتهجان سلوكا اجتماعيا وسياسيا مغايرا ومتعارضا إلى حد كبير (٤). وقد لاحظ المعلق الفرنسي (دومينك مويزى): ان نزعة
стр. 930
معاداة أمريكا كانت في سبعينات القرن العشرين رد فعل على ما كانت الولايات المتحدة تفعله، اما اليوم فان النزعة -معاداة أمريكا- رد على واقع أمريكا. كما ان هناك معلقون امريكيون مثل (جون اوسليفان) من مجلة (ناشيونال رفيو) حذروا من ان الاتحاد الاوروبي بدأ ينزلق إلى مواقع معادية للولايات المتحدة. ويرد مارتن وولف على هذا التحذير مؤكداً ان كلاً من الاتحاد الاوروبي، والصين، والهند قد تتحالف لموازنة الولايات المتحدة (١).
فالليبرالية المتطرفة على الطريقة الأمريكية والتي قُدمت كأمر يصعب التغلب عليه تعمل على صدم وتشنج المشاعر الوطنية للدول الآسيوية التي لها قواعد تاريخية متينة وعريقة. وتبدو الصين في طليعة هذا الرفض بالاستسلام ولا ينقصها من أجل ذلك العوامل المتينة من جاهزية اقتصادية واضحة وفخر وطني شرعي قادر على الإنقاذ وإرادة قوية باستعادة الأراضي التي ترى أنها بالواقع قد سلخت منها. لا تخاف الصين أن تسمع صوتها المخالف مزعجة به الأمريكيين وخاصة عندما أدانت الحلف بين اليابان والولايات المتحدة. إن الصين تمثل لأوروبا التي تنازلت منذ زمن بعيد عن حب نفسها مثالاً مشجعاً (٢).
وباعتباره واحد من منظري الفكر المحافظ الأميركي الجديد, يقدم (روبرت كيغان) في كتابه (الفردوس والقوة .. أميركا وأوروبا في النظام العالمي الجديد) تنظيراً لأسباب الإنفصال الأميركي-الأوروبي, ويأمل أن تحتل أطروحته في هذا الكتاب الأهمية التي احتلتها أطروحات سابقة شهيرة في مقدمتها صدام الحضارات لهينتغتون ونهاية التاريخ لفوكوياما. وهذا الطموح عند كيغان لا يتأتى من فراغ, فقد تنبأت صحيفة "نيويورك تايمز" بأن تكون أطروحاته "الحدث" البارز الجديد في عالم الفكر والسياسة. في هذه الأطروحة، يسعى كيغان المتخرج من أروقة وزارة الخارجية الأميركية إلى تحطيم أسطورة الغرب الموحد، وإلى دراسة مواقف الولايات المتحدة وأوروبا الحالية من بعضهما البعض. ويضمن كيغان في هذه الصفحات رأيين
стр. 931
أساسيين يعتبر أولهما أن اختلاف أميركا وأوروبا (القديمة) في مواقفهما من القضايا الجيوبوليتيكية لا ينبثق من صدام حضارات جوهري بينهما، إنما هو نتيجة التفاوت في قدراتهما العسكرية. فقد كانت أوروبا تتمتع بالقوة (في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) لكنها اليوم ضعيفة. وكانت أميركا في نشأتها ضعيفة لكنها اليوم فائقة القوة. لهذا فالطريقة التي تتصرف بها أوروبا اليوم, من تمسك بالمؤسسات الدولية، والتلويح بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، والإصرار على الإجماع الدولي ودور الدبلوماسية، هي بالضبط الطريقة التي انتهجتها الدول الضعيفة على الدوام ومن ضمنها الولايات المتحدة في أيام فتوتها. يقابل ذلك أن دبلوماسية المدافع، والتصرف كما لو كان المرء شرطياً للعالم، وعدم الركون إلى التقييدات التي يفرضها القانون الدولي، وكل التوجهات التي أظهرتها الولايات المتحدة مؤخراً، كانت وما تزال سبيل الدول القوية، وينطبق ذلك على دول أوروبا أيام مجدها تماماً كما ينطبق الآن على أميركا.
فأوروبا الراهنة، التي تملك القدرة على أن تكون قوية لكنها لا ترغب بذلك، ليس لها أن تتذمر عندما يمارس الآخرون الدور الطبيعي الذي تهبهم إياه القوة.
ويتابع كيغان فيقول: فتجربة أوروبا الفريدة في التعاون في فترة ما بعد الحرب، قد أكسبت أوروبا سذاجة أيديولوجية وحملتها إلى حالة من الرضى المطلق عن الذات. فالأوروبيون الذين يعيشون في جنة (ما بعد التاريخ) تحت الحماية الأميركية، لم يعودوا على استعداد للاعتراف بأن القوة الغاشمة ما تزال نافذة في العالم الذي يمتد خارج حدودهم. وقد استراحوا للعيش الهانىء، منصرفين إلى تجميع الثروات، ومهملين قدراتهم العسكرية، ومقتنعين بأن بوسع بقية العالم أن يحصل، عن طريق الإجماع وحكم القانون، على ما تسنى لهم الحصول عليه من خلال تلك الطريق. فأوروبا تحصد، وهي مستريحة، المكاسب الاقتصادية التي تتحقق من خلال تصدي أميركا للقيام بالأعمال (القذرة) وتخليص العالم من (الأشرار) الذين يهددونه. لذلك فان على أوروبا أن تصبح واقعية، وأن تتدرع بالقوة العسكرية، حيث يتوجب عليها إما أن تتكيف مع الظرف الجديد أو أن تغلق فمها.
стр. 932
لكنها، وفي جميع الأحوال، يجب أن لا تتوهم بأن قوانين قريتها الناعمة يمكن أن تنطبق على بقية العالم (١).
وبغض النظر عن الاسباب الحقيقية لبداية الانفصال الاوروبي عن أمريكا، سواء كان ذلك بسبب سياساتها ام كان نتيجة تفاوت في القدرات كما حاول كيغان تفسيره، فإن النتيجه هي ان هذا الانفصال موجود وبدأ يظهر على السطح بقوة. فحلفاء أمريكيا (أوروبا واليابان) مترددون ومحرجون أكثر فأكثر. ففرنسا تنتهج موقفاً استقلالياً، أما ألمانيا المستاءة فجاء موقفها مفاجئاً، أما بريطانيا فهي على عادتها وفية للخط الأميركي. بينما يعبر الصمت الياباني عن انزعاج أكثر مما يعبر عن انخراط في سياسة أميركا (٢). ولهذا فإن وضع سياسة مشتركة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً هي الوحيدة الكفيلة بأن تسمح لأوروبا بالوجود, وبالتالي الدفاع عن مصالحها وقيمها (٣). كما أن وعي أوروبا واليابان بقوة إمكانياتهما وعودة روسيا إلى التوازن العالمي سيقود في المدى المتوسط إلى انهيار الزعامة الأميركية (٤). وربما كان هذا هو الذي دفع المفوضية الاوربية للشؤون الاجتماعية آنا ديامانتوبولو للقول: ان اوروبا هى الامل الوحيد للوصول إلى نظام عالمى يتسم بالانسانية ولمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية "المتمسكة بنهج اصولية بروتستانتية وبمبدأ وحيد يتمثل بالحرص على مصالحها من دون سواها" (٥).
ففرنسا وكل أوروبا لهما ما يمكنهما من تولي مثل هذه المهمات شريطة أن تعتبر ذلك (استراتيجية مستقبل) بدل تقهقر نحو أوطان إمبراطوريات القرن الـ ١٩. فهناك تناقضات مهمة جداً. بين قيم وأهداف ووسائل الإمبراطورية العالمية وقيم وأهداف ووسائل الجمهوريات الأوروبية. أن المواطنين الأوروبيين يصبون لمبتغى يختلف عن مبتغى الإمبراطورية الليبرالية-الجديدة الأمريكية. فالنظرة الأوروبية لـ (الأخر) بنيت على أساس معارضة سياسية، وبالتي فهي تختلف أساساً عن النظرة
стр. 933
الأمريكية لـ (الأخر) المبنية على أساس "الإقصاء". ومع بوش تم إعادة بناء صورة العالم الخارجي بطريقة لا تكون فيها هذه الصورة إلا في شكل حرب عالمية تضع العالم تحت تهديد الموت، إمبراطورية الفوضى تعني مذبحة الضعفاء، العنصرية ثقافة الإمبراطورية، غياب مشروع سياسي-اقتصادي للولايات المتحدة يأتي من إستراتيجيتها الإمبراطورية، الشوق إلى الحرب الباردة، نهاية الأمم المتحدة، لا حق للأضعف (١). وقد أبدع الأمريكيون تعبيرات وأوصافا يسلطونها على الأوروبيين، توضح التباين بين القيم والاهداف الأمريكية والاوربية حيث كتب المؤرخ البريطاني (تيموتي غارتون آش) يَصِف فيه هذه الكلمات والتعبيرات التي نحتها الأمريكيون للسخرية من الأوروبيين بقوله: "إذا كان المعادون لأمريكا، في أوروبا، يرون الأمريكيين كرعاة البقر أو كوحوش غليظة، فإن المعادين لأوروبا في أمريكا يرون الأوروبيين مثل مخنثات أو خالات. الأمريكي ذكَرٌ فحلٌ ومشْتَهٍ للغير، والأوروبي أنثى عاجزة جنسياً".
صحيح أن هذه التعبيرات تظل حماقات لا معنى كبير لها، لولا أن لها نتائج جدية على العالم الواقعي، كما بيّن ذلك موقف ولغة دونالد رامسفيلد" (٢). وكثير من اتباع اليمين المحافظ المتطرف.
ولئن كانت الحرب الكونية الثانيّة عونا لأمريكا في ضمّ أوروبا إليها, فإنّ الظروف الآن تغيرت بشكل قد يؤدّي إلى حدوث طلاق كامل بين أوروبا وأمريكا حيث بدأت أوروبا ترفع صوتها عاليا منددة بمحاولات السيطرة الأمريكية في المجالات السياسية والإقتصادية والثقافية, و مشروع أوروبا الموحدة يحمل في طياته إرادة الإنفصال عن أمريكا التي تفردت بصناعة كافة القرارات العالمية, وإذا إستطاعت أوروبا أن تؤطّر نفسها فسوف تفقد أمريكا الكثير من حيويتها في أوروبا, كما أن التنافس الإقتصادي بين اليابان وأمريكا مرشّح أن يتحوّل إلى صراع سياسي لأنّ القوة الإقتصادية اليابانية المتدفقة تملي عليها إستغلال العامل الإقتصادي للتأثير على السياسة العالمية, وللتذكير فقط فإنّ العلاقة بين أمريكا وأوروبا كانت في بداية المطاف إقتصادية ثمّ تحولّت إلى نفوذ سياسي وعسكري.
стр. 934
على أن مواجهة وحش الأمركة يحتم علينا ايضاً التبصر بإحتمال قيام قطب مواجه لأميركا وتبين ملامح هذا القطب المستقبلي. حيث يجد الدكتور محمد احمد النابلسي أن الصين هي المرشح الوحيد لهذا الدور .. ويتوقف أمام إحتمالات بروز الصين وعلاقته بالأزمات الأميركية المعلنة والمتسربة. حيث خطورة هذه الأزمات تبلغ حدود حديث النابلسي عن قدوم زمن الفوضى الأميركي. وملامحه أزمة إقتصادية عارمة (فضائح إفلاس الشركات) وميليشيات نازية (أوكلاهوما ١٩٩٥) وشغب عنصري (سينسيناتي ٢٠٠١) وأقليات مضطهدة وحريات مقلصة ومنتهكة (وزارة بوش للمخابرات) ومخالفات اجرامية بحق القانون الدولي (رفض توقيع اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية) ومؤسساته (مخالفة مجلس الأمن في قرار حرب العراق) كما بحق الإنسان (١).
فالولايات المتحدة لم تتمكن لحدّ الآن التغلغل إلى العمق الصيني ومازالت الصين حذرة من النشاط السياسي والإقتصادي والعسكري الأمريكي في القارة الآسيوية. والعالم الإسلامي من جهته تجلى له بوضوح أنّ أمريكا تستهدف إمتصاص خيراته و صياغته من جديد. وما زال هذا العالم يتكبّد الآثار السلبية للتوجهات الأمريكية البراغماتية القائمة على إفراغ العالم الإسلامي من المقومات النهضوية الفكرية والمادية (٢). واذا اضفنا إلى هذه الموقف مواقف روسيا وبعض دول أمريكيا اللاتينية وافريقيا واسيا، وحركات التحرر العالمية في العالم، فاننا على يقين بأن كل ذلك سيكون كفيلاً في محاصرة السياسة الأمريكية المتمرده على الجميع.
وفي صحيفة الفايننشيال تايمز كتب (جيريمي جرانت) يقول: "إن تقريرا صدر مؤخرا في الولايات المتحدة انتهى إلى أن الظروف الحالية في هذا البلد تماثل إلى حد كبير ما كان عليه الحال في روما القديمة قبل انهيارها". وقالت الصحيفة إن التقرير الذي وضعه المراجع العام (دفيد وولكر) وجد أن التشابه يتضمن "تراجع القيم الأخلاقية والنشاط السياسي داخل الوطن، والثقة المفرطة في النفس، والمبالغة في إرسال القوات العسكرية إلى الخارج، وعدم شعور الحكومة المركزية بالمسؤولية في
стр. 935
إنفاق الأموال". يقول وولكر: "علينا أن نتعلم من دروس التاريخ ونتخذ كل الخطوات اللازمة لصمود الجمهورية الأمريكية أمام هذه الظروف .. أردت أن أدق جرس الانذار عالياً، فالكثير من المشاكل التي تواجهنا حالياً لا نأخذها بالجدية اللازمة .. فهناك مصاعب مالية ناجمة عن ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وزيادة الدين الداخلي وتزايد الاعتماد على المقرضين الأجانب، فضلاً عن تعثر السياسات الحالية في التعليم والطاقة والبيئة والهجرة والعراق وغيرها". ونسبت الصحيفة إلى وولكر القول: "إن أمريكا بحاجة إلى مليارات الدولارات لتحديث كل شيئ من طرق وكباري ومطارات ومياه وصرف صحي وغيرها، وما انهيار جسر في مينيابوليس مؤخرا إلا جرس إنذار" (١)
وغرق النسر العظيم
يقول (امانويل والرستون) في كتابه (الهبوط الاضراري للصقر): "ان التحديات التي واجهتها الولايات المتحدة منذ حرب فيتنام والتدخل العسكري في البلقان والشرق الأوسط وحتى أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، قد كشفت هشاشة الهيمنة الأميركية. فهل تتعلم الولايات المتحدة أن تتوارى بهدوء أم سوف يظل الجناح المحافظ يقاوم لكي يهبط تدريجياً حتى يتفادى السقوط السريع والمدمر في نفس الوقت؟ " (٢) والجواب على سؤال والرستون يكمن في قصة (وغرق النسر العظيم ... !!) التي تقول:
في أحد ايام الشتاء الباردة، كانت تسبح في نهر نياجرا قطعة هائلة من الثلج، عليها جثة حيوان، وإذا بنسر عظيم يرى الجثة فيحط عليها، وبدا يأكلها في هدوء ولذة عظيمين .. تحمله قطعة الثلج الضخمة، التى كان التيار يدفعها شيئاً فشيئاً نحو شلالات نياجر الشهيرة ...
وماذا يهم النسر من الشلالات العظيمة؟! ألا يستطيع في اللحظة التى يريد ان يحلق فيها ان يفعل ذلك بكل هدوء وبأمان وسلام أيضاً؟. هذا لا شك فيه. لذلك مضى يأكل شغوفاً بلذته، منهمك في أكلته، هانئاً في متعته ومضى يقترب بسرعة
стр. 936
من الشلالات المخيفة الهائلة، وإذا صار على حافتها، ضرب الجو بجناحيه كى ينجو .. ولكن للآسف صار كل هذا دون فائدة؟ ماذا حدث؟؟؟ لقد انغرست مخالبه العظيمة في قطعة الثلج وتجمدت دون ان يشعر أو يدرى أو حتى ينتبه إلى ذلك .. !!! فلم يستطع الافلات رغم انه اراد ذلك ... وانحدرت قطعة الثلج وسقط معها الطائر العظيم ومات غرقاً!!!
نهاية مؤلمة، لم تكن منتظرة، لنسر عظيم! ويبدو ان مصير أمريكا المتجبره التى تتلذذ بنهب الثروات وقتل الابرياء غير عابئه باحد سيكون شبيهاً بهذا النسر العظيم. اى ان سقوطها سيكون مدوياً .. ولكن يجب العمل لكي لا يكون قاتلاً ومدمراً للجميع .. !!
стр. 937
الفصل الثاني
مواجهة الصهيونية المسيحية
قبل ان نعرض لخطة لكيفية مواجهة الصهيونية المسيحية، سنعرض بداية لتجربة الحروب الصليبية القديمة وما وصلت اليه هذه التجربة، حيث ان هذه التجربة خضعت لدراسات مستفيضة من قبل الكيان الصهيوني والصهيونية العالمية لاستخلاص العبر منها والعمل على عدم تكرار الفشل التى تعرضت له الحملات الصليبية في السابق. وأحسب أن قصة الحملات الصليبية والاستجابة الإسلامية لتحدياتها، يمكن أن توفر لنا بعض الدروس والعبر القيمة، ليس لأن التاريخ يكرر نفسه، بل لأن اليهود والمسلمين الذين يتحاربون اليوم تتملكهم العديد من نفس الهواجس والأهواء التي كنا نجدها لدى جنود الرب المحاربين في سبيل دينه حين زحف الصليبيون على القدس لتحرير قبر المسيح (١).
الحروب الصليبية بين الماضي والحاضر
(الصليبيون) ترجمة لكلمة (كروسيدرز Crusaders المشتقة من كلمة كروس cross) ، ومعناها صليب. وهي عبارة تُستخدَم في الخطاب السياسي والتاريخي في الغرب للإشارة إلى الصليبيون الذين شنوا عدة حملات على العالم العربي والإسلامي في القرن الثاني عشر، وقد تَبنَّى كثير من العرب المحدثين هذا المصطلح. وتُسمَّى (حروب الصليبيون) (٢) في الخطاب الغربي (الحروب الصليبية) نسبة إلى الصليب. وهو مصطلح يُطلَق على الحروب التي شنها حكام أوربا المسيحية الإقطاعية لاحتلال فلسطين إبان العصور الوسطى. وهي حروب كانت تساندها حركة سياسية
стр. 938
واجتماعية ضخمة قادتها النخبة الحاكمة (الكنيسة والنبلاء) ووجدت صدى عميقاً لدى الجماهير الشعبية التي انضمت إليها بأعداد ضخمة لم تضعها النخبة الحاكمة نفسها في الحسبان. ويرى د. سعيد عاشور أن الصليبيون هم من جموع المسيحيين الغربيين الكاثوليك الذين خرجوا من بلادهم في شتى أنحاء الغرب الأوربي، واتخذوا الصليب شعاراً لهم لغزو ديار الإسلام، وبخاصة منطقة الشرق الأدنى وبلاد الشام حيث الأراضي المقدَّسة. ومعنى هذا أن المسيحيين الشرقيين من روم وأرمن وسريان وأقباط ونحوهم لا يدخلون في دائرة مصطلح (الصليبيين) لأن هؤلاء من أهل البلاد، وليسوا وافدين عليها من الخارج. ربطتهم بالأرض التي ينتمون إليها روابط أصيلة جذرية ترجع إلى ما قبل الإسلام. وعاش معظمهم قبل الحركة الصليبية تحت مظلة الإسلام يتمتعون بما كفلته لهم هذه الديانة من حقوق ويؤدون ما فرضته عليهم من واجبات.
وحروب الصليبيون جزء من المواجهة التاريخية العامة بين الحضارة الغربية وحضارة الشرق الأدنى، والتي تعود بجذورها إلى بداية ظهور الحضارة الغربية نفسها حين وصلت شعوب البحر (الفلستيون) من كريت وبحر إيجة إلى ساحل مصر، ثم استقروا في ساحل أرض كنعان بعد أن صدهم المصريون. وحينما هيمن الفرس على الشرق الأدنى، أخذت المواجهة شكل اشتباك عسكري بينهم وبين الدول (المدن) اليونانية التي صدت الغزو الفارسي. ثم قام الإسكندر الأكبر بغزو الشرق وأسس الإمبراطورية اليونانية التي انقسمت إلى ثلاث امبراطوريات بعد موته. كما هيمن الرومان بعد ذلك على معظم الشرق الأدنى القديم. وقد انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين: الإمبراطورية الشرقية (البيزنطية)، والامبراطورية الغربية. ومع وصول الإسلام وقيامه بفتح المنطقة وتوحيدها، وتحويله البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة عربية إسلامية، انحسر نفوذ العالم الغربي وأصبح محصوراً داخل القارة الأوربية (١).
ان العالم المسيحي بعد حوالى ألف سنة من انتشار المسيحية قد تعرض لنوع من اختبار العقيدة لدى المؤمنين بها، حيث وقعت الارض التي كانت مهداً للمسيحية
стр. 939
في قبضة المسلمين، وغذت روما بقداستها- والتي كانت ذات يوم حاضرة العالم- مدينة تنعي اطلالها. وعلى ما يقرب من مائتين وخمسين ميلاً كانت جزيرة صقلية تحت الحكم الإسلامي (١). بل إن الجيب البيزنطي المتبقي على أرض الشرق في آسيا الصغرى كان قد بدأ يقع تحت هجمات السلاجقة وهي الهجمات التي أدَّت في نهاية الأمر لسقوط الدولة البيزنطية، وكذلك القسطنطينية، على يد العثمانيين. وقد هُزم جيش بيزنطي بقيادة الإمبراطور رومانوس ديجينيس هزيمة ساحقة على يد السلاجقة بقيادة ألب أرسلان في مانزيكريت في أرمينيا. ثم استمر التوسع السلجوقي، فتم الاستيلاء على أنطاكية عام١٠٨٥، الأمر الذي اضطر الإمبراطور أليكسيوس كومنينوس إلى أن يطلب العون من الغرب حيث لم يجد آذاناً صاغية وحسب بل شهية مفتوحة (٢).
وهكذا بدأت أوروبا تشهد في القرن الحادي عشر الميلادي حالة من النهضة، ومحاولات للتخلص من الشعور بالدونية تجاه المسلمين الأشد منهم بأساً والأرقى ثقافة، وبدؤوا يحاولون بناء ذات جديدة ويشعرون بثقة جديدة. وهكذا كانت الحملات الصليبية جزءا أساسياً من هذه العملية، وعبرت تماماً عن الروح الغربية الجديدة. إن اختلاق عدو إجراء بالغ الأهمية كوسيلة لتطوير هوية جديدة، وقد وفر المسلمون ذلك العدو الكامل، وإن كان من الواضح أن الفرنجة لم تكن لهم حتى ذلك الحين أية مآخذ على المسلمين، ولم يكونوا يعرفون شيئاً عن الديانة الإسلامية سوى أن المسلمين غير مسيحيين وأنهم مقاتلون أشداء، ومن شأن التغلب عليهم أن يعلي كثيراً من شأن الفرنجة (٣).
ويرى الاستاذ عبد الوهاب المسيرى وغيره من الباحثين ان هناك مركب من الاسباب المادية والمعنوية والدينية ادت إلى قيام الحروب الصليبية مثل انهيار الاقتصاد الغربي بعد سقوط الامبراطورية البيزنطية، وزيادة نفوذ المدن الايطالية،
стр. 940
وزيادة عدد السكان (١)، وظهور نوع من الاستقرار السياسى في اوروبا الذى سهل من امكانيات تجريد حملات عسكرية، هذا بالاضافة إلى اسباب اخرى، ولكننا هنا سنركز على الاسباب الدينية لهذه الحملات والتي يمكن اجماله فيما يلى:
١. حدث بَعْث ديني حقيقي في بداية القرن العاشر الميلادي. ويمكن القول بأن حروب الصليبيون تعود إلى ما يُسمَّى (الإصلاح الكلوني) وهي حركة إحياء دينية بدأت عام ٩١٠ في مدينة كلوني بفرنسا، وأكدت تَفوُّق سلطة الكنيسة على السلطة الدنيوية. وقد تزامنت حروب الصليبيون مع المجامع اللاترانية الأربعة في أعوام ١١٢٣، ١١٣٩، ١١٧٩، ١٢١٥ على التوالي. وهي المجامع التي بلورت موقف الكنيسة من عدة قضايا، منها تحريم الربا وتحديد وضع اليهود وكثير من علاقات الكنيسة بالسلطة الدنيوية. ولعبت الكنيسة دوراً أكثر نشاطاً في الحياة الدنيوية، وأخذت تؤكد نفسها بشكل أكثر جرأة. وقد أُعيدت صياغة البنية الكهنوتية وهو ما سمح للبابوات بأن يلعبوا دوراً أكثر فعالية. ووجدت الكنيسة في حروب الصليبيون فرصة مواتية لزيادة نفوذها وتسريب طاقة الأمراء والملوك القتالية إلى الشرق، ولتحقيق السلام والاستقرار في الغرب المسيحي. ومما له دلالته أن مجلس كليرمون (عام ١٠٩٥)، الذي اتخذ القرارات التي بدأت حملات الصليبيون على الشرق، جدد ما يُسمَّى (هدنة الرب) في الغرب! وقد وجدت الكنيسة الرومانية أن تجريد حملة تحت سلطتها، لمساعدة الدولة البيزنطية، قد يسرع بتحقيق حلم روما القديم بإخضاع الكنيسة البيزنطية.
٢. شهدت الفترة التي سبقت حروب الصليبيون تزايد حركة الحج. وكانت أهم المزارات روما حيث يُوجد ضريح لكلٍّ من بطرس وبولس، وكذلك ضريح سنتياجو دي كومبوستلا في شمال غربي إسبانيا. ولكن أهم المزارات جميعاً كانت هي القدس حيث تضم كنيسة القيامة. ولم يكن الحج عملاً من أعمال التقوى وحسب، وإنما أصبح وسيلة للتكفير عن الذنوب. بل كان القساوسة يوصون في بعض الأحيان، بالحج لمن يرون أنه اقترف إثماً فاحشاً. وكان الحجاج يرجعون بقصص عن مدى ثراء
стр. 941
الشرق، كما أنهم كانوا يتحدثون أيضاً عن المتاعب التي تجشموها والأهوال التي لاقوها. ولا شك في أن حديثهم هذا كان له أساس من الصحة حيث إن المنطقة لم تكن تنعم بالهدوء أو الاستقرار، وخصوصاً أن السلاجقة كانوا قد بدأوا في شن هجومهم على الدولة البيزنطية. ولكن مما لا شك فيه أنه كان هناك عنصر مبالغة، فالعائدون كانوا يريدون إبراز بطولتهم، وكان الوجدان الشعبي يتلقف هذه القصص ويضخمها، وخصوصاً أن المستوى الثقافي لجماهير أوربا آنذاك كان متدنياً إلى أقصى حد (١).
٣. يبدو أن حركة استرداد إسبانيا من المسلمين، وتَفاعُل المسيحيين مع المسلمين إبان حرب الاسترداد، قد تركا أثرهما في الرؤية المسيحية للحرب، إذ تأثر العالم المسيحي بفكرة الجهاد الإسلامي، فبدا أن الحرب للدفاع عن المجتمع المسيحي، ولاسترداد القدس، ليست حرباً عادلة وحسب وإنما حرب مقدَّسة أيضاً. ويبدو أن نشوء جماعات من الرهبان المحاربين مثل فرسان الهيكل وفرسان الإسعاف (الداوية والإسبتارية) هو صدى لفكرة المرابطين الإسلامية (٢).
٤. من الأفكار المسيحية الشعبية الراسخة، ما يُطلَق عليه العقائد أو الأحلام الألفية، وتتمثل هذه الأفكار في الإيمان بأن الدورة الكونية أو التاريخية تستغرق ألف عام في العادة، وأن عام ألف أي بداية القرن الحادي عشر الميلادي سيشهد نهاية العالم والتاريخ، كما سيشهد عودة المسيح. وقد سادت هاتان الفكرتان أوربا في العصور الوسطى، وهما من الأفكار التي ازدادت شيوعاً إبان تفاقم الأزمات الاجتماعية وازدياد البؤس بين الجماهير. ويقول العلماء إن تاريخ نهاية العالم لم يكن محدداً بهذه الدقة، وأن الأحلام الألفية استمرت خلال القرن الحادي عشر الميلادي كله وحتى بعد ذلك التاريخ. ومن الأساطير الألفية التي شاعت أن الإمبراطور الأخير سيكون هو ملك الصليبيون خليفة شارلمان، وأنه هو الذي سيقود المؤمنين إلى القدس لينتظر العودة الثانية للمسيح ليؤسس مملكة السلام والعدل
стр. 942
ويحكم العالم من صهيون، أي القدس، وما القدس الدنيوية سوى رمز للقدس الأخروية!
٥. واجهت الكنيسة، ابتداءً من القرن الحادي عشر الميلادي، ظهور هرطقات في جنوب فرنسا، فظهرت جماعات ثنوية تؤمن بوجود إلهين: إله الخير وإله الشر. وكان بعضهم يذهب، شأنه شأن الغنوصيين، إلى أن هذا العالم من خلق الإله الصانع (الشرير)، كما كانوا ينزعون منزعاً واحدياً روحياً ينكر أية حقيقة للمادة. وقد جردت الكنيسة أول حملة صليبية ضدهم عام ١٢٠٨، وتبع ذلك تأسيس محاكم التفتيش الرومانية (مقابل محاكم التفتيش الإسبانية) عام ١٢٣٣. ولا شك في أن أحساس الكنيسة بأنها مهددة ساهم في تصعيد حمى الحرب. (١)
الحملة الصليبية الأولى
بدأت هذه الحملة حين دعي البابا إربان الثاني (١٠٨٨ ـ ١١١٨)، وكان فرنسياً، لمجلس في كليرمون في ١٨ نوفمبر ١٠٥٩، حضره أساقفة من جنوب فرنسا، كما حضره آخرون من شمالها ومن أماكن أخرى. وألقى البابا خطاباً أشار فيه إلى بؤس الكنيسة البيزنطية، وتهديد الحجاج المسيحيين، وتدنيس الأماكن المقدَّسة. وحث هؤلاء الذين يعكرون السلام في الغرب على أن يوجهوا قواهم القتالية لخدمة غرض مقدَّس. كما أشار إلى إمكانات الحصول على الثروة من أرض تفيض باللبن والعسل، فصاح الجميع باللاتينية (ديوس وولت) deus volt، أي) الله يريد ذلك). ثم تتالت الأحداث وجاء المتطوِّعون من كل أنحاء أوربا، ولكنهم جاءوا أساساً من الأراضي الفرنسية وشبه الفرنسية مثل اللورين وجنوب إيطاليا وصقلية. وقد جُرِّدت الحملة الأولي (١٠٩٦ ـ ١٠٩٩) التي دعا إليها إربان الثاني في مؤتمر كليرمون (٢)، وهي الحملة الوحيدة التي حققت بعض النجاح لأنها أخذت المسلمين على حين غرة. وقد بدأت الحملة بما يُسمَّى (حملة الفلاحين الشعبية) التي قادها بطرس الراهب والفارس ولتر المفلس، وقد ضمت في صفوفها حشداً كبيراً من الفلاحين وصغار
стр. 943
الفرسان بلغ ما بين ١٥ و ٢٠ ألفاً اتجهوا إلى القسطنطينية ومنها إلى الأراضي المقدَّسة. ولكن جيشاً تركياً تصدى لهم في آسيا الصغرى وسحقهم عام ١٠٩٦ وقتل أعداداً كبيرة منهم وأسر أعداداً أخرى بيعت رقيقاً. وقد جُرِّدت بعد ذلك حملة الأمراء التي استفادت من حملة الفلاحين حيث تَوهَّم الأتراك، بناءً على تجربتهم مع جيش الفلاحين، أن قدرات أوربا القتالية متدنية. وقد نجحت الحملة الأولى في تأسيس أربع ممالك للفرنجة على النمط الإقطاعي الغربي (١).
الحملة الصليبية الثانية
حشد برنار رئيس دير الرهبان في كليرفو منطلقاً من فرنسا لحملة صليبية ثانية عام ١١٤٦ بعد ٥٠ سنة من الحملة الأولى، بهدف إعادة الرها إلى الحظيرة الصليبية بعدما استولى عليها عماد الدين زنكي. والواقع أن الحشود الصليبية القادمة من الشرق لم تتوقف منذ بدأت عام ١٠٩٩، ولكن هذه الحملة المشار إليها بالثانية لدى المؤرخين ينظر إليها باعتبارها واحدة من الحملات الثماني الكبرى التي كان ينفر لحشدها البابوات والأساقفة والقادة والنبلاء. ولكن حدثت تفاعلات سياسية وخصومات ومنافسات جعلت الإعلان عن حرب صليبية جديدة مخرجاً من الأزمة ووسيلة للتخلص من المنافسين، كما في التنافس بين برنار راعي الحملة الصليبية وبين منافسه الفيلسوف ورجل الدين بيير إبيلار. ووجد ملك فرنسا الشاب لويس في الحملة مخرجا لأزمته الشخصية والنفسية بعد المذبحة الهائلة التي نفذها بحق أبناء مدينة فييتري التابعة لمملكتها (٢). وتحركت الحملة من ألمانيا وهي تواصل أعمال النهب والسلب وذبح اليهود والمسلمين في كل النواحي التي تمر بها، وفي جبال طوروس أجهز الأتراك السلاجقة على تسعة أعشار الحملة.
وأما الجانب الفرنسي من الحملة بقيادة لويس فهي وإن كانت أكثر انضباطاً فإنها اضطهدت جميع السكان الذين مرت بهم بمن فيهم المسيحيون الأوروبيون.
стр. 944
وصدم الصليبيون القادمون حين وجدوا أسلافهم الصليبيين قد استقروا في الشرق وتزوجوا من مسلمات وبدؤوا يندمجون في حياة الشرق ومجتمعاته، ولكنهم استنفروا مرة أخرى على يد الصليبيين الأكثر حماسة وتديناً، ولكن جيوش المسلمين كانت هذه المرة أكثر حماسة وتنظيماً بقيادة نور الدين زنكي .. وفشلت الحملة فشلاً قاسياً. وخلف صلاح الدين الأيوبي نور الدين زنكي مدشناً حرباً شاملة على الصليبيين، وأصبح الوجود الصليبي في الشرق ضعيفاً وهامشياً، فقد أوقع صلاح الدين جيوش الصليبيين في فخ بالغ الإحكام والذكاء وأباده تقريباً عن بكرة أبيه، وسقطت القدس تلقائياً بعد معركة حطين عام ١١٨٦ بيد صلاح الدين الأيوبي، وجرت بعد ذلك عمليات واسعة لإطلاق سراح بقايا الصليبيين من الأسرى وجمع شملهم بعائلاتهم، ونقلهم إلى بلادهم أو بقايا مدنهم على البحر المتوسط مثل عكا وصور. حيث إنه لم يقتل مسيحي واحد من المدنيين بعد معركة حطين، ومازال صلاح الدين موضع تقدير العالم المسيحي، ونسجت حوله الأساطير الضخمة إلى حد اعتباره أحد القديسين المسيحيين (١).
انتهاء وفشل الحروب الصليية
تم تجريد الحملة الثالثة (١١٨٩ـ١١٩٢) وكان على رأسها فريدريك الأول (بارباروسا) إمبراطور ألمانيا، وفيليب الثاني ملك فرنسا، وريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا. وكان الحماس لها كبيراً في إنجلترا، ولكن هذه الحملة فشلت كغيرها من الحملات، حتى جاء عام ١٢٥٠ الذي شهد اخر الحملات الصليبية بعد ان حلت الهزيمة بجيش لويس التاسع قرب المنصورة ووقع لويس التاسع نفسه اسيراً في أيدي المسلمين ولم يطلق سراحه الا بعد ان دفع فدية ضخمة (٢). وإذا نظر دارس التاريخ إلى الحروب الصليبية من حيث أهدافها يلاحظ أنها فشلت فشلاً ذريعاً بعد أن دامت هذه الحروب حوالي قرنين من الزمان، فقد تمكنت القيادة الإسلامية من استرداد الأراضي - التي ملكها الصليبيون - شبراً شبراً، وتمكن المماليك في النهاية من
стр. 945
تطهير بلاد الشام من الصليبيين. يضاف إلى ذلك أن الحكومات الإسلامية التي امتازت من قبل الحروب الصليبية بالتسامح مع أصحاب الأديان الأخرى أخذت تتحفظ في تسامحها مع الأوروبييين بسبب هجماتهم المتكررة على الديار الإسلامية، لذلك نلاحظ قلة عدد الحجاج الأوروبيين عقب الحروب الصليبية (١).
نتائج الحروب الصليبية
إذا نظرنا إلى نتائج الحروب الصليبية على أوروبا، نجد أن الإقطاع الذي كان عصب النظام الإجتماعي والعسكري في أوروبا، قد أصيب بضربة قاسمة لم يفق منها إلا بصعوبة بعد أن خسر كل مكاسبه، مما جعل الفرصة مواتية للملوك لزيادة سلطتهم وتقوية المركزية في دولهم، اي انها زادت قوة السلطة الدنيوية، وخصوصاًَ قوة الملوك (٢). ومن النتائج السياسية أيضا تأخر سقوط القسطنطينية في يد الأتراك العثمانيين، لان الحروب الصليبية قد أنهكت القوى الإسلامية، مما جعلها أقل مقاومة لتيار المغول القادم من الشرق، ومع مقاومة وحروب الصليبييين من جانب، وقوى المغول من جانب، نجد أن القوى الإسلامية قد انشغلت لوقت طويل بهذا الصراع، ولم تتفرغ إلا بعد وقت طويل لمهاجمة العاصمة البيزنطية وهي القسطنطينية وإسقاطها عام ١٤٥٣ م.
أما عن النتائج الحضارية للحروب الصليبية فهي كثيرة يخطئها الحصر، فقد دخلت كلمات عربية كثيرة إلى اللغة الأوروبية، وانتشرت القصص الشرقية في أوروبا وظهرت في صورة جديدة في اللغات الأوروبية الناشئة التي بدأت تحل محل اللغة اللاتينية. كما تأثر الصليبيون بروعة الزجاج المصنوع في بلاد الشام ونقلوا هذا التأثير وأسرار هذه المهنة فأدى ذلك إلى ظهور الزجاج الملون الذي نشاهده في الكنائس القوطية. وشاهد الصليبيون البوصلة والبارود وأوراق الطباعة في بلاد الإسلام، ونقلوا كل هذه الأدوات والمعرفة إلى بلادهم. كما تأثر الغرب بالشعر والعلوم والفلسفة العربية التي وصلت إليهم عن طريق أسبانيا وصقلية بالإضافة إلى
стр. 946
الحروب الصليبية. وقد شجع هذا كله بعض العقول على التفكير وأدى هذا إلى ضعف العقيدة الكاثوليكية التي فرضتها البابوية بمعرفتها وبأساليبها المتمثلة في صكوك الغفران (١).
ومن النتائج المهمة الأخرى أن حملات الصليبيون فتحت ابواب الاسواق التجارية في الشرق ومهدت لقيام العلاقات التجارية بين الشرق والغرب، وسعت المدن الايطالية وخاصة البندقية إلى احتكار تلك التجارة وعادت عليها بالارباح والثروات (٢). كما عملت الحروب الصليبية على بث النشاط في الحياة المدنية باستخدام أساليب المسلمين التجارية والصناعية، فقد عرف الصليبيون كيف يرسمون الخرائط للبحر المتوسط، وتعرف الصليبيون كذلك على آراء جديدة عن بلاد الشرق واختلاف أصقاعها، ومن هنا جاءت الرغبة في كشف المزيد من أراضي العالم وظهرت الكتب التي تصنف البلاد وترشد المسيحييين القادمين لزيارة الأراضي المقدسة.
ولا شك أن الحركة الصليبية قد أعلت من شأن البابوية في روما إلى حد كبير خاصة بعد نجاح الحملة الصليبية الأولى، فقد كان منظر الامم الأوروبية المختلفة والنبلاء والفرسان والأباطرة والملوك وهم متحدين في صفوف حملة صليبية دعا إليها البابا للدفاع عن قضية دينية، أمرا يدعو للتساؤل عن مدى عظمة الكنيسة الكاثوليكية في روما. ومع علو شأن البابوية كان مندوبو البابا يجوبون البلاد يحثون الأفراد عى التطوع للحروب الصليبية ويجمعون الأموال لها. وقد ارتاح الناس جميعاً لمثل هذا العمل الذي يخدم القضية الصليبية، ولكن عندما استخدمت هذه الأموال في أغراض أخرى غير الحملات الصليبية، وأصبح من حق البابا أن يفرض الضرائب، فقد أثار هذا التحول غضب الملوك ومقاومتهم لمثل هذا العمل. فقد كانت صكوك الغفران تمنح لمن يقوم بالخدمة العسكرية من الأوربيين في فلسطين، وكان ذلك يعتبر عملاً مشروعاً تقبله الناس، وكان منح هذه الصكوك أيضاً لمن يتكفلون بنفقات محارب صليبي من الأعمال المقبولة والمشروعة، ولكن التوسع في منح صكوك الغفران إلى الذين يؤدون الأموال أو الذين يحاربون مع الباباوات ضد الأباطرة
стр. 947
أو الملوك، اصبح من مصادر غضب الملوك وأتباعهم. وتعرض مثل هذا العمل للنقد والسخرية ومن جملة ما انتقدوا الكنيسة الشعراء الجوالون في جنوبي فرنسا وشمالي إيطاليا. كما ادت الحروب الصليبية إلى ثراء الأديرة، بسبب أن بعض ملاك الأراضي في أوروبا قد باعوا أراضيهم للأديرة أو رهنوها ليحصلوا بذلك على المال اللازم لسداد نفقات الحروب الصليبية، وأصبح للاديرة بفضل ذلك ضياع واسعه وسيؤدي هذا في النهاية إلى حسد الملوك (١).
ومن الحقائق الأخرى التي ينبغي الإشارة إليها ما نسميه تصاعُد الحمَّى المشيحانية، أي الرغبة في العودة إلى صهيون (أي فلسطين) والاستيلاء عليها وتحويلها إلى وطن قومي يهودي. إذ من المعروف أن الشريعة اليهودية تحرِّم على اليهود العودة إلى فلسطين وعلى اليهودي أن ينتظر بصبر وأناة إلى أن يشاء الإله ويرسل الماشيَّح، فيحق له حينئذ أن يعود. ويرى كثير من المؤرخين أن حمَّى العودة ورَفْض الانتظار بدأت بين اليهود بحملات الصليبيون ووصلت إلى قمتها مع الحركة الصهيونية التي حققت النجاح لأنها جندت النزعة الدينية والاستعمارية لدى البروتستانت في المجتمع الغربي وتحالفت معها ووضعت نفسها تحت تصرفها. وما يهمنا هنا من الحركات المشيحانية حركة الماشيَّح الدجال (داود الرائي) المولود عام ١١٣٥ إذ يبدو أن هجمات الصليبيون على فلسطين، والفوضى التي أعقبتها، طرحت إمكانية العودة وتحرير القدس في مخيلة بعض أعضاء الجماعات اليهودية. وقد تركزت دعوة داود الرائي هذا في آمد (في جبال كردستان) على الطريق الإستراتيجي الموصل بين مملكة الخزر اليهودية التركية وممالك الصليبيون. ولعل شيئاً من ذكرى إمبراطورية الخزر وأمجادهم كان لا يزال عالقاً بذهن داود الرائي وأتباعه.
وقد تصاعدت الحمَّى المشيحانية مرة أخرى في القرن السادس عشر الميلادي إذ يبدو أن البابا كليمنت السابع (١٥٢٤) عاودته الأحلام الاستيطانية الاسترجاعية، وكان يتصوَّر أن بإمكانه دَعْم طريق الكنيسة مرة أخرى واستعادة شيء من نفوذها عن طريق تجريد حملة صليبية. وقد أدرك هذه الحقيقة ماشيَّح دجال آخر يُسمَّى
стр. 948
ديفيد رءوبيني، فادَّعى أنه ابن ملك يُدعى سليمان وأخ لملك يُدعى يوسف يحكم بعض الجماعات والقبائل اليهودية في خيبر بالقرب من المدينة المنورة. وقد أخبر رءوبيني البابا أن أخاه يتبعه ثلاثمائة ألف جندي مدربين على الحرب وأنهم لسوء الحظ ينقصهم السلاح، وطلب إلى البابا تزويدهم بما ينقصهم حتى يمكنهم طَرْد المسلمين من فلسطين. وقد استقبله البابا استقبالاً حسناً في بادئ الأمر، بل نجح في مقابلة ملك البرتغال وفي التأثير عليه. وفي تصوُّرنا أن هذه هي أول مرة يتحول فيها المشروع الصليبي للفرنجة إلى مشروع صهيوني وتقبل فيها المؤسسات الغربية استخدام المادة البشرية اليهودية المقاتلة بدلاً من المادة المسيحية. وقد تركت حروب الصليبيون تأثيراً عميقاً في إدراك الوجدان الغربي لفلسطين أو العرب، فأصبحت فلسطين الأرض المقدَّسة التي لابد أن تُسترجَع ليُوطَّن فيها عنصر مسيحي غربي، وأصبح العرب (أهل فلسطين) هم الغرباء الذين يجب استبعادهم. وقد أصبحت هذه الصيغة هي الصيغة التي تمت علمنتها فيما بعد لتصبح الصهيونية (١).
حملات الصليبيون والجماعات اليهودية في غرب أوربا وفلسطين
من المعروف تاريخياً ان الصليبيين، عندما احتلوا بيت المقدس، جمعوا يهود المدينة في الكنيس، ثم احروقوهم فيه احياء (٢)، حيث كانت الحروب الصليبية قائمة أساساً على معاداة السامية، وبدأت بمهاجمة اليهود والسعي للقضاء عليهم، وكانوا يخيرون بين التنصر والموت. وقبل أن تتحرك الجيوش الصليبية إلى الشرق كانت مشغولة بتطهير أوروبا من اليهود قتلة المسيح، وجعل الصليبيون من اللاسامية مرضاً غربياً لا شفاء منه استمر متلبثاً في الغرب طوال العصور الوسطى. وفي تلك الأثناء تدفقت الهجرة اليهودية إلى الشرق هرباً من مذابح الصليبيين، وجاء موسى بن ميمون إلى مصر مع والده وكان طفلاً في الخامسة من عمره، فتعلم الطب هناك وبرع فيه، وصار طبيب صلاح الدين الأيوبي، كما كان أيضا أحد أهم المراجع الدينية
стр. 949
حتى اليوم لدى اليهود، فقد أنشأ حلماً يهودياً -ولعله كان في ذلك متأثرا بالصراع على القدس- بقيام دولة لليهود على أرض إسرائيل تحكمها التوراة. وربما هذا هو ما جعل الحرب المقدسة اليهودية تنحو منحى الحرب المقدسة المسيحية، حتى إن الصهاينة المتدينين يبدون كما لو أنهم يستعيدون ويقتبسون النموذج الصليبي، ويبدو أن الحرب الصليبية ساعدت في تشكيل الصهيونية الدينية تماماً كما أنشأت اللاسامية المعادية لليهود.
وهكذا فقد ارتبطت الفكرة الصليبية ارتباطاً واضحاً ومباشراً بالنزاع الحالي في الشرق الأوسط، ففي بداية رحلتهم إلى ذات جديدة لهم ذبح الصليبيون اليهود، وفي نهاية حملتهم المرعبة ذبحوا المسلمين في القدس بوحشية تقشعر لها الأبدان، وكان الحقد على اليهود والمسلمين قد انغرس عميقاً في الهوية الغربية، ولولا اللاسامية الغربية لما قامت دولة يهودية في الشرق الأوسط. وقد شهد القرن الثامن عشر حقبة قومية ملتهبة، وظهر اليهودي عدواً للشخصية القومية، وفي ألمانيا تشكلت قومية قائمة على الشعب وليس الحضارة والمدينة، وهذه الرؤية جعلت اليهودية عدواً أساسيا للروح الألمانية، فعندما نهض هتلر مرة أخرى كان يقتل أيضاً حتى الذين اعتنقوا المسيحية من اليهود قبل مئات السنين هرباً من المذابح التي ارتكبها قادة الحروب الصليبية. وفي خضم هذه البيئة القومية المحمومة راح اليهود يلتمسون لأنفسهم حلاً قومياً، وكانت الفلسفة الأساسية للحل القومي هي إعادة الاتصال المادي بأرض آبائهم، ونشأت الحركة الصهيونية (١).
التشابه بين حملات الصليبيون والمشروع الصهيوني
رغم أن حروب الصليبيون ظاهرة مرتبطة بالتشكيل الحضاري الغربي في العصر الوسيط، فقد ساهمت هذه الحروب وبعمق في صياغة الإدراك الغربي لفلسطين والعرب. ولا يملك الدارس إلا أن يُلاحظ عمق التشابه بين المشروع الصليبي والمشروع الصهيوني الإسرائيلي، وهذا أمر متوقع لأن كليهما جزء من المواجهة المستمرة بين التشكيلين الحضاريين السائدين في الغرب والشرق العربي،
стр. 950
كما أن حملات الصليبيون هي نقطة انطلاق أوروبا نحو التوسع والإصرار على بسط سيطرتها على الخارج، حيث احتوت حملات الصليبيون بذور كل أشكال الإمبريالية الأوربية التي حكمت فيما بعد حياة جميع شعوب العالم (على حد قول أحد مؤرخي حملات الصليبيون الغربيين). ولهذا، أصبحت حملات الصليبيون صورة مجازية أساسية في الخطاب الاستعماري الغربي، وأصبحت ديباجاتها هي نفسها ديباجة المشروع الاستعماري الغربي. وقد رأى كثير من المدافعين عن المشروع الصهيوني، من اليهود وغير اليهود، أنه استمرار وإحياء للمشروع الصليبي ومحاولة وَضْعه موضع التنفيذ من جديد في العصر الحديث. فقد ألَّف سي. آر. كوندر عام ١٨٩٧، وهو صهيوني غير يهودي ومؤسس صندوق استكشاف فلسطين، كتاباً عن تاريخ المملكة اللاتينية في القدس أشار فيه إلى أن الإمبريالية الغربية قد نجحت فيما أخفقت فيه الحملات الصليبية أي حملات الصليبيون. والواقع أن تصوُّره هذا يشبه في كثير من الوجوه تصوُّر الصحافة البريطانية وكذلك تصوُّر بعض أعضاء النخبة الحاكمة في بريطانيا بأن هجوم أللنبي على القدس يساوي حملة صليبية أخرى. وقد صرح لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، والذي أصدرت وزارته وعد بلفور، أن أللنبي شن وربح آخر الحملات الصليبية وأعظمها انتصاراً. ويمكننا أن نقول إن المشروع الصهيوني هو نفسه المشروع الصليبي، بعد أن تم إحلال المادة البشرية اليهودية محل المادة البشرية المسيحية.
وقد لاحَظ روبرت برنارد سولومون، وهو ضابط إنجليزي رأس الاتحاد الصهيوني البريطاني، أوجه التشابه بين المشروعين الصليبي والصهيوني في دراسة له نشرها في جويش ريفيو عام ١٩١٢ تحت عنوان (مستعمرات القرن الثاني عشر في فلسطين) حيث أكد أن المشكلات التي واجهها المستوطنون الصليبيون ونجحوا في التغلب عليها تشبه من نواح كثيرة تلك المشكلات التي تواجه المستوطنين الصهاينة في فلسطين، ثم أخذ في تعداد هذه النواحي. كما أشار إلى العوامل التي أدَّت إلى انهيار ممالك الصليبيون بعبارة (المؤثرات الشرقية التي أدَّت إلى الانحلال) ليحذر المستوطنين الجدد منها. وسنحاول حَصْر جوانب الشبه بين التجربتين الصليبية والصهيونية، وتصنيفها تحت رؤوس موضوعات قد تكون متداخلة ولكنها مع هذا تيسر لنا عملية تقسيم هذه الأوجه والتعامل معها. فووجوه