الحروب الصليبية. وقد شجع هذا كله بعض العقول على التفكير وأدى هذا إلى ضعف العقيدة الكاثوليكية التي فرضتها البابوية بمعرفتها وبأساليبها المتمثلة في صكوك الغفران (١).
ومن النتائج المهمة الأخرى أن حملات الصليبيون فتحت ابواب الاسواق التجارية في الشرق ومهدت لقيام العلاقات التجارية بين الشرق والغرب، وسعت المدن الايطالية وخاصة البندقية إلى احتكار تلك التجارة وعادت عليها بالارباح والثروات (٢). كما عملت الحروب الصليبية على بث النشاط في الحياة المدنية باستخدام أساليب المسلمين التجارية والصناعية، فقد عرف الصليبيون كيف يرسمون الخرائط للبحر المتوسط، وتعرف الصليبيون كذلك على آراء جديدة عن بلاد الشرق واختلاف أصقاعها، ومن هنا جاءت الرغبة في كشف المزيد من أراضي العالم وظهرت الكتب التي تصنف البلاد وترشد المسيحييين القادمين لزيارة الأراضي المقدسة.
ولا شك أن الحركة الصليبية قد أعلت من شأن البابوية في روما إلى حد كبير خاصة بعد نجاح الحملة الصليبية الأولى، فقد كان منظر الامم الأوروبية المختلفة والنبلاء والفرسان والأباطرة والملوك وهم متحدين في صفوف حملة صليبية دعا إليها البابا للدفاع عن قضية دينية، أمرا يدعو للتساؤل عن مدى عظمة الكنيسة الكاثوليكية في روما. ومع علو شأن البابوية كان مندوبو البابا يجوبون البلاد يحثون الأفراد عى التطوع للحروب الصليبية ويجمعون الأموال لها. وقد ارتاح الناس جميعاً لمثل هذا العمل الذي يخدم القضية الصليبية، ولكن عندما استخدمت هذه الأموال في أغراض أخرى غير الحملات الصليبية، وأصبح من حق البابا أن يفرض الضرائب، فقد أثار هذا التحول غضب الملوك ومقاومتهم لمثل هذا العمل. فقد كانت صكوك الغفران تمنح لمن يقوم بالخدمة العسكرية من الأوربيين في فلسطين، وكان ذلك يعتبر عملاً مشروعاً تقبله الناس، وكان منح هذه الصكوك أيضاً لمن يتكفلون بنفقات محارب صليبي من الأعمال المقبولة والمشروعة، ولكن التوسع في منح صكوك الغفران إلى الذين يؤدون الأموال أو الذين يحاربون مع الباباوات ضد الأباطرة
стр. 947
أو الملوك، اصبح من مصادر غضب الملوك وأتباعهم. وتعرض مثل هذا العمل للنقد والسخرية ومن جملة ما انتقدوا الكنيسة الشعراء الجوالون في جنوبي فرنسا وشمالي إيطاليا. كما ادت الحروب الصليبية إلى ثراء الأديرة، بسبب أن بعض ملاك الأراضي في أوروبا قد باعوا أراضيهم للأديرة أو رهنوها ليحصلوا بذلك على المال اللازم لسداد نفقات الحروب الصليبية، وأصبح للاديرة بفضل ذلك ضياع واسعه وسيؤدي هذا في النهاية إلى حسد الملوك (١).
ومن الحقائق الأخرى التي ينبغي الإشارة إليها ما نسميه تصاعُد الحمَّى المشيحانية، أي الرغبة في العودة إلى صهيون (أي فلسطين) والاستيلاء عليها وتحويلها إلى وطن قومي يهودي. إذ من المعروف أن الشريعة اليهودية تحرِّم على اليهود العودة إلى فلسطين وعلى اليهودي أن ينتظر بصبر وأناة إلى أن يشاء الإله ويرسل الماشيَّح، فيحق له حينئذ أن يعود. ويرى كثير من المؤرخين أن حمَّى العودة ورَفْض الانتظار بدأت بين اليهود بحملات الصليبيون ووصلت إلى قمتها مع الحركة الصهيونية التي حققت النجاح لأنها جندت النزعة الدينية والاستعمارية لدى البروتستانت في المجتمع الغربي وتحالفت معها ووضعت نفسها تحت تصرفها. وما يهمنا هنا من الحركات المشيحانية حركة الماشيَّح الدجال (داود الرائي) المولود عام ١١٣٥ إذ يبدو أن هجمات الصليبيون على فلسطين، والفوضى التي أعقبتها، طرحت إمكانية العودة وتحرير القدس في مخيلة بعض أعضاء الجماعات اليهودية. وقد تركزت دعوة داود الرائي هذا في آمد (في جبال كردستان) على الطريق الإستراتيجي الموصل بين مملكة الخزر اليهودية التركية وممالك الصليبيون. ولعل شيئاً من ذكرى إمبراطورية الخزر وأمجادهم كان لا يزال عالقاً بذهن داود الرائي وأتباعه.
وقد تصاعدت الحمَّى المشيحانية مرة أخرى في القرن السادس عشر الميلادي إذ يبدو أن البابا كليمنت السابع (١٥٢٤) عاودته الأحلام الاستيطانية الاسترجاعية، وكان يتصوَّر أن بإمكانه دَعْم طريق الكنيسة مرة أخرى واستعادة شيء من نفوذها عن طريق تجريد حملة صليبية. وقد أدرك هذه الحقيقة ماشيَّح دجال آخر يُسمَّى
стр. 948
ديفيد رءوبيني، فادَّعى أنه ابن ملك يُدعى سليمان وأخ لملك يُدعى يوسف يحكم بعض الجماعات والقبائل اليهودية في خيبر بالقرب من المدينة المنورة. وقد أخبر رءوبيني البابا أن أخاه يتبعه ثلاثمائة ألف جندي مدربين على الحرب وأنهم لسوء الحظ ينقصهم السلاح، وطلب إلى البابا تزويدهم بما ينقصهم حتى يمكنهم طَرْد المسلمين من فلسطين. وقد استقبله البابا استقبالاً حسناً في بادئ الأمر، بل نجح في مقابلة ملك البرتغال وفي التأثير عليه. وفي تصوُّرنا أن هذه هي أول مرة يتحول فيها المشروع الصليبي للفرنجة إلى مشروع صهيوني وتقبل فيها المؤسسات الغربية استخدام المادة البشرية اليهودية المقاتلة بدلاً من المادة المسيحية. وقد تركت حروب الصليبيون تأثيراً عميقاً في إدراك الوجدان الغربي لفلسطين أو العرب، فأصبحت فلسطين الأرض المقدَّسة التي لابد أن تُسترجَع ليُوطَّن فيها عنصر مسيحي غربي، وأصبح العرب (أهل فلسطين) هم الغرباء الذين يجب استبعادهم. وقد أصبحت هذه الصيغة هي الصيغة التي تمت علمنتها فيما بعد لتصبح الصهيونية (١).
حملات الصليبيون والجماعات اليهودية في غرب أوربا وفلسطين
من المعروف تاريخياً ان الصليبيين، عندما احتلوا بيت المقدس، جمعوا يهود المدينة في الكنيس، ثم احروقوهم فيه احياء (٢)، حيث كانت الحروب الصليبية قائمة أساساً على معاداة السامية، وبدأت بمهاجمة اليهود والسعي للقضاء عليهم، وكانوا يخيرون بين التنصر والموت. وقبل أن تتحرك الجيوش الصليبية إلى الشرق كانت مشغولة بتطهير أوروبا من اليهود قتلة المسيح، وجعل الصليبيون من اللاسامية مرضاً غربياً لا شفاء منه استمر متلبثاً في الغرب طوال العصور الوسطى. وفي تلك الأثناء تدفقت الهجرة اليهودية إلى الشرق هرباً من مذابح الصليبيين، وجاء موسى بن ميمون إلى مصر مع والده وكان طفلاً في الخامسة من عمره، فتعلم الطب هناك وبرع فيه، وصار طبيب صلاح الدين الأيوبي، كما كان أيضا أحد أهم المراجع الدينية
стр. 949
حتى اليوم لدى اليهود، فقد أنشأ حلماً يهودياً -ولعله كان في ذلك متأثرا بالصراع على القدس- بقيام دولة لليهود على أرض إسرائيل تحكمها التوراة. وربما هذا هو ما جعل الحرب المقدسة اليهودية تنحو منحى الحرب المقدسة المسيحية، حتى إن الصهاينة المتدينين يبدون كما لو أنهم يستعيدون ويقتبسون النموذج الصليبي، ويبدو أن الحرب الصليبية ساعدت في تشكيل الصهيونية الدينية تماماً كما أنشأت اللاسامية المعادية لليهود.
وهكذا فقد ارتبطت الفكرة الصليبية ارتباطاً واضحاً ومباشراً بالنزاع الحالي في الشرق الأوسط، ففي بداية رحلتهم إلى ذات جديدة لهم ذبح الصليبيون اليهود، وفي نهاية حملتهم المرعبة ذبحوا المسلمين في القدس بوحشية تقشعر لها الأبدان، وكان الحقد على اليهود والمسلمين قد انغرس عميقاً في الهوية الغربية، ولولا اللاسامية الغربية لما قامت دولة يهودية في الشرق الأوسط. وقد شهد القرن الثامن عشر حقبة قومية ملتهبة، وظهر اليهودي عدواً للشخصية القومية، وفي ألمانيا تشكلت قومية قائمة على الشعب وليس الحضارة والمدينة، وهذه الرؤية جعلت اليهودية عدواً أساسيا للروح الألمانية، فعندما نهض هتلر مرة أخرى كان يقتل أيضاً حتى الذين اعتنقوا المسيحية من اليهود قبل مئات السنين هرباً من المذابح التي ارتكبها قادة الحروب الصليبية. وفي خضم هذه البيئة القومية المحمومة راح اليهود يلتمسون لأنفسهم حلاً قومياً، وكانت الفلسفة الأساسية للحل القومي هي إعادة الاتصال المادي بأرض آبائهم، ونشأت الحركة الصهيونية (١).
التشابه بين حملات الصليبيون والمشروع الصهيوني
رغم أن حروب الصليبيون ظاهرة مرتبطة بالتشكيل الحضاري الغربي في العصر الوسيط، فقد ساهمت هذه الحروب وبعمق في صياغة الإدراك الغربي لفلسطين والعرب. ولا يملك الدارس إلا أن يُلاحظ عمق التشابه بين المشروع الصليبي والمشروع الصهيوني الإسرائيلي، وهذا أمر متوقع لأن كليهما جزء من المواجهة المستمرة بين التشكيلين الحضاريين السائدين في الغرب والشرق العربي،
стр. 950
كما أن حملات الصليبيون هي نقطة انطلاق أوروبا نحو التوسع والإصرار على بسط سيطرتها على الخارج، حيث احتوت حملات الصليبيون بذور كل أشكال الإمبريالية الأوربية التي حكمت فيما بعد حياة جميع شعوب العالم (على حد قول أحد مؤرخي حملات الصليبيون الغربيين). ولهذا، أصبحت حملات الصليبيون صورة مجازية أساسية في الخطاب الاستعماري الغربي، وأصبحت ديباجاتها هي نفسها ديباجة المشروع الاستعماري الغربي. وقد رأى كثير من المدافعين عن المشروع الصهيوني، من اليهود وغير اليهود، أنه استمرار وإحياء للمشروع الصليبي ومحاولة وَضْعه موضع التنفيذ من جديد في العصر الحديث. فقد ألَّف سي. آر. كوندر عام ١٨٩٧، وهو صهيوني غير يهودي ومؤسس صندوق استكشاف فلسطين، كتاباً عن تاريخ المملكة اللاتينية في القدس أشار فيه إلى أن الإمبريالية الغربية قد نجحت فيما أخفقت فيه الحملات الصليبية أي حملات الصليبيون. والواقع أن تصوُّره هذا يشبه في كثير من الوجوه تصوُّر الصحافة البريطانية وكذلك تصوُّر بعض أعضاء النخبة الحاكمة في بريطانيا بأن هجوم أللنبي على القدس يساوي حملة صليبية أخرى. وقد صرح لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، والذي أصدرت وزارته وعد بلفور، أن أللنبي شن وربح آخر الحملات الصليبية وأعظمها انتصاراً. ويمكننا أن نقول إن المشروع الصهيوني هو نفسه المشروع الصليبي، بعد أن تم إحلال المادة البشرية اليهودية محل المادة البشرية المسيحية.
وقد لاحَظ روبرت برنارد سولومون، وهو ضابط إنجليزي رأس الاتحاد الصهيوني البريطاني، أوجه التشابه بين المشروعين الصليبي والصهيوني في دراسة له نشرها في جويش ريفيو عام ١٩١٢ تحت عنوان (مستعمرات القرن الثاني عشر في فلسطين) حيث أكد أن المشكلات التي واجهها المستوطنون الصليبيون ونجحوا في التغلب عليها تشبه من نواح كثيرة تلك المشكلات التي تواجه المستوطنين الصهاينة في فلسطين، ثم أخذ في تعداد هذه النواحي. كما أشار إلى العوامل التي أدَّت إلى انهيار ممالك الصليبيون بعبارة (المؤثرات الشرقية التي أدَّت إلى الانحلال) ليحذر المستوطنين الجدد منها. وسنحاول حَصْر جوانب الشبه بين التجربتين الصليبية والصهيونية، وتصنيفها تحت رؤوس موضوعات قد تكون متداخلة ولكنها مع هذا تيسر لنا عملية تقسيم هذه الأوجه والتعامل معها. فووجوه
стр. 951
الشبه بين هاتين الدولتين صارخة اذ ان كلاً منهما حركة بنيت على الدين، مسلحة عدوانية استيطانية غربية المصدر فلسطينية المستقر، عنصرية غير انصهارية، اعتمدت على الدعم الغربي مالياً وعسكرياً ودعائياً واجتماعياً، ثم ان كلاً منهما نشأت في فترة انقسام وشردذمة الشرق (١).
ولعل نقطة التشابه الأساسية ذات طابع جغرافي ففلسطين هي النقطة المستهدفة في كل من المشروعين الصليبي والصهيوني. ويبدو أن فلسطين مستهدفة دائماً من صناع الإمبراطوريات إذ أنها تُعَدُّ مفتاحاً أساسياً لآسيا وأفريقيا، وتُعدُّ معبراً على البحرين الأحمر والأبيض، وتقف على مشارف الطرق البرية التي تؤدي إلى العراق وإيران، وهي أيضاً معبر أساسي لشطري العالم الإسلامي. وفلسطين في واقع الأمر ليست سوى جزء من ساحل طويل يضم سوريا ومصر، يشكل فاصلاً بين البحر المتوسط في الغرب والمحيط الهندي في الشرق. ويُعد هذا الموقع، بالتالي، فاصلاً بين مراكز النشاط في أوربا الغربية والشرق الأقصى. كل هذا يبين تشابك المصير بين سوريا ومصر من جهة وفلسطين من جهة أخرى، وخصوصاً أن كثافة مصر السكانية جعلتها دائماً المرشحة لقيادة المنطقة بأسرها في صراعها ضد الغزوات الغربية. ويلاحظ أن كلاًّ من المشروعين الصليبي والصهيوني اكتشف أنه لحسم الصراع لصالحه، فلابد من ضرب مصر أو على الأقل تحييدها (٢).
والواقع أن الغزاة الاستيطانيين عادةً ما يسلكون طريق البحر، ثم تستقر الجيوب الاستيطانية على الساحل أو تحتفظ بركيزتها الأساسية فيه كما حدث في جنوب أفريقيا والجزائر. وكذلك، فإن الغزوتين الصليبية والصهيونية سلكتا الطريق البحري نفسه واحتلتا أجزاء من نفس الشريط البحري، وإن كان الشريط الذي احتله الصليبيون أكثر طولاً من الشريط الذي احتله الصهاينة.
أما من الناحية التاريخية، فيمكن القول بأن ثمة تشابهاً بين وَضْع العالمين العربي والإسلامي في القرن الحادي عشر ووضعهما في أواخر القرن التاسع عشر، فقد كانا في حالة انقسام وتراجع وتجزئة. فالخلافة الفاطمية في مصر كانت في
стр. 952
حالة مواجهة مع الخلافة العباسية في العراق، وقد اقتسمتا فيما بينهما العالم الإسلامي. وكان النظامان العباسي والفاطمي يعانيان من الصراعات الداخلية والمؤامرات. وهما، في هذا، يشبهان النظام السياسي العربي المعاصر، المتجزئ، المنقسم على نفسه، المتصارع مع ذاته (١).
والغزوتان الصليبية والصهيونية تهدفان إلى حل بعض مشاكل المجتمع الغربي وتخفيف حدة تناقضاته. فالمجتمع الوسيط الغربي كان يخوض عملية بَعْث اقتصادي فتحت شهيته للاستيلاء على طرق التجارة المتجهة إلى الشرق. وهذا يشبه من بعض الوجوه، وإن كان بدرجة أقل، انفتاح شهية رجل أوربا الشره في القرن التاسع عشر الميلادي الذي لم يهدأ له بال إلا بعد أن وقع العالم كله في قبضته. وقد استخدمت أوربا كلا المشروعين، الصليبي والصهيوني، في التخلص مما أطلق عليه في القرن التاسع عشر الميلادي (الفائض البشري)، أي العناصر التي لم تستطع أن تحقق الحراك الاجتماعي داخل مجتمعاتها ولذا كانت تهدِّد السلام الاجتماعي ولم يكن هناك مفر من تصديرها للشرق حتى يحقق الغرب سلاماً اجتماعياً داخلياً. فالمشروع الصليبي كان يهدف أيضاً إلى تخليص أوربا من فائضها البشري الذي كان يهدد سلامها الاجتماعي حسب تصوُّر البعض على الأقل.
ومن نقط التشابه الأخرى أن المشروعين الصليبي والصهيوني مشروعان استعماريان من النوع الاستيطاني الإحلالي. فالمشروع الصليبي كان يهدف إلى تكوين جيوب بشرية غربية وممالك فرنجية تدين بالولاء الكامل للعالم الغربي. ولذا، لم تأت الجيوش وحسب، وإنما أتى معها العنصر البشري الغربي المسيحي ليحل محل العنصر البشري العربي الإسلامي. وهو في هذا لا يختلف عن المشروع الصهيوني إلا في بعض التفاصيل. فغزو فلسطين تم أولاً على يد القوات البريطانية، ثم حَضَر المستوطنون الصهاينة بعد ذلك بوصفهم عنصراً يقوم بالزراعة والقتال. وقد كانت المؤسسات الاقتصادية للصليبيين، مثلها مثل قرينتها الإسرائيلية، تتسم بطابع عسكري. كما أن التنظيم الاقتصادي التعاوني لم يكن مجهولاً لدى الصليبيون.
стр. 953
ويمكن القول بأن دويلات الصليبيون، مثلها مثل الدولة الصهيونية، كانت ترسانات عسكرية في حالة تأهب دائم للدفاع عن النفس وللتوسع كلما سنحت لها الفرصة. ويُلاحَظ أن كلاًّ من ممالك الصليبيون والدولة الصهيونية، بسبب طبيعتها الإحلالية، خلقت مشكلة لاجئين. كما يُلاحَظ أن هؤلاء اللاجئين تحوَّلوا إلى وقود جنَّد سكان المنطقة ضد الدولة القلعة (١).
ومن المعروف أن الكيانات الاستيطانية لا تفقد صلتها قط بالوطن الأم بل تعتمد عليه اعتماداً يكاد يكون كاملاً لأنها، بسبب تناقضها الجوهري مع البيئة المحلية التي تلفظها، تستمد مقومات الحياة من دعم عسكري ومالي وهوية ثقافية ومادة بشرية من وطنها الأصلي. وهذه سمة أساسية في الكيانين الصليبي والصهيوني، مع تنويعات فرعية تنصرف إلى التفاصيل لا الجوهر. فمثلاً اعتمدت ممالك الصليبيون على كل أوربا كمصدر للدعم، ولكن اعتمادها كان على فرنسا بالدرجة الأولى. وكذلك، فإن الدولة الصهيونية التي اعتبرت أوربا قاعدتها الإستراتيجية واعتمدت على معظم دول العالم الغربي الرأسمالي مع التركيز على بلد واحد هو إنجلترا ثم فرنسا لفترة قصيرة وأخيراً الولايات المتحدة منذ منتصف الستينيات. ومع سقوط الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي تطرح الدولة الصهيونية نفسها باعتبارها قاعدة للحضارة الغربية كلها في مواجهة العالم الإسلامي. ويشير أحد الدارسين الإسرائيليين إلى أنه كان هناك جباية صليبية موحدة تماماً مثل الجباية اليهودية الموحَّدة.
وقد جاءت المادة البشرية لكلا المشروعين من العالم الغربي. ولكنهما، مع هذا، لم يحققا التجانس العرْقي المطلوب لتحقيق شيء من التوازن داخل التجمُّع الاستيطاني، فتولدت درجة عالية من التوتر. فممالك الصليبيون كانت تضم في بادئ الأمر عنصراً فرنسياً غالباً بالإضافة إلى عنصر إيطالي انقسم بدوره إلى جنوي وبندقي نسبة إلى جنوة والبندقية. ولكن عناصر أخرى انضمت إلى هذين العنصرين، مثل: الأرمن وبعض العناصر المسيحية المحلية والمسلمين الذين تنصروا. كما أن ممالك الصليبيون نفسها استوعبت، بمرور الزمن، العناصر الثقافية من البيئة
стр. 954
المحلية. ولكن، ومع هذا، يمكن القول بأن ممالك الصليبيون احتفظت بقدر من التجانس أعلى كثيراً مما حققه الكيان الصهيوني. فهذه الممالك ظلت فرنجية (فرنسية)، كما أن أعضاء النخبة الحاكمة التي كانت عناصرها الأساسية من الصليبيون ظلت متماسكة، وكذلك كانت الهوية الثقافية مستمدة من فرنسا. ويلاحظ أن أوربا في ذلك الوقت لم تكن قد انقسمت بعد إلى كيانات قومية لكل منها لغتها، وكانت اللاتينية لغة العبادة والفكر. وكان التشكيل الحضاري يتمتع بشيء من الوحدة الثقافية، على الأقل، بالقياس إلى فترة التفتت القومي التي بدأت بعصر النهضة (١).
وقد حاول التجمع الصهيوني أن يحتفظ بهوية إشكنازية متجانسة تستند إلى تجربة شرق أوربا. ولكن أوربا، في القرن التاسع عشر الميلادي، كانت ذات تشكيل حضاري مقسم إلى كيانات قومية مختلفة تتحدث لغات مختلفة، فجاء يهود من المجر ورومانيا وألمانيا وإنجلترا وفرنسا، كلٌّ يتحدث لغته. وجاء من شرق أوربا نفسها أنواع غير متجانسة، فثمة يهود جاءوا من بولندا يتحدثون البولندية، وآخرون جاءوا من رومانيا يتحدثون الرومانية، ومن روسيا جاء من يتحدث الروسية إلى جانب الأغلبية التي تتحدث اليديشية. كما كان النسق الديني اليهودي في حالة تفتُّت وتراجُع ومن ثم نجد أن هناك يهوداً أرثوذكس ويهوداً إصلاحيين أو محافظين أو قرّاءين ... إلخ. ثم اجتاحت التجمع الصهيوني الكثافة السكانية الوافدة من العالمين العربي والإسلامي التي غيَّرت بنيته السكانية وتوجُّهه الثقافي بحيث أصبحت أغلبية العنصر اليهودي شرقية تحكمها أقلية إشكنازية. ولكن الدولة الصهيونية تحاول مع هذا أن تحتفظ بالتوجه الإشكنازي للمجتمع، إذ يتضح هذا في تشجيع الهجرة من الاتحاد السوفيتي وفي المناخ الثقافي الذي تفرضه المؤسسة الحاكمة، وهذا الوضع يُولِّد الكثير من التوتر.
ويُلاحظ الصحفي الإسرائيلي يوري أفنيري أن كلاًّ من التجمعين الصليبي والصهيوني تكوَّن من ثلاث طبقات ذات طابع عرْقي: الطبقة الحاكمة من المسيحيين الغربيين في دويلات الصليبيون يقابلها اليهود الإشكناز في الدولة الصهيونية. ثم
стр. 955
يأتي في المرتبة الثانية مواطنو الدرجة الثانية من المسيحيين الشرقيين في دويلات الصليبيون يقابلهم اليهود الشرقيون في الدولة الصهيونية. وأخيراً يأتي مواطنو الدرجة الثالثة وهم المسلمون واليهود وبعض المسيحيين العرب في دويلات الصليبيون، والمسلمون والمسيحيون العرب في الدولة الصهيونية.
والمجتمع الاستيطاني مجتمع مزروع أو مشتول في العادة، فهو يأخذ شكل الدولة الجيتو أو الدولة القلعة، التى تقوم بدور أوكل إليها في جمع الضرائب والإيجارات والإشراف على إدارة مصالح اسيادها حيث تحميها القوة العسكرية. وهذا المجتمع منعزل عن بيئته وينصرف جزء كبير من نشاطه إلى عملية القتال ضد السكان المحليين. وهذه مسألة ليست عرضية وإنما هي مسألة جوهرية وتنبع من الوظيفة نفسها. والعالم الغربي يزود الجيوب الاستيطانية بالعون ومقومات الحياة حتى تظل ركيزة لنشاطاته الإمبريالية والتوسعية. وينطبق هذا الوضع على الجيبين الصليبي والصهيوني، وإن كان يبدو أن الدعم الغربي للجيب الصهيوني يفوق الدعم الغربي للجيب الصليبي (١).
كما أن أزمة التجمُّع الصليبي لا تختلف عن أزمة التجمع الصهيوني. فيُلاحَظ أن الكيان الصليبي كان يعاني من أزمة سكانية لا تختلف كثيراً عن أزمة المستوطن الصهيوني، وذلك نظراً لانخفاض عدد سكان أوربا عام ١٣٠٠ بعد انتهاء فترة تزايد السكان، الأمر الذي أدَّى إلى عدم مجيء المزيد من المادة البشرية، كما كان الكيان الصليبي يعاني من تناقص نسبة المواليد. وكان كثير من الأراضي التي ضمها الصليبيون يزرعها سكانها الأصليون العرب. بل إن بعض الأقنان الذين جاءوا مع حملات الصليبيون اشتغلوا بأعمال أخرى غير الزراعة، نظراً لعدم درايتهم بالتربة وربما لتفتُّح فرص اقتصادية أخرى بحيث أمكنهم العمل في التجارة. ويشبه هذا زحف العرب التدريجي على الزراعة داخل المُستوطَن الصهيوني وضمن ذلك الكيبوتسات، وتحوُّل المستوطنين الصهاينة إلى مهام أخرى غير الزراعة.
ولا تنحصر نقاط التشابه بين المشروعين الصليبي والصهيوني في الظروف الاجتماعية والجغرافية المحيطة بكل منهما، ولا في بنية الكيانين فقط، وإنما تمتد
стр. 956
نقاط التشابه هذه لتضم الديباجات والقصد. فقد قُدِّمت تبريرات للمشروعين وتم الدفاع عنهما عن طريق ديباجات دينية تستخدم الرموز الدينية وتوظفها في عملية التعبئة العسكرية. والرموز الدينية المستخدمة هي في واقع الأمر رموز عرْقية أو إثنية أو قومية رغم طلائها الديني اللامع. ومن هنا كانت عنصرية الديباجات الصليبية والصهيونية. ومن هنا أيضاً كان تمييزها الحاد بين البشر وتقسيمهم إلى أدنى وأعلى، أو حاضر وغائب، أو فئة لها كل الحقوق وفئة لا حقوق لها على الإطلاق ... إلخ. وهذا مختلف تماماً عن إيمان الديانات التوحيدية الثلاث بالمساواة بين البشر والتي تصدُر عن الإيمان بأننا نولد جميعاً من آدم وآدم من تراب. ويُلاحَظ أن ديباجات الصليبيون والصهاينة ترى غزو فلسطين في إطار فكرة أن الغزاة شعب مقدَّس أو مختار. وكان يسيطر على كل من الصليبيون والصهاينة تفكير نخبوي يجعل زعماءهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم طلائع شعوبهم التي ستحمل السلام لتخلِّص الأرض المقدَّسة، وأن هذه الحملة العسكرية إن هي إلا خروج ثان يشبه خروج العبرانيين من مصر إلى كنعان. وقد ارتبطت الديباجات في كلا المشروعين بالأحلام الألفية في استرجاع فلسطين بعد عودة المسيح أو تمهيداً لعودته (١).
مركزية حملات الصليبيون في الوجدان الصهيوني/الإسرائيلي
تستخدم الحركة الصهيونية التاريخ بمختلف مناهجه لدراسة ظاهرة الحروب الصليبية أو) تاريخ المملكة اللاتينية (كما يحلو لمؤرخيهم تسميتها، اذ ان هناك مؤسسات علمية بحثية تقوم بتنظيم فرق بحث لدراسة تاريخ الحملات الصليبية لتستخلص منها العبر، ومن خلال استخلاص تلك العبر تقوم بالكشف والتنقيب عن النموذج المماثل لها في التاريخ ليتم الكشف عن اوجه التشابه بين التجربتين. حيث التمزق والتشرذم الذي تعانيه الامة آنذاك، وتعانيه اليوم، وبالصورة نفسها بل اكبر وبشكل مكثف جداً وابشع على الرغم من انتصار الصليبيين آنذاك لم يكن تعبيراً حقيقياً عن موازين القوى، فقد كانت الجيوش العربية، وموارد المنطقة البشرية
стр. 957
تكفل هزيمه ساحقة إذا ما جمعتها جهة موحدة، وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك، ولكن التشرذم العربي، بل ومساندة بعض المسلمين للجيوش الصليبية، وميراث الحقد والشك والضغائن بين حكام المنطقة جعلت انتصار الصليبيين امراً منطقياُ. وهذا من أهم عوامل انشغال الوعي الصهيوني بهذه الحروب وبتلك الحملات، حيث أخذت حيزاً مهماً من انشغال العاملين في الابحاث الاستشراقية والصراعية، فتتم دراسة الوقائع والتطورات والعبر ذات الصلة بالحملات الصليبية ومواجهتها، ودراسة الظروف العربية التي سبقت وسادت القرنيين الثاني عشر والثالث عشر، والوقوف ملياً عند معركة حطين عام ١١٨٧م: مقدماتها ومجرياتها ونتائجها والدروس المستخلصة منها، مع محاولة صهيونية مكشوفة لتزوير التاريخ بجانب أو بآخر مما يتصل بالفترة المدروسة (١).
ونظراً للتشابه بين المشروعين الصليبي والصهيوني، ونظراً لأن كليهما اتخذ فلسطين ساحة لتنفيذ أحلامه، نجد أن الوجدان الصهيوني منشغل إلى أقصى حد بالمشروع الصليبي، وخصوصاً أن الصليبيون قد رحلوا ولم يتركوا شيئاً خلفهم سوى بعض القلاع التي يزورها السائحون ويدرسها علماء الآثار من الإسرائيليين والعرب. ويحاول الدارسون الصهاينة أن ينظروا إلى مشروع الصليبيون من منظور ما يسمونه (التاريخ اليهودي) وكأن حملات الصليبيون جُرِّدت بالدرجة الأولى ضد اليهود، تماماً مثلما يمنحون الجماعات اليهودية مركزية في كل الأحداث التاريخية. وتتحدث الكتابات الصهيونية الإسرائيلية عن ضحايا حملات الصليبيون وكأنهم الضحايا الوحيدون، بل تدَّعى بعضها دوراً يهودياً مستقلاًّ في صد الصليبيون، وهو الأمر الذي يتنافى تماماً مع حقائق التاريخ. ولكن أهم جوانب الاهتمام الصهيوني الإسرائيلي بالكيان الصليبي هو دراسته من منظور الصراع العربي الإسرائيلي، بمعنى عَقْد الدراسات المقارنة في مشاكل الاستيطان ومشاكل الموارد البشرية والعلاقات الدولية فضلاً عن محاولة فَهْم عوامل الإخفاق والفشل التي أودت بالكيان الصليبي. وهناك من يهتم بدراسة المقومات البشرية والاقتصادية والعسكرية للكيان
стр. 958
الصليبي، ومن يهتم برصد العلاقة بين هذا الكيان والكيان الأوربي المساند له. وقد وجَّه فريق من الباحثين اليهود اهتمامه لدراسة مشكلات الاستيطان والهجرة (١).
فالباحثون الاسرائيليون يولون الصليبيات عناية فائقة، لانهم يرون فيها الحركة الرائدة والتجربة السالفة. فالغزو الصهيوني يشبه في غزوه واحتلاله الغزو الصليبي، لهذا فإنهم يهتمون بالمشكلات التى واجهت الصليبيات، الامن، الاستيطان، والعمائر والمستوطنات الحربية، ونقص في الطاقات البشرية، ويدرسون الموقف في الشرق العربي الإسلامي. وهناك فرق عمل كاملة في الجامعات العبرية تخصصت في دراسة الحروب الصليبية، يهوشع بروار، وميرون بنفينستي، وبنيامين اربل، وآرييه جرابوس، ويأتيل كاتزير، والقائمة طويله، يكتبون بالعبرية والانجليزية والفرنسية والالمانية والايطالية والروسية، ويتابعون ما ينشر عن الصليبيات في العالم اجمع. ويشاركون في الجمعيات العلمية المهتمة بدراسة الصليبيات مثل جمعية دراسة الحروب الصليبية والشرق اللاتيني بانجلترا، الصليبيات في حد ذاتها لا تهمهم، وانما يهتمون بها لكونها نقله بين الحركة الصهيونية والمستقبل، ولاسقاط التاريخ على الواقع المستقبلي.
ودرسوا القلاع الصليبية ونظم التحصيين الصليبي في مرتفات الجولان، وحللوا رحلات الحجاج والتغيير في الرؤية للارض المقدسة، درسوا الجغرافيا التاريخية لفلسطين ابان الحروب الصليبية، وتاريخ اليهود والاحياء اليهودية والاستيطان الصليبي، والاقطاع وقوانين الادارة والتجارة والحدود، والسقوط المفاجئ لمملكة بيت المقدس، وطرد آخر بقايا الصليبيين غذاة سقوط عكا، هذه المسألة في الماضي، وممتدة في المستقبل. فالاسرائيليون يتحسسون في الصليبيات مصير الغذ. ولهذا ففد شغلت الحروب الصليبية عدداً كبيراً من العلماء والباحثين في اسرائيل، حتى اصبحت الجامعة العبرية من أهم مراكز الأبحاث الصليبية في العالم يستخرجون
стр. 959
العبر من دراسة تلك التجربة التاريخية الحية لمجتمع أجنبي حل في البلاد المقدسة، واستقر فيها قرابة قرنين من الزمن (١).
وهنا لا يجوز بحث موضوع الدراسات الصهيونية للحركة الصليبية دون الاشارة إلى يهوشع برافر عميد الدراسات الصليبية. وهو المؤسس الأول لهذه الدراسات، حيث تتميز دراساته بأنه أول من نظر إلى الحركة الصهيونية على انها حركة استيطانية كولونية. فكتب ابحاثاً رائدة في مشروع الدولة الجديدة، ومهد لتلاميذه الذين اصبحوا زملاءه فيما بعد، سبل البحث في كيان الدولة ومؤسساتها وطبيعة الحكم فيها والاسس التشريعية لهذا الحكم، ونظامها العسكري، وتطور مفهومها الأمني وتأثير العوامل الجغرافية، كالصحراء على الاعتبارات الاستراتيجية، وطبيعة علاقة الصليبيين بالسكان المحليين المدعوين بالاقليات من مسلمين ومسيحيين شرقيين ويهود، وبدو، واسماعيلية، وموارنه بكثير من التفاصيل ... ودرسوا الحياة الفكرية والعقلية في تلك الفتره ... وقد ركزوا أيضاً في الدراسات الإسلامية، اذ درسوا الوضع السياسي والاجتماعي المعاصر في المجتمع العربي الإسلامي، والحياة العقلية والفكرية والادب والاشعار والامثال الدارجة في تلك الفترة ثم بحثوا في فكرة الجهاد وفاعليتها في تحريض المسلمين على القتال. كما درسوا طبيعة الحكم والعلاقات الطبقية والتجارية والزراعية ومدى انعكاس هذه العوامل على الدولة الصليبية.
وليس ادل على نشاط العلماء الاسرائيليين في هذا المجال هو كثرة عضويتهم في (جمعية دراسة الصليبيات والشرق اللاتيني) ومركزها بريطانيا، اذ ينضم الآن إلى هذه الجمعية خمسة وعشرون عالماً وعالمة من اسرائيل من اصل ٢٢٧ من جميع انحاء العالم، مقابل سبعة علماء عرب!! والابحات الصهيونية في الصليبيات على كثرتها تكاد تنحصر في مملكة القدس اللاتينية. ولا تتخطاها الا في النادر لدراسة الامارات الصليبية الاخرى في طرابلس وانطاكيا والرها، وقد يعكس هذا اهتمام الاسرائيليين عموماً بالتركيز في التاريخ غير العربي الإسلامي
стр. 960
لفلسطين، ولكن على اي حال لا يدل على اهتمام علمي مجرد بالوجود الصليبي في الشرق بعامة بل ينحصر ذلك في الكيان الذي قام في الاراضى المقدسة. ويستاء الصهيونيون من مقارنة حركتهم بالحركة الصليبية لما تتضمنه تلك المقارنه من جعل اسرائيل عنصراً دخيلاً على الشرق سيلفظه كما لفظ الدولة الصليبية من قبل. ونعتقد ان تشريحهم للكيان الصليبي يستهدف استخلاص العبر التى تمكنهم من تجنب ذلك المصير، ونرى انهم نجحوا بالفعل في تفادي اخطاء الصليبيين في عدة نواح اساسية (١).
والاهتمام الصهيوني بالحروب الصليبية لا يقتصر على الدوائر الأكاديمية، فنجد أن شخصيات سياسية عامة مثل رابين وديان وأفنيري يهتمون بمشاكل الاستيطان والهجرة. ففي سبتمبر ١٩٧٠، عقد إسحق رابين مقارنة بين ممالك الصليبيون والدولة الصهيونية حيث توصَّل إلى أن الخطر الأساسي الذي يهدد إسرائيل هو تجميد الهجرة، وأن هذا هو الذي سيؤدي إلى اضمحلال الدولة بسبب عدم سريان دم جديد فيها. ويعقد أفنيري في كتابه إسرائيل بدون صهيونية (١٩٦٨) مقارنة مستفيضة بين ممالك الصليبيون والدولة الصهيونية يخلص فيها إلى أن المقارنة درس لابد أن يتعلم منه الصهاينة، فإسرائيل مثل ممالك الصليبيون مُحاصَرة عسكرياً لا لأن هذا هو المصير الموعود (الذي لا مفر منه) كما يتصور بعض الصهاينة، وإنما هي مُحاصَرة عسكرياً لأنها تجاهلت الوجود الفلسطيني ورفضت الاعتراف بأن أرض الميعاد يقطنها العرب منذ مئات السنين.
وقد عاد أفنيري إلى الموضوع، عام ١٩٨٣، بعد الغزو الصهيوني للبنان، في مقال نشر في (هاعولام هزاى) بعنوان (ماذا ستكون النهاية) فأشار إلى أن ممالك الصليبيون احتلت رقعة من الأرض أوسع من تلك التي احتلتها الدولة الصهيونية، وأن الصليبيون كانوا قادرين على كل شيء إلا العيش في سلام، لأن الحلول الوسط والتعايش السلمي كانا غريبين على التكوين الأساسي للحركة. وحينما كان جيل جديد يطالب بالسلام كانت مجهوداتهم تضيع سدى مع قدوم تيارات جديدة من
стр. 961
المستوطنين، الأمر الذي يعني أن ممالك الصليبيون لم تفقد قط طابعها الاستيطاني. كما أن المؤسسة العسكرية الاقتصادية للفرنجة قامت بدور فعال في القضاء على محاولات السلام، فاستمر التوسع الصليبي على مدى جيل أو جيلين. ثم بدأ الإرهاق يحل بهم، وزاد التوتر بين المسيحيين الصليبيون من جهة وأبناء الطوائف الشرقية من جهة أخرى، الأمر الذي أضعف مجتمع الصليبيون الاستيطاني، كما ضعف الدعم المالي والسكاني من الغرب. وفي الوقت نفسه، بدأ بعث إسلامي جديد، وبدأت الحركة للإجهاز على ممالك الصليبيون، فأوجد المسلمون طرقاً تجارية بديلة عن تلك التي استولى عليها الصليبيون. وبعد موت الأجيال الأولى من أعضاء النخبة في الممالك، حل محلهم ورثة ضعفاء في وقت ظهرت فيه سلسلة من القادة المسلمين العظماء ابتداءً من صلاح الدين ذي الشخصية الأسطورية حتى الظاهر بيبرس. وظل ميزان القوى يميل لغير صالح الصليبيون، كما لم يكن هناك ما يوقف هزيمتهم النهائية. وقد ترك هذا الحدث التاريخي بصماته وآثاره في وعي شعوب المنطقة حتى اليوم (١).
كما انعكس هذا الاهتمام الصهيوني بفترة الحروب الصليبية على مجال الادب حيث تعددت الاعمال الادبية العبرية التي تربط بين المشروعين الصليبي والصهيوني، وذلك لكونهما يتخذان من الغيبيات ذريعة للاستيلاء على فلسطين بغرض زرع كيان غريب فيها. ومن الادباء من لجأ إلى تلك الاحداث بغرض تذكير القارئ العبري بالمصير المؤلم الذي انتهت اليه الحملات الصليبية بعد ان لفظتها المنطقة، من منطلق التلميح إلى ان هذا هو ما يمكن ان يكون ايضاً مصير الدولة العبرية. وأما البعض الآخر، فقد لجأ اليه بغرض لفت نظر القارئ إلى الأخطاء التى ارتكبها الصليبيون، والتي يتحتم على الكيان الجديد أن يتحاشاها حتى يجنب نفسه التعرض للمصير نفسه (٢).
ولو تأملنا الابحاث الصهيونية في الصليبيات فإننا سنجد، انها على كثرتها - تنحصر- كما نبه إلى ذلك الدكتور شاكر مصطفى - في نقطة وحيدة هي: "كيف تم
стр. 962
طرد الصليبيين من هذه البقاع نفسها التي يحتلونها". لهذا لا يهمهم بحث ما قتله الغربيون بحثاً. ولكن تهمهم الرمال المتحركة تحث الغزاة في فلسطين (١). وهذا يعني ان الموقف اليهودي من الحركة الصليبية نابع من ادراكهم حقيقة الوظيفة الحضارية للتاريخ كعلم، فهم يدرسون تاريخ الحركة الصليبية مع التركيز في الوجود اللاتيني في ارض فلسطين، وطبيعة علاقات الصليبيين بشعوب المنطقة وعوامل النجاح التى حققت لهم الانتصارات الأولية، ثم عوامل الفشل والاخفاق التى ادت إلى رحيل الصليبيين من المنطقة العربية ونهاية دولتهم .... فالتشابه بين التجربتين الصليبية والصهيونية هو الذى يغرى الكثيرين من الدارسين اليهود بدراسة تاريخ الحركة الصليبية، وتسخير نتائج دراساتهم في دراسة مستقبل الكيان الصهيوني (٢). وهنا فإن الصهيونيون يستاءون من مقارنة حركتهم بالحركة الصليبية لما تتضمنه تلك المقارنه من جعل اسرائيل عنصراً دخيلاً على الشرق سيلفظه كما لفظ الدولة الصليبية من قبل (٣). والواقع أن اهتمام المستوطنين الصهاينة بممالك الصليبيون تعبير عن إدراك أوَّلي لطبيعة دورهم في المنطقة كدولة وظيفية تكون مجرد أداة في يد قوى عظمى خارجية، وهو إحساس يشوبه قسط كبير من القدرية والعدمية الناجمة عن إحساس الأداة بأنها لا تمتلك ناصية أمورها ولا تسيطر على مصيرها أو قدرها (٤).
مواجهة الهجمة الصليبية الجديدة
من العرض السابق يتضح لنا حجم التشابه بين الحملة الصليبية في الماضي والحاضر، وهذا يعنى ان المسلمون عندما يربطون اليوم، الإمبريالية الغربية والحملات التبشيرية المسيحية بالصليبيين، فإنهم ليسوا علي خطأ فيما ذهبوا إليه.
стр. 963
فعندما وصل الفرنسيون إلي دمشق، سار قائدهم في موكب إلي ضريح صلاح الدين في المسجد الكبير وصرخ قائلاً بالفرنسية ما معناه بالعربية (يا صلاح الدين ـ لقد عدنا). وعندما وصل الجنرال اللنبي إلي القدس عام ١٩١٧، أعلن أن الحملات الصليبية قد انتهت، وهو بإعلانه انتهاء الحروب الصليبية فقد وضع في فلسطين أسس نظام تمييز عنصري يقضي بفصل الأهالي الأصليين في مناطق معزولة، مولداً بذلك الكراهية والحروب التي كان صلاح الدين قد وضع حداً لها منذ عام ١١٨٧ وحتى عدة قرون من بعده وذلك حين دخل منتصرا إلى القدس فأعاد فتح المعابد اليهودية والكنائس المسيحية (١).
وهنا يجب ان نؤكد ان المسلمون يؤمنون إيماناً مطلقاً بأن الإسلام سيجدد نفسه وينجب صلاح الدين الجديد الذي سيحرر القدس حتي بعد ٢٠٠ سنة من الآن. فقد كانت التجربة الأولي لمسلمي المشرق مع المسيحيين في الغرب خلال الحروب الصليبية عام ١٠٩٩، عندما احتل الصليبيون القدس وذبحوا حوالي ٣٠ ألف مسلم ويهودي في المدينة التي تحولت من مدينة مقدسة مزدهرة إلي بركة من الدماء نتنة الرائحة. وتمكن المسلمون المشتتون من إعادة توحيد صفوفهم وتحرير المسجد الأقصى وتحقق النصر. وهنا فإن المسجد الاقصى يجسد النصر الذي احرزه المسلمون على الصليبيين بريادة عماد الدين زنكي الرائد الأول لقيادة المسلمين إلى قتال الصليبيين في العراق وغيرها من الحدود المتاخمة لهم. ثم تبعه- ولكن بصورة أكثر واشرس- القائد الرباني نور الدين زنكي، الذي صنع منبراً للمسجد الأقصى الاسير، متفائلاً وموقناً بنصر الله للمسلمين. ثم توجت هذه الانتصارات بالقائد المظفر البطل صلاح الدين الايوبي الذي وحد الجبهتين (المصرية والشامية) ضد الغزو الصليبي المتمركز في تلك البلاد حت انتصر في المعركة الفاصلة (حطين) سنة ٥٨٣ هـ (١١٨٧م) (٢).
стр. 964
ونعتقد ان هذا الامر يمكن ان يتكرر لو تمكن المسلمون من وضع الهجمة الصليبية الجديدة في اطارها الصحيح كما فعل اجدادنا الاوائل، الذين لم ينتصروا الا بعد ان استطاعوا فهم طبيعه هذه الهجمة وطبيعة الرد المطلوب عليها. فالبرغم من ان نظرة الاوربيين للحملات الصليبية الأولى كانت نظرة دينية لاسترجاع القبر المقدس من ايدى المسلمين، الا انه في المقابل كان المؤرخون المسلمون الذين كتبوا عن الحروب الصليبية- في بدايتها- يرونها حملات عسكرية توسعية اقتصادية ولم يربطوها أبدا بالدين المسيحي، كما هو الوضع الآن. غير ان الامر اختلف كلياً مع ظهور عماد الدين زنكي الذي بدأ حملة مضادة لمواجهة الصليبيين، واستعيدت من جديد قيم الجهاد وأفكاره لتجميع المسلمين في مواجهة الصليبيين، وتحولت الحرب لدى المسلمين من علمانية للتحرير والدفاع إلى حرب ممزوجة بالكرامات الدينية، وتصاعدت الوتيرة الدينية للحرب بمجيء محمود نور الدين زنكي بعد مقتل أبيه عماد، فقد كان محمود بخلاف أبيه متديناً (١). ونعتقد ان مواجهة الصليبيون الجدد يكون من خلال وضع هذه الهجمه في اطارها الصحيح من حيث اهدافها وطبيعتها، وكيفية مواجهتها وهذا ما حاولناه في هذا الكتاب.
من هم الصليبيون الجدد .. ؟
اول خطوة في المواجهة هي تحديد المفاهيم وبالذات المقصود بـ (الصليبيون الجدد) حتى لا يختلط علينا الامر. فمواجهة المسيحية الصهيونية بما تشكله من خطر على المنطقة والعالم، يتطلب حشد كافة الامكانيات والجهود الخيره في العالم. ولكن نظراً لارتباط تسميتها بالمسيحية فإنه من الضروري ازالة هذا اللبس، وفصل الحب عن القشور، حيث يعتبر ذلك الخطوة الأولى في المواجهة. فكما وضحنا خلال هذا الكتاب وفي مناطق مختلفة الفروقات بين الطوائف المسيحية المختلفة في نظرتها إلى العلاقة باسرائيل والنبوءات التوراتية، وهو امر مهم حتى لا تختلط علينا الامور. فنحن لا نهدف إلى القول بأن كل مسيحيي العالم يؤمنون بخرفات الصهيونية المسيحية، بل إن هذا الأمر مقصور فقط على اتباع المذهب البروتستانتي الذين
стр. 965
ينتشرون في أمريكيا وبريطانيا وبعض الدول الأوربية، أما الطوائف المسيحية الأخرى - كاثوليك وارتوذكس - فلا يؤمنون بالتفسيرات والنبوءات التوراتية الخاصة بإسرائيل كما وردت في الكتاب المقدس، ولهم موقفهم الخاص من اليهود وإسرائيل، والذي يصل إلى حد العداء، وليس أدل على ذلك من أن البابا بولس السادس بابا الفاتيكان السابق وراعى الكنيسة الكاثوليكية - اكبر الكنائس المسيحية في العالم - رفض كثير من المواقف الإسرائيلية. كما إن الكنيسة الارتوذكسية لها موقف اكثر حدة من اليهود، حيث يرفض اتباعها الذين ينتشرون في روسيا واليونان والدول العربية مواقف إسرائيل المختلفة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي. وفي الازمه التي مرت بها المنطقة، بسبب الحرب على العراق دعت الكنيستان الكاثوليكه والارتوذكسية إلى تجنب نزاع بين المسيحية والإسلام حيث جاء هذا على لسان البابا يوحنا بولس الثاني، والبطريرك اليكسى الثاني رأس الكنيسة الارتوذكسية.
فالصليبيون الجدد الذين نتحدث عنهم هنا هم اتباع المذهب البروتستانتي الذي ظهر مع ما سمى بحركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، حيث يأخذ اتباع هذا المذهب بالتفسير الحرفي للإنجيل، وقاموا بالسعى من اجل تحقيق كافة النبوءات الواردة فيه والخاصة باليهود ودولة إسرائيل، ولا يزالون حتى هذه اللحظة يعدون العدة لتنفيذ باقي النبوءات والخرافات التوراتية وبالذات فيما يتعلق بمدينة القدس والمسجد الأقصى، ومعركة هرمجيدون.
أما بالنسبة لموقف المسيحيين العرب، فلا مجال هنا للمس بهم وبمواقفهم المشرفة عبر التاريخ وبنضالهم في سبيل نصرة قضايا أمتهم العربية وعلى رأسها قضية فلسطين، حيث شاركوا بكل قواهم في التصدي للخطر الصهيوني سواء بدمائهم أو بأقلامهم التي كانت لها صولات وجولات في فضح الخطر الصهيوني والتصدي له من خلال كتابات ومواقف كثيرة، ونخص بالذكر هنا موقف الكنيسة القبطية المصرية وعلى رأسها قداسة البابا شنوذة الذي اصدر أوامره إلى اتباعه بعدم زيارة مدينة القدس ما دامت تخضع للاحتلال الإسرائيلي هذا بالرغم من وجود اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل، كما أن البطريرك الماروني نصر الله صفير قال
стр. 966
تعليقاً على حرب أمريكيا على أفغانستان وبعض دول المنطقة: إن المسيحيين في لبنان جزء من الشرق، وان الاعتداء على هذا الشرق اعتداء على المسيحية.
وفي مقال رائع في جريدة الخليجبعنوان (المسيحيون ملحُ العروبة) كتب محمد خالد موضحاً العلاقة الازلية بين العرب مسلميين ومسيحيين قائلاً: الإسلام هو المشروع الحضاري التاريخي للعرب: مسلمين ومسيحيين، والقبائل العربية المسيحية في جزيرة العرب وبلاد الشام - قبل الإسلام وبعده - كثيرة أشهرها عشرة: تغلب، تميم، غسان، منذر، إياد، قضاعة، طيء، مذحج، ربيعة، وحنيفة. ومن القبائل المسيحية المعاصرة آل رحباني في لبنان. ولولا مشاركة هذه القبائل لما تم فتح بلاد الشام ولا تمت هزيمة الامبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، ولاحقاً جوهرة التاج العربي: مصر. وقبل الإسلام وبعده كان هناك مئات الألوف من الشعراء والأدباء والمفكرين والفلاسفة والقادة ورجال الدولة المسيحيين الذين ساهموا في بناء الحضارة العربية الإسلامية عبر العصور منذ الجاهلية وصدر الإسلام والدولة الأموية والعباسية والأندلس حتى يومنا هذا. ومن التاريخ الحديث أمثلة كثيرة. من مصر يأتي حدثان: الأول عند نهاية القرن التاسع عشر، قدم من روسيا الأرثوذكسية مندوب وقابل بابا الأقباط وعرض عليه حماية الكنيسة الروسية لمسيحيي مصر، فسأله بابا مصر: هل يموت بطريرك روسيا أم يخلد؟ فأجابه المبعوث: طبعاً يموت. فقال البابا كلمته المشهورة: "لقد اسلمنا أمرنا للذي لا يموت". ومن مصر أيضاً يقف البابا شنودة عملاقاً وهو يرفض جميع الضغوطات الخارجية للسماح لاقباط مصر بالحج إلى القدس قائلاً ندخل القدس المحررة مع اخوتنا العرب المسلمين.
ومن سوريا يذكر العرب فارس الخوري وقسطنطين زريق والشهيد جول جمّال الذي باستشهاده أغرق المدمرة الاسرائيلية ايلات. ومن حلب جاء مار مارون إلى لبنان وجدُّ الشاعر سعيد عقل ومعظم العائلات المارونية. ومن أجمل الصور ان هناك مقاماً مسيحياً إلى الآن في داخل المسجد الأموي يؤمه اصحاب النذور من مسلمين ومسيحيين. كما ان المسجد الأموي بقي مكاناً للصلاة المشتركة بين المسلمين والمسيحيين لمدة ٨٠ عاماً.
ومن الأردن يعبر نايف حواتمة جسر العودة ليناضل في فلسطين. ويكتب الأديب غالب هلسا أجمل ما قيل في الغربة: "لقد عثرت على وصف دقيق للاغتراب
стр. 967
هو ان تعيش خارج مصر" .. هذا غزل رائع في الأوطان يذكرنا بغزل عمر بن ابي ربيعة في النساء. وفي فلسطين ومنذ سلّم القس المبجل صفرونيوس مفاتيح القدس للخليفة عمر بن الخطاب قبل ١٤٠٠ سنة والبرتقال اليافاوي يفوح عطراً ويتعتق الزيتون الروماني عاماً وراء عام. بعض البرتقال الفلسطيني والزيتون له اسماء مثل المطران هيلاريون كبوجي ويوسف بيدس وادوارد سعيد وعطاالله حنا وجورج حبش ووديع حداد وعزمي بشارة والمؤرخ هنري كتن وحنان عشراوي واميل حبيبي وسلفادور عرنيطة والاخوة صايغ (فايز ويوسف وأنيس).
وفي لبنان هناك مقبرة في بيروت اسمها مقبرة الشهداء يدفن فيها الفلسطيني المسلم والمسيحي من دون النظر إلى جوازي سفرهما .. ففيها دفن الشهداء الثلاثة كمال ناصر وكمال عدوان وابو يوسف النجار، فقد كانوا متساوين فوق الأرض ومتساوين تحتها. وفي لبنان يحلو للبعض ان يعتبر - تحبباً - ان المسيحي اللبناني (غير شِكل) .. الحقيقة انه شكل مثل غيره. وينهمر العطاء بدءاً من رهبان الأديرة الذين حفظوا اللغة العربية والتراث وأثروها نسخاً وترجمة وابداعاً وصولاً إلى جيش المبدعين من انطون سعادة وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأبو محمد (مارون عبود) وجورجي زيدان وبشارة الخوري (الأخطل الصغير) وفيليب حتي وصولاً إلى بول غيراغوسيان ومرسيل خليفة وخليل حاوي والشاعر القروي وأمين الريحاني وبشارة واكيم والرحابنة وايليا أبوماضي وهرم لبنان الثالث: فيروز وآل معلوف والحبل على الجرار (١).
إن هذه الإشارة وهذا التوضيح كان ضرورياً لبيان العلاقة الاخوية والمصيرية بين المسلمين والمسيحيين العرب وحتى لا يعتقد البعض أننا نهدف إلى تصعيد الصراع بين المسيحية والإسلام، في وقت حقق الحوار بين الإسلام وممثلي الكنائس المسيحية الارثودكسية والكاثوليكية تفاهم واتفاق حول كثير من الأمور، والذي نتمنى أن يستمر للوصول إلى تعايش وتعاون مثمر بين اتباع الديانتين، بعيداً عن محاولات التهويد المنظم التي تخضع لها الفرق المسيحية البروتستانتية. كما أن هذا التوضيح كان ضروريا حتى لا يوضع المسيحيون العرب موضع الاتهام عن جهل أو
стр. 968
سوء نية، فالتعايش المسيحي الإسلامي في عالمنا العربي سيظل شاهداً على التسامح والتعاون المثمر بين الأديان بالرغم من كل المحاولات التي يقوم بها أعداء امتنا العربية من اجل تعكير صفو هذا التعايش الذي جعل اللورد كرومر يقول: انه لم يلحظ في مصر أي فرق بين مسلم ومسيحي سوى أن الأول يصلي لله في مسجد والثاني يصلي لله في كنيسة (١).
فهذا الكتاب ليس موجهاً ضد المسيحية ولا يضعها في قفص الاتهام، فهذا بعيد كل البعد عن الغاية التى يسعى اليها، هذا بالرغم من ان العنوان يجعل القارئ يظن للوهلة الأولى ان جميع المسيحيين صهيونيون. في حين ان المسيحية ليست هذا ابداً. وهي بعيدة كل البعد عن الصهيونية كما انها تتنافى قطعاً مع اليهودية. المسيحية، هى انجيل المسيح واعمال الرسل كما هو الإسلام القرآن والسنة. فالمسيحية بمفهومها ومبادئها هي شمولية والى جميع البشر، وليس شعب معين أو عرق معين، فهي محبة وتضحية ورجاء ودعوة إلى السلام والمساواة. فالعدائية غير موجودة في المسيحية، فهي دعوة إلى الحرية والديمقراطية الداخلية في ذات الانسان والخير المطلق لكل شعوب الارض، تنفي الخوف، وتصر على العطاء، اعطاء الانسان الامل والرجاء والفرح. في حين اليهودية الصهيونية هي مجموعة مصالح لشعب معين اختار نفسه ليكون شعب الله المختار، كما انها حركة عنصرية تسعى إلى هدم المسيحية، وتعتبر الله خادم الشعب اليهودي، في حين ترى المسيحية ان الله من الازل والى الازل، والانسان ولد في مرحلة معينة ويستمر في الروح مع الله إلى الازل (٢).
فالصليبيون الجدد الذين نتحدث عنهم هم اتباع الكنيسة البروتستانتية اليمينية المتطرفة وبالذات في أمريكيا وبريطانيا، الذين حولوا المسيحية من دين محبه وسلام إلى دين بطش وارهاب وقتل، ولهذا فان من واجب دول العالم إقامة تحالف مشترك ضد هذه الهلوسة والخرافات، التي قادت العالم إلى حروب مدمره خلال هذا القرن. وهذا التحالف يجب أن يكون إسلامي مسيحي بوذي هندوسي
стр. 969
وعلماني ... الخ لوضع حد لهذه الخرافات التي تحكم تفكير اكبر دوله في العالم. كما إن علي هذا التحالف مهمة شاقه وطويلة من اجل ترويض هذا التفكير العدمى، ليس فقط من اجل حماية العالم، بل وأيضا لحماية أمريكيا من نفسها (١).
فالمقصود بمواجهة المسيحية الصهيونية يعنى في الاساس عزل هذه الظاهرة الشاذة، عن غيرها من المذاهب المسيحية الاخرى كالكاثوليكية والارثوذكسية، وتعريتها، من اجل ازالة اللبس الحاصل من تسميتها بالمسيحية والمسيحية منها براء. فالمسيحية في قيمها ومثلها وتعاليمها تتناقض كل التناقض مع ما تدعو إليه هذه الحركة من تعاليم وما تبثه من قيم، ثم إنها حركة تتهجم على الكاثوليكية وتتطاول على البابا وهي تتنكر ليس فقط للكنائس المسيحية المشرقية وخاصة الارثوذكسيه ولكنها كأي حركة اصوليه دينيه أخرى تعتبر كل من هو خارجها محروما من نعمة الخلاص (٢). وهنا يرى د. جورج صبرا ان إطلاق تسمية الصهيونية المسيحية خاطئ، إذ ليس هناك صهيونية مسيحية بالمعنى اللاهوتي والكنسي، بل هي تسمية سياسيه بامتياز تماماً كإطلاق تسمية الإسلام الإرهابي. فكما أن هناك اناساً يدعمون الصهيونية وإسرائيل باسم المسيحية، هناك أيضا أناس يقومون بأعمال إرهابية باسم الإسلام. فهؤلاء الذين يحملون لواء الصهيونية المسيحية يتحركون وفقا لتفاسير خاصه وبعيدة عن توصيات الكنيسة، وقد اصدر مجلس كنائس الشرق الأوسط في هذا الصدد توصية تدعو إلى عدم استعمال عبارة المسيحية الصهيونية واستبدالها بتسمية الحركات والأحزاب الداعمة للصهيونية باسم المسيحيه (٣). وبالرغم من أهمية الإقتراح السابق، الا ان ذلك لن يحل المشكلة، لان المسيحية موجودة في العبارتين، ولا يستطيع أحد ان ينكر على هذه الفرق،
стр. 970
ادعائها بالإنتماء للمسيح، ولذلك فإنني اعتقد أن الاهم هو زيادة وعي الناس بمواقف الكنائس المختلفة وثأثيرها على المؤمنين في كل مكان، وبذلك لا يقع الخلط.
مواجهة الصهيونية المسيحية
اعتقد اننا بتحديدنا لمفهوم الصليبيون الجدد نكون قد خطونا خطوة كبيرة في مواجهة هذه ظاهرة الصهيونية المسيحية، وسنلاحظ انه من خلال مزيد من التحليل لهذه الظاهرة سنتمكن من عزل مزيد من العوامل التى ستساعد في تضييق الخناق عليها وتحجيمها، ووضع الخطط لمواجهتها. فالرغم من قوة تأثير وفعالية الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، فإن لها معارضين من داخل الكنيسة الإنجيلية نفسها، ومن خارجها، وهي ليست الوحيدة على الساحة، وهذا يعني ان مجال العمل مفتوح لمواجهتها والحد من فعاليتها.
أولا: -المواجهة من داخل الكنيسة الإنجيلية
تتمثل أهم قاعدة للمعارضة الإنجيلية في المجلس الوطني لكنائس المسيح ويضم هذا المجلس ٣٤ طائفة يبلغ عدد أتباعها نحو الأربعين مليون شخص، وتصدر عن هذا المجلس مجلة شهرية تدعى (القرن المسيحي) كما تصدر عنه مجلة شهرية أخرى تدعى (المسيحية والأزمات). ويستقطب المجلس ومجلتاه الإنجيليين الليبراليين الذين يرفضون التفسير الحرفي للكتاب المقدس، كما يرفضون الصهيونية اللاهوتية في الكنيسة. ومن أبرز المواقف السياسية التي اتخذها المجلس الوطني لكنائس المسيح، إعلانه في عام ١٩٧٩ م أن من حق منظمة التحرير الفلسطينية الاشتراك في أي مفاوضات للسلام باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. ويعبر عن هذه المواقف والآراء دوريات أخرى أبرزها، مجلة القيمون وتصدر في واشنطن العاصمة، مجلة الطرف الآخر، وتصدر في فيلادلفيا، ومجلة المصلح، وتصدر في ميتشجان. وهذه المجلات الثلاث تنتقد باستمرار وبشدة الصهيونية المسيحية، وتدعو إلى احترام حقوق الشعب الفلسطيني، وخاصة حقه في تقرير مصيره.
стр. 971
وهناك ايضاً عدد آخر من الكنائس الإنجيلية المتعاطفة مع هذا الخط، ولو بنسب متفاوتة، وهذا يعني أن ثمة طرقاً مفتوحة وجسوراً قائمة للعمل من أجل كبح جماح الصهيونية المسيحية، وعدم الاستسلام لنفوذها العدائي المدمر (١). وللعلم فإنّ العديد من المنظمات المسيحية الأمريكية بدأت تستشعر الخطر الصهيوني على أمريكا نفسها وعلى العقيدة النصرانية, وبدأت تتحدث عن الأخطار المحدقة بالنصرانية كتوجّه عقائدي وسياسي, وقد تدخل هذه التوجهات المسيحية المستيقظة في صراع سياسي مع اللوبي اليهودي في أمريكا لينعكس ذلك تذبذباً على المسار السياسي الأمريكي (٢). واعتقد ان اهم طريقه لمواجهة اتباع الصهيونية المسيحية هو العمل بكل الوسائل على نشر الحقائق عن الصراع الدائر في المنطقة، والعمل على توعيتهم واخراجهم من حالة العزلة والانغلاق الفكرى الذى يسيطر على تفكيرهم، بسبب المعلومات المغلوطة التى يحصلون عليها من الطرف الصهيونى ومن مراجعهم الدينية المشوهة.
ثانيا: المواجهة من خارج الكنيسة الإنجيلية
الكنيسة الكاثوليكية
عرضنا سابقاً لموقف الكنيسة الكاثوليكية من اليهود ودولة اسرائيل، حيث اتضح لنا رفضها لكافة دعاوى اليهود في فلسطين، حيث تعتبر هذه الكنيسة اكبر الكنائس المسيحية في العالم، ومركزها الروحى هو الفاتيكان في روما، حيث ظلت هذه الكنيسة بالرغم من كل الهجمات والمؤامرات التى تعرضت لها من اليهود والبروتستانت، محافظة على التعاليم المسيحية المعروفة التي تتعلق باليهود، والتى تناقض تماماً تحريفات لوثر التى افرخت الاصولية المسيحية. فالكنيسية الكاثوليكية تعتبر من اكبر الكنائس المسيحية انتشاراً وتعداداً، حيث ينتشر اتباعها في كافة ارجاء العالم ويشكلون الغالبية في اوروبا الغربية، باستثناء بريطانيا وهولندا وبعض الدول الاسكندنافية. كما يشكلون الغالبية العظمى في أمريكيا اللاتينية ودول العالم
стр. 972
الثالث. اما استراليا ونيوزيلندا فهما ذات غالبية بروتستانتية انجلوسكسونية. اما أمريكيا وكندا فغالبية سكانها من البروتستانت، وان كان تعداد الطوائف الاخرى يمثل نسبة لا يستهان بها، ولكن الامر المهم هنا هو ان البروتستانت يشكلون الطبقة الحاكمة في هذه الدولة منذ تأسيسها، ولعبوا دوراً كبيراً في تشكيل الفكر والتقافة الأمريكية حتى الآن، والتى انعكست على موقف أمريكا تجاه العالم الإسلامى وقضية فلسطين كما وضحنا.
ولكن بالرغم من هذه السيطره الانجلوسكسونية البروتستانتية على مقاليد الامور في أمريكا، فان هناك الكثير مما يمكن للاقليات الاخرى عمله واحداث التغيير المطلوب، وبالذات الكاثوليك الذين يمثلون ثانى قوة على الساحة الأمريكية. ففي العام ١٩٨٢ نشر الكتاب السنوي للكنائس الاميريكيه - الكندية إحصاء لتعداد التابعين للطائفة الكاثوليكية في الولايات المتحدة فقط، وقد بلغ المجموع الكلي لكاثوليك أمريكا حسب هذا الإحصاء ٥٤.٠٨٨.٧٧٤ مواطناً أمريكياً، ولكن يبدو التأثير الكلي للكاثوليكية وتعاليم الكنيسة على الوضع السياسي التعددي في الولايات المتحدة متواضعاً، بسبب ان الكنيسة الكاثوليكية الأمريكية تهتم دائماً وبشكل خاص، بقضايا تهميش المهاجرين وحقوقهم، وهذا مرجعه جذورها التاريخية ككنيسة مهاجرين. ومن المقدر بحلول عام ٢٠٠٥ أن تصبح نسبة ٥٠% أو اكثر من كاثوليك الولايات المتحدة منحدرة من أصول أسبانية (أمريكا اللاتينية) وكثير منهم لن تكون الإنجليزية لغتهم الأصلية (١). ولا شك ان هذا التغيير سينعكس على الخارطه السياسية الأمريكية في المستقبل إذا امكن تجميع هذه القوه والاستفاده منها. فالكاثوليكية الأمريكية، ككنيسة مهاجرة وسط اغلبية بروتستانتية، ابقت على ارتباطها بالفاتيكان كتعبير عن الهوية حتى لا تكون في وضع هامشي، في مواجهة البروتستانت (٢).
ولا شك إن موقف الكنيسة الكاثوليكية كما هي ممثلة في مركزها التاريخي (الفاتيكان) ظل معادياً لليهود باعتبارهم قتلة المسيح التاريخيين، ثم نشأت
стр. 973
اعتراضات داخل العقيدة الكاثوليكية، تقول بفصل اليهود المعاصرين عما اقترفه العبرانيون القدامى بحق المسيح، ويشبه هذا المنطق ما تعبر عنه الآية الكريمة (ولا تزر وازرة وزر أخرى). ورغم التخفيف الكاثوليكي من لهجة العداء الديني لليهود فان الفاتيكان بشخص البابا بيوس العاشر كان قد أعلن رفضه للدعاوى اليهودية - الهرتزليه في فلسطين فاثر لقاء بين البابا ببوس وتيودور هرتزل في السادس والعشرين من كانون الثاني عام ١٩٠٤ انتهى اللقاء بإعلان فاتيكاني حاسم "إن البابا يعلن معارضته الكلية للحركة الصهيونية وللهجرة اليهودية إلى فلسطين". ومن الطبيعي إن موقف الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة، كان يحذو حذو الموقف لدى الكنيسة الام في روما (١)، وهذا يجعل الكاثوليك مؤهلين للعب دور هام جداً في تغيير السياسة الأمريكية تجاه منطقتنا، بل وتجاه العالم.
ولكى يتم ذلك لابد من حدوث تعاون مثمر مع زعماء الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا، والفئات الاخرى المهمشة مثل العرب والمسلمين، الزنوج والآسيويين، وحتى بعض فئات البروتستانت، وهذا التعاون يهدف في الاساس إلى زيادة ثميل هذه الفئات في الحكومة الأمريكية والكونجرس، وتشكيل قوة ضغط موازية للتيار الاصولى المتعصب لتحجيمه والتقليل من خطره. وربما يقول البعض انه من الصعب الوصول إلى هذا الامر بسبب اختلاف مصالح هذه الاقليات. والرد على ذلك، هو ان اى اختلافات في المصالح لا يجب ان تكون عائقاً في سبيل التصدى لهذا الوحش الذى يهدد الحضارة الانسانية، وقد عرضنا بما فيه الكفايه للخطر الذى يمثله التيار الديني الاصولي الذي يحكم أمريكا الآن على العالم باسره.
وسبب تركيزنا على الكاثوليك، هو انهم اقدر الجماعات على التصدى لهذا الخطر، وبالذات بالنظر إلى الدعم الذى سيتلقونه من الدول الكاثوليكية في اوروبا وأمريكا اللاتينية، والتي بدأت تنظر بحذر لعلاقاتها مع أمريكا بسبب علاقاتها المريره معها والتى عرضنا لجزء منها في السابق، والاهم من ذلك هو انهم سيساهمون وبدرجة كبيرة في وقف التهويد المنظم للمسيحية. فالقاعدة المسيحية الكاثوليكية الأمريكية لا تزال محافظة على مبادئها اللاهوتية، ولا تزال متمسكة
стр. 974
بالثوابت الفاتيكانية، ولا زال للفاتيكان تأثير على الدور السياسي للكاثوليك، حيث أن للكنيسة والقساوسة تأثيراً يفوق أحياناً الساسة العلمانيين. فقد حجب الكاثوليك اصواتهم عن روزفلت عندما طلب منهم القساوسة ذلك. وتحت تأثير الكنيسة تكتلوا في انتخابات عام ١٩٦٠ خلف المرشح الديمقراطي الكاثوليكي جون كيندي (١). وهذا يعني أن المجال مفتوح لعمل إسلامي - كاثوليكي مع الفاتيكان مباشرة ومع الكتيسة الكاثوليكية الأمريكية، من أجل بلورة جوامح مشتركة ضد الصهيونية المسيحية وأهدافها في فلسطين والمنطقة العربية. ويؤكد إمكان هذا العمل وقائع الإجتماع الذي عقده الكاردينال كوك في بيروت مع عدد من أعضاء مجلس النواب اللبناني، فقد توجه الكاردينال إلى الأعضاء المسيحيين منتقدا بشدة الإتصال المسيحي اللبناني مع إسرائيل، وقال لهم:"إن الولايات المتحدة هي أكبر دولة في العالم، لم تتمكن من التعامل مع إسرائيل على قاعدة الأخذ والعطاء، فإسرائيل تأخذ ولا تعطي" وحذرهم من أن الاتصال الذي تم مع إسرائيل يمكن أن يكون خطأ، ولكن إذا تكرر أو تواصل فإنه يصبح جريمة (٢).
الكنيسة الأرثوذكس
الأرثوذكس هم أتباع الكنيسة الشرقية التي كان مقرها في القسطنطينية، حيث ينتشر أتباعها في البلاد العربية واليونان وروسيا والبلقان. "وقد انفصلت هذه الكنيسة عن الكنيسة الكاثوليكية أيام ميخائيل كارولا ديوس بطريرك القسطنطينية في عام ١٠٥٤م، وهي الآن مؤلفة من عدة كنائس متفرقة" (٣). وأسباب انقسام الكنيسة إلى شرقية وغربية "يرجع إلى تساهل كنيسة روما (٤) الكاثوليكية - لتجذب لها الجرمان واللادينيين - فأحلت لهم أكل الدم المخنوق وأباحت للرهبان أكل دهن الخنزير وغير ذلك من الأمور التي لم تقبلها الكنائس
стр. 975
الشرقية" (١). ويمكن اجمال اسباب الانفضال في سبب واحد وهو الخلاف بين الروح الشرقية التي تميل إلى التوحيد والروح الغربية التي تميل إلى التعدد، حيث انعكس هذا الخلاف على عقيدة كلاً الكنيستين حول طبيعة المسيح والروح القدس وغيرها من الأمور. فالكنيسة الأرثوذكسية تقول أن للمسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، أما الكاثوليك فيقولون أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين، أي أن آثار التوحيد التي انفطر عليها الشرقيون واضحة في عقيدة هذه الكنيسة، بعكس الكنيسة الكاثوليكية التي تأثرت بالحضارة اليونانية والرومانية فمالت إلى التعدد. "وهذا الجدل اللاهوتي هو الذي يتيح لنا أن ندرك سبب الاستجابة السريعة إلى الإسلام من قبل الاريوسيين الذين وجدوا في الإسلام صدى لعقيدتهم، فحينما ظهر الإسلام كان رفضه لالوهية المسيح هو الامر الجوهري الذي تمركزت حوله الوان الجدل مع الكنيسة في فلسطين وفي البلدان التي اخذت بمذهب اريوس أو بمذهب تابعه نسطور.
والتوحيد في الإسلام كما هو لدى اريوس يرفض فكرة التثليث (الاقانيم الثلاثة) التي صيغت بمنطق الثقافة اليونانية في مجمع نيقية" (٢).
والكنيسة الأرثوذكسية تتخذ موقفاً مناهضاً للصهيونية المسيحية على قاعدة الدفاع عن العقيدة المسيحية في الدرجة الأولى. ويعكس هذا الموقف البيان الذي أصدره (مجلس كنائس الشرق الأوسط) عن الحركات الإنجيلية الغربية الجديدة حيال الشرق الأوسط والذي أكد فيه على: "أن التعاظم المفاجئ في نشاط الحركات الإنجيلية الغربية وعددها، وفي نشاط المراسلين العاملين في الشرق الأوسط، هو مسألة تهم كنائس المنطقة ومجلس كنائس الشرق الأوسط. ففيما نجهد لاستعادة وحدتنا في المسيح، تعترينا مخاوف من أن بعض هذه المجموعات تحدث أثراً انقسامياً، فبعضها لا يعترف للكنائس في الشرق الأوسط بتاريخها وشهادتها ورسالتها الخاصة، وبعضها الآخر يصر على زرع رؤية لاهوتية غريبة على ثقافتنا، بل أن اختلاط المفاهيم أحدث قلقاً، وبخاصة بين الإنجيليين والأسقفيين من أعضاء مجموعة كنائس المجلس الذي نجحوا في آداء شهادة أصلية وملائمة ثقافياً".
стр. 976
ويضيف البيان بالقول: "أن بعض هذه المجموعات والحركات تتميز بسمات جديدة وفريدة تنذر بنسف الشهادة المسيحية، لا في الشرق الأوسط فقط، بل في مواطن هذه الحركات أيضاً، وهذا يلقي على كاهل كنائس تلك البلاد مسئوليات معينة، بخاصة في الولايات المتحدة حيث نشأت هذه الحركات. ولا حاجة إلى القول أن أي جماعة لا تستطيع التحدث نيابة عن كنائس مسيحيي الشرق الأوسط إلا كنائس هذه المنطقة، ولما كان مؤتمر بال (١) قد حاول ذلك، فإنه يتعين علينا أن نرفض علناً مقرراته وتوصياته.
إننا نعاود إعلان الإلتزام بالعدالة والسلام في الشرق الأوسط وفي العالم، ونعتبر التزامنا هذه هو إعراب عن إخلاصنا لإنجيل يسوع المسيح وعن اهتمامنا الأكيد بالمتألمين والمحرومين من حقوقهم الأساسية" (٢).
فهذا الوقفه التي وقفها مجلس كنائس الشرق الاوسط، تعبر في الاساس عن انتماء اصيل لهذه المنطقة، بالاضافة إلى انتماء لا يقل اصاله لرسالة السيد المسيح التي تخضع الآن للتهويد المنظم على يد اليمين المسيحي المتطرف. وقد وضح الاستاذ سمير مرقص الدور الذي مارسه اليمين المتطرف لتلويث المسيحية، حيث ذكر "أن هذه المحاولة لتشويه ديانة المسيح جاءت من خلال الإيمان المسيحي بفكرة أن الله جاء لفئة محدده وهي شعب الله المختار، وهي فكرة فاسده ترفضها المسيحية في جوهرها كما يرفضها الإسلام" (٣).
الكنائس العربية
يمكن للكنائس العربية ان تلعب دوراً مهماً في مواجهة المسيحية الصهيونية، باعتبار ان المسيحية نشأت في المنطقة العربية، وتضم بين جنباتها اهم الاماكن المقدسة المسيحية التى يحج اليها المسيحيون من كل مكان في العالم، مما يعنى وجود فرصة كبيره امام الكنائس العربية لتوضيح الحقائق وفضح المخططات العدوانية للصهيونية المسيحية، وهذا ما قامت به كثير من الكنائس العربية حتى الآن وبنسب متفاوته، كالكنيسة القبطية المصرية والكنائس الكاثوليكية
стр. 977
والارثوذكسية. ففي موقف واضح وعلني ضد الصهيونية المسيحية، صدر عن السيد (غيربال حبيب) الأمين العام للجنة التنفيذية لمجلس كنائس الشرق الأوسط بيان، ادان فيه "سوء استخدام الكتاب المقدس وإثارة المشاعر في محاولة لتبرير خلق دولة ما - إسرائيل - ولتشريع سياسات حكومة ما- الحكومة الإسرائيلية". وارفق هذا الموقف المبدئي بدراسة لاهوتية - تاريخية تسفه الصهيونية المسيحية وتؤكد اعتبارها خطرا على المسيحية، وتدعو الدراسة " كنائس الشرق الأوسط إلى تذكير المسيحيين في العالم باستمرار إلى أنهم يرفضون الأيدلوجية والأهداف السياسية للإتجاه الصهيوني المسيحي"، كما تدعو القيادات الكنيسة إلى إصدار البيانات التي تندد بهذا الإتجاه وإلى توعية مستمرة ودائمة في إطار الثقافة الكنسية" (١).
ويضاف إلى ما تقدم ان على الكنائس العربية مهمة اخرى وهي ضرورة حمل رسالة السيد المسيح من جديد وتوضيح مبادئها الحقة والتي تم الابتعاد عنها بل ونقضها بسبب التهويد المنظم للمسيحية على يد حركة الاصلاح الديني. وهنا يقول (إبراهيم متري رحباني)، مؤلف كتاب (المسيح السوري) الذي نشر أول ما نشر باللغة الانجليزيه في الولايات المتحدة الاميركيه عام ١٩١٦ وأعيدت طباعته هناك سبع عشرة مره بين العامين ١٩١٦، ١٩٣٧: "انه لمن الصعب جداً إن لم يكن مستحيلاً، إن يستوعب شعب ما وبشكل كلي، أدباً لم ينبثق من وسط حياته القومية". وهنا يجب ان نسأل إلى أي مدى نجح الغرب عامة، الولايات المتحدة الأمريكيه خاصة بفهم رسالة السيد المسيح؟ ونحن لا نسأل السؤال للمعرفة التي لا تفيد، بل للمعرفة التي ينتج عنها سياسات تحدد اتجاهنا كأمة تقترب من طاولة حوار الحضارات أو ساحة صراعها (٢). وهذا يعنى بأنه لابد من حمل رسالة السيد المسيح مجدداً إلى الغرب وأمريكا بالذات، لتوضيح مبادئها الحقة ولازالة سوء الفهم والتشويه التى تعرضت له هذه الرسالة، وخير من يقوم بذلك هم ابناء هذه المنطقة، وهذا يتطلب دعم كنائس الشرق المسيحية، حيث سيساهم ذلك في حرمان "الهيمنة الأمريكية المفترضة من رداء التدين الزائف الذي يرفعه قادتها. ولو تزايد تأثير دور البابا
стр. 978
شنودة وبابا الفاتيكان ورئيس مجلس الكنائس الانجلية في ابراز الآثار السلبية للهيمنة الأمريكية الاحادية على العالم والسلام الدولي، فلابد وان يحدث هذا تغييراً جوهرياً في عوامل القوة الأمريكية الحالية (١).
كما ان المسيحيين العرب يمكن ان يقوموا بمهمة حلقة الوصل بين الحضارتين العربية والغربية، وهذا ما طرحه (مكسيموس الخامس) حكيم بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الكاثوليك في أثناء زيارته للجزائر في نيسان ١٩٨٧ حيث قال: "العالم العربي - الإسلامي والطوائف العربية - المسيحية وجدت من اجل ان يكمل بعضها بعضاً .. نحن العرب - المسلمين والعرب المسيحيين - كلنا ننتمي إلى جنس واحد. نعبد إلهاً واحداً. ونحن كلنا نجل ونحترم الانبياء جميعاً. أما خلاصنا، فإنه يتجسد في الاعتراف بتلك الاختلافات في القيم، التي تمثل كل جانب، وبإمكان كل جانب اكمال الجوانب الأخرى. ان انفتاح المسيحية على الثقافة الغربية لا يحولها إلى أخ خائن للمسلمين. بل ان هذا الانفتاح يمكن أن يجعل من المسيحية حلقة وسطية بين الحضارتين، بين الثقافتين، بين الديانتين، اللتين تؤمنان برب واحد" (٢).
ولكن ما يعيق هذا المهمة وغيرها ويفشلها في بعض الأحيان، هو ما حدث ويحدث من اضرابات وصراع بين المسلمين والمسيحيين العرب في منطقتنا، والتي تقف ورائها الصهيونية العالمية، حيث اساءت هذه الصراعات لقرون طويلة من التعايش الخلاق بين الجانبين، في جو سادته الاخوة والمحبة. نعم لقد سعى الإستعمار والصهيونية العالمية إلى خلق الفرقة والتشتت في صفوف الأمة العربية، وذلك عن طريق إثارة الفتن الطائفية بين المسلمين والمسيحيين من أجل إتخاذ هذه الفتن ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية بالزعم بأن هدفهم حماية الأقليات المسيحية، كما أنهم يهدفون من وراء إثارة هذه الفتن إلى إضعاف الدول العربية حتى يسهل عليهم السيطرة والتحكم في مصيرها. وقد اتبع الاستعمار الغربي هذا الأسلوب قديماً وحديثاً في محاولته السيطرة على الأمة العربية. وهنا
стр. 979
يقول برناند لويس: "الواقع أن إلحاق المنطقة العربية بالغرب لم يكن ممكناً إلا عن طريق تفكيكها وتجزئتها، ولو أعطيت لأي سياسي في العالم مسألة يسألونه فيها أن يسعى إلى إلحاق المنطقة العربية بالغرب، لما اختار غير الأسلوب الذي اختاره الغرب فعلاً، وهو تفكيك المنطقة بالفتن الطائفية والتفتيت الإجتماعي والثقافي، وافتعال الخصومات والفروقات، وتوسيع مواطن الاختلاف والمبالغة في إبرازها. وليس من شك في أن من يسعى إلى هذا يحزنه مشهد السلام بين الطوائف ويسعده إندلاع التقاتل بينها، ولعل من يستبعد دور الغرب في إشعال فتيل هذا التقاتل هو واحد من اثنين، خادع أو مخدوع" (١).
ولما كانت الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية العربيتين، وخاصة في مصر ولبنان، تتمتعان بموقع يمكنهما من دفع الحوار الإسلامي - المسيحي في الاتجاه الصحيح، فأن إثارة الاضطرابات الطائفية في لبنان ومصر، ودور إسرائيل في هذه الإثارة، يستهدف في الدرجة الأولى طعن مصداقية الكنيستين ورجالهما أمام المسلمين وطعن المصداقية الإسلامية أمام القيادات المسيحية، وبالتالي تعطيل القيام بهذا الدور الحواري التوحيدي. فالعرب والمسلمين في تصديهم للصهيونية بوجهيها اليهودي والمسيحي، يحتاجون إلى التحالف مع الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية وحتى مع بعض الكنائس الإنجيلية التي تعتبر الصهيونية معادية لها وخطراً عليها. ومن مستلزمات هذا التحالف تعزيز التفاهم الإسلامي المسيحي وإخماد الفتن الطائفية التي تنفجر مرة في لبنان، ومرة ثانية في مصر .. ومرة ثالثة في السودان، والقفز من فوق مخططات التجزئة والتقسيم التي تروج لها إسرائيل كقاعدة لأمنها الاستراتيجي.
إن الإدانة التي تصدر عن بعض المسلمين ضد الكنيسة أو عن بعض المسيحيين ضد الإسلام فوق أنها إدانة ظالمة وخاطئة بالمطلق، فإنها تعطل سبل تفاهمهما وتقطع الطريق أمام تحالفهما. وكلما ازدادت الهوة اتساعاً بين المسيحية والمسلمين، تتقدم الصهيونية المسيحية خطوات إلى الأمام نحو أهدافها على حساب الإسلام والمسيحية معاً. فقد أدى التحالف بين دول إسلامية وعربية مع الكتلة
стр. 980
الشيوعية - السابقة - في الخمسينات من هذا القرن، إلى إضرام النار في حقل التفاهم الإسلامي المسيحي الجاف، حيث لعبت الخلفية الاستعمارية لدول أوروبا الغربية، والخلفية الصهيونية لسياسة الولايات المتحدة، الدور الأساسي في دفع بعض الدول العربية والإسلامية إلى أحضان الكرملين، رغم العداء للشيوعية كعقيدة. وقد وظفت الصهيونية اليهودية، والصهيونية المسيحية هذا الأمر لتوسيع الهوة بين العرب والغرب، وبين الإسلام والمسيحية. وقبل أن تتكشف خطورة الفصل بين المسيحية، والصهيونية المسيحية، كانت أحكام الإدانة المشرعة قد عطلت لغة الحوار والتفاهم على قواعد العقائد والمصالح المشتركة. ومع الوقت أصبحت الإدانات المتبادلة قوالب جامدة لعلاقات سيئة، ولم تتمكن مؤتمرات الحوار الإسلامي المسيحي أن تفعل الكثير لتحطيم هذه القوالب، ومن ثم لدفع العلاقات نحو آفاق التعاون الرحب والمفتوح أمامها.
كما كان للفتنة في لبنان آثار مدمرة على محاولات الحوار المتواصلة التي جرت في الثمانينات في روما وأثينا ومدريد وقبرص، وحتى في الولايات المتحدة نفسها. فالمثال اللبناني الراقي على التعايش بين المسلمين والمسيحيين تحول بفعل التدخل والتحريض الإسرائيلي والدولي إلى وحش مخيف. وما لم يدرك المسلمون والمسيحيون داخل لبنان وخارجه، أن ما حدث في لبنان هو جزء من الصراع بين الصهيونية (اليهودية والمسيحية) وأعدائها، فإن كل حسابات التعامل مع أسباب ونتائج هذه الفتنة، ستبقى حسابات خاطئة ومتعثرة. إن ما حدث في لبنان كان نتيجة ولم يكن سبباً، كان أداة ولم يكن هدفاً. لم يكن ما حدث نتيجة لاستحالة التعايش الإسلامي - المسيحي، ولكنه كان سبباً لنجاح هذا التعايش. فالذين ساءهم نجاح التجربة اللبنانية عملوا على ضربها. ولم يكن ضرب هذه الصيغة هدفاً في حد ذاته، بل أداة لضرب هدف أكبر، هو التفاهم الإسلامي المسيحي ضد الصهيونية (١). ومما يدل على ذلك هو ان أول رد على أكاذيب الصهيونية المسيحية في عقر دارها في
стр. 981
الولايات المتحدة الاميركيه كان بقلم القس إبراهيم متري رحباني في كتابه (المسيح السوري) المطبوع في أميركا عام ١٩١٦ (١).
دور المسلمين والعرب في أمريكيا في المواجهة
إذا كنا عرضنا في السابق للدور الذي يمكن ان تقوم به الكنائس المختلفة والكنائس العربية في مواجهة الصهيونية المسيحية، فإن هناك دور مهم وحيوى يمكن ان يقوم به المسلمون والعرب داخل أمريكا، بسبب تاريخهم الطويل وثقلهم العددى الذى يمكنهم إذا ما تعاونوا مع الجماعت الاخرى، من تشكيل قوه ضاغطه ومؤثرة في صناعة القرار في أمريكا. ويكفي ان نعلم ان المسلمون كانوا من اوائل النازلين بأمريكا. يقول بول فندلى: "قدم المسلمون إلى شواطئ أمريكا طواعية، وكان بعضم بين اوائل النازلين بأمريكيا الشمالية، وتشير وثيقة قديمة إلى ان البحارة المسلمين قدموا إلى أمريكيا الشمالية عام ١١٧٨، اى قبل ثلاثة قرون من رحلة كولمبس الأولى. وكان بعض اولئك البحارة من الصين وآخرون من غرب افريقيا. وفي عام ١٣١٠ كان مسلمون من منطقة مالى في افريقيا، اول من استكشفوا المناطق الداخلية التى اصبحت فيما بعد الولايات المتحدة، مستخدمين نهر المسيسبى طريق مرور لهم. وفي عام ١٤٩٢، كان عدة بحارة مسلمين بين بحارة كولمبس اثناء رحلته الناجحة إلى العالم الجديد. وحمل معه ايضاً وثيقه يشير فيها العالم العربى الادريسى إلى ثمانية مستكشفين قد اكتشفوا قارة جديدة قبل ذلك بعدة سنوات" (٢).
وهذا التاريخ الطويل للمسلمين في أمريكيا، والذي لن يعجب الانجلوسكسون، يعطي مشروعية تاريخية للوجود العربي الإسلامي في أمريكا. والمشروعية التي نقصدها تنبع من كوننا كمسلمين وعرب اصحاب رسالة حضارية انسانية تحترم الآخر وتتفاعل معه. والدليل على ذلك انه عندما اكتشف المسلمون أمريكا قبل كولمبس، لم يسرقوا ويدمروا ويقتلوا اهل البلاد الاصليين، بل تفاعلوا معهم، وبنوا
стр. 982
مسجداً، ساهم في تأخير نهب أمريكا وابادة سكانها بعض الوقت. والمأمل ان يساهم وجودهم المتزايد الآن في أمريكا، في اعادة الامور إلى نصابها، واعادة الوجه الانساني لهذه القاره الذي سرقه الصليبيون الجدد.
وبالرغم من صعوبه المهمة فأنه بإمكان المسلمين والعرب، القيام بذلك أو على اقل تقدير المساهمه به، من خلال التعاون مع الجماعت الأخرى المناهضة للوضع الحالي، يساعدهم في ذلك تزايد عددهم. ففى الوقت الحاضر تؤكد المصادر الاحصائيه الرسمية في أمريكا أن عدد المسلمين المتواجدين في أنحاء الولايات المتحده الأمريكيه بصورة رسميه يبلغ سبعة ملايين توزيعهم كالتالي: مليون مسلم أمريكي من أصول عربيه، ٣ مليون مسلم أمريكي من أصول امريكيه وغير عربيه، ٣ مليون مسلم أمريكي من أصول غير امريكيه اغلبهم من باكستان والهند وإيران وتركيا والدول العربيه. أما مجموع إحصاء الأمريكيين من أصول عربيه المقيمين بصورة رسميه في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكيه فيبلغ ثلاثة ملايين عربي توزيعهم كالتالي: مليون مسلم بنسبة ٣٣% (الجالية الثانية في أمريكا)، ٣٠٠ الف بروتستانتي بنسبة ١٠%، ٧٥٠ الف أرثوذكسي يوناني وكلداني بنسبة ١٩%، ٦٠ الف أرثوذكسي مصري بنسبة ٢%، مليون و ١٠٨ الف كاثوليك روم بنسبة ٣٦% الجالية الأولى في أمريكا" (١).
وبالرغم من هذا التاريخ الطويل والوزن العددي للمسلمين والعرب في أمريكا الا ان تأثيرهم في الحياة العامه حتى الآن لا يتناسب مع حجمهم وامكانياتهم. ففي حين قام بعض المسلمون، المنخرطون في انشطة تنظيمية وانشطة ذات صلة بالسياسة العامة، بخطى واسعه، مؤثرة في مجال التفاهم بين الديانات المختلفة، الا انهم ليسوا سوى جزء صغير من الجماعة الإسلامية في أمريكيا، حيث لا يزال عدد المسلمين المشاركين في المؤسسات الإسلامية في أمريكا قليل، غير انه يتضح ان هذه المشاركة تزداد اثناء الفترات العصيبة (٢). واذا اعتمدنا لوائح العضوية والحضور في المؤتمرات السنوية التى تعقدها اكبر منظمتين اسلاميين، نستطيع ان نقدر
стр. 983
عدد المسلمين المنخرطين في النشاط المنظم، لكن افضل التقديرات المبنية عليها تعطى رقماً لمجموع هؤلاء، لا يتجاوز مائتى الف ناشط، اما بقية المسلمين، وهم اكثر من ستة ملايين نسمة، فإنهم اكثرية صامته تقف على الهامش، ولا تقدم اى دعم، حتى انها تحجم عن المساعدة بالمال. ولهذا فقد احس قادة التنظيمات والجمعيات الإسلامية بهذا الامر، فبدءوا يركزون جهودهم لحث المسلمين على الانحراط في النشاطات العامه، حيث اثمر ذلك وبدأ يحرز المسلمون الأمريكيون، تدريجياً مكانه بارزة في الحكم، ويظهرون المهارة في مزاولة السياسة بعدما كانوا، لسنوات طويلة، في موقع المتفرج، وباتوا ينتخبون لتولى المناصب الرسمية، ويساعدون مرشحين آخرين على الفوز في الانتخابات، ويمارسون دوراً قيادياً في انشطة الاحزاب السياسية والانشطة السياسية الحكومية، ويؤسسون حضوراً في السلطة القضائية للدولة (١).
ويرى فندلى، ان سبباً رئيسياً من اسباب بقاء الانماط المعادية للاسلام، هو واقع المسلمين الأمريكين الذين ما زالوا غير منظمين إلى حد بعيد، رغم وجودهم في أمريكيا منذ امد طويل. وعلى الرغم من تعاظم عددهم، فإن قيادتهم الوطنية لم تتبلور الا مؤخراً. يضاف إلى ذلك ان المسلمين الأمريكيين ليس لهم ثأثير يذكر في قرارات تغطية الاخبار بأى وسيلة من وسائل الاعلام، ومرد ذلك جزئياً إلى انخراط عدد قليل فقط منهم في ميدان الصحافة وامتهانها. فمعظم الاخبار التى تنشر وتبث في أمريكيا، يكتبها صحافيون لا يملكون معلومات وافية عن الإسلام، أو يملكون معلومات مضللة. واذا اراد المسلمون ان يكون لهم صوت مسموع في أمريكا فعليهم الاعلان جهراً عن هويتهم الإسلامية. والبحث عن وسائل تمكنهم من عرض حقيقة دينهم على غير المسلمين. فالرد على الافكار المنمطه، عبر تدابير تصحيحية متفاعلة مع الغير، هو امر اساسى، ولكن اتخاذ خطوات تتحكم بالوضع ولا تنتظر وقوع الواقعة للرد عليها، على القدر ذاته من أهمية الامر الأول. لهذا يجب على المسلمين الظهور بمظهر لائق في الدول التي يقيمون فيها، فعندما يهمل احد المسلمين واجبه كمواطن أو يسلك سلوكاً سيئاً، فإنه يجلب المعاناة للمسلمين كافة.
стр. 984
وعدم الطعن في كل صورة تشوه الإسلام، بل عدم الطعن في اى تقرير عن احداث مسيئة إلى الإسلام، تقع في اماكن بعيدة، مثل اندونيسيا والفلبين وافغانستان، يحمل المسلمين الأمريكيين عبئاً اضافياً مهما يكن مصدر الاساءة، ولهذا فإنه ينبغى لكل مسلم ان يشعر بواجب الدفاع عن ديانته ازاء تشوه حقائقها (١).
فالعداء للعرب والمسلمين، الذي كان على الدوام جزءاً من الايديولوجية الغربية، يكاد يتحول الآن إلى هواية شعبية. هذا العداء تغذيه الرأسمالية العالمية الحريصة على تبرير استغلالها وعدوانها وتسخر في خدمته أدوات اعلامها الجهنمية، وهو يستند ايضاً إلى اسس اخرى كثيرة، بعضها تاريخي جيوبوليتيكي والآخر ثقافي ديني. على اننا نحن العرب والمسلمين نحسن صنعاً لو بدأنا، ليس بهم وبدوافعهم، ولكن بالصورة التي تطرحها افعالنا وقيمنا وأنماط سلوكنا وتفكيرنا- حكاماً وسواحاً وشعوباً- في اذهان العالم المعاصر، غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، لنعرف هل تجعلهم هذه الصورة أدنى إلى التعاطف مع قضايانا وثورتنا، وبوجه خاص ثورة فلسطين، ام هم ادنى إلى الوقوع في شراك العداء التي تنصبها لنا الصهيومية والامبريالية في كل مكان (٢).
العلاقات العربية الأميركية
يعرض الأستاذ (محمد حسنين هيكل) في كتابه (الإمبراطورية الأميركية والإغارة على العراق) تحليلاً قيماًً لحاضر ومستقبل العلاقات العربية الأمريكية، يمكن الاستفاده منه في وضع استراتيجيه خارجيه ودولية لعلاقات الدول العربية مع أمريكا والعالم، حيث يقول: تحيط بالعلاقات العربية الأميركية بيئة تتكون من شبه مستحيلات أربعة تبدو وكأنها أضلاع صندوق مغلق، وهي كما يراها هيكل:
١ - صعوبة إقامة صداقة حقيقية مع الإمبراطورية الأميركية, لأن تلك فرصة أفلتت من زمن طويل، فقد تبدت لها احتمالات ممكنة سنة ١٩٤٥، ولكنها تبددت عام ١٩٤٨.
стр. 985
٢ - خطورة الدخول في عداء مطلق مع الإمبراطورية الأميركية, لأن هذه الدرجة من العداء تصل بحركة الأشياء إلى الصدام العنيف، وذلك تحد لا تستطيع الأمة احتماله، فهو في اللحظة هذه وللزمن المرئي يفوق طاقتها أو يتعدى مواردها.
٣ - منزلق الاندفاع إلى النهاية في مثل هذا العداء بدون حد، لأن ذلك يصل بأصحابه إلى حالة من الكراهية العاجزة تضرهم بأكثر مما تصيب غيرهم، وتلك وصفة فشل أكثر منها نجاح بشري.
٤ - استحالة الصبر إذا توهم العرب أن بإمكانهم تجاهل الإمبراطورية الأميركية وتركها لعوامل الزمن تعريها وتكسر شوكتها، كما حدث لإمبراطوريات سبقتها، لأن وزن الحقائق لا يسمح بمثل هذا التجاهل، فالواقع الراهن له أحكامه، وانتظار الظنون فرض يصعب اعتماده للتصرف الآني مع وجود الإمبراطورية الأميركية بسطوتها وبأسها في قلب العالم العربي بطلبه مرة أو بطلبها مرات.
وبالرغم من هذه البيئه الشائكة التى تحيط بالعلاقات العربيبة الأمريكية الا ان الاستاذ هيكل يرى أن السياسة الأميركية برغم أنها تبدو أمام العرب عاصفة من العنف الأحمق والجامح، فإن ذلك ينبغي ألا يخيف ويغري بالفرار، لأن واحدا من أهم دروس التاريخ أن الإمبراطوريات العاتية تكابر حتى تصل إلى الذرى العالية، ثم تكتشف عند الوصول هناك أن البقاء فادح التكاليف، وعندها تظهر حتمية النزول، لكن الإمبراطوريات تعاند وساعتها يبلغ العنف مداه، وذلك ما حدث لكل الإمبراطوريات سابقاً، من الإمبراطورية الرومانية في العالم القديم، إلى الإمبراطوريتين الكبريين في التاريخ الإسلامي (الأموية والعباسية) في العصر الوسيط، إلى الإمبراطوريات الأوروبية في العصرين القريب والحديث. فتلك الإمبراطوريات جميعاً بلغت الذرى زمن الصعود، وكلها بعد ذلك وبسب أعباء وتكاليف الإمبراطورية اضطرت إلى النزول على السفوح، وكلها في حالة الصعود استعانت بالقوة، وكلها في اتقاء النزول قاومت بالعنف.
وذلك ما يحدث للإمبراطورية الأميركية, وإن كان في حالتها يستدعي قدراً أكثر من الحرص والتدقيق، لأن هذه الإمبراطورية فصيلة تختلف عما سبقها، فهي تملك من عوامل القوة الاقتصادية والمالية ما يتفوق على سابقاتها طوال التاريخ، وهذه الإمبراطورية توظف لخدمة أهدافها أقوى وأكبر منجزات التقدم الإنساني في